بعض شبهات الخوارج والرد عليها
٣٤. ولا تعتَقِدْ رَأيَ الخَوارِجِ إنَّه … مقالٌ لمن يَهْواه يُرْدِي ويَفْضَحُ
الخوارجُ ظهر أوَّلُهم في القرن الأولِ في عهد أميرِ المؤمنين عليٍّ ﵁ فأكرمه اللهُ بقتالهم، وقد أخبر النبيُّ ﷺ عن خروجهم، وأنَّه تُقاتلهم أَولى الطائفتين بالحقِّ، كما في الحديث الصحيح: «تَمْرُقُ مارِقَةٌ عند فُرقة من المسلمين، يقتُلها أَولى الطائفتين بالحقِّ» (^١)، فقاتلهم عليٌّ ﵁ بمن معه من الصحابة وغيرهم (^٢).
ورأيُ الخوارج: هو التكفيرُ بالذنوب دون الشركِ، فيُكفِّرون بالكبائر، ويزيد البلاءُ إذا اعتقدوا ما ليس بذنبٍ ذنبًا، فحينئذٍ يُكفِّرون مَنْ لم يُذنب لاعتقادهم أنَّه مُذنبٌ، وأنَّ ذلك الذنبَ كفرٌ.
ومرتكبُ الكبيرةِ عندهم في الدنيا كافرٌ خارجٌ عن مِلَّةِ الإسلامِ، حلالُ الدَّمِ والمالِ، وإذا مات من غير توبةٍ؛ فهو مخلَّدٌ في النَّار مع الكافرين، وقد تقدم تقرير هذا، ومن شُبهاتهم: الأحاديث التي فيها وصف بعض العصاة والمعاصي بالكفر (^٣)، فأخذوها على أنَّه الكفر الأكبر، وتقدم نماذج من هذه الأحاديث، ومن شبهاتهم: النصوصُ التي
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٠٦٤ - ١٥٠) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) أخرجه البخاري (٣٦١٠)، ومسلم (١٠٦٤ - ١٤٨) عن أبي سعيد الخدري ﵁.
(٣) تقدم بعضها في (ص ١٣٧).
[ ١٣٩ ]
أنواع الكفر عند أهل السنة
اتباع الخوارج لأهوائهم وخطورة مذهبهم
فيها نفيُ الإيمان عمَّن وقعَ في بعض الذنوب، مثلُ حديث: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمنٌ» (^١).
وعند أهل السنَّةِ والجماعةِ أنَّ الكفرَ الواردَ في النصوص نوعان:
كفرٌ أكبرُ مُناقضٌ لأصل الإيمان.
وكفرٌ دون الكفرِ، ويُسمَّى: الكفرُ العملي (^٢)، ولكن التعبير عنه بأنه كفرٌ دون الكفر، أو كفرٌ أصغرُ أدقُّ وأضبطُ لأن من الكفر الأكبر ما هو عمل كالسجود أمام الصنم، وإلقاء المصحف في الحُش.
والخوارجُ وأهلُ البدع عمومًا، عندهم أهواء يتبعونها، ولهذا يُسمَّى أهلُ البدعِ أهل الأهواءِ، لأنَّهم متبعون للهوى لا للهُدى، مُعجبون بآرائهم، لاجُّون في غيِّهم، وهذا ملاحظٌ في الذين يجنحون إلى التكفير بالذنوب، تجده مندفعًا مع رأيه، متبعًا لهواه، لا يرعوي ولا يُصغي لحجَّةٍ، ولا يكاد يرجع، وتأمَّل حالَ الخوارجِ وكيف كفَّروا عليًّا وأصحابَ الجملِ وأصحابَ صِفِّين، وكفَّروا جمهورَ المسلمين، وسار على طريقتهم وُرَّاثُهم، فلكلِّ قومٍ وارثٌ.
وهذا المذهبُ الخطيرُ يجب الحذرُ منه، كما أنَّ تركَ تكفيرِ مَنْ كفَّره اللهُ ورسولُه كذلك انحرافٌ عن سواء السبيلِ والصراطِ المستقيمِ، فالواجبُ على المسلم أن يُكفِّرَ مَنْ كفَّره اللهُ ورسولُه، وألَّا يُخرج من دينِ اللهِ مَنْ ثبت له حُكمُ الإسلامِ ولم يثبت عليه ما يُوجب رِدَّتَه، فلا بدَّ من العدل والتوسُّطِ، ولا بدَّ من الأناة، فالحذر الحذر من التساهل
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧) عن أبي هريرة ﵁.
(٢) ينظر: كتاب الصلاة لابن القيم (ص ٨٨ - ٩٩).
[ ١٤٠ ]
والتسرُّعِ، ومن التجاوز والتقصير، ومن الإفراط والتفريطِ، والمذاهبُ الباطلةُ كلُّها إمَّا إفراطٌ وإمَّا تفريطٌ، لا تخرج عن هذين الحَيِّزين: إمَّا إفراطٌ وغلوٌّ وتجاوزٌ، وإمَّا تفريطٌ وتقصيرٌ وتهاونٌ وتمييعٌ.
* * *
[ ١٤١ ]