أحدهما: مع العلم بأن هذا العمل هو من خصائص دينهم، فهذا العمل الذي هو من خصائص دينهم: إما أن يفعل لمجرد موافقتهم - وهو قليل - وإما لشهوة تتعلق بذلك العمل، وإما لشبهة فيه تخيل أنه نافع في الدنيا أو الآخرة - وكل هذا لا شك في تحريمه،
[ ١٠٣ ]
لكن يبلغ التحريم في بعضه إلى أن يكون من الكبائر، وقد يصير كفرًا بحسب الأدلة الشرعية.
الثاني: عمل لم يعلم الفاعل أنه من عملهم وهو نوعان:
أ- ما كان في الأصل مأخوذًا عنهم، إما على الوجه الذي يفعلونه، وإما مع نوع تغيير في الزمان أو المكان أو الفعل ونحو ذلك، فهذا غالب ما يُبتَلَى به العامة، في مثل ما يصنعونه في الخميس الحقير، والميلاد ونحوهما، فإنهم قد نُشِّئوا على اعتياد ذلك، وتلقاه الأبناء عن الآباء، وأكثرهم لا يعلمون مبدأ ذلك، فهذا يعرف صاحبه حكمه، فإنْ لم يَنْتَه وإلا صار من القسم الأول.
ب- ما ليس في الأصل مأخوذًا عنهم، لكنهم يفعلونه أيضًا، فهذا ليس فيه محذور المشابهة، ولكن قد يفوت فيه منفعة المخالفة، فتتوقف كراهة ذلك وتحريمه على دليل شرعي وراء كونه من مشابهتهم، إذ ليس كوننا تشبهنا بهم بأولى من كونهم تشبهوا بنا، فأما استحباب تركه لمصلحة المخالفة إذا لم يكن في تركه ضرر، فظاهر لما تقدم من المخالفة، وهذا قد توجب الشريعة مخالفتهم
[ ١٠٤ ]
فيه، وقد توجب عليهم مخالفتنا: كما في الزي ونحوه، وقد يقتصر على الاستحباب، كما في صبغ اللحية والصلاة في النعلين، وقد تبلغ الكراهة، كما في تأخير المغرب والفطور، بخلاف مشابهتهم فيما كان مأخوذًا عنهم، فإن الأصل فيه التحريم كما قدمناه.
حريم العيد
العيد: اسم جنس يدخل فيه كل يوم أو مكان لهم فيه اجتماع، وكل عمل يحدثونه في هذه الأمكنة والأزمنة، فليس النهي عن خصوص أعيادهم، بل كل ما يعظمونه من الأوقات والأمكنة التي لا أصل لها في دين الإسلام، وما يحدثونه فيها من الأعمال يدخل في ذلك.
وكذلك حريم العيد: وهو ما قبله وما بعده من الأيام التي يحدثون فيها أشياء لأجله، أو ما حوله من الأمكنة التي يحدث فيها أشياء لأجله، أو ما يحدث بسبب أعماله من الأعمال حكمها حكمه فلا يفعل شيء من ذلك، فإن بعض الناس قد يمتنع من إحداث أشياء في أيام عيدهم، كيوم الخميس والميلاد ويقول لعياله: إنما أصنع لكم هذا في الأسبوع، أو الشهر الآخر، وإنما المحرك على
[ ١٠٥ ]
إحداث ذلك وجود عيدهم، ولولا هو لم يقتضوا ذلك. فهذا أيضًا من مقتضيات المشابهة. لكن يحال الأهل على عيد الله ورسوله ويقضي لهم فيه من الحقوق ما يقطع استشرافهم إلى غيره، فإن لم يرضوا فلا حول ولا قوة إلا بالله، ومن أغضب أهله لله، أرضاه الله وأرضاهم.
وليحذر العاقل من طاعة النساء في ذلك، ففي الصحيحين عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما تركتُ بعدي فتنةً أضَرّ على الرجال من النساء». [البخاري٥٠٩٦، مسلم٢٧٤٠]
وأكثر ما يفسد الملك والدول، طاعة النساء، وفي صحيح البخاري، عن أبي بكرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» [البخاري٧٠٩٩]
هل يجب على المسلم أن يعرف أعياد الكفار؟
أعياد الكفار كثيرة مختلفة، وليس على المسلم أن يبحث عنها، ولا يعرفها، بل يكفيه أن يعرف في أي فعل من الأفعال أو يوم، أو مكان، أو سبب هذا الفعل أو تعظيم هذا المكان أو الزمان من جهتهم، ولو لم يعرف أن سببه من جهتهم، فيكفيه أن يعلم أنه لا
[ ١٠٦ ]
أصل له في دين الإسلام، فإنه إذا لم يكن له أصل فإما أن يكون قد أحدثه بعض الناس من تلقاء نفسه، أو يكون مأخوذًا عنهم، فأقل أحواله: أن يكون من البدع.
ونحن ننبه على ما رأينا كثيرًا من الناس قد وقعوا فيه، فمن ذلك: الخميس الحقير، الذي في آخر صومهم، فإنه يوم عيد المائدة فيما يزعمون، ويسمونه عيد العشاء. وهو الأسبوع الذي يكون فيه من الأحد إلى الأحد - هو عيدهم الأكبر، فجميع ما يحدثه الإنسان فيه من المنكرات.
فمنه: خروج النساء: وتبخير القبور. ووضع الثياب على السطح. وكتابة الورق وإلصاقها بالأبواب، واتخاذه موسمًا لبيع البخور وشرائه وكذلك شراء البخور في ذلك الوقت، إذ اتخذ وقتًا للبيع، ورقى البخور مطلقًا في ذلك الوقت، أو في غيره أو قصد شراء البخور المرقي، فإن رقى البخور واتخاذه قربانًا هو دين النصارى والصابئين، وإنما البخور طيب يتطيب بدخانه كما يتطيب سائر الطيب من المسك وغيره، مما له أجزاء بخارية، وإن لطفت، أو له رائحة محضة، ويستحب التبخر حيث يستحب التطيب.
[ ١٠٧ ]
وكذلك اختصاصه بطبخ رُزّ بلبن، أو بسيسة، أو عدس، أو صبغ، أو بيض، ونحو ذلك. فأما القمار بالبيض، أو بيع البيض لمن يقامر به، أو شراؤه من المقامرين فحكمه ظاهر.
ومن ذلك ما يفعله الأَكَّارُون (١)، من نكت البقر بالنقط الحمر، أو نكت الشجر أيضًا، أو جمع أنواع من النبات والتبرك بها، والاغتسال بمائها، ومن ذلك ما قد يفعله النساء من أخذ ورق الزيتون، والاغتسال بمائه، أو قصد الاغتسال في شيء من ذلك، فإن أصل ذلك ماء المعمودية.
ومن ذلك ترك الوظائف الراتبة: من الصنائع، والتجارات، أو حلق العلم، أو غير ذلك، واتخاذه يوم راحة وفرح، واللعب فيه بالخيل أو غيرها، على وجه يخالف ما قبله وما بعده من الأيام.
والضابط: أنه لا يحدث فيه أمر أصلا، بل يجعل يومًا كسائر الأيام، فإنا قد قدمنا عن النبي - ﷺ - أنه نهاهم عن اليومين اللذين كانا لهم يلعبون فيهما في الجاهلية. وأنه - ﷺ - نهى عن الذبح بالمكان إذا كان المشركون يعيّدون فيه.
ومن ذلك ما يفعله كثير من الناس، في أثناء الشتاء، في أثناء كانون الأول لأربع وعشرين خلت منه، ويزعمون أنه ميلاد عيسى - ﵇ -، فجميع ما يحدث فيه هو من المنكرات، مثل إيقاد النيران، وإحداث طعام، واصطناع شمع وغير ذلك. فإن اتخاذ هذا الميلاد عيدًا هو دين النصارى، ليس لذلك أصل في دين الإسلام، ولم يكن لهذا الميلاد ذكر أصلًا، على عهد السلف الماضين، بل أصله مأخوذ عن النصارى، وانضم إليه سبب طبيعي وهو كونه في الشتاء المناسب لإيقاد النيران، وأنواع مخصوصة من الأطعمة.
ثم إن النصارى تزعم أنه بعد الميلاد بأيام - أظنها أحد عشر يومًا - عمد يحيى لعيسى سدد خطاكمفي ماء المعمودية، فهم يتعمدون في هذا الوقت ويسمونه: عيد الغطاس. وقد صار كثير من جهال النساء يدخلن أولادهن إلى الحمام في هذا الوقت، ويزعمن أن هذا ينفع الولد وهذا من دين النصارى، وهو من أقبح المنكرات المحرمة.
وكذلك أعياد الفرس مثل: النيروز والمهرجان. وأعياد اليهود أو غيرهم من أنواع الكفار، أو الأعاجم أو الأعراب، حكمها كلها على ما ذكرناه من قبل.
_________________
(١) (*) الأكَّار: الحراث.
[ ١٠٨ ]
حكم إعانة المسلمين المتشبهين بالكفار في أعيادهم:
وكما لا نتشبه بهم في الأعياد، فلا يُعَان المسلم المتشبه بهم في ذلك. بل ينهى عن ذلك، فمن صنع دعوة مخالفة للعادة في أعيادهم لم تُجَبْ دعوتُه، ومن أهدى من المسلمين هدية في هذه الأعياد، مخالفة للعادة في سائر الأوقات، غير هذا العيد، لم تُقْبل هديته، خصوصًا إن كانت الهدية مما يستعان بها على التشبه بهم. مثل إهداء الشمع ونحوه، في الميلاد. أو إهداء البيض واللبن والغنم في الخميس الصغير، الذي في آخر صومهم. وكذلك أيضًا لا يهدى لأحد من المسلمين في هذه الأعياد هدية لأجل العيد، لا سيما إذا كان مما يستعان به على التشبه بهم كما ذكرناه.
ولا يبيع المسلم ما يستعين به المسلمون على مشابهتهم في العيد، من الطعام واللباس ونحو ذلك، لأن في ذلك إعانة على المنكر فأما مبايعتهم ما يستعينون هم به على عيدهم، أو شهود أعيادهم للشراء فيها، فقد قيل للإمام أحمد: هذه الأعياد التي تكون عندنا بالشام مثل طور يانور، ودير أيوب، وأشباهه، يشهده المسلمون، يشهدون الأسواق، ويجلبون فيه الغنم والبقر والدقيق والبر، وغير
[ ١١٠ ]
ذلك، إلا أنه إنما يكون في الأسواق يشترون، ولا يدخلون عليهم بيعهم، وإنما يشهدون الأسواق، قال إذا لم يدخلوا عليهم بيعهم، وإنما يشهدون السوق فلا بأس.
فما أجاب به أحمد من جواز شهود السوق فقط للشراء منها، من غير دخول الكنيسة ليس فيه شهود منكر، ولا إعانة على معصية، لأن نفس الابتياع منهم جائز، ولا إعانة فيه على المعصية، بل فيه صرف لما لعلهم يبتاعونه لعيدهم عنهم، فيكون فيه تقليل الشر، وقد كانت أسواق في الجاهلية، كان المسلمون يشهدونها، وشهد بعضها النبي - ﷺ -، ومن هذه الأسواق ما كان يكون في مواسم الحج، ومنها ما كان يكون لأعياد باطلة.
وأيضًا، فإن أكثر ما في السوق، أن يباع فيها ما يستعان به على المعصية، فهو كما لو حضر الرجل سوقًا يباع فيها السلاح لمن يقتل به معصومًا أو العصير لمن يخمره، فحضرها الرجل ليشتري منها، بل هذا أجود، لأن البائع في هذه السوق ذمي، وقد أقروا على هذه المبايعة.
ثم إن الرجل لو سافر إلى دار الحرب ليشتري منها، جاز
[ ١١١ ]
عندنا، كما دل عليه حديث تجارة أبي بكر - ﵁ -، في حياة رسول الله - ﷺ - إلى أرض الشام، وهي دار حرب، مع أنه لا بد أن تشتمل أسواقهم على بيع ما يستعان به على المعصية.
بيع المسلمين للكفار في أعيادهم، ما يستعينون به على عيدهم:
فأما بيع المسلمين لهم في أعيادهم، ما يستعينون به على عيدهم، من الطعام واللباس، والريحان ونحو ذلك، أو إهداء ذلك لهم، فهذا فيه نوع إعانة على إقامة عيدهم المحرم، وهو مبني على أصل. وهو: أن بيع الكفار عنبًا أو عصيرًا يتخذونه خمرًا لا يجوز، وكذلك لا يجوز بيعهم سلاحًا يقاتلون به مسلمًا.
وقد دل حديث عمر - ﵁ -، في إهداء الحلة السيراء إلى أخ له بمكة مشرك. [المسند٥٧٩٧وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح]، على جواز بيعهم الحرير، لكن الحرير مباح في الجملة وإنما يحرم الكثير منه على بعض الآدميين، ولهذا جاز التداوي به في أصح الروايتين ولم يجز بالخمر بحال. وجازت صنعته في الأصل والتجارة فيه.
[ ١١٢ ]
مسألة: سُئل ابن القاسم (١) عن النصراني يوصي بشيء يباع من ملكه للكنيسة هل يجوز لمسلم شراؤه؟ فقال: لا يحل ذلك له، لأنه تعظيم لشعائرهم وشرائعهم ومشتريه مسلم سوء. وقال ابن القاسم في أرض الكنيسة يبيع الأسقف منها شيئًا في مرمتها، وربما حبست تلك الأرض على الكنيسة لمصلحتها: إنه لا يجوز للمسلمين أن يشتروها من وجهين: الواحد: من العون على تعظيم الكنيسة.
والآخر: من جهة بيع الحبس، ولا يجوز لهم في أحباسهم إلا ما يجوز للمسلمين. ولا أرى لحاكم المسلمين أن يتعرض فيها بمنع ولا تنفيذ ولا بشيء.
مسألة: سُئل ابن القاسم عن الركوب في السفن التي تركب فيها النصارى إلى أعيادهم. فكره ذلك مخافة نزول السخطة عليهم بشركهم الذي اجتمعوا عليه.
مسألة: قال عبد الملك بن حبيب: كره ابن القاسم للمسلم يهدي للنصارى شيئًا في عيدهم مكافأة لهم، ورآه من تعظيم عيدهم وعونًا لهم على مصلحة كفرهم، ألا ترى أنه لا يحِلُّ للمسلمين أن
_________________
(١) (*) من كبار علماء المالكية.
[ ١١٣ ]
يبيعوا من النصارى شيئًا من مصلحة عيدهم؟ لا لحمًا، ولا إدامًا، ولا ثوبًا، ولا يعارون دابة، ولا يُعَاوَنون على شيء من عيدهم؛ لأن ذلك من تعظيم شركهم، ومن عونهم على كفرهم. وينبغي للسلاطين أن ينهوا المسلمين عن ذلك. وهو قول مالك وغيره، لم أعلمه اختُلِف فيه.
وقد ذكر ابن حبيب أنه قد اجتمع على كراهة مبايعتهم ومهاداتهم ما يستعينون به على أعيادهم، وقد صرح بأن مذهب مالك: أنه لا يحل ذلك.
قال إسحاق بن إبراهيم: سئل أبو عبد الله (١) عن نصارى، وقفوا ضيعة للبيعة: أيستأجرها الرجل المسلم منهم؟ قال: لا يأخذها بشيء، لا يعينهم على ما هم فيه.
وقال أيضًا: سمعت أبا عبد الله - وسأله رجل بنَّاء: أبْني للمجوس ناووسًا (٢)؟ قال: «لا تَبْنِ لهم، ولا تُعِنْهم على ما هم فيه».
_________________
(١) الإمام أحمد بن حنبل
(٢) (*) الناووس: صندوق من خشب ونحوه يضعون فيه جثة الميت.
[ ١١٤ ]
وقد نقل عنه محمد بن الحكم، وسأله عن الرجل المسلم يحفر لأهل الذمة قبرًا بِكِراء (١) - قال: «لا بأس فيه». والفرق بينهما: أن الناووس من خصائص دينهم الباطل كالكنيسة. بخلاف القبر المطلق فإنه ليس في نفسه معصية، ولا من خصائص دينهم.
وقال أيضًا في نصارى أوقفوا ضيعة لهم للبيعة: «لا يستأجرها الرجل المسلم منهم، يعينهم على ما هم فيه».
ومثل هذا ما اشترى من المال الموقوف للكنيسة أو الموصى لها به، أو باع آلات يبنون بها كنيسة ونحو ذلك. والمنع هنا أشد؛ لأن نفس هذا المال الذي يبذله يصرف في المعصية، فهو كبيع العصير لمن يتخذه خمرًا.
وأما مذهب أحمد في الإجارة لعمل ناووس ونحوه، فقال الآمدي: لا يجوز، رواية واحدة، لأن المنفعة المعقود عليها محرمة، وكذلك الإجارة لبناء كنيسة أو بيعة، أو صومعة، كالإجارة لكتبهم المحرفة.
فإذا عرف أصل أحمد في هذه المسائل، فمعلوم أن ما يبتاعونه
_________________
(١) (**) كراء: أجر.
[ ١١٥ ]
من الطعام واللباس، ونحو ذلك، يستعينون به على العيد. إذ العيد اسم لما يفعل من العبادات والعادات، وهذا إعانة على ما يقام من العادات، لكن لما كان جنس الأكل والشرب واللباس، ليس محرما في نفسه، بخلاف شرب الخمر، فإنه محرم في نفسه.
فإن كان ما يبتاعونه يفعلون به نفس المحرم: مثل صليب، أو شعانين، أو معمودية، أو تبخير، أو ذبح لغير الله، أو صورة ونحو ذلك، فهذا لا ريب في تحريمه، كبيعهم العصير ليتخذوه خمرا، وبناء الكنيسة لهم، وأما ما ينتفعون فيه في أعيادهم للأكل والشرب واللباس، فأصول أحمد وغيره تقتضي كراهته.
لكن: كراهة تحريم كمذهب مالك، أو كراهة تنزيه؟ والأشبه: أنه كراهة تحريم، كسائر النظائر عنده، فإنه لا يجوز بيع الخبز واللحم والرياحين للفساق الذين يشربون عليها الخمر، ولأن هذه الإعانة تفضي إلى إظهار الدين الباطل وكثرة اجتماع الناس لعيدهم وظهوره. وهذا أعظم من إعانة شخص معين.
حكم قبول الهدية من أهل الذمة يوم عيدهم، وما ورد عن السلف في ذلك:
وأما قبول الهدية منهم يوم عيدهم: فعن علي - ﵁ -: أنه أتي بهدية
[ ١١٦ ]
النيروز فقبلها. [إسناده ضعيف] وروى ابن أبي شيبة عن قابوس عن أبيهأن امرأة سألت عائشة، قالت: إن لنا أظآرا (١) من المجوس، وإنه يكون لهم العيد فيهدون لنا، قالت: «أما ما ذُبِح لذلك اليوم فلا تأكلوا، ولكن كلوا من أشجارهم». [إسناده ضعيف] وقال: حدثنا وكيع، عن الحسن بن حكيم عن أمه، عن أبي برزة: أنه كان له سكان مجوس، فكانوا يهدون له في النيروز والمهرجان، فكان يقول لأهله: ما كان من فاكهة فكلوه، وما كان من غير ذلك فردوه. [إسناده ضعيف] فهذا كله يدل على أنه لا تأثير للعيد في المنع من قبول هديتهم، بل حكمها في العيد وغيره سواء، لأنه ليس في ذلك إعانة لهم على شعائر كفرهم. وإنما يجوز أن يؤكل من طعام أهل الكتاب في عيدهم، بابتياع أو هدية، أو غير ذلك مما لم يذبحوه للعيد. فأما ذبائح المجوس فالحكم فيها معلوم، فإنها حرام عند العامة.
_________________
(١) (*) الأظآر جمع ظئر، وهي المرضعة لغير ولدها، ويطلق على زوجها أيضًا، ولعل المقصود بالأظآر هنا: الأقارب من الرضاعة.
[ ١١٧ ]
حكم ذبيحتهم يوم عيدهم:
ما ذبحه أهل الكتاب لأعيادهم، وما يتقربون بذبحه إلى غير الله - نظير ما يذبح المسلمون هداياهم، وضحاياهم متقربين بها إلى الله تعالى. وذلك مثل: ما يذبحون للمسيح والزهرة - عن أحمد روايتان: أشهرهما في نصوصه: أنه لا يباح أكله، وإن لم يسم عليه غير الله تعالى. ونقل النهي عن ذلك، عن عائشة وعبد الله بن عمر.
صوم أعياد الكفار
صوم أيام أعياد الكفار مفردة بالصوم، كصوم يوم النيروز والمهرجان- وهما يومان يعظمهما الفرس- قد اختلف فيهما؛ لأجل أن المخالفة تحصل بالصوم، أو بترك تخصيصه بعمل أصلًا.
صوم يوم السبت: عن عبد الله بن بسر السلمي، عن أخته الصماء أن النبي - ﷺ - قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افتُرِض عليكم وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب، أو عود شجرة - وفي لفظ: إلا عود عنب أو لحاء شجرة - فليمضغه» [أبوداود٢٤٢١ وصححه الألباني]
وقد اختلف الأصحاب وسائر العلماء فيه. قال أبو بكر الأثرم:
[ ١١٨ ]
وسمعت أبا عبد الله يُسْأل عن صيام يوم السبت يفترد به. فقال: أما صيام يوم السبت يفترد به فقد جاء في ذلك الحديث حديث الصماء، يعني حديث ثور عن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر، عن أخته الصماء، عن النبي - ﷺ - «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم»، قال أبو عبد الله: «وكان يحيى بن سعيد يتَّقيه، وأبَى أن يحدثني به، وقد كان سمعه من ثور. قال: فسمعتُه من أبي عاصم. قال الأثرم: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صوم يوم السبت: أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبد الله بن بسر. منها حديث أم سلمة حين سئلت: أي الأيام كان رسول الله - ﷺ - أكثر صيامًا لها. فقالت: السبت والأحد». [ابن خزيمة ٢١٦٧وقال الألباني: إسناده حسن] ومنها حديث جويريةأن النبي - ﷺ - قال لها يوم الجمعة: «أصُمْتِ أمس؟» قالت: لا، قال: «تريدين أن تصومي غدًا؟» [البخاري١٩٨٦] فالغد هو يوم السبت.
وحديث نَهْى النبي - ﷺ - عن صوم يوم الجمعة، إلا بيوم قبله أو يوم بعده. [البخاري١٩٨٥،مسلم١١٤٤] فاليوم الذي بعده هو يوم السبت. ومنها أنه أمر بصوم المحرم، [مسلم١١٦٣] وفيه يوم السبت،
[ ١١٩ ]
وقال: «من صام رمضان، وأتبعه بست من شوال». [مسلم١١٦٤] وقد يكون فيها السبت.
وأمر بصيام البيض، [البخاري١٩٨١] وقد يكون فيها السبت. ومثل هذا كثير. فهذا الأثرم، فهم من كلام أبي عبد الله، أنه توقف عن الأخذ بالحديث، وأنه رخص في صومه، حيث ذكر الحديث الذي يحتج به في الكراهة، وذكر أن الإمام في علل الحديث، يحيى بن سعيد، كان يتقيه، وأبَى أن يحَدِّث به، فهذا تضعيف للحديث. واحتج الأثرم بما دل من النصوص المتواترة، على صوم يوم السبت ولا يقال: يحمل النهي على إفراده، لأن لفظه: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم» والاستثناء دليل التناول، وهذا يقتضي أن الحديث عمَّ صومه على كل وجه، وإلا لو أُريدَ إفرادُه لمَا دخل الصوم المفروض ليُستَثْنَي فإنه لا إفراد فيه؛ فاستثناؤه دليل على دخول غيره، بخلاف يوم الجمعة، فإنه بين أنه إنما نهى عن إفراده. وعلى هذا، فيكون الحديث: إما شاذًا غير محفوظ، وإما منسوخًا. وهذه طريقة قدماء أصحاب أحمد الذين صحبوه، كالأثرم وأبي داود.
[ ١٢٠ ]
وأما أكثر أصحابنا ففهموا من كلام أحمد الأخذ بالحديث وحمله على الإفراد، فإنه سئل عن عين الحكم. فأجاب بالحديث، وجوابه بالحديث يقتضي اتباعه. وما ذكره عن يحيى إنما هو بيان ما وقع فيه من الشبهة، وهؤلاء يكرهون إفراده بالصوم، عملًا بهذا الحديث، لجودة إسناده، وذلك موجب للعمل به، وحملوه على الإفراد كيوم الجمعة، وشهر رجب.
وعلى هذا، فيكون قوله - ﷺ -: «لا تصوموا يوم السبت» أي لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض، فإن الرجل يقصد صومه بعينه، بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت، كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت، فإنه يصومه وحده.
وأيضًا فقَصْدُه بعينه في الفرض لا يكره، بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره، ولا تزول الكراهة إلا بضَمّ غيره إليه أو موافقته عادة، فالمزيل للكراهة في الفرض، مجرد كونه فرضًا، لا المقارنة بينه وبين غيره. وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه، أو موافقته عادة، ونحو ذلك. وقد يقال: الاستثناء أخرج بعض صور الرخصة، وأخرج الباقي بالدليل.
[ ١٢١ ]
صوم النيروز والمهرجان ونحوها من أعياد المشركين
وأما النيروز والمهرجان ونحوهما من أعياد المشركين، فمن لم يكره صوم يوم السبت من الأصحاب وغيرهم، قد لا يكره صوم ذلك اليوم، بل ربما يستحبه لأجل مخالفتهم وكرههما أكثر الأصحاب.
وعللوا ذلك بأنهما يومان تعظمهما الكفار، فيكون تخصيصهما بالصيام دون غيرهما موافقة لهم في تعظيمهما، فكره، كيوم السبت. قال الإمام أبو محمد المقدسي: وعلى قياس هذا، كل عيد للكفار، أو يوم يفردونه بالتعظيم. وقد يقال: يكره صوم يوم النيروز والمهرجان، ونحوهما من الأيام التي لا تعرف بحساب العرب. بخلاف ما جاء في الحديث من يوم السبت والأحد لأنه إذا قصد صوم مثل هذه الأيام العجمية، أو الجاهلية، كان ذريعة إلى إقامة شعار هذه الأيام وإحياء أمرها، وإظهار حالها بخلاف السبت والأحد، فإنهما من حساب المسلمين. فليس في صومهما مفسدة، فيكون استحباب صوم أعيادهم المعروفة بالحساب العربي الإسلامي، مع كراهة الأعياد المعروفة بالحساب الجاهلي العجمي، توفيقًا بين الآثار. والله أعلم.
[ ١٢٢ ]
الأعياد والمواسم المبتدعة
ومن المنكرات في هذا الباب: سائر الأعياد والمواسم المبتدعة، فإنها من المنكرات المكروهات، سواء بلغت الكراهة التحريم أو لم تبلغه. وذلك أن أعياد أهل الكتاب والأعاجم نهي عنها لسببين: أحدهما: أن فيها مشابهة الكفار. والثاني: أنها من البدع. فما أحدث من المواسم والأعياد هو منكر، وإن لم يكن فيها مشابهة لأهل الكتاب، لوجهين:
أحدهما: أن ذلك داخل في مسمى البدع المحدثات، فيدخل فيما رواه مسلم في صحيحه، عن جابر - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش .. يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: «بعثت أنا والساعة كهاتين» - ويقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى - ويقول: «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». [مسلم٨٦٧]
وفيما رواه أيضًا في الصحيح عن عائشة - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من عمل عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدّ» [مسلم١٧١٨] وفي
[ ١٢٣ ]
لفظ في الصحيحين: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». [البخاري٢٦٩٧،مسلم١٧١٨] وفي الحديث الصحيح عن العرباض بن سارية عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». [أبو داود٤٦٠٧، ابن ماجه٤٢وصححه الألباني]
وهذه قاعدة قد دلت عليها السنة والإجماع، مع ما في كتاب الله من الدلالة عليها أيضًا. قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللهُ﴾ [الشورى:٢٢] فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، أو أوجبه بقوله أو بفعله، من غير أن يشرعه الله؛ فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله. ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكًا لله شرع من الدين ما لم يأذن به الله.
نعم، قد يكون متأولًا في هذا الشرع، فيُغفَر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهدًا الاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ ويثاب أيضًا على اجتهاده، لكن لا يجوز اتباعه في ذلك، كما لا يجوز اتباع سائر من قال أو عمل، قولًا أو عملًا، قد علم الصواب في خلافه، وإن
[ ١٢٤ ]
كان القائل أو الفاعل مأجورًا أو معذورًا.
وقد قال سبحانه: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣١] قال عدي بن حاتم للنبي - ﷺ -: يا رسول الله، ما عبدوهم. قال: «ما عبدوهم، ولكن أحلوا لهم الحرام فأطاعوهم، وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم»، [الترمذي ٣٣٠٦، البيهقي ١٠/ ١١٦وحسنه الألباني] فمن أطاع أحدًا في دين لم يأذن به الله في تحليل أو تحريم أو استحباب أو إيجاب فقد لحقه من هذا الذم نصيب، كما يلحق الآمر الناهي أيضًا نصيب. ثم قد يكون كل منهما معفوًا عنه لاجتهاده، ومثابًا أيضًا على الاجتهاد، فيتخلف عنه الذم لفوات شرطه، أو لوجود مانعه، وإن كان المقتضي له قائمًا. ويلحق الذم مَنْ تَبَيَّنَ له الحق فتركه، أو من قصّر في طلبه حتى لم يتبين له، أو أعرض عن طلب معرفته لهوى، أو لكسل، أو نحو ذلك.
وأيضًا: فإن الله تعالى عاب على المشركين شيئين:
أحدهما: أنهم أشركوا به ما لم ينزل به سلطانًا، والثاني: تحريمهم
[ ١٢٥ ]
ما لم يحرمه عليهم.
وبين النبي - ﷺ - ذلك فيما رواه مسلم عن عياض بن حمار - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «قال الله تعالى: إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالَتْهم الشياطين، وحرمَتْ عليهم ما أحلَلْتُ لهم، وأمرَتْهُم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا». [مسلم٢٨٦٥]
قال سبحانه: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام:١٤٨] فجمعوا بين الشرك والتحريم، والشرك يدخل فيه كل عبادة لم يأذن الله بها، فإن المشركين يزعمون أن عبادتهم: إما واجبة، وإما مستحبة، وأن فعلها خير من تركها.
ثم مِنهم مَن عبد غير الله، ليتقرب بعبادته إلى الله. ومنهم من ابتدع دينًا عبدوا به الله، في زعمهم، كما أحدثته النصارى من أنواع العبادات المحدثة.
وأصل الضلال في أهل الأرض إنما نشأ من هذين:
١ - إما اتخاذ دين لم يشرعه الله. ٢ - أو تحريم ما لم يحرمه الله.
ولهذا كان الأصل الذي بنى الإمام أحمد وغيره من الأئمة عليه
[ ١٢٦ ]