إثبات العلم لله تعالى
وقوله سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] وقوله سبحانه: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٣)﴾ [الحديد]، وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير (١٨)﴾ [الأنعام] (^١)، ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [الحديد: ٤]، ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٥٩)﴾ [الأنعام]، ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ [فاطر: ١١]، وقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق].
_________________
(١) من (م)، وهي التي شرحها الشيخ، وفي (ظ) و(ب): ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم (٢)﴾ [التحريم].
[ ٥٦ ]
أحسن تفسير لأسماء الله: الأول والآخر والظاهر والباطن
ومن النصوص القرآنية المشتملة على أسماء الرب، وصفاته التي فيها النفي والإثبات - ممَّا يدخل في الجملة المتقدِّمة «ما وصف الله به نفسه» - هذه الآيات التي منها:
قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨].
﴿وَتَوَكَّلْ﴾: اعتمد، وفوِّض أمرك إلى الحي الذي لا يموت، فمن توكَّل عليه فهو حسبه ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، ﴿وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِين (٢٣)﴾ [المائدة].
والشاهد: الحي، فالحي: اسم من أسمائه، والحياة صفة من صفاته.
وقوله: ﴿لَا يَمُوتُ﴾ نفي مؤكِّد لكمال حياته، فحياته سبحانه حياة لا يطرأ عليها الموت.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم (٣)﴾ [الحديد] هذه الآية فيها إثبات أربعة أسماء من أسمائه الحسنى. الأول، والآخر، والظاهر، والباطن.
وأحسن ما قيل في تفسير هذه الأسماء ما جاء في دعاء النبي ﷺ الذي كان يقوله إذا أوى إلى فراشه: «اللهم رب السموات، ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة، والإنجيل، والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك
[ ٥٧ ]
شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عنا الدَّين، وأغنِنا من الفقر» (^١). فهذا أحسن ما قيل في تفسير هذه الأسماء، الأول: هذا اسم من أسمائه، والأول: المتقدم على كل شيء، فكل ما سوى الله فإنه محدَث بعد أن لم يكن.
والله تعالى هو: الأول الذي ليس قبله شيء؛ لأنه لا بداية لوجوده ﷾؛ فهو قديم، ولفظ القديم لم يرد في النصوص فلا يعد من أسمائه تعالى، فلا يقال: من أسماء الله القديم، لكن معناه صحيح،
فيصحُّ الإخبار عن الله، فيقال: الله قديم متقدِّم في وجوده على كل شيء لا بداية لوجوده، فهذا المعنى حقٌّ ثابتٌ للرب سبحانه، لكن يغني عنه اسمه الأول، فالأول من أسماء الله الحسنى.
واسمه سبحانه «الآخر» يتضمَّن دوامه ﷾، وبقاءه الذي لا نهاية له، فكل مخلوق يفنى، والله تعالى لا يفنى كما قال الإمام الطحاوي- ﵀ في عقيدته: «قديم بلا ابتداء دائم بلا انتهاء لا يفنى، ولا يبيد ولا يكون إلَّا ما يريد» (^٢) ﷾.
وما كتب الله له البقاء مثل الجنة والنار، فدوامهما، وبقاؤهما ليس ذاتيًا لهما، بل بقاؤهما بإبقاء الله لهما، أما بقاء الرب، فهو ذاتي لا يجوز عليه الفناء ألبتة.
_________________
(١) رواه مسلم (٢٧١٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) العقيدة الطحاوية ص ١٩.
[ ٥٨ ]
الخبير أخص في المعنى من العليم
فهذان اسمان دالان على أزليته، وأبديته - يعني - على دوام وجوده في الماضي، والمستقبل.
واسمه سبحانه «الظاهر» يعني: العالي، والظهور من معانيه العلو، فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، بل هو فوق كل شيء ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير (١٨)﴾ [الأنعام].
وهو «الباطن» الذي ليس دونه شيء، فبصره نافذ لجميع المخلوقات، وسمعه واسع لجميع الأصوات، وعلمه محيط بكل شيء لا يحجب سمعه شيء، ولا يحجب بصره حجاب، بصره نافذ يرى عباده، وعلمه محيط بكل شيء.
وليس معنى الباطن أنه تعالى داخل في المخلوقات، بل هو بائن من خلقه ليس في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته.
وقوله: ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير (١٨)﴾ [الأنعام]، اسمان من أسمائه الحسنى دالَّان على كمال حكمته، وخبرته، فهو خبير بدقائق الأشياء، وهو أخصُّ في المعنى من اسمه العليم.
وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُور (٢)﴾ [سبأ]، كأن هذه الجمل تفصيل لمضمون اسمه الخبير.
و﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ﴾ ما: صيغة عموم؛ - يعني -: يعلم كلَّ ما يلج في الأرض: من الأحياء؛ كالحيوانات التي لها مساكن تأوي إليها
[ ٥٩ ]
في الأرض، ومن النباتات، ومن الناس، وما يدخل فيها من الجمادات، كالمياه التي تغور في الأرض.
﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ من هذه الأمور.
﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ من الملائكة، ومن الأمر الذي ينزل من عنده ﷾.
يعلم هذا كله، وهكذا قوله تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ عنده خزائن الغيب التي استأثر بعلمها، ومنها الخمس التي لا يعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير (٣٤)﴾ [لقمان]، فهذه خمس تفرَّد الله بعلمها لا يعلمها ملك مقرَّب، ولا نبي مرسَل (^١).
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ﴾، ما: صيغة عموم؛ أي: كل ما في البر يعلمه الله.
﴿وَالْبَحْرِ﴾، أي: ويعلم ما في البحر، عام يشمل ما فيه من الحيوانات، والنباتات، والجمادات التي لا يحصيها إلا خالقها.
﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين (٥٩)﴾ يشمل كل رطبٍ ويابسٍ؛ لأن هذه كلها نكرات في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تعمُّ.
كل هذه الدقائق وكل هذه المخلوقات معلومة للرب ﷾، والله محيط بها، وهي مثبتة في الكتاب المبين - كتاب المقادير -.
_________________
(١) قد جاء هذا في حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).
[ ٦٠ ]
الله ﷾ يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون لو كان كيف يكون
علم الله تعالى ثابت بالعقل والسمع
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى﴾ أنثى من بني آدم، أو غيرهم من الأحياء، أيُّ أنثى. ﴿وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ كل ذلك قد أحاط به علمه، وكتابه.
فكل هذه الآيات دالَّة على إثبات علمه ﷾، وأنه الموصوف بالعلم المحيط بكل شيء فهو تعالى: العليم، والعلم صفته، وعلمه لا يعزب عنه شيء.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: ٣]، وفيها دليلٌ على إحاطة علمه بكل صغيرٍ، وكبيرٍ؛ بالجزئيات، ودقائق المخلوقات خلافًا للملاحدة الذين يقولون: إنه لا يعلم الأشياء إلا بعد وجودها، أو لا يعلم الجزئيَّات، وإنما يعلم المعاني الكلية.
وفي هذه الآيات ردٌّ عليهم.
بل يعلم ﷾ ما كان، وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٨٢] والمعطِّلة؛ كالجهميَّة، والمعتزلة، والفلاسفة ينفون صفة العلم عن الله، وهذا إلحاد في أسماء الله تعالى، وصفاته، وتنقُّص لرب العالمين، فإذا كان المخلوق يُوصَف بالعلم؛ فكيف لا يُوصَف الخالق وهو أحقُّ بكل كمال؟
فعلمه تعالى ثابت بالعقل، وبالسمع أي: النصوص الشرعية.
[ ٦١ ]
وقد نبَّه ﷾ على الدليل العقلي في مواضعَ منها قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك: ٤١]. إذًا: وجود هذه المخلوقات في غاية الإحكام دليل على علمه سبحانه، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما وصف الله به نفسه، فيؤمنون بما في هذه الآيات من الأسماء الحسنى، والصفات العليا، فيثبتون علمه بالأشياء قبل وجودها، ويثبتون علمه بالجزئيَّات، ويؤمنون بأنه تعالى عليم، وأن هذا الاسم دالٌّ على معنى، فهو عليم بعلم، والعلم صفته ﷾، فسبحان من أحاط بكل شيء علمًا قال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق].
* * * *
[ ٦٢ ]
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين (٥٨)﴾ [الذاريات].
وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى]، ﴿إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء].
وقوله: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩].
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِم مِنْ بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد (٢٥٣)﴾ [البقرة]، ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيد (١)﴾ [المائدة] ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ [٢٥/ ١] يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء﴾ [الأنعام: ١٢٥].
[ ٦٣ ]
هذه أيضًا جملة من الآيات المشتملة على بعض أسماء الرب وصفاته، وهي داخلةٌ في الجملة التي أشار إليها الشيخ، وهو الآن بصدد تقريرها بشواهدها، وهي أن الله تعالى: جمع فيما وصف وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات.
فوصف نفسه بإثبات الأسماء الحسنى، والصفات العلا، وبنفي الآفات، والعيوب، والنقائص، فمِن هذه النصوص القرآنية المشتملة على بعض أسماء الرب وصفاته قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين (٥٨)﴾ [الذاريات] ففي هذه الآية إثبات اسم من أسماء الله الحسنى، وهو الرزاق. والرزاق: صيغة تدلُّ على كمال الرَّزق، وكثرته.
فكل ما يحصل للعباد من رِزق مادي، أو معنوي من: علم، أو مال، أو أي منفعة فمنه سبحانه.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٦٠)﴾ [العنكبوت].
والنصوص المفسِّرة لهذا الاسم، والمفصِّلة له كثيرة فهو تعالى: خير الرازقين ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ﴾ [النحل: ٥٣] فكل ما يتقلَّب فيه العباد من النعم، فهي منه سبحانه هو الذي أعانهم عليها، وأمدَّهم بها.
والله تعالى هو: الرزَّاق، وما يحصل على أيدي الناس من رزق فهم فيه أسباب فقط.
[ ٦٤ ]
بعض الآثار السلوكية للإيمان بأسماء الله وصفاته
فالإنسان يَرزُق أولادَه، يكدُّ، ويكدح، وينفق عليهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ﴾ [النساء: ٥] أمر برزقهم يعني: بالإنفاق عليهم.
لكن الرزَّاق حقيقة، والمطعِم حقيقة هو: الله.
وقد دلَّت هذه الآية أيضًا على صفة من صفاته، وهي القوة ﴿ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات: ٥٨] القوَّة التي لا تشبه قوى المخلوق، فالمخلوق يُوصَف بالقوة، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ [الروم: ٥٤] ولكن ليست قوة المخلوق كقوة الخالق تعالى؛ فهو القوي، ومن أسمائه القوي، ومن صفاته القوة، فهو ذو القوة المتين - يعني -: الشديد القوة. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] فيجب الإيمان بذلك، والإيمان بهذه الأسماء له آثاره السلوكية إذا علم الإنسان أن كلَّ الخير بيده، وأنه لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما مَنَع توجَّه بقلبه لربه في كل حوائجه، فهو الذي لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يدفع السيئات إلا هو يوجب له ذلك الرغبة إلى الله، ورجاءه، وتوكُّله عليه في حصول الخير، ومنافع الدنيا، والآخرة.
وإذا علم العبد أنه تعالى: القوي، وأنه ذو القوة أيضًا ازداد تعظيمًا لربه، ورجاءً له، وخوفًا منه، فقوته لا يقاومها قوة، ولا يعتريها ضعف.
ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء]، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير (١١)﴾ [الشورى] نفي وإثبات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ هذا نفي مجمَل، نفي للمثيل
[ ٦٥ ]
عن الله فلا شيء مثله، ليس شيء في الوجود مثله لا في علمه، ولا في سمعه، ولا في بصره، ولا في قدرته، ولا في رزقه، ولا في قوته، ولا في عزته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾ فيه إثبات اسمين من أسماء الله الحسنى، فهو السميع وهو البصير.
وفي هذا إثبات لصفتين من صفات الله: السمع والبصر، فهو: السميع، وهو ذو سمع؛ خلافًا للمعطِّلة الذين ينفون أسماءه، أو يعطِّلون صفاته، كالمعتزلة الذين يقولون: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وهذا جهل وضلال، وإلحاد في أسماء الله، بل هو سميع بسمع، وسمعه واسع لجميع الأصوات ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون (٨٠)﴾ [الزخرف] ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] مهما أسرَّ الإنسان في حديثه، ومحادثته، ومهما تناجى المتناجون، فالله يسمع نجواهم، ويعلم ما جرى بينهم.
وسَمعُ اللهِ ليس كسمع المخلوق، سمع المخلوق محدود، وموهوب له من الله.
أما سمع الخالق؛ فليس بمخلوق سمعه تعالى صفة ذاتية له لم يزل، ولا يزال سميعًا، ولم يزل، ولا يزال بصيرًا، ما زال بصفاته ﷾ قبل خَلْقه «لم يزدد بكونهم شيئًا لم يكن قبلهم من صفته»، هكذا يقول الإمام الطحاوي في عقيدته (^١) فصفاته تعالى أزلية.
_________________
(١) ص ٣.
[ ٦٦ ]
وضع النبي ﷺ إبهامه على أذنه والسبابة على عينه عند قراءة ﴿إن الله كان سميعا بصيرا﴾ لبيان أن المراد بالسمع والبصر حقيقتهما
والإيمان بذلك له أثر، إذا وقر في القلب الشعور بأنه تعالى: سميع بصير؛ أحدث له المراقبة، لكن تضعف هذه المراقبة عند ضعف الشعور والاستحضار لسمع الرب وبصره، أما من استحضر أن الله يسمع كلامه سوف يَحْسُب حِسابًا لما يتكلَّم به؛ لأنه يستحضر أن الله يسمعه، لكن يُؤتَى الإنسان من غفلته عن اطِّلاع الله عليه، وسمعه.
وتفصيل صفتي السمع والبصر كثير في القرآن.
والله تعالى يسمع كلام المؤمنين، وكلام الكافرين، وكلام الناس العادي، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: ١] هذا من الكلام العادي تحاور في قضيتها، ويسمع المتنقِّصين لربهم ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١] ويسمع كلام الرسل في دعوتهم، وما يرد عليهم قومهم، كما قال سبحانه لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُون (١٥)﴾ [الشعراء]، ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُون (٨٠)﴾ [الزخرف] بصير ﷾ ببصر، وبصره نافذ بجميع المخلوقات، فهو السميع البصير، ولما قرأ النبي ﷺ هذه الآية (^١) «وضع إبهامه على أذنه، والسبابة على عينه» (^٢).
_________________
(١) أي: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ [النساء].
(٢) رواه أبو داود (٤٧٢٨)، وابن خزيمة في «التوحيد» ص ٤٢، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٩٨٧، وابن حبان (٢٦٥)، من حديث أبي هريرة ﵁. قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١٣/ ٣٧٣: أخرجه أبو داود بسند قوي على شرط مسلم.
[ ٦٧ ]
قال أهل العلم: لبيان أن المراد بالسمع والبصر حقيقتهما أنه ذو سمع حقيقة، وذو بصر حقيقة.
ثم ذكر المؤلف الآيات الدالة على إثبات المشيئة والإرادة ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف: ٣٩] هكذا يقول الرجل الصالح المؤمن لصاحبه الكافر المغرور بجنَّته حين سمعه يقول: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا (٣٦) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨) وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ﴾ [الكهف].
يقول: لو أنك عندما دخلت جنَّتك تذكَّرت أنَّها إنما حصلت بمشيئة الله، وتذكَّرت أنه لا قوة لك ولا لغيرك إلا بالله، وكان الواجب عليك أن تقول: ما شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلا باللَّه، أما أن تقول: مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً، فهذا كفر، وإنكار للبعث، وإنكار لفضل الله ﷾، وإنكار لربوبيته سبحانه؛ لأنه هو المنعم المتفضِّل هو الذي يعطي ما يشاء لمن يشاء.
وقوله: ﴿مَا شَاء اللَّهُ﴾ يعني: هذا ما شاء الله - أي - هذا كائن بمشيئة الله، وما شاء الله كان، ما شاء الله لا بد منه، وما لم يشأ لم يكن، فكل ما يحصل في الوجود من: الذوات، والصفات، والحركات؛ فبمشيئته سبحانه لا يخرج عنها شيء أبدًا.
[ ٦٨ ]
الإرادة المضافة لله نوعان: كونية، وشرعية
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد (٢٥٣)﴾ [البقرة] أخبر الله سبحانه عن نفسه بأنه مريد، وهو فعَّال لما يريد ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، و﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، فمن صفاته سبحانه الإرادة، فهو يريد، قال أهل العلم (^١): الإرادة المضافة لله تعالى نوعان:
إرادة كونية، وإرادة شرعية؛ أما الإرادة الكونية، فهي بمعنى: المشيئة، ومن شواهدها قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيد (١٦)﴾ [البروج] هذه إرادة كونية، كل ما شاء سبحانه أن يفعله فعله؛ لأنه لا معارض له، ولا يستعصي عليه شيء.
ومن شواهد الإرادة الكونية قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٥] يعني من يشأ الله أن يهديه بشرح صدره للإسلام يوسع صدره، ويقذف النور فيه، ويجعل فيه القبول للحق، فيقبل الحق بانشراح، وسرور، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ - نعوذ بالله - يجعل صدره ضيقًا حرجًا، ينفر من الحق ويشمئزُّ منه، ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون (٤٥)﴾ [الزمر]، والله تعالى يَمُنُّ على من يشاء يهدي من يشاء بفضله،
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٨/ ١٨٨، والفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ١١/ ٢٦٦، وشفاء العليل ص ٢٨٠.
[ ٦٩ ]
الفروق بين الإرادة الشرعية والكونية
ورحمته، ويضلُّ من يشاء بحكمته وعدله، يعطي ويمنع، يهدي ويضل، ويعزُّ ويذلُّ.
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاء وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاء وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاء وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٢٦)﴾ [آل عمران].
وأما الإرادة الشرعيَّة؛ فمتعلِّقة بما أمر الله به عباده مما يحبه ويرضاه. ومن شواهدها: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، و﴿يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب].
فهاتان إرادتان، قال أهل العلم (^١): إن الفرق بين الإرادتين من وجهين:
أما الإرادة الكونية فإنها عامة لكل الموجودات فهي شاملة لما يحبُّ سبحانه وما لا يحبُّ، فكل ما في الوجود فهو حاصل بإرادته تعالى الكونية؛ سواء في ذلك ما يحبه الله، أو يبغضه، فكل ما في الوجود فهو حاصل بإرادته تعالى الكونية التي هي بمعنى المشيئة، فإنه لا يخرج عن مشيئته، أو إرادته الكونية شيء ألبتة.
أما الإرادة الشرعية فهي تختص بما يحبه سبحانه، فالطاعات مرادة لله شرعًا، أما المعاصي فليست مرادة شرعًا، وما يقع من الطاعات، كالصلاة مثلًا نقول: هذه الصلاة تتعلَّق بها الإرادتان: الإرادة الكونية، والإرادة الشرعية.
_________________
(١) انظر الحاشية السابقة.
[ ٧٠ ]
وهكذا سائر الطاعات واقعة بالإرادة الكونية، ومتعلِّقة كذلك بالإرادة الشرعية، فهي مرادة لله كونًا وشرعًا.
أما ما يقع من المعاصي فهي مرادة لله كونًا؛ لأنه لا يقع في الوجود شيء البتة إلا بإرادته، ومشيئته سبحانه.
لكن هل المعاصي محبوبة لله؟ لا بل هي مُبْغَضَة، وإن كانت واقعة بإرادته.
فالفرق بين الإرادتين من وجهين:
الأول: أن الإرادة الكونية عامة فكل ما في الوجود فهو مراد لله كونًا.
أما الإرادة الشرعية فإنها إنَّما تتعلق بما يحب ﷾.
قال أهل العلم: فتجتمع الإرادتان في إيمان المؤمن، وطاعة المطيع.
وتنفرد الإرادة الشرعية في إيمان الكافر، فالكافر مطلوب منه الإيمان لكنه لم يحصل، فهو مراد لله شرعًا، لكنه غير مراد كونًا، إذ لو شاء الله لاهتدى ﴿وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس: ٩٩]، وكذلك الطاعة التي أُمِرَ بها العبد، ولم يفعلها مرادة لله شرعًا، لكنها لم تتعلق بها الإرادة الكونية؛ إذ لو تعلَّقت بها الإرادة الكونية لحصلت.
وتنفرد الإرادة الكونية في كفر الكافر ومعصية العاصي.
الثاني: أن الإرادة الكونية لا يتخلف مرادها أبدًا، أما الإرادة الشرعية فقد يقع مرادها، وقد لا يقع، فالله أراد الإيمان من الناس كلهم أراده
[ ٧١ ]
شرعًا - يعني - أمرهم به، وأحبَّ ذلك منهم، ولكن منهم من آمن، ومنهم من كفر.
هذا ما يتعلَّق بالآيات التي ذكر المؤلِّف، وكلها فيها إثبات الإرادة: إما الإرادة الكونية، أو الإرادة الشرعية.
وهل للمخلوق إرادة ومشيئة؟ نعم، قال ﷾: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاء اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].
لكن إرادة المخلوق ومشيئة المخلوق مخلوقة، ومقيَّدة، وتابعة لمشيئة الله تعالى.
ومشيئة المخلوق قد يحصل مقتضاها، وقد لا يحصل، فقد يشاء الإنسان ما لا يكون، وقد يكون ما لا يشاء، وهذا شأن المخلوق، أمَّا الخالق فما شاءه فلا بد أن يكون، وما لا يشاؤه فلا يكون ألبتة؛ لأنه ﷾ لا يعجزه شيء، ولا يستعصي عليه شيء فما شاء أن يفعله فعله ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾ [فاطر].
* * * *
[ ٧٢ ]