عبادةُ التعظيمِ
إن تعظيمَ اللهِ ﷿ من أعظمِ العباداتِ التي غفلَ عنها كثيرٌ من الناسِ، فساءتْ أحوالُهم، وانقلبتْ موازينُهم، وتلاعبتْ بهم الشياطينُ والأهواءُ والأنفسُ الأمارةُ بالسوءِ.
فالتوحيدُ الذي هو رأسُ الأمرِ هو الأصلُ في تعظيمِ اللهِ ﷿ فاللهُ ﷿ أعظمُ من أن يُعْبَدَ معَهُ غيرُه قال تعالى في الحديثِ القُدْسِيِّ: «أنا أغنى الشركاءِ عن الشِّركِ، من عملَ عملًا أشركَ فيه معي غَيْرِي تركتُه وشِرْكَهُ» [مسلم].
ولمَّا عبدَ قومُ نوحٍ الأصنامَ أنكرَ عليهم نوحٌ ﵇ وقال لهم: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]. قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ: أي ما لكم لا ترجونَ للهِ عظمةً، وقال سعيدٌ بنُ جبيرٍ: ما لكم لا تُعَظِّمُونَ اللهَ حقَّ عظمتِه، وقال الكلبيُّ: لا تخافونَ للهِ عظمةً (١).
وهدهدُ سليمانَ ﵇ لمّا كان معظمًا للهِ ﷿ استنكرَ أن يعبدَ قومٌ الشمسَ من دونِ الله تعالى: ﴿إِنّي وَجَدتّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشّمْسِ مِن دُونِ اللهِ وَزَيّنَ لَهُمُ الشّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدّهُمْ عَنِ السّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاّ يَسْجُدُوا للهِ الّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل:٢٣ - ٢٦].
حتى الجماداتِ فإنها تستبشعُ افتراءَ الكذبِ على اللهِ وادعاءَ أن له ولدًا
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٤٩٥).
[ ١٥ ]
تعظيمًا لله ﷿ وإجلالًا له: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا *لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٨٨ - ٩٢].
قال الضحاكُ بنُ مزاحمٍ في قولِه تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ أي: يَتَشَقَّقْنَ من عظمةِ اللهِ ﷿ (١).
فعظمةُ اللهِ تعالى متقرِّرَةٌ لدى هذه الأجرامِ العظيمةِ، ولذلك فإنها لا تطيقُ هولَ تلك الكلمةِ الشنيعةِ وهي نسبةُ الولدِ إلى اللهِ تعالى، ولولا حلمُ اللهِ تعالى لخرَّ العالمُ وتبددْت قوائِمُه غضبًا على من تفوَّه بها.
قال محمدُ بنُ كعبٍ: كادَ أعداءُ اللهِ أن يُقيموا علينا الساعةَ.
وقدْ ذكرَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ ﵀ علاقةَ التعظيمِ بالوحدانيةِ فقالَ: «فمن اعتقدَ الوحدانيةَ في الألوهيةِ للهِ ﷾ والرسالةَ لعبدِه ورسولِه، ثم لم يُتْبِعْ هذا الاعتقادَ موجَبَهُ من الإجلالِ والإكرامِ، الذي هو حالٌ في القلبِ يظهرُ أثرُه على الجوارحِ، بل قارنَه الاستخفافُ والتسفيهُ والازدراءُ بالقولِ أو بالفعلِ كانَ وجودُ ذلك الاعتقادِ كعدمِهِ، وكانَ ذلك موجِبًا لفسادِ ذلك الاعتقادِ ومزيلًا لما فيه من المنفعةِ والصلاحِ، إذ الاعتقاداتُ الإيمانيةُ تُزكِّي النفوسَ وتصلِحُها، فمتى لم توجبْ زكاةَ النفسِ ولا صلاحَها، فما ذاك إلا لأنها لم ترسَخْ في القلبِ» (٢).
_________________
(١) الدر المنثور (٥/ ٥٤٤).
(٢) الصارم المسلول (١/ ٣٧٥).
[ ١٦ ]
ومن دلائلِ تعظيمِ اللهِ ﷿ عبوديةُ الكائناتِ لله تعالى وسجودُها لعظمتِه سبحانه كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:١٨].
وتعظيمُ اللهِ جل وعلا هو الذي يعطي العبادةَ روحَها وجلالَها، وهو الذي يجعلُها عبادةً مقبولةً خالصةً صحيحةً تامَّةَ الشروطِ والأركانِ، أمَّا عبادةٌ بلا تعظيمٍ فإنها كالجسدِ بلا روحٍ ولذلك قال ابنُ القيمِ ﵀: «وروحُ العبادةِ هو الإجلالُ والمحبةُ، فإذا تخلَّى أحدُهما عن الآخرِ فسدَتْ، فإذا اقترنَ بهذين الثناءُ على المحبوبِ المعظَّمِ فذلك حقيقةُ الحمدِ (١).
والنبيُّ - ﷺ - لما سألَهُ جبريلُ عن الإحسانِ قال: «أن تعبدَ اللهَ كأنَّك تراهُ، فإن لم تكن تراهُ فإنه يراك» (٢)، وهذه المراقبةُ في العبادةِ هي طريقُ التعظيمِ والإجلالِ للهِ تعالى قال ابنُ رجبٍ: «فقولُه - ﷺ - في تفسيرِ الإحسانِ: «أن تعبدَ اللهَ كأنك تراهُ» إلخ، يشيرُ إلى أنَّ العبدَ يعبدُ اللهَ على هذه الصفةِ، وهي استحضارُ قربِهِ، وأنه بين يديْهِ كأنَّه يراه، وذلك يوجبُ الخشيةَ والخوفَ والهيبةَ والتعظيمَ» (٣).
* * *
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٤٩٥).
(٢) أخرجه البخاري (٤٨)، ومسلم (٩).
(٣) جامع العلوم والحكم (١/ ١٢٦).
[ ١٧ ]
تعظيم الله في أمهات العبادة
والنبيُّ - ﷺ - أرشدَ إلى تعظيمِ اللهِ؟ في أمَّهاتِ العبادةِ فالصلاةُ وهي أعظمُ الشعائرِ التعبديةِ بعد الشهادتينِ كلُّها قائمةٌ على التعظيمِ للهِ ﷿، وكان - ﷺ - يستفتحُ الصلاةَ بعباراتِ التعظيمِ والتمجيدِ والإجلالِ للهِ ﷿. ففي السننِ عن عائشةَ وأبي سعيدٍ أن النبيَّ - ﷺ - كانَ إذا استفتحَ الصلاةَ قال: «سبحانك اللهمَّ وبحمدِك وتبارَكَ اسمُكَ، وتعالى جدُّك ولا إله غيرُك» (١).
وفي صحيح مسلمٍ عن عليٍّ بنِ أبي طالبٍ ﵁ قالَ: كان رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا قامَ إلى الصلاةِ قال: «وجَّهْتُ وجهِيَ للذي فطرَ السمواتِ والأرضَ حنيفًا وما أنا من المشركينَ إنَّ صَلاتي ونسُكي ومحيايَ ومماتي للهِ ربِّ العالمينَ، لا شريكَ له وبذلكَ أمرتُ وأنا من المسلمينَ، اللَّهُمَّ أنت الملِكُ لا إله إلَّا أنت، أنت ربي وأنا عبدُك، ظلمتُ نفسي، واعترفتُ بذنبي فاغفِرْ لي ذنوبِي جميعًا إنَّه لا يغفرُ الذنوبَ إلَّا أنتَ، واهدني لأحسنِ الأخلاقِ لا يهدي لأحسَنِهَا إلَّا أنتَ، واصرِفْ عني سيئَهَا لا يصرفُ عني سيِّئَهَا إلا أنتَ، لبيك وسعدَيْك، والخيرُ كلُّه في يديْك، والشرُّ ليس إليك، أنا بك وإليك تباركْتَ وتعالَيْتَ، أستغفِرُك وأتوبُ إليك» (٢).
وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال: «اللهم لك الحمد أنت نور السموات
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٢٥)، والنسائي (٨٨٩).
(٢) رواه مسلم (١٢٩٠)، والترمذي (٣٣٤٤).
[ ١٨ ]
والأرضِ ومَن فيهن ولكَ الحمدُ، أنت قَيَّامُ السمواتِ والأرضِ ومَنْ فيهن، ولكَ الحمدُ، أنت ربُّ السموات والأرض ومن فيهن، أنت الحقُّ، ووَعدُك الحقُّ، وقولُك الحقُّ، ولقاؤُك حَقٌّ، والجنةُ حَقٌّ، والنارُ حَقٌّ، والنبيون حَقٌّ، ومحمد - ﷺ - حَقٌّ، والسَّاعة حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أسْلمتُ، وبك آمنتُ، وعليكَ توكلتُ، وإليكَ أنبتُ، وبكَ خاصمتُ، وإليكَ حاكمتُ، فاغفر لي ما قدَّمتُ وما أخرّتُ، وما أسررتُ وما أعلنتُ، أنت إلهي لا إله إلَّا أنت» (١).
فهو - ﷺ - أعظمُ الناسِ تعظيمًا لربِّه تعالى، وأحسنُهم ثناءً عليه وافتقارًا إليه ورغبةً في فضْلِه ورهبةً من عذابِه. وفاتحةُ الكتابِ كذلكَ من أعظمِ ما عُظِّمَ به اللهُ ﵎، ولذلكَ جاءَ في الحديثِ القُدْسِيِّ: «قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصفينِ، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبدُ: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حَمِدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: أثنَى عليَّ عبدي، وإذا قال: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مَجَّدني عبدي - وقال مرةً فَوَّضَ إليَّ عبدي - فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبينَ عبدي ولعبدِي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدِي ولعبدِي ما سألَ» (٢).
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٥٣)، ومسلم (١٢٨٨).
(٢) صحيح مسلم (ح٥٩٨) كتاب الصلاة، باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، وسنن الترمذي (٢٨٧٧)، وسنن النسائي (٩٠٠)، وأبي داود (٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧٤)، وأحمد (٩٥٥٢).
[ ١٩ ]
والركوعُ كذلكَ من مواضِعِ تعظيمِ اللهِ جل وعلا في الصلاةِ لقولِه - ﷺ -: «أما الركوعُ فعظِّمُوا فيه الربَّ» (١). وفي السننِ عن حذيفةَ ﵁ أنه سَمِعَ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ إذا ركعَ: «سبحانَ ربي العظيمِ» ثلاث مراتٍ، وإذا سجَدَ قال: «سبحانَ ربي الأعلى» ثلاثَ مراتٍ (٢).
وهذا يدلُّ على أن التعظيمَ يكونُ في الركوعِ والسجودِ إلَّا أنَّه في الركوعِ يكونُ الثناءُ والتعظيمُ أكثرُ أما السجودُ فيكونُ فيه التسبيحُ الذي هو تعظيمٌ للهِ؟ ويكونُ فيه الدعاءُ والمسألةُ قال - ﷺ -: «أما الركوعُ فعظِّمُوا فيه الربَّ وأما السجودُ فاجتهدُوا في الدعاءِ فَقَمِنٌ أنْ يُستجَابَ لكم» (٣).
وعن عائشة ل قالت: كان رسولُ الله - ﷺ - يُكثِرُ أن يَقُولَ في ركوعِه وسجودِه: «سبحانَكَ اللهمَّ ربَّنا وبحمدِكَ اللهمَّ اغفِرْ لي» (٤). وعنها ل قالت: كان رسولُ الله غ يقولُ في ركوعِه وسجودِه: «سُبوحٌ قُدوسٌ، ربُّ الملائكةِ والروحِ» (٥).
وكذلك جعلَ النبيُّ - ﷺ - ذِكْرَ ما بعد الرفعِ من الركوعِ منصبًّا على تعظيمِ اللهِ جلَّ وعلا، فعن أبي سعيدٍ رضي الل عنه قال: كان رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا رفَعَ رأسَه من الركوعِ قال: «اللهم ربَّنا لك الحمدُ ملْءَ السمواتِ ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما بينهما، وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بعدُ، أهلَ الثناءِ والمجدِ، أحقُّ ما قال
_________________
(١) مسند أحمد (١٨٠١)، ومسلم (٤٧٩)، وأبو داود (٧٤٢)، والنسائي (١٠٤٥).
(٢) الترمذي (٢٦١)، وابن ماجه (٨٨).
(٣) مسلم (٤٧٩)، النسائي (١٠٤٥)، أحمد (١٨٠١).
(٤) البخاري (٧٦١)، مسلم (٤٨٤).
(٥) مسلم (٤٨٧)، النسائي (١١٣٤)، أبو داود (٨٧٢).
[ ٢٠ ]
العبدُ وكلُّنَا لك عبدٌ، اللهمَّ لا مانعَ لما أعطيتَ، ولا معطيَ لما منعتَ، ولا ينفعُ ذا الجدِّ منك الجدُّ» (١).
أما الحجُّ فإنه كذلك من العباداتِ التي يَتَجَلَّى فيها تعظيمُ الربِّ ﷻ في كلِّ منسكٍ من مناسكِهِ فإن هناك كثيرًا من أفعالِ الحجِّ غيرُ معقولةِ المعنى، غير أنَّ المعنى الذي يجمَعُها جميعًا هو الطاعةُ المطلقةُ والتعظيمُ المطلقُ للهِ تعالى، فالطوافُ يكونُ حولَ البيتِ الذي هو من الحجارةِ، والحجرُ الأسودُ يُقَبَّلُ مع كونِه حجرًا، ورَمْيُ الجِمارِ إنما هو حَجَرٌ يُرمى به حَجَرٌ، فما الذي جعلَ هذا الحجَرَ يُرْمَى وهذا الحَجَرَ يُقَبَّلُ وهذا الحَجَرُ يُطافُ حولَه سِوَى العبوديةِ المحضةِ والتعظيمِ الخالصِ للهِ تعالى!
وفي التلبيةِ التي هي شعارُ الحجِّ أعظمُ عباراتِ الثناءِ والتعظيمِ للهِ جل وعلا: «لبيك اللهُمَّ لبيك، لبيك لا شريكَ لك لبيك، إن الحمدَ والنعمةَ لك والملكُ، لا شريكَ لك».
ذكر ابنُ القيمِ ﵀ في معنى التلبيةِ كلامًا جميلًا نذكرُ منهُ ما يدلُّ على تعظيمِ الربِّ تعالى حيثُ ذكرَ من مَعَانيها: إجابةً لك بعدَ إجابةٍ، أو انقيادًا لك بعد انقيادٍ، أي انقدتُ لك، وَسَعَتْ نفسِي خاضعةً ذليلةً، أو حبًّا لك بعد حبٍّ، أو أخلَصْتُ لُبِّي وقَلْبِي لك، فهي شعارُ التوحيدِ ملةِ إبراهيمَ الذي هو روحُ الحجِّ ومقصدُه، بلْ روحُ العباداتِ كلِّها والمقصودُ منها، ولهذا كانت التلبيةُ مفتاحَ هذه العبادةِ التي يُدْخَلُ فيها بها.
_________________
(١) البخاري (١٥٤٩)، مسلم (١١٨٤)، أبو داود (١٧٤٧).
[ ٢١ ]
وكذلك فإنها مشتملةٌ على الاعترافِ للهِ بالنعمةِ كلِّها ولهذا عَرَّفَها باللامِ المفيدةِ للاستغراقِ أي النعمُ كلُّها لك وأنت مُوليها والمنعمُ بها.
ومشتملةٌ كذلك على الاعترافِ بأن المُلْكَ كلَّه للهِ وحده، فلا مُلْكَ على الحقيقةِ لغيرِه.
واللهُ سبحانه يفرَّقُ في صفاتِه بين الملكِ والحمدِ، وسَوَّغَ هذا المعنى أنَّ اقترانَ أحدُهُما بالآخرِ من أعظمِ الكمالِ والملكِ. والملكُ وحدَه كمالٌ، والحمدُ كمالٌ، واقترانُ أحدِهما بالآخرِ كمالٌ، فإذا اجْتمعَ الملكُ المتضمِّنُ للقدرةِ، مع النعمةِ المتضمِّنةِ لغايةِ النفعِ والإحسانِ والرحمةِ، مع الحمدِ المتضمِّنِ لعامةِ الجلالِ والإكرامِ الداعِي إلى محبَّتِه، كان في ذلك من العظمةِ والكمالِ والجلالِ ما هو أولى به وهو أهلُه» (١).
* * *
_________________
(١) تهذيب سنن أبي داود (١/ ٢٢٤ - ٢٢٩) باختصار.
[ ٢٢ ]
حقيقةُ تعظيمِ اللهِ تعالى
ذكرَ الهرويُّ ﵀ في (منازلِ السائرينَ) حقيقةَ تعظيمِ اللهِ تعالى فقال: «تعظيمُ الحقِّ سبحانه هو ألا يجعلَ دونَه سببًا، ولا يَرَى عليه حقًّا، أو ينازَع له اختيارًا».
وهذا من دُرَر كلامِه ﵀، وقد شَرَحه الإمامُ ابنُ القيمِ فقال: «هذه الدرجةُ تتضمنُ تعظيمَ الحاكمِ سبحانه صاحبَ الخلقِ والأمرِ وذكر من تعظيمِه ثلاثةَ أشياءَ:
إحداها: أن لا تجعلَ دونَه سببًا، أي لا تجعَلْ للوصْلةِ إليه سببًا غيرَه، بل هو الذي يوصِلُ عبدَه إليه، فلا يوصِلُ إلى اللهِ إلا اللهُ، ولا يقرِّبُ إليه سِوَاه، ولا يُدِني إليه غيرُه، ولا يُتَوصلُ إلى رضاهُ إلا به، فما دلَّ على اللهِ إلا اللهُ، ولا هَدَى إليه سِواه، ولا أَدْنَى إليه غيرُه، فإنه سبحانَه هو الذي جعلَ السببَ سببًا، فالسببُ وسببيتُه وإيصالُه كلُّه خلقُه وفعلُه.
الثاني: أن لا يَرى عليه حقًّا، أي لا تَرى لأحدٍ من الخلقِ لا لك ولا لغيرِك حقًّا على اللهِ، بل الحقُّ للهِ على خلقِه وفي أثرٍ إسرائيلي: أن داودَ ﵇ قال: يا ربّ بحقِّ آبائي عليك. فأوْحَى اللهُ إليه: يا داودُ! أيُّ حقٍّ لآبائِك عليَّ؟ ألستُ أنا الذي هديتُهم ومننْتُ عليهم واصطفيتُهم وليَ الحقُّ عليهم.
وأما حقوقُ العبيدِ على اللهِ تعالى؛ من إثابةٍ لمطيعِهم، وتوبتِه على تائِبِهم، وإجابَتِه لسائِلِهم، فتلك حقوقٌ أحقَّها اللهُ سبحانه على نفسِه بحكمِ وعدِهِ وإحسانِه، لا أنَّها حقوقٌ أحقُّوها هم عليه، فالحقُّ في الحقيقةِ للهِ على عبدِه.
[ ٢٣ ]
وحقُّ العبدِ عليه هو ما اقتَضَاه جودُه وبرُّه وإحسانُه إليه بمحضِ جودِه وكرمِه، هذا قولُ أهلِ التوفيقِ والبصائرِ.
الثالث: وأما قولُه: ولا ينازِعُ لهُ اختيارًا، أي إذا رأيتَ اللهَ ﷿ قد اختارَ لك، أو لغيرِك شيئًا؛ إما بأمرِه ودينِه، وإما بقضائِهِ وقدرِه، فلا تنازع اختيارَه، بل ارضَ باختيارِ ما اختارَه لك فإن ذلك من تعظيمِه سبحانه. ولا يَرِدُ عليه قَدَرُه عليه من المعاصي، فإنه سبحانه وإن قَدَّرَها لكنه لم يختَرْها له، فمنازَعتُها غيرُ اختيارِه من عبدِه، وذلك من تمامِ تعظيمِ العبدِ له سبحانه» (١).
والمؤمنُ - من تعظيمِ ربّه ﵎ يرى الخيرَ في كلِّ ما يأتي به اللهُ ـ، ويعلَم أنَّ الله تعالى يريدُ به الخيرَ واليسرَ والفلاحَ الذي قد يأتي في ثَوبِ البلاءِ والشدةِ والضيقِ، ولذلك قال النبيُّ - ﷺ -: «عجبًا لأمرِ المؤمنِ إن أمرَه كلَّه خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمنِ، إن أصابتْه سراءُ شَكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَتْه ضَرَاءُ صَبَرَ فكانَ خيرًا له» (٢).
إن غيرَ المؤمنِ لا يصيبُه من هذا الخيرِ شيءٌ لأنه لا يعظمُ اللهَ تعالى ولا يرضَى بقضائِه، ويرى لنفسِه الحقَّ على اللهِ تعالى، كما قالَ صاحبُ الجنتينِ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف:٣٦].
أما المؤمنُ المعظِّمُ لربِّه ﵎ فإنَّه يرضى بما قدَّرَهُ الله عليه، ويصبِرُ على البلاءِ، ويسألُ ربَّه أن يرفَعَ عنه هذا البلاءَ وأن يثبِّتَه على الحقِّ،
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٥٠١).
(٢) أخرجه مسلم (٥٣١٨).
[ ٢٤ ]
كما أنه يعودُ باللائمةِ في نزولِ هذا البلاءِ على نفسِه، ويعلمُ أنه مستحقٌّ له وأن اللهَ ﷿ لم يظلمْهُ وإنما ابتلاهُ بذنوبِه تنبيهًا وإيقاظًا حتى يتدارَكَ أمرَهُ، ويصلحَ شأنَهُ، كلُّ ذلك لأنه لا يرى لنفسِه حقًّا على الله تعالى كما قال الناظمُ وأحسن:
ما للعبادِ عليه حقٌّ واجبُ كلَّا ولا سعيٌ لديه ضائعُ
إن عُذِّبُوا فبعدلِه أو نُعِّموا فبفَضْلِهِ وهو الكريمُ الواسعُ
* * *
[ ٢٥ ]
من معاني اسم الله (العظيم)
من أسمائِه تعالى: (العظيم) قال تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ [الحاقة:٣٣].
قالَ الزجاجُ: العظيمُ: المعظَّمُ في صفةِ اللهِ تعالى يفيدُ عِظَمَ الشأنِ والسلطانِ، وليس المرادُ به وصفَه بعظمِ الأجزاءِ لأن ذلك من صفاتِ المخلوقينَ تعالى الله عن ذلك علوًّا (١).
قال الشيخُ السعديُّ رحمه الله تعالى: «العظيمُ الجامعُ لجميعِ صفاتِ العظمةِ والكبرياءِ، والمجدِ والبهاءِ الذي تحبُّه القلوبُ، وتعظِّمُه الأرواحُ، ويعرفُ العارفونَ أنَّ عظمةَ كلِّ شيءٍ، وإن جَلّتْ في الصفةِ، فإنها مُضْمَحِلةٌ في جانبِ عظمةِ العليِّ العظيمِ.
واللهُ تعالى عظيمٌ له كلُّ وصفٍ ومعنىً يوجبُ التعظيمَ، فلا يقدرُ مخلوقٌ أنْ يُثْنِيَ عليه كما ينبغي له، ولا يُحصِي ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسِه، وفوقَ ما يُثْنِي عليه عبادُه.
واعلمْ أن مَعَانِي التعظيمِ الثابتةِ للهِ وحدَه نوعانِ:
أحدُهما: أنه موصوفٌ بكلِّ صفةِ كمالٍ، وله من ذلك الكمالِ أكملُه، وأعظمُه وأوسعُه، فلهُ العلمُ المحيطُ، والقدرةُ النافذةُ والكبرياءُ والعظمةُ، ومن عظمتِه أنَّ السمواتِ والأرضَ في كفِّ الرحمنِ أصغرُ من الخردلَةِ كما قال ابنُ عباسٍ وغيرُه، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا
_________________
(١) تفسير أسماء الله الحسنى للزجاج (ص:٤٦).
[ ٢٦ ]
قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وقال: ﴿إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر:٤١]، وقال تعالى وهو العليُّ العظيمُ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾ الآية [الشورى:٥].
وفي الصحيحِ عنه - ﷺ -: «إنَّ اللهَ يقولُ: الكبرياءُ ردائِي والعظمةُ إزاري، فمن نازَعَني واحدًا منهما عذبتُه» (١)، فللهِ تعالى الكبرياءُ والعظمةُ، والوصفانِ اللذانِ لا يُقْدَرُ قدرُهما ولا يُبْلَغُ كُنْهَهُمَا.
النوعُ الثاني من معاني عظمتِه تعالى: أنَّه لا يستحقُّ أحدٌ من الخلقِ أن يعظِّمَ كما يعظَّمَ اللهُ؛ فيستحقُّ ﷻ من عبادِهِ أن يعظِّمُوه بقلوبِهم، وألسنتِهم، وجوارحِهم؛ وذلك ببذلِ الجهدِ في معرفتِه، ومحبتِه، والذلِّ له، والانكسارِ له، والخضوعِ لكبريائِه، والخوفِ منه، وإعمالِ اللسانِ بالثناءِ عليه، وقيامِ الجوارحِ بشكرِه وعبوديتِه. ومن تعظيمِه: أن يُتَّقى حقَّ تقاتِه؛ فيطاعَ فلا يُعْصَى، ويذكرَ فلا يُنسى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَرُ.
ومن تعظيمِه: تعظيمُ ما حرَّمَهُ وشرعَهُ من زمانٍ ومكانٍ وأعمالٍ: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [الحج:٣٠].
ومن تعظيمِه: أن لا يُعترضُ على شيءٍ مما خَلَقَهُ أو شَرَعَهُ» (٢).
_________________
(١) رواه أبو داود (٣٥٦٧)، وابن ماجه (٤١٦٤).
(٢) الحق الواضح المبين (ص:٢٧ - ٢٨).
[ ٢٧ ]
وعظمةُ اللهِ ﷾ لا تكيَّفُ ولا تحدُّ، ولا تمثَّلُ بشيءٍ، ويجبُ على العبادِ أن يعلَمُوا أنه سبحانَهُ عظيمٌ كمَا وصفَ نفسَهُ بذلك، ووصفَهُ به رسولُه - ﷺ - بلا كيفيةٍ ولا تحديدٍ، وقدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنه قالَ: «تفكرُوا في آلاءِ اللهِ ولا تَفَكَّرُوا في اللهِ»، وفي لفظ: «تَفكَّروا في خلقِ اللهِ ولا تَفَكَّرُوا في اللهِ».
* * *
[ ٢٨ ]
من شواهد العظمة
هذا الكونُ مليءٌ بالشواهدِ التي تدلُّ على عظمةِ الخالقِ ﷾، وكل شاهدٍ من هذه الشواهدِ يوصِلُ إلى الذي يليه حتى يصلَ الأمرُ إلى الشاهدِ الأكبرِ، وهو شهودُ جلالِ الربِّ ﵎ وعظمتِهِ، وقديمًا قال الأعرابيُّ: «البعرةُ تدلُّ على البعيرِ، ومسيرُ الأقدامِ يدلُّ على المسيرِ، فسماءٌ ذاتُ أبراجٍ وأرضٌ ذاتُ فجاجٍ، وبحارٌ ذاتُ أمواجٍ، أفلا يدلُّ ذلك على اللطيفِ الخبيرِ».
ولنتأملْ معًا رحلةَ الشواهدِ التي يحكيها لنا الإمامُ ابنُ القيمِ ﵀ وهي رحلةُ التأملِ والتفكرِ والنظرِ بعينِ البصيرةِ والمعاينةِ لكلِّ ما حولَنا في هذه الدنيا، ولكلِّ ما سيكونُ في الآخرةِ من مشاهدَ وأهوالٍ وصولًا إلى دارِ المتقينَ الجنةِ، ودارِ الكافرينَ النارِ، ثمَّ مشاهدُ عذابِ أهلِ النارِ وأعظمُهُ حجبُهم عن اللهِ تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين:١٥]، ونعيمِ أهلِ الجنةِ وأعظمُه رؤيةُ الربِّ العظيمِ في يومِ المزيدِ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣]، ثم الانتقالُ بعد ذلك إلى مشاهدِ صفاتِ هذا الإلهِ العظيمِ والربِّ الكريمِ، فيكونُ هذا أعظمَ المشاهدِ في قلبِ المؤمنِ. قال الإمامُ ابن القيم (١):
١ - شاهد الدنيا:
فأولُ شواهدِ السائرِ إلى اللهِ والدارِ الآخرةِ: أن يقومَ به شاهدٌ من الدنيا وحقارتِها، وقلةِ وفائِها، وكثرةِ جفائِها، وخسةِ شركائِها، وسرعةِ انقضائِها.
_________________
(١) مدارج السالكين (٣/ ٢٥٠).
[ ٢٩ ]
ويرى أهلَها وعشاقَها صَرعَى حولَها، قد بَدَّعَتْ بهم (١)، وعذبَتْهم بأنواعِ العذابِ، وأذاقتْهم أمرَّ الشرابِ. أضحكَتْهم قليلًا، وأبكَتْهم طويلًا. سَقَتْهم كؤوسَ سُمِّها، بعد كؤوسِ خمرِها. فسكروا بحبِّها. وماتوا بهجرِها.
٢ - شاهد الآخرة:
فإذا قام بالعبدِ هذا الشاهدُ منها: ترحَّل قلبُه عنها، وسافر في طلبِ الدارِ الآخرةِ وحينئذٍ يقومُ بقلبِه شاهدٌ من الآخرةِ ودوامِها، وأنها هي الحيوانُ حقًا. فأهلُها لا يرتحلون منها، ولا يظْعَنون عنها، بل هي دارُ القرارِ، ومحطُّ الرحالِ، ومنتهى السيرِ، وأن الدنيا بالنسبةِ إليها - كما قال النبيُّ - ﷺ -: «ما الدُّنيا في الآخرةِ إلا كما يجعلُ أحدُكم إصبعَه في اليمِّ، فلينظُرْ بم ترجِعُ؟» (٢)، وقال بعضُ التابعينَ: ما الدنيا في الآخرةِ إلا أقلُّ من ذرةٍ واحدةٍ في جبالِ الدنيا.
٣ - شاهد النار:
ثم يقومُ بقلبِه شاهدٌ من النارِ، وتَوَقُّدِها واضطرامِها، وبُعْدِ قعرِها، وشدةِ حَرِّها، وعظيمِ عذابِ أهلِها. فيشاهدُهم وقد سِيقوا إليها سُودَ الوجوهِ، زُرقَ العيونِ، والسلاسلُ والأغلالُ في أعناقِهم. فلما انتهوا إليها: فُتِّحتْ في وجوهِهم أبوابُها. فشاهدوا ذلك المنظرَ الفظيعَ، وقد تقَطَّعتْ قلوبُهم حسرةً وأسفًا ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ [الكهف:٥٣]، فأراهم شاهدُ الإيمانِ، وهم إليها يُدفعونَ. وأتى
_________________
(١) بدّعت بهم: خذلتهم.
(٢) مسلم (٢٨٥٨)، الترمذي (٢٣٢٣)، ابن ماجه (٤١٠٨).
[ ٣٠ ]
النداءُ من قِبَلِ ربِّ العالمينَ ﴿وَقِفُوَهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات:٢٤]، ثم قيلَ لهم ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ. أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لا تُبْصِرُونَ. اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٤ - ١٦]، فيراهم شاهدُ الإيمان. وهم في الحميمِ، على وجوهِهم يُسحبونَ. وفي النارِ كالحطبِ يُسجَرون ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف:٤١]، فبئسَ اللحافُ وبئسَ الفراشُ.
وإن استغاثوا من شدةِ العطشِ ﴿يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف:٢٩]، فإذا شربوه قطَّع أمعاءَهم في أجوافِهم، وصَهَرَ ما في بطونِهم.
شرابُهم الحميمُ، وطعامُهم الزَّقُّومُ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٦ - ٣٧].
فإذا قام بقلبِ العبدِ هذا الشاهدُ: انخلعَ من الذنوبِ والمعاصي، واتباعِ الشهواتِ. لبسَ ثيابَ الخوفِ والحذرِ، وأخصبَ قلبَهُ من مطرِ أجفانِهِ، وهانَ عليه كلُّ مصيبةٍ تصيبُهُ في غيرِ دينِهِ وقلبِهِ.
وعلى حَسَبِ قوةِ هذا الشاهدِ يكونُ بعدُه من المعاصي والمخالفاتِ. فيذيبُ هذا الشاهدُ من قلبِه الفضلاتِ، والموادَّ المهلكةَ، وينضجُها ثم يخرجُها. فيجدُ القلبُ لذةَ العافيةِ وسُرورَها.
[ ٣١ ]
٤ - شاهد الجنة:
فيقومُ به بعد ذلك: شاهدٌ من الجنةِ، وما أعدَّ اللهُ لأهلِها فيها، مما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمِعَتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، فضلًا عمَّا وصَفَه اللهُ لعبادِهِ على لسانِ رسولِه من النعيمِ المفصَّلِ، الكفيلِ بأعلى أنواعِ اللذَّةِ، منَ المطاعمِ والمشاربِ، والملابسِ والصورِ، والبهجةِ والسرورِ. فيقومُ بقلبِهِ شاهدُ دارٍ قد جعلَ اللهُ النعيمَ المقيمَ الدائمَ بحذافِيرِه فيها.
تربتُها المسكُ، وحصباؤُها الدُّرُّ، وبناؤُها لَبِنُ الذَّهبِ والفضةِ، وقَصَبُ اللؤلؤِ، وشرابُها أحلى من العسلِ، وأطيبُ رائحةً من المسكِ، وأبردُ من الكافورِ، وألذُّ من الزنجبيلِ، ونساؤُها لو بَرَزَ وجهُ إحداهُنَّ في هذه الدنيا لغلبَ على ضوءِ الشمسِ، ولباسُهم الحريرُ من السندسِ والإستبرقِ، وخدمُهم ولدانٌ كاللؤلؤِ المنثورِ، وفاكهتُهم دائمةٌ، لا مقطوعةٌ لا ممنوعةٌ، وفُرشٌ مرفوعةٌ. وغذاؤُهم لحمُ طيرٍ مما يَشْتهونَ، وشرابُهم عليه خمرةٌ لا فيها غَوْلٌ ولا هم عنها يُنزفونَ وخُضْرَتُهُم فاكهةٌ مما يتخيرون، وشاهِدُهم حورٌ عينٌ كأمثالِ اللؤلؤِ المكنونِ، فهم على الأرائكِ مُتكؤونَ، وفي تلك الرياضِ يُحبرونَ، وفيها ما تشتهي الأنفسُ وتلذُّ الأعينُ، وهم فيها خالدونَ.
٥ - شاهد يوم المزيد:
فإذا انضم إلى هذا الشاهدِ: شاهدُ يومِ المزيدِ، والنظرُ إلى وجهِ الربِّ ﷻ، وسماعُ كلامِهِ منه بلا واسطةٍ. كما قال النبيُّ - ﷺ -: «بينما أهلُ الجنةِ في نعيمِهم، إذ سطَعَ لهم نورٌ. فرفَعُوا رؤُوسَهم. فإذا الربُّ تعالى قد أشرَفَ عليهم من فوقِهم. وقال: يا أهلَ الجنةِ، سلامٌ عليكم - ثم قرأ قولَه تعالى:
[ ٣٢ ]
﴿سَلاَمٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]ـ ثم يَتَوارى عنهم. وتبقَى رحمتُه وبركتُه عليهم في ديارِهم» (١).
فإذا انضمَّ هذا الشاهدُ إلى الشواهدِ التي قبلَه: فهناك يسيرُ القلبُ إلى ربِّه أسرعَ من سيرِ الرياحِ في مهابِّها، فلا يلتفتُ في طريقِه يمينًا ولا شمالًا.
٦ - شاهدُ جلالِ الربِّ وعظمتِهِ:
هذا، وفوقَ ذلك: شاهدٌ آخرَ تضمحِلُّ فيه هذه الشواهدُ، ويغيبُ به العبدُ عنها كلِّها. وهو شاهدُ جلالِ الربِّ تعالى، وجمالِه وكمالِه، وعزِّه وسلطانِه، وقيوميتِه وعلوِّه فوقَ عرشِه، وتكلُّمِه بكتبِه وكلماتِ تكوينِه، وخطابِه لملائكتِه وأنبيائِه.
فإذا شاهدَه شاهدَ بقلبِه قيومًا قاهرًا فوقَ عبادِه، مستويًا على عرشِه، منفردًا بتدبيرِ مملكتِه، آمرًا ناهيًا، مرسِلًا رسلَه، ومُنْزِلًا كتبَه. يرضَى ويغضَبُ، ويثيبُ ويعاقبُ. ويعطِي ويمنعُ، ويعزُّ ويذلُّ. ويحبُّ ويغضبُ. ويرحمُ إذا استُرحِمَ، ويغفرُ إذا استُغفِرَ، ويعطِي إذا سُئِلَ، ويجيبُ إذا دُعِيَ، ويقيلُ إذا استُقيلَ.
أكبرُ من كلِّ شيءٍ، وأعظمُ من كلِّ شيءٍ، وأعزُّ من كلِّ شيءٍ، وأقدرُ من كلِّ شيءٍ، وأعلمُ من كلِّ شيءٍ، وأحكمُ من كلِّ شيءٍ.
فلو كانت قُوى الخلائقِ كلِّهم على واحدٍ منهم، ثم كانوا كلُّهم على تلك القوةِ، ثم نُسبت تلك القوى إلى قوةِ اللهِ تعالى لكانتْ دونَ قوةِ البعوضةِ بالنسبةِ إلى قوةِ الأسدِ.
_________________
(١) ابن ماجه (١٨٤)، باب (١٣) فيما أنكرت الجهمية.
[ ٣٣ ]
ولو قُدِّرَ جمالُ الربِّ تعالى لكان دونَ سراجٍ ضعيفٍ بالنسبةِ إلى عينِ الشمسِ.
ولو كانَ علمُ الأولينَ، والآخرينَ على رجلٍ منهم، ثم كان كلُّ الخلقِ على تلكَ الصفةِ، ثم نُسبَ إلى علمِ الربِّ تعالى لكانَ ذلك بالنسبةِ إلى علمِ الربِّ كنقرةِ عُصفورٍ في بحرٍ.
وهكذا سائرُ صفاتِهِ، كسمعِه وبصرِه، وسائرِ نعوتِ كمالِه. فإنَّه يسمعُ ضجيجَ الأصواتِ باختلافِ اللغاتِ، على تفننِ الحاجاتِ. فلا يشغَلُه سمعٌ عن سمعٍ. ولا تُغلطُه المسائلُ. ولا يتبرمُ بإلحاحِ الملِحِّينَ.
سواءٌ عندَه من أسرَّ القولَ ومن جهرَ به. فالسِّر عنده علانيةٌ. والغيبُ عنده شهادةٌ.
يرى دبيبَ النملةِ السوداءِ، على الصخرةِ الصماءِ، في الليلةِ الظلماءِ. ويرى نياطَ عروقِها، ومجاري القوتِ في أعضائِها.
يضعُ السماواتِ على إصبعٍ من أصابعِ يدِه، والأرضَ على إصبعٍ، والجبالَ على إصبعٍ، والشجرَ على إصبعٍ، والماءَ على إصبعٍ. ويقبضُ سماواتِه بإحْدَى يديه، والأرضينَ باليدِ الأخرى. فالسماواتُ السبعُ في كفِّه كخردلةٍ في كفِّ العبدِ.
ولو أنَّ الخلقَ كلَّهم من أولِهم إلى آخرِهم قاموا صفًّا واحدًا ما أحاطُوا باللهِ ﷿. لو كشفَ الحجابَ عن وجهِه لأحرقَتْ سُبحاتُه ما انتهى إليه بصرُه من خلقِه.
[ ٣٤ ]
فإذا قامَ بقلبِ العبدِ هذا الشاهدُ: اضْمَحَلَّتْ فيهِ الشواهدُ المتقدمةُ، من غيرِ أنْ تعدَمَ. بل تصيرُ الغلبةُ والقهرُ لهذا الشاهدِ، وتندرجُ فيه الشواهدُ كلُّها. ومَنْ هذا شاهِدُه: فله سلوكٌ وسيرٌ خاصٌّ، ليسَ لغيرِه ممن هو عن هذا في غفلةٍ، أو معرفةٍ مجملةٍ.
فصاحبُ هذا الشاهدِ: سائرٌ إلى اللهِ في يقظتِهِ ومنامِهِ، وحركتِهِ وسكونِهِ وفطرِهِ وصيامِهِ، لهُ شأنٌ وللناسِ شأنٌ. هو في وادٍ والنَّاسُ في وادٍ.
٧ - شاهدُ التوحيدِ:
فإذا طلعتُ شمسُ التوحيدِ، وباشَرَتْ جوانُبَها الأرواح، ونورُها البصائِرَ، تجلَّتْ بها ظلماتُ النفسِ والطبعِ، وتحركتْ بها الأرواحُ في طلبِ من ليس كمثلِه شيءٌ وهو السميعُ البصيرُ، فسافرَ القلبُ في بيداءِ الأمرِ، ونَزَلَ منازلَ العبوديةِ، منزلًا منزلًا، فهو ينتقلُ من عِبادةٍ إلى عبادةٍ، مُقيم على معبود واحد.
فلا تزالُ شواهدُ الصفاتِ قائمةً بقلبِهِ، توقظُه إذا رقدَ، وتذكِّرُهُ إذا غفلَ، وتحدُو به إذا سارَ، وتقيمُهُ إذا قعدَ.
إن قام بقلبِه شاهدٌ من الربوبيةِ والقيوميةِ رأى أنَّ الأمرَ كلَّهُ للهِ. ليس لأحدٍ معه من الأمرِ شيءٌ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر:٢ - ٣]. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس:١٠٧]،
[ ٣٥ ]
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر:٣٨]، ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون:٨٤ - ٨٩].
إن قامَ بقلبِه شاهدٌ من الإلهيةِ: رأى في ذلك الشاهدِ الأمرَ والنهيَ، والنبواتِ، والكتبَ والشرائعَ، والمحبةَ والرضى، والكراهةَ والبغضَ، والثوابَ والعقابَ، وشاهدَ الأمرَ نازلًا ممن هو مستوٍ على عرشِهِ، وأعمالُ العبادِ صاعدةٌ إليهِ، ومعروضة عليه. يجزي بالإحسانِ منها في هذه الدارِ وفي العقبى نضرةً وسرورًا، ويقدمُ إلى ما لم يكنْ عن أمرِهِ وشرعِهِ منها فيجعلُهُ هباءً منثورًا.
وإن قامَ بقلبِه شاهدٌ من الرحمةِ: رأى الوجودَ كلَّه قائمًا بهذهِ الصفةِ، قدْ وَسِعَ من هي صفتُه كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، وانتهتْ رحمتُهُ إلى حيثُ انتهى علمُه، فاستوى على عرشِه برحمتِهِ، لتسعَ كلَّ شيءٍ، كما وَسِعَ عرشُهُ كلَّ شيءٍ.
وإنْ قامَ بقلبه شاهدُ العِزَّة والكبرياءِ، والعظمةِ والجبروتِ: فله شأنٌ آخر.
وهكذا جميعُ شواهدِ الصفاتِ، فما ذكرنا إنما هو أدنى تنبيهٍ عليها. فالكشفُ والعيانُ والمشاهدةُ لا تتجاوزُ الشواهدَ البتةَ.
[ ٣٦ ]
أإله مع الله؟
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ (١): «لا ريبَ أن اللهَ ربُّ العالمينَ، ربُّ السمواتِ والأرضينَ وما بينهما وربُّ العرشِ العظيمِ، ربُّ المشرقِ والمغربِ لا إله إلا هو فاتخذْه وكيلًا، ربُّكم وربُّ آبائِكم الأولين، ربُّ الناسِ مَلِكُ الناسِ إلهُ الناسِ،. وهو خالقُ كلِّ شيءٍ وهو على كلِّ شيءٍ وكيلٌ.
خلقَ الزوجينِ الذكرَ والأنثى، من نطفةٍ إذا تُمنى، وهو ربُّ كلِّ شيءٍ ومليكُه، وهو مالكُ المُلك؛ يُؤتي المُلكَ من يشاءُ، وينزعُ الملكَ ممَّنْ يشاءُ، ويعزُّ من يشاءُ، ويذلُّ من يشاءُ، بيدِه الخيرُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ.
له ما في السمواتِ وما في الأرضِ وما بينهما وما تحتَ الثرى، الرحمنُ على العرشِ استوى، له المُلكُ وله الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦].
قلوبُ العبادِ ونواصِيهم بيدِه، وما منْ قلبٍ إلَّا وهو بينَ إصبعينِ من أصابعِ الرحمنِ، إن شاء أن يُقيمَهُ أقامَه، وإن شاء أن يُزيغَهُ أزاغَهُ.
وهو الذي أضحَك وأبكَى، وأغنَى وأقنَى، وهو الذي يُرسلُ الرياحَ بشرًا بين يديْ رحمتِه، ويُنزلُ من السماءِ ماءً فيُحيي به الأرضَ بعدَ موتِها، ويبُثُّ فيها من كلِّ دابَّةٍ. وهو ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ٣٩٨ - ٤٠٠) دار الوفاء.
[ ٣٧ ]
يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام:١٢٥]، ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٧٠].
وهو الحيُّ القيومُ الذي لا تأخذُهُ سِنةٌ ولا نومٌ، وهو القائمُ بالقسطِ، القائمُ على كلِّ نفسٍ بما كسَبَتْ، الخالقُ البارئُ المصورُ. ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:٦]، ما شاءَ اللهُ لا قوةَ إلا باللهِ، فما شاء اللهُ كان، وما لم يشا لم يكنْ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ، ولا ملجأَ منه إلا إليه.
فهذه المعاني وما أشبهَها من معاني ربوبيتِه ومُلكِه، وخلقِه ورزقِه، وهدايتِه ونصرِه، وإحسانِه وبرِّه، وتدبيرِه وصنعِه، ثمَّ ما يتصلُ بذلك من أنه بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأنَّه سميعٌ بصيرٌ، لا يشغَلُه سمعٌ عن سمعٍ، ولا تُغلِطُه المسائلُ، ولا يتبرمُ بإلحاحِ المُلحِّينَ، يُبصرُ دبيبَ النملةِ السوداءِ، في الليلةِ الظلماءِ، على الصخرةِ الصماءِ.
فهذا كلُّه حقٌّ، وهو محضُ توحيدِ الربوبيةِ؛ وهو مع هذا قد أعطى كلَّ شيءٍ خلقَه ثمَّ هَدَى، وأحسنَ كلَّ شيءٍ خَلَقهُ، وبدأَ خلقَ الإنسانِ من طينٍ.
وهذا صنعُ اللهِ، الذي أتقنَ كلَّ شيءٍ، والخيرُ كلُّه بيديْهِ، وهو أرحمُ الراحمينَ، وهو أرحمُ بعبادِهِ من الوالدةِ بولدِهَا، كما أقسمَ على ذلك النبيُّ - ﷺ - فقالَ: «واللهِ للهُ أرحمُ بعبادِه من هذه الوالدةِ بولَدِها» (١) إلى نحوِ هذه المعاني،
_________________
(١) البخاري (٥٩٩٩)، مسلم (٢٧٥٤).
[ ٣٨ ]
التي تقتضي شمولَ حكمتِه وإتقانِه وإحسانِه خَلْقَ كلِّ شيءٍ وسعةَ رحمتِه وعظمتَها وأنها سبقتْ غضبَه كلُّ هذا حقٌّ» (١).
فاللهُ ﷿ هو مالكُ الملكِ الذي ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ:٣]، وإذا نظر العبدُ في تدبيرِ اللهِ تعالى لهذا الكونِ كاد عقلُه يطيشُ من هذه القدرةِ الباهرةِ، والقوةِ القاهرةِ، والرحمةِ الظاهرةِ، والإتقانِ والإحسانِ والحكمةِ في كلِّ شيءٍ.
* * *
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢/ ٤٠٠).
[ ٣٩ ]
الطريق إلى تعظيم الله تعالى
إن تعظيمَ اللهِ تعالى لا يكونُ إلَّا بعدَ معرفةِ اللهِ ﷾ بأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه ونعوتِ جلالِه، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ إِلَهَ إِلا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]، فلا بدَّ من العلمِ والمعرفةِ، فهي النورُ الذي يضيءُ لك طريقَ التعظيمِ والإجلالِ.
فاللهُ ﷾ عظيمٌ في ذاتِه، عظيمٌ في أسمائِه، عظيمٌ في صفاتِه، عظيمٌ في ملكِه وسلطانِه، عظيمٌ في خلقِه وأمرِه، عظيمٌ في دينِه وشرعِه، عظيمٌ في علمِه وكلماتِه قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف:١٠٩]، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [لقمان:٢٧]، هذا علمُ الله تعالى فماذا عن قدرته؟ قال تعالى بعد هذه الآية: ﴿مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ * أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [لقمان:٢٨ - ٣١].
إنها العظمةُ المطلقةُ والقدرةُ المطلقةُ والعلوُّ المطلقُ، والجلالُ المطلقُ، والقهرُ المطلقُ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
[ ٤٠ ]
قال الإمامُ ابنُ القيمِ في ارتباطِ التعظيمِ بالمعرفةِ: «وهذه المنزلةُ - أي منزلةُ تعظيمِ قال الإمامُ ابنُ القيمِ في ارتباطِ التعظيمِ بالمعرفةِ: «وهذه المنزلةُ - أي منزلةُ تعظيمِ الله ﷿ تابعةٌ للمعرفةِ، فعلى قدرِ المعرفةِ يكونُ تعظيمُ الربِّ تعالى في القلبِ، وأعرفُ الناسِ به أشدُّهم له تعظيمًا وإجلالًا، وقد ذمَّ اللهُ تعالى من لم يعظِّمْهُ حقَّ عظمَتِهِ، ولا عَرَفَهُ حقَّ معرفتِهِ، ولا وَصَفَهُ حقَّ وصفِهِ، فقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]» (١).
وقال أبو القاسمِ إسماعيلُ الأصبهانيُّ في صفةِ العظمةِ: «العظمةُ صفةٌ من صفاتِ اللهِ، لا يقومُ لها خلقٌ، واللهُ تعالى خلقَ بين الخلقِ عظمةً يعظّمُ بها بعضُهم بعضًا، فمن الناسِ من يعظَّم لمالٍ، ومنهم من يعظَّم لفضلٍ، ومنهم من يعظَّم لعلمٍ، ومنهم من يعظَّم لسلطانٍ، ومنهم من يعظَّم لجاهٍ، وكلُّ واحدٍ من الخلقِ إنما يعظَّمُ لمعنى دونَ معنىً واللهُ ﷿ يعظَّمُ في الأَحوالِ كلِّها، فينبغي لمن عَرَفَ حقَّ عظمةِ اللهِ أن لا يتكلمَ بكلمةٍ يكرهُها اللهُ، ولا يرتكبَ معصيةً لا يرضاها اللهُ، إذ هو القائمُ على كلِّ نفسٍ بما كسبتْ» (٢)، يشير بذلك ﵀ إلى أنَّ المعصيةَ تُضْعِفُ من تعظيمِ العبدِ لربِّه، وقد تذهبُ التعظيمَ من قلبِه بالكليةِ.
* * *
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٤٩٥).
(٢) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٤١، ١٤٢).
[ ٤١ ]
تعظيمُ الأمرِ والنهيِ
وهذا يدلُّ على أن أولَ مراتبِ التعظيمِ هي تعظيمُ الأمرِ والنهيِ، وقد ذكر ذلك ابنُ القيمِ فقال: «تعظيمُ الأمرِ والنهيِ هو ناشئٌ عن تعظيمِ الآمرِ الناهي فإن اللهَ تعالى ذمَّ من لا يعظِّمهُ ولا يعظِّمُ أمرَهُ ونهيَهُ، قال ﷾: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح:١٣]، قالوا في تفسيرِها: ما لكم لا تخافونَ للهِ تعالى عظمةً.
وما أحسنَ ما قالَه شيخُ الإسلامِ في تعظيمِ الأمرِ والنهيِ: «هو ألا يُعَارَضَا بترخصٍ جافٍ، ولا يُعرَّضا لتشديدٍ غالٍ ولا يُحْمَلَا على علةٍ توهنُ الانقيادَ».
ومعنى كلامِه: أن أولَ مراتبِ تعظيمِ الحقِّ ﷿: تعظيمُ أمرِه ونهيِه، وذلك لأن المؤمنَ يعرِفُ ربَّه؟ برسالتِه التي أرسلَ بها رسولَ اللهِ - ﷺ - إلى كافةِ الناسِ، ومقتضاها: الانقيادُ لأمرِهِ ونهيهِ، وإنما يكونُ ذلك بتعظيمِ أمرِ اللهِ ﷿ واتباعِه، وتعظيمِ نهيِه واجتنابِه، فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تعالى ونهيه واجتنابه دالًّا على تعظيمِه لصاحبِ الأمرِ والنهيِ، ويكونُ بحسبِ هذا التعظيمِ من الأبرارِ المشهودِ لهم بالإيمانِ والتصديقِ وصحةِ العقيدةِ، والبراءةِ من النفاقِ الأكبرِ. فإن الرجلَ قد يتعَاطَى فعلَ الأمرِ لنظرِ الخلقِ وطلبِ المنزلةِ والجاهِ عندَهم، ويتَّقِي المناهِيَ خشيةَ سقوطِه من أعينِهم، وخشيةَ العقوباتِ الدنيويَّةِ من الحدودِ التي رتَّبَها الشارعُ على المناهِي، فهذا ليس فعلُه وتركه صادرًا عن تعظيمِ الأمرِ والنهيِ، ولا عن تعظيمِ الآمرِ الناهِي» (١).
_________________
(١) الوابل الصيب (ص:١٧ - ١٨).
[ ٤٢ ]
كيف نعرف الله؟ (١)
الربُّ تعالى يدعُو عبادَه في القرآنِ إلى معرفتِه من طريقينِ:
أحدُهما: النظرُ في مفعولاتِه.
والثاني: التفكُّرُ في آياتِه وتدبُّرُها.
فتلكَ آياتُه المشهودَةُ، وهذه آياتُه المسموعَةُ المعقولَةُ.
فالنوعُ الأولُ: كقولِه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ [البقرة:١٦٤]، إلى آخرها. وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ [آل عمران:١٩٠] .. وهو كثيرٌ في القرآنِ.
والثاني: كقولِه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢]. وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، وقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ [ص:٢٩] .. وهو كثيرٌ أيضًا.
فأمَّا المفعولاتُ، فإنها دالَّةٌ على الأفعالِ، والأفعالُ دالَّةٌ على الصفاتِ؛ فإنَّ المفعولَ يدلُّ على فاعلِ فعلِه، وذلكَ يستلزِمُ وجودَه وقدرتَه ومشيئتَه وعلمَه لاستحالةِ صدورِ الفعلِ الاختياريِّ من معدومٍ أو موجودٍ لا قدرةَ له ولا حياةَ ولا علمَ ولا إرادةَ.
ثم ما في المفعولاتِ من التخصُّصَاتِ المتنوعةِ دالٌّ على إرادةِ الفاعلِ،
_________________
(١) الفوائد لابن القيم (ص:٤٠ - ٤٢).
[ ٤٣ ]
وأنَّ فعلَه ليس بالطبعِ بحيثُ يكونُ واحدًا غيرَ متكررٍ.
وما فيها من المصالحِ والحِكمِ والغاياتِ المحمودةِ دالٌّ على حكمتِه تعالى.
وما فيها من النفعِ والإحسانِ والخيرِ دالٌّ على رحمتِه.
وما فيها من البطشِ والانتقامِ والعقوبةِ دالٌّ على غضبِه.
وما فيها من الإكرامِ والتقريبِ والعنايةِ دالٌّ على محبتِه.
وما فيها من الإهانةِ والإبعادِ والخذلانِ دالٌّ على بُغضِه ومَقتِه.
وما فيها من ابتداءِ الشيءِ في غايةِ النقصِ والضعفِ ثم سَوْقِهِ إلى تمامِه ونهايتِه دالٌّ على وقوعِ المعادِ.
وما فيها من أحوالِ النباتِ والحيوانِ وتصرُّفِ المياهِ دليلٌ على إمكانِ المعادِ.
وما فيها من ظهورِ آثارِ الرحمةِ والنعمةِ على خلقِه دليلٌ على صحةِ النبوَّاتِ.
وما فيها من الكمالاتِ التي لو عَدِمَتْها كانتْ ناقصةً دليلٌ على أنَّ معطي تلكَ الكمالاتِ أحقُّ بها.
فمفعولاتُه من أدلِّ شيءٍ على صفاتِه وصِدْقِ ما أخبرَتْ به رُسُلُه عنه؛ فالمصنوعاتُ شاهدةٌ تُصَدِّقُ الآياتِ المسموعاتِ، منبهةٌ على الاستدلالِ بالآياتِ المصنوعاتِ. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]، أي أنَّ القرآنَ حقٌّ، فأخبرَ أنَّه لا بدَّ أن
[ ٤٤ ]
يُريَهُم من آياتِه المشهودَةِ ما يبيِّنُ لهم أنَّ آياتِه المتلوَّةَ حقٌّ. ثم أخبرَ بكفايةِ شهادتِه على صحةِ خَبَرِه بما أقامَ من الدلائلِ والبراهينِ على صدقِ رسولِه. فآياتُه شاهدةٌ بصدقِه، وهو شاهدٌ بصدقِ رسولِه بآياتِه. فهو الشاهدُ والمشهودُ له، وهو الدليلُ والمدلولُ عليه. فهو الدليلُ بنفسِه على نفسِه كما قالَ بعضُ العارفينَ: كيفَ أطلبُ الدليلَ على من هو دليلٌ لي على كلِّ شيءٍ؟ فأيُّ دليلٍ طلبتَه عليه فوجودُه أظهرُ منه. ولهذا قال الرُّسُلُ لقومِهم: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾؟ [إبراهيم:١٠]؛ فهو أعرفُ من كلِّ معروفٍ، وأبينُ من كلِّ دليلٍ. فالأشياءُ عُرِفَتْ به في الحقيقةِ، وإنْ كانَ عُرِفَ بها في النَّظَرِ، والاستدلالِ بأفعالِه وأحكامِه عليه.
* * *
[ ٤٥ ]
معرفةُ جمالِ اللهِ ﷿ (١)
من أعزِّ أنواعِ المعرفةِ: معرفةُ الربِّ سبحانه بالجمالِ، وهي معرفةُ خواصِّ الخلقِ، وكلُّهم عَرَفَهُ بصفةٍ من صفاتِه، وأتمُّهم معرفةً من عَرَفَهُ بكمالِه وجلالِه وجمالِه سبحانه، ليسَ كمثلِه شيءٌ في سائرِ صفاتِه، ولو فَرَضْتَ الخلقُ كلُّهم على أجملِهم صورةً، وكلُّهم على تلكَ الصورةِ، ونَسَبْتَ جمالَهم الظاهرَ والباطنَ إلى جمالِ الربِّ سبحانَه لكانَ أقلَّ من نسبةِ سراجٍ ضعيفٍ إلى قرصِ الشمسِ، ويكفِي في جمالِه أنَّه لو كَشَفَ الحجابَ عن وجْهِه لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُه (٢) ما انتهى إليه بصرُه من خلقِه. ويكفِي في جمالِه أنَّ كلَّ جمالٍ ظاهرٍ وباطنٍ في الدنيا والآخرةِ فمن آثارِ صنعَتِه، فما الظنُّ بمَنْ صدرَ عنه هذا الجمالُ؟!
ويكفِي في جمالِه: أنَّه لَهُ العزَّةُ جميعًا، والقوَّةُ جميعًا، والجودُ كلُّه، والإحسانُ كلُّه، والعلمُ كلُّه، والفضلُ كلُّه، ولِنُورِ وجهِه أَشْرَقَتِ الظلماتُ، كما قالَ النبيُّ - ﷺ - في دعاءِ الطائفِ: «أعوذُ بنورِ وجهِكَ الذي أشرقَتْ لهُ الظلماتُ وصلُحَ عليه أمرُ الدنيا والآخرةِ» (٣).
وقال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ: ليسَ عندَ ربِّكُم ليلٌ ولا نهارٌ، نورُ السمواتِ والأرضِ من نورِ وجهِه، فهو سبحانَه نورُ السمواتِ والأرضِ، ويومَ القيامةِ إذا جاء لفصلِ القضاءِ تُشْرِقُ الأرضُ بنُوره.
_________________
(١) الفوائد (ص:٢٥٨).
(٢) (سُبُحاتُ) وجهِ الله تعالى بضمتين: جلالتُه.
(٣) رواه الطبراني في (الكبير) عن عبد الله بن جعفر. وهو ضعيف. انظر: تخريج فقه السيرة (١٣١).
[ ٤٦ ]
ومن أسمائِه الحسنى (الجميلُ). وفي الصحيح عنه - ﷺ -: «إن اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ» (١).
وجمالُه سبحانَه على أربعِ مراتِبٍ: جمالُ الذاتِ، وجمالُ الصفاتِ، وجمالُ الأفعالِ، وجمالُ الأسماءِ. فأسماؤُه كلُّها حُسْنَى، وصفاتُه كلُّها صفاتُ كمالٍ، وأفعالُه كلُّها حكمةٌ ومصلحةٌ وعدلٌ ورحمةٌ. وأمَّا جمالُ الذَّاتِ، وما هو عليه، فأمرٌ لا يُدْرِكُهُ سِوَاهُ، ولا يعلمُه غيرُه، وليسَ عندَ المخلوقينَ منه إلا تعريفاتٌ تَعَرَّفَ بها إلى مَنْ أَكْرَمَهُ من عبادِه، فإنَّ ذلكَ الجمالَ مصونٌ عن الأغيارِ محجوبٌ بسترِ الرداءِ والإزارِ، كما قال رسوله - ﷺ - فيما يُحْكَى عنه: «الكبرياءُ رِدَائي، والعظمةُ إزاري» (٢). ولما كانت الكبرياءُ أعظمُ وأوسعُ كانتْ أَحَقَّ باسمِ الرداءِ؛ فإنه سبحانَه الكبيرُ المتعالِ، فهو سبحانَه العليُّ العظيمُ.
قال ابنُ عباسٍ: حجبَ الذاتَ بالصفاتِ، وحجبَ الصفاتِ بالأفعالِ، فما ظنُّكَ بجمالٍ حُجِبَ بأوصافِ الكمالِ وسُتِرَ بنعوتِ العظمةِ والجلالِ؟!
ومن هذا المعنى يُفْهَمُ بعضُ معانِي جمالِ ذاتِه؛ فإنَّ العبدَ يترقَّى من معرفةِ الأفعالِ إلى معرفةِ الصفاتِ، ومن معرفةِ الصفاتِ إلى معرفةِ الذاتِ. فإذا شاهدَ شيئًا من جمالِ الأفعالِ، استدلَّ به على جمالِ الصفاتِ، ثم استَدَلَّ بجمالِ الصفاتِ على جمالِ الذاتِ.
_________________
(١) رواه مسلم (١٤٧)، والترمذي (١٩٩٩).
(٢) مسلم (٦٢٠)، وأبو داود (٣٥٦٧).
[ ٤٧ ]
ومن ههنا يتبينُ أنَّهُ سبحانَه لهُ الحمدُ كلُّه، وأنَّ أحدًا من خَلْقِهِ لا يُحصِي ثناءً عليه، بل هو كما أثْنَى على نفسِه، وأنه يستحقُّ أن يُعْبَدَ لذاتِه، ويُحَبَّ لذاتِه، ويُشْكَرَ لذاته، وأنه سبحانَه يُحِبُّ نفسَه ويُثني على نفسِه ويحمدُ نفسَه، وأن محبَّتَه لنفسِه وحمدَه لنفسِه وثناءَه على نفسِه وتوحيدَه لنفسِه، هو في الحقيقةِ الحمدُ والثناءُ والحبُّ والتوحيدُ؛ فهو سبحانه كما أَثْنَى على نفسِه، وفوقَ ما يُثْنِي به عليه خلقُه.
وهو سبحانه كما يُحِبُّ ذاتَه يحبُّ صفاتِه وأفعالَه، فكلُّ أفعالِه حسنٌ محبوبٌ، وإن كانَ في مفعولاتِه ما يُبْغِضُهُ ويكرهُه، فليس في أفعالِه ما هو مكروهٌ مسخوطٌ، وليسَ في الوجودِ ما يُحَبُّ لذاتِه ويُحْمَدُ لذاتِه إلا هو سبحانَه. وكل ما يُحَبُّ سواهُ، فإنْ كانَتْ محبَّتُه تابعةٌ لمحبتِه سبحانَه بحيثُ يُحَبُّ لأجلِه، فمحبَّتُه صحيحةٌ، وإلا فهي محبةٌ باطلةٌ. وهذا هو حقيقةُ الإلهيةِ؛ فإنَّ الإلهَ الحقَّ هو الذي يُحَبُّ لذاتِه ويُحْمَدُ لذاتِه. فكيفَ إذا انضافَ إلى ذلكَ إحسانُه وإنعامُه وحلمُه وتجاوزُه وعفوُه وبرُّه ورحمتُه؟
فعلى العبدِ أنْ يعلَمَ أنَّه لا إلهَ إلا اللهُ، فيحبُّه ويحمدُه لذاتِه وكمالِه، وأنْ يعلمَ أنَّه لا مُحْسِنَ على الحقيقةِ بأصنافِ النعمِ الظاهرةِ والباطنةِ إلا هو، فيحبُّه لإحسانِه وإنعامِه، ويحمَدُه على ذلكَ؛ فيحبُّه من الوجهينِ جميعًا.
وكما أنَّه ليسَ كمثلِه شيءٌ، فليسَ كمحبَّتِه محبةٌ. والمحبَّةُ معَ الخضوعِ هي العبوديةُ التي خُلِقَ الخلقُ لأجلِها؛ فإنَّها غايةُ الحبِّ بغايةِ الذُّلِّ، ولا يصلحُ ذلكَ إلَّا له سبحانَه. والإشراكُ به في هذا، هو الشركُ الذي لا يَغْفِرُه اللهُ، ولا يقبلُ لصاحِبِه عملًا.
[ ٤٨ ]
وحمدُه يتضمَّنُ أصلينِ: الإخبارُ بمحامدِه وصفاتِ كمالِه، والمحبةُ له عليها. فمَنْ أخبرَ بمحاسنِ غيرِه من غيرِ محبةٍ له لم يَكُنْ حامدًا. ومن أحبَّه من غير إخبارٍ بمحاسنِه لم يَكُنْ حامدًا حتى يجمَعَ الأمرينِ.
وهو سبحانَه يحمدُ نفسَه بنفسِه، ويحمدُ نفسَه بما يُجْرِيهِ على ألسنةِ الحامدينَ له من ملائكتِه وأنبيائِه ورُسلِه وعبادِه المؤمنينَ؛ فهو الحامدُ لنفسِه بهذا وهذا؛ فإن حمدَهم له بمشيئتِه وإذنِه وتكوينِه؛ فإنَّه هو الذي جعلَ الحامدَ حامدًا، والمسلمَ مسلمًا، والمصلِّيَ مصليًا، والتائبَ تائبًا؛ فمنه ابتدأتِ النعمُ وإليه انتهَتْ، فابتدأَتْ بحمدِه وانتهَتْ إلى حمدِه.
وهو الذي ألهمَ عبدَه التوبةَ، وفرحَ بها أعظمَ فرحٍ، وهي من فَضْلِه وجُودِه. وألهمَ عبدَه الطاعةَ، وأعانَه عليها، ثم أثابَه عليها، وهي من فَضْلِهِ وجودِه.
وهو سبحانَه غنيٌّ عن كلِّ ما سواهُ بكلِّ وجهٍ، وما سواهُ فقيرٌ إليه بكلِّ وجهٍ، والعبدُ مفتقرٌ إليه لذاتِهِ في الأسبابِ والغاياتِ؛ فإنَّ ما لا يكونُ به لا يكونُ، وما لا يكونُ له لا يَنْفَعُ.
* * *
[ ٤٩ ]
أعرفُ الناسِ باللهِ (١)
من الناسِ من يعرفُ اللهَ بالجودِ والإفضالِ والإحسانِ، ومنهم من يعرِفُه بالعفوِ والحلمِ والتجاوزِ، ومنهم من يعرفُه بالبطشِ والانتقامِ، ومنهم من يعرفُه بالعلمِ والحكمةِ، ومنهم من يعرفُه بالعزِّةِ والكبرياءِ، ومنهم من يعرفُه بالرحمةِ والبرِّ واللطفِ، ومنهم من يعرفُه بالقهرِ والملكِ، ومنهم من يعرفُه بإجابةِ دعوتِه وإغاثةِ لهفتِهِ وقضاءِ حاجتِه.
وأعظمُ هؤلاءِ معرفةً: من عَرَفَه من كلامِه؛ فإنَّه يعرِفُ ربًّا قد اجتمعَتْ له صفاتُ الكمالِ ونعوتُ الجلالِ، منزَّهٌ عن المثالِ، بريءٌ من النقائص والعيوبِ، له كلُّ اسمٍ حسنٍ وكلُّ وصفِ كمالٍ، فعَّالٌ لما يريدُ، فوقَ كلِّ شيءٍ، ومع كلِّ شيءٍ، وقادرٌ على كلِّ شيءٍ، ومقيمٌ لكلِّ شيءٍ، آمرٌ ناهٍ، متكلمٌ بكلماتِه الدينيةِ والكونيةِ، أكبرُ من كلِّ شيءٍ، وأجملُ من كلِّ شيءٍ، أرحمُ الراحمينَ، وأقدرُ القادرينَ، وأحكمُ الحاكمينَ. فالقرآنُ أُنْزِلَ لتعريفِ عبادِه به، وبصراطِه الموصلِ إليه، وبحالِ السالكينَ بعد الوصولِ إليه.
* * *
_________________
(١) الفوائد (ص:٢٥٧).
[ ٥٠ ]
الحمدُ من طرقِ تعظيمِ اللهِ تعالى
ومن الوسائلِ التي تُفضِي إلى تعظيمِ اللهِ تعالى وإجلالِه: كثرةُ حمدِه ﷾ والثناءِ عليه سبحانه وشكرِه على نعمِه. وقدْ روى البخاريُّ عن أبي أمامةَ أنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ إذا رَفَعَ مائدتَه قال: «الحمدُ للهِ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، غيرَ مكفيٍّ، ولا مودَّعٍ، ولا مستغنَىً عنه».
فاللهُ تعالى لا يستطيعُ أحدٌ أن يكافِيه على إنعامِه أبدًا، لأنَّ شكرَه سبحانه هو نعمةٌ من نِعَمِه كما قيل:
إذا كان شُكري نعمةَ اللهِ نعمةً عليَّ له في مثلِها يجبُ الشكرُ
فكيف وقوعُ الشكرِ إلا بفضلِه وإنْ طالتِ الأيامُ واتَّصلَ العمرُ
إذا مسَّ بالسرَّاءِ عمَّ سرورُها وإن مسَّ بالضرَّاءِ أعقَبَها الأجرُ
فما منهما إلا لهُ فيه نعمةٌ تضيقُ بها الأوهامُ والسِّرُّ والجهرُ
فالمعظِّمُ لربِّه ﷿ يعترفُ بقلبِه أنَّه لو أنفقَ جميعَ عمرِه في قيامِ الليلِ وصيامِ النهارِ ولم يَزَلْ لسانُه رطبًا بذكرِ اللهِ، فإنَّه لا يستطيعُ تأديةَ شكرِ نعمةٍ واحدةٍ منْ نعمِ اللهِ عليه. ومعَ ذلكَ فإنَّه يَجِبُ على العبدِ أن يَلْهَجَ بحمدِ اللهِ تعالى وشكرِه والثناءِ عليهِ وأن يقدِّمَ ذلكَ بين يَدَيْ دُعائِهِ وسؤالِه.
فإنَّ الحمدَ يتضمَّنُ مدحَ المحمودِ بصفاتِ كمالِه، ونعوتِ جلالِه، معَ محبَّتِه والرِّضَا عنه، والخضوعِ له. فلا يكونُ حامدًا من جَحَدَ صفاتِ المحمودِ، ولا من أعرضَ عن محبَّتِه والخضوعِ له. وكلَّما كانت صفاتُ كمالِ المحمودِ أكثرَ كان حمدُه أكملَ، وكلما نقصَ من صفاتِ كمالِه نقصَ من حمدِه
[ ٥١ ]
بحَسَبِها. ولهذا كانَ الحمدُ كلُّه للهِ حمدًا لا يحصِيهِ سِوَاهُ، لكمالِ صفاتِه وكثرتِها. ولأجلِ هذا لا يُحْصِي أحدٌ من خلقِه ثناءً عليه، لما له من صفاتِ الكمالِ، ونعوتِ الجلالِ التي لا يحصِيها سِوَاهُ.
ومعلومٌ بالفِطَرِ والعقولِ السليمةِ والكُتُبِ السماويَّةِ: أنَّ فاقدَ صفاتِ الكمالِ لا يكونُ إلهًا، ولا مدبِّرًا، ولا ربًّا، بل هو مذمومٌ، معيبٌ ناقصٌ، ليسَ له الحمدُ، لا في الأولى ولا في الآخرةِ. وإنَّما الحمدُ في الأولى والآخرةِ لمن له صفاتُ الكمالِ، ونعوتُ الجلالِ، التي لأجلِها استحَقَّ الحمدَ.
وكذلكَ حمدُه لنفسِه على عدمِ اتِّخَاذِ الولدِ المتضمِّنِّ لكمالِ صَمَدِيَّتِه وغِنَاه وملكِه، وتعبيدِ كلِّ شيءٍ له. فاتِّخَاذُ الولدِ يُنَافِي ذلكَ، كما قال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [يونس:٦٨].
وحمدُ نفسِه على عدمِ الشريكِ، المتضمِّنِ تفرُّدِه بالربوبيَّةِ والإلهيَّةِ، وتوحُّدِه بصفاتِ الكمالِ التي لا يوصَفُ بها غيرُه، فيكونُ شريكًا له. فلو عَدِمَها لكانَ كلُّ موجودٍ أكملَ منه. لأنَّ الموجودَ أكملُ من المعدومِ. ولهذا لا يحمدُ نفسَه سبحانه بعدمٍ، إلا إذا كانَ متضمِّنًا لثبوتِ كمالٍ. كما حَمِدَ نفسَه بكونِه لا يموتُ لتضمُّنِه كمالَ حياتِه.
وحَمِدَ نفسَه بكونِه لا تأخُذُه سنةٌ ولا نومٌ، لتضمُّنِ ذلك كمالَ قيوميَّتِه.
وحَمِدَ نفسَه بأنَّه لا يعزُبُ عن علْمِهِ مثقالُ ذرةٍ في الأرضِ ولا في السماءِ، ولا أصغرُ من ذلك ولا أكبرُ، لكمالِ علمِه وإحاطتِه.
[ ٥٢ ]
وحَمِدَ نفسَه بأنَّه لا يظلِمُ أحدًا، لكمالِ عدلِه وإحسانِه.
وحَمِدَ نفسَه بأنَّه لا تدركُه الأبصارُ، لكمالِ عظمَتِه، يُرى ولا يُدْرَكُ، كما أنه يُعْلَمُ ولا يُحَاطُ به علمًا. فمجرَّدُ نفْيِ الرؤيةِ ليسَ بكمالٍ. لأنَّ العدمَ لا يُرى. فليسَ في كونِ الشيءٍ لا يُرَى كمالٌ ألبتةَ. وإنَّما الكمالُ في كونِه لا يحاطُ به رؤيةً ولا إدراكًا، لعظمَتِه في نفسِه، وتعلِّيهِ عن إدراكِ المخلوقِ له. وكذلكَ حَمِدَ نفسَه بعدمِ الغفلةِ والنسيانِ، لكمالِ علمِه.
فكلُّ سَلْبٍ في القرآنِ حَمِدَ اللهُ به نفْسَه فلمضادَتِه لثبوتِ ضِدِّه، ولتضمُّنِه كمالَ ثبوتِ ضِدِّهِ.
فعلمت أنَّ حقيقةَ الحمدِ تابعةٌ لثبوتِ أوصافِ الكمالِ، وأنَّ نفيَها نفيٌ لحمدِه، ونفيُ الحمدِ مستلزمٌ لثبوتِ ضدِّه (١).
* * *
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٢٦).
[ ٥٣ ]
التفكرُ من طرقِ تعظيمِ اللهِ تعالى
فمن تعظيمِ اللهِ ﵎: التفكرُ في آياتِه وآلائِه وبديعِ صُنْعِه كما قالَ تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].
قال ابنُ كثير ﵀: «ومعنى الآيةِ أن اللهَ تعالى يقولُ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي هذه في ارتفاعِها واتساعِها، وهذه في انخفاضِها وكثافَتِها واتضاعِها، وما فيها من الآياتِ المشاهَدَةِ العظيمةِ من كواكبَ سياراتٍ، وثوابتَ وبحارٍ وجبالٍ وقفارٍ وأشجارٍ ونباتٍ، وزروعٍ وثمارٍ، وحيوانٍ ومعادنَ، ومنافعَ مختلفةِ الألوانِ والروائحِ والطعومِ والخواصِّ، ﴿وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي تعاقُبُهما وتقارضُهما الطولَ والقِصَرَ، فتارةً يطولُ هذا ويقصُرُ هذا، ثم يعتدلانِ ثم يأخذُ هذا من هذا فيطولُ الذي كان قصيرًا، ويقصُرُ الذي كانَ طويلًا. وكلُّ ذلك تقديرُ العزيزِ العليمِ، ولهذا قال تعالى: ﴿لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ أي العقولِ التامةِ الذكيةِ التي تُدركُ الأشياءَ بحقائِقِها على جليَّاتِها، وليسُوا كالصُمِّ البُكْمِ الذين لا يعقلونَ، الذين قال الله فيهم: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٥ - ١٠٦]، ثم وصف تعالى أولي الألباب، فقال: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾. كما ثبت في صحيحِ البخاريِّ عن عمرانَ بن حصينٍ: أن رسولَ اللهِ - ﷺ -
[ ٥٤ ]
قال: «صلِّ قائمًا، فإن لم تستطعْ فقاعدًا، فإن لم تستطعْ فعلى جَنْبٍ» (١) أي لا يقطعونَ ذكرَه في جميعِ أحوالِهم بسرائرِهم وضمائرِهم وألسنتِهم، ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أي يفهمونَ ما فيهما من الحِكَمِ الدالةِ على عظمةِ الخالقِ وقدرتِه وعلمِه وحكمتِه واختيارِه ورحمتِه.
وقال الشيخُ أبو سليمانَ الدارانيُّ: إني لأخرجُ من منزلي فما يقعُ بصري على شيءٍ إلا رأيتُ للهِ عليَّ فيه نعمةً ولي فيه عبرةٌ. رواه ابنُ أبي الدنيا في كتابِ التوكلِ والاعتبارِ.
وعن الحسنِ البصريِّ أنه قالَ: تفكُّرُ ساعةٍ خيرٌ من قيامِ ليلةٍ، وقال الفضيلُ: قال الحسنُ: الفكرةُ مرآةٌ تريك حسناتِك وسيئاتِك.
وقال سفيانُ بن عيينةَ: الفكرةُ نورٌ يدخلُ قلبَك وربَّما تمثَّل بهذا البيتِ:
إذا المرءُ كانت له فكرةٌ ففي كلِّ شيءٍ لهُ عبرةٌ
وعن عيسى ﵇ أنه قال: «طُوبى لمن كانَ قيلُه تذكُّرًا وصمتُه تفكرًا، ونظرُه عِبَرًا».
قال لقمانُ الحكيمُ: «إن طولَ الوحدةِ ألهمُ للفكرةِ، وطولَ الفكرةِ دليلٌ على طرقِ بابِ الجنةِ».
وقال وهبُ بنُ منبهٍ: «ما طالت فكرةُ امريءٍ إلا فَهِمَ، ولا فَهِمَ امرؤٌ قطُّ إلا عَلِمَ، ولا عَلِمَ امرؤٌ قطُّ إلا عَمِلَ». وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: «الكلامُ بذكرِ اللهِ ﷿ حسنٌ، والفكرةُ في نعمِ اللهِ أفضلُ العبادةِ».
_________________
(١) رواه البخاري (١٠٥٠)، وأبو داود (٨١٥).
[ ٥٥ ]
وقال مغيثٌ الأسودُ: «زورُوا القبورَ كلَّ يومٍ تُفَكِّرُكم، وشاهدُوا الموقفَ بقلوبِكم، وانظرُوا إلى المنصرفِ بالفريقينِ إلى الجنةِ أو النارِ، وأشعِرُوا قلوبَكم وأبدانَكُم ذكرَ النارِ ومقامِعَها وأطباقَها».
وعنِ ابن عباسٍ أنه قال: «ركعتانِ مقتصدتانِ في تفكرٍ، خيرٌ من قيامِ ليلةٍ والقلبُ ساهٍ».
وقال الحسنُ البصريُّ: «يا ابنَ آدمَ، كلْ في ثلثِ بطنِك، واشربْ في ثلثِه، ودعْ ثلثَه الآخرَ تتنفسُ للفكرةِ».
وقال بعضُ الحكماءِ: «من نظرَ إلى الدنيا بغيرِ العبرةِ، انطمس من بصرِ قلبِه بقدرِ تلك الغفلةِ».
وقال بشرُ بنُ الحارثِ الحافي: «لو تفكَّر الناس في عظمةِ اللهِ تعالى لما عَصَوْهُ».
وقال الحسنُ عن عامرِ بنِ عبدِ قيسٍ، قال: «سمعتُ غيرَ واحدٍ ولا اثنينِ ولا ثلاثةٍ من أصحابِ النبيِّ - ﷺ - يقولونَ: إن ضياءَ الإيمانِ أو نورَ الإيمانِ التفكُّرُ».
وعن عيسى ﵇ أنه قال: «يا ابنَ آدمَ الضعيفَ اتقِ اللهَ حيثما كنتَ، وكن في الدنيا ضيفًا، واتخذ المساجدَ بيتًا، وعلِّم عينَيْك البكاءَ، وجسدَك الصبْرَ، وقلبَكَ الفِكْرَ، ولا تهتمّ برزقِ غدٍ».
وعن أميرِ المؤمنينَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه بكى يومًا بين أصحابِه، فسُئل عن ذلك، فقال: «فكرتُ في الدنيا ولذاتِها وشهواتِها، فاعتبرتُ منها
[ ٥٦ ]
بها، ما تكادُ شهواتُها تنقضي حتى تكدِّرَها مرارتُها، ولئن لم يكن فيها عبرةٌ لمن اعتبر إنَّ فيها مواعظَ لمن ادَّكَرَ».
وقال ابنُ أبي الدنيا: «أنشدني الحسين بن عبد الرحمن:
نزهةُ المؤمنِ الفِكَر لذةُ المؤمنِ العِبَر
نحمدُ اللهَ وحدَه نحنُ كلٌّ على خَطَر
ربَّ لاهٍ وعمرُه قد تقضَّى وما شَعَر
رُبَّ عيشٍ قد كان فو قَ المنى مونَقَ الزَّهَر
في خريرٍ من العُيو نِ وظلٍ من الشَّجَر
وسرورٍ من النَّبَا تِ وطيبٍ من الثَمَر
غيَّرتْه وأهلَه سرعةُ الدهرِ بالغِيَر
نحمدُ الله وحدَه إن في ذا لمعتَبَر
إنَّ في ذا لعِبْرةٌ للَّبيبِ إن اعتَبَر
وقد ذم الله تعالى من لا يعتبرُ بمخلوقاتِه الدالةِ على ذاتِه وصفاتِه وشرعِه وقدرِه وآياتِه، فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٥ - ١٠٦]، ومدح عبادَه المؤمنينَ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ قائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا﴾ أي ما خلقْتَ هذا الخلقَ عبثًا، بل بالحقِّ لتجْزِيَ الذين أساؤوا
[ ٥٧ ]
بما عمِلوا، وتجزي الذين أحسَنوا بالحسْنى، ثم نَزَّهُوهُ عن العبثِ وخلقِ الباطلِ، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي عن أن تخلقَ شيئًا باطلًا ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أي يا من خلق الخلقَ بالحقِّ والعدلِ، يا من هو منزَّهٌ عن النقائصِ والعيبِ والعبثِ. قِنَا من عذابِ النارِ بحولِك وقوتِك وقَيِّضْنَا لأعمالٍ ترضَى بها عنا. ووفِّقْنَا لعملٍ صالحٍ تهدينا به إلى جناتِ النعيمِ، وتجيرنا به من عذابِك الأليم» (١).
* * *
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ٥٧٠ - ٥٧٢) باختصار.
[ ٥٨ ]
وفي أنفسِكم أفلا تُبصرون
تفكَّرْ في نفسِك أيُّها الإنسانُ .. أين كنتَ؟ وكيف جئتَ؟ ومم خلقتَ؟ قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مّن طِينٍ* ثُمّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مّكِينٍ* ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمّ أَنشَانَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٢ - ١٦].
فالإنسانُ إذا تفكَّر بعقلِه في نفسِه رآها مدبَّرةً وعلى أحوالٍ شتَّى مُصَرَّفة .. كان نطفةً، ثم علقةً، ثم مضغةً، ثم لحمًا وعظمًا .. فيعلمُ - بهذا الفكرِ - أنه لم ينتقِلْ من حالِ النقصِ إلى حالِ الكمالِ، لأنَّه لا يقدرُ على أن يحدثَ لنفسِه في الحالٍ الأفضلِ التي هي كمالُ عقلِه وبلوغِ أشدِّه عُضْوًا من الأعضاءِ، ولا يمكنُه أن يزيد في جوارحِه جارحةً، فيدلُّه ذلك على أنه في حالِ نقصِه وأوانِ ضعفِه على فِعل ذلك أعجزُ.
وقد يرى نفسَه شابًّا ثم كهلًا، ثم شيخًا وهو لم ينقِلْ نفسَه من حالِ الشبابِ والقوةِ إلى حالِ الشيخوخةِ والهرمِ، ولا اختارَه لنفسِه، ولا في وُسْعِه أن يزايلَ حالَ المشيبِ ويراجعَ قوةَ الشبابِ.
فيعلمُ بذلك أنه ليس هو الذي فعلَ تلكَ الأفعالَ بنفسِه، وأنَّ له صانعًا صنَعَه، وناقلًا نَقَلَهُ من حالٍ إلى حالٍ، ولولا ذلك لم تتبدلْ أحوالُه بلا ناقلٍ ولا مدبرٍ.
[ ٥٩ ]
وقالَ بعضُ الحكماءِ: إن كلَّ شيءٍ في العالمِ الكبيرِ له نظيرٌ في العالمِ الصغيرِ الذي هو بدنُ الإنسانِ ولذلك قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذرايات:٢١].
• والسمعُ والبصرُ منها بمنزلةِ الشمسِ والقمرِ في إدراكِ المدركاتِ بها.
• وأعضاؤُه تصيرُ عند البِلى ترابًا من جنسِ الأرضِ.
• وفيه من جنسِ الماءِ العرقُ وسائرُ رطوباتِ البدنِ.
• ومن جنسِ الهواءِ فيه الروحُ والنفسُ.
• ومن جنسِ النارِ فيه المرةُ الصفراءُ.
• وعروقُه بمنزلةِ الأنهارِ في الأرضِ.
• وكَبِدُه بمنزلةِ العيونِ التي تستمدُّ منها الأنهارُ لأن العروقَ تستمدُّ من الكبدِ.
• ومثانَتُه بمنزلةِ البحرِ؛ لانصبابِ ما في أوعيةِ البدنِ إليها، كما تنصبُّ الأنهارُ إلى البحرِ.
• وعظامُه بمنزلةِ الجبالِ التي هي أوتادُ الأرضِ.
• وأعضاؤُه كالأشجارِ، فكما أنَّ لكلِّ شجرةٍ ورقًا وثمرًا، فَلِكُلِّ عضوٍ فعلٌ أو أثرٌ.
• والشعرُ على البدنِ بمنزلةِ النباتِ والحشيشِ على الأرضِ.
[ ٦٠ ]
• ثمَّ إنَّ الإنسانَ يحكي بلسانِه كلَّ صوتِ حيوانٍ، ويحاكِي بأعضائِه صنعَ كلِّ حيوانٍ.
فهو العالمُ الصغيرُ مع العالمِ الكبيرِ، مخلوقٌ مُحدَثٌ لصانعٍ واحدٍ لا إلهَ إلا هُو (١).
قال قتادةُ في قولِه تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ قالَ: «من تفَكَّرَ في نفسِه علِمَ أنَّه خُلِقَ ليَعْبُدَ اللهَ»، وقال ابنُ الزبيرِ ومجاهدٌ: «المرادُ: سبيلُ الخلاءِ والبولِ».
وقال السائبُ بنُ شريكٍ: «يأكلُ ويشربُ من مكانٍ واحدٍ ويُخْرِجُ من مكانينِ».
ولو شَرِبَ لبنًا محضًا لخرجَ منه الماءُ ومنهُ الغائطُ.
وقال ابنُ زيدٍ: «المعنى أنَّه خلقَكُم من ترابٍ وجعلَ لكمُ السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ ﴿ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ [الروم:٢٠]».
وقال السدِّيُّ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: «في حياتِكُم وموتِكم وفيما يدخلُ ويخرجُ من طعامِكم».
وقال الحسنُ: «في الهرمِ بعدَ الشبابِ، والضعفِ بعدَ القوَّةِ، والشيبِ بعدَ السوادِ».
وقيلَ المعنى: وفي خلقِ أنفسِكم من نطفةٍ وعلقةٍ ومُضْغةٍ ولحمٍ وعظمٍ إلى نفخِ الروحِ، وفي اختلافِ الألسنةِ والألوانِ والصورِ إلى غيرِ ذلكَ من
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (٢/ ٢٠٢).
[ ٦١ ]
الآياتِ الباطنةِ والظاهرةِ، وحسبُكَ بالقلوبِ وما ركَزَ فيها من العقولِ، وما خُصَّت به من أنواعِ المعاني والفنونِ، وبالألسنِ والنطقِ ومخارجِ الحروفِ، والأبصارِ والأطرافِ، وسائرِ الجوارحِ، وتأتيها لما خُلقتْ له، وما سوَّى في الأعضاءِ من المفاصلِ للانعطافِ والتثَنِّي ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون:١٤]، وقوله: ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ يعني بَصَرَ القلبِ، ليعرِفُوا كمال قدرة الخالق (١).
أراد رجلٌ أن يحاججَ الإمامَ عليًّا ﵁ فوقفَ وقال: «يا عليّ! إني سائلُك .. فقال الإمام: سلْ تفقهًا ولا تسأل تعنُّتًا. فقالَ الرجلُ: أنت حَمَلْتني على ذلك ثم قال: هل رأيتَ ربَّك يا عليّ؟ قال: ما كنتُ أعبد ربًّا لم أرَه! فقال الرجلُ: كيف رأيته؟ قال: لم تَرَهُ العيونُ بمشاهدةِ العيانِ، ولكن رأتْه القلوبُ بحقيقةِ الإيمانِ، ربي واحدٌ لا شريكَ له، أحدٌ لا ثانيَ له، فردٌ لا مِثلَ له، لا يحويه مكانٌ، ولا يداولُه زمانٌ، لا يُدْرَكُ بالحواسِّ، ولا يُقَاسُ بالقِيَاسِ» (٢).
قال عليّ ﵁:
دواؤُك فيكَ وما تبصرُ وداؤُك منكَ وما تشعرُ
وتزعمُ أنَّك جرمٌ صغيرٌ وفيكَ انطَوَى العالمُ الأكبرُ
فمن تأمل في ذاتِه، وتفكَّرَ في صفاتِه ظهرت له عظمةُ باريه، وآياتُ مُبْدِيه ..
_________________
(١) انظر: المصدر السابق (١٧/ ٤٠).
(٢) تفسير روح البيان (٩/ ١٢٨).
[ ٦٢ ]
فسبحانه من ربٍّ لا يُضَاهَى، ومنانٍ لا يُحصَى كرمُهُ ولا يتناهى، ونحن في تيارِ بحرِ جودِه سابحونَ، وعن إقامةِ مراسمِ شُكْرِهِ قاصرونَ. وما أحسنَ قولَ بعضِ العارفينَ: أنه تعالى يملكُ عبادًا غيرَك، وأنت ليس لك ربٌّ سواه ثم إنك تتساهلُ في خدمَتِهِ، والقيامِ بوظائفِ طاعتِهِ، كأنَّ لك ربًّا بل أربابًا غيرَه، وهو سبحانه يعتني بتربيتِك حتى كأنه لا عبدَ له سواك، فسبحانَه ما أتمَّ تربيتَه، وأعظمَ رحمتَه (١).
إليك إلهَ الخلقِ أرفعُ رغبتي وإن كنتُ ياذا المنِّ والجودِ مجرمًا
ولما قَسَا قلبي وَضَاقَتْ مذَاهبي جعلتُ الرَّجا مِني لعفوكَ سُلَّمًا
تعاظَمَنِي ذنبي فلما قرنتُه بعفْوِكَ ربِّي كان عفوُكَ أعظَمَا
وما زلتَ ذا عفوٍ عن الذنبِ لم تَزَلْ تجُودُ وتعفُو مِنَّةً وتكرُّما
ولولاكَ لم يصمدْ بإبليسَ عابدٌ فكيفَ وقد أغْوَى صفيَّكَ آدمَا
فيا ليتَ شِعْرِي هل أصيرُ لجنةٍ فَأَهْنَا وأما للسعيرِ فأنْدَمَا
وإني لآتِي الذنبَ أعرفُ قدرَه وأعلمُ أن اللهَ يعفُو ويرحَمَا
فإن تعفُ عني تعفُ عن متمردٍ ظلُومٍ غشُومٍ لا يزايلُ ماثَمًا
وإن تنتقِمْ مني فلستُ بآيسٍ ولو أُدْخِلَتْ نفسي بجُرمي جهنَّمَا
* * *
_________________
(١) (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني) لأبي الفضل محمود الألوسي.
[ ٦٣ ]
عنايةُ اللهِ بالإنسانِ
جاء في بعضِ الآثارِ: يا ابن آدم! أنَّى تعجزُني وقد خلقتُك من نطفةٍ، ثم من علقةٍ، ثمَّ من مضغةٍ، ثم نفختُ فيك الروحَ، وجعلتُ لك مُتَّكأً عن يمينِك، ومتَّكأً عن شمالِك. فالذي عن يمينِك الكبدُ، والذي عن شمالِك الطحالُ، وجعلتُ وجهك إلى ظهرِ أمِّك حتى لا تفزَعَ من الرَّحِمِ، وغشَّيتُ وجهَك بغشاءٍ حتى لا تؤذيكَ رائحةُ الطعامِ، ورزقتُك وأنتَ في بطنِ أمِّك. حتى إذا جاءَ وقتُ خروجِك إلى الدنيا، أمرتُ الملكَ الموكَّلَ، فأخرجَك إلى الأرضِ، ليسَ لكَ يدٌ تبطِشُ، ولا رِجْلٌ تسعَى بها، ولا سنٌّ يقطَعُ. وأنبتُّ لك في صَدْرِ أمِّك عرقَيْنِ رقيقينِ يُغَذِّيَانِكَ بلبنٍ سائغٍ، باردٍ في الصيفِ، دافئٍ في الشتاءِ. وقذفتُ محبَّتَك في قلبِ والدَيْكَ، فلا يأكلانِ حتى تأكلَ، ولا يشربانِ حتى تشربَ، ولا يرقدانِ حتى ترقدَ، حتى إذا اشتدَّ عودُك، وقَوِيَ جسمُك بارَزْتَني بالمعاصي، ولم تستحِ منِّي! ومعَ ذلك إن تبتَ إليَّ قبلتُك، وإن سألتَنِي أعطيتُك، وإن استَغْفَرْتَنِي غفرتُ لكَ، وأنا الرحمنُ الرحيمُ.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ* وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ* قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيم﴾ [يس:٧٧ - ٧٩].
عن بُسرِ بن جِحَاشٍ القرشيِّ أنَّ النبيَّ - ﷺ - بزقَ يومًا في كفِّهِ، فوضَع عليها أصبعَه، ثم قالَ: «قالَ اللهُ: ابنَ آدمَ! أنَّى تُعجِزُنِي، وقد خلقْتُك من مثلِ هذه .. حتى إذا سوَّيتُك وعدَّلتُك مشيتَ بين بردين، وللأرضِ منك وئيدٌ،
[ ٦٤ ]
فجَمعتَ ومنعتَ .. حتى إذا بلغَتِ التراقِيَ قلتَ: أتصدَّقُ، وأنَّى أوانُ الصدقةِ» [رواه أحمد].
قال ابنُ الجوزيِّ: «وجميعُ الموجوداتِ من آثارِ قدرتِه .. وأعجبُ آثارِ الآدميّ، فإنك إذا تفكرتَ في نفسِك كَفَى، وإذا نظرتَ في خلقِك شَفَى! أليس قد فعلَ في قطرةٍ من ماءٍ ما لو انقَضَتِ الأعمارُ في شرحِ حكمَتِه ما وفَّتْ؟
كانتِ النقطةُ مغموسةً في دمِ الحيضِ ومقياسُ القدرةِ يشقُّ السَّمْعَ والبصرَ!
خلق منها ثلاثمائةٍ وستينَ عظمًا، وخمسمائةٍ وتسعًا وعشرينَ عَضَلَةً، كلٌّ من ذلك تحتَه حكمةٌ.
فالعينُ سبعُ طبقاتٍ، وأربعةٌ وعشرينَ عضلةً لتحريكِ حَدَقَةِ العينِ وأجفانِها، لو نُقِصَتْ منها واحدةٌ لاختلَّ الأمرُ.
وأظهرَ في سوادِ العينِ على صِغَرِه صورةَ السماءِ مع اتساعِها.
وخالفَ بينَ أشكالِ الحناجرِ في الأصواتِ.
وسخَّر المعدةَ لإنضاجِ الغذاءِ.
والكبدَ لإحالتِه إلى الدمِ.
والطحالَ لجذبِ السوداءِ.
والمرارةَ تناولُ الصفراءَ كلَّها.
[ ٦٥ ]
والعروقَ كالخدمِ للكبدِ، تنفذُ منها الدماءُ إلى أطرافِ البدنِ.
فيا أيُّها الغافلُ! ما عندكَ خبرٌ منك، فما تعرفُ من نفسِكَ إلا أن تجوعَ فتأكلَ، وتشبعَ فتنامَ، وتغضبَ فتخاصِمَ، فبماذَا تميزتَ على البهائمِ؟!
[ ٦٦ ]
انظر حولَك .. تأملاتٌ في الكونِ والآفاقِ
ارفعْ بصرَ فِكْرِكَ إلى عجائبِ السمواتِ، فتلمَّح الشمسَ في كلِّ يومٍ في منزلٍ، فإذا انخفَضَتْ بَرَدَ الهواءُ وجاءَ الشتاءُ، وإذا ارتفَعَتْ قَوِيَ الحرُّ، وإذا كانت بين المنزلتينِ اعتدلَ الزمانُ.
ثم اخفِضْ بَصَرَكَ إلى الأرضِ، ترى فِجَاجَها مذلَّلةً للتسخيرِ، ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [الملك:١٥]، وتفكَّروا في شُربِها بعد جَدْبِها بكأسِ القطرِ.
وتلمَّحْ خروجَ النباتِ يرفُلُ في ألوانِ الحُللِ على اختلافِ الصورِ والطعومِ والأراييحِ.
وانظرْ كيفَ نَزَلَ القطرُ إلى عِرقِ الشَّجَرِ، ثم عاد ينجذبُ إلى فروعِها، ويجري في تجاويفِها بعروقٍ لا تفتقِرُ إلى كُلْفَةٍ.
فلا حظَّ للغافلِ في ذلك إلا سماعُ الرعدِ بأذنِه، ورؤيةِ النباتِ والمطرِ بعينيه .. كلا! لو فُتح بصرُ البصيرةِ لقرأَ على كلِّ قطرةٍ خطًّا بالقلمِ الإلهِيِّ: أنَّها رزقُ فلانٍ في وقتِ كذا!!
ثم انظُرْ إلى المعادنِ لحاجاتِ الفقيرِ إلى المصالحِ، فمنها مودعٌ كالرصاصِ والحديدِ، ومنها مصنوعٌ بسببِ غيرِه كالأرضِ السبخةِ، يُجمعُ فيها ماءُ المطرِ فيصيرُ مِلْحًا.
وانظرْ إلى انقسامِ الحيواناتِ ما بين طائرٍ وماشٍ وإلهامِها ما يُصلِحُها.
وانظرْ إلى بُعْدِ ما بين السماءِ والأرضِ، كيف ملأَ ذلكَ الفراغَ هواءً، لتستنشقَ منه الأرواحُ، وتَسْبَحَ الطير في تيَّارِه إذا طارَتْ.
[ ٦٧ ]
وانظرْ بفكرِك إلى سَعَةِ البحرِ وتسخيرِ الفُلكِ فيه، وما فيه من دابةٍ.
قال يحيى بنُ أبي كثيرٍ: خلقَ اللهُ ألفَ أمةٍ، فأسْكَنَ ستمائةٍ في البحرِ، وأربعمائةٍ في البرِّ.
واعجبًا لك! لو رأيتَ خطًّا مستحسَنَ الرَّقْمِ، لأدرَكَك الدهشُ من حكمةِ الكاتبِ، وأنت تَرَى رقومَ القدرةِ ولا تعرفُ الخالقَ، فإن لم تَعْرِفْهُ بتلك الصنعةِ، فتَعَجَّبْ كيف أعْمَى بصيرتَك مع رؤيةِ بصرِك! (١).
فسبحانَك يا ربَّنا .. يا من سبحتْ له الكائناتُ .. وسجدَ له الصخرُ والنباتُ .. وتدكدَكَتْ لخشيتِه الجبالُ الراسياتُ ..
ويهتفُ حمدًا جمالُ الصباحِ وسِحرُ الربيعِ الشهيُّ العَطِر
وسِحْرُ السماء الشَّحيُّ الوديعُ وهمسُ النسيمِ ولحنُ المَطَر
تُسبِّحُه نغماتُ الطيورِ يُسبِّحُه الظلُّ تحتَ الشَّجَر
يُسبِّحه النبعُ بين المروجِ يسبِّحُ دومًا أريجُ الزَّهَر
يسبِّحه النورُ بين الغصونِ وسِحْرُ المساءِ وضوءُ القَمَر
قال الإمامُ ابنُ الجوزيِّ: عَرض لي في طريقِ الحجِّ خوفٌ من العربِ، فَسِرْنَا على طريقِ خيبرٍ، فرأيتُ من الجبالِ الهائلةِ والطرقِ العجيبةِ ما أذهَلَنِي .. وزادتْ عظمةُ الخالقِ ﷿ في صَدْرِي، فصارَ يعرِضُ لي عند ذكرِ تلك الطرقِ نوعُ تعظيمٍ لا أجدُه عند ذكرِ غيرِهَا.
_________________
(١) انظر: التبصرة لابن الجوزي (/٥٩ - ٦١).
[ ٦٨ ]
فصحتُ بالنفسِ: ويحكِ! اعبُرِي إلى البحرِ، وانظري إليه وإلى عجائِبِه بعينِ الفكْرِ، تُشاهدِي أهوالًا هي أعظمُ من هذه .. ثم اخرُجي عن الكونِ، والتفتي إليه، فإنكِ ترينَه بالإضافةِ إلى السمواتِ والأفلاكِ كذرَّةٍ في فلاةٍ ..
ثم جُولي في الأفلاكِ .. وطوفي حولَ العرشِ .. وتلمَّحِي ما في الجنانِ والنيرانِ .. ثم اخرُجِي عن الكلِّ والتَفِتِي إليه .. فإنكِ تشاهدينَ العالَمَ في قبضةِ القادرِ الذي لا تَقِفُ قدرَتُه عندَ حدٍّ .. ثم التفِتِي إليكِ .. فتلمَّحِي بدايتكِ ونهايتَكِ .. وتفكَّرِي فيما قبل البدايةِ وليس إلا العدمُ .. وفيما بعدَ البِلَى وليس إلا الترابُ!!
فكيف يأنسُ بهذا الوجودِ من نَظَرَ بعينِ فكرِهِ المبدأَ والمنتَهَى؟ وكيف تغفلُ القلوبُ عن ذكرِ هذا الإلهِ العظيمِ؟
باللهِ لو صَحَّت النفوسُ عن سُكْرِ هواها لذابتْ من خوفِه .. أو لغابَتْ في حبِّه .. غيرَ أنَّ الحسَّ غَلَبَ .. فعظُمَتْ قدرةُ الخالقِ عندَ رؤية جبلٍ .. وإن الفطنةَ لو تلمَّحتْ المعانِيَ لدلَّت القدرةُ عليه أوفى من دليلِ الجبلِ. فسبحانَ من شغلَ أكثرَ الخلقِ بما هم فيه عما خُلِقوا له .. سبحانَه» [صيد الخاطر].
الفجرُ بدَّده الضحى وعلى الضحى شدَّ الأصِيل
والليلُ يدنو زحفُه فكأنما انَهَمَرَتْ سُيُول
أرخَى على الدنيا دُجَاهُ فعمَّ في الدنيا الذُّهُول
الصمتُ لوَّن هذه الدنيا وغطَّاها خُمُول
والريحُ أعياها السُّرى والبدرُ من ضعفٍ خَجُول
[ ٦٩ ]
ونظرتُ من يَحْمِي الأنامَ وعزَّ في الناسِ السبيلُ!
ونظرتُ من للنَّجْمِ يُمْسِكُه فلا يخشَى أُفُول!!
ونظرتُ ثم نظرتُ ثم رأيتُ كم حَارَتْ عُقُول
ونَظَرْتُ ثم نَظَرْتُ يا سبحانَ ربِّي ما أقُول
وضحَ الدليلُ وغابَ عنا أنه وَضَحَ الدَّلِيل
ولربما تَحْوِي يَدِي وأنا بما تَحْوِي جَهُول!!
ذكر الحافظُ ابنُ رجبٍ عن بعضِ السلفِ أنه قرأَ في بعض الكتب المنزلةِ: «يقولُ اللهُ ﷿: يؤمَّلُ غيري للشدائدِ .. والشدائدُ بيدِي .. وأنا الحيُّ القيومُ .. ويُرجَى غيري .. ويُطرقُ بابُه بالبُكرَاتِ! وبيدي مفاتيحُ الخزائنِ .. وبابي مفتوحٌ لمن دعاني!!
من ذا الذي أمَّلني لنائبةٍ فقطعتُ به ..
أو من ذا الذي رَجَاني لعظيمٍ فَقَطَعْتُ رَجَاءَه!! ..
ومن ذا الذي طرقَ بابي فلم أَفْتَحْ له؟
أنا غايةُ الآمالِ .. فكيف تَنْقِطُعُ الآمالُ دوني؟!
أبخيلٌ أنا؟ فيبخِّلُني عَبْدِي!!
أليس الدنيا والآخرةُ والكرمُ والفضلُ كلُّه لي؟!
فما يمنعُ المؤمِّلينَ أن يؤمّلوني؟!
[ ٧٠ ]
لو جمعتُ أهلَ السمواتِ وأهلَ الأرضِ .. ثم أعطيتُ كلَّ واحدٍ منهم ما أعطيتُ الجميعَ .. وبلّغتُ كلَّ واحدٍ منهم أمَلَه .. لم يُنْقِصْ ذلك من مُلكي ذرةً .. وكيف يَنْقُصُ مُلكٌ أنا قيّمُهُ؟!
فيا بؤسًا للقَانِطِينَ من رَحْمَتِي!!
ويا بؤسًا لمن عَصَاني .. وتوثَّب على مَحَارِمي!!
* * *
[ ٧١ ]
تعظيمُ اللهِ تعالى من خلالِ أسمائِه وصفاتِه
لا شكَّ أنَّ من أعظمِ أسبابِ تعظيمِ الله ﷾: تدبُّرُ معانِي أسمائِهِ الحسْنَى وما تدلُّ عليه من صفاتٍ وما توجِبُهُ من آثارٍ عظيمةٍ، ولذلكَ نَبَّهَ اللهُ ﷾ على التأمُّلِ والتدبُّرِ في تلكَ الآثارِ فقالَ في صفةِ «الرحمةِ»: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠].
فإذا جَهِلَ الإنسانُ معانِيَ تلكَ الأسماءِ الحسْنَى، وجَهِلَ ما تدلُّ عليه من صفاتٍ، كيفَ له أن يَعْرِفَ آثارَ هذهِ الأسماءِ ويَنْتَفِعَ بها فقد قال سبحانه: ﴿قلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء:١١٠]، وقال: ﴿ولِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠].
والدعاءُ هنا يَتَضَمَّنُ نوعينِ:
أولًا: دعاءُ المسألةِ والطلبِ: وذلك بأن تُقَدِّمَ بين يَدَيْ دعائِك من أسماءِ اللهِ ما يكونُ مناسبًا للمطلوبِ، كما قال ابنُ القيمِ: يسألُ في كلِّ مطلوبٍ بما يكونُ مقتضيًا لذلك المطلوبِ، فيكونُ السائلُ متوسِّلًا إليه بذلك الاسمِ، ومن تأمَّلَ أدعيةَ الرسلِ وجدَها مطابقةً لهذا.
ثانيًا: دعاءُ الثناءِ والعبادةِ: وذلكَ بأنْ تُمَجِّدَهُ وتُثْنِيَ عليه بأسمائِهِ الحسْنَى وأن تَتَعَبَّدَ للهِ تعالَى بمقتَضَى هذهِ الأسماءِ.
[ ٧٢ ]
ولا شكَّ أن الجهلَ بمعانِي هذه الأسماءِ الحسْنَى يمْنَعُ من الانتفاعِ بها في هذا البابِ.
وقدْ أكثرَ الإمامُ ابنُ القيمِ وأطابَ في ذكرِ معانِي أسماءِ اللهِ الحسْنَى، وتَبِعَهُ في ذلكَ الشيخُ عبدُ الرحمنِ بنِ سَعْدِيٍّ رحمهما الله (١)، وكان مما قالا:
* * *
_________________
(١) انظر: (ص:١٣٠) من هذا الكتاب.
[ ٧٣ ]
نظراتٌ في الأسماءِ والصفاتِ وآثارِها
قال ابنُ القيمِ عن هذا المشهدِ: «وهو من أجلِّ المشاهدِ.
والمطَّلِعُ على هذا المشهدِ: معرفةُ تعلقِ الوجودِ خلقًا وأمرًا بالأسماءِ الحُسْنَى، والصفاتِ العُلَى، وارتباطُه بها. وإن كان العَالَم - بما فيه - من بعضِ آثارِها ومقتضياتِها.
وهذا من أجلِّ المعارفِ وأشرفِها، وكلُّ اسمٍ من أسمائِه سبحانَه له صفةٌ خاصَّةٌ.
فإن أسماءَه أوصافُ مدحٍ وكمالٍ.
وكلُّ صفةٍ لها مقتضَىً وفِعْلٌ: إمَّا لازمٌ وإما مُتَعَدٍّ، ولذلكَ الفعلِ تعلُّقٌ بمفعولٍ هو من لوازِمِهِ. وهذا في خلقِهِ وأمرِهِ، وثوابِهِ وعقَابِهِ. كلُّ ذلكَ آثارُ الأسماءِ الحسنَى وموجِبَاتُها.
ومن المحالِ تعطيلُ أسمائِه عن أوصافِها ومعانِيها، وتعطيلُ الأوصافِ عما تقتضِيهِ وتستَدْعِيه من الأفعالِ، وتعطيلُ الأفعالِ عن المفعولاتِ، كما أنه يستحيلُ تعطيلُ مفعولِه عن أفعالِه وأفعالِه عن صفاتِه، وصفاتِه عن أسمائِه. وتعطيلُ أسمائِه وأوصافِه عن ذاتِه.
وإذا كانتْ أوصافُه صفاتِ كمالٍ، وأفعالُه حكمًا ومصالحَ، وأسماؤُه حُسْنَىً: ففرضُ تعطيلِها عن موجباتِها مستحيلٌ في حقِّه.
ولهذا ينكرُ سبحانه على من عطَّلَهُ عن أمرِه ونهيِه، وثوابِه وعقابِه، وأنه
[ ٧٤ ]
بذلكَ نسبَهُ إلى ما لا يليقُ به وإلى ما يتنزَّهُ عنه، وأنَّ ذلكَ حُكْمٌ سيِّئٌ ممن حكمَ به عليه، وأنَّ من نسَبَه إلى ذلكَ فما قدَرَهُ حقَّ قَدْرِه، ولا عظَّمَهُ حقَّ تعظِيمِه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١]، وقال تعالى في حقِّ مُنْكِرِي المعادِ والثوابِ والعقابِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وقالَ في حقِّ من جَوَّزَ عليهِ التسويةَ بينَ المختلفَيْنِ، كالأبرارِ والفجارِ، والمؤمنينَ والكفارِ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، فأخبرَ أنَّ هذا حكمٌ سيَّئٌ لا يليقُ به، تَابَاهُ أسماؤُه وصفاتُه. وقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ*فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]، عن هذا الظنِّ والحسبانِ، الذي تَابَاهُ أسماؤُه وصفاتُه.
ونظائرُ هذا في القرآنِ كثيرةٌ. يَنْفِي فيها عن نفسِهِ خلافَ موجبِ أسمائِه وصفاتِه. إذ ذلك مستلزمٌ تعطيلَها عن كمالِها ومقتضياتِها.
فاسمُهُ (الحميدُ، المجيدُ) يمنعُ تركَ الإنسانِ سُدًى مُهملًا معطَّلًا، لا يُؤمرُ ولا يُنهَى. ولا يثابُ ولا يعاقبُ.
وكذلك اسمُه (الحكيمُ) يأبَى ذلكَ. وكذلكَ اسمُه (الملكُ) واسمُه (الحيُّ) يمنعُ أنْ يكونَ معطَّلًا من الفعلِ. بلْ حقيقةُ (الحياةِ) الفعلُ. فكلُّ حيٍّ فعَّالٌ.
وكونُه سبحانَهَ (خالقًا قيومًا) من موجباتِ حياتِه ومقتضياتِها.
[ ٧٥ ]
واسمُه (السميعُ البصيرُ) يوجبُ مسموعًا ومرئيًا.
واسمُهُ (الخالقُ) يقتضِي مخلوقًا. وكذلكَ (الرزَّاقُ).
واسمُهُ (المَلِكُ) يقتضي مملكةً وتصرُّفًا وتدبيرًا، وإعطاءً ومنعًا، وإحسانًا وعدْلًا، وثوابًا وعقابًا.
واسمُهُ (البَرُّ المُحسنُ، المُعطِي، المنَّانُ) ونحوُها تقتضِي آثارَهَا وموجباتِها.
إذا عُرِفَ هذا. فمن أسمائِه سبحانَهُ (الغفَّارُ، التوَّابُ، العفُوُّ) فلا بدَّ لهذه الأسماءِ من متعلقاتٍ، ولا بدَّ من جنايةٍ تُغْفَرُ، وتوبةٍ تُقْبَلُ، وجرائمَ يُعْفَى عنها.
ولا بدَّ لاسمِهِ (الحكيمِ) من متعلَّقٍ يظهرُ فيه حُكمُهُ، إذ اقتضاءُ هذه الأسماءِ لآثارِها كاقتضاءِ اسمِ (الخالقِ، الرزَّاقِ، المعطِي، المانعِ) للمخلوقِ والمرزوقِ والمعطى والممنوعِ. وهذه الأسماءُ كلُّها حسْنَى.
والربُّ تعالى يحبُّ ذاتَه وأوصافَه وأسماءَه. فهو عَفُوٌّ يُحِبُّ العفوَ، ويحبُّ المغفرةَ، ويحبُّ التوبةَ، ويفرحُ بتوبةِ عبدِه حينَ يتوبُ إليهِ أعظَمَ فَرَحٍ يخطُرُ بالبالِ.
وكان تقديرُ ما يغفِرُه ويعفُو عن فاعِلِه، ويحلمُ عنه، ويتوبُ عليه ويسامِحُه: من موجبِ أسمائِه وصفاتِه، وحُصولُ ما يحبُّه ويرضَاهُ من ذلك. وما يحمدُ به نفسَه، ويحمَدُه به أهلُ سمواتِه وأهلُ أرضِه: ما هو من موجباتِ كمالِه ومقتَضَى حمدِه.
وهو سبحانَه: (الحميدُ المجيدُ) وحمدُه ومجدُه يقتضِيَانِ آثارَهُمَا.
[ ٧٦ ]
ومن آثارِهِمَا: مغفرةُ الزلَّاتِ، وإقالَةُ العَثَرَاتِ، والعَفْوُ عن السيئاتِ، والمسامحةُ على الجناياتِ، مع كمالِ القدرةِ على استيفاءِ الحقِّ، والعلمُ منه سبحانه بالجنايةِ ومقدارِ عقوبَتِها، فحِلمُهُ بعدَ علمِهِ، وعفوُهُ بعدَ قدرَتِهِ، ومغفرَتُهُ عن كمالِ عزَّتِهِ وحكمَتِهِ، كما قال المسيح ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، أي فمغفرتُك عن كمالِ قدرتِكَ وحكمتِكَ، لستَ كمن يغفرُ عَجْزًا، ويسامحُ جَهْلًا بقدرِ الحقِّ، بلْ أنت عليمٌ بحقِّكَ، قادرٌ على استيفائِه، حكيمٌ في الأخذِ به.
فمن تأملَ سريانَ آثارِ الأسماءِ والصفاتِ في العالمِ، وفي الأمرِ، تبيَّنَ له أن مصدرَ قضاءِ هذه الجناياتِ من العبيدِ، وتقديرَها: هو من كمالِ الأسماءِ والصفاتِ والأفعالِ. وغاياتُها أيضًا: مقتَضَى حمدِه ومجدِه، كما هو مقتَضَى ربوبيَّتِهِ وإلهيَّتِهِ.
فله في كلِّ ما قَضَاهُ وقَدَّرَهُ الحكمةُ البالغةُ، والآياتُ الباهرةُ، والتعرفاتُ إلى عبادِه بأسمائِه وصفاتِه، واستدعاءُ محبتِهم له، وذكرِهم له، وشكرِهم له، وتعبدِهم له بأسمائِه الحُسْنَى. إذ كلُّ اسمٍ فله تعبُّدٌ مختصٌّ به، علمًا ومعرفةً وحالًا.
وأكملُ الناسِ عُبوديةً: المتعبِّدُ بجميعِ الأسماءِ والصفاتِ التي يطلعُ عليها البشرُ، فلا تحجُبُه عبوديةُ اسمٍ عن عبوديةِ اسمٍ آخرَ، كمنْ يَحْجُبُهُ التعبدُ باسمِ (القديرِ) عن التعبُّدِ باسمِ (الحليمِ الرحيمِ) أو يحجُبُهُ عبوديةُ اسمِه (المُعطِي) عن عبوديةِ اسمِه (المَنَّاعِ) أو عبوديةِ اسمِهِ (الرَّحيمِ والعفوِّ والغفورِ) عن اسمِه (المنتقمِ) أو التعبُّدُ بأسماءِ (التودُّدِ، والبِرِّ، واللُّطفِ،
[ ٧٧ ]
والإحسانِ) عن أسماءِ (العدلِ، والجبروتِ، والعظمةِ، والكبرياءِ) ونحو ذلك.
وهذه طريقةُ الكُمَّلِ من السائرينَ إلى اللهِ. وهي طريقةٌ مشتقةٌ من قلبِ القرآنِ. قال الله تعالى: ﴿ولِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، والدعاءُ بها يتناولُ دعاءَ المسألةِ، ودعاءَ الثناءِ، ودعاءَ التعبدِ.
وهو سبحانَه يدعُو عبادَه إلى أن يعرفُوه بأسمائِه وصفاتِه، ويُثْنُوا عليه بها، ويأخذُوا بحظِّهِم من عبوديَّتِها.
وهو سبحانَه يحبُّ موجبَ أسمائِه وصفاتِه.
فهو (عليمٌ) يحبُّ كلَّ عليمٍ (جَوادٌ) يُحبُّ كلَّ جوادٍ (وترٌ) يحبُّ الوترَ (جميلٌ) يحبُّ الجمالَ (عَفُوٌّ) يحبُ العَفْوَ وأهلَهُ (حَيِيٌّ) يحبُّ الحياءَ وأهلَهُ (بَرٌّ) يحبُّ الأبرارَ (شكُورٌ) يحبُّ الشاكرينَ (صبورٌ) يحبُّ الصابرينَ (حليمٌ) يحبُّ أهلَ الحلمِ.
فلمحبتِه سبحانَه للتوبةِ والمغفرةِ، والعفوِ والصفحِ: خلقَ من يغفرُ له، ويتوبُ عليهِ، ويعفُو عنه، وقدَّرَ عليه ما يقتَضِي وقوعَ المكروهِ والمبغوضِ له، ليترتبَ عليهِ المحبوبُ لهُ المرضِي له، فتوسُّطُه كتوسُّطِ الأسبابِ المكرُوهَةِ المفضِيَةِ إلى المحبوبِ.
فرُبَّما كان مكرُوهُ العبادِ إلى محبوبِها سببٌ ما مِثلُه سببُ
والأسبابُ - مع مسبَّباتِها - أربعةُ أنواعٍ:
محبوبٌ يُفضِي إلى محبوبٍ.
ومكروهٌ يُفضِي إلى محبوبٍ.
[ ٧٨ ]
وهذانِ النوعانِ عليهما مدارُ أقضيتِهِ وأقدارِه سبحانه بالنسبةِ إلى ما يحبُّه وما يكرَهُهُ.
والثالثُ: مكروهٌ يفضِي إلى مكروهٍ.
والرابعُ: محبوبٌ يفضِي إلى مكروهٍ.
وهذانِ النوعانِ ممتنعانِ في حقِّه سبحانَه، إذ الغاياتُ المطلوبةُ من قضَائِهِ وقدَرِهِ - الذي ما خَلَقَ ما خَلَقَ، ولا قَضَى ما قَضَى إلَّا لأجْلِ حُصُولِها - لا تكونُ إلا محبوبةً للربِّ مرضيةً له. والأسبابُ الموصِّلَةُ إليها مُنقسمَةٌ إلى محبوبٍ له ومكروهٍ له.
فالطاعاتُ والتوحيدُ: أسبابٌ محبوبةٌ له، مُوصِلَةٌ إلى الإحسانِ، والثوابِ المحبوبِ له أيضًا.
والشركُ والمعاصي: أسبابٌ مسخوطةٌ له، مُوصِلَةٌ إلى العدلِ المحبوبِ له، وإنْ كانَ الفضلُ أحبَّ إليه من العدلِ. فاجتماعُ العدلِ والفضلِ أحبُّ إليه من انفرادِ أحدِهما عن الآخرِ، لما فيهما من كمالِ المُلكِ والحمدِ، وتنوعِ الثناءِ، وكمالِ القدرةِ.
فإن قيل: كان يمكنُ حصولُ هذا المحبوبِ من غيرِ توسُّطِ المكروهِ.
قيلَ: هذا سؤالٌ باطلٌ، لأنَّ وجودَ الملزومِ بدونِ لازمِه ممتنعٌ. والذي يقدَّرُ في الذهنِ وجودُه شيءٌ آخرَ غيرُ هذا المطلوبِ المحبوبِ للربِّ. وحكمُ الذهنِ عليه بأنه محبوبٌ للربِّ حكمٌ بلا علمِ، بل قد يكونُ مبغوضًا للربِّ تعالى لمنافاتِه حكمتَه، فإذا حَكَمَ الذهنُ عليه بأنه محبوبٌ له. كان نسبةً له إلى
[ ٧٩ ]
ما لا يليقُ به. ويتعالى عنه.
فليُعْطِ اللبيبُ هذا الموضِعَ حقَّه من التأملِ. فإنه مزلَّةُ أقدامٍ، ومضلَّةُ أفهامٍ. ولو أمسكَ عن الكلامِ من لا يعلمُ لقلَّ الخلافُ.
وهذا المشهدُ أجلُّ من أن يحيطَ به كتابٌ أو يستوعِبَهُ خطابٌ، وإنما أَشَرْنَا إليه أدنَى إشارةٍ تُطْلِعُ على ما وراءِها. واللهُ الموفقُ والمعينُ (١).
* * *
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ٣٥٠).
[ ٨٠ ]
تعظيم الله تعالى في القرآن
ومن وسائلِ تعظيمِ الله تعالى: تدبرُ القرآنِ وتحديقُ النظرِ في سُوَرهِ وآياتِه، فالقرآنُ كلُّه ينطقُ بالتعظيمِ والتمجيدِ والإجلالِ لربِّ العالمينَ حتى قال أحدُ الباحثينَ الغربيينَ ليس هناك كتابٌ حَوَى من التعظيمِ والثناءِ والحمدِ والتقديسِ للهِ تعالى مثلَ ما حواه القرآنُ وهذا يثبتُ أنه من عندِ اللهِ تعالى، لأنه لو كان من افتراءِ محمدٍ لجعلَ محمدٌ لنفسه شيئًا من هذا التعظيمِ الإلهيِّ وهو ما لا نَجِدْه أبدًا في القرآنِ.
فانظرْ كيف يحمدُ اللهُ تعالى نفسه: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١]، ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، وانظر كيف أثبتَ لنفسِه كمالَ العلم: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:٣]، وانظر كيف أثبتَ لنفسِه القدرةَ التامَّةَ والقهرَ التامَّ: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٧ - ١٨].
ومع ذلك فهو يثبتُ لنفسِه الرحمةَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤]، وهكذا لا نجدُ آيةً من القرآنِ إلا وهيَ تدلُّ على عظمةِ اللهِ تعالى بلفظِها ومعناها، ولذلك فقد وصفَ اللهُ تعالى هذا الكتابَ بالعظمةِ فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧]. وقال سبحانه:
[ ٨١ ]
﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١].
فإذا كان هذا حالُ الجبلِ الصخرِ الأصمِّ إذا أُنزلَ عليه القرآنُ فكيف بحالِ الإنسانِ الضعيفِ؟!
وقد وصف اللهُ تعالى أهلَ الإيمان بالخشيةِ والرقةِ والقشعريرةِ عند سماعِ القرآنِ كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا * قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٦ - ١٠٩]، وما ذلك إلا لما سَمِعُوهُ وشَاهَدُوهُ في آياتِ اللهِ تعالى المتلوةِ من شواهدِ العظمةِ والقدرةِ والكبرياءِ والجلالِ.
* * *
[ ٨٢ ]
وما قدروا الله حق قدره
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
هذا ذمٌّ للمشركينَ الذينَ لم يخلِصُوا العبادةَ للهِ فعبدُوا مع اللهِ آلهةً أخرى وذلكَ لجهلِهِم بعظمةِ اللهِ ﷿ وما يستحِقُّه منَ العبادةِ والتعظيمِ. وهذه الآيةُ تشملُ كلَّ من عبدَ مع اللهِ غيرَه في كلِّ زمانٍ ومكانٍ فهؤلاءِ جميعًا ما قدروا اللهَ حقَّ قدرِه.
قالَ ابنُ كثيرٍ في تفسيرِه: «يقولُ تعالى: وما قدرَ المشركونَ اللهَ حقَّ قدرِه، حينَ عبدُوا معه غيرَه، وهو العظيمُ الذي لا أعظمَ منه، القادرُ على كلِّ شيءٍ، المالكُ لكلِّ شيءٍ، وكلُّ شيءٍ تحتَ قهرِه وقدرتِه.
وقال السُّدِّيُّ: ما عظَّموه حقَّ عَظَمَتِهِ.
وقال محمدُ بنُ كعبٍ: لو قَدَرُوه حقَّ قَدْرِه ما كَذَّبوه.
وقال عليُّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ ﵄: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ همُ الكفارُ الذين لم يؤمنوا بقدرةِ اللهِ تعالى عليهم، فمن آمنَ أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ فقد قَدَرَ اللهَ حقَّ قدرِه، ومن لم يؤمنْ بذلك فلم يَقْدُرِ اللهَ حقَّ قدرِهِ» (١).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٧/ ١١٣).
[ ٨٣ ]
وقال السعديُّ في تفسيرِه: «يقولُ تعالى: وما قدرَ هؤلاءِ المشركونَ ربَّهم حقَّ قدرِه، ولا عظَّموه حقَّ تعظيمِه، بل فعلوا ما يناقضُ ذلك، من إشراكِهم به مَنْ هو ناقصٌ في أوصافِه وأفعالِه، فأوصافُه ناقصةٌ من كلِّ وجهٍ، وأفعالُه ليس عنده نفعٌ ولا ضرٌ، ولا عطاءٌ ولامنعٌ، ولا يملكُ من الأمرِ شيئًا.
فَسَوَّوْا هذا المخلوقَ الناقصَ بالخالقِ الربِّ العظيمِ، الذي من عظمَتِهِ الباهرةِ، وقدرتِه القاهرةِ، أنَّ جميعَ الأرضِ يومَ القيامةِ قبضةٌ للرحمنِ، وأنَّ السماواتِ - على سَعَتِها وعِظَمِها - مطوياتٌ بيمينِه، فلا عظَّمَه حقَّ عَظَمَتِهِ من سَوَّى به غيرَه، ولا أظلمَ منه.
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزَّهَ وتعاظَمَ عن شركِهم به» (١).
وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: «واللهُ سبحانَه بعثَ الرسلَ وأنزلَ الكتبَ؛ بأنْ يكونَ هو المعبودَ وحدَهُ لا شريكَ له وإنِّما يعبدُ بما أَمَرَ به على أَلْسُنِ رسلِه.
وأصلُ عبادتِه: معرفتُهُ بما وصفَ به نفسَه في كتابِه وما وصفَه به رسلُه؛ ولهذا كانَ مذهبُ السلفِ أنهم يصفُونَ اللهَ بما وصفَ به نفسَه وما وصفَه به رسلُه من غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ ومن غيرِ تكييفٍ ولا تمثيلٍ والذينَ يُنكرونَ بعضَ ذلكَ ما قدرُوا اللهَ حقَّ قدرِهِ وما عَرَفُوهُ حقَّ مَعْرفتِهِ ولا وَصفُوه حقَّ صفتِه ولا عبدُوهُ حقَّ عبادَتِهِ.
واللهُ سبحانه قد ذكرَ هذه الكلمةَ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ في ثلاثِ
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن (ص:٧٢٩).
[ ٨٤ ]
مواضعٍ؛ ليثبتَ عظمتَه في نفسِه وما يستحقُّه من الصفاتِ وليثبتَ وحدانيَّتَه وأنَّه لا يستحقُّ العبادةَ إلا هو وليثبتَ ما أنزَلَهُ على رسلِه فقالَ في الزمرِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧] الآية، وقال في الحجِّ: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٤]، وقال في الأنعامِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١].
وفي المواضعِ الثلاثةِ ذمَّ الذين ما قدرُوه حقَّ قدرِه منَ الكفارِ فدلَّ ذلك على أنه يجبُ على المؤمنِ أن يقدُرَ اللهَ حقَّ قدرِه كما يجبُ عليه أن يتقِيَهُ حقَّ تقاتِه وأن يجاهدَ فيه حقَّ جهادِه قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، وقال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]، والمصدرُ هنا مضافٌ إلى مفعولٍ والفاعلُ مرادٌ أي حقَّ جهادِه الذي أمرَكُم به وحقَّ تقاتِه التي أمرَكُم بها واقدرُوه قدرَه الذي بيَّنَه لكم وأمرَكم به فصدِّقُوا الرسولَ فيما أخبرَ وأطيعُوه فيما أوجبَ وأمرَ.
وأما ما يخرجُ عن طاقةِ البشرِ، فذلك لا يُذَمُّ أحدٌ على تركِه قالتْ عائشةُ: فاقدرُوا قدرَ الجاريةِ الحديثةِ السنِّ الحريصةِ على اللهوِ. ودلت الآيةُ على أنَّ له قدرًا عظيمًا؛ لا سيّما قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وفي تفسيرِ ابنِ أبي طلحةَ عن ابنِ عبَّاسٍ قال: من آمنَ بأنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ فقدْ قَدَرَ اللهَ حقَّ قدْرِه.
وقدْ ثبتَ في الصحيحينِ من حديثِ ابنِ مسعودٍ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قرأَ هذه
[ ٨٥ ]
الآيةَ لما ذكرَ له بعضُ اليهودِ أنَّ اللهَ يحملُ السمواتِ على أصبعٍ والأرضينَ على أصبعٍ والجبالَ على أصبعٍ والشجرَ والثرى على أصبعٍ وسائرَ الخلقِ على أصبعٍ؛ فضحِكَ رسولُ اللهِ - ﷺ - تعجبًا وتصديقًا لقولِ الحبرِ وقرأَ هذهِ الآيةَ.
وعن ابن عباسٍ قال: مرَّ يهوديٌّ بالنبيِّ - ﷺ - فقال: يا أبا القاسِمِ ما تقولُ إذا وضعَ اللهُ السماءَ على ذِهِ؟ والأرضَ على ذِهِ والجبالَ والماءَ على ذِهِ وسائرَ الخلقِ على ذِهِ؟ فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ رواهُ الإمامُ أحمدُ بن حنبلٍ والترمذيُّ من حديثِ أبي الضحى عنِ ابنِ عباسٍ وقال غريبٌ حسنٌ صحيحٌ.
وهذا يقتضي أنَّ عظمَتَه أعظمُ ممَّا وصفَ ذلكَ الحبرُ فإنَّ الذي في الآيةِ أبلغُ كما في الصحيحينِ عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: «يقبضُ اللهُ الأرضَ يومَ القيامةِ ويطوي السماءَ بيمينِه ثم يقولُ: أنا الملكُ أين ملوكُ الأرضِ».
وفي الصحيحينِ عن ابنِ عمرَ قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «يطوي اللهُ السمواتِ يومَ القيامةِ ثمَّ يأخُذُهُنَّ بيدِه اليمنى. ثم يقول: أينَ الملوكُ؟ أين الجبارونَ؟ أين المتكبرونَ؟». ورواهُ مسلمٌ أبسطَ من هذا وذكرَ فيه أنَّه يأخذُ الأرضَ بيدِه الأخرى.
وقدْ روى ابنُ أبي حاتمٍ: حدثنا أبي ثنا عمرُو بن رافعٍ ثنا يعقوبُ بن عبدِ اللهِ عن جعفرَ عن سعيدٍ بن جبيرٍ قال: تكلَّمَتِ اليهودُ في صفةِ الربِّ ﵎ فقالُوا ما لم يعلَمُوا ولم يَرَوْا فأنزلَ اللهُ على نبيِّه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
[ ٨٦ ]
بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فجعلَ صفتَه التي وصفُوه بها شِركًا. وقال: حدثنا أبي ثنا أبو نعيمٍ ثنا الحكمُ يعني أبا معاذٍ عن الحسنِ قال: عَمَدَتِ اليهودُ فنظرُوا في خلقِ السمواتِ والأرضِ والملائكةِ فلما فرَغُوا أخذُوا يقدرُونَه فأنْزَلَ اللهُ تعالى على نبيِّه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وهذا يدلُّ على أنَّه أعظمُ مما وصفُوه وأنهم لم يقدُرُوه حقَّ قدرِه.
وقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فكلُّ من جعلَ مخلوقًا مثلًا للخالقِ في شيءٍ من الأشياءِ فأحَبَّه مثلَ ما يحبُّ الخالقَ أو وصَفَه بمثلِ ما يوصَفُ به الخالقُ فهو مشركٌ سوَّى بينَ اللهِ وبينَ المخلوقِ في شيءٍ من الأشياءِ فعَدَلَ بِرَبِّه.
والربُّ تعالى لا كُفْؤَ لهُ ولا سَمِيَّ لَهُ ولا مِثْلَ له ومَنْ جعَلَهُ مثلَ المعدومِ والممتنعِ فهو شرٌّ من هؤلاءِ فإنَّه معطِّلٌ ممثِّلٌ والمعطِّلُ شرٌّ من المشركِ.
واللهُ ثَنَّى قصةَ فرعونَ في القرآنِ في غيرِ موضعٍ؛ لاحتياجِ الناسِ إلى الاعتبارِ بها فإنه حَصَلَ له من الملكِ ودعوى الربوبيةِ والإلهيةِ والعلوِّ ما لم يحصُلْ مثلَهُ لأحدٍ من المعطِّلِينَ وكانتْ عاقِبَتُه إلى ما ذَكَرَ اللهُ تعالى وليسَ للهِ صفةٌ يماثِلُهُ فيها غيرُه؛ فلهذا لم يَجُزْ أن يُستَعْمَلَ في حقِّهِ قياسُ التمثيلِ ولا قياسُ الشمولِ الذي تَستَوِي أفرادُه فإنَّ ذلك شركٌ؛ إذ سُوِّيَ فيه بالمخلوقِ؛ بل قياسُ الأولى.
فإنَّه سبحانه له المثلُ الأعلى في السمواتِ والأرضِ فهو أحقُّ من غيرِه بصفاتِ الكمالِ وأحقُّ من غيرِه بالتَّنْزِيهِ عن صفاتِ النقصِ (١).
_________________
(١) الفرقان (ص:٧٥).
[ ٨٧ ]
ويدعو ابنُ القيمِ ﵀ إلى التأملِ في القرآنِ بهدفِ الوصولِ إلى تعظيمِ اللهِ تعالى ومحبَّتِه وإفرادِه بالعبادةِ والطاعةِ، قالَ ﵀: «تأمل خطابَ القرآنِ تجدْ ملكًا له المُلكُ كلُّه، وله الحمدُ كلُّه، أزِمَّةُ الأمورِ كلُّها بيدِه، ومصدَرُها منه، ومردُّها إليه، لا تَخْفَى عليه خَافِيةٌ في أقطارِ مملكتِهِ، عليمًا بما في نفوسِ عبيدِه، مُطَّلِعًا على أسرارِهم وعلانِيَتِهم، منفَرِدًا بتدبيرِ المملكةِ، يسمعُ، ويرى، ويعطي، ويمنعُ، ويثيبُ، ويعاقبُ، ويُكرمُ، ويُهينُ، ويخلقُ، ويرزقُ، ويُميتُ، ويُحيي، ويقدِّرُ، ويقضي، ويدبِّرُ. الأمورُ نازلةٌ من عندِه دقيقُها وجليلُها، وصاعدةٌ إليه لا تَتَحَرَّكُ في ذرِّةٍ إلا بإذْنِه، ولا تسقُطُ ورقةٌ إلا بعلْمِه.
فتأملْ كيفَ تجِدُهُ يثنِي على نفسِه، ويمجِّدُ نفسَه، ويحمَدُ نفسَهُ، وينصَحُ عبادَه، ويدُلُّهم على ما فيه سعادَتُهم وفلاحُهم ويرغبُهم فيه، ويحذِّرُهم مما فيه هلاكُهم. ويتعرَّضُ إليهم بأسمائِه وصفاتِه، ويتحبَّبُ إليهم بنعمِهِ وآلائِه. فيذكِّرُهم بنعَمِهِ عليهم، ويأمرُهم بما يَسْتَوْجِبُون به تمامَها، ويحذِّرُهم من نِقَمِهِ، ويذكِّرُهم بما أعدَّ لهم من الكرامةِ إن أطاعُوه، وما أعدَّ لهم من العقوبةِ إن عَصَوْهُ. ويخبِرُهم بصُنْعِه في أوليائِهِ وأعدائِهِ، وكيفَ كانتْ عاقبةُ هؤلاءِ وهؤلاءِ. ويثنِي على أوليائِهِ بصالحِ أعمالِهم، وأحسنِ أوصافِهِم، ويذمُّ أعداءَه بسيِّئِ أعمالِهم، وقبيحِ صفاتِهم.
ويضربُ الأمثالَ، وينوِّعُ الأدلةَ والبراهينَ، ويجيبُ عن شُبهِ أعدائِه أحسنَ الأجوبَةِ، ويصدِّقُ الصادق، ويكذِّبُ الكاذبَ، ويقولُ الحقَّ، ويهدي السبيلَ.
ويدعو إلى دارِ السلامِ، ويذكرُ أوصافَها وحسنَها ونعيمَها، ويحذِّرُ من دارِ البوارِ، ويذكُرُ عذابَها وقبْحَها وآلامَها، ويُذَكِّرُ عبادَه فقرَهم إليهِ، وشدةَ
[ ٨٨ ]
حاجَتِهم إليه من كلِّ وجهٍ، وأنهم لا غنىً لهم عنه طرفةَ عينٍ، ويذكُرُ غنَاهُ عنهم وعن جميعِ الموجوداتِ، وأنه الغنيُّ بنفسِه عن كلِّ ما سوَاهُ، وكلُّ ما سوَاهُ فقيرٌ إليه بنفسِه، وأنه لا ينَالُ أحدٌ ذرةً من الخيرِ فما فوقَها إلا بفضْلِه ورحمَتِه، ولا ذرَّةً من الشَّرِّ فما فوقَها إلا بعدْلِه وحكمَتِه.
ويشهدُ من خطابِه عتابَه لأحبابِه ألطفَ عتابٍ، وأنَّه معَ ذلك مُقيلُ عثراتِهم، وغافرُ زلاتِهم، ومقيمُ أعذارِهم، ومصلحُ فسادِهم، والدافعُ عنْهُم، والمحامِي عنهُم، والناصرُ لهم، والكفيلُ بمصالحِهم، والمنجي لهم من كلِّ كربٍ، والموفِّي لهم بوعدِه، وأنه وليُّهم الذي لا وليَّ لهم سوَاهُ، فهو مولاهُم الحقُّ، ونصيرُهم على عدوِّهم؛ فنعمَ المولى ونعمَ النصيرُ.
فإذا شهدتِ القلوبُ من القرآنِ ملكًا عظيمًا، رحيمًا، جوادًا، جميلًا، هذا شأنُه؛ فكيفَ لا تحبُّه، وتُنافِسُ في القربِ منه، وتنفِقُ أنفاسَها في التودُّدِ إليه، ويكونُ أحبَّ إليها من كلِّ ما سوَاهُ، ورضَاهُ آثَرُ عندَها من رضَا كلِّ ما سوَاهُ؟! وكيفَ لا تَلْهَجُ بِذِكْرِه، ويصيرُ حبُّه، والشوقُ إليه، والأنسُ به، هو غذاؤُها وقوتُها ودواؤُها؛ بحيثُ إن فَقَدَتْ ذلكَ فَسَدَتْ وهلكَت ولم تَنْتَفِعْ بحياتِها؟!
* * *
[ ٨٩ ]
تجلياتُ اللهِ تعالى في القرآن (١)
القرآنُ كلامُ اللهِ، وقدْ تجلَّى اللهُ فيه لعبادِهِ بصفاتِهِ، فتارةً يتجلَّى في جلبابِ الهيبةِ والعظمةِ والجلالِ؛ فتخضَعُ الأعناقُ، وتنكَسِرُ النُّفوسُ، وتخْشَعُ الأصواتُ، ويذوبُ الكِبْرُ كما يذوبُ الملحُ في الماءِ. وتارةً يتجلَّى في صفاتِ الجمالِ والكمالِ، وهو كمالُ الأسماءِ، وجمالُ الصفاتِ، وجمالُ الأفعالِ الدالُّ على كمالِ الذاتِ؛ فيستنفذُ حُبُّه من قلبِ العبدِ قُوةَ الحبِّ كلِّها، بحسبِ ما عَرَفَهُ من صفاتِ جمالِه ونعوتِ كمالِه، فيصبحُ فؤادُ عبدِه فارغًا إلَّا من محبَّتِه، فإذا أرادَ منه الغيرُ أن يُعلِّقَ تلكَ المحبةِ به أَبَى قلبُه وأحشاؤُه ذلكَ كلَّ الإباءِ، كما قيلَ:
يُرادُ من القلبِ نسيانُكُم وتَابَى الطباعُ على النَّاقل
فتبقَى المحبةُ له طبعًا لا تكلفًا ..
وإذا تجلَّى بصفاتِ الرحمةِ والبرِّ واللُّطفِ والإحْسانِ، انبعثَتْ قوَّةُ الرجاءِ من العبدِ، وانبَسَطَ أمَلُهُ، وقويَ طمعُهُ، وسارَ إلى ربِّه وحادِي الرجاءِ يحدُو ركابَ سيرِه. وكلَّما قوِيَ الرَّجاءُ، جدَّ في العملِ، كما أنَّ الباذرَ كلَّما قويَ طمعُه في المغلِّ (٢) غلقَ أرضَه بالبذرِ، وإذا ضَعُفَ رجاؤُه قصَّرَ في البَذْرِ.
وإذا تجلَّى بصفاتِ العدلِ والانتقامِ والغضبِ والسخطِ والعقوبةِ، انقمعتِ (٣) النفسُ الأمَّارةِ، وبطلتْ أو ضعفتْ قُوَاها: من الشهوةِ، والغضبِ،
_________________
(١) الفوائد (ص:١٠٥ - ١٠٨).
(٢) المغلّ: هنا بمعنى ناتج الأرض.
(٣) قمعه وأقمعه: أي قهره وأذله (فانقمع).
[ ٩٠ ]
واللهوِ، واللعبِ، والحرصِ على المحرماتِ، وانقبضتْ أعِنَّةُ (١) رعوناتِها (٢)؛ فأحضَرَت المطيةُ حظَّها من الخوفِ والخشيةِ والحذرِ.
وإذا تجلَّى بصفاتِ الأمرِ والنهيِ والعهدِ والوصيةِ وإرسالِ الرسلِ وإنزالِ الكتبِ وشرعِ الشرائعِ، انبعثَ منها قوةُ الامتثالِ والتنفيذِ لأوامرِه، والتبليغِ لها، والتواصي بها، وذكرِها، وتذكُّرِها، والتَّصديقِ بالخبرِ، والامتثالِ للطلبِ، والاجتنابِ للنهيِ.
وإذا تجلَّى بصفاتِ السمعِ والبصرِ والعلمِ، انبعثتْ منَ العبدِ قوةُ الحياءِ؛ فيستحيِ من ربِّه أن يرَاهُ على ما يكرَهُ، أو يسمَعُ منه ما يكرَهُ، أو يخفِي في سريرَتِهِ ما يمقتُهُ عليه؛ فتبقى حركاتُه وأقوالُه وخواطرُه موزونةٌ بميزانِ الشرعِ، غيرَ مهملةٍ ولا مرسَلَةٍ تحتَ حكمِ الطبيعةِ والهوى.
وإذا تجلَّى بصفاتِ الكفايةِ والحسْبِ، والقيامِ بمصالحِ العبادِ، وسوقِ أرزاقِهم إليهم، ودفعِ المصائبِ عنهم، ونصرِه لأوليائِه، وحمايتِه لهم، ومعيَّتِه الخاصةِ لهم، انبعثَ من العبدِ قوةُ التوكلِ عليه، والتفويضُ إليه، والرضَا به وبكلِّ ما عَلِمَ العبدُ بكفايةِ اللهِ وحسنِ اختيارِه لعبدِه وثقتِه به ورضَاهُ بما يفعَلُهُ به ويختارُه له.
وإذا تجلَّى بصفاتِ العزِّ والكبرياءِ، أعطَتْ نفسُهُ المطمئنةُ ما وصلتْ إليه من الذلِّ لعظمتِه، والانكسارِ لعزَّتِه، والخضوعِ لكبريائِه، وخشوعِ القلبِ
_________________
(١) أعِنة: جمع (عِنان)، وهو سير اللجام الذي يمسك.
(٢) الرُّعُونة: الحمق والاسترخاء.
[ ٩١ ]
والجوارحِ له؛ فتعلُوه السكينةُ والوقارُ في قلبِه ولسانُه وجوارحُه وسمتُه (١)، ويذهبُ طَيشُه وقوتُه وحدتُه.
وجماعُ ذلك: أنه سبحانه يتعرفُ إلى العبدِ بصفاتِ إلهيَّتِهِ تارةً، وبصفاتِ ربوبيَّتِهِ تارةً؛ فيوجبُ له شهودُ صفاتِ الآلهيةِ المحبةَ الخاصَّةَ، والشوقَ إلى لقائِه، والأنسَ والفرحَ به، والسرورَ بخدمتِه، والمنافسةَ في قربِه، والتودُّدَ إليه بطاعتِه، واللَّهَجَ بذكْرِه، والفرارَ من الخلقِ إليه، ويصيرُ هو وحدَهُ هَمَّهُ دونَ ما سوَاهُ. ويوجبُ له شهودُ صفاتِ الربوبيةِ التوكلَ عليه، والافتقارَ إليه، والاستعانةَ به، والذلَّ والخضوعَ والانكسارَ له.
وكمالُ ذلكَ أن يشهدَ ربوبيَّتَهُ في إلهيتِه، وآلهيَّتَه في ربوبيَّتِه، وحمدَه في ملْكِهِ، وعزَّه في عفْوِه، وحكمَتَه في قضائِه وقدرِه، ونعمتَه في بلائِه، وعطاءَه في منعِه، وبرَّه ولطفَه وإحسانَه ورحمتَه في قيُّوميَّتِه، وعدلَه في انتقامِه، وجودَه وكرمَه في مغفرتِه، وسترِه وتجاوُزِه. ويشهدَ حكمتَه ونعمتَه في أمرِه ونهيِه، وعزَّه في رضَاهُ وغضبِه، وحِلمَه في إمهالِه، وكرمَه في إقبالِه، وغنَاهُ في إعراضِه.
* * *
_________________
(١) سمته: هيئته.
[ ٩٢ ]
تعظيمُ النبيِّ - ﷺ - لربِّه
إذا كان التعظيمُ ثمرةً من ثمراتِ المعرفةِ فقد كان النبيُّ - ﷺ - أعرفَ الخلقِ بربِّه، وكيفَ لا يكونُ كذلكَ وهو الذي اصطفَاهُ ربُّه وعلَّمَه ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣]، ومنْ تدبَّرَ في عبادةِ النبيِّ - ﷺ - وذكرِهِ ودعائِه ولجوئِه إلى ربِّه عَلِمَ أنَّهُ أعظَمُ من عَظَّمَ الله تعالى، فقدْ كان - ﷺ - يقومُ من الليلِ حتى تتفطَّرَ قدماه، فقالتْ له عائشة ﵂: تفعلُ ذلك وقد غُفِرَ لك ما تقدمَ من ذنبِك وما تأخرَ!! فقال - ﷺ -: «أفلا أحبُّ أن أكون عبدًا شكورًا» (١).
ومن تعظيمِ النبيِّ - ﷺ - لربِّه أنه كان يسدُّ جميعَ الأبوابِ التي تُفضِي إلى الغلوِّ فيه وإخراجِه عن حدودِ العبوديةِ والرسالةِ التي أَنْزَلَهُ اللهُ تعالى إيَّاها، فكان - ﷺ - يقولُ: «لا تُطْروني كما أطرتِ النصارى ابنَ مريمَ، إنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه» (٢).
وعن محمدِ بن جبيرِ بن مطعِمٍ عن أبيه قال: أتى رسولَ اللهِ - ﷺ - أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ الله! جَهِدت الأنفسُ، وضاعتِ العيالُ، ونُهكتِ الأموالُ، وهلكتِ الأنعامُ، فاستسِقِ اللهَ لنا، فإنا نستشفِعُ بكَ على اللهِ، ونستشْفِعُ باللهِ عليكَ. فقال رسولُ الله - ﷺ -: «ويحك! أتدري ما تقولُ؟»، وسبَّحَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، فما زالَ يسبِّحُ حتى عُرِفَ ذلك في وجوهِ أصحابِه، ثم قال: «إنَّه لا
_________________
(١) البخاري (١١٣٠)، مسلم (٢٨١٩)، الترمذي (٤١٢).
(٢) البخاري (٣٤٤٥)، مسلم (١٦٩١)، أحمد (١٥٥).
[ ٩٣ ]
يُسْتَشْفَعُ باللهِ على أحدٍ من خَلْقِه، شأن اللهِ أعظمُ من ذلك» (١).
وعن ابن عباسٍ قال: قال رجلٌ للنبيِّ - ﷺ -: ما شاءُ اللهُ وشئتَ، فقال - ﷺ -: «أَجَعَلْتَنِي للهِ ندًّا؛ لا بل ما شاءَ اللهُ وحدَهُ» (٢).
وعن عبدِ اللهِ بن الشخيرِ قال: انطلقتُ في وفدِ بني عامرٍ إلى رسولِ اللهِ - ﷺ - فقلنا: أنت سيدُنا. فقال: «السيدُ اللهُ» فقلنا: وأفضلُنَا فضلًا وأعظمُنَا طَوْلًا. فقال - ﷺ -: «قولوا بقولِكم أو بعضِ قولِكم، ولا يَسْتَجْرِيَنَّكُم الشيطانُ» (٣).
قال في (النهاية): «أي لا يَسْتَغْلِبَنَّكُم فيتخِذُكم جَريًّا، أي رسولًا ووكيلًا، وذلك أنهم كانوا مَدَحُوه، فَكَرِهَ لهمُ المبالغةَ في المدحِ، فنهاهم عنه» (٤).
وقولُه - ﷺ -: «السيدُ اللهُ» أي السؤددُ على الحقيقةِ إنما هو للهِ؟، لأنه المتصفُ بذلك على الإطلاقِ فهو الذي الخلقُ خلقُه، والملكُ ملكُه، وهو المتفضلُ بكلِّ النِّعَمِ، وهو المتصرفُ في الخلقِ كيفَ شاءَ، وهو صاحبُ السؤددِ على الحقيقةِ، وأما غيرُه ممن حصَّل سؤددًا فإنما هو سؤددٌ ناقصٌ وغيرُ كاملٍ، ولهذا فإن النبيَّ - ﷺ - أخبر عن نفسِه بأنه سيدُ ولدِ آدمَ غ، وهو سيدُهم في الدنيا والآخرةِ - صلواتُ اللهِ وسلامِه وبركاتِه عليه ـ، ولكنَّ
_________________
(١) رواه أبو داود (٤١٠١) بيند فيه ضعف.
(٢) رواه أحمد (١٧٤٢).
(٣) رواه أبو داود (٤١٧٢)، وأحمد (١٥٧٢٦).
(٤) النهاية (١/ ٧٣٩) ط: الشاملة.
[ ٩٤ ]
السؤددَ الذي يليقُ بالإنسانِ، للرسولِ - ﷺ - منه الحظُّ الأكبرُ والنصيبُ الأوفرُ، وأما السؤددُ الكاملُ على الحقيقةِ فهو للهِ؟ فالرسولُ - ﷺ - لحمايَتِه جنابَ التوحيدِ، ولحرصِه على ألا يحصلَ غلوٌّ يُؤَدِّي إلى محذورٍ أرشدَ ﵊ وبيَّنَ أن السيدَ هو اللهُ وأن السؤددَ الحقيقيَّ إنما هو للهِ - (١).
وكان النبيُّ - ﷺ - يعظمُ اللهَ تعالى من خلالِ تدبرِ آياتِ القرآنِ، وكان - ﷺ - يخشى من نزولِ العذابِ على هذه الأمةِ ففي صحيحِ البخاريِّ من حديثِ جابرِ بن عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسولُ اللهِ - ﷺ -: «أعوذ بوجهِك». قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قالَ النبيُّ - ﷺ -: «أعوذُ بوجهِكَ» قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَاسَ بَعْضٍ﴾ قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: «هذا أهونُ أو هذا أيسرُ» (٢).
وكان غ إذا رأى غيمًا عُرِفَ في وجْهِه، قالت عائشةُ: يا رسولَ اللهِ! الناسُ إذا رأوُا الغيمَ فَرِحُوا، رجاءَ أن يكونَ فيه المطرُ، وأَراكَ إذا رأيتَ غَيْمًا عُرِفَ في وجْهِكَ الكراهَيَةُ! فقال: «يا عائشةُ! وما يُؤَمِّنني أن يكونَ فيه عذابٌ؟ قد عُذِّبَ قومٌ بالريحِ، وقد رأى قومٌ العذابَ فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤]» (٣).
وكان - ﷺ - من تعظيمِه لربِّه يتأثرُ بالآياتِ التي يخوفُ اللهُ بها عبادَه فعن عبدِ الله بن عمرِو - ﵁ - قال: انكسَفَتِ الشمسُ يومًا على عهدِ رسولِ اللهِ - ﷺ -،
_________________
(١) انظر شرح سنن أبي داود للشيخ عبد المحسن العباد (٢٧/ ٤٤٦)، ط. الموسوعة الشاملة.
(٢) رواه البخاري (٤٢٦٢)، والترمذي (٢٩٩١).
(٣) رواه البخاري (٤٤٥٤)، ومسلم (١٤٩٧).
[ ٩٥ ]
فقامَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يصلِّي، فلم يَكَدْ أن يسجُدَ ثم سَجَدَ، فلم يكد أن يَرْفَعَ رأسَهُ، فجعلَ ينفُخُ ويبكِي ويقولُ: «ربِّ ألم تَعِدْني ألا تعذِّبَهم وأنا فيهم؟ ربِّ ألم تَعِدْني ألا تعذِّبَهم وهم يستغفرون؟ ونحن نستغفِرُك»، فلما صلَّى ركعتينِ انجلَت الشمسُ، فقامَ فحمِدَ اللهَ تعالى وأثنَى عليه ثم قال: «إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللهِ، لا ينكسِفَانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا انكسَفَا، فَافْزَعُوا إلى ذكرِ اللهِ» (١).
وقد ذكرْنَا شيئًا من تعظيمِ النبيِّ - ﷺ - لربِّه في أمهاتِ العبادةِ كالصلاةِ والحجِّ وذكرِ الله تعالى.
* * *
_________________
(١) رواه أبو داود (١١٩٤)، والنسائي (٥٤٧).
[ ٩٦ ]
أحاديث نبويةٌ في تعظيمِ اللهِ ﷾
وعن أبي هريرةَ ﵁، أن رسولَ الله - ﷺ - قال: «يدُ اللهِ ملْأَى لا يغيضُها (١) نفقةٌ، سَحَاءَ الليلَ والنهارَ»، وقال: «أرأيتُم ما أنفقَ منذُ خلقَ السمواتِ والأرضَ، فإنَّه لم يُغِضْ ما في يدِه»، وقال: «وكانَ عرشُه على الماءِ، وبيدِه الأخرى الميزانُ يخفضُ ويرفعُ» (٢) [متفق عليه].
وكان النبيُّ - ﷺ - يأمرُ بتعظيمِ اللهِ ﷿ في الصلاةِ، فقال: «أمَّا الركوعُ فعظِّمُوا فيهِ الربَّ» (٣).
عن عبدِ اللهِ بن عمرَ ﵄ قال: قال رسولُ الله - ﷺ -: «يطوِي اللهُ ﷿ السمواتِ يومَ القيامةِ، ثم يأخُذُهنَّ بيدِه اليمْنَى ثم يقولُ: أنا الملكُ أينَ الجبارونَ؟ أينَ المتكبِّرونَ؟ ثم يطوِي الأرضينَ بشمالِه ثم يقولُ: أنا الملكُ، أينَ الجبارونَ؟ أينَ المتكبرونَ؟» (٤) [رواه مسلم].
وعن النبيِّ - ﷺ - قال: «إن اللهَ لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينامَ، يخفضُ القسطَ ويرفعُه، يُرفَعُ إليه عملُ النهارِ قبلَ عملِ الليلِ، وعملُ الليلِ قبلَ عملِ النهارِ، حجابُه النورُ، لو كَشَفَهُ لأحرقَتْ سُبُحُاتِ وجْهِه، ما انتَهَى إليه بصرُه من خلقِه» (٥).
_________________
(١) يغيضها: ينقصها.
(٢) رواه البخاري (٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣).
(٣) رواه مسلم (٤٧٩)، وأبو داود (٨٧٦).
(٤) رواه مسلم (٢٧٨٨).
(٥) رواه مسلم حديث رقم (٤٤٥).
[ ٩٧ ]
وعن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ ﵁ قالَ: جاءَ حبرٌ إلى النبيِّ - ﷺ - فقال: يا محمدُ! أو يا أبا القاسمِ! إنَّ الله تعالى يُمْسِكُ السمواتِ يومَ القيامةِ على إصبعٍ، والأرضينَ على إصبعٍ، والجبالَ والشجرَ على إصبعٍ، والماءَ والثرى على إصبعٍ، وسائرَ الخلقِ على إصبعٍ ثم يهزُّهُنَّ فيقولُ: أنا الملكُ، أنا الملكُ، فضَحِكَ رسولُ اللهِ - ﷺ - تعجُّبًا مما قالَ الحبرُ، تصديقًا له ثمَّ قرأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]» (١).
وقال - ﷺ -: «إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: إن العِزَّ إِزَارِي، والكبرياءَ ردائِي، فمن نازَعَنِي فيهما عذَّبتُهُ» (٢).
وقال - ﷺ -: «ما منكم من أحدٍ إلا سيُكلِّمُهُ اللهُ يومَ القيامةِ، ليسَ بينَه وبينَه ترجمان، فينظرُ أيمنَ منه، فلا يرَى إلا ما قدَّمَ، وينظرُ أشأمَ (٣) منه، فلا يرَى إلا ما قدّمَ، وينظرُ بين يدَيْهِ، فلا يَرَى إلا النَّارَ تلقاءَ وجهِه، فاتَّقُوا النَّارَ، ولو بشقِّ تمرةٍ، ولو بكلمةٍ طيبةٍ» (٤).
وقال - ﷺ -: «إن أحدَكم يُجمعُ خلقُهُ في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا نطفةً، ثم يكونُ علقةً مثل ذلك، ثم يكونُ مضغةً مثل ذلك، ثم يبعثُ اللهُ إليه مَلَكًا، ويؤمرُ بأربعِ كلماتٍ، ويقالُ له: اكتبْ علمهُ، ورزقهُ، وأجلهُ، وشقيٌّ أم
_________________
(١) متفق عليه البخاري (٧٥١٣)، ومسلم (٢٧٨٦).
(٢) رواه البخاري في الأدب المفرد (٥٥٢)، وقال الألباني: صحيح.
(٣) أي: جهة شماله.
(٤) البخاري (٧٥١٢)، ومسلم (١٠١٦).
[ ٩٨ ]
سعيدٌ، ثم ينفخُ فيه الروحَ، فإنَّ الرجلَ منكم ليعملُ بعملِ أهلِ الجنةِ، حتى لا يكونُ بينهُ وبينَها إلَّا ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ النارِ، فيدخلُ النارَ. وإنَّ الرجلَ ليعملُ بعملِ أهلِ النارِ، حتى ما يكونُ بينَهُ وبينها إلَّا ذراعٌ، فيسبقُ عليهِ الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ الجنةِ، فيدخلُ الجنةَ» (١).
عن أبي ذرٍّ الغفاري ﵁ عن النبي صلى الله عليه وآله فيما يرويه عن ربه؟ أنه قال: «يا عَبَادي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلمَ عَلَى نفسِي وجعلتُهُ بينكم مُحرَّمًا فلا تظَّالموا.
يَا عِبادِي كُلكُم ضَالٌّ إلَّا من هديتُه فاستَهْدُوني أَهْدِكُم.
يَا عِبادِي كُلكُم جَائِعٌ إلَّا من أَطْعمتُهُ فاسْتَطعمُوني أُطعِمْكُم.
يَا عِبادِي كُلكُم عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسِكُم.
يَا عِبادِي إنكم تُخطئِون باللَّيلِ والنَّهارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فاستغفروني أغفر لكم.
يَاعِبادِي إِنَّكم لن تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضَروني وَلَنْ تَبْلغُوا نَفْعِي فتنفعُوني.
يَا عِبادِي لو أَنَّ أَوَّلكم وآخرَكم وإِنْسَكُمْ وجنَّكُم كانوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ واحدٍ منكم ما زادَ ذلكَ في ملكي شيئا.
يَا عِبادِي لو أَنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكُم وجنَّكُم كانوا عَلَى أَفْجرِ قلب رَجُلٍ واحدٍ منكم ما نَقَصَ ذلك من مُلكي شيئا.
_________________
(١) البخاري (٦٥٩٤)، ومسلم (٢٦٤٣)، والترمذي (٢١٣٧).
[ ٩٩ ]
يَا عِبادِي لو أَنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكُم وجنَّكُم قاموا في صَعيدٍ وَاحدٍ فسألوني فأعطيت كل واحدٍ مسألته ما نقصَ ذلكَ مما عندي إلَّا كما ينقصُ المخيط إذا أُدخِلَ البحر.
يَا عِبادِي إِنَّما هي أعمالُكُم أُحْصِيها لكُم ثُمَّ أوفيكم إيَّاهَا فمن وَجَدَ خيرًا فليحمدِ اللهَ، ومَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يلومنَّ إلَّا نفسه» [رواه مسلم].
قوله: «إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما».
قال ابن دقيق العيد: «قال بعض العلماء: معناه لا ينبغي لي ولا يجوز عليَّ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٢]، فالظلم محال في حق الله تعالى. قال بعضهم في هذا الحديث: لا يسوغ لأحد أن يسأل الله تعالى أن يحكم له على خصمه إلا بالحق بقوله سبحانه: «إني حرمت الظلم على نفسي»، فهو سبحانه لا يظلم عباده فكيف يظن ظان أنه يظلم عباده لغيره؟
وكذلك قال: «فلا تظالموا» المعنى: المظلوم يقتص له من الظالم، وحذفت إحدى التاءين تخفيفًا أصله: فلا تتظالموا.
وقوله: «كُلُّكُم ضَالٌ إلَّا من هديتُه، وكلُّكُم عَارٍ إلَّا مَن كسوتُه وكلكم جائعٌ إلَّا من أطعمتُه ».
تنبيه على فقرنا وعجزنا عن جلب منافعنا ودفع مضارنا إلا أن يعيننا الله سبحانه على ذلك، وهو يرجع إلى معنى: لا حول ولا قوة إلا بالله. وليعلم العبد أنه إذا رأى آثار هذه النعمة عليه أن ذلك من عند الله ويتعين عليه شكر الله تعالى وكلما ازداد من ذلك يزيد في الحمد والشكر لله تعالى.
[ ١٠٠ ]
وقوله: «فاستهدوني أهدكم» أي اطلبوا مني الهداية أهدكم والجملة في ذلك أن يعلم العبد أنه طلب الهداية من مولاه فهداه ولو هداه قبل أن يسأله لم يبعد أن يقول: إنما أوتيته على علم عندي. وكذلك «كلكم جائع» إلى آخره يعني أنه خلق الخلق كلهم ذوي فقر إلى الطعام فكل طاعم كان جائعا حتى يطعمه الله بسوق الرزق إليه وتصحيح الآلات التي هيأها له فلا يظن ذو الثروة أن الرزق الذي في يده وقد رفعه إلى فيه أطعمه إياه أحد غير الله تعالى وفيه أيضا أدب للفقراء كأنه قال: لا تطلبوا الطعام من غيري فإن هؤلاء الذين تطلبون منهم أنا الذي أطعمهم «فاستطعموني أطعمكم»، وكذلك ما بعده.
وقوله: «إنكم تخطئون بالليل والنهار».
في هذا الكلام من التوبيخ ما يستحي منه كل مؤمن وكذلك أن الله خلق الليل ليطاع فيه ويعبد بالإخلاص حيث تسلم الأعمال فيها غالبا من الرياء والنفاق أفلا يستحي المؤمن أن لا ينفق الليل والنهار [في الطاعة] فإنه خلق مشهودا من الناس فينبغي من كل فطن أن يطيع الله فيه أيضا ولا يتظاهر بين الناس بالمخالفة وكيف يحسن بالمؤمن أن يخطئ سرا أو جهرا لأنه ﷾ قد قال بعد ذلك: «وأنا أغفر الذنوب جميعًا» فذكر الذنوب بالألف واللام التي للتعريف وأكدها بقوله: «جميعا» وإنما قال ذلك قبل أمره إيانا بالإستغفار لئلا يقنط أحد من رحمة الله لعظم ذنب ارتكبه.
قوله: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم» إلى آخره ..
فيه ما يدل على أن تقوى المتقين رحمة لهم وأنها لا تزيد في ملكه شيئًا.
[ ١٠١ ]
وأما قوله: «لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكُم وإنسَكُم وجنَّكُم قاموا في صعيد واحد».
إلى آخره ففيه تنبيه الخلق على أن يعظموا المسألة ويوسعوا الطلب، ولا يقتصر سائل ولا يختصر طالب؛ فإن ما عند الله لا ينقص، وخزائنه لا تنفد، فلا يظن ظان أن ما عند الله يغيضه الإنفاق كمال قال - ﷺ - في الحديث الآخر: «يدُ الله مَلْأَى لا يغُيضُها نفقةٌ سَحَاء الليلِ والنَّهار أرأيتُم مَا أنفَقَ منذُ خلقَ السَّمواتِ والأرضَ فَإِنَّه لم يغضْ مَا في يَمينه» وسر ذلك أن قدرته صالحة للإيجاد دائما لا يجوز عليها عجز ولا قصور والممكنات لا تنحصر ولا تتناهى.
وقوله: «إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر».
هذا مثل قصد به التقريب إلى الأفهام بما نشاهده، والمعنى: أن ذلك لا ينقص مما عنده شيئا والمخيط - بكسر الميم وإسكان الخاء وفتح الياء ـ: هو الإبرة.
وقوله: «إنَّما هي أعمالُكم أُحصيهَا لَكُم، ثُمَّ أُوفِيكُم إيَّاهَا فمن وَجدَ خيرًا فليحمد الله».
يعني لا يسند طاعته وعبادته من عمله لنفسه بل يسندها إلى التوفيق ويحمد الله على ذلك.
وقوله: «ومن وجد غير ذلك».
لم يقل ومن وجد شرًا يعني: ومن وجد غير الأفضل.
«فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نفسَهُ» أكد ذلك بالنون تحذيرا أن يخطر في قلب عامل أن اللوم تستحقه غير نفسه، والله أعلم (١).
_________________
(١) شرح الأربعين النووية لابن دقيق العيد (ص:٨٠).
[ ١٠٢ ]
تعظيم الصحابة والسلف الصالح لله ﷿
وقال ابن رجب أيضًا: «وكان خلفاءُ الرسلِ وأتباعُهم من أمراءِ العدلِ وأتباعِهم وقضاتِهم لا يَدْعُونَ إلى تعظيمِ نفوسِهم البتةَ، بل إلى تعظيمِ اللهِ وحدَه، وإفرادِه بالعبوديةِ والإلهيةِ، ومنهم من كان لا يريدُ الولايةَ إلا للاستعانةِ بها على الدعوةِ إلى اللهِ وحدَه.
وكانتِ الرسلُ وأتباعُهم يصبرونَ على الأَذَى في الدعوةِ إلى اللهِ ويتحمَّلُونَ في تنفيذِ أوامرِ اللهِ من الخلقِ غايةَ المشقةِ وهم صابرونَ بل راضونَ بذلك، كما كان عبدُ الملكِ بنُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ﵀ يقولُ لأبيهِ في خلافَتِه: «إذا حُرِصَ على تنفيذِ الحقِّ وإقامةِ العدلِ يا أبتِ لوددتُ أني غَلَتْ بي وبك القدورُ في اللهِ ﷿».
وقال بعضُ الصالحينَ: وددتُ أنَّ جِسْمِيَ قُرِّضَ بالمقاريضِ، وأن هذا الخلقَ كلَّهم أطاعُوا اللهَ ﷿» ومعنى هذا أن صاحبَ ذلك القولِ قد يكونُ لَحَظَ نُصْحَ الخلقِ والشفقةَ عليهم من عذابِ اللهِ، وأحبَّ أن يَقِيَهم من عذابِ اللهِ بأذى نفسِه، وقد يكونُ لَحَظَ جلالَ اللهِ وعظمَتِه وما يستحِقُّه من الإجلالِ والإكرامِ والطاعةِ والمحبةِ، فودَّ أنَّ الخلقَ كلَّهم قامُوا بذلك، وإن حَصَلَ لَهُ في نفسِه غايةُ الضَّررِ» (١).
* * *
_________________
(١) شرح حديث: «ما ذئبان جائعان ..» (ص: ١٩).
[ ١٠٣ ]
حقيقةُ التعظيمِ:
عن ابن السماكِ قال: أوصاني أخي داودُ بوصيةٍ قال: انظر، أن لا يراك اللهُ حيث نهاك، وأن لا يفقدك حيثُ أمرَكَ؛ واستحِ في قربِه منك، وقدرتِه عليك (١).
وقال رجلٌ لوهيبِ بن الوردِ: عِظْنِي، قال: اتقِ أن يكونَ اللهُ أهون الناظرينَ إليك (٢).
قل عليَّ رقيبُ:
عن أحمدَ بنِ حنبلَ رحمه الله تعالى قال:
إذا ما خلوتَ الدهْرَ يومًا فلا تَقُلْ خلوتُ ولكنْ قلْ عَلَيَّ رقيبُ
ولا تحسبَنَّ اللهَ يُغْفِلُ ما مَضَى وأن الذي يُخْفَى عليه يغيبُ
لهوْنَا عن الأيامِ حتى تَتَابَعَتْ ذنوبٌ على أثارهنَّ ذنوبُ
فيا ليتَ اللهَ يغفرُ ما مضى ويأذنُ لي في توبةٍ فأتوبُ
حبُّ القرآنِ:
عن سفيانَ بن عيينةَ قال: لا تبلُغُوا ذِروةَ هذا الأمر، إلا حتَّى لا يكونُ شيءٌ أحبَّ إليكم من اللهِ؛ ومن أحبَّ القرآنَ، فقد أحبَّ اللهَ؛ افقهوا ما يقالُ لكم (٣).
_________________
(١) الحلية (٧/ ٣٥٨).
(٢) الحلية (٨/ ١٤٢).
(٣) الحلية (٧/ ٢٧٨).
[ ١٠٤ ]
لذةُ المحبة:
قال إبراهيمُ بنُ أدهمَ: لو علِمَ الناسُ لذةَ حبِّ اللهِ: لقلَّتْ مطاعِمُهم، ومشارِبُهم، وحرصُهم، وذلك أنَّ الملائكةَ: أحبُّوا اللهَ، فاستغْنَوْا بذكرِه عن غيرِه (١).
جنة الدنيا:
عن أبي الدرداءِ ﵁ أنه قال: لولا ثلاثُ خلالٍ، لأحببتُ أن لا أبقَى في الدنيا؛ قيلَ: وما هنَّ؟ فقال: لولا وضوعُ وجهِي للسجودِ لخالِقِي في اختلافِ الليلِ والنهارِ، يكونُ تقدمةً لحياتِي، وظمأُ الهواجرِ، ومقاعدةُ أقوامٍ ينتقونَ الكلامَ كما تُنتقى الفاكهةُ.
قال أبو نعيم: وتمامُ التقوى: أن يتقيَ اللهَ ﷿ العبدُ، حتى يتقيَه في مثلِ مثقالِ ذرةٍ، حتى يتركَ بعضَ ما يَرَى أنَّه حلالٌ خشيةَ أن يكونَ حَرَامًا، يكونُ حاجزًا بينه وبين الحرامِ؛ إن اللهَ تعالى قد بَيَّنَ لعبادِه الذي هو يُصَيِّرُهم إليه؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. فلا تَحْقِرَنَّ شيئًا من الشرِّ أن تتقِيَهُ، ولا شيئًا من الخير أن تفعَلَه (٢).
_________________
(١) الحلية (١٠/ ٨١).
(٢) الحلية (١/ ٢١٢).
[ ١٠٥ ]
تفكيرُ الحسينِ:
عن الحسنِ قال: تَفَكُّرُ ساعةٍ، خيرٌ من قيامِ ليلةٍ (١).
أفضلُ العبادةِ:
عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ قالَ: الكلامُ بذكرِ اللهِ حسنٌ، والفكرةُ في نعمِ اللهِ أفضلُ عبادةٍ (٢).
الفكرُ أولًا:
عن وهبِ بن مُنَبَّهٍ قال: ألم يفكِّر ابنُ آدمَ، ثمَّ يَتَفَهَّمُ ويعتبرُ، ثم يُبْصِرُ، ثم يعقِلُ ويتفقَّهُ حتى يعلَمَ؟ فيتبيَّنُ له: أنَّ للهِ حلمًا: به يخلقُ الأحلامَ، وعلمًا: به يعلمُ العلماءَ، وحكمةً: بها يُتْقِنُ الخلقَ، ويدبِّرُ بها أمورَ الدنيا والآخرةِ؛ فإنَّ ابن آدمَ، لن يبلغَ بعلْمِه المقدرِ علمَ اللهِ الذي لا مقدارَ له، ولن يبلغَ بحلمِه المخلوقِ حلمَ اللهِ الذي بِهِ خلقَ الخلقَ كله، ولن يبلغَ بحكمتِه حكمةَ اللهِ: التي بها يتقنُ الخلقَ، ويُقَدِّرُ المقاديرَ؛ وكيف يُشْبِهُ ابنُ آدمَ ربَّ ابنِ آدمَ؟ وكيف يكونُ المخلوقُ كمن خَلَقَهُ؟ (٣).
احذر سَخَطَ ربِّك:
وعن سفيانَ الثوريِّ، قالَ: احذرْ سَخَطَ اللهِ في ثلاثٍ: احذرْ أنْ تُقَصِّرَ فيما أمرَك، واحذرْ أن يَرَاكَ وأنتَ لا تَرْضَى بما قَسَمَ لك، وأن تطلبَ شيئًا من
_________________
(١) الحلية (٦/ ٢٧١).
(٢) الحلية (٥/ ٣١٤).
(٣) الحلية (٤/ ٢٣ - ٢٤).
[ ١٠٦ ]
الدنيا فلا تَجِدْهُ، أن تسخَطَ على ربِّكَ (١).
تأملاتٌ:
عن جعفرَ بنِ سليمانَ قال: سمعتُ خليفةَ العبديَّ يقولُ: لو أنَّ اللهَ لم يُعْبَدْ إلا عن رؤيةٍ، ما عبدَهُ أحدٌ؛ ولكنْ المؤمنونَ تفكَّرُوا في مجيءِ هذا الليلِ إذا جاءَ، فَمَلَأَ كلَّ شيءٍ وغَطَّى كلَّ شيءٍ، وفي مَجِيءِ سلطانِ النهارِ إذا جاءَ، فمَحَا سلطانَ الليلِ؛ وفي السَّحابِ المسخَّرِ بين السماءِ والأرضِ، وفي النجومِ، وفي الشتاءِ، وفي الصيفِ؛ واللهِ ما زَالَ المؤمنونَ يتفكَّرُونَ فيما خلقَ ربُّهم، حتى أيقنَتْ قلوبُهم بربِّهم؛ وحتَّى كأنَّمَا عبدوا الله تعالى عن رؤيةٍ (٢).
عبادةُ أبي الدرداءِ:
عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: سألتُ أمَّ الدرداءِ: ما كان أفضلُ عملِ أبي الدرداءِ؟ قالت: التفكرُ والاعتبارُ (٣).
تفكُّرُ داودَ الطائيِّ:
عن عبدِ الأعلى بنِ زيادٍ الأسلميِّ قال: رأيتُ داودًا الطائيَّ يومًا، قائمًا على شاطئِ الفراتِ، مبهوتًا؛ فقلتُ: يا أبا سليمانَ، ما يوقِفُك هنا؟ قال: انظُرْ إلى الفُلْكِ، كيفَ تجرِي في البحرِ مسخراتٍ بأمرِ اللهِ تعالى (٤).
_________________
(١) نزهة الفضلاء (١/ ٦٩٧).
(٢) الحلية (٦/ ٣٠٣).
(٣) الحلية (٤/ ٢٥٣).
(٤) (٧/ ٣٥٦).
[ ١٠٧ ]
كيفيةُ التعاملِ مع الأسبابِ:
وقال بنانٌ الحمالُ: رؤيةُ الأسبابِ على الدوامِ قاطعةٌ عن مشاهدةِ المسبِّبِ، والإعراضُ عن الأسبابِ جملةً، يؤدِّي بصاحِبِه إلى ركوبِ الباطلِ (١).
لو كُشِفَ الغطاءُ:
وعن أحمدَ بن أبي الحواريِّ، قال: كُنتُ أسمعُ وكيعًا يبتدئُ قبلَ أن يُحَدِّثَ فيقولُ: ما هنالِك إلا عفوُه، ولا نعيشُ إلا في سترِه، ولو كُشِفَ الغطاءُ لكُشِفَ عن أمرٍ عظيمٍ (٢).
كيفيةُ المراقبةِ:
سُئِلَ عبدُ اللهِ بن فاتكٍ عن المراقبةِ فقال: إذا كنتَ غافلًا: فانظُرْ نَظَرَ اللهِ إليك؛ وإذا كنتَ قائلًا: فانظر سَمْعَ اللهِ إليك؛ وإذا كنتَ ساكتًا: فانظُرْ علمَ اللهِ فيكَ قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] (٣).
* * *
_________________
(١) نزهة الفضلاء (٣/ ١١٦٩).
(٢) نزهة الفضلاء (٢/ ٩٨٧).
(٣) الحلية (١٠/ ٣٥٨).
[ ١٠٨ ]
أثرُ الذنوبِ والمعاصِي في ضَعْفِ تعظيمِ اللهِ في القلبِ
قالَ الإمامُ ابنُ القيمِ: «ومن عُقُوباتِها - أي الذنوبُ والمعاصي - أنها تُضْعِفُ في القلبِ تعظيمَ الربِّ ﷻ وتضعِفُ وقَارَهُ في قلبِ العبدِ ولا بدَّ شاءَ أم أبى، ولو تمَكَّنَ وقَارُ اللهِ وعظمتُه في قلبِ العبدِ لما تجرَّأَ على معاصِيه.
وربَّما اغتَرَّ المغتَرُّ وقال إنما يحمِلُني على المعاصِي حسنُ الرجاءِ وطَمَعِي في عَفْوِهِ لا ضعفُ عظمتِه في قلبِي وهذا من مغالطةِ النفسِ؛ فإنَّ عظمةَ اللهِ تعالى وجلالَه في قلبِ العبدِ وتعظيمَ حرماتِه يحولُ بينَه وبينَ الذنوبِ، والمتجرِّؤنَ على معاصِيه ما قَدَرُوه حقَّ قدرِه، وكيفَ يَقْدُرُهُ حقَّ قدرِه أو يعظِّمُه أو يكَبِّرُه أو يرجُو وقارَه ويُجِلُّهُ من يهونُ عليهِ أمْرُهُ ونَهْيُهُ؛ هذا من أمحلِ المحالِ وأبينِ الباطلِ، وَكَفَى بالعاصِي عقوبةً أَنْ يَضْمَحِلَّ من قَلْبِهِ تعظيمُ اللهِ ﷻ وتعظيمُ حرماتِه، ويهونَ عليهِ حَقُّهُ.
ومن بعضِ عقوبةِ هذا أن يرفَعَ اللهُ ﷿ مهابَتَهُ من قلوبِ الخلقِ ويهونُ عليهم ويستخِفُّونَ به كما هَانَ عليه أَمْرُهُ واستَخَفَّ به، فعلى قدرِ محبةِ العبدِ للهِ يحِبُّهُ النَّاسُ، وعلى قَدْرِ خَوْفِهِ منَ اللهِ يخافُهُ الناسُ، وعلى قدرِ تعظِيمِه للهِ وحرماتِه يُعَظِّمُ الناسُ حرمَاتِهِ.
وكيفَ يَنْتَهِكُ عبدٌ حرماتِ اللهِ ويطمَعُ أنْ لا يَنْتَهِكَ الناسُ حرماتِه، أم كيفَ يهونُ عليهِ حقُّ اللهِ ولا يُهَوِّنُهُ اللهُ على الناسِ، أم كيفَ يستخِفُّ بمعاصِي اللهِ ولا يستخِفُّ به الخلقُ.
[ ١٠٩ ]
وقدْ أشارَ سبحانَهُ إلى هذا في كتابِهِ عندَ ذِكْرِ عقوباتِ الذنوبِ وأنَّهُ أَرْكَسَ أربابَها بما كَسبُوا، وغَطَّى على قلوبِهم وطَبَعَ عليها بذنوبِهم، وأنَّه نسيَهُمْ كما نَسُوهُ، وأهانَهُمْ كما أهانُوا دينَه، وضَيَّعَهُم كما ضَيَّعُوا أمرَهُ؛ ولهذا قال تعالى في آيةِ سجودِ المخلوقاتِ له: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨]؛ فإنَّهم لما هانَ عليهِمُ السجودُ له واستَخَفُّوا بِهِ ولم يَفْعَلُوهُ، أهانَهُم فلم يَكُنْ لهم مِنْ مُكْرِمٍ بعدَ أنْ أهانَهُمْ، ومَنْ ذا يُكْرِمُ من أهانَهُ اللهُ أو يُهِنْ من أَكْرَمَ» (١).
* * *
_________________
(١) الجواب الكافي (١/ ٤٦).
[ ١١٠ ]
عشرةُ وسائل لتعظيم الله ﷿
لا شكَّ أن تعظيمَ اللهِ ﷿ من أجلِ العباداتِ القلبيةِ التي تَظْهَرُ آثارُها على الجوارحِ من خلالِ المسارعةِ إلى كلِّ ما يُحِبُّهُ اللهُ ويرضَاهُ منَ الأقوالِ والأفعالِ الظاهرةِ والباطنةِ. فلولا وجودُ نوعِ تعظيمٍ للهِ ﷿ في القلبِ لما صبرَ الناسُ على طاعةِ اللهِ، وعن معصيةِ اللهِ، وعلى أقدارِ اللهِ المؤلمةِ.
وعلى قَدْرِ تعظيمِ اللهِ تعالى في القلبِ يكونُ إحسانُ العبادةِ وإتمامُها وإكمالُها وإتقانُها.
وهناك وسائل كثيرة لتعظيمِ اللهِ تعالى منها:
١ - إفرادُ اللهِ سبحانَه بالوحدانيةِ:
فيشهد العبدُ انفرادَ اللهِ تعالى بالخلقِ والحُكْمِ، وأن ما شاء كان وما لم يشا لم يكنْ، وأنه لا تتحركُ ذرةٌ إلا بإذنِه، وأنَّ الخلقَ مقهورونَ تحتَ قبضَتِهِ، وأنه ما من قلبٍ إلا وهو بين أصبعينِ من أصابِعِهِ، إنْ شاءَ اللهُ أن يُقِيمَهُ أقَامَهُ، وإنْ شاءَ أن يُزِيغَهُ أزَاغَهُ، فالقلوبُ بيدِهِ، وهو مُقَلِّبُهَا ومُصَرِّفُهَا كيفَ شاءَ وكيفَ أرادَ، وأنَّه هو الذي آتَى نفوسَ المؤمنينَ تَقْوَاهَا، وهو الذي هَداهَا وزكَّاهَا، وأَلْهَمَ نُفوسَ الفُجَّارِ فُجُورَهَا وَأَشْقَاهَا، من يهدِ اللهَ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ بفضْلِهِ ورحمَتِهِ، ويُضِلُّ من يشاءُ بعدلِهِ وحِكْمَتِهِ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]» (١).
_________________
(١) مدارك السالكين (٢/ ٤١٢).
[ ١١١ ]
فإذا شاهدَ العبدُ ذلك، واستقرَّ في قلبِهِ إفرادُ اللهِ تعالى بالوحدانيةِ، فأوْرَثَه ذلك - ولا بدَّ - تعظيمَ اللهِ ﷿، وانتقلَ من توحيدِ الربوبيةِ إلى توحيدِ الألوهيةِ، فاتخذ اللهَ وحدَه إلهًا ومعبودًا، وأحبَّ ما يحبُّه الله، وأبغضَ ما يبغضُه اللهُ، وأعطى للهِ، ومنع للهِ، ووالى في اللهِ، وعادى في اللهِ، فهذا التوحيدُ هو الذي من أجلِهِ أُرْسِلَتِ الرُّسلُ، وأُنْزِلَتِ الكتبُ، وخُلِقَ الخلقُ، وقَامَتْ سوقُ الجهادِ على ساقٍ.
قال ابنُ القيمِ ﵀ في منزلةِ التعظيمِ: «هذه المنزلةُ تابعةٌ للمعرفةِ، فعلى قَدْرِ المعرفةِ يكونُ تعظيمُ الربِّ تعالى في القلبِ، وأعرفُ الناسِ به، أشدُّهم له تعظيمًا وإجلالًا، وقد ذمَّ اللهُ تعالى من لم يُعَظِّمْه حقَّ عظمتِه، ولا عرفَه حقَّ معرفتِه، ولا وَصَفَهُ حقَّ صِفَتِه، فقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارً﴾ [نوح:١٣]، قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ: «لا ترجُونَ للهِ عظمةً». وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: «ما لكم لا تعظِّمُونَ اللهَ حقَّ عظمَتِه» (١).
٢ - تدبُّر معاني أسماءِ اللهِ تعالى وصفاتِه:
فأسماءُ اللهِ تعالى كلُّهَا حُسْنَى، وكلُّها تدلُّ على الكمالِ المطلقِ، والحمدِ المطلقِ، وكلُّهَا مشتقةٌ من أوصَافِها، فتدبرُ معاني هذه الأسماءِ وما تُوجِبُهُ من آثارٍ من وسائلِ تعظيمِ اللهِ ﷿ قال تعالى: ﴿ولِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقد ثبتَ في الصحيحينِ (٢) من حديثِ أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه قالَ:
_________________
(١) المصدر السابق (٢/ ٤٩٥).
(٢) رواه البخاري (٢٥٣١)، ومسلم (٤٨٣٦).
[ ١١٢ ]
«إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أَحْصَاهَا دخلَ الجنةَ» أي من حَفِظَها وفهمَ معانِيها ومدلولَها، وأثْنَى على اللهِ بها، وسأَلَهُ بها، واعْتَقَدَها دخلَ الجنةَ، والجنةُ لا يدخُلُها إلا المؤمنونَ، فعُلِمَ أنَّ ذلك أعظمُ ينبوعٍ ومادةٍ لحصولِ الإيمانِ وقوتِهِ وثباتِهِ (١).
٣ - تدبر القرآن:
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، فهذا دليلٌ على أن تدبرَ القرآنِ العظيمَ يورثُ الخشيةَ والتعظيمَ للهِ ﷾، قال ابنُ القيمِ: «فليسَ شيءٌ أنفعُ للعبدِ في معاشِه ومعادِه، وأقربُ إلى نجاتِه من تدبرِ القرآنِ، وإطالةِ التأملِ فيه، وجمعِ الفكرِ على معانِي آياتِهِ، فإنَّها تُطْلِعُ العبدَ على معالمِ الخيرِ والشرِّ بحذافِيرِها، وعلى طرقَاتِهِمَا وأسبابِهِمَا وغاياتِهِمَا وثمراتِهِمَا، ومآلِ أهلِهِمَا، وتُتِلُّ في يدِهِ (٢) مفاتيحَ كنوزِ السعادةِ والعلومِ النافعةِ، وتُثَبِّتُ قواعدَ الإيمانِ في قلبِه، وتُشَيِّدُ بنيانَه، وتُوَطِّدُ أركانَه، وتُرِيهِ صورةَ الدنيا والآخِرَةَ، والجنةِ والنارِ في قلبِه، وتُحْضِرُه بينَ الأممِ، وتُرِيهِ أيَّامَ اللهِ فيهم، وتبصِّرُه مواقِعَ العِبَرِ، وتُشْهِدُهُ عدلَ اللهِ وفَضْلِهِ، وتُعَرِّفُهُ ذاتَهُ، وأَسْمَاءَهُ وصِفَاتِهُ وأَفْعَالَهُ، وما يحبُّهُ وما يبغضُه، وصراطَه الموصِّلَ إليه، وما لسالِكِيه بعدَ الوصولِ والقدومِ عليه، وقواطعَ الطريقِ وآفاتِها» (٣).
_________________
(١) شرح أسماء الله الحسنى في ضوء الكتاب والسنة (ص:٣ - ٤).
(٢) تتل في يده: تلقيه.
(٣) مدار السالكين (١/ ٤٥٠).
[ ١١٣ ]
وقد قال الله تعالى في وصفِ كتابِه: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١]، فإذا كانَ هذا تأثيرُ القرآنِ على الجبالِ، فكيفَ يكونُ تأثيرُه على قلبِ المؤمنِ؟ قال جعفرُ: «سمعتُ مالكَ بن دينارٍ قرأَ: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ ..﴾ الآية، ثم قالَ: أقسمُ لكم لا يؤمنُ عبدٌ بهذا القرآنِ إلا صُدِعَ قلبُه» (١).
وعن ثابتٍ البنانيِّ أنه قرأ: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة:٧]، قال: تأكلُه إلى فؤادِه وهو حيٌّ، ثم بكَى وأبكَى من حَوْلَه (٢).
٤ - التفكرُ في آلاءِ اللهِ وعظيمِ نعمِه:
قال ابنُ القيمِ: «فجديرٌ بمن له مُسْكَةٌ من عقلٍ (٣) أن يسافرَ بفكرِهِ في هذه النعمِ والآلاءِ، ويكررُ ذكرَهَا، لعلَّه يوقِفُه على المرادِ منها ما هو، ولأيِّ شيءٍ خُلِقَ، ولماذا هُيِّئَ، وأيُّ أمرٍ طُلِبَ منه على هذه النعمِ، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٦٩]، فَذِكْرُ آلائِه ﵎ ونعمِه على عبدِه سببُ الفلاحِ والسعادةِ لأن ذلك لا يزيدُه إلا محبةً للهِ وحمدًا وشكرًا وطاعةً» (٤).
٥ - التأملُ في ملكوتِ السمواتِ والأرضِ:
وهذا أيضًا من أعظمِ وسائلِ تعظيمِ اللهِ تعالى، وقدْ ربطَ القرآنُ بين هذا
_________________
(١) الحلية (٢/ ٣٧٨).
(٢) السابق (٢/ ٣٢٣).
(٣) مسكة من عقل: بقية.
(٤) مفتاح دار السعادة (١/ ٢٢٩).
[ ١١٤ ]
التأملِ وبين تعظيمِ اللهِ تعالى فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١].
وقد ذكر ابنُ القيمِ ﵀ أن الربَّ تعالى يدعو عبادَه في القرآنِ إلى معرفَتِه من طريقينِ:
أحدهما: النظرُ في مفعولاتِه.
والثاني: التفكرُ في آياتِه وتدبرُها (١).
وقال ﵀: والنظرُ في هذه الآياتِ وأمثالِها نوعانِ: نظرٌ إليها بالبصرِ الظاهرِ، فَيَرى - مثلًا - زُرقةَ السماءِ ونجومَها وعلوَّها وسَعَتَها، وهذا نظرٌ يشاركُ الإنسانُ فيه غيرَه من الحيواناتِ، وليسَ هو المقصودُ بالأمرِ.
والثاني: أن يتجاوزَ هذا إلى النظرِ بالبصيرةِ الباطنةِ، فتفتحُ له أبوابُ السماءِ، فيجولُ في أقطارِها وملكوتِها وبين ملائِكَتِها.
ثم يفتحُ له بابٌ بعد بابٍ، حتى ينتهيَ به سَيْرُ القلبِ إلى عرشِ الرحمنِ، فينظرُ سَعَتَه وعظمتَهُ وجلالَهُ ومجدَهُ ورفعَتَهُ، ويرَى السمواتِ السبعَ والأرضينَ السبعَ بالنسبةِ إليهِ كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضِ فلاةٍ. ويَرَى الملائكةَ حافِّينَ من حَوْلِه، لهم زَجَلٌ بالتسبيحِ والتحميدِ والتقديسِ والتكبيرِ، والأمرُ ينزلُ من فوقِه بتدبيرِ الممالكِ والجنودِ التي لا يعلَمُهَا إلا ربُّها ومليكُها. فينزلُ
_________________
(١) الفوائد (ص:٤٠).
[ ١١٥ ]
الأمرُ بإحياءِ قومٍ وإماتةِ آخرينَ، وإعزازِ قومٍ وإذلالِ آخرينَ، وإسعادِ قومٍ وشقاوةِ آخرينَ، وإنشاءِ مُلْكٍ وسَلْب مُلْكٍ، وتحويلِ نعمةٍ من مَحَلٍّ إلى محلٍّ، وقضاءِ الحاجاتِ على اختلافِها وتباينِها وكثرتِها؛ من جبرِ كسيرٍ، وإغناءِ فقيرٍ، وشفاءِ مريضٍ، وتفريجِ كربٍ، ومغفرةِ ذنبٍ، وكشفِ ضرٍّ، ونصرِ مظلومٍ، وهدايةِ حيرانَ، وتعليمِ جاهلٍ، وردِّ آبقٍ، وأمانِ خائفٍ، وإجارةِ مستجيرٍ، ومددٍ لضعيفٍ، وإغاثةٍ لملهوفٍ وإعانةٍ لعاجزٍ، وانتقامٍ من ظالمٍ، وكفٍّ لعدوانٍ فحينئذٍ يقومُ القلبُ بين يديِ الرحمنِ مُطرِقًا لهيبتِه، خاشِعًا لعظمتِه، عانٍ لعزَّتِه، فيسجدُ بينَ يدَيِ الملكِ الحقِّ المبينِ سجدةً، لا يرفعُ رأسَهُ منها إلى يومِ المزيدِ (١).
٦ - تعظيمُ شعائرِ اللهِ وحرماتِه:
فإذا عظَّمَ العبدُ ما عظَّمَه اللهُ ﵎، امْتَلَأَ قلبُه بالتعظيمِ لله والخشيةِ منه، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وكانَ من شدةِ تعظيمِ السلفِ لله؟، أنَّهم كانوا يبكُونَ إذا خُولِفَ أمرُ اللهِ ﷾ من غيرِهم، فعن ربيعِ بن عتابٍ قال: كنتُ أمشِي مع زيادِ بن جريرٍ، فسَمِعَ رَجُلًا يحلِفُ بالأمانَةِ. قال: فنظرتُ إليه وهو يبكِي قلت: ما يبكِيكَ؟ فقال: أما سَمِعْتَ هذا يحلفُ بالأمانةِ؟ فَلَئَنْ تُحَكُّ أحشَائِي حتى تُدْمَى أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بالأمانةِ (٢).
وكان عمرُ بنُ ذرٍّ يقولُ: آنَسكَ جانبُ حِلْمِهِ فتوثَّبْتَ على معاصِيه!
_________________
(١) مفتاح دار السعادة (١/ ١٩٩).
(٢) الحلية (٤/ ١٩٦).
[ ١١٦ ]
أَفَأَسَفَه تريدُ؟ أما سمعتَه يقولُ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥].
أيُّها الناسُ: أَجِلّوا مقامَ اللهِ بالتنزُّهِ عما لا يحلُّ، فإنَّ اللهَ لا يؤمنُ إذا عُصِي (١).
٧ - التأملُ في سننِ اللهِ ﷿:
ومن وسائلِ تعظيمِ الله؟: التأملُ في سننِه التي لا تتبدلُ ولا تتغيرُ ومن هذهِ السننِ:
سُنَّةُ الدفْعِ: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١].
وسُنَّةُ التداولِ: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠].
وسنةُ الابتلاءِ: ﴿أَلم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:١ - ٣].
وسنةُ التغييرِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوامَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد:١١].
وسنةُ نصرِ المؤمنينَ إذا حَقَّقُوا الشرطَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وغير ذلك من السنن.
_________________
(١) الحلية (٥/ ١١١).
[ ١١٧ ]
فلا شكَّ أنَّ التأملَ في هذهِ السننِ وغيرِها مما يورثُ تعظيمَ اللهِ في القلوبِ، لأنه يؤدِّي إلى حقيقةٍ مفادُها أنَّ لهذا الكونِ إلهًا عظيمًا قادرًا، له مقاليدُ كلِّ شيءٍ، ولا يُعْجِزُهُ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، غيرَ أنه ﷾ قد سَيَّرَ هذا الكونَ بما فيه وَفْقَ نظامٍ مُحكمٍ وقوانينَ ثابتةٍ لا تتبدلُ ولا تتغيرُ.
٨ - معرفةُ بعضِ جوانبِ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ والسنةِ:
ومثالُ ذلكَ قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق:١٢]، قال الدكتور زغلولٌ النجارُ: «من الآياتِ الوصفيةِ المبهرةِ قولُ الحقِّ ﵎ في سورةِ الطارقِ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ فهذا قسمٌ عظيمٌ لحقيقةٍ كونيةٍ مبهرةٍ لم يُدْرِكْها العلماءُ إلَّا في النِّصفِ الأخيرِ من القرنِ العشرينَ.
فالأرضُ التي نَحْيَا عليها لها غلافٌ صَخْرِيٌّ خارجيٌّ، هذا الغلافُ مُمَزَّقٌ بشبكةٍ هائلةٍ من الصُّدوعِ، تمتدُّ لمئاتِ الآلافِ من الكيلومتراتِ طولًا وعرضًا، بعمقٍ يتراوحُ ما بين ٦٥ كيلومترًا و١٥٠ كيلومترًا في كلِّ الاتجاهات.
ومن الغريبِ أن هذه الصدوعَ مرتبطةٌ ببعضِها البعضِ ارتباطًا يجعلُها كأنَّها صدعٌ واحدٌ، يُشَبِّهُهُ العلماءُ باللِّحامِ على كرةِ التنسِ.
وانطلاقًا من ذلك يُقْسِمُ اللهُ تعالى بهذه الحقيقةِ الكونيةِ المبهرةِ، التي لم يَسْتَطِعْ العلماءُ أن يدركُوا أبعادَها إلا بعدَ الحربِ العالميَّةِ الثانِيَةِ، واستمرتْ دراستُهم لها لأكثر من عشرينَ سنةً متصلةً من ١٩٤٥ م - ١٩٦٥ م حتى استطاعُوا أن يرسمُوا هذه الصدوعَ بالكاملِ، والقرآنُ الكريمُ كانَ قد سبقَ
[ ١١٨ ]
إدراكَهم بأكثرِ من ألفٍ وأربعمائةٍ من السنينَ بقولِ الحقِّ ﵎: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾» (١).
فلا شكَّ أنْ تأمُّلَ مثلَ هذهِ الحقائقِ العلميةِ الموافقةِ للقرآنِ الكريمِ مما يُقَوِّي جانبَ تعظيمِ اللهِ ﷾ في النفسِ.
٩ - التأملُ في دلائلِ الحكمةِ الإلهيةِ:
فهو ﷾ الحكيمُ الذي بَهَرَتْ حكمتُه الألبابَ، وهو سبحانه لم يخلُقْ شيئًا عبثًا ولا سدىً، وله الحكمةُ البالغةُ في كلِّ ما قدَّرَهُ وقَضَاهُ من خيرٍ وشرٍّ وطاعةٍ ومعصيةٍ، وحِكَمُهُ سبحانه باهرةٌ تَعْجَزُ العقولُ عن الإحاطةِ بكُنْهها، وتَكِلُّ الألسنُ عن التعبيرِ عنها.
وللهِ في كلِّ تحريكةٍ وتسكينةٍ أبدًا شاهدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنه واحدُ
وحظُّ العبدِ في نفسِه وما يخصُّه من شهودِ هذهِ الحكمةِ فبحَسَبِ استعدادِه وقوةِ بصيرتِه، وكمالِ علمِه ومعرفتِه باللهِ وأسمائِه وصفاتِه، ومعرفتِه بحقوقِ العبوديةِ والربوبيةِ. وكلُّ مؤمنٍ له من ذلك شِربٌ معلومٌ، ومقامٌ لا يتعدَّاه ولا يتخطَّاه، واللهُ الموفقُ والمعينُ (٢).
١٠ - محاسبةُ النفسِ:
من وسائلِ تعظيمِ اللهِ ﷿: «محاسبةُ النفسِ» وذلكَ لأنَّ من أركانِ
_________________
(١) من آيات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم (ص:٨٣ - ٨٤)، باختصار يسير.
(٢) انظر: مدارج السالكين (١/ ٤١١ - ٤١٢).
[ ١١٩ ]
المحاسبةِ المقايسةِ بينَ ما كانَ من اللهِ من نعمٍ وإمهالٍ وسِتْرٍ وإفضالٍ وما من العبدِ من غفلةٍ وجهلٍ ومعصيةٍ.
قال ابنُ القيمِ: «وبهذه المقايسةِ تعلمُ أن الربَّ ربٌّ والعبدَ عبدٌ، ويتبينُ لك حقيقةُ النفسِ وصفاتِها، وعظمةُ جلالِ الربوبيةِ، وتفرُّدُ الربِّ بالكمالِ والإفضالِ، وأنَّ كلَّ نعمةٍ منه فضلٌ، وكلَّ نقمةٍ منه عدلٌ، وأنتَ قبلَ هذه المقايسةِ جاهلٌ بحقيقةِ نفسِكَ، وبربوبيةِ فاطِرِها وخالِقِها » (١).
* * *
_________________
(١) مدارج السالكين (١/ ١٨٨).
[ ١٢٠ ]
من ثمراتِ تعظيمِ اللهِ ﷿
هناكَ آثارٌ كثيرةٌ لتعظيمِ اللهِ ﷿ على القلوبِ والجوارحِ منها:
أ - على الفردِ:
١ - تحقيقُ التوحيدِ للهِ والسلامةُ من الشركِ ووسائلِه.
٢ - محبةُ اللهِ ﷿ المحبةَ الشرعيةَ.
٣ - الخوفُ من اللهِ ﷿ من غيرِ قنوطٍ.
٤ - الرجاءُ في اللهِ ﷿ مع حسنِ العملِ.
٥ - مراقبةُ اللهِ ﷿ في السرِّ والعلانيةِ.
٦ - التوكلُ على اللهِ في كلِّ الأمورِ معَ الأخذِ بالأسبابِ.
٧ - الثقةُ باللهِ ﷿ في أَحْلَكِ الظروفِ.
٨ - الثباتُ والطمأنينةُ واليقينُ في اللهِ ﷿.
٩ - الحياءُ من اللهِ ﷿.
١٠ - التبرؤُ من الحولِ والقوةِ وإظهارُ الافتقارِ إلى اللهِ ﷿.
١١ - تحكيمُ شرعِ اللهِ ﷿ في كافةِ الأمورِ مع الرِّضَا والتسليمِ.
١٢ - حفظُ الضرورياتِ الخمسِ؛ وهيَ: الدينُ، والنفسُ، والعقلُ، والمالُ، والعرضُ.
١٣ - المسارعةُ إلى أداءِ الواجباتِ من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحجٍّ وبرٍ
[ ١٢١ ]
بالوالدينِ وصلةٍ للرحمِ وحسنِ خلقٍ.
١٤ - تركُ جميعِ المعاصي والمنكراتِ القوليةِ والعمليةِ والاعتقاديةِ.
١٥ - كثرةُ ذكرِ اللهِ ﷿ ودعائِه واستغفارِه وتلاوةِ كتابِه.
١٦ - الإكثارُ من ذكرِ الموتِ.
١٧ - قصرُ الأملِ.
١٨ - اتهامُ النفسِ دائمًا بالإهمالِ والتقصيرِ.
١٩ - ألَّا يَرَى لنفسِهِ على اللهِ حقًّا.
٢٠ - ألا يَشْكُو اللهَ ﷿ إلى خلقِه.
٢١ - ألا يُذِلَّ نفسَه لصاحبِ دنيا.
ب - على الأسرةِ:
لا شكَّ أنَّ الأسرةَ هي المنبعُ الأساسُ الذي يصدُرُ عنه كافَّةُ الأخلاقِ والسلوكياتِ والتصرفاتِ، سواءٌ أكانت أخلاقًا وسلوكياتٍ محمودةً أم مذمومةً.
ولذلكَ فإنَّ الأسرةَ إذا تربَّتْ ونشأَتْ على معانِي تعظيمِ اللهِ - ومراقبتِه في السرِّ والعلانيةِ، فإنَّ ذلك سوفَ يُنْتِجُ أفرادًا يتحلَّوْنَ بعُمْقِ الإيمانِ ومكارمِ الأخلاقِ، والوقوفِ عندَ حدودِ اللهِ ـ، وكبحِ جماحِ رغباتِ النفسِ وشهواتِها، والحذرِ من كلِّ ما يُغْضِبُ اللهَ - مهما كانتِ الظروفُ معينةً على المعصيةِ حاثَّةً على الوقوعِ فيها.
[ ١٢٢ ]
ومن ثمراتِ تعظيمِ اللهِ سبحانه في محيطِ الأسرةِ ما يلي:
١ - أداءُ الحقوقِ، سواءٌ حقُّ الوالدينِ، أو الزوجِ، أو الزوجةِ، أو الأولادِ، أو الخادمِ.
٢ - تربيةُ الأبناءِ على الأخلاقِ الكريمةِ والصفاتِ النبيلةِ.
٣ - تربيةُ الأبناءِ على مراقبةِ اللهِ وتعظيمِه في السرِّ والعلانيةِ.
٤ - تعظيمُ شأنِ الصلاةِ في محيطِ الأسرةِ.
٥ - مشاركةُ أفرادِ الأسرةِ في الأعمالِ الخيريَّةِ والأنشطةِ الاجتماعيةِ.
٦ - تطهيرُ البيتِ منَ الملاهِي والمنكراتِ والصُوَرِ.
٧ - المحافظةُ على الوقتِ لأنَّه في الحقيقةِ هو عُمُرُ الإنسانِ ورأسُ مالِه الذي يشترِي به مرضاةَ اللهِ والخلودَ في الجنةِ والنجاةَ من النارِ.
٨ - الإحسانُ إلى الجيرانِ وعدمُ إيذائِهم وتعاهُدِهِم بالتُّحَفِ والهدايا والزياراتِ.
٩ - ترتيبُ الأولوياتِ، وتقديمُ الفرائضِ على النوافلِ، وواجبِ الوقتِ على غيرِه.
١٠ - تعظيمُ أوامرِ اللهِ ونواهِيهِ ونصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ والانقيادِ التامِّ لها.
١١ - تربيةُ أفرادِ الأسرةِ على روحِ الإبداعِ والتفوقِ والتميُّزِ في كافَّةِ مجالاتِ الحياةِ، وهذا من الإحسانِ الذي أَمَرَنَا الله تعالى به: ﴿وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥].
[ ١٢٣ ]
جـ - من ثمراتِ تعظيمِ اللهِ على المجتمعِ:
إن المجتمعَ الذي يغلبُ على أفرادِه خشيةُ اللهِ تعالى وتعظيمُه في الغيبِ والشهادةِ يكثُرُ خيرُه، ويقلُّ شرُّه، وينتفعُ به القريبُ والبعيدُ، والقاصِي والداني، ويصبحُ قدوةً لغيرِه من المجتمعاتِ والشعوبِ، ومن ثمراتِ تعظيمِ اللهِ على المجتمعِ ما يلي:
١ - حفظُ الضرورياتِ الخمسِ التي جاءَ الإسلامُ بحفظِها؛ وهي: الدينُ، والنفسُ، والعقلُ، والمالُ، والعرضُ.
٢ - التكافلُ الاجتماعِيُّ بحيثُ لا يبقَى جائعٌ لا يجِدُ طعامًا، ولا مريضٌ لا يَجِدُ دواءً، ولا عَارٍ لا يَجِدُ لباسًا، ولا أُسرةٌ مهددَّةٌ بالطردِ من البيتِ، لأنَّ ربَّ الأسرةِ لا يَجِدُ قيمةَ إيجارِ البيتِ، أو قيمةَ ما تَسْتَهْلِكُهُ الأسرةُ من ماءٍ وكهرباء.
٣ - تعزيزُ الأخلاقِ الإسلامية بينَ أبناءِ المجتمعِ، وتنفيرُ أبناءِ المجتمعِ من الأخلاقِ السيئةِ، وتكريمُ أهلِ التميزِ في هذا البابِ.
٤ - حملُ رايةِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ بالطرقِ الشرعيةِ التي تُثمرُ المطلوبَ من كثرةِ المعروفِ وطرقِ الخيرِ، وإماتةِ المنكراتِ أو تقليلِها.
٥ - محاربةُ البدعِ والمحدثات المتعلقةِ بالعباداتِ والمعاملاتِ والسلوكِ، والرجوعُ بالناسِ إلى سماحةِ الإسلامِ وبساطَتِهِ.
٦ - إبرازُ أهلِ الخشيةِ والتعظيم كنجومٍ للمجتمعِ ينبغي الاستفادةُ منهم، وفي مقدِّمَتِهم أهلُ العلمِ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فطر:٢٨].
[ ١٢٤ ]
٧ - إشاعةُ روحِ التناصحِ بين أبناءِ المجتمع وبخاصةٍ في أسواقِ المسلمينَ، بحيثُ لا يوجدُ بين الناسِ غشٌّ ولا غررٌ ولا احتكارٌ.
٨ - رفضُ المجتمعِ لكافةِ الاستخداماتِ السلبيةِ لوسائلِ الإعلامِ والتقنيةِ، والاقتصارُ على النافعِ والمفيدِ منها، ويدخلُ في ذلك الصحفُ والمجلَّاتُ والقنواتُ التلفزيونيةُ، والراديو والكمبيوتر، والانترنت والهاتفُ الجوالُ وغيرُ ذلك.
٩ - تكاتفُ المجتمعِ في مجابهةِ المشكلاتِ الطارئةِ قبلَ أن تتفاقمَ ويستفحلَ خَطَرُها، ومن ذلك: العنوسةُ بين الفتياتِ، البطالةُ، المسكراتُ والمخدراتُ، التدخينُ، التشبُّهُ بالكفارِ، العنفُ والإرهابُ، العلاقاتُ المحرمةُ بين الجنسينِ.
١٠ - العملُ على تقويةِ روابطِ الوحدةِ والألفةِ بين المسلمين في كلِّ مكانٍ، من أجلِ إقامةِ أمةٍ واحدةٍ قادرةٍ على الحفاظٍ على هويةِ الأمةِ والدفاعِ عن كيانِها ضدَّ كافَّةِ الهجماتِ التي تُشَنُّ عليها.
* * *
[ ١٢٥ ]
المعاني الجامعة للأسماء الحسنى
وقال الشيخُ عبدِ الرحمنِ السعديِّ (١):
«وقد تكررَ كثيرٌ من أسماءِ اللهِ الحسنى في القرآنِ بحسبِ المناسباتِ، والحاجةُ داعيةٌ إلى التنبيهِ إلى معانِيها الجامعةِ، فنقولُ:
قد تكرَّرَ اسمُ «الربِّ» في آياتٍ كثيرةٍ.
«الربُّ»: هو المربِّي جميعَ عبادِه بالتدبيرِ وأصنافِ النِّعمِ. وأخصُّ من هذا تربيتُه لأصفيائِهِ بإصلاحِ قلوبِهم وأرواحِهم وأخلاقِهم. ولهذا كَثُرَ دعاؤُهم له بهذا الاسمِ الجليلِ، لأنَّهم يطلبُونَ منه هذهِ التربيةَ الخاصَّةَ.
١ - «اللهُ»: هو المألوهُ المعبودُ، ذو الألوهيةِ والعبوديةِ على خلقِهِ أجمعينَ، لما اتَّصفَ به من صفاتِ الألوهيةِ التي هي صفاتُ الكمالِ.
٢، ٣ - «الملكُ، المالكُ»: الذي لهُ الملكُ فهو الموصوفُ بصفةِ الملكِ، وهي صفاتُ العظمةِ الكبرياءِ، والقهرِ والتدبيرِ، الذي له التصرفُ المطلقُ في الخلقِ والأمرِ والجزاءِ، وله جميعُ العالمِ العلويِّ والسفليِّ، كلُّهُم عبيدٌ ومماليكُ، ومضطرونَ إليه.
٤، ٥ - «الواحدُ، الأحدُ»: وهو الذي تَوحَّدَ بجميعِ الكمالاتِ، بحيثُ لا يشارِكُهُ فيها مشاركٌ، ويجبُ على العبيدِ تَوْحِيدُهُ، عقلًا، وقولًا، وعملًا، بأنْ يعترفُوا بكمالِه المطلقِ، وتفرُّدِه بالوحدانيةِ، ويفردُوه بأنواعِ العبادةِ.
_________________
(١) ملحق بتفسير السعدي (ص:٩٤٥ - ٩٤٩).
[ ١٢٦ ]
٦ - «الصَّمَدُ»: هو الذي يَقْصِدُهُ الخلائقُ كلُّها في جميعِ حاجَاتِها، وضروراتِها وأحوالِها، لما له من الكمالِ المطلقِ في ذاتِه، وأسمائِه، وصفاتِه، وأفعالِه.
٧، ٨ - «العليمُ، الخبيرُ»: وهو الذي أحاطَ علمُه بالظاهرِ والباطنِ، والإسرارِ والإعلانِ، وبالواجباتِ والمستحيلاتِ والممكناتِ، وبالعالمِ العلويِّ والسفليِّ، وبالماضِي والحاضِرِ والمستقبلِ، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ من الأشياءِ.
٩ - «الحكيمُ»: وهو الذي له الحكمةُ العُلْيَا في خلقِهِ وأَمْرِهِ، الذي أحسنَ كلَّ شيءٍ خلقَهُ ﴿أفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. فلا يَخْلُقُ شيئًا عبثًا، ولا يَشْرَعُ شيئًا سُدىً، الذي له الحكمُ في الأولى والآخرةِ، وله الأحكامُ الثلاثةُ لا يشارِكُهُ فيها مشاركٌ، فيحكمُ بين عبادِه، في شرعِه، وفي قدرِه وجزائِه.
والحكمةُ: وضعُ الأشياءِ مواضعَها، وتنزيلُها منازِلَها.
١٠، ١٦ - «الرحمنُ، الرحيمُ، البَرُّ، الكريمُ، الجوادُ، الرؤوفُ، الوهَّابُ». هذه الأسماءُ تتقاربُ معانِيها، وتدلُّ كلُّها على اتِّصافِ الربِّ بالرحمةِ، والبِرِّ والجودِ، والكرمِ، وعلى سَعَةِ رحمتِه ومواهبِه، التي عمَّ بها جميعَ الوجودِ، بحسبِ ما تقتضِيهِ حكمتُه، وخصَّ المؤمنينَ منها بالنصيبِ الأوفرِ، والحظِّ الأكملِ، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الآية.
[ ١٢٧ ]
والنعمُ والإحسانُ كلُّه من آثارِ رحمتِه، وجودِه، وكرمِه، وخيراتُ الدنيا والآخرةِ، كلُّها من آثارِ رحمتِه.
١٧ - «السميعُ» لجميعِ الأصواتِ، باختلافِ اللغاتِ على تفنُّنِ الحاجاتِ.
١٨ - «البصيرُ» الذي يبصرُ كلَّ شيءٍ وإنْ دقَّ وصَغُرَ، فيبصرُ دبيبَ النملةِ السوداءِ في الليلةِ الظلماءِ على الصخرةِ الصَّمَّاءِ. ويُبصرُ ما تحتَ الأرضينَ السبعِ، كما يبصرُ ما فوقَ السمواتِ السبعِ. وأيضًا سميعٌ بصيرٌ بمنْ يستحقُّ الجزاءَ بحسبِ حكمتِه، والمعنى الأخيرُ يرجِعُ إلى الحكمةِ.
١٩ - «الحميدُ» في ذاتِه، وأسمائِه، وصفاتِه، وأفعالِه، فلهُ من الأسماءِ أحسنُها، ومن الصفاتِ أكملُها، ومن الأفعالِ أتمُّها وأحسنُها، فإنَّ أفعالَه تعالى دائرةٌ بينَ الفضلِ والعدلِ.
٢٠ - ٢٣ - «المجيدُ، الكبيرُ، العظيمُ، الجليلُ» وهو الموصوفُ بصفاتِ المجدِ، والكبرياءِ، والعظمةِ، والجلالِ، الذي هو أكبرُ من كلِّ شيءٍ، وأعظمُ من كلِّ شيءٍ، وأجلُّ وأعلى. وله التعظيمُ والإجلالُ في قلوبِ أوليائِه وأصفيائِه، قد مُلئَتْ قلوبُهم من تعظيمِه وإجلالِه، والخضوعِ له والتذلُّلِ لكبريائِه.
٢٤ - ٢٦ - «العفُوُّ، الغفورُ، الغفارُ» الذي لم يزَلْ، ولا يَزَالُ بالعفوِ معروفًا، وبالغفرانِ والصفحِ عن عبادِه موصُوفًا، كلُّ أحدٍ مُضْطَرٌّ إلى عَفْوِه ومغفرَتِه، كما هو مُضْطَرٌّ إلى رحمتِه وكرمِه، وقد وَعَدَ بالمغفرةِ والعفوِ لمن أتى بأسبابِها، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
[ ١٢٨ ]
٢٧ - «التوَّابُ» الذي لم يَزَلْ يتوبُ على التائبينَ، ويغفرُ ذنوبَ المنيبينَ، فكلُّ من تابَ إلى اللهِ توبةً نصوحًا، تابَ اللهُ عليه، فهو التائبُ على التائبينَ أولًا بتوفِيقِهم للتوبةِ والإقبالِ بقلوبِهم إليه، وهو التائبُ عليهم بعد توبَتِهم قبولًا لهم، وعَفْوًا عن خطَايَاهم.
٢٨، ٢٩ - «القدُّوسُ، السلامُ» أي: المعظَّمُ المنزَّهُ عن صفاتِ النقصِ كلِّها، وأن يماثِلَه أحدٌ من الخلقِ، فهو المتنَزِّهُ عن جميعِ العيوبِ، والمتنزِّهُ عن أن يقارِبَه أو يماثِلَه أحدٌ في شيءٍ من الكمالِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾.
فالقدُّوسُ كالسلامِ، ينفيانِ كلَّ نقصٍ من جميعِ الوجوهِ، ويتضمَّنَانِ الكمالَ المطلقَ من جميعِ الوجوهِ، لأنَّ النقصَ إذا انْتَفَى ثَبتَ الكمالُ كُلُّه.
٣٠، ٣١ - «العليُّ الأعلى» وهو الذي له العلوُّ المطلقُ من جميعِ الوجوهِ، علوُّ الذَّاتِ، وعلوُّ القدرِ والصِّفَاتِ، وعلوُّ القهرِ. فهو الذي على العرشِ اسْتَوَى، وعلى المُلْكِ احْتَوَى، وبجميعِ صفاتِ العظمةِ والكبرياءِ والجلالِ والجمالِ وغايةِ الكمالِ اتَّصَفَ، وإليهِ فيها المُنْتَهَى.
٣٢ - «العزيزُ» الذي له العزةُ كلُّها: عزةُ القوَّةِ، وعزةُ الغلبةِ، وعزةُ الامتناعِ، فامتنعَ أن ينالَه أحدٌ من المخلوقاتِ، وقَهَرَ جميعَ الموجوداتِ، ودَانَتْ لهُ الخليقَةُ وخَضَعَتْ لعظمتِه.
٣٣، ٣٤ - «القويُّ، المتينُ» هو في معنى العزيزِ.
[ ١٢٩ ]
٣٥ - «الجبَّارُ» هو بمعنى العليِّ الأعلى، وبمعنى القهَّارِ، وبمعنى «الرَّؤُوفِ» الجابرِ للقلوبِ المنكسِرَةِ، وللضعيفِ العاجزِ، ولمن لاذَ بهِ ولجأَ إليه.
٣٦ - «المتكبِّرُ» عن السوءِ والنقصِ والعيوبِ، لعظمتِه وكبريائِه.
٣٧ - ٣٩ - «الخالقُ، البارئُ، المصوِّرُ» الذي خلقَ جميعَ الموجوداتِ وبَرَأَها وسوَّاها بحكمتِه، وصوَّرَها بحمدِهِ وحكمتِهِ، وهو لم يَزَلْ ولا يَزَالُ على هذا الوصفِ العظيمِ.
٤٠ - «المؤمنُ» الذي أَثْنَى على نفسِه بصفاتِ الكمالِ، وبكمالِ الجلالِ والجمالِ، الذي أَرْسَلَ رسلَه وأنزلَ كتبَه بالآياتِ والبراهينِ، وصدَّقَ رسلَه بكلِّ آيةٍ وبرهانٍ، يدُلُّ على صدقِهم وصحةِ ما جاؤُوا به.
٤١ - «المهيمنُ»: المطلعُ على خفايَا الأمورِ وخبايَا الصدورِ، الذي أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا.
٤٢ - «القديرُ» كاملُ القدرةِ، بقدرتِه أوجدَ الموجوداتِ، وبقدرتِه دبَّرَها، وبقدرتِه سوَّاها وأحكَمَها، وبقدرَتِه يُحيي ويُميتُ، ويبعثُ العبادَ للجزاءِ، ويجازي المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءَتِه، الذي إذا أرادَ شيئًا قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، وبقدرَتِه يقلِّبُ القلوبَ، ويُصَرِّفُها على ما يشاءُ ويريدُ.
٤٣ - «اللطيف» الذي أحاطَ علمُه بالسرائرِ والخفايَا، وأدركَ الخبايَا والبواطنَ والأمورَ الدقيقةَ، اللطيفُ بعبادِه المؤمنينَ، الموصلُ إليهم مصالِحَهم بلطفِه وإحسانِه، من طرقٍ لا يشعرونَ بها، فهو بمعنى «الخبيرِ» وبمعنى «الرؤوفِ».
[ ١٣٠ ]
٤٤ - «الحسيبُ» هو العليمُ بعبادِه، كافي المتوكلينَ، المُجَازِي لعبادِه بالخيرِ والشَّرِّ، بحسبِ حكمَتِه وعِلْمِهِ بدقيقِ أعمالِهم وجليلِها.
٤٥ - «الرقيبُ» المطلَّعُ على ما أَكَنَّتْهُ الصُدُورُ، القائمُ على كلِّ نفسٍ بما كسبتْ، الذي حَفِظَ المخلوقاتِ وأَجْرَاهَا على أحسنِ نظامٍ وأكملِ تدبيرٍ.
٤٦ - «الحفيظُ» الذي حَفِظَ ما خَلَقَهُ، وأَحَاطَ علمُه بما أوجدَهُ، وحَفِظَ أولياءَه من وقوعِهِم في الذنوبِ والهَلَكَاتِ، ولَطَفَ بهم في الحركاتِ والسكناتِ، وأحصى على العبادِ أعمالَهم وجزاءَها.
٤٧ - «المحيطُ» بكلِّ شيءٍ علمًا، وقدرةً، ورحمةً، وقهرًا.
٤٨ - «القهَّارُ» لكلِّ شيءٍ، الذي خَضَعَتْ لهُ المخلوقاتُ، وذَلَّتْ لعزَّتِه وقوَّتِه وكمالِ اقْتِدَارِه.
٤٩ - «المُقيتُ» الذي أوصلَ إلى كلِّ موجودٍ ما به يقتاتُ، وأوصلَ إليها أرزاقَها وصَرَّفَها كيفَ يشاءُ بحكمتِه وحمدِه.
٥٠ - «الوكيلُ» المتولِّي لتدبيرِ خلقِه بعلمِه وكمالِ قدرتِه وشمولِ حكمتِه، الذي تولَّى أولياءَه، فيَسَّرَهُم لليُسْرَى، وجنَّبَهُمُ العُسْرَى، وكَفَاهُمُ الأمورَ. فمن اتَّخَذَهُ وكِيلًا كَفَاهُ ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
٥١ - «ذو الجلالِ والإكرامِ» أي: ذو العظمةِ والكبرياءِ، وذو الرحمةِ والجودِ، والإحسانِ العامِّ والخاصِّ، المكرمُ لأوليائِه وأصفيائِه، الذين يجلُّونَهُ ويعظِّمُونَهُ ويحبُّونَه.
[ ١٣١ ]
٥٢ - «الودودُ» الذي يُحِبُّ أنبياءَه ورسُلَهُ وأَتْبَاعَهُم، ويُحِبُّونَهُ، فهو أَحَبُّ إليهم من كلِّ شيءٍ، قدِ امتلَأَتْ قلوبُهم من محبَّتِهِ، ولَهَجَتْ ألسنتُهم بالثناءِ عليه، وانجذَبَتْ أفئدَتُهم إليهِ وُدًّا وإخلاصًا وإنابةً من جميعِ الوجوهِ.
٥٣ - «الفتَّاحُ» الذي يحكمُ بين عبادِه بأحكامِه الشرعيَّةِ، وأحكامِه القدريةِ، وأحكامِ الجزاءِ، الذي فَتَحَ بلُطْفِهِ بصائرَ الصادقِينَ، وفتحَ قلوبَهم لمعرفتِه ومحبتِه والإنابةِ إليه، وفتحَ لعبادِه أبوابَ الرحمةِ والأرزاقِ المتنوعَةِ، وسَبَّبَ لهم الأسبابَ التي ينالُونَ بها خَيْرَ الدُّنْيَا والآخرةِ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطر:٢].
٥٤ - «الرزَّاقُ» لجميعِ عبادِه، فما من دابَّةٍ في الأرضِ إلا على اللهِ رزْقُها. ورِزْقُهُ لعبادِه نوعانِ:
رزقٌ عامٌّ: شَمَلَ البَرَّ والفاجرَ، والأولينَ والآخرينَ، وهو رزقُ الأبدانِ.
ورزقٌ خاصٌّ: وهو رزقُ القلوبِ، وتَغْذِيتُها بالعلمِ والإيمانِ، والرزقُ الحلالُ الذي يعينُ على صلاحِ الدينِ، وهذا خاصٌّ بالمؤمنينَ، على مراتِبِهم منه، بحسبِ ما تقتَضِيهِ حكمتُه ورحمتُه.
٥٥، ٥٦ - «الحَكَمُ، العدْلُ» الذي يحكُمُ بين عبادِه في الدنيا والآخرةِ بعدلِه وقسطِه. فلا يظلمُ مثقالَ ذرَّةٍ ولا يُحَمِّلُ أحدًا وزرَ أحدٍ، ولا يجازِي العبدَ بأكثرَ من ذنبِه، ويؤدِّي الحقوقَ إلى أهلِها، فلا يدَعُ صاحبَ حقٍّ إلا أَوْصَلَ إليه حقَّهُ، وهو العدلُ في تدبيرِه وتقديرِه ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦].
٥٧ - «جامعُ النَّاسِ» ليومٍ لا ريبَ فيه، وجامعُ أعمالِهم وأرزاقِهم، فلا
[ ١٣٢ ]
يتركُ منها صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصَاهَا، وجامعُ ما تفرَّقَ واستحالَ من الأمواتِ الأولينَ والآخرينَ، بكمالِ قدرتِه، وسعةِ علمِه.
٥٨ - «الحيُّ القيُّومُ» كاملُ الحياةِ والقائمُ بنفسِه. القيومُ لأهلِ السمواتِ والأرضِ، القائمُ بتدبيرِهم وأرزاقِهم، وجميعِ أحوالِهم، فـ «الحيُّ»: الجامعُ لصفاتِ الذاتِ، و«القيومُ» الجامعُ لصفاتِ الأفعالِ.
٥٩ - «النورُ» نورُ السمواتِ والأرضِ، الذي نَوَّرَ قلوبَ العارفينَ بمعرفتِه والإيمانِ به، ونَوَّرَ أفئدتَهم بهدايتِه، وهو الذي أنارَ السمواتِ والأرضَ بالأنوارِ التي وضَعَها، وحجابُه النورُ، لو كشَفَه لأحرَقَتْ سبحاتُ وجهِه ما انتهى إليه بَصَرُه من خلقهِ.
٦٠ - «بديعُ السمواتِ والأرضِ» أي: خالقُهما ومبدعُهما، في غايةِ ما يكونُ من الحسْنِ والخلقِ البديعِ، والنظامِ العجيبِ المحكمِ.
٦١، ٦٢ - «القابضُ، الباسطُ» يقبضُ الأرزاقَ والأرواحَ، ويبسطُ الأرزاقَ والقلوبَ، وذلكَ تبعٌ لحكمتِه ورحمتِه.
٦٣، ٦٤ - «المعطي، المانعُ» لا مانعَ لما أعطَى، ولا معطِيَ لما منعَ، فجميعُ المصالحِ والمنافعِ منه تُطلبُ، وإليه يرغبُ فيها، وهو الذي يعطِيها لمن يشاءُ، ويمنعُها من يشاءُ بحكمتِه ورحمتِه.
٦٥ - «الشهيدُ» أي: المطَّلعُ على جميعِ الأشياءِ. سمعَ جميعَ الأصواتِ خفيَّها وجليَّها، وأبصرَ جميعَ الموجوداتِ دقيقَها وجليلَها صغيرَها وكبيرَها، وأحاطَ علمُه بكلِّ شيءٍ، الذي شَهِدَ لعبادِه وعلى عبادِه بما عملُوه.
[ ١٣٣ ]
٦٦، ٦٧ - «المبدئُ، المعيدُ» قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، ابتدأَ خلقَهم ليبلوَهُم أيهم أحسنُ عملًا، ثم يعيدُهم ليجزيَ الذين أحسنُوا بالحُسْنَى، ويجزِيَ المسيئِينَ بإساءَتِهم. وكذلكَ هو الذي يُبْدِأُ إيجادَ المخلوقاتِ شيئًا فشيئًا، ثم يعيدُها كلَّ وقتٍ.
٦٨ - «الفعَّالُ لما يريدُ» وهذا من كمالِ قوتِه ونفوذِ مشيئتِه وقدرتِه، أنَّ كلَّ أمرٍ يريدُه يفعلُه بلا ممانعٍ ولا معارضٍ، وليسَ له ظهيرٌ ولا معينٌ، على أيِّ أمرٍ يكونُ، بلْ إذا أرادَ شيئًا قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، ومعَ أنَّه الفعَّالُ لما يريدُ، فإرادتُه تابعةٌ لحكمتِه وحمدِه، فهو موصوفٌ بكمالِ القدرةِ، ونفوذِ المشيئةِ، وموصوفٌ بشمولِ الحكمةِ، لكلِّ ما فعلَه ويفعلُه.
٦٩، ٧٠ - «الغنيُّ، المغنِي» فهو الغنيُّ بذاتِه، الذي له الغنى التامُّ المطلقُ، من جميعِ الوجوهِ والاعتباراتِ لكمالِه، وكمالِ صفاتِه، فلا يتطرقُ إليها نقصٌ بوجْهٍ من الوجوهِ، ولا يمكنُ أن يكونَ إلا غنيًّا، لأن غنَاهُ من لوازمِ ذاتِه، كما لا يكونُ إلا خالقًا، قادرًا، رازقًا، محسنًا، فلا يحتاجُ إلى أحدٍ بوجْهٍ من الوجوهِ، فهو الغنيُّ، الذي بيدِه خزائنُ السمواتِ والأرضِ، وخزائنُ الدنيا والآخرةِ. المغني جميعَ خلقِه غنىً عامًّا، والمغنِي لخواصِّ خلقِه بما أفاضَ على قلوبِهم من المعارفِ الربانيَّةِ والحقائقِ الإيمانيةِ.
٧١ - «الحليمُ» الذي يدرُّ على خلقِه النعمَ الظاهرةَ والباطنةَ، مع معاصِيهم وكثرةِ زَلَّاتِهم، فيحلُمُ عن مقابلةِ العاصِينَ بعصيانِهم، ويستعتُبُهم كي يتوبوا، ويمهِلُهم كي يُنِيبُوا.
٧٢، ٧٣ - «الشاكرُ، الشكور» الذي يشكرُ القليلَ من العملِ، ويغفرُ
[ ١٣٤ ]
الكثيرَ من الزللِ. ويضاعفُ للمخلصِينَ أعمالَهم بغيرِ حسابٍ، ويشكرُ الشاكرينَ، ويذكرُ من ذكرَه، ومن تقرَّبَ إليه بشيءٍ من الأعمالِ الصالحةِ، تقرَّبَ اللهُ منهُ أكثرَ.
٧٤، ٧٥ - «القريبُ، المجيبُ» أي: هو تعالى القريبُ من كلِّ أحدٍ.
وقربُه تعالى نوعانِ: قربٌ عامٌّ من كلِّ أحدٍ، بعلْمِهِ، وخبرَتِهِ، ومراقبتِه، ومشاهدتِه، وإحاطتِه.
وقربٌ خاصٌّ، من عابدِيه، وسائلِيه، ومحبِّيه، وهو قربٌ لا تُدْرَكُ له حقيقةٌ، وإنما تُعْلَمُ آثارُه، من لطفِه بعبدِه، وعنايتِه به، وتوفيقِه وتسديدِه.
ومن آثارِه: الإجابةُ للداعينَ والإثابةُ للعابدينَ، فهو المجيبُ إجابةً عامَّةً للداعينَ مهما كانُوا، وأينَ كانُوا، وعلى أيِّ حالٍ كانُوا كما وعدَهم بهذا الوعدِ المطلقِ، وهو المجيبُ إجابةً خاصَّةً للمستجيبينَ له المنقادينَ لشرعِه، وهو المجيبُ أيضًا للمضطرينَ، ومن انقطعَ رجاؤُهم من المخلوقينَ وقَوِيَ تعلُّقُهم به طمعًا ورجاءً وخوفًا.
٧٦ - «الكافي» جميعَ عبادِه ما يحتاجُونَ ويضطرُّونَ إليه، الكافي كفايةً خاصَّةً من آمنَ به، وتوكَّلَ عليه، واستمدَّ منه حوائجَ دينِه ودنياه.
٧٧ - ٨٠ - «الأولُ، والآخرُ، والظاهرُ، والباطنُ».
قد فسَّرَها النبيُّ - ﷺ - تفسيرًا جامعًا واضحًا، فقال: «أنتَ الأولُ فليسَ قبلَكَ شيءٌ، وأنتَ الآخِرُ فليسَ بعدَكَ شيءٌ، وأنتَ الظاهرُ فليسَ فوقَكَ شيءٌ، وأنتَ الباطِنُ فليسَ دونَكَ شيءٌ» (١).
_________________
(١) مسلم (٢٧١٣)، أبو داود (٥٠٥١)، الترمذي (٣٤٠٠).
[ ١٣٥ ]
٨١ - «الواسعُ» الصفاتِ والنعوتِ ومتعلقاتِها، بحيثُ لا يُحصِي أحدٌ ثناءً عليه، بلْ هو كَمَا أثنَى على نفسِه. واسعُ العظمةِ والسلطانِ والملكِ، واسعُ الفضلِ والإحسانِ، عظيمُ الجودِ والكرمِ.
٨٢، ٨٣ - «الهادي، الرشيدُ» أي: الذي يهدِي ويرشدُ عبادَه إلى جميعِ المنافعِ، وإلى دفعِ المضارِّ، ويعلِّمُهم ما لا يعلمونَ، ويهدِيهم لهدايةِ التوفيقِ والتسديدِ، ويُلهِمُهم التقوى، ويجعلُ قلوبَهم منيبةً إليهِ منقادَةً لأمْرِهِ.
وللرشيدِ معنىً بمعنَى الحكيمِ، فهو الرشيدُ في أقوالِه وأفعالِه، وشرائعُه كُلُّها خيرٌ ورَشَدٌ وحكمةٌ، ومخلوقاتُه مشتملةٌ على الرشدِ.
٨٤ - «الحقُّ» في ذاتِه وصفاتِه، فهو واجبُ الوجودِ، كاملُ الصفاتِ والنعوتِ، وجودُه من لوازمِ ذاتِه، ولا وجودَ لشيءٍ من الأشياءِ إلا به. فهو الذي لم يَزَلْ ولا يَزَالُ بالجلالِ والكمالِ موصُوفًا، ولم يَزَلْ ولا يَزَالُ بالإحسانِ معروفًا.
فقولُه حقٌّ، وفعلُه حقٌّ، ولقاؤُه حقٌّ، ورسلُه حقٌّ، وكتبُه حقٌّ، ودينُه هو الحقُّ، وعبادتُه وحدَه لا شريكَ له هي الحقُّ، وكلُّ شيءٍ ينسبُ إليه فهو حقٌّ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢].
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ﴾ [يونس:٣٢]، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًًا﴾ [الإسراء:٨١].
* * *
[ ١٣٦ ]