وقوله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء]، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلا (١٢٢)﴾ [النساء]، ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٦]، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] (^١)، ﴿وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء]، ﴿مِّنْهُم مَنْ كَلَّمَ اللّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ [مريم]، ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِين (١٠)﴾ [الشعراء] [٢٧/ ٢]، ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: ٢٢]، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُون (٦٢)﴾ [القصص]، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِين (٦٥)﴾ [القصص]، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٦]، ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [البقرة: ٧٥]، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح: ١٥]، ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: ٢٧].
_________________
(١) في (ظ) و(ب): «كلمات» بالجمع، وهي قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو، وابن عامر. التيسير ص ١٠٦، والنشر ٢/ ٢٦٢.
[ ١٣٦ ]
هذه الآيات ساقها الإمام ابن تيمية ﵀ للاستدلال بها على إثبات كلام الله، وأن الله يتكلم، ويُكلم، وقال ويقول، والنصوص القرآنية الدالة على إثبات صفة الكلام لله كثيرة جدًّا.
وأهل السُّنة يؤمنون بما دلَّت عليه هذه النصوص بأنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء بما شاء، وكيف شاء، لم يحدث له الكلام بعد أن كان غير متكلِّم، فيوصف تعالى بالقول فهو يقول، وبأنه يتكلم ﷾، ويوصف بالمناداة، فهو ينادي، ويناجي ﷾، ويتكلم كلامًا يسمعه من شاء من عباده، وكلامه بحرف وصوت، يعني: بكلمات وحروف، فكلامه تعالى حروف وكلمات، وسور وآيات، فيجب إثبات صفة الكلام له ﷾ مع نفي مماثلته تعالى للمخلوقات، فكلامه، وتكلمه ليس ككلام أحد من الخلق ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
وكلامه تصعق منه الملائكة، «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خَضَعانًا لقوله» (^١) أي: تعظيمًا له سبحانه، ولعظم ما يسمعون من وقع كلامه ﷾، ولكنه إذا شاء كلم عباده، وجعل لهم الطاقة والقدرة على سماع كلامه، أو يكلمهم كيف شاء كلامًا تحتمله قواهم، كما كلَّم موسى، ونادى الأبوين ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ فكلامه ﷾ كلام مسموع يُسْمِعه من شاء من عباده،
_________________
(١) رواه البخاري (٤٧٠١)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ١٣٧ ]
أهل البدع يقولون عن القرآن: إنه كلام مخلوق
وأهل البدع المعطلة، ومن تبعهم ينفون الكلام عن الله (^١)، ويقولون: إنه لا يتكلم، ولا يكلم، وأن هذا يستلزم التشبيه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فنفوا حقيقة الكلام عن الله بمثل هذا التلبيس الذي هو من وحي إبليس البعيد العدو المبين.
وماذا يقول هؤلاء الضلَّال عن القرآن؟
يقولون: إنه كلام مخلوق خلقه الله في الهواء لا في محل، وعبَّر عنه جبريل، أو خلق كلامًا في الهواء، وتلقَّاه جبريل، وبلَّغه.
المهم أنهم يقولون: القرآن مخلوق، كذلك ما يكلم الله به من شاء من عباده مخلوق، فيقولون: إذا أراد ﷾ أن يكلم أحدًا خلق كلامًا، ومن ذلك خطاب الله لموسى وكلامه له، زعم الجهمية والمعتزلة: أن الله خلق كلاما في الشجرة هو ما قصَّه الله علينا في القرآن ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾، ﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦)﴾ [النازعات]، ومما قَصَّه الله من ذلك قال له: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه] إلى آخر ما قصَّه الله علينا من خطابه وكلامه لكليمه موسى ﵊، فعندهم أن هذا الكلام الذي
_________________
(١) انظر مذاهب الناس في كلام الله في: مجموع الفتاوى ١٢/ ١٦٢، والكافية الشافية ص ٦٩، ومختصر الصواعق ٤/ ١٣٠٢، و[ص ١٩١] من هذا الكتاب.
[ ١٣٨ ]
التوراة والزبور والإنجيل والقرآن كلها منزلة من عند الله
سمعه موسى كلام مخلوق، خلقه الله في الشجرة، لا أنه كلام قائم به ﷾، ولا أن موسى سمع كلامَ الله من الله، وهذا مع أنه تحريف للكلم عن مواضعه، فإنه غاية في التنقُّص لرب العالمين، فإن الكلام كمال، فالذي يتكلَّم أكمل من الذي لا يتكلَّم، والله ﷾ عندما وبَّخ بني إسرائيل على عبادتهم العجل، ذكر أن العجل لا يتكلَّم، فكيف يعبدونه ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِين (١٤٨)﴾ [الأعراف]، وفي الآية الأخرى ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِي (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [طه]، فجعل من الدليل على بطلان إلهيَّة العجل أنه لا يرجع إليهم قولًا، ولا يرد عليهم جوابًا، ولا يتكلَّم.
وقد دلَّ على إثبات صفة الكلام هذه الآيات، وغيرها.
والتوراة أنزلت على موسى ﷺ، والإنجيل على عيسى ﷺ، والزبور على داود ﷺ، والقرآن الكتاب المصدق لما بين يديه من الكتب على محمد ﷺ؛ كلها كلام الله، منزَّلة من عند الله.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ فهو كلام الله، وإضافة القرآن إلى الله من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ كعلمه، وسمعه، وبصره، وحياته، ووجهه، ويديه.
[ ١٣٩ ]
أئمة الإسلام كفروا من قال: القرآن مخلوق
كلمات الله نوعان: شرعية وكونية
والمعطِّلة نفاة الكلام يقولون: هذا القرآن مخلوق، وهذا ما أنكره عليهم أئمَّة الإسلام، وكَفَّروا من قال: القرآن مخلوق. وصبر الذين امتحنوا في أمر القرآن؛ ليقولوا بأن القرآن مخلوق، وعلى رأس هؤلاء الإمام أحمد إمام أهل السُّنة الذي امتحن بالضرب، والسجن؛ ليقول القرآن مخلوق، فأبى على الجهمية، وصبر على أذاهم (^١)، فلا غرو أن حاز ذلك اللقب «إمام أهل السُّنة»، فرحمه الله وسائر أئمة الهدى.
وهذه الآيات التي ساقها المؤلِّف؛ للاستدلال بها على إثبات صفة الكلام لله، أولها قول الله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾، أي: لا أحد أصدق من الله حديثًا، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾، القيل والقول معناهما واحد، أو متقارب، وقال الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ فكلامه تعالى يسمى حديثًا، وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ فأخباره تعالى غاية في الصدق، فهو أصدق الصادقين، ولا أحد أصدق من الله، وهذا معنى من أصدق من الله حديثًا.
وشرائعُه، وأوامره، ونواهيه، كلها عدل، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾.
وكلمات الله نوعان (^٢): كلمات كونية، وهي: ما يُكَوِّن به الكائنات، كما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٤٠)﴾ [النحل]، كما قال
_________________
(١) انظر: ذكر محنة الإمام أحمد لحنبل بن إسحاق، ومناقب الإمام أحمد لابن الجوزي ص ٤٣٢، وسير أعلام النبلاء ١١/ ٢٣٢.
(٢) مجموع الفتاوى ١١/ ٢٧٠ و٣٢٢، وشفاء العليل ص ٢٨٢.
[ ١٤٠ ]
لليهود العتاة المتمردين، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين (١٦٦)﴾ [الأعراف].
وكلمات شرعية، وهي: كلامه الذي أنزل على رسله، وهي: كتبه، وأعظمها، وأشرفها القرآن، فالقرآن كلامه، وكله من كلماتِه الشرعية.
وكلماتُه الكونية، والشرعية كلها كلامه، ليس شيء منها مخلوقًا؛ ولهذا جاء التعوذ بكلمات الله في غير ما حديث (^١) كحديث «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» (^٢) فاستدل العلماء بمثل هذا على أن كلام الله غير مخلوق.
ومن هذه الآيات ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسى﴾ في غير موضع: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ [المائدة: ١١٠]، ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
_________________
(١) كحديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول: «إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة». رواه البخاري (٣٣٧١). وحديث: عبد الله بن عَمرو ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعلمهم من الفزع كلمات: «أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه، وشر عباده، ومن همزات الشياطين، وأن يحضرون». رواه أبو داود (٣٨٩٣) - واللفظ له -، والترمذي (٣٥٢٨)، وقال: حسن غريب، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٧٦٥) و(٧٦٦)، وصححه الحاكم ١/ ٥٤٨، وحسنه الحافظ ابن حجر في «نتائج الأفكار» ٣/ ١١٨.
(٢) رواه مسلم (٢٧٠٨ و٢٧٠٩)، من حديث خولة بنت حكيم، وأبي هريرة ﵄.
[ ١٤١ ]
معنى النداء والمناجاة
قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ﴾، إلى آخر القصة.
كلها فيها إضافة القول إلى الله، ومنها قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ كلمه: خاطبه بكلام؛ بأخبار، وأوامر ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾.
الله تعالى نادى موسى وناجاه.
والنداء هو: الخطاب بصوت رفيع.
والمناجاة: الخطاب بصوت خفي.
فموسى هو كليم الله، وهو نجي الله، فالله تعالى موصوف بالمناداة والمناجاة، والعباد يوصفون بالكلام، والتكليم، وبالمناداة وبالمناجاة، وليست المناداة كالمناداة، ولا المناجاة كالمناجاة، ولا التكليم كالتكليم، وهذا كله في القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون (٤)﴾ [الحجرات]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المجادلة: ٩].
المقصود أن كل ما يُوصَف الله به من ذلك، ليس مثل ما يُوصَف به المخلوق.
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، كلم اللهُ: بالرفع فاعل، وموسى: مفعول هو المكلَم، وتكليمًا: مصدر مؤكِّد يرفع ويدفع احتمال المجاز.
[ ١٤٢ ]
والمعطِّلة يحرِّفون هذه الآية لكن هيهات، يقولون: وكلَّم اللهَ، ويكون على تحريفهم التكليم من موسى لله، يعني: موسى كلَّم الله (^١).
ولو كان الأمر كذلك فهل يكون لموسى خصوصية؟
لا، كل أحد يمكن أن يكلم الله، أنت تكلِّم الله، وتناجيه «إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه» (^٢) الداعي يكلم ربه يقول: يا رب، يا رب، لكن خصوصية موسى في أن الله كلمه، ولا يستطيع مبطل معطِّل أن يبطل هذه الأدلة يقول: وكلَّم اللهَ،؛ لأن كلام الله محفوظ في الصدور، وفي المصاحف: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد (٤٢)﴾ [فصلت].
وهذا التكليم بيَّن اللهُ أنه كان مناداة، ومناجاة، كما في آية سورة مريم ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾، فالله تعالى نادى موسى، ونادى الأبوين آدم وحواء من قبل لما عصيا، وخالفا أمر الله، وارتكبا ما نُهيا عنه ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِين (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين (٢٣)﴾ [الأعراف]، وكذلك ﷾ ينادي المشركين يوم القيامة توبيخًا لهم ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُون (٦٢)﴾ [القصص]، ويخاطب الرسل ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ
_________________
(١) انظر: بيان تلبيس الجهمية ٢/ ١٢، والصواعق المرسلة ٣/ ١٠٣٧.
(٢) رواه البخاري (١٢١٤)، ومسلم (٥٥١)، من حديث أنس ﵁.
[ ١٤٣ ]
القرآن كلام الله كيفما تصرف غير مخلوق، محفوظ في الصدور، مسموع بالآذان، ومقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف
قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب (١٠٩)﴾ [المائدة]، وفي الحديث «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان» (^١).
فالله تعالى لم يزل، ولا يزال متكلِّمًا، إذا شاء بما شاء، وكيف شاء، ويكلم من شاء من عباده من: ملائكته، ورسله، وعباده، وسائر الخلق، ومن كلامه الكتب، ومنها القرآن، فالقرآن كلام الله، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، هو كلام الله كيفما تصرَّف غير مخلوق، محفوظ في الصدور، ومسموع بالآذان ومقروء بالألسنة، ومكتوب في المصاحف؛ كله كلام الله.
لكنْ كلام الله يُسمع ممن؟
يُسمع من القارئ، فقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، يسمعه إما من: الرسول ﷺ، أو من بعض المؤمنين.
أما الذي سمع القرآن كلام الله من الله؛ فهو جبريل ﵇؛ لأنه هو الموكَّل بالوحي ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِين (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين (١٩٤)﴾ [الشعراء]، فجبريل الروح الأمين سمع كلام الله من الله، ومحمد ﷺ سمع القرآن من جبريل، والصحابة سمعوا القرآن من الرسول ﷺ، ويسمعه بعضهم من بعض، وهكذا.
والآيات الكثيرة المتقدمة التي جاءت بأساليب، وبألفاظ مختلفة كلها تدل على إثبات كلام الله ﷾.
_________________
(١) رواه البخاري (٧٤٤٣)، ومسلم (١٠١٦)، من حديث عدي بن حاتم ﵁.
[ ١٤٤ ]