ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب محمد ﷺ، كما وصفهم الله به في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر]، وطاعة النبي ﷺ في قوله: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (^١).
ويقبلون ما جاء به الكتاب، أو السنة، أو الإجماع من فضائلهم، ومراتبهم، فيفضلون من أنفق من قبل [٣٣/ ١] الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل على من أنفق بعده وقاتل. ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر - وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر -: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (^٢)، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي ﷺ (^٣)، بل قد ﵃،
_________________
(١) رواه البخاري (٣٦٧٣) - واللفظ له -، ومسلم (٢٥٤١)، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
(٢) رواه البخاري (٣٠٠٧)، ومسلم (٢٤٩٤)، من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
(٣) رواه مسلم (٢٤٩٦)، من حديث جابر عن أم مبشر ﵄.
[ ٢٥٠ ]
ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة (^١)، ويشهدون بالجنة لمن شهد له النبي ﷺ كالعشرة (^٢)، وكثابت بن قيس بن شماس (^٣)، [وغيرهم من الصحابة] (^٤).
ويقرُّون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وغيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر (^٥). ويثلِّثون بعثمان، ويربِّعون بعلي ﵃، كما دلت عليه الآثار، وكما أجمعت الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان، وعلي، بعد اتفاقهم على أبي بكر، وعمر [أيهما أفضل، فقدَّم قومٌ] (^٦) عثمانَ، وسكتوا، أو ربَّعُوا بعلي، وقدَّم قومٌ عليًا، وقوم توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨٤٠)، ومسلم (١٨٥٦)، من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) رواه أبو داود (٤٦٤٩)، والترمذي (٣٧٥٧) - وقال: حسن صحيح -، وابن ماجه (١٣٣)، وصححه ابن حبان (٦٩٩٣)، والضياء في «المختارة» ٣/ ٢٨٢ - ٢٩٠، من حديث سعيد بن زيد ﵁.
(٣) رواه البخاري (٤٨٤٦)، ومسلم (١١٩)، عن أنس ﵁.
(٤) لا توجد في (ب).
(٥) رواه أحمد ١/ ١٠٦ و١٢٧، والبخاري (٣٦٧١)، وابن أبي عاصم في «السنة» ٢/ ٥٥٥ - ٥٥٨، والطبراني في «الكبير» ١/ ١٠٧، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ٧/ ١٩٩ - ٢٠١، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا: وقد ثبت عن علي في «صحيح البخاري» وغيره من نحو ثمانين وجهًا أنه قال: «خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر». مجموع الفتاوى ٢٨/ ٤٧٣، ونحوه في ٤/ ٤٢٢.
(٦) سقط من (ب).
[ ٢٥١ ]
يُضَلَّل المخالِف فيها عند (^١)، جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يُضَلَّل المخالف فيها مسألة الخلافة.
وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة؛ فهو أضلُّ من حمار أهله.
ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويَتَوَلوْنَهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خُم (^٢): «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (^٣).
وقال - أيضًا - للعباس عمه - وقد شكى إليه أن بعض قريش [٣٣/ ٢] يجفو بني هاشم - فقال: «والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي» (^٤). وقال: «إن الله اصطفى إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (^٥).
_________________
(١) في (ب): الجمهور وجمهور.
(٢) وادٍ بين مكة والمدينة قرب الجحفة. معجم البلدان ٢/ ٣٨٩.
(٣) رواه مسلم (٢٤٠٨)، من حديث زيد بن أرقم ﵁.
(٤) رواه بمعناه: أحمد ١/ ٢٠٧، والطبراني في «الكبير» ١١/ ٤٣٣، والحاكم ٣/ ٣٣٣، من حديث العباس ﵁. وأحمد ٤/ ١٦٥، والترمذي (٣٧٥٨) - وقال: حسن صحيح -، والبزار ٦/ ١٣١، والحاكم ٣/ ٣٣٣، من حديث عبد المطلب بن ربيعة ﵁.
(٥) رواه مسلم (٢٢٧٦)، من حديث واثلة بن الأسقع ﵁.
[ ٢٥٢ ]
ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويقرون (^١)، بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصًا خديجة، أم أكثر أولاده، وأول من آمن به، وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العلية، والصديقة بنت الصديق التي قال فيها النبي ﷺ: «فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام» (^٢). ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة، ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
وهذا فصل ضمَّنه الشيخ ﵀ منهج أهل السنة والجماعة في أصحاب وقرابة وزوجات الرسول ﷺ، وأمرُ الصحابة صار قضية عقدية، وقد افترق فيهم الناس كما تقدمت الإشارة إلى هذا في الكلام عن وسطية أهل السنة (^٣).
وأهل السنة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج، ومنهج أهل السنة والجماعة يتضمن هذه الأمور التي ذكرها الشيخ، فمن أصول أهل السنة في هذا الباب:
سلامة قلوبهم من بغض الصحابة، ومن الغل والحقد عليهم، وكذلك ألسنتهم سليمة فلا يسبون، ولا يتبرؤون من أحد منهم، بل
_________________
(١) في (ب): ويؤمنون.
(٢) رواه البخاري (٣٤١١)، ومسلم (٢٤٣١)، من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٣) [ص ١٨٢].
[ ٢٥٣ ]
الصحبة مراتب، وبعض الصحابة أكمل صحبة من بعض
يحبون أصحاب رسول الله ﷺ بقلوبهم، ويثنون عليهم بألسنتهم، ويدعون الله لهم، كما وصف الله التابعين لأصحاب الرسول ﷺ من المهاجرين والأنصار فقال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر].
فسألوا ربهم أن يطهر قلوبهم من الغلِّ، وهذا مشروع من المؤمنين لإخوانهم عمومًا، لكن أحق الناس بذلك هم الصدر الأول: أصحاب الرسول ﷺ.
وكذلك أهل السنة والجماعة يطيعون الرسول ﷺ أكمل طاعة في قوله ﷺ: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (^١).
قال هذا ﷺ لبعض الصحابة الذين تأخر إسلامهم من بعد الفتح، وهو خالد بن الوليد لما كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف بعض الاختلاف فقال ﷺ لخالد بن الوليد: لا تسبوا أصحابي (^٢).
فالصحبة مراتب فبعض الصحابة أكمل صحبة من بعض، فالسابقون الأولون ليسوا كالذين تأخر إسلامهم، وهذا أيضًا ينسحب على من جاء بعد الصحابة فقوله: «لا تسبوا أصحابي» وإن ورد على هذا السبب، فإنه يتضمن نهي من يأتي بعدُ عن سب أصحاب الرسول ﷺ.
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ٢٥٠].
(٢) تقدم تخريجه في [ص ٢٥٠].
[ ٢٥٤ ]
براءة أهل السنة من طريقة الروافض والنواصب
وقد قال الرسول ﷺ: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (^١).
فإذا كان أيّ مسلم سبابه فسوق، فكيف بسبِّ أحد من أصحاب الرسول ﷺ؟ فكيف بسب أفاضل الصحابة وأكابرهم؟
وقد باء بهذا الإثم الطائفة المخذولة الشقية طائفة الرافضة، فهم شر طوائف الأمة وأشدها بغضًا وسبًا وظلمًا لأصحاب الرسول ﷺ.
ولهذا قال الشيخ في آخر الكلام: «ويتبرؤون - أهل السنة والجماعة - من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل».
ومن تفصيل مذهب أهل السنة والجماعة في أصحاب الرسول ﷺ: أنهم يفضلون من أنفق من قبل الفتح وقاتل على من أنفق من بعد الفتح وقاتل، وليس المراد بالفتح فتح مكة كما يتبادر لأذهان كثير من الناس لا، فالفتح هنا هو صلح الحديبية، وهو الذي أنزل الله فيه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح]، وكان صلح الحديبية سببًا لفتح مكة، وبين الفتحين قريب من سنتين.
وهذه المفاضلة نَبَّهَ الله تعالى إليها بقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، لكن مع الفارق، فالذين أنفقوا، وقاتلوا في أيام الشدة، وقلة النصير لا يساويهم ولا يدانيهم من أنفق بعد ما قويت
_________________
(١) رواه البخاري (٤٨)، ومسلم (٦٤)، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
[ ٢٥٥ ]
أهل السنة يقدمون المهاجرين على الأنصار
أهل السنة يعرفون لأهل بدر وبيعة الرضوان فضيلتهم
في بيعة الرضوان بايع الصحابة على ألا يفروا وفي رواية على الموت
شوكة الإسلام، وظهر دين الله، والكل قد وعدهم الله الحسنى، لكن مع التفاوت والتفاضل الذي لا يقدر قدره إلا الله سبحانه.
ومن تفصيل هذا الأصل: أن أهل السنة يقدمون المهاجرين على الأنصار؛ لأن الله قدَّمهم في الذكر، فكل آية يذكر الله فيها المهاجرين والأنصار، فإنه تعالى يقدم المهاجرين ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠].
كما أنهم يؤمنون بكل ما جاء في الكتاب والسنة من فضائل الصحابة عمومًا وخصوصًا، فيؤمنون ويصدقون بقوله ﷺ: «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (^١).
فيعرفون لأهل بدر هذه الفضيلة العظيمة، كما أنهم يؤمنون بما أخبر به الرسول ﷺ من قوله: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» (^٢).
وهم أهل بيعة الرضوان، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، الذين قال الله فيهم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الصدق في الإيمان، ونصرة الرسول ﷺ، والصدق في مبايعته، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح] بايعوا الرسول ﷺ في ذلك الموقف على الموت (^٣)، أو بايعوه على ألا يفروا (^٤)؛ ففازوا بهذا الوعد، وفازوا بهذا الثناء، إنها فضيلة لا يدركها أحد بعدهم.
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ٢٥٠].
(٢) تقدم تخريجه في [ص ٢٥٠].
(٣) رواه البخاري (٢٩٦٠)، ومسلم (١٨٦٠)، من حديث سلمة بن الأكوع ﵁.
(٤) رواه مسلم (١٨٥٦) و(١٨٥٨)، من حديث جابر بن عبد الله، ومعقل بن يسار ﵃.
[ ٢٥٦ ]
أسماء العشرة المبشرين بالجنة
ثابت بن قيس والحسن والحسين بشروا بالجنة
وأهل السنة يؤمنون بكل ما جاء في الكتاب والسنة من فضائلهم ومناقبهم، ومما يدخل في هذا أنهم يشهدون بالجنة لمن شهد له رسول ﷺ كالعشرة المبشرين بالجنة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة بن الجراح، هؤلاء هم العشرة (^١).
والمبشرون بالجنة كثير، ومنهم: ثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي ﷺ (^٢)، ومنهم الحسن والحسين ﵃ (^٣).
وهذه بشارات على وجه التعيين فلان وفلان وفلان، وتقدم أنه ممن يُشهد لهم بالجنة كل من بايع تحت الشجرة - أهل بيعة الرضوان - الذين قال فيهم الرسول ﷺ: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة».
فهذا يقتضي أن أهل السنة والجماعة يقفون مع النصوص، ويؤمنون بكل ما أخبر الله به في كتابه، أو أخبر به الرسول ﷺ وهو الصادق المصدوق، فكل ما أخبر به فهو حق من عند الله.
_________________
(١) نظمهم الحافظ ابن حجر بقوله: لقد بشر الهادي من الصحب زمرةً بجنات عدن كلُّهم فضلهُ اشتهرْ سعيدٌ زبيرٌ سعدُ طلحةُ عامرٌ أبو بكر عثمانُ ابنُ عوفٍ علي عمرْ فتح المغيث ٤/ ٦٤، وتخريج الحديث في [٢٥١].
(٢) تقدم تخريجه في [ص ٢٥١].
(٣) رواه أحمد ٣/ ٣، والترمذي (٣٧٦٨)، وابن حبان (٦٩٥٩)، والحاكم ٣/ ١٦٧ - وصححوه -، من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.
[ ٢٥٧ ]
تواتر عن علي ﵁ أن أفضل هذه الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر ثم عمر
أهل السنة يقولون أفضل الصحابة الخلفاء الراشدون، وترتيبهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة
وقع خلاف في القديم بين أهل السنة في المفاضلة بين علي وعثمان
استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان على علي
ومن المسائل الكبيرة التي تدخل في هذا الأصل: أن أهل السنة يؤمنون، ويقبلون ما تواتر عن علي ﵁ وعن غيره: «أن أفضل هذه الأمة: أبو بكر، ثم عمر» (^١)، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي.
فأهل السنة والجماعة قائلون بأن أفضل الصحابة الخلفاء الراشدون، وأن ترتيبهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، فأفضل هذه الأمة على الإطلاق أبو بكر ثم عمر، وهذا بإجماع المسلمين الأولين والآخرين بإخراج طائفة الروافض.
وذكر الشيخ: أن أهل السنة قد وقع بينهم خلاف في القديم في المفاضلة بين عثمان وعلي. فقوم: قدموا عثمان وسكتوا، أو ربعوا بعلي. وقوم: قدموا عليًا. وقوم: توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تفضيل عثمان على علي، وأن ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل على ترتيبهم في الخلافة.
وهذا يعني أن الخلاف قد ارتفع، وأجمع أهل السنة أخيرًا على تقديم عثمان على علي.
لكن يجب أن يُفَرَّق بين مسألة المفاضلة بين عثمان وعلي، وبين الطعن في خلافة عثمان، فلا يلزم من تفضيل علي على عثمان الطعن في خلافة عثمان؛ فمسألة تفضيل علي على عثمان يقول الشيخ: ليست من المسائل التي يضلل المخالف فيها.
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ٢٥١].
[ ٢٥٨ ]
من طعن في خلافة أحد من الخلفاء الراشدين فهو أضل من حمار أهله
من قدم عليا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار
أهل السنة يعرفون لقرابة النبي ﷺ فضلهم
أما مسألة الخلافة فمن طعن في خلافة واحد من الخلفاء الراشدين فهو ضال أضل من حمار أهله، فمن طعن في خلافة عثمان، وقال: إنه تقديم للمفضول، وإنه كان عن محاباة من بعض الصحابة، وإن عثمان قد هَضم حق علي، فهو ضال مضل.
وقد قال بعض السلف: من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار (^١)؛ لأن المهاجرين والأنصار قد اتفقوا على تقديم عثمان في الخلافة، وهذا حجة لما عليه جمهور أهل السنة، واستقر عليه أمرهم من تقديم عثمان على علي في الفضل (^٢).
فهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، ومنهجهم في أصحاب الرسول ﷺ: سلامة قلوبهم وألسنتهم، ومحبتهم، وإنزال كلٍ منزلته، وهذا هو العدل.
وكذلك من منهج أهل السنة والجماعة أنهم يعرفون لقرابة الرسول ﷺ فضلهم، ويحفظون وصية النبيصلى الله عليه وسلم في أهل بيته حين قال يوم غدير خم: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (^٣) وأهل بيته ﷺ قرابته القربى الأدنون، وهم بنو هاشم، ثم قريش على مراتبهم لهم حظهم وشرفهم من قرابة النبي ﷺ بقرابتهم للنبي ﷺ، ولكن هذه
_________________
(١) روي هذا عن أيوب السختياني وأحمد بن حنبل والدارقطني ﵏. السنة للخلال ٢/ ٣٩٢، ومجموع الفتاوى ٤/ ٤٢٦ و٤٣٥.
(٢) انظر مسألة عثمان وعلي ﵄ في: منهاج السنة ٢/ ٧٣، ومجموع الفتاوى ٤/ ٤٢٥، وفتح الباري ٧/ ١٦، وفتح المغيث ٤/ ٥٧.
(٣) تقدم تخريجه في [ص ٢٥٢].
[ ٢٥٩ ]
أهل السنة يحبون أزواج النبي ﷺ
الفضيلة لا تتحقق إلا مع الإيمان، فإذا لم يتحقق الإيمان فلا تنفع الأنساب؛ فأبو لهب وأبو طالب لم تنفعهم قرابتهم من النبي ﷺ حين لم يؤمنوا به.
وقال ﷺ حين شكا إليه العباس أن قريشًا تجفو بني هاشم قال ﷺ: «والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله - يعني: لإيمانكم - ولقرابتي» (^١) فمن كان مؤمنًا من قرابة النبي ﷺ وصَحِبَه؛ فإنه اجتمع له فضل الصحبة، وفضل القرابة، كعلي ﵁ له فضل الصحبة فهو من سادات الصحابة، ومن السابقين الأولين، وفضل القرابة فهو أفضل قرابة النبي ﷺ.
وكذلك من منهج أهل السنة والجماعة أنهم يوالون ويحبون أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون أنهن زوجاته في الآخرة، ويعرفون لهن فضيلتهن، فلهن فضل الصحبة، وفضل صلتهن بالنبي ﷺ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وهذه الأمومة أمومة حرمة، وكرامة، وليست أمومة القرابة التي ينبني عليها ما ينبني من أحكام الميراث وغيره (^٢)، قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ٢٥٢].
(٢) منهاج السنة ٤/ ٣٦٩.
[ ٢٦٠ ]
زوجات النبي ﷺ هن أولى من يدخل في مسمى آل البيت
فضل خديجة وعائشة ﵅
خلاف أهل العلم في المفاضلة بين خديجة وعائشة
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب]، وهذه الآية تدل - على الصحيح - على أن زوجات النبي ﷺ من أهل بيته، بل هن أولى من يدخل في هذا الاسم (^١).
يقول شيخ الإسلام: وخصوصًا خديجة وعائشة. فخديجة أم أكثر أولاده؛ لأنها أولى زوجاته، وهي من أسبق السابقين إلى الإسلام، وعائشة التي قال فيها الرسول ﷺ: «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (^٢). والثريد هو: الخبز باللحم، وهو من أفضل الطعام.
وأهل السنة مختلفون في المفاضلة بينهما، فقوم فضلوا عائشة، وقوم فضلوا خديجة، ومنهم من قال: إن هذه أفضل من وجه، وهذه أفضل من وجه (^٣)، وعندي - والله أعلم - أن القول بتفضيل خديجة: قول قوي؛ لأدلة كثيرة دالة على فضلها (^٤)، وكلهن فُضْليات ﵅.
* * * *
_________________
(١) التمهيد ١٧/ ٣٠٢، ومنهاج السنة ٤/ ٢٤ و٧/ ٧٣، وجلاء الأفهام ص ٢٣٦ - ٢٤٧، وتفسير ابن كثير ٦/ ٤١٠.
(٢) تقدم تخريجه في [ص ٢٥٣].
(٣) هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم. مجموع الفتاوى ٤/ ٣٩٣، وبدائع الفوائد ٣/ ١١٠٤، وجلاء الأفهام ص ٢٦٣.
(٤) وهذا اختيار الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» ٧/ ١٣٤.
[ ٢٦١ ]