وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في ستة مواضع: في سورة الأعراف قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]، وقال في سورة الرعد: ﴿اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢]، وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه]، وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال في سورة ألم السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُون (٤)﴾ [السجدة]، وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] (^١).
_________________
(١) سرد آيات الاستواء من (م)، ولم ترد في (ظ)، (ب).
[ ١١٩ ]
معنى العرش في اللغة، ومعناه في الآيات
عبارات السلف في معنى الاستواء
يتابع الشيخ ﵀ سوق الشواهد القرآنية على إثبات صفاته ﷾، فيذكر النصوص الدالة على صفة استواء الله على عرشه ﷾، وبيَّن أن ذِكرَ استواء الله على عرشه جاء في هذه المواضع السبعة في كتاب الله.
وقال أهل العلم: العرش: معناه في اللغة: سرير المُلْك، أو سرير المَلِك (^١)، والمعنى واحد.
والمراد بالعرش في هذه الآيات عرش الرحمن، وهو سرير مخلوق، وهو أعلى المخلوقات، وأعظمها، ولا يقدُر قدره إلا الله، ولا يحيط العباد بعظمة هذا العرش، وقد وصف الله العرش بأنه: عظيم ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (٢٦)﴾ [النمل]، وكريم ﴿لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم (١١٦)﴾ [المؤمنون]، ومجيد ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ ١٥﴾ [البروج] على قراءة الجر (^٢).
وفي هذه الآيات التي ساقها المؤلف أخبر الله فيها عن استوائه على العرش، ومعناه كما جاء ذلك عن السلف (^٣): علا، وارتفع، واستقرَّ على العرش.
_________________
(١) لسان العرب ٦/ ٣١٣.
(٢) هي قراءة حمزة والكسائي وخلف العاشر. التيسير ص ٢٢١، والنشر ٢/ ٣٣٩.
(٣) قال ابن القيم في «الكافية الشافية» ص ١٢٠: فَلَهُم عِبَارَاتٌ عَلَيهَا أربَعٌ قَدْ حُصِّلَت للفَارِسِ الطَّعَّانِ وَهيَ استَقَرَّ وَقَدْ عَلَا وَكَذَلِكَ ار تَفَعَ الَّذِي مَا فِيهِ مِنْ نُكرَانِ وَكَذَاكَ قَدْ صَعِدَ الَّذِي هُوَ رَابعٌ وانظر: شرح حديث النزول ص ٣٨٩.
[ ١٢٠ ]
شرح عبارة «الاستواء معلوم، والكيف مجهول»
استوى سبحانه على العرش استواء يليق به، ويخصُّه، لا يشبه استواء المخلوقِ.
هل المخلوقُ يُوصَف بالاستواء على غيره؟ نعم ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ [الزخرف: ١٣]، ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين (٢٨)﴾ [المؤمنون]، واستوت سفينة نوح ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، وليس الاستواء كالاستواء؛ فاستواء الله على عرشه ليس كاستواء المخلوق بل استواء يخصُّه، ويليق به، ويناسبه، ولا يعلم العباد كنهه، فيجب أن يثبت ذلك لله مع نفي مماثلته لصفة المخلوق، ونفي العلم بالكيفية، لكن الاستواء معناه معلوم كما قال الأئمة، قال الإمام مالك لما قال له رجل: كيف استوى؟ قال: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (^١).
أي: معناه معلوم في اللغة العربية؛ لأن الله أنزل هذا القرآن بلسان عربي مبين، وأمر عباده بتدبر القرآن، وذمَّ المعرضين عن ذلك.
فمعنى استوى: علا، وارتفع، واستقرَّ، كيف شاء ﷾ نعلم معنى ذلك، لكننا لا نعلم كيفية ذلك.
_________________
(١) تقدم تخريجه [ص ٤١].
[ ١٢١ ]
الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ومن دخل مدخلهم كالرافضة كلهم ينفون الاستواء
بيان فساد تأويلهم الاستواء إلى الاستيلاء
«والإيمان به واجب».
لأن أصل الإيمان هو الإيمان بكل ما أخبر الله به في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، فالإيمان بالقرآن والإيمان بالرسول ﷺ يقتضي التصديق بكل ما في الكتاب والسُّنة من الأخبار.
«والسؤال عنه بدعة»؛ لأنه تكلُّف، وسؤال عمَّا لا سبيل إلى العلم به.
ونلاحظ أن آية طه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ فيها الإخبار بأنه استوى على العرش، لكن متى؟ الله أعلم لم تدلَّ الآية على ترتيب هذا الاستواء، أو وقت هذا الاستواء، لكنّ سائر الآيات فيها ذكر خلق السموات والأرض، وعطف الاستواء على ذلك بحرف (ثم)، فهي تدلُّ على أن استواءه على العرش بعدما خلق السموات والأرض، وهذا في كل الآيات الست ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواء الله مخصوص بالعرش، فلا يقال: إنه تعالى استوى على السماء، فضلًا أن يقال: استوى على الأرض؛ بل استوى على العرش الذي هو سقف المخلوقات، فهو أعلى المخلوقات وأعظمها، والله تعالى فوق جميع المخلوقات، ويلزم من استوائه على العرش علوه فوق جميع المخلوقات.
وأهل السُّنة مجمِعون على إثبات هذه الصفة، وأهل البدع من: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة هذه الطوائف الرئيسة، ومن دخل مدخلهم كالرافضة؛ لأن الرافضة اتبعوهم فصاروا معتزلة، وكذلك الزيدية الذين دخلت عليهم أصول المعتزلة، الكل ينفون صفة الاستواء، ومنهم من ينفي حقيقة العرش أيضًا، ويقول: المراد بالعرش المُلك، استوى على العرش يعني: استولى على الملك، فيفسرون الاستواء بالاستيلاء، والعرش بالمُلك، وقد يكتفي
[ ١٢٢ ]
بعضهم بتأويل الاستواء إلى الاستيلاء بصرف لفظ الاستواء إلى الاستيلاء، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه.
أما العرش فقد دلَّت النصوص على أنه مخلوق متميِّز عن سائر المخلوقات وصف في القرآن بأنه: عظيم، وكريم، ومجيد.
وجاء في السُّنة أنه: ذو قوائم (^١)، وجاء في القرآن أنه محمول ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧] هل يصح أن تكون الذين يحملون الملك؟!
هم من جملة ملك الله؛ فلا يستقيم هذا التفسير الذي هو في الحقيقة تحريف.
وتفسير الاستواء بالاستيلاء أيضًا فاسد من جهة اللغة، ومن جهة الشرع، فإنه لا يُعرَف في اللغة، استوى: بمعنى استولى، ولا دليل لهم عليه إلا بيت قاله الأخطل النصراني (^٢):
قد استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق (^٣)
_________________
(١) روى البخاري (٢٤١٢)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من تنشق عنه الأرض فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش» الحديث.
(٢) غياث بن غوث بن الصلت التغلبي النصراني، أبو مالك، كان هو وجرير والفرزدق أشعر أهل زمانهم. تاريخ دمشق ٤٨/ ١٠٤.
(٣) هذا البيت ينسب للأخطل، وليس في ديوانه، فقيل: إنه محرف، وإنما هو: بشر قد استولى على العراق. وقيل: إنه مصنوع. انظر: فتاوى ابن تيمية ٥/ ١٤٦، ومختصر الصواعق المرسلة ٣/ ٩١٢.
[ ١٢٣ ]
قالوا: إن هذا معناه استولى على العراق. وليس هذا صريحًا، استوى بشر على العراق، يعني: علا على عرشه، صار سلطانًا عليه، وهذه عمدتهم.
وأيضًا من جهة المعنى، لا يصح، فإن الاستيلاء يشعر بأنه كان قبل ذلك غير مستولٍ عليه، وأنه صار مستوليًا عليه بعد أن لم يكن، أو يشعر أيضًا بالمغالبة (^١).
المهم: أن المعطلة ومن سلك سبيلهم ينفون حقيقة الاستواء، ويفسرونه بالاستيلاء، وأهل التأويل منهم.
أما أهل التفويض؛ فيقولون: هذه نصوص يجب أن نمرُّها ألفاظًا دون أن يفهم منها معنى، ودون أن تفسر.
أي: تقرأ ألفاظًا جوفاء، لا تتدبر، ولا يعقل لها معنى، وكلا القولين باطل قول أهل التفويض، وأهل التأويل -.
فالاستواء يجب إثباته لله، ويجب أن نؤمن بأنه تعالى مستوٍ على العرش، وأنه استوى عليه بعد خلق السموات والأرض، والعرش مخلوق قبل ذلك قال النبي ﷺ: «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء» (^٢).
_________________
(١) أبطل العلامة ابن القيم زعمهم من اثنين وأربعين وجهًا. مختصر الصواعق ٣/ ٨٨٨.
(٢) رواه البخاري (٧٤١٨)، من حديث عمران بن حصين ﵄. وانظر شرحًا موسعًا لهذا الحديث في: مجموع الفتاوى ١٨/ ٢١٠ - ٢٤٤.
[ ١٢٤ ]
وفي الحديث الآخر عنه ﷺ: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات، والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء» (^١).
ونصوص الاستواء نوع من أنواع أدلة علوه تعالى على خلقه التي سيذكر الشيخ منها نماذج في الشواهد التالية.
* * * *
_________________
(١) رواه مسلم (٢٦٥٣)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
[ ١٢٥ ]