أحوال الناس بعد الموت، وبعد البعث
ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت؛ فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر، وبنعيمه. فأما الفتنة: فإن الناس يفتنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ف ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، فيقول: المؤمن الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي. وأما المرتاب فيقول: آه آه (^١) لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيضرب بمرزَبَة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق (^٢)، ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم، وإما عذاب
_________________
(١) هكذا هنا، وفي المسند وأبي داود: «هاه هاه»، وعند البقية: «لا أدري» كما في التخريج.
(٢) رواه أحمد ٤/ ٢٨٧، وأبو داود (٤٧٥٣)، وصححه ابن خزيمة في «التوحيد» ص ١١٩، وابن جرير في «تهذيب الآثار» - مسند عمررضي الله عنه ٢/ ٤٩١ -، والحاكم ١/ ٣٧، والبيهقي في «إثبات عذاب القبر» ص ٣٩، من حديث البراء ﵁ مطولًا، وصححه أيضًا ابن القيم في «الروح» ص ٨٨، =
[ ١٩٩ ]
إلى يوم القيامة الكبرى، فتُعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله تعالى بها في كتابه [و] (^١) على لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق، وتنصب الموازين فيوزن فيها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون (١٠٣)﴾ [المؤمنون]، وتنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره كما قال سبحانه: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء] [٣٠/ ١].
الإيمان باليوم الآخر هو أحد أصول الإيمان الستة التي فسَّر بها النبي ﷺ الإيمان، وهو الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر، أو بتعبير آخر: الإيمان بالبعث بعد الموت.
ويدخل في الإيمان باليوم الآخر أشياء كثيرة مما جاءت به النصوص، فكل ما أخبر الله به في كتابه، أو أخبر به رسوله ﷺ مما يكون بعد الموت فهو داخل في الإيمان باليوم الآخر.
_________________
(١) = و«إعلام الموقعين» ١/ ١٧٨، و«تهذيب السنن» ٧/ ١٩٣، وقواه ابن تيمية ونقل عن جماعة تصحيحه. شرح حديث النزول ص ٢٦٢ - ٢٨٠.
(٢) زيادة من (م).
[ ٢٠٠ ]
الدور ثلاثة: دار الدنيا، ودار البرزخ، والدار الآخرة
القيامة قيامتان: صغرى، وكبرى
دل القرآن والسنة المتواترة على عذاب القبر
فالدور ثلاث: دار الدنيا - وهي دار العمل - ودار البرزخ، والدار الآخرة - وهُما دارا جزاء -.
فيجب الإيمان بما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة من: فتنة القبر، وعذابه، ونعيمه، وما يكون بعد ذلك من القيامة الكبرى؛ فإن القيامة قيامتان:
قيامة صغرى: وهي الموت الذي يكون به الانتقال من دار الدنيا إلى دار البرزخ.
وقيامة كبرى: وهي التي أخبر الله تعالى بها في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، وأجمع عليها المسلمون.
فإنه تعالى يبعث الأموات من قبورهم ﴿﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُور (٧)﴾ [الحج]، وفتنة القبر وعذابه ونعيمه: أحوال من أحوال دار البرزخ. ومعنى البرزخ: الحاجز بين الدنيا، والدار الآخرة ﴿وَمِنْ وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون (١٠٠)﴾ [المؤمنون]، وهو: ما بين الموت إلى البعث.
وقد دلَّ القرآن، والسنة المتواترة (^١) على فتنة القبر وعذابه. والفتنة: الابتلاء، والمراد بفتنة القبر: سؤال الملكين: منكر ونكير للميت «فإن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أتاه ملكان فيقعدانه ويسألانه يقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟».
_________________
(١) انظر: إثبات عذاب القبر، والروح ص ٩٧، وأهوال القبور ص ٤٣، وقطف الأزهار ص ٢٩٤ رقم (١٠٩).
[ ٢٠١ ]
الناس يفتنون في القبور، وبعدها إما نعيم أو جحيم
فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، وأما الكافر فيتلجلج ويحار، فيقول: هاه هاه لا أدري ف ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾، كما ذكر ذلك ﷾ في كتابه، فهذه الآية فسرت التثبيت في القبر ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالاستقامة على الإسلام حتى الموت ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ بالتثبيت عند فتنة القبر.
وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه أُوحي إلى أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا من فتنة المسيح الدجال: فيؤتى أحدكم فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا واتبعنا هو محمد ثلاثًا، فيقال نم صالحًا قد علمنا إن كنت لموقنًا به، وأما المنافق فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا؛ فقلته» (^١). تفتنون: يعني تمتحنون بالسؤال.
وبعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب، ومن عذاب الشقي أنه إذا تحيَّر في الجواب، وقال: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلتُ، يُوكل به من يضربه بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق.
وهذه الأمور تجري في القبور، والناس قريبون جدًّا منها ولا يدرون شيئًا عنها، فهي من علم الغيبِ، والإيمانُ بها من الإيمان بالغيب.
_________________
(١) رواه البخاري (٨٦)، ومسلم (٩٠٥)، من حديث أسماء ﵂.
[ ٢٠٢ ]
الحكمة من خفاء ما في القبور
وقد جاء في الصحيحين (^١) حديث صاحبي القبرين، وأن الرسول ﷺ أخبر بأنهما يعذبان، والصحابة معه لا يدرون عن تعذيبهما، ولا عن سبب تعذيبهما، ومن حكمة الله أنه ستر أحوال القبور، وأهوالها، وعذاب المعذبين فيها، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر ما أسمع» (^٢).
ولو سمع الناس ما في القبور لما استطاعوا المُقام، ولما طاب لهم عيش، ولما تدافنوا، ولفرَّ الناس وهاموا على وجوههم.
فالقبور فيها أمور وخطوب؛ ولهذا جاءت الاستعاذة بالله من عذاب القبر، ومن فتنة القبر في كثير من النصوص، وانظروا كيف أوصانا النبي ﷺ أن نستعيذ بالله من هذه الأخطار العظيمة في كل صلاة بعد التشهد.
قال النبي ﷺ: «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال» (^٣).
ولو كُشف للناس أحوال القبور لما كان لهم ثواب على الإيمان بذلك؛ لأن الثواب إنما هو على الإيمان بالغيب، فهذا هو الذي فيه الفضل، ويتبين فيه المؤمن المصدق من الكافر الجاحد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ الآية [البقرة].
_________________
(١) رواه البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢)، من حديث ابن عباس ﵄.
(٢) رواه مسلم (٢٨٦٨)، من حديث أنس ﵁.
(٣) رواه البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨) - واللفظ له -، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢٠٣ ]
من أصول أهل السنة الإيمان بنعيم القبر أو عذابه
أنكر الزنادقة والملاحدة وبعض المبتدعة عذاب القبر
الرد على من لم يؤمن إلا بالمحسوسات
ولهذا إذا عاين الإنسان مصيره انغلق عليه باب التوبة، فالله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، ويقبل توبة التائبين ما لم ييئسوا من الحياة، ويعاينوا العذاب كما أخبر الله عن الهالكين من المكذبين ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِين (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُون (٨٥)﴾ [غافر].
إذًا؛ فمن أصول أهل السنة الإيمان بفتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، وقد أنكر ذلك بعض المبتدعة، وأنكره الملاحدة الزنادقة (^١)، ويلبسون فيقولون: هذه القبور لا نرى فيها شيئًا، فلا يؤمنون إلا بما تدركه حواسهم. وهذا ضلال بيِّن، فكم من الأمور الموجودة القريبة منا ولا ندركها؟
أليس الإنسان قد وكل الله به ملائكة من حوله يكتبون أعماله ويحفظوه ولا يحس بهم؟
بل إن ملائكة الموت ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب حين نزع الروح أقرب إلى الإنسان من أهله، وهم لا يدرون.
﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُوم (٨٣) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُون (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُون (٨٥)﴾ [الواقعة]، فأحوال القبور الإيمان بها من الإيمان بالغيب، ولا يصح أن يكون عند المسلم أدنى شك لكونه لا يرى شيئًا ولا يحس به.
_________________
(١) الروح ص ١٠٥، ورد عليهم في ص ١١١.
[ ٢٠٤ ]
قد يكشف الله لبعض الناس شيئا من أحوال القبور
ذكر بعض الأمور التي تكون يوم القيامة
وقد يكشف الله لبعض الناس شيئًا من أحوال القبور كما تواترت الأخبار، فيُكشف أحيانًا لبعض الناس أشياء: إما أمور مسموعة، أو أمور مرئية (^١).
وبعد ذلك يبقى الناس في قبورهم، وفي أحوالهم إلى القيامة الكبرى التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ، وأجمع عليها المسلمون، فالقيامة البعث بعد الموت، فالإيمان بها من أصول الإيمان، ومن أنكر البعث فهو كافر ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧]، والحديث عن البعث في القرآن طويل، ومستفيض، ومتنوع، وكثير، وواسع.
قال المؤلف: «يقوم الناس من قبورهم» هذه القيامة الكبرى، تُعاد الأرواح إلى الأجساد، ويُجمع شتات الأبدان، يجمع ما تمزق وتفرق ويُعاد خلقًا جديدًا ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيب (٢) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيد (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظ (٤)﴾ [ق]، فالأجزاء المتفرقة والأوصال المتمزقة والعظام النخرة يجمعها ربك، وينشئها نشأة أخرى، ويعيد الأرواح نفسها إلى تلك الأبدان التي ينشئها الله نشئًا جديدًا، فتتشقق عن الناس قبورهم، ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ [ق: ٤٤]، تتشقق الأرض كما تتشقق عن النبات، يدفن البذر في الأرض فتنمو هذه البذور فتنشق عنها الأرض، فتخضر وتخرج الأشجار والثمار، والله شبه إحياء الأموات وإخراجهم من
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٤/ ٢٩٦، و٢٤/ ٣٧٦، وشرح حديث النزول ص ٣٩٩، والروح ص ١١٩، وأهوال القبور ص ٦١.
[ ٢٠٥ ]
قبورهم بإحياء الأرض بعد موتها ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٦)﴾ [الحج]، وفي الآية الأخرى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٣٩)﴾ [فصلت]، وهذا المعنى في القرآن كثير.
ويكونون «حفاة عراة غرلًا»: أي غير منتعلين، ولا مكتسين، ولا مختونين ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ولما أخبر الرسول ﷺ بذلك، سألته أم المؤمنين عائشة: الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال الرسول ﷺ: «يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك» (^١).
وذكر الشيخ جملة مما يكون يوم القيامة فمن ذلك: دنو الشمس من رؤوس الخلائق، كما جاء بذلك الحديث الصحيح: «فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق؛ فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما» (^٢). ولو كانت خِلقتهم وطبيعتهم كطبيعتهم في هذه الحياة لأحرقتهم الشمس، لكن حياة الآخرة خلقت للبقاء، وإذا ردت الأرواح إلى الأبدان فإنها ترد ردًّا لا انفصال، ولا فراق بعده.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٢٧)، ومسلم (٢٨٥٩).
(٢) رواه مسلم (٢٨٦٤)، من حديث المقداد بن الأسود ﵁.
[ ٢٠٦ ]
ومما يكون يوم القيامة: نصب الموازين، ووزن الأعمال ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين (٤٧)﴾ [الأنبياء].
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكذا نصوص السنة الدالة على وزن الأعمال (^١).
وكذلك نشر الدواوين، وهي: صحائف الأعمال، والآيات في هذا كثيرة ذكر الشيخ منها قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كَتَابَكَ﴾ [الإسراء]، أي: ألزمناه عملَه، ونصيبُه في عنقه ملازم له.
﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ كتابًا حقيقيًّا الله أعلم بكيفيته.
﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ أي: مفتوحًا ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَت (١٠)﴾ [التكوير].
﴿اقْرَأْ كَتَابَكَ﴾ كتاب قد أُحصي على الإنسان فيه كل صغير وكبير.
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَر (٥٣)﴾ [القمر].
فكل هذا مما يجب الإيمان به، وهو داخل في الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بكل ما أخبر الرسول ﷺ به من فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، والبعث بعد الموت، وقيام الناس من قبورهم حفاة،
_________________
(١) انظر: التذكرة ٢/ ٧١٥، وفتح الباري ١٣/ ٥٣٨.
[ ٢٠٧ ]
أنكر بعض المعتزلة الميزان
ودنو الشمس، ونصب الموازين، ووزن الأعمال، ونشر الدواوين، كل هذا مما يجب الإيمان به، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذا كله؛ لأن منهجهم ومذهبهم قائم على الإيمان بكل ما أخبر الله به في كتابه، وما أخبر به رسوله ﷺ لا يعارضون شيئًا من ذلك بعقولهم، أو بعقل فلان، أو بآراء فلسفية، أو جدل كلامي، بل مذهبهم قائم على التسليم لخبر الله سبحانه، وخبر رسوله ﷺ يؤمنون بذلك كله كما جاء عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال: آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ (^١).
وأهل البدع وإن أقروا بالبعث فإنهم يقولون أقوالًا تخالف موجب النصوص، وينكرون بعض ما ورد في السنن مثل من ينكر الميزان (^٢).
فأهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما أخبر الله به في كتابه وأخبر به رسوله ﷺ، والإيمان بهذه الأمور كله داخل في الإيمان باليوم الآخر.
* * * *
_________________
(١) لمعة الاعتقاد ص ٨، ومجموع الفتاوى ٤/ ٢ و٦/ ٣٥٤.
(٢) كالمعتزلة، انظر: مقالات الإسلاميين ص ٤٧٢، ودرء تعارض العقل والنقل ٥/ ٣٤٨ - وذكر أنه قول البغداديين من المعتزلة دون البصريين -، وفتح الباري ١٣/ ٥٣٨.
[ ٢٠٨ ]
قال ابن تيمية: الكفار لا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته
ويحاسب الله الخلق، ويخلو بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار؛ فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويجزون بها.
ومما يكون يوم القيامةِ من الأمورِ العظيمةِ الحسابُ، فيوم القيامة له أسماء كثيرة منها: يوم الفصل، ويوم النشور، ويوم التلاق، ويوم التناد، ويوم الحسابِ، والحسابُ من أعظم ما يكون يوم القيامة.
يحاسب الله الخلائق، وهو سريع الحساب، وهو أسرع الحاسبين ﷾ ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾ [الانشقاق]، فمن الناس من يحاسب حسابًا يسيرًا، ومنهم مَنْ يناقَش الحساب.
[ ٢٠٩ ]
وقد قال ﷺ: «من نُوقِشَ الحساب عُذِّب، فقالت أم المؤمنين عائشة ﵂: أليس الله يقول: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا؟ قال: ذلك العرض» (^١).
حساب المؤمن الذي غفر الله له ذنوبه إنما هو عرض أعماله عليه؛ ويسترشد إلى هذا بقول الشيخ: «يحاسب الله الخلق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه» إلى آخره.
وقول الشيخ: «كما وصف ذلك في الكتاب والسنة»:
هذه الكلمة عامة وهي: إشارة إلى دليل قوله: «ويحاسب الله الخلق ويخلو بعبده المؤمن»: فمن أمور الحساب ما دلَّ عليه القرآن، كما في الآيات التي ذكرتُها، ومنها ما دلَّت عليه السنة، والفقرة الثانية إنما جاءت بها السنة، فالرسول ﷺ أخبر «أن الله يدني عبده المؤمن حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، ثم يقول له: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» (^٢).
يقول الشيخ: «وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ لأنه لا حسنات لهم»: ولكونهم لا حسنات لهم؛ لا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ لأن من له حسنات وسيئات توزن أعماله؛ فقد ترجح الحسنات فينجو، وقد ترجح السيئات، فيستوجب العذاب.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٣٦)، ومسلم (٢٨٧٦).
(٢) رواه البخاري (٦٠٧٠)، ومسلم (٢٧٦٨)، من حديث ابن عمر ﵄.
[ ٢١٠ ]
قال الشارح: ظاهر القرآن أن الكفار توزن أعمالهم
وقول الشيخ: «وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته … ولكن تعد أعمالهم وتحصى فيوقفون عليها، ويقررون بها ويجزون بها»: كأن هذه العبارة تُشْعِر بأن أعمالهم لا توزن (^١)، والقرآن ظاهره - والله أعلم - أن الكفار توزن أعمالهم؛ فتخف موازينهم قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ [المؤمنون] الآيات، ونظائر هذا في القرآن متعددة، فالذين تخف موازينهم؛ يبوؤون بالشقوة، وهم الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ [المؤمنون]، فيقول الله تعالى لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون] نعوذ بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء وسوء القضاء، نعوذ بالله من مصير أهل الشقاء.
* * * *
_________________
(١) انظر: التذكرة ٢/ ٧٢٠، وفتح الباري ١٣/ ٥٣٨.
[ ٢١١ ]
وجوب الإيمان بالحوض والصراط
وفي [عَرصة] (^١) القيامة الحوض المورود لمحمد ﷺ ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لن يظمأ بعدها أبدًا.
والصراط منصوب على متن جهنم - وهو الجسر الذي بين الجنة والنار - يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يَعْدو عدْوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط دخل الجنة، فإذا عبروا عليه، وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هُذِّبوا ونُقوا أذن لهم في دخول الجنة.
_________________
(١) في (م): عرصات.
[ ٢١٢ ]
أحاديث الحوض متواترة
صفات الحوض
ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر ويجب الإيمان به: الحوض لنبينا ﷺ فقد تواترت به السنة (^١) وأخبر الرسول ﷺ، بوصفه، ووصف مائه، ومساحته، ومن ذلك ما ذكره الشيخ في أحد الروايات: «طوله شهر، وعرضه شهر» (^٢)، وفي رواية أخرى تقدير مساحته «كما بين أيلة، وصنعاء» (^٣)، و«كما بين صنعاء، والمدينة» (^٤). وروايات كثيرة في مقداره (^٥).
المقصود أنه حوض عظيم، ومورد كريم ترد عليه هذه الأمة، ويشرب منه المؤمنون الذين ثبتوا في هذه الحياة على هدى الله، واستقاموا على سنة رسوله ﷺ، وهذا الحوض قد ورد: «أن ماءه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من ريح المسك، وآنيته وكيزانه كنجوم السماء» (^٦).
كل هذا يجب الإيمان به، وأهل السنة يؤمنون بهذا كله تصديقًا لخبر الصادق المصدوق ﷺ، وهذا من فضائل نبينا فإن الله تعالى يظهر فضله
_________________
(١) قطف الأزهار المتناثرة ص ٢٩٧ رقم (١١٠)، ونظم المتناثر ص ٢٤٨ رقم (٣٠٥).
(٢) رواه البخاري (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٣) رواه البخاري (٦٥٨٠)، ومسلم (٢٣٠٣)، من حديث أنس ﵁.
(٤) رواه البخاري (٦٥٩١)، ومسلم (٢٢٩٨)، من حديث حارثة بن وهب ﵁.
(٥) انظر أحاديث الحوض في: البداية والنهاية ١٩/ ٤٢٣ - ٤٦٦.
(٦) نحو هذا اللفظ في البخاري (٦٥٧٩)، ومسلم (٢٢٩٢)، من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، ومسلم (٢٤٧)، من حديث أبي هريرة ﵁، و(٢٣٠٠)، من حديث أبي ذر ﵁، و(٢٣٠١)، من حديث ثوبان ﵁.
[ ٢١٣ ]
هل الحوض قبل الصراط أو بعده؟
أنكر الخوارج وبعض المعتزلة الحوض
وكرامته على سائر الأنبياء بذلك الحوض، وبكثرة الواردين عليه، وإنه ليرد عليه أقوام يعرفهم ﷺ فيختلجون دونه ويحال بينهم وبين الورود، فيقول: «أصحابي أصحابي»، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فيقول ﷺ: «سحقًا سحقًا لمن غيَّر بعدي» (^١).
نعوذ بالله من التغيير والتبديل والردة عن الإسلام.
يقول الشيخ: «في عرصات القيامة الحوض لنبينا»: عرصات القيامة: مواقفها، وساحاتها.
وذكره للحوض في هذا الموضع يشعر بأنه يختار أن الحوض قبل الصراط، فإن أهل العلم اختلفوا في الحوض هل هو قبل الميزان، أو بعده؟ وهل هو قبل الصراط أو بعده؟ (^٢)
والمقصود أن من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بحوض النبي ﷺ، وقد أنكر الحوض بعض طوائف المبتدعة (^٣)، ولا حجة لهم في هذا الإنكار إلا الاستبعاد الذي لا سند له إلا قولهم:
كيف يكون الحوض بهذه المساحة؟ وكيف يكون في عرصات القيامة؟
فنقول: الله تعالى على كل شيء قدير.
_________________
(١) رواه البخاري (٦٥٨٣ و٦٥٨٤)، ومسلم (٢٢٩٠ و٢٢٩١)، من حديث سهل بن سعد وأبي سعيد الخدري ﵃.
(٢) التذكرة ٢/ ٧٠٢، وزاد المعاد ٣/ ٦٨٢، وشرح الطحاوية ١/ ٢٨٢.
(٣) في «الإبانة» للأشعري ص ٨٦: وأنكرت المعتزلة الحوض، وفي «الفتح» ١١/ ٤٦٧: أنكره الخوارج، وبعض المعتزلة.
[ ٢١٤ ]
الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة من نهر الكوثر
يعبر الناس على الصراط بحسب سيرهم على الصراط المستقيم
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال - في الحوض -: «يشخب فيه ميزابان من الجنة» (^١). وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي ﷿ عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم» (^٢).
أي: أن شراب هذا الحوض يُمد من نهر الكوثر الذي امتن الله به على نبينا محمد ﷺ في الجنة.
ومما يجب الإيمان به ويدخل في الإيمان باليوم الآخر: الصراط، وهو: جسر منصوب على متن جهنم بين الجنة والنار يعبر منه الناس بحسب سيرهم وثباتهم على الصراط الذي نصبه الله للعباد في هذه الحياة الدنيا؛ ففي الدنيا صراط، وهو: دين الله الذي بعث به رسله، ودينه هو: الصراط المستقيم، وهو في حق هذه الأمة شريعة محمد ﷺ فمن كان على دين الله وصراطه المستقيم أثبت، وفي سيره أسرع كان على ذلك كذلك ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ]، ف (الجزاء من جنس العمل)، ولهذا الناس يمرون عليه منهم: من يمر كالبرق سرعة - وهكذا حال الناس في الدنيا -، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم كالفرس الجواد، ومنهم كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من لا يسير، وعلى الصراط كلاليب
_________________
(١) رواه مسلم، (٢٣٠٠) عن أبي ذر ﵁، و(٢٣٠١) عن ثوبان ﵁.
(٢) رواه مسلم (٤٠٠).
[ ٢١٥ ]
من عبر الصراط تجاوز الخطر، ودخل الجنة من أول وهلة
سياق النصوص يشعر بأن العبور على الصراط خاص بأهل الإيمان والمنتسبين إليهم
الأمم الكافرة كاليهود والنصارى وعباد الأوثان لا يمرون على الصراط
تخطف الناس بأعمالهم، وفي الحديث: «فناج مُسلَّم، ومكدوس في النار» (^١).
ويمر الناس على هذا الصراط، فمن عبر تجاوز الخطر - اللهم نجنا من عذابك يوم لقائك - ولهذا بيَّن الشيخ أن من عبر الصراط دخل الجنة من أول وهلة دون أن يمسه عذاب، فأما الذين يعذبون فإنهم لا يعبرون، بل يسقطون في النار، وينالهم العذاب. والله أعلم.
والذي يشعر به سياق النصوص التي وردت في الصراط أن هذا العبور إنما يكون لأهل الإيمان، وللمنتسبين لأهل الإيمان، أما الأمم الكافرة كاليهود والنصارى وعباد الأوثان فهؤلاء ليسوا ممن يمر على الصراط - والعياذ بالله - كما جاء في الحديث أن الناس يحشرون يوم القيامة فيقال: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبعون ما كانوا يعبدون فيلقون في النار دون أن يعبروا على الصراط (^٢).
_________________
(١) روى البخاري (٧٤٣٩)، ومسلم (١٨٣)، من حديث أبي سعيد ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم»، قيل يا رسول الله: وما الجسر؟ قال: «دحض مزلة فيه خطاطيف، وكلاليب، وحسك تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون، كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم ..». لفظ مسلم.
(٢) في حديث أبي سعيد السابق - والسياق لمسلم -: «إذا كان يوم القيامة أذن مؤذن ليتَّبع كل أمة ما كانت تعبد فلا يبقى أحد كان يعبد غير الله سبحانه من الأصنام والأنصاب إلا يتساقطون في النار حتى إذا لم يبقَ إلا من كان يعبد الله من بر وفاجر وغُبَّرِ أهل الكتاب، فيدعى اليهود فيقال لهم: ما كنتم تعبدون؟ قالوا: كنا نعبد عزير ابن الله. فيقال: كذبتم ما اتخذ الله من صاحبة ولا ولد فماذا تبغون؟ قالوا: عطشنا يا ربنا فاسقنا فيشار إليهم ألا تردون؟ فيحشرون إلى النار كأنها=
[ ٢١٦ ]
المقصود أنه يجب الإيمان بالصراط، وبما جاء من عبور الناس، وتفاوتهم في المرور.
وإنه لمثال لحال الناس وسيرهم على صراط هذه الحياة فمنهم: من هو مستقيم، ويسير سيرًا حثيثًا مواصلًا ليله ونهاره إلى الله ما يَضيع من وقته شيء، وآخر دونه، فتأمل واقعك.
[ ٢١٧ ]
يوقف المؤمنون على قنطرة بين الجنة والنار، ويقتص لبعضهم من بعض
والسير في هذه الحياة يكون بسير القلوب، وبسير الأبدان تبعًا فيما يتطلب ذلك، وبعد المرور على الصراط - والحديث الآن عن المؤمنين الذين عبروا، وتجاوزوا الخطر - يوقف الناس على قنطرة بين الجنة والنار قبل الدخول (^١)، الإخوةُ المؤمنون الأحبابُ يقتص لبعضهم من بعض الحقوق التي تكون بينهم فيذهب الغل ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧]، حتى لا يكون لأحد على أحد شيء، وهذا غير المقاصة التي جاءت في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يُقْضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» (^٢).
قال الشيخ: «فإذا هذبوا ونقوا» وكمل طيبهم أذن لهم بدخول الجنة، فيدخلونها طيبين قد طابوا في الدنيا، وكمل طيبهم وتأهلوا لدخول دار الطيبين ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾ [الزمر]، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بالصراط على ما جاء في الأخبار، ويسلمون، فمنهجهم ومذهبهم
_________________
(١) رواه البخاري (٢٤٤٠)، من حديث أبي سعيد ﵁.
(٢) رواه مسلم (٢٥٨١).
[ ٢١٨ ]
قائم على التسليم لله ورسوله ﷺ لا يعارضون شيئًا بآرائهم وأهوائهم ومعقول فلان ورأيه، وأما أهل الأهواء فإنهم يحكمون عقولهم في أخبار الرسول ﷺ هذا معقول، وهذا غير معقول، وهذا كذا، وهذا كذا.
* * * *
[ ٢١٩ ]
وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ، وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته، وله في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياء - آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم - الشفاعة حتى تنتهي إليه.
وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له.
وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع [٣١/ ٢] فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين، والصديقين، وغيرهم، يشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها. ويُخرج الله تعالى من النار أقوامًا بغير شفاعة بل بفضل رحمته، ويبقى في الجنة فضل عمّن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة.
ذكر الشيخ جملة من الأمور التي تكون يوم القيامة، والإيمان بها يدخل في الإيمان باليوم الآخر منها:
[ ٢٢٠ ]
الشفاعة الأولى للنبي ﷺ، وهي: الكبرى، وهي: المقام المحمود
أن أول من يستفتح باب الجنة نبينا محمد ﷺ يستفتح فيفتح له، فيدخل فيكون أول من يدخل الجنة مطلقًا (^١)، وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته (^٢)، فهو أفضل النبيين والمرسلين (^٣)، وأمته خير الأمم (^٤)، كل هذا مما صحت به الأحاديث عن النبي ﷺ، وهذه أيضًا من خصائصه ﷺ، وفضائله التي يظهر الله بها فضله على رؤوس الأشهاد ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح]، ويَدخل بعده وأمته مَنْ شاء ﷾.
ثم يقول الشيخ: إن للرسول ﷺ ثلاث شفاعات:
الشفاعة الأولى: وهي الشفاعة في أهل الموقف، أن يُقضى بينهم، وتسمى: الشفاعة الكبرى، وهي: المقام المحمود الذي امتن الله به عليه في قوله: ﴿﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء]، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة» (^٥).
وهذه الشفاعة خاصة به، وهي الشفاعة التي يتدافعها الأنبياء أولو العزم، كما ثبت عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة الطويل المتواتر،
_________________
(١) رواه مسلم (١٩٧)، من حديث أنس ﵁.
(٢) رواه مسلم (٨٥٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
(٥) رواه البخاري (٦١٤)، من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
[ ٢٢١ ]
الشفاعة الثانية للنبي ﷺ شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها
الشفاعة الثالثة: في أهل الكبائر للنبي ﷺ ولغيره من الأنبياء والصالحين
حين يأتي الناس لآدم، ويطلبون منه أن يشفع لهم عند الله، ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ﵈ إلى أن ينتهي الناس إلى النبي ﷺ، فيقول: «أنا لها، فأستأذن على ربي فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجدًا، فيقول: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع ..» (^١).
هذه الشفاعة الكبرى التي يتراجع عنها الأنبياء، ويتقدم لها نبينا محمد ﷺ لعظيم منزلته عند ربه.
والشفاعة الثانية: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، ويجري نحو ما جرى من تدافع وتراجع الأنبياء عن الشفاعة في ذلك، فيشفع - أيضًا - لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة (^٢)، وفي كل ذلك إظهار لشرفه ﷺ، وإعلاء لقدره، وإظهار لكرمه على ربه.
وهاتان الشفاعتان - شفاعته في أهل الموقف أن يقضى بينهم، وشفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة - خاصتان به لا يشركه فيهما أحد من الأنبياء، ولا غيرهم.
والثالثة: الشفاعة في أهل الكبائر فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، وهذه الشفاعة له، ولغيره من الأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين، والملائكة.
_________________
(١) رواه البخاري (٧٥١٠) ومسلم (١٩٣)، من حديث أنس ﵁. وانظر: قطف الأزهار المتناثرة ص ٣٠٣ رقم (١١٢).
(٢) رواه مسلم (١٩٥)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢٢٢ ]
الشفاعة في أهل الكبائر أنكرها الخوارج والمعتزلة
يخرج الله ﷾ أقواما بغير شفاعة
وهذه الشفاعة هي التي ينكرها أهل البدع كالخوارج والمعتزلة؛ لأن ذلك يناقض أصلهم، وتقدم (^١) أن من أصولهم أن أهل الكبائر لا بد لهم من دخول النار، والخلود فيها فتمتنع الشفاعة كما تمتنع في المشركين ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر]، ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر]. فجعلوا مرتكب الكبيرة كذلك لا تنفعه شفاعة الشافعين.
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذا كله، ويثبتون هذه الشفاعة للنبي ﷺ وغيرها، لكن هذه أهمها وأبرزها، ولهذا اقتصر الشيخ عليها فاثنتان خاصتان به، والثالثة مشتركة، ولكن له منها الحظ الأوفر، فإنه ثبت أنه ﷺ يشفع أربع مرات، يقول: «فأشفع فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأشفع فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة إلى أربع مرات» (^٢).
ويُخْرِج الله من النار أقوامًا بغير شفاعة (^٣) بل بمحض فضله ورحمته ﷾، والكل من فضله، والكل من رحمته حتى مَنْ يخرج بشفاعة الشافعين، هل خرجوا إلا برحمة الله وبفضله؟
مَنْ الذي أذن للشافع أن يشفع؟ ومن الذي قبل منه الشفاعة؟
_________________
(١) [ص ١٧٨].
(٢) تقدم تخريجه في [ص ٢٢٢] حاشية ١.
(٣) روى البخاري (٧٤٣٩) - واللفظ له -، ومسلم (١٨٣)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «.. يشفع النبيون، والملائكة، والمؤمنون، فيقول الجبار: بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقوامًا قد امتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة يقال له: ماء الحياة فينبتون في حافتيه كما تنبت الحِبَّة في حميل السيل ..» الحديث.
[ ٢٢٣ ]
يبقى في الجنة فضل فينشئ الله لها أقواما فيدخلهم الجنة
فهو ﷾ تارةً يسدي فضله بسبب يهيئه، ويجريه على يد بعض العباد، وتارةً يمنح ويؤتي فضله دون توسط سبب، والسبب إذا توسط فهو أيضًا عائد إلى إرادته تعالى ورحمته وفضله، فالأمر له أولًا وآخرًا، يكرم الشافع فيأذن له بالشفاعة، ويرحم المشفوع له فينجيه من العذاب بشفاعة من أذن له بالشفاعة والقبول.
قال الشيخ: «ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة»:
ثبت هذا في الحديث عن النبي ﷺ: «لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا، فيسكنهم فضل الجنة» (^١).
* * * *
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ١٥٤].
[ ٢٢٤ ]