الشفاعات الخاصة بالنبي ﷺ
الشفاعة الكبرى
٣٢. وإنَّ رسولَ اللهِ للخَلْقِ شَافِعٌ … وقُلْ في (^١) عذابِ القبرِ حقٌ (^٢) مُوَضَّحُ
يُشيرُ الناظمُ في قوله: (للخَلْقِ شَافِعٌ) إلى شفاعة النَّبي ﷺ الكبرى العامَّة، ويدخل في عموم قولِ الناظمِ: (للخَلْقِ شَافِعٌ) جميعُ أنواعِ الشفاعات الواردةِ المختصَّةِ بالنبي ﷺ، فهو أوَّلُ شافعٍ وأوَّلُ مُشفَّعٍ ﷺ، وله عدَّةُ شفاعات؛ منها ما هو خاصٌّ به، ومنها ما يشركه فيه غيره، وقد قال ﷺ في الحديث الصحيح: «أُعطيتُ خمسًا -وذكر منها- وأُعطيتُ الشفاعة» (^٣)، وقولُه: «أُعطيتُ الشفاعة» يمكن أن يتناولَ النوعين: الشفاعةَ الكبرى، وهي المقامُ المحمودُ، والشفاعةَ الأخرى المشتركة التي له منها النصيبُ الأوفرُ.
فأمَّا الشفاعةُ الخاصَّةُ بالنبيِّ ﷺ:
فأولاها: الشفاعةُ الكبرى في أهل الموقفِ أن يَفصِلَ بينهم، وهي المقامُ المحمودُ الذي خصَّه اللهُ به في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء]، وهو المذكورُ في قولِه ﷺ: «مَنْ قال حين يسمع النداء: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوةِ التامَّةِ، والصَّلاةِ القائمةِ، آتِ
_________________
(١) في طبعة الشطي، ومحمد عبد السلام: (وإن)، والمثبت من شرح مذاهب أهل السنة لابن شاهين (ص ٣٢٣)، وطبقات الحنابلة (٣/ ١٠١)، وغيرها.
(٢) في طبعة الشطي، ومحمد عبد السلام: (بالحق)، والمثبت من شرح مذاهب أهل السنة لابن شاهين (ص ٣٢٣)، وطبقات الحنابلة (٣/ ١٠١)، وغيرها.
(٣) أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
[ ١٣٣ ]
الشفاعة في أهل الجنة أن يدخلوها
مسائل في فتنة القبر
محمَّدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته؛ حلَّت له شفاعتي يوم القيامة» (^١)، وهذه الشفاعةُ عامَّةٌ، ولا تقتضي نجاةً من النَّار.
والشفاعةُ الثانيةُ: شفاعتُه ﷺ في أهل الجنَّة أن يدخلوا الجنَّة.
وهاتان الشفاعتان خاصَّتان به ﷺ (^٢).
وأمَّا الشفاعةُ في خروج أهلِ التوحيد من النَّار فهي مشتركةٌ لا تختصُّ به، لكن له منها النصيبُ الأوفرُ (^٣)، وقد قال ﷺ: «لكلِّ نبيٍّ دعوةٌ مستجابةٌ، فتعجَّلَ كلُّ نبيٍّ دعوته، وإنِّي اختبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة، فهي نائلةٌ -إن شاء الله- مَنْ مات من أمتي لا يُشركُ بالله شيئًا» (^٤).
وقولُ الناظمِ: (وقُلْ في عذابِ القبرِ حقٌ مُوَضَّحُ): أي: وقل: أيها المسلم إنَّ عذابَ القبرِ حقٌّ.
وقد تقدَّم القولُ فيه (^٥) وكان المناسب تقديم هذا البيت عند قول المؤلف: (ولا تنكرن جهلًا نكيرا ومنكرا)، فيجب الإيمانُ بفتنة القبرِ وعذابِ القبر ونعيمه، ولأهل العلمِ في كتب العقائدِ الجامعةِ وفي المؤلفاتِ الخاصَّةِ عن أمور اليومِ الآخرِ بحوثٌ واسعةٌ ومُفصَّلةٌ بأدلةٍ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦١٤) عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) ينظر: توضيح مقاصد الواسطية (ص ١٨٦).
(٣) وتنظر بقية أنواع الشفاعة وأدلتها في: تهذيب السنن لابن القيم (٣/ ٣١٣ - ٣١٤)، وشرح الطحاوية (١/ ٢٨٢ - ٢٩٣).
(٤) أخرجه البخاري (٦٣٠٤)، ومسلم (١٩٩) -واللفظ له- عن أبي هريرة ﵁.
(٥) تنظر: (ص ١٢٤).
[ ١٣٤ ]
مبسوطةٍ كثيرةٍ، ومن ذلك كتاب «الروح» لابن القيم، فإنه ذكرَ مسائلَ كثيرةً تتعلَّقُ بفتنة القبر، وعذابِ القبر، ونعيمِه. (^١)
وأحوالُ القبورِ وأهوالها مستورةٌ عن البشر مع قربهم منها، فلو فُتح قبرٌ بعد كذا وكذا لمَا ظهر شيءٌ من نعيمه أو عذابه، ولهذا أنكره الزنادقةُ والذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، لأنَّهم لا يحسُّونه ولا يُشاهدونه، وهذا يقتضي أن يُنكروا كلَّ ما أخبر اللهُ به ورسولُه من أمرِ الغيبِ، والإيمانُ المحمودُ الذي أثنى اللهُ على أهله هو الإيمانُ بالغيب، قال اللهُ تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة].
أمَّا الأمورُ المشاهدةُ فليس في الإيمان بها فضلٌ، ولذا لم يوجب اللهُ على العباد أن يؤمنوا بوجود الشمسِ والجبالِ والبحارِ والسماءِ؛ لأنَّها أمورٌ مُشاهدةٌ، وإنَّما أوجب عليهم أن يؤمنوا بما أخبر به في كتابه، وعلى لسان رسولِه ﷺ من الغيوب، تصديقًا لخبره وخبرِ رسولِه ﷺ.
* * *
_________________
(١) الروح (١/ ٢٦٩ - ٢٧٣).
[ ١٣٥ ]