وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٢٧)﴾ [الرحمن]، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤]، وقوله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُر (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاء لِمَنْ كَانَ كُفِر (١٤)﴾ [القمر] [٢٦/ ٢]، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ [طه].
هذه الآيات ساقها المؤلِّف شواهد وأدلَّة على إثبات بعض صفات الرَّب ﷾ فهي من نصوص الصفات، فدلَّت الآيتان الأُوْلَيان على إثبات الوجه له ﷾، والآيتان الأُخريان على إثبات اليدين، والثلاث الأخيرة على إثبات العينين له ﷾، وأهل السُّنة والجماعة يثبتون هذا كلَّه لله على ما يليق به سبحانه مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية، يثبتون الوجه واليدين والعينين لله، وأن وجهه تعالى ليس كوجوه العباد، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢)﴾ [القيامة]، العباد لهم وجوه، وليس
[ ٩٢ ]
أهل البدع ينفون حقيقة الوجه واليدين والعينين
وجه الخالق كوجه أحد من الخلق، ولا يعلم العباد كيفية وجهه كما لا يعلمون كيفية ذاته، وهكذا يثبت أهل السُّنة اليدين له تعالى تصديقًا لخبره يدين يفعل بهما، ويخلق ما يشاء، وليست كأيدي العباد، ولا يعلم العباد كيفيتهما.
وهكذا أهل السُّنة يؤمنون بأن لله عينين يرى بهما كما في الآيات ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾.
وأهل الضلال الذين أصَّلوا أصولهم الباطلة، ومنها: أنه تعالى لا تقوم به أيُّ صفة بل هو ذات مجرَّدة، فهؤلاء ينفون حقيقة الوجه، واليدين، والعينين، ويزعمون أن إثباتها لله تشبيه فينفون عن الله الوجه فليس لله وجه عندهم، ولا يدان يفعل بهما، ويخلق بهما، ولا عينان؛ ينفون هذا كله، وهذا ردٌّ لما أخبر الله به، ورسوله ﷺ ويسلكون في هذه النصوص كما تقدَّم (^١) إما طريقة التفويض يقولون: هذه النصوص تُقرَأ، ولا يُتدبَّر معناها، ولا يُفهَم منها شيء، ولا تدلُّ على إثبات هذه الصفات له ﷾ تقرأ ألفاظًا فقط، ولا يُوقَف عندها.
وآخرون: يتأوَّلون هذه النصوص ففي صفة الوجه (^٢) مثلًا يقولون: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، الوجه هذه كلمة زائدة صلة ليس لها معنى، المعنى: ويبقى ربك. فيصبح حذفها أولى بالكلام تعالى الله عن ذلك، أو المراد بالوجه نفس الذات فيبقى وجه ربك يعني ذات ربك، أو الثواب ويبقى ثواب ربك، وهذه من تأويلاتهم الباطلة السمجة، ولا موجب لهذا إلا
_________________
(١) [ص ٨٠ و٩١].
(٢) انظر: مختصر الصواعق ٣/ ٩٩٢.
[ ٩٣ ]
أصلهم الباطل: وهو نفي صفات الرب ﷾، فلما أصَّلوا الأصل الباطل لا بد أن يقفوا من هذه النصوص موقفًا يدفعون معارضتها لمذهبهم الباطل فيحرِّفونها.
وهكذا صفة اليدين يؤوِّلونها بالقدرة أو النعمة (^١)، وهذه تأويلات تخالف سياق الكلام، وليس لهذه التأويلات أصل من لغة، ولا شرع، ويكون قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، يعني: بقُدْرَتَيَّ على زعمهم، وهذا يردُّه أن الله تعالى له قدرة، ولا يقال: لله قدرتان. بل قدرة تامَّة لا يعجزها، ولا يستعصي عليها شيءٌ.
ونِعَمُهُ تعالى ليستْ نعمتين، بل نِعمٌ كثيرة لا تُحصَى.
ولو كان معنى قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، يعني: بقدرَتِيْ لما كان لآدم خصوصية، فآدم كغيره، الكل مخلوق بقدرته ﷾.
وهكذا يتأوَّلون العينين بنفس البصر، أو الرؤية عند من يثبتها كالأشاعرة يثبتون البصر، والرؤية؛ لأنها بمعناهما، أو قريبة من معناهما، ولكنهم لا يثبتون العينين له سبحانه، وأمَّا أهل السُّنة فمجمِعون على إثبات هذه الصفات، وقد دلَّ على إثبات هذه الصفات الكتاب، والسُّنة، والإجماع.
قال ﷾: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان (٢٦)﴾ [الرحمن].
يخبر ﷾ أن كل ما على هذه الأرض سيفنى، ويذهب: من نبات، وحيوان، ثم يبعث الله الموتى من قبورهم بعدما يفنيهم
_________________
(١) انظر: مختصر الصواعق ٣/ ٩٤٦.
[ ٩٤ ]
﴿ويبقى وجه ربك﴾ تدل على بقائه سبحانه وأن له وجها لا كما توهمه بعض الغالطين
معنى التأويل
جميعًا ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، وهكذا قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾، كل شيء هالك، وذاهب، وميت: الإنس، والجن، والملائكة؛ الكل ﴿إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ ﷾، وتَدُلُّ هاتان الآيتان على إثبات الوجه له تعالى، وتدلُّ على بقائه، فهو ﷾ الباقي الذي لا يفنى كما يفنى غيره، له البقاء والدوام، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، والآخر الذي ليس بعده شيء، فلا يجوز عليه الفناء، ولا يجوز عليه الموت هو الحي الذي لا يموت، والقوي الذي لا يَضعُف والقدير الذي لا يعجز ﷾.
وليس لقائل أن يقول في قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ إن الآية إنما تدلُّ على بقاء الوجه، فتحتاج إلى تأويل كما توهَّم هذا بعضهم، فلا يتوهَّم هذا إلا جاهل بدلالات الكلام، فكل عاقل يعرف أساليب الكلام، ولا سيما اللغة العربية يُدرك أن قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ يدلُّ على بقائه تعالى، وعلى أنَّ له وجهًا، ولا تدلُّ الآية بظاهرها أبدًا على أن البقاء لوجهه فقط، هذا فهم ساذج، وسمج، وساقط.
والتأويل هو: صرف الكلام عن ظاهره إلى معنىً آخر، - أو -: عن احتمال راجح إلى احتمال مرجوح.
فنسأل: هل هاتان الآيتان تحتاجان إلى تأويل؟
بحيث نقول: إن ظاهرهما أن البقاء لوجهه فقط! أعوذ بالله هل هذا ظاهرهما؟
[ ٩٥ ]
لا ليس ظاهر الآيتين هذا، بل ظاهرهما أنه ﷾ الباقي ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، كل عاقل يعرف دلالات الكلام يفهم من هاتين الآيتين أنه ﷾ الباقي الذي لا يفنى وأن له وجهًا.
فأفاد التركيب إثبات البقاء له تعالى، وإثبات الوجه له ﷾، ولا يفيد أن البقاء مخصوص، أو خاصٌّ بالوجه دون ذاته، تعالى الله عن فهم الخاطئين الغالطين.
فدلَّت الآيتان على أن له وجهًا، وقد وصف ﷾ وجهه بالجلال والإكرام ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٢٧)﴾، فوجهه موصوف بالجلال والعظمة، والكبرياء، وبالإكرام، فهو تعالى الذي يكرم عباده، وهو المستحقُّ من عباده أن يكرموه بطاعته، وبتقواه، وبتعظيمه، وإجلاله ثناءً عليه، وتمجيدًا له، وتعظيمًا له، وتنزيهًا له عن كل نقصٍ، وعيبٍ.
وهو تعالى يُوصَف بالجلال والإكرام كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٧٨)﴾ [الرحمن].
كما تدلُّ الآيتان على أن كل عمل لغير الله فهو باطل ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾، فإذا كان كل شيء ذاهبًا، وأن البقاء له وحده، فهو الذي يبقى، ولا يفنى، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾، فإن ذلك يتضمَّن أنه الإله الحق الذي لا يستحقُّ العبادة سواه، وأن كل عمل لغيره فهو فانٍ هالك ذاهب، ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾، ولا يبقى إلا ما كان خالصًا لوجهه، ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾.
[ ٩٦ ]
قول بعضهم: له يدان وليستا جارحتين قول مبتدع موهم
قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ توبيخ من الله لإبليس عندما امتنع عن السجود لآدم، ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أظهر الله تعالى فَضْل آدم حيث فضَّله بفضائل: خلقه بيده من بين سائر المخلوقات، ونفخ فيه من روحه، وعلمه أسماء كل شيء، وأسجد له الملائكة.
وكل الموجودات هي خلقه سبحانه خلقها بقدرته، ومشيئته، وأمره ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾، وآدم خلقه الله بمشيئته، وبأمره، ولكن خصَّه بأن خلقه بيديه تعالى كيف شاء، والله يفعل بيديه ما شاء ويأخذ بيده ما شاء كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «يطوي الله ﷿ السموات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول أنا الملك، أين الجبَّارون؟ أين المتكبِّرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبَّارون؟ أين المتكبِّرون؟» (^١).
وهذا الحديث يفسِّر قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، نؤمن بأن لله يدين حقيقةً يفعل ويخلق ويأخذ بهما ما شاء كيف شاء ﷾، ولا نكيِّفها، ولا نتخيَّلها أبدًا، ولا نقول: له يدان، وليستا جارحتين، فإن هذه العبارة يطلقها بعضهم، وهي عبارة مبتدعة موهمة، وقد تتضمَّن نفي حقيقة اليدين، فلفظة «جارحة» تحتاج إلى تفسير.
له تعالى يدان حقيقةً، وإذا قلنا: له يدان حقيقةً فلا يُفهَم أنهما كأيدي المخلوقين.
_________________
(١) البخاري (٧٤١٢)، ومسلم (٢٧٨٨) - واللفظ له -، من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٩٧ ]
قول تجري بأعيننا أي: بمرأى منا ليس من التأويل في شيء
يقول أهل السنة: إن لله عينين
وقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ الآيات .. هذا إخبارٌ من الله عن سفينة نوح عندما أمره الله بصنعها ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾، فصنعها نوح ﵇ على عين الله، ومرأى من الله، وجرت به، وبمن معه من المؤمنين أيضًا بمرأى من الله، وإذا قال المفسِّرون من أهل السُّنة ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ الآيات .. أي: بمرأى مِنّا، فليس هذا من التأويل في شيء، هذا تعبير عن دلالة الكلام، ومعنى: تجري بمرأى منَّا: تجري والله يرعاها، ويراها بعينه التي لا تنام، فمن قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، أي: بمرأى مِنّا فقد عبَّر عن المعنى تعبيرًا صحيحًا، وليس هذا تأويلًا للعين، ولا نفيًا للعين؛ بل هذا يتضمَّن إثبات العين؛ لأن العين بها تكون الرؤية ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ فيه تصبير للرسول ﷺ، وتثبيت لقلبه على أذى أعدائه.
ومن كان الله يراه، ويرعاه، ويحفظه، ويحرسه فإنه لا خوف عليه، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٢٢٠)﴾ [الشعراء]، ويقول أهل السُّنة (^١): إن لله عينين، وإن كان لفظ العينين لم يرد في القرآن، ولم يصحَّ به حديث فيما أعلم، وإنْ ذُكِر فيه حديث لكن في ثبوته نظر (^٢)، لكن أهل السُّنة فهموا من كلام الله، وسنَّة رسوله ﷺ أن لله عينين كما يدلُّ عليه مفهوم
_________________
(١) مقالات الإسلاميين ص ٢١١ و٢٩٠، وبيان تلبيس الجهمية ١/ ٣٩٧ و٢/ ٢٧، ومجموع الفتاوى ٤/ ١٧٤، والصواعق المرسلة ١/ ٢٥٤ - ٢٦٢.
(٢) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب «التهجد وقيام الليل» رقم (٥٠٨)، والعقيلي في «الضعفاء» ١/ ٧٠، من طريق إبراهيم الخوزي عن عطاء بن أبي رباح: سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ: «إن العبد إذا قام في الصلاة فإنه =
[ ٩٨ ]
ما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ: «إن الله ﵎ ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور عين اليمنى كأن عينه عنبة طافية» (^١). ولا يجوز الخروج عن سبيل المؤمنين فسبيل المؤمنين هو هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ في موسى ﵇ يُرَبّى في بيت فرعون على عين الله، والله تعالى يرعاه، ويحفظه، ويحرسه ﷾ من كيد الكائدين، وهذه الآية تدل على إثبات العين لله، لكن لا يصح أن يقال: إنها تدل على أنه ليس لله إلا عين، هذا فهم خاطئ لا يصدر إلا من جاهل بدلالات الكلام، فكما أن قوله تعالى: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ لا يدل على أنه ليس لله إلا يد واحدة، لا كما يقوله المغالطون الغالطون المتحذلقون: ليس لله إلا يد واحدة.
مَنْ كان له يدان يقال: أخذ هذا بيده، ولا يدل إفراد اليد على أنه ليس لله إلا يد؛ إذا قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ لا يدل على أنه ليس لله إلا عين، ولا يَفهم مَنْ كانت فطرته نقية سليمة من الشبهات، ووساوس الشيطان من هذا الكلام أنه ليس لله إلا عين واحدة. وهكذا قوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ هذا الأسلوب لا يدل على أن لله أعينًا، كما أن قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ لا يدل على أن لله أيدي كثيرة، والحقيقة أنه
_________________
(١) =بين عيني الرحمن، فإذا التفت، قال له الرب: يا ابن آدم! إلى من تلتفت؟ إلى خير لك مني! أقبل على صلاتك فأنا خير لك ممن تلتفت إليه». إبراهيم الخوزي هو ابن يزيد الخوزي شديد الضعف، ضعفه عامة المحدثين. انظر: تهذيب الكمال ٢/ ٢٤٢، وميزان الاعتدال ١/ ٧٥. وهذا من منكراته. وانظر: الضعيفة للمحدث الألباني (١٠٢٤).
(٢) البخاري (٣٤٣٩)، ومسلم (١٦٩)، من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٩٩ ]
قوله تعالى: ﴿تجري بأعيننا﴾ لا يدل على أن لله أعينا والرد على من زعم ذلك
لولا وجود بعض الأفكار، والوساوس، والتساؤلات لما كان هناك داعٍ لهذا التوقُّف، لكن هناك إلقاءات شيطانية تكلم بها مَنْ تكلم من أهل البدع، وتكلم بها من تكلم من جهَّال الناس.
إذًا: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ لا يدل على أن لله أعينًا؛ لأن من قواعد اللسان العربي أن المثنى إذا أضيف إلى الجمع أو صيغة الجمع أو صيغة المثنى؛ فإنه يذكر بلفظ الجمع، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
والسارق والسارقة هل تُقطَع لهما أربع أيدٍ؟ يدان من السارق، ويدان من السارقة؟
الجواب: لا بل من السارق يد، ومن السارقة يد.
وهكذا قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] للمرأتين قلوب؟ أم قلبان؟
وهذه قصة عائشة، وحفصة (^١) ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾؛ إذًا: الجمع لا يدل على عدد كبير من القلوب.
ولا يجوز التوقُّف في هذا البتَّة، لا يتوقَّف بهذا إلا جاهل بما عليه السلف الصالح، فيجب الإيمان بكل هذه الصفات على ما يليق به سبحانه، فلا تشبه صفة من صفاته صفات المخلوقين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا يعلم العباد كيفيَّة شيء من هذه الصفات.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٢٦٧)، ومسلم (١٤٧٤)، من حديث عائشة ﵂.
[ ١٠٠ ]
فلا يجوز أن نتخيَّل كيفيَّة وجهه، أو كيفيَّة العينين له تعالى، لا تُفكِّر فيما لا سبيل إليه، فهذا من العبث والهوس، نؤمن بأنه تعالى ذو سمع، وذو بصر، فهو سميع، وسمعه واسع لجميع الأصوات، وذو بصر واسع نافذ لجميع المخلوقات، وأن لله تعالى عينين تليقان به حقيقة يرى بهما كيف يشاء، كما أن له يدين حقيقة، كما أن له علمًا، وقدرةً، وحياةً حقيقةً كل ذلك للرب تعالى على ما يليق به، ويختصُّ به لا يماثله شيء من صفات خلقه.
* * * *
[ ١٠١ ]