ضرورة العلم الشرعي وأقسامه
مقدمة
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله وعلى آله وصحبه؛ أما بعد:
لا يخفى على مَنْ له فقهٌ في الدين ضرورة المسلمين في كل زمان ومكان -ولا سيما في هذا العصر- إلى العناية بالعلوم الشرعية المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله ﵊؛ لأنه طغى في هذا العصر ما يسمى بعلم المادة؛ أي: العلوم الدنيوية، فقد غلب على كثير من الناس الاهتمام بها، وتعظيمُها والتنافس فيها، وتقديمُها على العلوم الشرعية تعلمًا وتعليمًا، في كل طبقات الأمة، في جميع مراحل التعليم، ومنشأ ذلك ضعفُ الإيمان بمنزلة علوم الإسلام، وإيثار الدنيا على الآخرة، وسيطر ذلك على عقولهم وتفكيرهم.
وإذا وجد الإنسان من نفسه محبةً للعلوم الشرعية، ورغبة في تحصيلها من مصادرها، والتلقي عن العلماء الربانيين، والاقتداء بهم ومعرفة سيرهم، مَنْ وجد ذلك في نفسه فليحمد الله، ومَن نظر في تاريخ المسلمين وجد أنهم إذا ذكروا العلم والعلماء، لم يريدوا به وبهم إلا ميراث النبوة وعلماء الشريعة.
[ ١٦ ]
والعلوم الشرعية أنواع، وأصولها ثلاثة، وهي مستمدَّةٌ من الكتاب والسنة:
الأول: علم التوحيد، وهو العلم بالله: بأسمائه وصفاته وأفعاله.
الثاني: العلم بأوامره ونواهيه، وهو دينه الذي جعله طريقًا إليه.
الثالث: العلم بالجزاء على الأعمال، ويدخل فيه كل ما يدخل في الإيمان باليوم الآخر.
وقد ذكر ابن القيم الأقسام الثلاثة في نونيته (^١)؛ فقال:
والعلمُ أقسامٌ ثلاثٌ ما لها … من رابعٍ والحق ذو تبيانِ
علمٌ بأوصاف الإله وفِعله … وكذلك الأسماء للرحمنِ
والأمر والنهي الذي هو دينه … وجزاؤه يوم المعاد الثاني
والكلُّ في القرآن والسُّنن التي … جاءت عن المبعوث بالقرآنِ
وسائر العلوم الشرعية مقصودها الفقه في هذه العلوم الثلاثة، فعلوم التفسير والحديث؛ بل وعلوم اللغة كلُّها وسيلة لفهم الكتاب والسنة.
_________________
(١) (٣/ ٨٣٩ رقم ٤٢٥٣ - ٤٢٥٦).
[ ١٧ ]
أما في هذا العصر فإن العلم إذا أُطلق انصرف في مفهوم كثيرٍ من المسلمين إلى العلوم الدنيوية؛ كالهندسة والطب وأنواع الصناعات، وفيها يتنافسون، وبها يفخرون، والله المستعان على ما يصفون.
ومما ينبغي التنبه له أن العلم الذي جاء به الوحي، وهو علمُ الكتاب والسنة هو الذي به الشرفُ والفضل عند الله؛ لأن به تزكو النفوس، وتصلح الأعمال، ويُهتدَى به، وهو حياة الأرواح، ونور البصائر، ولذا سماه الله روحًا ونورًا؛ قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى].
وليس للعلوم الدنيوية شيء من هذه الفضائل، فاختر لنفسك أيها العاقل.
والمقصود: أن العلم الشرعي ضروريٌّ للإنسان، فمنه ما هو فرضُ عين، وهو ما لا يقوم دينُ الإنسان إلا به، ومنه ما هو فرضُ كفايةٍ، فيجب على الأمة الإسلامية أن تتعلم كلَّ علوم الكتاب والسنة حتى يكون فيها مَنْ يعلم ميراثَ محمد ﷺ، فيكون ذلك سببًا في بقاء هذا الدين وبقاء العلم الموروث عن الرسول ﷺ، وهذا محقَّقٌ ولله الحمد؛ للضمان الذي ذكره الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر].
[ ١٨ ]
التعريف بالناظم والمنظومة
وللخبر الصادق عنه ﷺ في قوله: «لا تزال طائفةٌ من أمتي على الحقِّ ظاهرين» (^١)؛ أي: لا بد أن تكون هذه الطائفة قائمة بالحق علمًا وعملًا، والقيام بالحق لا يتحقق إلا بذلك.
وبعد: فهذا شرحٌ مختصر على منظومة العلامة الحافظ ابن أبي داود، سميته: «توضيح المقصود من حائية ابن أبي داود» وهو أبو بكر عبد الله بن سليمان بن الأشعث السِّجِسْتاني الإمامُ المعروف صاحبُ «السنن»، والتي هي إحدى الأمهات المصنفة في الحديث المعروفة المعتمدة عند أهل العلم في هذا الشأن.
وابن أبي داود هو أحدُ الحُفَّاظ المكثرين من الرواية، وأحدُ الثقات، وقد عني به أبوه منذ الصغر في تأهيله، فطوّف به البلاد شرقًا وغربًا ليتلقى وليسمع من الشيوخ، وقد حصل له ما أراد، فبرز ابنه على أقرانه، وتحقق لأبي داود في ابنه ما أراد رحمهما الله.
قال فيه الذهبي: «وكان من بحور العلم، بحيث إن بعضهم فضَّله على أبيه» (^٢)، وذكر له مصنفات في الحديث، منها: «السنن»، و«المسند»،
_________________
(١) أخرجه بنحوه: البخاري (٧٣١١)، ومسلم (١٥٦) (١٩٢٠)، (١٩٢٣)، (١٩٣٧) عن جماعة من الصحابة ﵃ وهو حديث متواتر. ينظر: نظم المتناثر (١٤٥). وأخرجه بهذا اللفظ: أحمد (١٩٢٩٠)، (١٩٨٥١)، والترمذي (٢٢٢٩) عن عمران بن حصين، وثوبان ﵄.
(٢) السير (١٣/ ٢٢٣).
[ ١٩ ]
و«الناسخ والمنسوخ». وتوفي ﵀ سنة ستة عشر وثلاث مئة، وانظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» (^١).
ومن آثاره هذه المنظومة المشهورة ب «الحائية» أو «منظومة ابن أبي داود»، وهي ثابتةٌ عنه ثبوتًا قطعيًا، حتى قال الذهبي في كتاب «العلو»: «هذه القصيدة متواترة عن ناظمها» (^٢)، وكأنه يرد على مَنْ يُشكِّكُ في نسبتها، ولعلها إن لم تكن أول نظم في العقيدة فلا شك أنها من أول هذا النوع من النظم (^٣)، فإن أهل العلم لما قامت حركةُ التأليف وحركة الجهاد باللسان والرد على المبتدعين؛ ألَّفوا في ذلك المؤلفات الكثيرة، ومعظمها يعنى بجمع الأدلة من الكتاب والسنة مع بعض الشرح والتعليق.
ومن الأساليب: تأليف بعض العلوم بالنظم، وهذا منهجٌ تطور وتوسع كثيرًا، حتى إن بعض كتبِ الفقه نُظمَت بالآلاف؛ كمنظومة ابن عبد القوي (^٤)، وفي العقيدة كذلك منظومات كثيرة طويلة وقصيرة،
_________________
(١) (١٣/ ٢٢١).
(٢) (ص ٢١٢).
(٣) ينظر: المنظومات العقدية عند أهل السنة والجماعة إلى نهاية القرن الثامن لخالد النمر (ص ٧٤).
(٤) محمد بن عبد القوي بن بدران بن عبد الله المقدسي، المرداوي، شمس الدين أبو عبد الله، الفقيه المحدث النحوي، ولد سنة (٦٣٠ هـ) بمردا، سمع محمد بن عبد الهادي، وأخذ العربية عن جمال الدين ابن مالك، وممن قرأ عليه العربية: ابن تيمية، وله تصانيف، منها: «القصيدة الدالية» التي أشار إليها شيخنا وهي في ثمانية عشر ألف بيت، توفي سنة (٦٩٩ هـ). ينظر: تاريخ الإسلام (١٥/ ٩٣٣)، والذيل على طبقات الحنابلة (٤/ ٣٠٧).
[ ٢٠ ]
وأعظمُ وأطولُ نظم في العقيدة «الكافية الشافية» -القصيدة النونية- للإمام ابن القيم ﵀، والتي تقرب من ستة آلاف بيتٍ كلها في عقيدة أهل السنة والجماعة، وقد ضمَّنها خلاصة كتابيه «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» وكتاب «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح».
وهذه المنظومةُ التي نحن بصددها قصيرةٌ لا تتجاوز أبياتها أربعين بيتًا تقريبًا، ولكنها تضمنت تأصيلًا لعقيدة أهل السنة والجماعة، وتنصيصًا على جملةٍ من مسائل العقيدة على مذهب أهل السنة والجماعة، ومع هذا الاختصار لا يمكن إلا أن يكون على وجه الإجمال.
وقد صدَّر الناظم ﵀ قصيدته بوصايا عامة خاطب بها طالبَ العلم أو كلَّ مسلمٍ.
* * *
[ ٢١ ]