قد بعث الله محمدًا - ﷺ - بالحكمة التي هي سنته، وهي الشرعة والمنهاج الذي شرعه له فكان من هذه الحكمة أن شرع له من الأعمال والأقوال ما يباين سبيل المغضوب عليهم، والضالين، فأمر بمخالفتهم في الهدي الظاهر، وإن لم يظهر لكثير من الخلق في ذلك مفسدة لأمور منها: ١ - أن المشاركة في الهدي الظاهر تورث تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإن اللابس ثياب أهل العلم يجد من نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة - مثلًا - يجد من نفسه نوع تخلُّق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيًا لذلك، إلا أن يمنعه مانع.
٢ - أن المخالفة في الهدي الظاهر توجب مباينة ومفارقة توجب الانقطاع عن موجبات الغضب، وأسباب الضلال والانعطاف على أهل الهدى، والرضوان، وتحقق ما قطع الله من الموالاة بين جنده المفلحين وأعدائه الخاسرين.
* وكلما كان القلب أتم حياة، وأعرف بالإسلام كان إحساسه
[ ١٧ ]
بمفارقة اليهود والنصارى باطنًا وظاهرًا أتم، وبعده عن أخلاقهم الموجودة في بعض المسلمين، أشد.
٣ - أن مشاركتهم في الهدي الظاهر، توجب الاختلاط الظاهر، حتى يرتفع التميز ظاهرًا، بين المهديين المرضيين، وبين المغضوب عليهم والضالين.
* هذا، إذا لم يكن ذلك الهدى الظاهر إلا مباحًا محضًا لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم كان شُعبة من شُعَب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع معاصيهم. فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له.
ذِكْر بعض ما دل، من الكتاب، والسنة، والإجماع، على الأمر بمخالفة الكفار، والنهي عن مشابهتهم في الجملة
أولًا: الاستدلال بالقرآن على النهي عن التشبه بالكافرين:
١ - قال الله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ * وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ
[ ١٨ ]
رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ * ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية:١٦ - ١٩]
* أخبر سبحانه، أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين والدنيا، وأنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيًا من بعضهم على بعض. ثم جعل محمدًا - ﷺ - على شريعة شرعها له، وأمره بإتباعها، ونهاه عن إتباع أهواء الذين لا يعلمون، وقد دخل في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته.
* وأهواؤهم: هو ما يهوونه، وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه؛ ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويسرون به، ويودون أن لو بذلوا مالًا عظيمًا ليحصل ذلك.
٢ - قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ وَلا
[ ١٩ ]
أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ * وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ﴾ [الجاثية:٣٦، ٣٧] فالضمير في أهوائهم، يعود - والله أعلم - إلى ما تقدم ذكره، وهم الأحزاب الذين ينكرون بعضه، فدخل في ذلك كل من أنكر شيئًا من القرآن: من يهودي، ونصراني، وغيرهما. وقد قال: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم، اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك.
٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ [البقرة:١٢٠] فانظر كيف قال في الخبر: ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ وقال في النهي: ﴿أَهْوَاءهُم﴾؛ لأن القوم لا يرضون إلا بإتباع الملة مطلقًا، والزجر وقع عن إتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين، نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه، أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه.
[ ٢٠ ]
٤ - قوله سبحانه: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًَا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ * وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٤٥ - ١٥٠]
* قال غير واحد من السلف: «معناه: لئلا يحتج اليهود عليكم بالموافقة في القبلة، فيقولون: قد وافقونا في قبلتنا، فيوشك أن يوافقونا في ديننا، فقطع الله بمخالفتهم في القبلة هذه الحجة، إذ الحجة: اسم لكل ما يحتج به من حق وباطل ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
[ ٢١ ]
مِنْهُمْ﴾ وهم قريش، فإنهم يقولون: عادوا إلى قبلتنا، فيوشك أن يعودوا إلى ديننا».
* فبًيَّن سبحانه أن من حكمة نسخ القبلة وتغييرها، مخالفة الناس الكافرين في قبلتهم، ليكون ذلك أقطع لما يطمعون فيه من الباطل، ومعلوم أن هذا المعنى ثابت في كل مخالفة وموافقة، فإن الكافر إذ اتُّبِعَ في شيء من أمره، كان له في الحجة مثل ما كان أو قريب مما كان لليهود من الحجة في القبلة.
٥ - قال سبحانه: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥] وهم: اليهود والنصارى، الذين افترقوا على أكثر من سبعين فرقة، ولهذا نهى النبي - ﷺ - عن متابعتهم في نفس التفرق والاختلاف، مع أنه - ﷺ - قد أخبر «أن أمته: ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة». [أبو داود ٤٥٩٦وقال الألباني: حسن صحيح]
٦ - قال سبحانه لموسى وهارون: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [يونس:٨٩] وقال سبحانه: ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ
[ ٢٢ ]
الْمُفْسِدِينَ﴾ [الاعراف:١٤٢] وقال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء:١١٥] إلى غير ذلك من الآيات.
* وما هم عليه من الهدي والعمل، هو من سبيل غير المؤمنين، بل ومن سبيل المفسدين، والذين لا يعلمون.
٧ - قال سبحانه: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة:٤٩، ٤٨] ومتابعتهم في هديهم، هي من إتباع ما يهوونه، أو مظنة لإتباع ما يهوونه وتركها معونة على ترك ذلك، وحسم لمادة متابعتهم فيما يهوونه.
٨ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٠٤] قال قتادة
[ ٢٣ ]
وغيره: «كانت اليهود تقوله استهزاء فكره الله للمؤمنين أن يقولوا مثل قولهم» وقال أيضًا: «كانت اليهود تقول للنبي - ﷺ -: راعنا سمعك يستهزؤن بذلك، وكانت في اليهود قبيحة».
وروى أحمد عن عطية قال: «كان يأتي ناس من اليهود فيقولون: راعنا سمعك، حتى قالها ناس من المسلمين، فكره الله لهم ما قالت اليهود».
وقال عطاء: «كانت لغة في الأنصار في الجاهلية».
* فهذا كله يبين أن هذه الكلمة نهى المسلمون عن قولها، لأن اليهود كانوا يقولونها - وإن كانت من اليهود قبيحة ومن المسلمين لم تكن قبيحة - لما كان في مشابهتهم فيها من مشابهة الكفار، وتطريقهم إلى بلوغ غرضهم. (١)
٩ - قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩] ومعلوم أن الكفار فرقوا دينهم، وكانوا شيعا، كما قال سبحانه: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن
_________________
(١) (*) تطريقهم: إفساح الطريق لهم ليبلغوا مرادهم من هذه الكلمة القبيحة.
[ ٢٤ ]
بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥] وقال: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:٤] وقال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:١٤] وقال عن اليهود: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة:٦٤] وقد قال تعالى لنبيه ﵊: ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٥٩] وذلك يقتضي تبرؤه منهم في جميع الأشياء.
* ومن تابع غيره في بعض أموره، فهو منه في ذلك الأمر؛ لأن قول القائل: أنا من هذا، وهذا مني، أي أنا من نوعه وهو من نوعي؛ لأن الشخصين لا يتحدان إلا بالنوع، كما في قوله تعالى: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران:١٥٩]، فقول القائل: لستُ من هذا في شيء، أي لستُ مشاركًا له في شيء، بل أنا متبرئٌ من جميع أموره.
* وإذا كان الله قد برأ رسوله - ﷺ - من جميع أمورهم، فمن كان متبعًا للرسول - ﷺ - حقيقة كان متبرئًا كتبرئه، ومن كان موافقًا لهم كان مخالفًا للرسول بقدر موافقته لهم، فإن الشخصين المختلفَين من
[ ٢٥ ]
كل وجه في دينهما، كلما شابهتَ أحدَهما خالفْتَ الآخر.
١٠ - قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] وقال سبحانه: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ﴾ [المجادلة:٢٢] وقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَن يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦،٥٥] ونظائر هذا في غير موضع من القرآن: يأمر سبحانه بموالاة المؤمنين حقًا - الذين هم حزبه وجنده - ويخبر أن هؤلاء لا يوالون الكافرين، ولا يوادُّونهم.
* والموالاة والموادة: وإن كانت متعلقة بالقلب، لكن المخالفة في الظاهر أعون على مقاطعة الكافرين ومبايَنَتِهم.
* ومشاركتهم في الظاهر: إن لم تكن ذريعة أو سببًا قريبًا، أو
[ ٢٦ ]
بعيدًا إلى نوع ما من الموالاة والموادة، فليس فيها مصلحة المقاطعة المباينة، مع أنها تدعو إلى نوع ما من المواصلة - كما توجبه الطبيعة، وتدل عليه العادة - ولهذا كان السلف - ﵃ - يستدلون بهذه الآيات على ترك الاستعانة بهم في الولايات.
* فعن أبي موسى - ﵁ - قال: قلت لعمر - ﵁ -: «إن لي كاتبًا نصرانيًا»، قال: «مالك؟ قاتلك الله، أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١] ألا اتخذت حنيفًا؟» قال: قلت: «يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه»، قال: «لا أكرمهم إذ أهانهم الله ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أُدْنِيهم إذ أقصاهم الله». [رواه ابن أبي شيبة والبيهقي بسند حسن]
١١ - قوله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد:١٦]
* فقوله: ولا يكونوا مثلهم، نهي مطلق عن مشابهتهم، هو خاص - أيضًا - في النهي عن مشابهتهم في قسوة قلوبهم، وقسوة
[ ٢٧ ]
القلوب من ثمرات المعاصي.
* لما نهى الله عن التشبه بهؤلاء الذين قست قلوبهم، وذكر أيضًا في آخر السورة حال الذين ابتدعوا الرهبانية، فما رعوها حق رعايتها، فعقبها بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّن فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد:٢٨ - ٢٩]؛ فإن الإيمان بالرسول - ﷺ - تصديقه وطاعته وإتباع شريعته، وفي ذلك مخالفة للرهبانية؛ لأنه لم يبعث بها، بل نهى عنها، وأخبر أن من اتبعه (١) كان له أجران. [البخاري ٥٧، مسلم٢٤١]
ثانيًا: الاستدلال بالسنة على النهي عن التشبه بالكافرين:
- جاءت سنة رسول الله - ﷺ -، وسنة خلفائه الراشدين، التي أجمع الفقهاء عليها، بمخالفتهم وترك التشبه بهم: ١ - قال رسول الله - ﷺ -: «إن اليهودَ والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» [البخاري٣٤٦٢، مسلم١١٠٣] فأمر بمخالفتهم، وذلك يقتضي أن
_________________
(١) (*) أي من أهل الكتاب.
[ ٢٨ ]
يكون جنس مخالفتهم أمرًا مقصودًا للشارع.
* نفس المخالفة لهم في الهدي الظاهر مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين، لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنوَّر قلبه، حتى رأى ما اتصف به المغضوب عليهم والضالون - من المرض الذي ضرره أشد من ضرر أمراض الأبدان.
* نفس ما هم عليه من الهدي، والخُلُق، قد يكون مُضِرًا، أو مُنْقِصًا فيُنهى عنه، ويُؤمر بضده، لما فيه من المنفعة والكمال.
وليس شيء من أمورهم، إلا وهو: إما مضر، أو ناقص؛ لأن ما بأيديهم من الأعمال المبتدعة والمنسوخة، ونحوها، مضرة، وما بأيديهم - مما لم ينسخ أصله - فهو يقبل الزيادة والنقص.
* الكفر بمنزلة مرض القلب، وأشد، ومتى كان القلب مريضًا لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة، وإنما الصلاح: أن لا تُشْبِه مريض القلب في شيء من أموره وإن خفي عليك مرض ذلك العضو، لكن يكفيك أن فساد الأصل لابد أن يؤثر في الفرع.
٢ - قال رسول الله - ﷺ -: «خالِفوا المشركين: أحْفوا الشوارب
[ ٢٩ ]
وأوْفُوا اللحَى». [مسلم ٢٥٩، ٢٦٠] فأمر بمخالفة المشركين مطلقًا، ثم قال: «أحْفوا الشوارب وأوْفُوا اللحَى.» وهذه الجملة الثانية بدل من الأولى، لكن الأمر بها أولًا بلفظ مخالفة المشركين دليل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع.
٣ - قال رسول الله - ﷺ -: «جزّوا الشوارب وأرْخوا اللحى، خالفوا المجوس». [مسلم٢٦٠] فعقب الأمر بالوصف المشتق المناسب، وذلك دليل على أن مخالفة المجوس أمر مقصود للشارع.
٤ - قال رسول الله - ﷺ -: «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم، ولا خفافهم» [أبو داود ٦٥٢وصححه الألباني]
٥ - قال رسول الله - ﷺ -: «فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب: أكْلةُ السَّحَر» [مسلم ١٠٩٦]
٦ - عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «لا يزالُ الدينُ ظاهرًا ما عجَّل الناسُ الفطرَ؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون» [أبو داود٢٣٥٣وحسنه الألباني] وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى.
* وإذا كانت مخالفتهم سببًا لظهور الدين، فإنما المقصود
[ ٣٠ ]
بإرسال الرسل أن يَظهر دينُ الله على الدين كله، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة.
٧ - عن ليلى - امرأة بشير بن الخصاصية - قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فنهاني عنه بشير، وقال: إن رسول الله - ﷺ - نهاني عن ذلك، وقال: يفعل ذلك النصارى، صوموا كما أمركم الله، وأتموا الصوم كما أمركم الله، وأتموا الصيام إلى الليل، فإذا كان الليل فأفطروا» [رواه أحمد في المسند ٢١٨٥٢وإسناده صحيح] فعلل النهي عن الوصال: بأنه صوم النصارى، ويشبه أن يكون من رهبانيتهم التي ابتدعوها.
٨ - عن أنس - ﵁ -: أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحاب النبي - ﷺ -، النبي - ﷺ -، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة:٢٢٢] فقال رسول الله - ﷺ -: «اصنعوا كلَّ شيءٍ إلا النكاح»، فبلغ ذلك اليهود، فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالَفَنا فيه، فجاء أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، فقالا: يا رسول الله إن اليهود تقول كذا
[ ٣١ ]
وكذا، أفلا نجامعهن؟ فتغير وجه رسول الله - ﷺ -، حتى ظننا أن قد وجد (١) عليهما فخرجا، فاستقبلهما هدية من لبن، إلى النبي - ﷺ - فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفنا أنه لم يجِدْ عليهما. [مسلم٣٠٢]
* فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود، بل: على أنه خالفهم في عامة أمورهم، حتى قالوا: ما يريد أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه.
٩ - عن عمرو بن عبسة، قال: كنت - وأنا في الجاهلية - أظن أن الناس على ضلالة، فإنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، قال: فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله - ﷺ -، مستخفيًا، جُرَآء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: أنا نبي، فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلَني الله، فقلت: بأي شيء أرسلك؟، قال: أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحَّدَ الله لا يُشرَكُ به شيء، فقلت له: من معك على هذا؟ قال: حُرٌ وعبدٌ - قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال - فقلت: إني متبعُك، قال: إنك لا
_________________
(١) (*) وجد: غضب.
[ ٣٢ ]
تستطيعُ ذلك يومَك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعتَ بي قد ظهرت: فأْتِني، قال: فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله - ﷺ - المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار، وأسأل الناس، حين قدم المدينة، حتى قدم نفر من أهل يثرب - من أهل المدينة - فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتْله فلم يستطيعوا ذلك، فقدمتُ المدينة، فدخلتُ عليه، فقلت: يا رسول الله: أتعرفني؟ قال: نعم، أنت الذي لقيتَني بمكة، قال: فقلت: يا نبي الله، أخبرني عما علمك الله وأجهله - أخبرني عن الصلاة؟ قال: صلّ صلاة الصبح، ثم أقصِر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع، فإنها تطلع - حين تطلع - بين قرنَيْ شيطان، وحينئذ يسجدُ لها الكفار، ثم صلّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى يستقل الظلُ بالرمح، ثم أَقْصِر عن الصلاة، فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصلّ، فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تصلي العصر ثم أقصر عن الصلاة، حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ: يسجد لها الكفار» [مسلم ٨٣٢].
[ ٣٣ ]
* فقد نهى النبي - ﷺ -، عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب، معللًا: بأنها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنه حينئذ يسجد لها الكفار. ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى، وأكثر الناس قد لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أن الكفار يسجدون لها، ثم إنه - ﷺ - نهى عن الصلاة في هذا الوقت حسمًا لمادة المشابهة بكل طريق.
١٠ - عن ابن عمر ﵄: أنه رأى رجلًا يتكئ على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة فقال له: لا تجلسْ هكذا فإنَّ هكذا يجلس الذين يُعَذَّبُون» [أبو داود ٩٩٤ وحسنه الألباني] وفي رواية: «تلك صلاة المغضوب عليهم» [أبو داود٩٩٣وصححه الألباني] وفي رواية: «نهى رسول الله - ﷺ -: أن يجلسَ الرجلُ في الصلاةِ وهو معتمدٌ على يَدِه» [أبو داود٩٩٢ وصححه الألباني] ففي هذا الحديث: النَّهْي عن هذه الجلسة معللة بأنها جلسة المعذبين، وهذه مبالغة في مجانبة هدْيِهم.
١١ - عن مسروق عن عائشة - ﵄ -: أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته، وتقول: «إن اليهود تفعله» [البخاري٣٤٥٨] ونهى رسول الله - ﷺ - أن يصلى الرجل مُخْتَصِرًا [مسلم٥٤٥] وعن زياد بن
[ ٣٤ ]
صبيح قال: «صلَّيْتُ إلى جنب ابن عمر فوضعتُ يدي على خاصرتي، فما صلى قال: هذا الصَّلْب في الصلاة، وكان رسول الله - ﷺ - ينهى عنه. [أبو داود٩٠٣وصححه الألباني]
١٢ - عن جابر بن عبد الله - ﵄ - أنه قال: اشتكى رسول الله - ﷺ - فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا فلما سلم قال: «إن كِدْتُم آنفًا تفعلون فعل فارس والروم: يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا» [مسلم ٤١٣] ففي هذا الحديث: أنه أمرهم بترك القيام الذي هو فرض في الصلاة، وعلل ذلك بأن قيام المأمومين مع قعود الإمام يشبه فعل فارس والروم بعظمائهم في قيامهم وهو قعود.
ومعلوم أن المأموم إنما نوى أن يقوم لله لا لإمامه وهذا تشديد عظيم في النهي عن القيام للرجل القاعد.
وفي هذا الحديث - أيضًا - نهى عما يشبه فعل فارس والروم وإن كانت نيتنا غير نيتهم، لقوله: «فلا تفعلوا».
[ ٣٥ ]
ثم هذا الحديث - سواء كان محكَمًا في قعود الإمام، أو منسوخًا - فإن الحجة منه قائمة، لأن نسخ القعود لا يدل على فساد تلك العلة وإنما يقتضي أنه قد عارضها ما ترجع عليها، مثل كون القيام فرضًا في الصلاة، فلا يسقط الفرض بمجرد المشابهة الصورية، وهذا محل اجتهاد، والصحيح أن هذا الحديث محكم، قد عمل به غير واحد من الصحابة بعد وفاة رسول الله - ﷺ -، مع كونهم علموا صلاته في مرضه.
وقد استفاض عنه - ﷺ - الأمر به استفاضة صحيحة صريحة يمتنع معها أن يكون حديث المرض ناسخًا له، على ما هو مقرر في غير هذا الموضع: إما بجواز الأمرين، إذ فعل القيام لا ينافي فعل القعود وإما بالفرق بين المبتدئ للصلاة قاعدًا، والصلاة التي ابتدأها الإمام قائمًا، لعدم دخول هذه الصلاة في قوله: «وإذا صلى قاعدًا» ولعدم المفسدة التي علل بها، ولأن بناء فعل آخر الصلاة على أولها أولى من بنائها على صلاة الإمام، ونحو ذلك من الأمور المذكورة في غير هذا الموضع.
١٣ - عن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا
[ ٣٦ ]
اتبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللحد، فعرض له حَبْر فقال: هكذا نصنع يا محمد، قال: فجلس رسول الله - ﷺ - وقال: «خالفوهم» [ابن ماجة ١٥٤٥وحسنه الألباني]
قلت: قد اختلف العلماء في القيام للجنازة إذا مرت، ومعها إذا شيعت.
١٤ - قال رسول الله - ﷺ -: «اللحد لنا والشق لغيرنا» [أبو داود١٥٥٤ وصححه الألباني]، وفي رواية لأحمد: «والشق لأهل الكتاب». [المسند١٩١١١وصححه الألباني]
وفيه التنبيه على مخالفتنا لأهل الكتاب، حتى في وضع الميت في أسفل القبر.
١٥ - عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» متفق عليه. [البخاري١٢٩٤، مسلم١٠٣]
ودعوى الجاهلية: ندب الميت، وتكون دعوى الجاهلية في العصبية.
١٦ - عن أبي مالك الأشعري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «أربعٌ في
[ ٣٧ ]
أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونَهُن: الفخرُ بالأحساب، والطعنُ في الأنساب، والاستسقاءُ بالنجوم، والنياحة» [مسلم٩٣٤]
ذم في الحديث، من دعا بدعوى الجاهلية، وأخبر أن بعض أمر الجاهلية، لا يتركه الناس كلهم، ذمًا لمن لم يتركه، وهذا كله يقتضي: أن ما كان من أمر الجاهلية وفِعْلهم، فهو مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية، خرج مخرج الذم، وهذا كقوله ﷾: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣] فإن في ذلك ذمًا للتبرج، وذمًا لحال الجاهلية الأولى، وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة.
ومنه قوله - ﷺ - لأبي ذر - ﵁ - لما عَيَّر رجلًا بأمه: «إنك امرؤٌ فيك جاهلية» [البخاري٣٠، مسلم١٦٦١]، فإنه ذمٌ لذلك الخلُق، ولأخلاق الجاهلية التي لم يجئ بها الإسلام.
ومنه - قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٦] فإن إضافة الحمية إلى الجاهلية: اقتضى ذمها،
[ ٣٨ ]
فما كان من أخلاقهم وأفعالهم فهو كذلك.
فقد دلت هذه الأحاديث: على أن إضافة الأمر إلى الجاهلية يقتضي ذمه، والنهي عنه، وذلك يقتضي المنع من أمور الجاهلية مطلقًا وهو المطلوب في هذا الكتاب.
والسنة الجاهلية: كل عادة كانوا عليها، فإن السنة هي العادة، وهي الطريق التي تتكرر لنوع الناس، مما يعدونه عبادة، أو لا يعدونه عبادة، قال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٣٧] وقال النبي - ﷺ -: «لتَتَّبِعُنَّ سننَ مَنْ كان قبلَكم» [البخاري٧٣٢٠، مسلم٢٦٦٩]- والاتباع هو الاقتفاء والاستنان، فمن عمل بشيء من سننهم، فقد اتبع سنة جاهلية، وهذا نص عام يوجب تحريم متابعة كل شيء من سنن الجاهلية: في أعيادهم وغير أعيادهم.
ولفظ: (الجاهلية) قد يكون:
أ- اسمًا للحال - وهو الغالب في الكتاب والسنة - كقول النبي - ﷺ - لأبي ذر: «إنك امرؤٌ فيك جاهلية» [البخاري٣٠، مسلم١٦٦١]، وقول عمر: إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة [البخاري٢٠٤٢،
[ ٣٩ ]
مسلم١٦٥٦] وقول عائشة: كان النكاح في الجاهلية على أربعة أنحاء، [البخاري٥١٢٧] وقولهم: يا رسول الله كنا في جاهلية وشر [البخاري٧٠٨٤، مسلم١٨٤٧] أي في حال جاهلية أو طريقة جاهلية، أو عادة جاهلية ونحو ذلك.
ب- قد يكون اسمًا لذي الحال، فتقول: طائفة جاهلية، وشاعر جاهلي، وذلك نسبة إلى الجهل الذي هو عدم العلم، أو عدم إتباع العلم، فإن من لم يعلم الحق، فهو جاهل جهلًا بسيطًا، فإن اعتقد خلافه: فهو جاهل جهلًا مركبًا، فإن قال خلاف الحق عالمًا بالحق، أو غير عالم: فهو جاهل أيضًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان:٦٣]
فالناس قبل مبعث الرسول - ﷺ -، كانوا في حال جاهلية منسوبة إلى الجهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل، وإنما يفعله جاهل.
وكذلك كل ما يخالف ما جاءت به المرسلون: من يهودية، ونصرانية، فهي جاهلية، وتلك الجاهلية العامة، فأما بعد مبعث الرسول - ﷺ - قد تكون في مَصْر دون مَصر، كما هي في دار الكفار،
[ ٤٠ ]
وقد تكون في شخص دون شخص، كالرجل قبل أن يُسْلِم، فإنه في جاهلية، وإن كان في دار الإسلام.
فأما في زمان مطلق: فلا جاهلية بعد مبعث محمد - ﷺ -، فإنه لا تزال من أمته طائفة ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة. [البخاري ٣٦٤١، ٣٦٤٠، مسلم١٩٢٠، ١٩٢١]
والجاهلية المقيدة قد تقوم في بعض ديار المسلمين، وفي كثير من الأشخاص المسلمين، كما قال - ﷺ -: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية» [مسلم٩٣٤] وقال لأبي ذر - ﵁ -: «إنك امرؤ فيك جاهلية» [البخاري٣٠، مسلم١٦٦١] ونحو ذلك.
١٧ - عن ابن عمر - ﵄ -، أن الناس نزلوا مع رسول الله - ﷺ - على الحِجْر - أرض ثمود - فاستقوا من آبارها، وعجنوا به العجين، فأمرهم رسول الله - ﷺ -، أن يهريقوا ما استقوا، ويعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تَرِدُها الناقة». [مسلم٢٩٨١]
وفي حديث جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال - لما مر بالحِجْر -: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا باكِين، فإن لم تكونوا باكِين، فلا تدخلوا عليهم، أن يصيبَكم ما أصابهم»،
[ ٤١ ]
[البخاري٣٣٨٠،مسلم٢٩٨٠] فنهى رسول الله - ﷺ - عن الدخول إلى أماكن المعذبين إلا مع البكاء، خشية أن يصيب الداخل ما أصابهم، ونهى عن الانتفاع بمياههم، حتى أمرهم - مع حاجتهم في تلك الغزوة، وهي أشد غزوة كانت على المسلمين - أن يعلفوا النواضح، بعجين مائهم.
فإذا كانت الشريعة، قد جاءت بالنهي عن مشاركة الكفار، في المكان الذي حلَّ بهم فيه العذاب، فكيف بمشاركتهم في الأعمال التي يعملونها؟
فإنه إذا قيل: هذا العمل الذي يعملونه، لو تجرد عن مشابهتهم لم يكن محرمًا، ونحن لا نقصد التشبه بهم فيه، فنفس الدخول إلى المكان ليس بمعصية، لو تجرد عن كونه أثرهم، ونحن لا نقصد التشبه بهم، بل المشاركة في العمل أقرب إلى اقتضاء العذاب من الدخول إلى الديار، فإن جميع ما يعملونه، مما ليس من أعمال المسلمين السابقين إما كفر، وإما معصية، وإما شعار كفر، أو معصية، وإما مظنة للكفر والمعصية، وإما أن يخاف أن يجر إلى معصية، وما أحسب أحدًا ينازع في جميع هذا، ولئن نازع فيه، فلا
[ ٤٢ ]
يمكنه أن ينازع في أن المخالفة فيه أقرب إلى المخالفة في الكفر والمعصية، وأن حصول هذه المصلحة في الأعمال أقرب من حصولها في المكان. ألا ترى: أن متابعة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، في أعمالهم، أنفع وأولى من متابعتهم في مساكنهم ورؤية آثارهم؟
١٨ - قال رسول الله - ﷺ -: «من تشبه بقومٍ فهو منهم». [أبو داود٤٠٣١وقال الألباني: حسن صحيح]
وهذا الحديث أقل أحواله: أن يقتضى تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم، كما في قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] فقد يُحمَل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك، وقد يحمل على أنه منهم، في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفرًا، أو معصية، أو شعارًا لها كان حكمه كذلك.
وبكل حال: يقتضي تحريم التشبه، بعلة كونه تشبهًا، والتشبه: يعم مَنْ فَعَل الشيء لأجل أنهم فعلوه، وهو نادر، ومن تبع غيره في فعل لغرض له في ذلك، إذا كان أصل الفعل مأخوذًا عن ذلك
[ ٤٣ ]
الغير، فأما من فعل الشيء واتفق أن الغير فعله أيضًا، ولم يأخذه أحدهما عن صاحبه، ففي كون هذا تشبهًا نظر، لكن قد ينهى عن هذا؛ لئلا يكون ذريعة إلى التشبه، ولما فيه من المخالفة، كما أمر بصبغ اللحى وإحفاء الشوارب، مع أن قوله - ﷺ -: «غيِّروا الشَّيْب ولا تشَبَّهوا باليهود» [الترمذي١٨٢١، وصححه الألباني] دليل على أن التشبه بهم يحصل بغير قصد منا ولا فعل، بل بمجرد ترْك تغيير ما خُلِق فينا، وهذا أبلغ من الموافقة الفعلية، الاتفاقية. وبهذا احتج غير واحد من العلماء على كراهة أشياء من زيّ غير المسلمين.
١٩ - عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليس مِنَّا مَنْ تشبَّه بغيرِنا، لا تَشَبَّهوا باليهودِ ولا بالنصارَى، فإنَّ تسليمَ اليهود: الإشارةُ بالأصابعِ، وتسليمَ النصارى: الإشارةُ بالأكفِّ» [الترمذي٢٨٤٨، وحسنه الألباني]
٢٠ - عن أبي غطفان المري قال: «سمعت عبد الله بن عباس - ﵄ - يقول: حين صام رسول الله - ﷺ - يوم عاشوراء، وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، قال رسول الله - ﷺ -: «إذا كان العام المقبل - إن شاء الله - صمنا اليوم التاسع»،
[ ٤٤ ]
قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله - ﷺ -». [مسلم١١٣٣]
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صوموا يوم عاشوراء، خالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يومًا أو بعده يومًا» [المسند٢١٥٤، وحسنه أحمد شاكر، وضعفه الألباني]
فتدبر: هذا يوم عاشوراء، يوم فاضل يكفر سنة ماضية، صامه رسول الله - ﷺ -، وأمر بصيامه ورغب فيه، ثم لما قيل له قبيل وفاته: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، أمر بمخالفتهم بضم يوم آخر إليه، وعزم على ذلك.
٢١ - عن ابن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: «إنا أمَّة أمِّية: لا نَكتب ولا نحسب، الشهر: هكذا هكذا، يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين». [البخاري١٩١٣، مسلم١٠٨٠] فوصف هذه الأمة، بترك الكتاب والحساب، الذي يفعله غيرها من الأمم في أوقات عباداتهم وأعيادهم، وأحالها على الرؤية، حيث قال - في غير حديث ـ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» [البخاري١٩٠٩، مسلم١٠٨٠]
وهذا دليل على ما أجمع عليه المسلمون - إلا من شذ من بعض
[ ٤٥ ]
المتأخرين المخالفين، المسبوقين بالإجماع - من أن مواقيت الصوم والفطر والنسك: إنما تقام بالرؤية عند إمكانها، لا بالكتاب والحساب، الذي تسلكه الأعاجم: من الروم، والفرس، والقبط والهند، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. وقد يستدل بهذا الحديث، على خصوص النهي عن أعيادهم، فإن أعيادهم معلومة بالكتاب والحساب، والحديث فيه عموم.
أو يقال: إذا نهينا عن ذلك في عيد الله ورسوله، ففي غيرها من الأعياد والمواسم أولى وأحرى، ولما في ذلك من مضارعة (١) الأمة الأمية، سائر الأمم.
وبالجملة - فالحديث يقتضي: اختصاص هذه الأمة بالوصف الذي فارقت به غيرها، وذلك يقتضي أن ترك المشابهة للأمم أقرب إلى حصول الوفاء بالاختصاص.
٢٢ - عن حمد بن عبد الرحمن بن عوف: أنه سمع معاوية - ﵁ -، عام حج، على المنبر، وتناول قُصَّة من شعر، كانت في يد حَرَسٍيّ (٢)،
_________________
(١) (*) مضارعة: مشابهة.
(٢) (**) الحَرَسِيّ: الذي يتولى الحراسة ونحوها.
[ ٤٦ ]
فقال: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن مثل هذه ويقول: «إنما هلكت بنو إسرائيل حين اتخذها نساؤهم» [البخاري٥٩٣٢، مسلم٢١٢٧] وفي رواية سعيد بن المسيب أن معاوية قال ذات يوم: إنكم أحدثتم زِيَّ سوء، وإن نبي الله - ﷺ - نهى عن الزور، قال: وجاء رجل بعصى على رأسها خرقة قال معاوية: ألا وهذا الزور.
قال قتادة: يعني ما يكثر به النساء أشعارهن، من الخِرَق. [مسلم٢١٢٧]
وفي رواية عن ابن المسيب، قال: قدم معاوية المدينة فخطبنا، وأخرج كبة من شعر، فقال: ما كنت أرى أن أحدًا يفعله، إلا اليهود، إن رسول الله - ﷺ - بلغه، فسماه الزور. [مسلم٢١٢٧]
فقد أخبر النبي - ﷺ - عن وصل الشعر: أن بني إسرائيل هلكوا حين أحدثه نساؤهم، يحذر أمته مثل ذلك، ولهذا: قال معاوية: ما كنت أرى أن أحدًا يفعله إلا اليهود. فما كان من زي اليهود، أي لم يكن عليه المسلمون: إما أن يكون مما يعذبون عليه، أو مظنة لذلك، أو يكون تركه حسمًا لمادة ما عذبوا عليه، لاسيما إذا لم يتميز
[ ٤٧ ]
ما هو الذي عذبوا عليه من غيره، فإنه يكون قد اشتبه المحظور بغيره، فيترك الجميع، كما أن ما يُخْبِرونا به لمَّا اشتبه صدقه بكذبه: تُرك الجميع.
٢٣ - روى نافع عن ابن عمر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - - أو قال: قال عمر: إذا كان لأحدكم ثوبان فليصل فيهما، فإن لم يكن إلا ثوب فليتَّزِر به، ولا يشتمل اشتمال اليهود» [أبو داود٦٣٥وصححه الألباني]
فإن إضافة المنهي عنه إلى اليهود، دليل على أن لهذه الإضافة تأثيرًا في النهي.
٢٤ - ما رواه ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ - - غداة العقبة وهو على ناقته: «القُطْ لي حصى»، فلقطتُ له سبع حصَيات، من حصى الخَذْف، فجعل ينفضهن في كفِّه ويقول: «أمثال هؤلاء فارْمُوا، ثم قال: أيها الناس إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين». [ابن ماجه٣٠٢٩ وصححه الألباني] وقوله: «إياكم والغلو في الدين» عام في جميع أنواع الغلو، في الاعتقادات والأعمال. والغلو: مجاوزة الحد بأن يُزادَ الشيءُ، في حمده، أو ذمِّه ما
[ ٤٨ ]
يستحق، ونحو ذلك.
والنصارى أكثر غلوًا في الاعتقادات والأعمال، من سائر الطوائف وإياهم نهى الله عن الغلو في القرآن، في قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء:١٧١]
وسبب هذا اللفظ العام: رمي الجمار، وهو داخل فيه، فالغلو فيه مثل الرمي بالحجارة الكبار، ونحو ذلك، بناء على أنه أبلغ من الحصى الصغار ثم علل ذلك: بأن ما أهلك من قبلنا إلا الغلو في الدين، كما تراه في النصارى، وذلك يقتضي: أن مجانبة هديهم مطلقًا أبعد عن الوقوع فيما به هلكوا وأن المشارك لهم في بعض هديهم، يخاف أن يكون هالكًا.
٢٥ - أنه - ﷺ - حذرنا من مشابهة مَن قَبلَنا، في أنهم كانوا يفرقون في الحدود بين الأشراف والضعفاء، وأمر أن يسوي بين الناس في ذلك، وإن كان كثير من ذوي الرأي والسياسة قد يظن أن إعفاء الرؤساء أجود في السياسة.
ففي الصحيحين عن عائشة - ﵄ - - في شأن المحزومية التي سرقت، لما كلم أسامة فيها رسول الله - ﷺ - - قال: «يا أسامة أتشْفَعُ
[ ٤٩ ]
في حد من حدود الله؟! إنما هلك بنوا إسرائيل أنهم كانوا: إذا سرق فيهم الشريفُ تركُوه، وإذا سرقَ الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، والذي نفْسي بيدِه لو أنَّ فاطمةَ بنتَ محمد سرقَتْ لقطعتُ يدها». [البخاري٣٤٧٥، مسلم١٦٨٨]
وكان بنو مخزوم من أشرف بطون قريش، واشتد عليهم أن تقطع يد امرأة منهم، فبين - ﷺ - أن هلاك بني إسرائيل، إنما كان في تخصيص رؤساء الناس بالعفو عن العقوبات، وأخبر: أن فاطمة ابنته - التي هي أشرف النساء - لو سرقت - وقد أعاذها الله من ذلك - لَقَطَع يدها؛ لِيُبَيِّن: أن وجوب العدل والتعميم في الحدود، لا يستثنى منه بنتُ الرسول - ﷺ -، فضلًا عن بنت غيره.
٢٦ - عن جندب بن عبد الله البجلي - ﵁ - قال: سمعت النبي - ﷺ - قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «إني أبرأُ إلى الله أنْ يكونَ لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك». [مسلم٥٣٢]
[ ٥٠ ]
وصف - ﷺ - أن الذين كانوا قبلنا كانوا يتخذون قبور الأنبياء والصالحين مساجد، وعقب هذا الوصف بالأمر بحرف الفاء، أن لا يتخذوا القبور مساجد، وقال إنه - ﷺ - ينهانا عن ذلك. ففيه دلالة على أن اتخاذ من قبلنا سبب لنهينا، إما مظهر للنهي، وإما موجب للنهي، وذلك يقتضي: أن أعمالهم دلالة وعلامة على أن الله ينهانا عنها، أو أنها علة مقتضية للنهي.
وعلى التقديرَيْن: يُعلَم أنَّ مخالفتَهم أمر مطلوب للشارع في الجملة، والنهي عن هذا العمل - بلعنة اليهود والنصارى - مستفيض عنه - ﷺ -، ففي الصحيحين، عن عائشة الله وابن عباس - ﵄ - قالا: لما نزل برسول الله - ﷺ - طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه فقال - وهو كذلك ـ: «لعنةُ اللهِ على اليهودِ والنصارى: اتخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد» يحذر ما صنعوا. [البخاري٤٣٥،٤٣٦،مسلم ٥٣١]
وفي الصحيحين - أيضًا - عن عائشة - ﵄ -: أن أم سلمة وأم حبيبة ذكرتا لرسول الله - ﷺ - كنيسة، رأَيْنَها بأرض الحبشة، يقال لها: مارية، وذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فقال رسول الله - ﷺ -: «
[ ٥١ ]
أولئك قومٌ إذا مات فيهم العبدُ الصالح، أو الرجل الصالح، بنَوْا على قبرِه مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرارُ الخلقِ عند الله - ﷿ -.» [البخاري ٤٢٦،مسلم٥٢٨] فهذا التحذير منه واللعن عن مشابهة أهل الكتاب في بناء المسجد، على قبر الرجل الصالح - صريح في النهي عن المشابهة في هذا ودليل على الحذر من جنس أعمالهم، حيث لا يُؤْمَن في سائر أعمالهم أن تكون من هذا الجنس.
ثم من المعلوم ما قد ابتلي به كثير من هذه الأمة، من بناء المساجد على القبور، واتخاذ القبور مساجد بلا بناء، وكلا الأمرين محرمٌ ملعون ٌفاعله بالمستفيض من السنة، وتحريم ذلك ذكره غير واحد من علماء الطوائف، من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، ولهذا كان السلف من الصحابة والتابعين يبالغون في المنع مما يجر إلى مثل هذا.
٢٧ - عن رافع بن خديج قال: قلت: يا رسول الله، إنا لاقوا العدو غدًا، وليس معنا مُدَى، أفنذبح بالقَصَب (١)؟ فقال: «ما أنْهَرَ الدمَ، وذُكِر اسمُ الله عليه، فكُلْ، ليس السن والظفر،
_________________
(١) (*) القَصَب: كل نبات ساقه أنابيب وكعوب ومنه قصب السكر، والكعب: العقدة بين الأنبوبتين.
[ ٥٢ ]
وسأحدثكم عن ذلك، أما السِّنّ: فعظم، وأما الظفر: فمُدَى (١) الحبشة». [البخاري٢٤٨٨، مسلم١٩٦٨]
نهى النبي - ﷺ - عن الذبح بالظفر، معللًا بأنها مُدَى الحبشة، كما علل السِّن: بأنه عظم، فقوله - ﷺ -: «وأما الظفر فمدى الحبشة»، بعد قوله: «وسأحدثكم عن ذلك»، يقتضي أن هذا الوصف - وهو كونه مُدَى الحبشة - له تأثير في المنع: إما أن يكون علة، أو دليلًا على العلة، أو وصفًا من أوصاف العلة، أو دليلها، والحبشة في أظفارهم طول، فيُذَكّون بها دون سائر الأمم، فيجوز أن يكون نَهى عن ذلك: لما فيه من مشابهتهم فيما يختصون به.
٢٨ - في الصحيحين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، قال: البَحِيرة: التي يمنع دَرُّها للطواغيت، فلا يحلبها أحد من الناس، والسائبة: كانوا يسيِّبُونها لآلهتهم، لا يحمل عليها شيء وقال: قال أبو هريرة: قال رسول الله - ﷺ -: «رأيتُ عمرو بن عامر الخزاعي، يجرّ قُصْبَه في النار، كان أول من سيَّب السوائب» [البخاري٣٥٢١، مسلم٢٨٥٦]
_________________
(١) (**) المُدَى: جمع مُدْية وهي السكين.
[ ٥٣ ]
من العلم المشهور: أن عمرو بن لحي هو أول من نصب الأنصاب حول البيت، ويقال: إنه جلبها من البلقاء، من أرض الشام، متشبهًا بأهل البلقاء، وهو أول من سيَّبَ السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحام، فأخبر النبي - ﷺ - أنه رآه: (يجر قُصْبَه في النار)، وهي الأمعاء؛ لأنها تشبه القصب، ومعلوم أن العرب قبله كانوا على ملة أبيهم إبراهيم، على شريعة التوحيد، والحنيفية السمحة، دين أبيهم إبراهيم، فتشبه عمرو بن لحي، وكان عظيم أهل مكة يومئذ، لأن خزاعة كانوا ولاة البيت قبل قريش، وكان سائر العرب متشبهين بأهل مكة؛ لأن فيها بيت الله، وإليها الحج، ما زالوا معظمين من زمن إبراهيم ﵇، فتشبه عمرو بمن رآه في الشام، واستحسن بعقله ما كانوا عليه، ورأى أن في تحريم ما حرمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، تعظيمًا لله ودينًا، فكان ما فعله أصل الشرك في العرب، أهل دين إبراهيم، وأصل تحريم الحلال، وإنما فعله متشبهًا فيه بغيره من أهل الأرض، فلم يزَل الأمر يتزايد، ويتفاقم حتى غلب على أفضل الأرض الشرك بالله - ﷿ -، وتغيير دينه إلى أن بعث الله رسوله - ﷺ - الله فأحيا ملة
[ ٥٤ ]
إبراهيم - ﵇ - وأقام التوحيد، وحلل ما كانوا يحرمونه.
٢٩ - عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار، قال: اهتم النبي - ﷺ - للصلاة، كيف يجمع الناس لها؟ فقيل له: انصُب راية عند حضور الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكروا له القنع، شبور اليهود، فلم يعجبه ذلك، وقال: هو من أمر اليهود، قال فذكروا له الناقوس، قال: هو من فعل النصارى، فانصرف عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه، وهو مهتم لِهَمّ النبي - ﷺ -، فأُرِيَ الأذان في منامه، قال: فغدا على رسول الله - ﷺ -، فأخبره، فقال: يا رسول الله: إني لَبَيْنَ نائمٍ ويقظان، إذا أتاني آتٍ، فأراني الأذان، قال: وكان عمر بن الخطاب - ﵁ - قد رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يومًا، قال: ثم أخبر النبي - ﷺ -، فقال له: «ما منعك أن تخبرنا»؟ فقال: سبقني عبد الله بن زيد، فاستحييت، فقال رسول الله - ﷺ -: «يا بلال قُمْ فانظر ما يأمُرُك به عبد الله بن زيد فافْعَلْهُ»، فأذن بلال. [أبو داود٤٩٨وصححه الألباني]
* لما كره النبي - ﷺ - بوق اليهود المنفوخ بالفم، وناقوس النصارى المضروب باليد، علل هذا بأنه من أمر اليهود، وعلل هذا
[ ٥٥ ]
بأنه من أمر النصارى، لأن ذكر الوصف عقيب الحكم، يدل على أنه علة له، وهذا يقتضي نهيه عن ما هو من أمر اليهود والنصارى.
هذا - مع أن قرن اليهود يقال: أن أصله مأخوذ عن موسى - ﵇ -، وأنه كان يضرب بالبوق في عهده، وأما ناقوس النصارى فمبتدَع، إذ عامة شرائع النصارى، أحدثها أحبارهم ورهبانهم. وهذا يقتضي كراهة هذا النوع من الأصوات مطلقًا في غير الصلاة أيضًا، لأنه من أمر اليهود والنصارى، فإن النصارى يضربون بالنواقيس في أوقات متعددة، غير أوقات عباداتهم. وإنما شعار الدين الحنيف الأذان المتضمن للإعلان بذكر الله، الذي به تفتح أبواب السماء، فتهرب الشياطين، وتنزل الرحمة.
٣٠ - قال رسول الله - ﷺ -: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» [البخاري٥٦٣٢، مسلم٢٠٦٧] وعن عبد الله بن عمرو قال: رأى رسول الله - ﷺ - عليَّ ثوبين معصفَريْن فقال: «إن هذه ثياب الكفار، فلا تلبسها» [مسلم ٢٠٧٧] علل النهي عن لبسها بأنها: من ثياب الكفار، وسواء أراد أنها مما يستحله الكفار، بأنهم يستمتعون
[ ٥٦ ]
بخلاقهم في الدنيا، أو مما يعتاده الكفار لذلك.
كما أنه في الحديث قال: يستمتعون بآنية الذهب والفضة في الدنيا، وهي للمؤمنين في الآخرة، ولهذا كان العلماء، يجعلون اتخاذ الحرير وأواني الذهب والفضة، تشبهًا بالكفار.
ثالثًا: ذكر إجماع الصحابة والسلف على شرعية المخالفة للكفار
والإجماع من وجوه:
الوجه الأول: أن أمير المؤمنين، عمر في الصحابة - ﵃ -، ثم عامة الأئمة بعده، وسائر الفقهاء - جعلوا في الشروط المشروطة على أهل الذمة من النصارى وغيرهم، فيما شرطوه على أنفسهم: أن نوَقِّر المسلمين، ونقوم لهم من مجالسنا، إذا أرادوا الجلوس، ولا نتشبه بهم في شيء، من لباسهم: قلنسوة، أو عمامة أو نعلين، أو فرق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نكتني بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح، ولا نحمله، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجز مقادم رؤوسنا، وأن نلزم زينا حيثما كان، وأن نشد الزنانير (١)، وأن
_________________
(١) (*) الزنار: حزام يشده النصارى على أوساطهم.
[ ٥٧ ]
لا نظهر الصليب على كنائسنا، ولا نظهر صليبًا، ولا كتبًا (١)، في شيء من طرق المسلمين، ولا أسواقهم، ولا نضرب بنواقيسنا في كنائسنا إلا ضربًا خفيًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طرق المسلمين. رواه حرب (٢) بإسناد جيد.
وفي رواية أخرى رواها الخلال: وأن لا نضرب بنواقيسنا إلا ضربًا خفيًا، في جوف كنائسنا، ولا نظهر عليها صليبًا، ولا نرفع أصواتنا في الصلاة، ولا القراءة في كنائسنا، فيما يحضره المسلمون، وأن لا نخرج صليبًا، ولا كتابًا في سوق المسلمين، وأن لا نخرج باعوثًا - والباعوث: يخرجون يجتمعون كما يخرج يوم الأضحى والفطر - ولا شعانينا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في أسواق المسلمين، وأن لا نجاورهم بالخنازير، ولا نبيع الخمور - إلى أن قال: وأن نلزم زينا حيثما كنا، وأن لا نتشبه بالمسلمين في لبس قلنسوة ولا عمامة، ولا نعلين، ولا فَرْق شعر، ولا في مراكبهم، ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتني بكناهم، وأن نجز
_________________
(١) (**) أي: من كتب دينهم.
(٢) () هو حرب بن إسماعيل الكرماني، رجل جليل من أتباع الإمام أحمد بن حنبل.
[ ٥٨ ]
مقادم رؤوسنا، ولا نفرق نواصينا، ونشد الزنانير على أوساطنا.
وهذه الشروط أشهر شيء في كتب الفقه والعلم، وهي مجمَع عليها - في الجملة - بين العلماء من الأئمة المتبوعين، وأصحابهم، وسائر الأئمة، ولولا شهرتها عند الفقهاء لذكرنا ألفاظ كل طائفة فيها، وهي أصناف: ١ - ما مقصوده التمييز عن المسلمين، في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام، ونحوها، ليتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه أحدهما بالآخر في الظاهر، ولم يرض عمر - ﵁ - والمسلمون بأصل التمييز، بل بالتمييز في عامة الهدي، على تفاصيل معروفة في غير هذا الموضع. وذلك يقتضي: إجماع المسلمين على التمييز عن الكفار ظاهرًا، وترك التشبه بهم.
كذلك الشروط التي شرطها عمر بن عبد العزيز تقتضي منعهم من التشبه بالمسلمين. وكذلك فعل جعفر بن محمد بن هارون المتوكل بأهل الذمة في خلافته، واستشار في ذلك الإمام أحمد بن حنبل، وغيره، وعهوده في ذلك، وجوابات أحمد بن حنبل له معروفة.
[ ٥٩ ]
٢ - ما يعود بإخفاء منكرات دينهم، وترك إظهارها، كمنعهم من إظهار الخمر والناقوس، والنيران والأعياد، ونحو ذلك.
٣ - ما يعود بإخفاء شعار دينهم، كأصواتهم بكتابهم.
فاتفق عمر - ﵁ - - والمسلمون معه، وسائر العلماء بعدهم ومن وفقه الله تعالى من ولاة الأمور - على منعهم من أن يُظهِروا في دار الإسلام شيئًا مما يختصون به، مبالغة في أن لا يظهروا في دار الإسلام خصائص المشركين، فكيف إذا عملها المسلمون وأظهروها؟.
٤ - ما يعود بترك إكرامهم، وإلزامهم الصغار الذي شرعه الله تعالى.
ومن المعلوم: أن تعظيم أعيادهم، ونحوها - بالموافقة فيها - نوعٌ من إكرامهم، فإنهم يفرحون بذلك، ويُسَرّون به، كما يغتمّون بإهمال أمر دينهم الباطل.
الوجه الثاني من دلائل الإجماع: أن هذه القاعدة، قد أمر بها غير واحد، من الصحابة والتابعين، في أوقات متفرقة، وقضايا متعددة، وانتشرت ولم ينكرها منكر:
١ - عن قيس بن أبي حازم قال: «دخل أبو بكر الصديق - ﵁ -،
[ ٦٠ ]
على امرأة من أحمس، يقال لها زينب فرآها لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ قالوا: حجت مصمتة، فقال لها تكلمي، فإن هذا لا يحِلّ، هذا عمل الجاهلية، فتكلمت» [البخاري٣٨٣٤] فأخبر أبو بكر: أن الصمت المطلق لا يحل، وعقَّب ذلك بقوله: هذا من عمل الجاهلية، قاصدًا بذلك عيب هذا العمل، وذمه.
وتعقيب الحكم بالوصف: دليل على أن الوصف علة، ولم يشرع في الإسلام؛ فيدخل في هذا: كل ما اتخذ من عبادة، مما كان أهل الجاهلية يتعبدون به، ولم يشرع الله التعبد به في الإسلام، وإن لم ينوِّهْ عنه بعينه، كالمكاء والتصدية، فإن الله تعالى قال عن الكافرين: ﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] والمكاء: الصفير ونحوه. والتصدية: التصفيق. فاتخاذ هذا قربة وطاعة من عمل الجاهلية، الذي لم يشرع في الإسلام.
وكذلك: بروز المُحرِم وغيرُه للشمس، حتى لا يستظل بظل، أو ترك الطواف بالثياب المتقدمة، أو ترك كل ما عمل في غير الحرم، ونحو ذلك من أمور الجاهلية التي كانوا يتخذونها عبادات، وإن كان قد جاء نهي خاص في عامة هذه الأمور، بخلاف السعي
[ ٦١ ]
بين الصفا والمروة، وغيره من شعائر الحج، فإن ذلك من شعائر الله، وإن كان أهل الجاهلية قد كانوا يفعلون ذلك في الجملة.
٢ - روى مسلم في صحيحه، عن عمر بن الخطاب: أنه كتب إلى المسلمين المقيمين ببلاد فارس: إياكم وزيّ أهل الشرك. [مسلم٢٠٦٩]
٣ - روى ابن أبي عاصم أن معاوية قال: إن تسوية القبور من السنة، وقد رفعت اليهود والنصارى، فلا تشبهوا بهم. [قال الألباني: إسناده صحيح]
يشير معاوية إلى ما رواه مسلم في صحيحه، عن فضالة بن عبيد: أنه أمر بقبر فسُوّي، ثم قال: «سمعت رسول الله - ﷺ - يأمر بتسويتها» [مسلم ٩٦٨]
٤ - روى البخاري عن مسروق عن عائشة - ﵄ -:أنها كانت تكره أن يجعل يده في خاصرته، وتقول: «إن اليهود تفعله». [البخاري٣٤٥٨] وهذا الباب فيه كثرة عن الصحابة.
وهذه القضايا التي ذكرناه: بعضها في مظنة الاشتهار، وما علمنا أحدًا خالف ما ذكرناه عن الصحابة - ﵃ - من كراهة التشبه بالكفار والأعاجم في الجملة.
[ ٦٢ ]
الوجه الثالث في تقرير الإجماع: ما ذكره عامة علماء الإسلام من المتقدمين، والأئمة المتبوعين وأصحابهم في تعليل النهي عن أشياء بمخالفة الكفار، أو مخالفة النصارى، أو مخالفة الأعاجم، وهو أكثر من أن يمكن استقصاؤه، وما من أحد له أدنى نظر في الفقه إلا وقد بلغه من ذلك طائفة، وهذا بعد التأمل والنظر، يورث علمًا ضروريًا، باتفاق الأئمة، على النهي عن موافقة الكفار والأعاجم، والأمر بمخالفتهم.