ثم رسله صادقون مُصَدَّقون (^١)، بخلاف الذين يقولون عليه ما لا يعلمون، ولهذا قال ﷾: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٨٢)﴾ [الصافات]، فسبَّح نفسه عمَّا وصفه به المخالفون للرسل، وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، وهو سبحانه قد جمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات، فلا عدول لأهل السنة والجماعة عمَّا جاءت به المرسلون؛ فإنَّه الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيِّين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وقد دخل في هذه الجملة ما وصف به نفسه في سورة الإخلاص [٢٤/ ٢] التي تعدل ثلث القرآن حيث يقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١) اللَّهُ الصَّمَد (٢)﴾ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾.
وما وصف به نفسه في أعظم آية من كتابه حيث يقول: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ
_________________
(١) في (ب): مَصْدُوقُون.
[ ٤٠ ]
حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم (٢٥٥)﴾ [البقرة]، ولهذا كان من قرأ هذه الآية في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.
بعدما ذكر الشيخ ﵀ ما يجب في صفاته تعالى، وأن الواجب أن يُوصَف الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، وأن هذا من الإيمان بالله، وأن هذه هي عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في باب الأسماء والصفات يعتمدون في ذلك على كتاب الله إيمانًا بالله، وكتابه ورسوله ﷺ.
ولهذا قال الأئمة في بعض الصفات: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب» (^١).
فالإيمان به هو حقيقة تصديق الله، وتصديق رسوله ﷺ وهو مقتضى الإيمان بالله ورسوله ﷺ وكتابه.
يقول الشيخ بعدما ذكر هذا: «ثم رسله صادقون مُصَدَّقون»: في بعض النسخ: «مَصْدُوقون».
_________________
(١) روي هذا الأثر عن أم سلمة ﵂ ولا يصح عنها. وثبت عن الإمام ربيعة بن أبي عبد الرحمن، والإمام مالك ﵏. انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٣/ ٤٤٠ - ٤٤٢، وعقيدة السلف أصحاب الحديث للإمام الصابوني ص ٣٧، وذم التأويل للإمام ابن قدامة ص ٢٥، وشرح حديث النزول ص ١٣٢، والأثر المشهور عن الإمام مالك ﵀ في صفة الاستواء للشيخ عبد الرزاق العباد ص ٨٤ و١٢٣.
[ ٤١ ]
لا يكذب الرسل ظاهرا وباطنا إلا من لا عقل له
الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم جاؤوا في باب الأسماء والصفات - وغيره - بالحق المبين، فقولهم هو الحق، وما جاؤوا به هو الحق الذي يجب الإيمان به، والالتزام به.
والرسل عليهم الصلاة والسلام هم أصدق الناس، وقد عصمهم الله من الكذب؛ لأنه اصطفاهم لتبليغ رسالاته، ولا يصطفي ﷾ لتبليغ رسالاته وتبليغ شرائعه إلا الصادقين.
«ثم رسله صادقون مُصَدَّقون»:
وهم مَصْدُوقون، فالله تعالى يصدقهم، ويقيم الأدلَّة، والخوارق الدالَّة على صدقهم، وشهد بصدقهم في كلامه: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيم (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِين (٣)﴾ [يس]، ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِين (٧٩)﴾ [النمل].
وهم مُصَدّقُون عند الموفقين؛ بل إن أعداء الله الكفرة هم مُصَدِّقون للرسل في الباطن كما قال ﷾: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُون (٣٣)﴾ [الأنعام]، وكما قال عن فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِين (١٤)﴾ [النمل]، فلا يكذب الرسل ظاهرًا، وباطنًا إلا من لا عقل له.
أما العقلاء فإنهم - وإن جحدوا ظاهرًا عنادًا، وحسدًا، وكبرًا، وما إلى ذلك - مُصدِّقون لهم في الباطن، وإن كان هذا التصديق لا ينفعهم، فمن صدَّق الرسل في الباطن، وأظهر تكذيبهم؛ فهو الكفور، ولا ينفعه تصديقه في الباطن.
[ ٤٢ ]
معنى كلمة «سبحان»
أما معنى «مَصْدُوقُون»: المصدوق هو: المخبَر بالصدق، والصادق: هو المخبِر بالصدق.
فالرسل صادقون لأنهم قد أَخبروا بالصدق، وهم مَصْدُوقُون لأنهم مخبَرون بالحق، فهم يتلقَّون علومهم، وما يبلِّغونه عن الله بواسطة وحيه، ورسوله من الملائكة ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين (٢٠)﴾ [التكوير].
إذًا؛ فما قالته الرسل في الله هو الحق نفيًا وإثباتًا، ولصدق الرسل، وأن ما قالوه في رب العالمين هو الحق، قال ﷾: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٨٢)﴾ [الصافات].
فسبَّح نفسه سبحانه وتعالى عمَّا يصفه به الجاهلون، والمفترون والمشركون، الذين يقولون على الله ما لا يعلمون.
«سبحان» هذه الكلمة تدلُّ على التنزيه، وعلى نفي المعائب، والنقائص قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧١]، ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون (٣١)﴾ [التوبة].
«وسلَّم على المرسلين»: سلام من الله على رسله ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِين (١٨١)﴾ [الصافات]. وإنما سلَّم عليهم؛ لأنهم أولياؤه الصادقون فيما أخبروا به عنه، المحقُّون فيما يصفون به ربهم، ولهذا يقول الشيخ: «وسلَّم على المرسلين لسلامة ما قالوه من النقص والعيب»، ومن الشرك والإفك.
[ ٤٣ ]
قاعدة النفي الذي جاء في النصوص «الإجمال في النفي، والتفصيل في الإثبات»
﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين (١٨٢)﴾ [الصافات]. ثناءٌ من الله على نفسه بإثبات الحمد كله له؛ لما له ﷾ من الأسماء الحسنى، والصفات العلا، وبديع المخلوقات.
فهذه الآيات فيها تنزيه، وتحميد، وتمجيد، وثناء على المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم، فالرسل هم الأئمة، وهم القدوة، ولنا فيهم أسوة، وسبيلنا سبيلهم، ولا سيما نبينا خاتم النبيين ﷺ.
يقول الشيخ: «وقد جمع ﷾ فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات»:
وهذه قاعدة في باب الأسماءِ والصفات «الجَمْع بين النفي والإثبات» معناها أنه موصوف بإثبات الفضائل، والكمالات، وموصوف بنفي النقائص والآفات، والمدح لا يكون بالإثبات فقط، ولا بالنفي فقط، وإنما يكون بالنفي، والإثبات.
وممَّا ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أن النفي والإثبات الذي جاء في النصوص القاعدةُ فيه هي:
«الإجمال في النفي، والتفصيل في الإثبات»؛ فالإثبات يأتي مفصَّلًا في: تعداد الأسماء، وتعداد الصفات، وتعيينها.
أمَّا النفي؛ فيكون عامًّا مطلقًا، وهو ما يعبَّر عنه بالإجمال، هذا هو الغالب على طريقة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم.
[ ٤٤ ]
الله ﷿ لم يصف نفسه بنفي محض لا يتضمن ثبوت كمال
فالرسل جاؤوا في صفات الله بإثبات مفصَّل، وبنفي مُجمَل، ولكن قد يأتي الإثبات مجملًا، كما قد يأتي النفي مفصَّلًا، لكن القاعدة الغالبة هي: التفصيل في الإثبات، والإجمال في النفي. وسيأتي لهذا المعنى مزيد إيضاح عندما نصل إلى شواهد النفي (^١)، فيحصل تطبيق هذه القاعدة، وإيضاحها.
وهذا النفي الذي يُوصَف الله به هو: النفي المتضمن لإثبات كمال، فكلُّ نفي ورد في صفاته سبحانه؛ فإنه متضمن لإثبات كمال ضدِّه.
أما النفي المحض الذي لا يتضمَّن ثبوت كمال؛ فهذا لم يصف الله به نفسه؛ لأن النفي الذي لا يتضمَّن ثبوت كمال لا يكون مدحًا، ولا كمالًا.
وإذا كان هذا ما جاءت به الرسل فلا عدول لأهل السُّنة والجماعة عمَّا جاء به المرسلون صلوات الله وسلامه عليهم، بل هم مقتفون لآثار الرسل لا سيما خاتمهم الذي له على أمته من واجب الإيمان، والمحبة، والاتِّباع ما ليس لغيره ﷺ.
يقول الشيخ: «فلا عدول لأهل السُّنة عما جاءت به المرسلون»:
أهل السُّنة الفرقة الناجية المنصورة، لا محيد لهم، ولا عدول لهم عن طريق المرسلين.
قال ﷾ لنبيه بعدما ذكر الأنبياء والمرسلين إجمالًا وتفصيلًا قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فالصحابة
_________________
(١) [ص ١١٢].
[ ٤٥ ]
الصراط هو: الطريق الذي يجمع معان فليس كل طريق صراطا
والتابعون ماضون على سبيل الرسول ﷺ: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨]، وسبيل الرسول ﷺ هو سبيل المؤمنين ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء].
وما جاء به المرسلون في صفاته تعالى، وغيرها هو الصِّراط المستقيم.
قال الشيخ: «فإنه الصراط المستقيم»: ما جاء به المرسَلون هو الصراط المستقيم، والصراط هو الطريق الذي يجمع معانٍ، فليس كل طريق صراطًا.
والصِّراط هو:
الطَّريق المستقيم، الموصِل إلى المقصود، القريب، الوسع، المسلوك.
هذا معنى ما ذكره ابن القيم في بيان خصائص الصِّراط في كلامه على سورة الفاتحة في «مدارج السالكين» (^١)، وصراط الله مسلوك؛ سالكوه هم المُنعَم عليهم من النَّبيِّين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين.
وأهل السُّنة داخلون في طريق المُنعَم عليهم على حسب مراتبهم في العلم والدين والفضل.
والصراط المستقيم هو: دين الله الذي بَعَث به رسوله ﷺ في كل باب من أبواب العلم: في مسائل الاعتقاد؛ كالأسماء والصفات، واليوم الآخر، وسائر أصول الإيمان، والشرائع، والأوامر، والنواهي.
_________________
(١) / ٣٣، وبدائع الفوائد ٢/ ٤١٦.
[ ٤٦ ]
تضمن سورة الإخلاص للتوحيد العلمي الخبري
لماذا سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن؟
بعد هذا يقول الشيخ: «وقد دخل في هذه الجملة»:
المشار إليه - القاعدة - قد دخل في هذه الجملة ما وَصَف الله به نفسه في سورة الإخلاص التي تَعْدِل ثُلُث القرآن، وهي قوله سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١) اللَّهُ الصَّمَد (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾.
هذه سورة الإخلاص؛ لأنها متضمِّنة للتوحيد العلمي الخبري المستلزم لتوحيد العبادة، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «والذي نفسي بيده إنها تعدل ثلث القرآن» (^١). تعدل ثلث القرآن من حيث الثواب، فتلاوتها مرةً واحدةً تعدل ثلث القرآن.
ولكن هذا لا يعني الاكتفاء بها عن تلاوة القرآن، فلا بدَّ من تلاوة سائره، وتدبُّر سائر النصوص، لكن هذا دليل على فضْل هذه السورة،
وفضْل تلاوتها، وذَكَر بعض أهل العلم (^٢) أن هذه السورة تعدل ثلث القرآن؛ لأن القرآن ثلاثة أثلاث:
الأول: خبرٌ عن الله - يعني - خبرٌ عن أسمائه، وصفاته، وأفعاله.
والثاني: خبرٌ، وقصصٌ وهو: خبرٌ عن الخلق: عن الرسل، وأممهم، وبَدْء الخلق، واليوم الآخر.
والثالث: الأوامر، والنواهي.
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠١٣)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وبمعناه عند مسلم (٨١١ و٨١٢)، من حديث أبي الدرداء وأبي هريرة ﵁.
(٢) المعلم للمازري ١/ ٣٠٨، وجواب أهل العلم والإيمان ضمن «مجموع الفتاوى» ١٧/ ١٢٢ و١٣٤، وفتح الباري ٩/ ٦١.
[ ٤٧ ]
في سورة الإخلاص اسمان لم يذكرا في غيرها
معنى الصمد
فالقرآن توحيدٌ، وقصصٌ، وشرائعُ: أوامرٌ، ونواهٍ.
وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ هذه خالصة للتوحيد ليس فيها إلا صفة الرب تعالى، ولهذا كان أحد الصحابة أميرًا على سريَّة، وكان يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم ب ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١)﴾ فلمَّا رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: «سلوه لأيِّ شيءٍ يصنع ذلك» فسألوه؛ فقال: لأنها صفة الرحمن وأنا أحبُّ أن أقرأ بها. فقال النبي ﷺ: «أخبروه أن الله يحبه» (^١)، ونحوه في خبر ثانٍ: «إن حبها أدخلك الجنة» (^٢).
وهذه السورة فيها نفي وإثبات؛ فهي جارية على القاعدة.
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد (١) اللَّهُ الصَّمَد (٢)﴾ إثبات، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (٤)﴾ هذه ثلاث جُمَل كلُّها دالَّةٌ على نفي.
ودلَّت هذه السورة على اسمين من أسمائه الحسنى: «الأحد، والصمد»، وهذان الاسمان لم يُذكَرا في غير هذه السورة، فأما اسمه «الأحد» فيدلُّ على وحدانيَّته، وهو يتضمَّن نفي الشريك، والشبيه فلا شريك له، ولا شبيه، واسمه «الصمد» فُسِّر بأنه الذي لا يأكل ولا يشرب، وهو تعالى لا يأكل ولا يشرب؛ لأن هذا هو موجب غناه فهو
_________________
(١) رواه البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣)، من حديث عائشة ﵂.
(٢) رواه البخاري في صحيحه معلقًا بصيغة الجزم (٧٧٤ م)، ومن طريقه موصولًا الترمذي (٢٩٠١) - وقال: حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث عبيد الله بن عمر عن ثابت البناني، ثم ساقه من طريق مبارك عن ثابت - وابن خزيمة ١/ ٢٦٩، وابن حبان (٧٩٢ و٧٩٤)، والحاكم ١/ ٢٤٠ وصححه على شرط مسلم، كلهم من حديث أنس ﵁. وانظر: فتح الباري ٢/ ٢٥٧.
[ ٤٨ ]
الغني ﷾ بذاته عن كل ما سواه، والآكل والشارب مفتقِر إلى ما يأكل وما يشرب وهو سبحانه الذي ﴿يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، وهو الذي يرزق ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين (٥٨)﴾ [الذاريات].
وقيل: معنى الصمد: الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجها، وهذا من لوازم غناه وفَقْر العباد ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد (١٥)﴾ [فاطر].
وجاء عن ابن عباس ﵄ أنه قال: «السيد الذي قد كَمُل في سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد عظم في عظمته، والحليم الذي قد كمل في حلمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبَّار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله سبحانه هذه صفته لا تنبغي إلَّا له» (^١).
يعني: الصمد هو الكامل في جميع صفات الكمال، فهذان اسمان من أسمائه الحسنى ذُكرا على وجه التعيين، وبالتفصيل والتنصيص عليهما، فهذا من الإثبات المفصَّل.
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣)﴾، لم يلد ردٌّ، وإبطال لما نسبه إليه المفترون من اليهود، والنصارى، والمشركين، والفلاسفة، وغيرهم ممَّن نسب إليه الولد - تعالى الله عمَّا يقولون -.
_________________
(١) تفسير الطبري ١٥/ ٣٤٦، وفتاوى ابن تيمية ٨/ ١٤٩ - ١٥٠.
[ ٤٩ ]
لا يوجد طائفة مقرة بوجود الله زعمت أنه تعالى مولود
بعض النصوص في فضل آية الكرسي
﴿وَلَمْ يُولَد﴾، لا أعلم أن أحدًا من الطوائف الْمُقِرَّة بوجوده سبحانه قال: إنه وُلِد (^١)، لكن لمَّا نفى الله الولد عنه؛ اقتضى ذلك - والله أعلم - نفي الولادة عن الله - أي: أن يكون له والد -، فإنه ﷾ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (٣)﴾، فهو: الأول الذي ليس قبله شيء، فلا بداية لوجوده، والمولود مُحْدَث، وهو: جزء من والده والله ﷾ صمد لا تجزُّؤَ في ذاته، ولم يكن له كفوًا أحد، ليس له نظير، وهذا النفي يتضمَّن نفي الولد، والوالد.
ونفي الكفو يتضمَّن كمال أحديَّته وصمديَّته.
ولما أثبت لنفسه أنه الأحد الصمد أكَّد ذلك بنفي الولد، والوالد، والكفو وهذا نفي متضمِّن لإثبات كماله تعالى.
يقول الشيخ: ودخل فيها «ما وصف الله به نفسه في أعظم آية في كتابه حيث يقول: ﴿﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ الآية، وهذه الآية هي أعظم آيةٍ في كتاب الله»:
كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال لأُبي بن كعب ﵁: «أيُّ آيةٍ في كتاب الله أعظم؟» فقال: آية الكرسي: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، فقال: «ليهنك العلم أبا المنذر» (^٢).
وأشار الشيخ ﵀ إلى ما ورد في فضلها، وأن مِنْ فضلها: أنه ما قرأها عبدٌ في ليلةٍ إلَّا لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى
_________________
(١) انظر فائدة هذا النفي في: مجموع الفتاوى ٢/ ٤٤٨.
(٢) رواه مسلم (٨١٠).
[ ٥٠ ]
بقول النبي ﷺ لأبي هريرة: «صدقك» ثبت الفضل
يُصبح كما جاء هذا في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: وكَّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، وقلت: والله لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ. قال: إني محتاج، وعليَّ عيالٌ، ولي حاجةٌ شديدةٌ. قال: فخلَّيت عنه، فأصبحت، فقال النبي ﷺ: «يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟» قلت: يا رسول الله شكا حاجةً شديدةً، وعيالًا، فرحمته، فخلَّيت سبيله. قال: «أما إنه قد كذبك، وسيعود» - إلى أن جاء في الثالثة - قال: دعني أعلِّمك كلمات ينفعك الله بها. قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح. فخلَّيت سبيله، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ: «ما فعل أسيرك البارحة؟» قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلِّمني كلمات ينفعني الله بها، فخلَّيت سبيله. قال: «ما هي؟» قلت: قال لي: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. فقال النبي ﷺ: «أما إنه قد صدقك، وهو كذوبٌ تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليالٍ يا أبا هريرة؟» قال: لا. قال: «ذاك شيطان» (^١).
وبقول الرسول ﷺ صدقك ثبت هذا الفضل، فهذا القول لم يستفده أبو هريرة ﵁، ولم نستفده من خبر الشيطان، إنما من تصديق الرسول ﷺ.
_________________
(١) رواه البخاري (٢٣١١) معلقًا مجزومًا به، ووصله النسائي في «عمل اليوم والليلة» (٩٥٩)، وابن خزيمة في «صحيحه» ٤/ ٩١، وانظر تخريجًا موسعًا للحديث في: كتاب: «الذكر والدعاء ..» للشيخ ياسر فتحي ١/ ٢٩٦.
[ ٥١ ]
الشيطان قد يعلم بعض الفضائل والعلوم الشرعية
آية الكرسي اشتملت على خمسة أسماء
والشيطان قد يعلم شيئًا من الفضائل، والعلوم الشرعية التي يمكن أن يخدع بها بعض الناس، فهنا تعلَّل بهذه المعرفة، واتَّخذ منها وسيلةً للتخلص من قبضة أبي هريرة ﵁.
وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة (^١)، وهذا من أصح ما ورد في فضلها، فإذا أوى الإنسان إلى فراشه، فإنه يُشرَع له أن يقرأها، فإنه لا يزال عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح، وورد في سورة البقرة عمومًا قول النبي ﷺ: «إن الشيطان ينفر من البيت الذي تُقرَأ فيه سورة البقرة» (^٢).
ومن أسباب ذلك أنها مشتملة على هذه الآية العظيمة.
وهذه الآية اشتملت أيضًا على العديد من أسماء الرب، وصفاته، ولهذا قال الشيخ: «وما وصف الله»؛ - أي وقد دخل في هذه الجملة - ما وصف الله به نفسه في أعظم آية في كتابه ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ فاشتملت على إثبات وحدانيَّته ﴿اللّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ هذه كلمة التوحيد؛ ففي هذا إثبات إلهيَّته، ونفي الإلهيَّة عمَّا سواه، وهذا تحقيق التوحيد. ﴿لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ اسمان من أسمائه الحسنى؛ فهو الحي الذي لا يموت. قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] ﴿الْحَيُّ﴾ الحياة الكاملة التي لا يعتريها نقصٌ، وكمال حياته يستلزم ثبوت جميع صفاته الذاتية له سبحانه، ومن أسمائه ﴿الْقَيُّومُ﴾، وهو: القائم بنفسه
_________________
(١) انظر: لمحات الأنوار ٢/ ٦٢٠ - ٦٦٥، وتفسير ابن كثير ١/ ٦٧٦ - ٦٨٢.
(٢) رواه مسلم (٧٨٠)، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٢ ]
معنى السنة
الغني عما سواه، والقائم بغيره، فلا قيام لشيء من الموجودات إلا به، فهو ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
وخُتِمت هذه الآية باسمين آخرين وهما: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾ ففيها خمسة أسماء هذه الأربعة، و: الله، وهو الاسم الجامع لمعاني سائر الأسماء، وسائر الصفات.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ هذا نفي، وقوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إثبات فهذه الآية فيها إثبات مفصَّل، ونفي مفصَّل.
﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾: لا تعرض له السِّنة، وهي: النعاس، والوسن، ولا النوم، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ: «إن الله ﷿ لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور، أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» (^١).
وفي قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ نفي يتضمَّن تأكيدًا لكمال حياته؛ لأن النوم أخو الموت، والسِنة هي بدايات النوم.
فالله تعالى: الحي الذي لا يموت، ولا ينام، ولا ينبغي له أن ينام.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾، في هذا إثبات لكمال ملكه على كل شيءٍ.
_________________
(١) رواه مسلم (١٧٩)، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
[ ٥٣ ]
لكمال ملك الله لا يشفع أحد إلا بإذنه
جمهور أهل السنة على أن الكرسي موضع القدمين
وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ هذا نفي؛ أي: لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، وهذا يتضمَّن كمال ملكه، فَلِكَمَالِ ملكه لا أحد يشفع عنده إلَّا بإذنه، بخلاف المخلوقين، كالملوك، والكبراء الذين يشفع عندهم مقرَّبوهم بغير إذنهم، وينزلون على رغبتهم، وإن كانوا كارهين.
المقصود: أن هذه الآية اشتملت على العديد من أسماء الرب - كما تقدَّم - والعديد من صفاته، وقد اشتملت على نفي: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾، ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾، وهذا لكمال عظمته لا يحيط العباد به علمًا؛ كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه]. ومن النفي الذي اشتملت عليه هذه الآية ﴿وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾، جمهور أهل السُّنة على أن الكرسي: موضع قدمي الرب (^١).
وهو: مخلوق عظيم لا يقدر قدره إلا الله، والعرش أعظم منه، والكرسي قد وسع السموات، والأرض، فهو أعظم من السموات والأرض.
﴿وَلَا يَؤُودُهُ﴾: لا يشقُّ على الله تعالى، ولا يعجزه، ولا يكرثه، ولا يثقله حفظ هذه العوالم العلوية، والسفلية ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤١)﴾ [فاطر].
_________________
(١) انظر: أصول السنة لابن أبي زمنين ص ٩٦، والفتوى الحموية ص ٣٥١، وشرح الطحاوية لابن ابن أبي العز ٢/ ٣٦٩ - ٣٧١، و[ص ١٤٢] من هذا الكتاب.
[ ٥٤ ]
وهو ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيم﴾: العلي بكل معاني العلو: ذاتًا وقَدْرًا وقهرًا، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، والعوالم كلها في غاية الصغر والضآلة في جانب عظمته، ومما يدل على كمال عظمته ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون (٦٧)﴾ [الزمر].
ثم مضى الشيخ بذكر الشواهد من القرآن على ما وصف الله به نفسه من النفي، والإثبات، وسنمضي معه مستعرضين لهذه الشواهد، ونقف معها حسب ما يقتضيه المقام، والله المستعان.
* * * *
[ ٥٥ ]