ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (^١) (^٢).
ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، فيؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد؛ وبهذا سُموا أهل الكتاب والسنة، وسُموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفُرْقَة، وإن كان [٣٤/ ٢] لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين.
و[الإجماع] (^٣) هو الأصل الثالث الذي يعتمد في العلم والدين، وهم يَزِنُونَ بهذه الأصول الثلاثة جميعَ ما عليه الناس من أقوال [وأعمال] (^٤)
_________________
(١) في (ب) و(م): «فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة».
(٢) رواه أحمد ٤/ ١٢٦، وأبو داود (٤٦٠٧)، وصححه الترمذي (٢٦٧٦)، وابن حبان (٥)، والحاكم ١/ ٩٥ - ٩٧، من حديث العرباض بن سارية ﵁.
(٣) من (م)، وفي (ظ) و(ب): الاجتماع.
(٤) لا توجد في (ب).
[ ٢٧٠ ]
الإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح
ما سنه الخلفاء الراشدون ولم يختلفوا فيه ولم يخالف الكتاب والسنة فهو سنة ماضية
باطنة، وظاهرة مما له تعلق بالدين، و[الإجماع] (^١) الذي ينضبطُ هو ما كان عليه السلف الصالح؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف، وانتشرت الأمة.
ومن أصول أهل السنة اتباع آثار النبي ﷺ، وما جاء به ظاهرًا، وباطنًا واتباع آثار السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهذا مما أمر الله به عباده، فقد أمرهم باتباع الرسول ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فطريقتهم اتباع سنة الرسول ﷺ وتعظيمها والتمسك بها، واتباع آثار السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسنة الخلفاء الراشدين، فما سَنَّهُ أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي ﵃ مما لم يختلفوا فيه، ولم يخالف دليلًا من الكتاب والسنة، فهو سنة ماضية نحن مأمورون باتباعِهم، واتباعُهم في هذا هو من تحقيق اتباع النبي ﷺ؛ لأننا بذلك نعمل بوصيته ﷺ حين قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ..» (^٢).
يقول الشيخ عن أهل السنة والجماعة: إنهم يؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس ويقدمونه، ويؤمنون بأنه أصدق الكلام، وأن هدي الرسول ﷺ خير الهدي، فيقدمون كلام الله على كلام
_________________
(١) من (م)، وفي (ظ) و(ب): الاجتماع.
(٢) تقدم تخريجه في [ص ٢٧٠].
[ ٢٧١ ]
اختلف أهل العلم في ما يذكر من الإجماعات الحادثة بعد الصحابة
الإجماع دليل تابع للكتاب والسنة
أهل السنة يزنون بالأصول الثلاثة أقوال وأفعال الناس
غيره، وهدي الرسول ﷺ على هدي غيره؛ لذلك سُموا أهل الكتاب والسنة؛ لتقديمهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ؛ لإيمانهم بأن القرآن هو أصدق الكلام، وأن هدي الرسول ﷺ هو خير الهدي.
كما جاء في خطبته ﷺ: «إن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها» (^١).
لذلك سموا أهل الكتاب والسنة؛ لأنهم المستمسكون بهما المُحكِّمُون لهما، الذين لا يقدمون عليهما معقولًا، ولا ذوقًا، ولا استحسانًا، لا يقدمون عليهما شيئًا.
ويسمى أهل السنة أيضًا: بأهل الجماعة، فهم أهل السنة والجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع، وهم يجتمعون على الحق ويأمرون بالاجتماع عملًا بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
ويعملون بالإجماع: إجماع الصحابة (^٢) ﵃ يقول الشيخ: والإجماع هو الدليل الثالث.
فأصول الأدلة ثلاثة: الكتاب، والسنة، والإجماع. والإجماع في الحقيقة دليل تابع للكتاب والسنة، وأهل السنة والجماعة يَزِنُونَ بهذه الأصول الثلاثة - الكتاب، والسنة، والإجماع - أقوال الناس وأفعالهم وأحوالهم مما له تعلق بالدين.
_________________
(١) رواه مسلم (٨٦٧)، من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) قال شيخ الإسلام: «الإجماع .. المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة، وأما ما بعد ذلك فتعذر العلم به غالبًا، ولهذا اختلف أهل العلم فيما يذكر من الإجماعات الحادثة بعد الصحابة». مجموع الفتاوى ١١/ ٣٤١.
[ ٢٧٢ ]
هذه هي الأصول الثلاثة التي يجب أن توزن بها الأعمال والأقوال والأحوال والأخلاق، وهذا هو الصراط المستقيم الذي أمر الله باتباعه: الاعتصام بحبل الله وهو: دينه الذي بعث به رسوله ﷺ، والاتباع للسلف الصالح من الصحابة الذين أثنى الله عليهم، وعلى المتبعين لهم بإحسان.
* * * *
[ ٢٧٣ ]