ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغُيِّرَ عن وجهه، والصحيح منه: هم فيه معذورن؛ إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم، وصغائره؛ بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.
وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ: «أنهم خير القرون» (^١)، «وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم» (^٢). ثم إذا كان قد صدر عن أحدهم ذنب، فيكون قد تاب منه، [و] (^٣) أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة
_________________
(١) رواه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣)، من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.
(٢) تقدم تخريجه في [ص ٢٥٠].
(٣) في (ب) و(م): أو.
[ ٢٦٢ ]
أهل السنة يمسكون عن الحديث فيما شجر بين الصحابة
محمد ﷺ الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه؛ فإذا [٣٤/ ١] كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا، فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم.
ثم القَدْر الذي يُنْكَر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم: من الإيمان بالله، ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح.
ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما مَنَّ الله عليهم من الفضائل؛ عَلِم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان، ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم، وأكرمها على الله تعالى.
تقدم ذكر جمل من المسائل التي يتضمنها منهج أهل السنة والجماعة في أصحاب الرسول ﷺ، ومن منهجهم وطريقتهم القويمة السليمة أنهم يمسكون عمّا شجر بين الصحابة، فلا يخوضون فيما وقع بينهم من الخلاف والنزاع والحروب، ولا يجعلون ما جرى بين الصحابة حديثًا يتسلون به؛ فضلًا عن أن يتذرعوا به إلى الطعن في أصحاب الرسول ﷺ بل يُعرضون عنه، ويغفلون عنه؛ لأن مع ما في الخوض فيه من المفاسد؛ فإنه أيضًا يؤلم قلوب المؤمنين؛ فلا يحبون
[ ٢٦٣ ]
تسطير ما حدث بين الصحابة لا خير فيه إلا من يكتب للرد على شبه المبطلين
الجواب عما نقل في مساوئ الصحابة
التكلم فيه والتشاغل به؛ بل إذا تذكروا ذلك، أو ذُكِرَ لهم وقفوا وزجروا من يخوض في ذلك، ويبادرون بالترضي عن أصحاب الرسول ﷺ، والدعاء لهم بالمغفرة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر].
فلا يخوضون فيما شجر بين الصحابة لا كلامًا، ولا كتابة وتأليفًا، فتسطير ما جرى بين الصحابة لا خير فيه، اللهم إلا من يكتب للرد على المبطلين وإزاحة الشبه (^١)، فيكون هذا الكلام، وهذا التأليف ليس مقصودًا لذاته، فلا يقصد به مجرد الأحاديث التأريخية، والخوض الذي تزجى به الأوقات، ويؤدي إلى تسويد القلوب.
ومن أحسن ما أُثِر في هذا قول عمر بن العزيز ﵀: لما قيل له: ما تقول في أهل صفين؟ فقال: تلك دماء طهر الله يدي منها، فلا أحب أن أخضب لساني بها (^٢).
وهذا معنى عظيم، وأصل يجب التفطن له والتمسك به؛ بل إن هذا المعنى هو الواجب نحو ما يكون بين المسلمين، فكيف بأصحاب الرسول ﷺ الأخيار، خير هذه الأمة.
ثم من هذا الأصل يقولون: إن ما نقل من المساوئ من تلك الحروب، أو غيرها منها: ما هو كذب، فالأخبار التأريخية كثير منها
_________________
(١) منهاج السنة ٦/ ٢٥٤.
(٢) حلية الأولياء ٩/ ١١٤.
[ ٢٦٤ ]
أهل السنة لا يقولون بعصمة الصحابة بل تجوز عليهم الذنوب
كذب، وقد يكون أصل الخبر واقعًا، لكن التفصيلات منها ما هو كذب، ومنها ما زيد فيه ونقص وغُيِّرَ عن وجهه، هذا قسم.
والصحيح مما أُثِرَ من مساوئ الصحابة هم فيه معذورون مأجورون؛ إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، فهم مأجورون بأجر أو أجرين، فيجب الكف عن الخوض في مساوئهم، والتماس العذر فيما ثبت، وما لم يثبت لا ينظر فيه، ويرد من أول وهلة.
لكن ما ثبت يُخَرَّج على هذا الوجه: أن ما وقع هو اجتهاد، وهذا لا يقتضي أن الصحابة معصومون، بل أهل السنة لا يقولون: إن أحدًا من الصحابة معصوم، فالعصمة إنما هي للرسول ﷺ (^١).
أما الصحابة فهم بشر تجوز عليهم الذنوب في الجملة، وتعرض لهم العوارض النفسية، وتحصل من أحدهم الزلة، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف]، اتقوا: فالمتقون قد يذنبون، ويقول تعالى في صفة المتقين الذين يعدُّ الصحابة في أول وأعلى درجاتهم من هذه الأمة بعد نبيها ﷺ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران].
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ١٠/ ٢٨٩، وأصول الفقه ١/ ٣٢٢، وشرح الكوكب المنير ٢/ ١٦٩.
[ ٢٦٥ ]
الصحابة هم خير القرون لا كان ولا يكون مثلهم
وإذا علم هذا فما يُقَدّر أن يقع منهم من ذنوب فإن لهم من أسباب المغفرة ما ليس عند غيرهم، فإنه يغفر لهم إما بالتوبة، وهم أحرى بها، وإما بالحسنات الماحية، أو المصائب المكفرة.
هذه مكفرات الذنوب لهم ولغيرهم، ولكنهم هم أولى بها، ونصيبهم منها أعظم وأكبر، أو يغفر لهم بشفاعة النبي ﷺ الذين هم أحق بشفاعته.
مع أن ما يقدر أن يصدر عنهم إن صدر نزر قليل في جانب فضائلهم، وحسناتهم، فإن لهم سوابق، وفضائل لا يلحقهم فيها غيرهم، وقد قال ﷺ: «لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (^١).
كيف وهم الذين قال فيهم الرسول ﷺ: «خير الناس قرني ثم الذي يلونهم» (^٢). وقرنه هم الصحابة ﵃.
فالمقصود أن الواجب هو الكف عن مساوئ الصحابة، والتماس العذر لهم، وتذكر ما لهم من الفضائل والسوابق، وما لديهم من أسباب المغفرة، وما يكون منهم من ذنوب فإن ذلك مغمور في جانب حسناتهم وفضائلهم (^٣).
وختامًا يقول الشيخ: «إن من نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة … عَلِم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم».
_________________
(١) تقدم تخريجه في [ص ٢٥٠].
(٢) تقدم تخريجه في [ص ٢٦٢].
(٣) ينظر كتيب: «المنهج في التعامل مع روايات ما شجر بين الصحابة» د. محمد أبا الخيل.
[ ٢٦٦ ]
الجواب عما ورد في صفة الغرباء، وأن للعامل أجر خمسين من الصحابة
وهذا يستفاد من قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فإذا كانت هذه الأمة خير الأمم، والصحابة خير هذه الأمة؛ تبين أن الصحابة خير الناس بعد الأنبياء، لا كان في الماضي مثلهم، ولا يكون في آخر الزمان مثلهم.
وأما ما ورد في صفة وأجر الغرباء، وأن للعامل في أيام الصبر أجر خمسين من الصحابة (^١)، فهو محمول عند أهل العلم على الفضل المقيد: لهم أجر خمسين في صبرهم على البلاء، وتسلط الأعداء، مع قلة المعين، لا أن لهم أجر خمسين من الصحابة في كل عمل؛ فيكونون بهذا أفضل من الصحابة لا؛ بل هم أفضل من الصحابة في خصلة من خصال الدين، وفضيلة من الفضائل، فلا يكونون بهذا أفضل من الصحابة مطلقًا، فالتفضيل المقيد لا يوجب الفضل المطلق (^٢).
* * * *
_________________
(١) رواه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨) وقال: حسن غريب، وصححه ابن حبان (٣٨٥)، والحاكم ٤/ ٣٢٢، من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁، وحسنه ابن القيم في «الكافية الشافية» ص ٣٤٣ - ٣٤٤. وانظر: السلسلة الصحيحة (٤٩٤)، والضعيفة (١٠٢٥).
(٢) الكافية الشافية ص ٣٤٥ - ٣٤٧، وفتح الباري ٧/ ٦ - ٧، ونيل الأوطار ٨/ ٣٥٢.
[ ٢٦٧ ]