الاختلاف في حكم تارك الصلاة كسلا
٣٣. [ولا تُكفِرَنْ أهلَ الصَّلاةِ وإن عَصَوا … فكُلُّهمُ يَعصِي وذو العرشِ يَصفَحُ] (^١)
يقول: لا تُكفِّر العُصاةَ ما داموا يُصلُّون، وهذا الكلامُ يتضمَّنُ أمرين:
الأول: الردُّ على الخوارج الذين يُكَفِّرُون بالمعاصي، والعاصي عند أهل السنَّةِ والجماعةِ مؤمنٌ بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، فهو مؤمنٌ ناقصُ الإيمان، وقد تقدَّم مذهبُ أهلِ السنَّةِ والجماعة في عُصاة الموحدين من أهل الكبائر (^٢).
والأمرُ الثاني: قولُ المؤلِّف بكفر تاركِ الصَّلاةِ، فالنَّاظمُ بهذه الإشارةِ يُفهَمُ من كلامِه أنَّه يذهب إلى القول بكفر تاركِ الصلاةِ كسلًا، أمَّا تاركُها جُحودًا فهو كافرٌ باتِّفاق المسلمين؛ لأنَّه مُكذِّبٌ لله ورسولِه.
وكلُّ مَنْ جحدَ معلومًا من دين الإسلامِ بالضرورة، فهو كافرٌ لتكذيبه، ولكن الشأنَ فيمن ترك الصلاةَ كسلًا، فللنَّاس فيه مذاهب (^٣):
فذهب بعضُهم إلى أنَّ تاركَ الصلاةِ كافرٌ؛ لِمَا ورد في شأنه؛ كحديث جابرٍ ﵁: «بين الرجلِ وبين الشِّركِ والكفرِ تركُ الصلاة» (^٤)، وفي
_________________
(١) زيادة من طبعة محمد عبد السلام، ومن شرح مذاهب أهل السنة لابن شاهين (ص ٣٢٣)، وطبقات الحنابلة (٣/ ١٠١) وغيرها. وسقط هذا البيت من طبعة الشطي، وقدَّم بعدها البيتين المتعلقين بمبحث الإيمان على البيتين المتعلقين بالرد على الخوارج والمرجئة.
(٢) تنظر: (ص ١٣٠).
(٣) ينظر الخلاف ومناقشة الأدلة في: كتاب الصلاة لابن القيم (ص ٤٠ - ١٠٧).
(٤) أخرجه مسلم (٨٢).
[ ١٣٦ ]
حديث بُريدة ﵁: «العهدُ الذي بيننا وبينهم الصَّلاة فمَن تركها فقد كفر» (^١)، وذهب جمهور أهل العلم: أنَّ تارك الصلاةِ كسلًا لا يكفر، وتأوَّلُوا حديثَ جابرٍ وحديثَ بُريدة ﵄ على أنَّهما من جنس الأحاديثِ الأخرى التي فيها تسميةُ بعضِ الذنوب كفرًا؛ كقوله ﷺ: «سِبابُ المسلمِ فُسوقٌ وقتالُه كُفرٌ» (^٢)، وقولِه ﷺ: «أيُّما رجلٍ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أَحدُهما» (^٣)، وقولِه ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفَّارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ» (^٤).
فعند هؤلاء أنَّ مَنْ تركَ الصلاةَ كسلًا وهو يؤمنُ بوجوبها ويعلمُ أنه مُسيءٌ عاصٍ، لكنه تركَ الصلاةَ بسبب الكسلِ وضعفِ الإيمانِ، فعندهم أنه لا يَكفُرُ.
وتوسَّطَ قومٌ فقالوا: إن كان يترك الصَّلاةَ دائمًا، ولا يُصلِّي أبدًا، إلَّا مجاملةً للناس نفاقًا لا إيمانًا، فهو كافرٌ، وأمَّا مَنْ كان يُغالِبُ نفسَه، يُصلِّي ويترك، وهو مع نفسه في كفاحٍ، فلا يكفر بترك ما تركَ من الصلاة.
وهذا القولُ فيه توسُّطٌ، وهو قويٌّ عندي لأن هذا الصنف ليس بتارك للصلاة بل هو غير محافظ، واللهُ أعلمُ بالصواب، ولشيخ الإسلام كلامٌ يتضمَّنُ هذا المعنى (^٥).
_________________
(١) أخرجه أحمد (٢٢٩٣٧)، والترمذي (٢٦٢١)، والنسائي (٤٦٣)، وابن ماجه (١٠٧٩) وصححه ابن حبان (١٤٥٤)، والحاكم (١١).
(٢) أخرجه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٣) أخرجه البخاري (٦٤٠١) -واللفظ له-، ومسلم (٦٠) عن ابن عمر ﵄.
(٤) أخرجه البخاري (١٢١)، ومسلم (٦٥) من حديث جرير بن عبد الله ﵁.
(٥) تنظر «مسائل أهل الرَّحبة» ضمن: مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٩)، وجامع المسائل (٧/ ١١٩).
[ ١٣٧ ]
الجمع بين آية الزمر وآية النساء في مغفرة الذنوب
وقولُ الناظمِ: (فكُلُّهمُ يَعصِي وذو العرشِ يَصفَحُ): أي: المصلين يريد المسلمين، وذو العرش يصفح إذا شاء.
(وذو العرشِ): هو اللهُ تعالى، كما قال سبحانه: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [غافر: ١٥]، وقال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥)﴾ [البروج]. وقوله: (يَصفَحُ): أي: يعفو ويتجاوزُ إذا شاء كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾ [يونس]، فهو ﷾ عفوٌّ غفورٌ.
وأمَّا قولُه ﷾: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر]، فالمرادُ: يغفر للتائبين، فمَن تاب تاب اللهُ عليه، والتوبةُ مُقتضيةٌ لمغفرة جميعِ الذنوب.
وأمَّا آيةُ النساء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦]، فهي في حقِّ غيرِ التائبين.
ففي سورةِ الزُّمَرِ عمَّ وأَطلقَ، وفي سورة النِّساء خصَّ وقيَّدَ، فخصَّ الشركَ بعدم الغفران، وقيَّدَ المغفرة بالمشيئة فيما دون الشِّركِ، وبهذا يحصلُ الجمعُ بين الآيتين (^١)، فاللهُ تعالى لا يغفر الشركَ ويغفر ما دونه لمن شاء، ومَن تاب؛ تابَ اللهُ عليه، كما قال ﷾: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾ [النساء].
_________________
(١) ينظر: تفسير آيات أشكلت لابن تيمية (١/ ٢٩٣)، ومدارج السالكين (١/ ٥٠٢ - ٥٠٣).
[ ١٣٨ ]