[ ٨ / ٥ ]
جماع أبواب الكلام حول صفات الملائكة وأصل خلقتهم وهل يشاركهم أحد في كونهم خلقوا من نور والكلام على إبليس الرجيم هل كان من الملائكة؟
[ ٨ / ٧ ]
[١٢٠٠] باب الملائكة خلقوا من نور
[قال الإمام]:
الملائكة خلقوا من نور.
"الصحيحة" (١/ ٢/٨٢٠).
[١٢٠١] باب هل خلق النبي - ﵌ - من نور كالملائكة؟
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من نار السموم وخلق آدم ﵇ مما قد وصف لكم».
[قال الإمام]:
قلت: وفيه إشارة إلى بطلان الحديث المشهور على ألسنة الناس: «أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر». ونحوه من الأحاديث التي تقول بأنه - ﵌ - خلق من نور، فإن هذا الحديث دليل واضح على أن الملائكة فقط هم الذين خلقوا من نور، دون آدم وبنيه، فتنبه ولا تكن من الغافلين.
وأما ما رواه عبد الله بن أحمد في " السنة " (ص ١٥١) عن عكرمة قال: " خلقت الملائكة من نور العزة، وخلق إبليس من نار العزة ".
وعن عبد الله بن عمرو قال: " خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر " قلت: فهذا كله من الإسرائيليات التي لا يجوز الأخذ بها، لأنها لم ترد عن الصادق المصدوق - ﵌ -.
"الصحيحة" (١/ ٢/٨٢٠).
[ ٨ / ٩ ]
[١٢٠٢] باب منه
[تكلم الإمام على بعض أخطاء الشيخ الشعراوي﵀- العقدية إلى أن قال]:
من عقائده يقول: أن محمد ﵇ هو رسول كما قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] إلى آخر الآية، يقولون ويمكن هذا سمعته: محمد خلق من نور الله، سمعت هذا الشيء أو لا؟
الشيخ: في سوريا موجود، وفي الأردن موجود يقول: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر"، ما سمعت هذا الحديث عندك؟
مداخلة: هذا سمعته من الشعراوي.
الشيخ: هه، أتت يقولون: - على رجليها -، رأيت؟! وهذا من أبطل الباطل، كيف خلق الله محمدًا من نوره، وأول ما خلق الله القلم والحديث صحيح كما ذكرته آنفًا: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة» (١) بعد ذلك نحن نعرف الرسول أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهكذا، وبعد ذلك ينقطع السند أو النسب، لكن هو على كل حال جده الأول من هو؟ آدم ﵊؛ لأنه كلكم كما قال ﵇ في الحديث الصحيح: «كلكم من آدم وآدم من تراب (٢)» كيف إذًا محمد وبينه وبين آدم الله كم جد، ثم هو قبل هؤلاء خلق من نور، هذه تريد إيمان .. تريد مخ كبير لا
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم ٢٠١٧).
(٢) "صحيح الجامع" (رقم ٦٧٩٨)، " الصحيحة" (٣/ ٨).
[ ٨ / ١٠ ]
وجود له في هذا الكون، أنه يؤمن بمثل هذه الخرافات أما عامة المسلمين وبعض الخاصة منهم - وأنت شاهد - ومنهم الشيخ الشعراوي يؤمن بهذه الخرافة.
هذا حديث لا هو في البخاري ولا في مسلم ولا في السنن الأربعة ولا الأربعين ولا الأربعمائة لا أصل لهذا الحديث إطلاقًا إلا إذا صح التعبير في أمخاخ المخرفين، هذا له وجود هناك فقط، هذا ما هو الإسلام؟
الإسلام قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
إلى آخر ما قال ابن القيم ﵀.
"رحلة النور" (٤٥أ/٠٠:٠٠:٠٠)
[١٢٠٣] باب منه
[قال الإمام]:
[رددنا] قول من قال: بأن الرسول ﵇ نور، وأبطلنا هذا القول بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف:١١٠] فهو ﵇ كالبشر تمامًا، خلق كما خلق البشر، يعني: حملت فيه أمه كما تحمل كل الأمهات تسعة أشهر، ووضعته كما تضع كل أم ولدها، سوى أنها رأت في المنام أنها خرج منها نور أضاءت لها الشام، أو بصرى الشام، هذا صحيح كرؤيا كمنام، فعليه الصلاة والسلام كان كما تعلمون يأكل ويشرب ويمرض، ويجرح و.. و.. إلى آخره، فهو بشر لا يختلف عنهم إطلاقًا إلا بما اصطفاه الله من الوحي والنبوة والرسالة.
"الهدى والنور" (/٣٢٢/ ٢٩: ٠١: ٠٠)
[ ٨ / ١١ ]
[١٢٠٤] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون».
[قال الإمام]:
في الحديث إشارة إلى رد ما يتناقله الناس حتى صار ذلك عقيدة راسخة في قلوب كثير منهم وهو أن النور المحمدي هو أول ما خلق الله ﵎، وليس لذلك أساس من الصحة، وحديث عبد الرزاق غير معروف إسناده، ولعلنا نفرده بالكلام في " الأحاديث الضعيفة " إن شاء الله تعالى.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٥٧ - ٢٥٨).
[١٢٠٥] باب هل إضاءة النبي - ﵌ - كل شيء في المدينة لما دخلها إضاءة مادية أو معنوية؟
سؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عندنا الله يسلمك! أتانا شيخ من قريب اسمه عبد الرحيم الطحان، وكانت له محاضرة عنوانها: تعظيم أنبياء الله ومن بعض ما قاله في نفس المحاضرة قوله: ليتنا كنا نساء وحظينا بريق الحسن، من يحظ بالحسن .. ليلة لو نظرَ، وقوله: ووالله لو أدركنا الحسين لمسحنا نعليه بلحانا وفي ذلك شرف لنا وفخر.
وقوله: ثبت عن أنس بإسناد صحيح: إن النبي ﵊ عندما دخل المدينة أضاء فيها كل شيء لما تنورت بالنبي - ﵌ - وأشرقت.
وقوله: ينقل الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الحادي عشر
[ ٨ / ١٢ ]
صفحة (٢١١) عن بعض طلبة العلم أنه قال: نظرة إلى الإمام أحمد تعدل عبادة سنة وأكثر، علق الإمام الذهبي على هذه الجملة بقوله: هذا غلو لا ينبغي، وقال: والله ليس بغلو وإنه مما ينبغي.
وقال : كان جعفر الصادق يقول: إذا وجدت في قلبي فتور وقسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع فاجتهدت أسبوع، وقال: النظر إلى أئمتنا يستشفى به .. يتداوى به .. يذكر بالله، ويقولون: من لم ينفعك لحظه لم ينفعك لفظه ووعظه.
وقوله: ذكر أحمد من مجالس الذكر عندما نذكره [كأننا] ذكرنا الله
وقوله: نظرة إلى وجه النبي - ﵌ - تعدل عبادة آلاف السنين، والنظرة إلى الصحابة الطيبين تعدل عبادة آلاف السنين.
قابل هذا الشيخ بعض الشيوخ يقول: واسمه الشيخ عبد الرحمن زيد العابدين، ويقول: قابلته وقلت له: ووالله ما رأيته إلا قبلت يده، وكان يقول، أي: الشيخ عبد الرحمن زين - يقول للشيخ عبد الرحيم: من مقاصدي إذا ذهبت لأحج رؤية الإمام الشنقيطي، وهذا الشيخ يا شيخنا! معروف على مستوى في دولتنا قطر، وكل طلبة العلم يحضرون له، فما رأيكم وما الرد على هذا؟
الشيخ: بارك الله فيك، ما كان ينبغي أن تطيل علينا بسردك لمثل هذا الهراء، فانتبه لما سأقول: باستثناء حديث أنس الذي حكيته عن الطحان أقول: أولًا: حديث أنس هو فعلًا حديث صحيح ولكن الإضاءة هي إضاءة معنوية يعني: هو كناية عن انتشار نور الإسلام، وإلا فالمدينة كما تعلم إذا أطفئت الأنوار اليوم فسنراها مظلمة كما كان الشأن في عهد الرسول ﵇، وقد جاء في الحديث الصحيح أن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها استيقظت ليلة قالت: ولم تكن المصابيح يومئذٍ، لم تجد نبيها بجانبها فأخذت تبحث عنه والليل ظلام فوقعت
[ ٨ / ١٣ ]
يدها على النبي - ﵌ - وهو ساجد في صلاته وقدماه منصوبتان وهو يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (١) فالرسول - ﵌ - بلا شك نور هدى الله به العرب ثم العجم بسبب الهدى والنور الذي أنزله الله ﵎ على قلب الرسول، فلم تكن إضاءة المدينة المذكورة في حديث أنس هي إضاءة مادية وإلا كانت السيدة عائشة ترى نبيها - ﵌ - وهو يصلي في الغرفة .. في البيت، لكنها صرحت بأنها لم تره لم؟ لأنه لم تكن عندهم المصابيح يومئذٍ فأقول: باستثناء حديث أنس من ذاك الهراء، فحديث أنس صحيح ومعناه ليس كما يفسره الرجل.
أقول بعد تكريري لهذا الاستثناء: الكلام الذي حكيته عنه كله هراء ويجب أن يطحن من الطحانين طحنًا.
سمعت الجواب؟
مداخلة: ماذا تنصحون طلبة العلم جزاكم الله خيرًا؟
الشيخ: أنصحهم ألا يحضروا للرجل درسًا؛ لأنه صوفي مبتدع ويتستر بالسنة وهو جاهل بها، والسلام عليكم ورحمة الله.
مداخلة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
مداخلة: هذا عبد الرحيم ما كان يُصْدِرُ هذا في السعودية.
الشيخ: ما كان نعم، هؤلاء يا أخي مصلحية هؤلاء.
"الهدى والنور" (٨٠١/ ٠٨: ٢٠: ٠٠)
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم ١٢٨٠).
[ ٨ / ١٤ ]
[١٢٠٦] باب هل يطلق على الملائكة أنهم جن لأنهم لا يُرَون؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«يا جبريل! ما لي أراك متغير اللون؟! فقال: ما جئتك حتى أمر الله ﷿ بمفاتيح النار. فقال رسول الله - ﵌ -: يا جبريل! صف لي النار، وانعت لي جهنم! فقال جبريل: إن الله ﵎ أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداءً مظلمة، لا يضيء شررها، ولا يطفأ لهبها.
والذي بعثك بالحق! لو أن قدر ثقب إبرة فتح من جهنم؛ لمات من في الأرض كلهم جميعًا من حره. والذي بعثك بالحق! لو أن ثوبًا من ثياب النار علق بين السماء والأرض؛ لمات من في الأرض جميعًا من حره. والذي بعثك بالحق! لو أن خازنًا من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا، فنظروا إليه؛ لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه ومن نتن ريحه. والذي بعثك بالحق! لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا؛ لا رفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى السفلى. فقال رسول الله - ﵌ -: حسبي يا جبريل! لا ينصدع قلبي فأموت. قال: فنظر رسول الله - ﵌ - إلى جبريل وهو يبكي. فقال: تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به؟! قال: وما لي لا أبكي! أن أحق بالبكاء؛ لعلي أكون في علم الله على غير الحال التي أنا عليها، وما أدري لعلي أبتلى بمثل ما ابتلي به إبليس؛ فقد كان من الملائكة. وما يدريني لعلي أبتلى بمثل ما ابتلي به هاروت وماروت. قال: فبكى رسول الله - ﵌ -، وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا أن: يا جبريل! ويا محمد! إن الله ﷿ قد أمنكما أن تعصياه.
[ ٨ / ١٥ ]
فارتفع جبريل ﵇، وخرج رسول الله - ﵌ -؛ فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون؛ فقال:
أتضحكون ووراءكم جهنم؟! فلو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عزوجل.
فنودي: يا محمد! لا تقنط عبادي، إنما بعثتك ميسرًا، ولم أبعثك معسرًا. فقال رسول الله - ﵌ -: سددوا وقاربوا»
(موضوع)
[قال الإمام]:
أخرجه الطبراني في "الأوسط" (رقم ٢٧٥٠ - مصورتي) من طريق الحكم بن مروان الكوفي قال: أخبرنا سلام الطويل عن الأجلح بن عبد الله الكندي عن عدي بن عدي الكندي قال: قال عمر بن الخطاب: جاء جبريل إلى النبي - ﵌ - في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقام إليه رسول الله - ﵌ -، فقال: فذكره. وقال: "لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد، تفرد به سلام".
قلت: قال الهيثمي (١٠/ ٣٨٧): "وهو مجمع على ضعفه".
قلت: بل اتهمه بعضهم بالكذب. بل قال ابن حبان (١/ ٣٣٩): "يروي عن الثقات الموضوعات كأنه كان المتعمد لها". وقال الحاكم: "روى أحاديث موضوعة".
قلت: وهذا في نقدي من موضوعاته؛ فإن قوله عن إبليس: "كان من الملائكة"؛ مخالف لقوله تعالى: ﴿كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾.
[ ٨ / ١٦ ]
ولا يصح تفسير الآية بأن المراد الملائكة وأنه أطلق عليهم (الجن)؛ لأنهم لا يُرون؛ لأن القرآن والسنة مصرحان بأن إبليس خُلِقَ من نار، والحديث يصرح بأن الملائكة خلقت من نور.
وكذلك ذكره فيه هاروت وماروت، فيه إشارة إلى قصتهما المعروفة مع الزهرة، وهي من الإسرائيليات الباطلة التي لا يصح نسبتها إلى النبي - ﵌ -؛ كما تقدم برقم (١٧٠، ٩١٢،٩١٣).
"الضعيفة (١١/ ٢/٦٧٢ - ٦٧٥).
[١٢٠٧] باب هل البشر يرون الملائكة؟
سؤال: البشر هل يرون الملائكة؟
الشيخ: أما بصورتهم التي خلقهم الله فالجواب: لا. أما بصورة يتشبهون بها فبلى، وقد رؤي جبريل في صورة دحية الكلبي من عائشة ﵂ ومن غيرها، أما أن يرى جبريل على صورته فلم يكن ذلك لأحد إلا للنبي - ﵌ -.
"الهدى والنور" (٣٢٢/ ٥١: ٥٧: ٠٠) و(٣٢٢/ ٣٦: ٥٩: ٠٠)
[١٢٠٨] باب هل الملائكة يعصون الله؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن آدم - ﵌ - لما أهبطه الله تعالى إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب [أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء، ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون] قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم، قال الله تعالى للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة، حتى يهبط بهما الأرض، فننظر كيف
[ ٨ / ١٧ ]
يعملان؟ قالوا: ربنا! هاروت وماروت، فأهبطا إلى الأرض، ومثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاءتهما فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تكلما بهذه الكلمة من الإشراك، فقالا: والله لا نشرك بالله، فذهبت عنهما ثم رجعت بصبي تحمله فسألاها نفسها قالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي، فقالا: والله لا نقتله أبدا، فذهبت ثم رجعت بقدح خمر، فسألاها نفسها، قالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا، فوقعا عليها، وقتلا الصبى، فلما أفاقا، قالت المرأة: والله ما تركتما شيئا مما أبيتما علي إلا قد فعلتما حين سكرتما، فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا».
(باطل مرفوعًا).
[قال الإمام]:
ومما يؤيد بطلان رفع الحديث أن فيه وصف الملكين بأنهما عصيا الله ﵎ بأنواع من المعاصي على خلاف وصف الله تعالى لعموم ملائكته في قوله ﷿: ﴿لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾.
"الضعيفة" (١/ ٣١٤ - ٣١٥، ٣١٨).
[١٢٠٩] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«يا جبريل صف لي النار، وانعت لي جهنم، فقال جبريل: إن الله ﵎ أمر بجهنم فأو قد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أمر فأو قد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، لا يضيء شررها، ولا يطفأ لهبها، والذي بعثك بالحق لوأن خازنا من خزنة جهنم برز
[ ٨ / ١٨ ]
إلى أهل الدنيا فنظروا إليه لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه، ومن نتن ريحه، والذي بعثك بالحق لوأن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لارفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى، فقال رسول الله - ﵌ -: حسبي يا جبريل لا يتصدع قلبي، فأموت، قال: فنظر رسول الله - ﵌ - إلى جبريل وهو يبكي، فقال: تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به، فقال: مالي لا أبكي؟ أنا أحق بالبكاء! لعلي ابتلى بما ابتلي به إبليس، فقد كان من الملائكة، وما أدري لعلي ابتلي مثل ما ابتلي به هاروت وماروت، قال: فبكى رسول الله - ﵌ - وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا: أن يا جبريل ويا محمد إن الله ﷿ قد أمنكما أن تعصياه، فارتفع جبريل ﵇، وخرج رسول الله - ﵌ - فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون، فقال: أتضحكون ووراءكم جهنم؟! لوتعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ﷿ .. فنودي: يا محمد! لا تقنط عبادي، إنما بعثتك ميسرا ولم أبعثك معسرا فقال رسول الله - ﵌ -: سددوا وقاربوا»
(موضوع).
[قال الإمام]:
أخرجه الطبراني في " الأوسط " بسنده عن عمر بن الخطاب قال: " جاء جبريل إلى النبي - ﵌ - في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقام إليه رسول الله - ﵌ - فقال: يا جبريل: مالي أراك متغير اللون؟ فقال: ما جئتك حتى أمر الله بمفاتيح النار، فقال رسول الله - ﵌ -: يا جبريل صف لي النار. الحديث، أورده المنذري في " الترغيب والترهيب " (٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦) وأشار لضعفه أو وضعه، وقد بين علته الهيثمي في
[ ٨ / ١٩ ]
"المجمع" فقال (١٠/ ٣٨٧): " وفيه سلام الطويل وهو مجمع على ضعفه".
قلت: وذلك لأنه كان كذابا كما قال ابن خراش، وقال ابن حبان: (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦): "روى عن الثقات الموضوعات، كأنه كان المعتمد لها".
وقال الحاكم - على تساهله -: " روى أحاديث موضوعة ". قلت: وهذا منها بلا شك فإن التركيب والصنع عليه ظاهر، ثم إن فيه ما هو مخالف للقرآن الكريم في موضعين منه: [فذكر الأول ثم قال:]
الموضع الثاني: قوله: " ابتلي به هاروت وماروت ". فإن فيه إشارة إلى ما ذكر في بعض كتب التفسير أنهما أنزلا إلى الأرض، وأنهما شربا الخمر وزنيا وقتلا النفس بغير، فهذا مخالف لقول الله تعالى في حق الملائكة: ﴿لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾، ولم يرد ما يشهد لما ذكر، إلا في بعض الإسرائيليات التي لا ينبغي أن يوثق بها، وإلا في حديث مرفوع، قد يتوهم - بل أوهم - بعضهم صحته، وهو منكر بل باطل كما سبق تحقيقه برقم ١٧٠، ويأتي بعد حديث من وجه آخر.
"الضعيفة" (٢/ ٣١١ - ٣١٣).
[١٢١٠] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«جَاءَني جِبْرِيلُ وَهُوَ يَبْكِي فَقلتُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: مَا جَفَّتْ لِي عَيْنٌ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ جَهَنَّمَ مَخَافَةَ أَنْ أَعْصِيَهُ؛ فَيُلْقِيَني فِيهَا».
(موضوع).
[ ٨ / ٢٠ ]
[قال الإمام]:
ثم إن متن الحديث منكر جدًا، بل هو موضوع؛ لمخالفته لمثل قوله ﵎ في الملائكة: ﴿لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾؛ فلعله من الإسرائيليات اشتبه على بعض الرواة؛ فرفعه إلى النبي - ﵌ - كحديث قصة هاروت وماروت، وقد مضى برقم (٩١٣).
"الضعيفة" (١٣/ ٢/١١٣٤ - ١١٣٥).
[١٢١١] باب هل كان إبليس من الملائكة؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«يا جبريل صف لي النار، وانعت لي جهنم، فقال جبريل: إن الله ﵎ أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، لا يضيء شررها، ولا يطفأ لهبها، والذي بعثك بالحق لوأن خازنا من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا فنظروا إليه لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه، ومن نتن ريحه، والذي بعثك بالحق لوأن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لارفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى، فقال رسول الله - ﵌ -: حسبي يا جبريل لا يتصدع قلبي، فأموت، قال: فنظر رسول الله - ﵌ - إلى جبريل وهو يبكي، فقال: تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به، فقال: مالي لا أبكي؟ أنا أحق بالبكاء! لعلي ابتلى بما ابتلي به إبليس، فقد كان من الملائكة، وما أدري لعلي ابتلي مثل ما ابتلي به هاروت وماروت، قال: فبكى رسول الله - ﵌ - وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان
[ ٨ / ٢١ ]
حتى نوديا: أن يا جبريل ويا محمد إن الله ﷿ قد أمنكما أن تعصياه، فارتفع جبريل ﵇، وخرج رسول الله - ﵌ - فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون، فقال: أتضحكون ووراءكم جهنم؟! لوتعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ﷿ .. فنودي: يا محمد! لا تقنط عبادي، إنما بعثتك ميسرا ولم أبعثك معسرا فقال رسول الله - ﵌ -: سددوا وقاربوا».
(موضوع)
[قال الإمام]:
أخرجه الطبراني في " الأوسط " بسنده عن عمر بن الخطاب قال: " جاء جبريل إلى النبي - ﵌ - في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقام إليه رسول الله - ﵌ - فقال: يا جبريل: مالي أراك متغير اللون؟ فقال: ما جئتك حتى أمر الله بمفاتيح النار، فقال رسول الله - ﵌ -: يا جبريل صف لي النار. الحديث، أورده المنذري في " الترغيب والترهيب " (٤/ ٢٢٥ - ٢٢٦) وأشار لضعفه أو وضعه، وقد بين علته الهيثمي في " المجمع " فقال (١٠/ ٣٨٧): " وفيه سلام الطويل وهو مجمع على ضعفه ".
قلت: وذلك لأنه كان كذابًا كما قال ابن خراش، وقال ابن حبان: (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦): " روى عن الثقات الموضوعات، كأنه كان المعتمد لها ". وقال الحاكم - على تساهله -: " روى أحاديث موضوعة ". قلت: وهذا منها بلا شك فإن التركيب والصنع عليه ظاهر، ثم إن فيه ما هو مخالف للقرآن الكريم في موضعين منه:
[ ٨ / ٢٢ ]
الأول: قوله في إبليس: " كان من الملائكة " والله ﷿ يقول فيه: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾، وما يروى عن ابن عباس في تفسير قوله: (من الجن) أي من خزان الجنان، وأن إبليس كان من الملائكة، فمما لا يصح إسناده عنه، ومما يبطله أنه خلق من نار كما ثبت في القرآن الكريم، والملائكة خلقت من نور كما في " صحيح مسلم " عن عائشة مرفوعا، فكيف يصح أن يكون منهم خلقة، وإنما دخل معهم في الأمر بالسجود لآدم ﵇ لأنه كان قد تشبه بهم وتعبد وتنسك، كما قال الحافظ ابن كثير، وقد صح عن الحسن البصري أنه قال: " ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن، كما أن آدم ﵇ أصل البشر "
[ثم ذكر الثاني].
"الضعيفة" (٢/ ٣١١ - ٣١٢).
[١٢١٢] باب منه
[أورد الإمام الحديث السابق ثم قال]:
«يا جبريل مالي أراك متغير اللون؟ فقال: ما جئتك حتى أمر الله ﷿
بمفاتيح النار، فقال رسول الله - ﵌ -: يا جبريل صف لي النار، وانعت لي جهنم، فقال جبريل: إن الله ﵎ أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت، ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، لا يضيء شررها، ولا يطفأ لهبها، والذي بعثك بالحق لوأن ثوبا من ثياب النار علق بين السماء والأرض لمات من في الأرض جميعا من حره، والذي بعثك بالحق لوأن خازنا من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا
[ ٨ / ٢٣ ]
فنظروا إليه لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه ومن نتن ريحه، والذي بعثك بالحق لوأن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لا رفضت وما تقارت حتى تنتهي إلى الأرض السفلى، فقال رسول الله - ﵌ -: حسبي يا جبريل لا يتصدع قلبي فأموت قال: فنظر رسول الله - ﵌ - إلى جبريل وهو يبكي، فقال: تبكي يا جبريل؟ وأنت من الله بالمكان الذي أنت به! قال: ومالي لا أبكي؟ أنا أحق بالبكاء لعلي أن أكون في علم الله على غير الحال التي أنا عليها، وما أدري لعلي أبتلى بمثل ما ابتلي به إبليس، فقد كان من الملائكة، وما يدريني لعلي أبتلى بمثل ما ابتلي به هاروت وماروت، قال: فبكى رسول الله - ﵌ - وبكى جبريل ﵇، فما زالا يبكيان حتى نوديا: أن يا جبريل ويا محمد: إن الله ﷿ قد أمنكما أن تعصيا. فارتفع جبريل ﵇، وخرج رسول الله - ﵌ - فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون، فقال: أتضحكون ووراءكم جهنم؟! لوتعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، ولما أسغتم الطعام والشراب، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله ﷿. فنودي: يا محمد: لا تقنط عبادي، إنما بعثتك ميسرا، ولم أبعثك معسرا، فقال رسول الله - ﵌ -: سددوا، وقاربوا».
(موضوع بهذا السياق والتمام).
أخرجه ابن أبي الدنيا في " صفة النار " (ق ٩/ ١) والطبراني في "المعجم الأوسط " (٢٧٥٠ - بترقيمي لمصورة الجامعة الإسلامية) عن سلام الطويل عن الأجلح بن عبد الله الكندي عن عدي بن عدي الكندي قال: قال: عمر بن الخطاب: جاء جبريل إلى النبي - ﵌ - في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه، فقام إليه رسول الله - ﵌ - فقال: فذكره. وقال الطبراني:
[ ٨ / ٢٤ ]
"لا يروى هذا الحديث عن عمر إلا بهذا الإسناد تفرد به سلام".
قلت: وقال الهيثمي (١٠/ ٣٨٦ - ٣٨٧) بعد ما عزاه للطبراني: " وهو مجمع على ضعفه".
قلت: وقد اتهمه غير واحد بالكذب والوضع كما تقدم غير ما مرة، وقال ابن حبان في " الضعفاء والمتروكين ": " يروي عن الثقات الموضوعات كأنه كان المتعمد لها ".
قلت: وفي هذا الحديث ما يؤكد ما اتهموه به أعظمها قوله في
إبليس: «كان من الملائكة» وهذا خلاف القرآن: و﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. ثم إن الملائكة خلقت من نور كما في "صحيح مسلم"، وهو مخرج في "الصحيحة" (٤٥٨)، وأما إبليس فخلق من نار كما في القرآن والحديث.
ونحوه قوله: " ما ابتلي به هاروت وماروت، فإنه يشير إلى ما يروى من قصتهما مع الزهرة ومراودتهما إياها وشربهما الخمر وقتلهما الصبي، وهي قصة باطلة مخالفة للقرآن أيضا كما سبق بيانه في المجلد الأول برقم (١٧٠).
ولا يفوتني التنبيه أن قوله: " لو تعلمون " إلى قوله: " تجأرون إلى الله ﷿ " قد جاء طرفه الأول في " الصحيحين "، والباقي عند الحاكم وغيره، فانظر الحديث الآتي إن شاء الله برقم (٤٣٥٤).
وتخريج " فقه السيرة " (ص٤٧٩).
"الضعيفة" (٣/ ٤٧٢ - ٤٧٥).
[ ٨ / ٢٥ ]
[١٢١٣] باب منه
[قال الإمام]:
[يزعم بعضهم] أن إبليس الرجيم كان من الملائكة وهذا زعم مخالف للقرآن الكريم؛ لأنه يصرح بقوله: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وهذا نقوله استطرادًا وإلا سواء كان من الملائكة المقربين أو من الجن المؤمنين وهو فعلًا كان مؤمنًا كان مطيعًا ومن أين نفهم هذا من قوله تعالى بعد قوله ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾؛ لأن الفسوق هو الخروج على الطاعة وذلك مشتق من قول العرب فسقت الحية؛ أي: خرجت من قميصها الذي تدثر به حينما تلتوي على نفسها في جحرها في أيام الشتاء، فإذا آن الأوان للخروج تفسق أي تخرج من هذا القميص، المقصود فما الذي أخرج إبليس من أولائك الطائعين المؤمنين من الجن هو فسوقه عن أمر ربه ﵎.
"الهدى والنور" (٦٥٤/ ٠٠:٠٠:٠٢)
[١٢١٤] باب الملائكة عباد مطيعون
عن عبد الله بن عمرو ﵁، أن رسول الله - ﵌ - قال: «إن الملائكة قالت: يا ربنا، أعطيت بني آدم الدنيا يأكلون فيها ويشربون ويلبسون، ونحن نسبح بحمدك، ولا نأكل ولا نشرب ولا نلهو، فكما جعلت لهم الدنيا فاجعل لنا الآخرة؟ قال: لا أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له: كن فكان».
(صحيح بإسناد الدارمي في "الرد على المريسي").
[قال الإمام:]
إعلاله من جهة المتن والمعنى غير جيد، ولا مقبول. فإن الملائكة لم
[ ٨ / ٢٦ ]
يعترضوا بهذا على ربهم، ولم يتبرموا بأحوالهم، وإنما سألوا ربهم، وهم عباد مطيعون، يرضون بما أمرهم الرب تبارك تعالى، إذا لم يستجب دعاءهم.
ومثال ذلك الآيات في خلق آدم في أول سورة البقرة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (الآيات ٣٠ - ٣٣).
"تحقيق شرح العقيدة الطحاوية" (ص ٣٠٦ - ٣٠٧).
[١٢١٥] باب هل إبراهيم ﵇ خير من الملائكة؟
[قال رسول - ﵌ -]:
«ذاك إبراهيم ﵇. يعني: أنّه خير البريّة».
[قال الإمام]:
قلت: وظاهر الحديث يدل على أمرين:
أحدهما: أن إبراهيم ﵇ خير الخلق مطلقًا بما فيهم الملائكة.
والآخر: أنه أفضل من نبينا محمد - ﵌ -.
وأجاب العلماء عن هذا بأن النبي - ﵌ - قال ذلك تواضعًا وهضمًا لنفسه، أو أنه قال ذلك قبل أن يوحى إليه بأن الله تعالى اتخذه خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، وأنه سيد الناس يوم القيامة، آدم فمن دونه تحت لوائه - ﵌ -، كما جاء في الأحاديث الصحيحة، وبهذا أجاب الطحاوي، فراجعه فإنه هام مفيد.
وأما الأمر الأول؛ فلم يتعرض له الطحاوي، فأرى- والله أعلم- أن قوله - ﵌ -: «خير البرية» من حيث إنه لا يشمل الملائكة، كقوله تعالى في سورة
[ ٨ / ٢٧ ]
(البينة): ﴿[إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّة﴾ بعد قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّة﴾، وأن المراد بـ (خير البرية) و(شر البرية)؛ إنما هم غير الملائكة- كما يشعر بذلك السياق-؛ فإن الملائكة ﴿لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾. وقد ذكر القرطبي أنه قد استدل بقوله تعالى: ﴿خير البرية﴾ من فضل بني آدم على الملائكة، ثم أحال في بيان الخلاف في ذلك على سورة البقرة (١/ ٢٨٩)، وهناك ذكر الخلاف في المسألة بشيء من التفصيل، وذكر دليل من قال بذلك، والقائل بأن الملائكة أفضل، ومن ذلك قوله:
"وفي البخاري: "يقول الله تعالى: من ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم "، وهذا نص" (١).
ثم قال:
"وقال بعض العلماء: ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة، ولا القطع بأن الملائكة خير منهم، لأن طريق ذلك خبر الله تعالى، وخبر رسوله، أو إجماع الأمة، وليس ههنا شيء من ذلك ".
ثم رأيت العلامة ابن أبي العز الحنفي قد توسع جدا في ذكر أدلة الفريقين ومناقشتها، وبيان ما لها وما عليها في "شرح العقيدة الطحاوية" (٣٠١ - ٣١١) - وتبعه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري " (١٣/ ٣٨٤ - ٣٨٨) -؛ وذكر عن أبي حنيفة ﵀ أنه لم يقطع فيها بجواب، وقال:
_________________
(١) الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وهو من حديث أبي هريرة، وله شواهد من حديث ابن عباس، وأنس بن مالك، وهي مخرجة في "الصحيحة" (٢٠١١و ٢٢٨٧ و٢٩٤٢). [منه].
[ ٨ / ٢٨ ]
"وهذا هو الحق، فإن الواجب علينا الإيمان بالملائكة والنبيين، وليس علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل؛ فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصًا .. وحملني على بسط الكلام هنا: أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم: كان الملك خادمًا للنبي - ﵌ -! أو أن بعض الملائكة خدام بني آدم!! يعنون: الملائكة الموكلين بالبشر، ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع المجانبة للأدب .. ".
ثم شرع في البسط المذكور، وختمه بقوله:
"وحاصل الكلام: أن هذه المسألة من فضول المسائل، ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول، وتوقف أبو حنيفة في الجواب عنها كما تقدم. والله أعلم بالصواب ".
قلت: ولقد كان التوقف المذكور هو الذي يقتضيه النظر والتأمل في أدلة الفريقين، وجواب كل منهما عن أدلة الآخر، لولا حديث البخاري الذي قال فيه القرطبي: إنه نص في المسألة كما تقدم؛ وقد حكاه الحافظ العسقلاني عن ابن بطال أيضًا، وإن كان الحافظ تكلف في رد دلالته وتأويله:
"بأن الخيرية إنما حصلت بالذاكر والملأ معًا؛ فالجانب الذي فيه رب العزة خير من الجانب الذي ليس هو فيه بلا ارتياب، فالخيرية حصلت بالنسبة للمجموع على المجموع ".
وقد كنت وقفت منذ القديم في "الترغيب والترهيب " على حديث من رواية البزار وابن حبان في "صحيحه " هو نص في الموضوع وأقوى؛ لأنه يبطل التأويل المذكور، ونصه:
"أول من يدخل الجنة من خلق الله: الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم
[ ٨ / ٢٩ ]
الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله لملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة:
ربنا! نحن سكان سماواتك، وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؛! قال: إن هؤلاء كانوا عبادًا لي يعبدوني لا يشركون بي شيئًا، وتسد بهم الثغور ..، قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك؛ فيدخلون عليهم من كل باب: [سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار].
وقال المنذري (٤/ ٨٦)، والهيثمي (١٠/ ٢٥٩):
"ورجاله ثقات ".
وهو في "موارد الظمآن " (٢٥٦٥) - والسياق له-، ومخرج في المجلد السادس من "الصحيحة" برقم (٢٥٥٩). وإني لأستغرب جدًّا كيف فات على أولئك العلماء من الفريقين إيراده احتجاجًا ودفعًا؟! وبخاصة الحافظ ابن حجر العسقلاني، لنعلم رأيه في شهادة الملائكة أمام ربهم: أنهم خيرة خلقه، وما أظن أنه يجد له تأويلًا إلا التسليم لدلالته!
ونحوه حديث الترجمة، فما تعرض أحد منهم لذكره، ولعل ذلك لأنهم يرون أيضًا أنه خاص بالناس دون الملائكة؛ كما تقدم بيانه في طليعة هذا التخريج، وهو الذي استظهره الإمام الآلوسي في تفسيره "روح المعاني " (٣/ ٢٦٤)! والله ولي التوفيق.
وأما حديث: "علي خير البرية"؛ فمن موضوعات الشيعة، وقد روي من حديث أبي سعيد الخدري، وهو مخرج في "الضعيفة " (٥٥٩٣)، ومن حديث جابر بن جابر برقم (٤٩٢٥)، وذكره الآلوسي من حديث أبي هريرة عند ابن أبي
[ ٨ / ٣٠ ]
حاتم، وحديث عائشة وعلي وابن عباس عند ابن مردويه، ولم أقف على أسانيدها. ومن الظاهر أنها من عمل الشيعة أو غيرهم من الضعفاء والكذابين، ولذلك عقب الآلوسي عليها بقوله:
"وإن دون إثبات صحة تلك الأخبار خرط القتاد. والله تعالى أعلم ".
ولا بد من التنبيه أنه وقع فيه حديث أبي هريرة: "مرفوعًا "، وأنا أظن أنه محرف: "موقوفًا"؛ فإن من المعروف أن مرجع المتأخرين في تخريج أحاديث التفسير إنما هو "الدر المنثور"على الغالب، والحديث فيه (٦/ ٣٧٩) غير مرفوع!.
"الصحيحة" (٧/ ٢/١٠٣٥ - ١٠٣٩).
[١٢١٦] باب ذكر بعض أهل الضلال ممن يقول بأن أهل البيت أفضل من الملائكة
[سئل الشيخ عن فتوته الخاصة بالخميني، فأجاب]:
الفتوى خلاصتها: أنه وقفنا على عبارات للخميني أنه يقول: كذا وكذا، أربع خمس عبارات، فهذه العبارات هي الكفر بعينه، وكل من يقول بهذا الكلام فهو كافر أو يكفر، وشرحنا هنا في الأسباب المقتضية لهذا الحكم، وبلا شك أنه نفس الكلمات عندما يقرأها مسلم مهما كان الثقافة الإسلامية ضحلة فهو لا يشك في أن هذا الكلام كفر.
من ذلك مثلًا أنه يقول في بعض كتبه: بأن أئمة أهل البيت هم من المنزلة عند الله ﵎ فوق منزلة الملائكة والرسل والأنبياء، ومن ذلك أنه يقول: أن
[ ٨ / ٣١ ]
مصحف فاطمة أظن مذكور هذا في الأشياء .. مصحف فاطمة هو المصحف الكامل، أما المصحف المتداول اليوم بين الأئمة فهو جزء من ذاك المصحف، وهذا كفر لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩] وهكذا أربع خمس عبارات نقلت من كتبه .. كتب الخميني نفسه، هذه الأشياء خطيرة جدًا وكتابه الذي أصدره: «فوائد الثورة الإيرانية» هذه وهي: الكتاب المعروف: «بالحكومة الإسلامية»، لا أدري رأيتم هذا الكتيب الصغير؟
مداخلة: لا.
الشيخ: لم تروه،، في هذا الكتيب الصغير الذي سماه: الثورة الإسلامية أو: الحكومة الإسلامية مع أن هذا الكتاب هو كتاب دعاية، والمفروض عند كل الناس المسلمين والكافرين أن أي كتاب سياسي لا يحسن بالكاتب أن ينشر في هذا الكتاب العقائد التي يعلم أن الخصوم سوف ينكرونها ويبادرون إلى عدم الاستجابة لمضمون الكتاب بصورة عامة، ومع أن الشيعة يوجد عندهم عقيدة يساعدهم أوسع ما تكون المساعدة في سلوك هذا السبيل السياسي وهو: كتمان عقائدهم عن الناس؛ لأنه يوجد لديهم شيء يسمى: بالتقية، لا بد أنك سمعت عن التقية شيء، فالأمر عندهم في موضوع التقية خطير جدًا بحيث أنه لا يمكن لإنسان يعرف أن عندهم التقية أن يركن إليهم؛ لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وهذا دين عندهم، فهو إذا قال لك عن شيء وهو يعلم أنه كاذب لا يستوحش من هذا الكلام إطلاقًا؛ لأن هكذا دينه الذي منه التقية يأمره بذلك.
فمع كون عندهم هذه التقية التي تسوغ لهم أن يقولوا ما شاؤوا، وعلى العكس أكثر من ذلك أن يكتموا عن الناس عقائدهم، لكن الله ﷿ لحكمته البالغة ألهم هذا الرجل الخميني في كتيبه المشار إليه آنفًا: الحكومة الإسلامية أن
[ ٨ / ٣٢ ]
يبيح عن بعض العقائد مع أنه كتاب دعوة وسياسة، منها: ما ذكرته آنفًا من تعظيمه لأهل البيت أكثر من الملائكة والأنبياء والرسل.
ومن ذلك وهذه كفرية أخرى، وهي: أنهم يعني: أهل البيت يعلمون كل حركة تقع في الكون ما من ذرة تقع في الكون إلا وهم على علم بها، مع أن أهل البيت ماتوا وصاروا ترابًا مهما كان شأنهم، فجعلوهم شركاء في العلم مع الله ﷿، يعني: أشياء غريبة جدًا، فربنا ﵎ ليقيم الحجة على من قد يغتر بدعايتهم يعني: سَخَّرَ هذا الإنسان أن يضع في هذا الكتيب الذي هو كتاب دعاية العقيدتين الوافدتين، واحدة منها تكفي لتحذير الناس من الاغترار بما سموه بالثورة الإسلامية.
ومع الأسف يعني: لما قامت هذه الثورة اغتر بها بعض الشخصيات الإسلامية ويمكن ذهبوا إليهم، فمنهم من رجع وقد تبين له الحق، ومنهم من لا يزال إلى الآن يدعو إلى دعوتهم
"الهدى والنور" (١٣٧/ ٠٠:٠٥:١٨)
[ ٨ / ٣٣ ]
جماع أبواب ذكر بعض الملائكة
[ ٨ / ٣٥ ]
(جبريل ﵇)
[١٢١٧] باب حال حديث سؤال النبي لجبريل:
«هل تتنزل بعدي إلى الأرض »
سؤال: صاحب "الإبداع" علي محفوظ في مضار الابتداع، ذكر أن النبي - ﵌ - سأل جبريل: هل تنزل بعد موتي إلى الأرض، قال: أنزل في كوكبة من الملائكة لقبض روح كل مؤمن، إلا رجلًا كان جنبًا ونام ولم يتوضأ، يظهر ضعف هذا الحديث؟
الشيخ: وأشد من ضعف.
"الهدى والنور" (٤٢٦/ ٥٩: ٥٥: ٠٠)
[ ٨ / ٣٧ ]
(ملك الموت)
[١٢١٨] باب هل صحت تسمية ملك الموت بعزرائيل؟
[تكلم محمد العدوي في "التوحيد والعقائد الإسلامية" حول الإيمان بملك الموت ولم يسمه بـ"عزرائيل"، فعلق الإمام على صنيعه بقوله]:
لقد أحسن المصنف صنعًا بإعراضه عن تسميه ملك الموت بـ «عزرائيل» فإن هذا الاسم على شهرته عند الناس ليس له أصل في الكتاب والسنة، وإنما هو من الإسرائيليات واسمه في القرآن والسنة «ملك الموت». قال الحافظ ابن كثير في "البداية " (١/ ٥٧):
«وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح، وقد جاء تسميته في بعض الآثار بـ (عزرائيل). والله أعلم».
"تحقيق كتاب: التوحيد والعقائد الإسلامية" (ص ٦٨)
[١٢١٩] باب منه
[علق الإمام على قول صاحب الطحاوية: "ونؤمن بملك الموت" قائلًا]:
هذا هو اسمه في القرآن وأما تسميته بـ (عزرائيل) كما هو الشائع بين الناس فلا أصل له وإنما هو من الإسرائيليات.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٨٤).
[ ٨ / ٣٨ ]
[١٢٢٠] باب الكلام على قصة لطم موسى ﵇ لملك الموت وهل تصح تسمية ملك الموت بعزرائيل؟
سؤال: يقول السائل: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﵌ -: «إن موسى ﵇ لطم عين ملك الموت فأعوره» سمعت أحد العلماء يضعف إخراج هذا الحديث، ويقول: إن رائحة الإسرائيلية لتفوح من هذا الحديث، فكيف نرد عليهم، وهل يجوز أن نسمي ملك الموت عزرائيل، وهل هناك رواية صحيحة على أن اسمه عزرائيل، وكيف يجوز لنبي أن يضرب ملكًا، مع العلم بأن ملك الموت شديد، وهل أذن الله ﷾ لموسى ﵇ بذلك؟
الشيخ: هذا السؤال له شعبتان: الشعبة الأولى: تتعلق بحديث لطم موسى ﵇ للملك حتى فقأ عينه.
والشعبة الأخرى: هي هل صح أن ملك الموت يسمى بعزرائيل كما هو شائع عند كثير من الناس، نجيب عن هذا الشق الثاني: لأن الجواب فيه مختصر لنعود إلى الجواب عن الشق الأول: لم يصح عن النبي - ﵌ - إطلاقًا تسمية ملك الموت بعزرائيل، فقد جاء في كثير من الأحاديث اسم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، هذا ثابت لكن تسمية ملك الموت بعزرائيل فليس له أصل في السنة فضلًا عن القرآن الكريم.
نعود إلى الجواب عن الشق الأول من السؤال وهو حديث ملك الموت، وتضعيف من ضعفه من العلماء، بين يدي الجواب أريد أن أذكركم بقاعدة علمية معترف بها حتى عند من ليس مسلمًا، هذه القاعدة العلمية: هي أنه لا يجوز لمن
[ ٨ / ٣٩ ]
كان جاهلًا بعلم أن يتكلم فيه؛ لأنه يخالف نصوصًا من الكتاب والسنة من ذلك قول ربنا ﵎: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (الإسراء:٣٦) فالذي يريد أن يتكلم في الطب مثلًا لا يجوز أن يتكلم إذا كان مفسرًا؛ لأن الطب ليس من عمله، كما أن هذا الطبيب المختص في مهنته لا يجوز أن يتكلم في التفسير أو في الفقه أو في غير ذلك؛ لأن هذا وذاك إذا تكلما في غير اختصاصهما فقد قفا ما لا علم له به، ويكون قد خاف النص القرآني السابق.
هذا أظن من الأمور التي يصح أن يذكر معه المثل العربي القديم: هذا أمر لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان، أي: أنه لا يجوز أن يتكلم في علم ما إلا أهل الاختصاص، إذا كان هذا أمرًا مسلمًا وهو كذلك عدنا إلى هذا الحديث أو غيره، من الذي يتكلم فيه، آلطبيب مثلًا؟ الجواب طبعًا: لا، آلكيمائي مثلًا؟ الجواب: لا، أسئلة كثيرة كثيرة نقترب من الحقيقة، آلمفسر؟ الجواب: لا، آلفقيه؟ الجواب: لا، إذًا: من الذي يتكلم؟ إنما هو العالم بالحديث، وعلماء الحديث كانوا كما قيل .. كانوا إذا عدو قليلًا فصاروا اليوم أقل من القليل.
ولذلك فلا يجوز لطلاب العلم أن يتورطوا بكلمة تنقل عن عالم لا نعرف هوية واختصاص هذا العالم إذا ما قال: الحديث الفلاني ضعيف، هذه قاعدة يجب أن نلتزمها دائمًا وأبدًا، ومن عجائب المصائب التي حلت في الأمة من الغفلة بالقواعد العلمية المبثوثة في الكتاب والسنة أنهم يبتعدون عنها كل البعد، وإذا جاء دور ما يتعلق بما يخص أنفسهم تجدهم يحققون مثل ذلك النص القرآني الذي يلزم المسلمين أن يرجعوا إلى أهل الاختصاص، مثلًا إذا أصاب أحدنا أو أحد من يخصنا مرض ما فهو لا يذهب إلى أي طبيب وإنما قبل كل شيء يسأل عن
[ ٨ / ٤٠ ]
المختص في ذاك المرض، ثم يتابع السؤال والبحث والتحقيق عن الطبيب الماهر المختص في ذلك المرض حينذاك يذهب إليه ويعرض نفسه أو حبيبه عليه، أما فيما يتعلق بالدين فأصبح الأمر فوضى لا نظام لها، ذلك أن الناس اليوم كلما رأوا إنسان يدندن حول بعض المسائل الفقهية أو حول بعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية ظنوا أنه عالم زمانه فيتوجهون في الأسئلة فيقعون في المحذور الذي جاء ذكره في الحديث الأول ألا وهو قوله ﵇: «قتلوه قاتلهم الله، ألا سألوا - أي: أهل العلم - فإنما شفاء العي السؤال» (١).
بعد هذا أعود لأقول: أي إنسان تكلم في غير اختصاصه لا يجوز له ذلك، وبخاصة إلا تبين أن كلامه مخالف لأهل الاختصاص في العلم الذي تكلم هو فيه بغير علم، فحديث لطم موسى ﵇ لملك الموت حديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﵌ -: «جاء ملك الموت إلى موسى ﵊ فقال له: أجب ربك» يعني: سلم لي نفسك وروحك، فما كان من موسى ﵇ إلا أن لطمه تلك اللطمة ففقأ عينه، فرجع الملك ملك الموت إلى ربه، قال: يا رب! أرسلتني إلى عبد يكره الموت، فقال الله له: عد إليه وقل له: إن ربك يقول لك: ضع يدك على جلد ثور فلك من العمر من السنين بعدد كل الشعرات التي تكون تحت أصابعك، فرجع ملك الموت إلى موسى ﵇ وقال له ما أمره به ربه، قال موسى: وماذا بعد ذلك؟ قال الموت، قال: فالآن، فقبض ملك الموت روح موسى ﵇ في تلك اللحظة.
_________________
(١) "صحيح الجامع" (٤٣٦٢)
[ ٨ / ٤١ ]
قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه: «ولو كنت ثمة» أي: حيث قبض ملك الموت روح موسى «لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر» هذا نص الحديث في الصحيحين.
الجواب الآن: يحتاج إلى أن أتكلم في أكثر من مسألة، المسألة الأولى: يتبين بعد ورود هذا الحديث في الصحيحين أن ذلك الذي ضعفه هو الضعيف؛ ذلك لأنه تكلم بغير علم، وفي ظني أن هذا المضعف هو من أولئك الناس الكثيريين الذين يسلطون ويحكمون عقولهم إن لم أقل أهوائهم في الحكم على الأحاديث الصحيحة بأنها ضعيفة وربما قالوا إنها موضوعة، ما الدليل على ما زعموه من الضعف والوضع؟ هو تحكيمهم عقولهم، واتباعهم لأهوائهم: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ [المؤمنون:٧١] ذلك لأن الإيمان ضعف في صدور كثير من الناس ولو ممن قد ينتمون إلى العلم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: لم يدرسوا السنة دراسةً واعيةً مستوعبة لطرق الحديث التي من عادتها أنها تزيل ما قد يقع في نفوس البعض من إشكال.
نحن الآن بعد أن بينا أن الذي ضعف الحديث هو الضعيف؛ لأنه خالف أولًا: الإمامين الذين وضعا كتابين يسميان بالصحيحين هما باتفاق علماء السنة أصح كتاب بعد كتاب الله ﵎، صحيح البخاري وصحيح مسلم، وليس هذا فقط بل تلقت الأمة ذلك بالقبول، ولذلك كان كل حديث جاء في الصحيحين لم يتكلم أحد من علماء الحديث الذين كانوا في مرتبة البخاري ومسلم بشيء من النقد، فهذه الأحاديث كلها ثابتة يقينًا عن النبي - ﵌ -، إذًا: فلا نقيم وزنًا لمن يضعف مثل هذا الحديث مهما كان شأنه ومهما ظن الناس فيه علمًا.
[ ٨ / ٤٢ ]
أما الإشكال الذي يصوره السؤال: أن ملك الموت كيف يضربه موسى ﵇؟ الجواب: وهذا فيه إشارة لما قلته أن هؤلاء الناس لا يدرسون السنة، الجواب: في رواية في مسند الإمام أحمد بسند صحيح قال: كان ملك الموت يأتي الناس على صورة البشر، فإذًا: ملك الموت لما جاء إلى موسى فقال له: أجب ربك، ما جاءه بالعلامة التي تجعل موسى ﵇ ينتبه إلى أن هذا الذي يقول له: أسلم روحك هو ملك مرسل من الله، فهو جاءه بصورة بشر، وأي إنسان منا لو جاءه شخص ويقول: سلم لي روحك، فماذا سيكون موقفه منه؟ سيكون موقف موسى ﵇ بالذات؛ لأنه يتعدى على وظيفة لملك كريم لا يشاركه فيه الملائكة الآخرون، فكيف إنسان يتقدم إلى بشر مثله ويقول: أسلم روحك، فما كان منه إلا صفعه ففقأ عينه، هذا أمر طبيعي والشبهة تطيح وتزول من أصلها وفصلها حينما نتذكر هذه الرواية الأخرى أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانًا بصورة البشر، بذلك ترون في تتمة الحديث أن ملك الموت لما شكا أمره إلى الله وقال له: أرسلتني إلى عبد يكره الموت، أعطاه علامة وقال له: راجع إلى موسى وقل له: إن ربك يأمرك أن تضع يدك إلى آخر الحديث على جلد ثور فلك من العمر بكل شعرة تحت يدك، لما رجع الملك بهذا البرهان إلى موسى ﵊ قال له: وماذا بعد ذلك؟ قال: الموت، قال: إذًا فالآن قبض روحه تلك الساعة، لماذا استسلم ثانيًا ولم يستسلم أولًا؟ وضح الجواب، أولًا كان الطالب بشرًا من البشر، فكأنه يهزأ، وما كان موسى يعلم أنه ملك من الله مرسل، لذلك ضربه فلما جاء الملك ومعه هذه العلامة من الله ﷿ واطمئن موسى إليها وسأله ذلك السؤال، وأجابه: ما بعد ذلك إلا الموت، قال: فالآن، إذًا: موسى لا يكره الموت ولكنه فقأ عين ذلك الرجل على ظنه أنه بشر من البشر.
[ ٨ / ٤٣ ]
فحينما ننظر إلى الحديث بتفسير هذه الرواية التي رواها الإمام أحمد في المسند يطيح الإشكال يبطل قول من قال: أنه ربما يكون هذا الحديث من الإسرائيليات، هذا كلام باطل؛ لأنه حين يقال الراوية الفلانية أو الحديث الفلاني هو من الإسرائيليات فذلك يعني أنه مما كان أهل الكتاب من اليهود والنصارى يتحدثون بينهم ببعض الروايات التي تلقوها عن أسلافهم، وفيها الحق وفيها الباطل لذلك قال ﵇: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» (١) هذا هو معنى كون الشيء من الإسرائيليات، ولكن هناك تفصيل لا بد من ذكره لعلمي أن قليلًا ما يقرأ هذا التفصيل في كتب العلماء؛ الإسرائيليات نسبة إلى رواية قصص تتعلق ببني إسرائيل، تنقسم إلى قسمين: القسم الأول وهو الأكثر رواية وشيوعًا ما كان مرويًا كما ذكرنا آنفًا عن أهل الكتاب، وهذه روايات كثيرة وكثيرة جدًا كقصة مثلًا هاروت وماروت أنه ما كانا ملكين مقربين عند الله ﵎، وأن الله ﷿ لما قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:٣٠] قال: الله أراد أن يمتحن هؤلاء الملائكة الذين قالوا: أتجعل فيها، قال: اختاروا ملكين منكم لأنزلهما إلى الأرض ولأبتليهم، فاختار هاروت وماروت، قصة طويلة خلاصتها: أن الله ﷿ كساهم ثوب البشرية فافتتنوا بامرأة فراودها عن نفسها فامتنعت حتى يقتلا غلامًا هناك، فامتنعا لأنهم يعلمون أن هذا حرام، فعرضت عليهم الخمر فشربا الخمر فسكرا وقتلا الغلام وفجرا بالمرأة، فعاقبهم الله ﵎ في الدنيا بأن علقهم في بئر منكسين رؤوسهم إلى أسفل وأرجلهم إلى أعلى ويخرج الدخان من أسفل
_________________
(١) "الصحيحة" (٦/ ١/ ٧١٢).
[ ٨ / ٤٤ ]
ويدخل في مناخيرهم ويخرج من أدبارهم.
هذه قصة تروى في تفسير الآية السابقة، هذه من الإسرائيليات، وهي مما تنافي قول الله ﷿ في الملائكة في قوله ﵎: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم:٦) فهذه القصة تنافي مثل هذه الآية التي تصرح أن الملائكة معصومون لا يمكن أن يتصور أنهم يزنون ويقتلون النفس بغير حق إلى آخر ما جاء في تلك الإسرائيليات.
هذا النوع من الإسرائيليات حينما يقال هذا الخبر أو هذه الرواية من الإسرائيليات.
هناك قسم آخر ولو أنه قليل ولكن هذا يجب ألا يساق مساق القسم الأول: هذا القسم الآخر أخبار يتحدث بها رسول الله عن بني إسرائيل، هذه إسرائيليات صحيحة؛ لأن النبي - ﵌ - حدث بها وليست من قبيل ما يرويه أهل الكتاب، والأمثلة في هذا كثيرة، ولا بأس أن نذكر بحديث واحد قاله ﵇: بينما رجل ممن قبلكم يمشي في فلاة من الأرض، إذ سمع صوتًا من السحاب يقول: اسق أرض فلان، فتعجب الرجل الذي يمشي في الأرض وتوجه مع السحاب حتى رأى السحاب يفرغ مشحونه من المطر في بستان، فأطل هذا الرجل فرأى صاحب البستان يعمل في أرضه، فسلم عليه وكأنه سماه بالاسم الذي سمعه من السماء فتعجب الرجل وقال له: ما علمك؟ فقص عليه القصة أنه سمع هذا الاسم يخاطب به الملائكة السحاب ويأمرون السحاب أن ينطلق إلى هذه الأرض التي أنت تعمل فيها، فبم ذاك؟ لا أعلم أمرًا أستحق من الله هذا الإكرام سوى أنني أملك هذه الأرض، فأزرعها ثم أحصدها، فأجعل حصيدها ثلاثة أثلاث: ثلث أعيده إلى الأرض، وثلث أنفقه على نفسي وعيالي، وثلث آخر أتصدق به على
[ ٨ / ٤٥ ]
الفقراء الذين حولي، فقال له الرجل: فهو هذا، يعني: بقيامك بهذه الواجبات استحققت هذه العناية الإلهية حيث سخر لك السحاب (١).
هذا حديث يتحدث عن بني إسرائيل، لكن من الذي حدث به؟ هو رسول الله - ﵌ - الموصوف في القرآن الكريم بأنه لا ينطق الهوى .. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٤) فإذًا هذا الحديث ما دام جاء في الصحيحين، وعن النبي - ﵌ - قال: وذكر الحديث، فإذًا: لا يجوز لنا أن نقول: هذا من الإسرائيليات بالمعنى، وإذا كان ولا بد فنقيد ذلك بأنه من الإسرائيليات لكن النبي - ﵌ - هو الذي تكلم به
"فتاوى الإمارات" (١٢/ ٠٠:٠٠:٣٧)
(منكر ونكير)
[١٢٢١] باب تسمية منكر ونكير
[علق الإمام على قول صاحب الطحاوية: "ونؤمن بعذاب القبر لمن كان له أهلا وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الل - ﵌ - وعن الصحابة رضوان الله عليهم " قائلا]:
وهي [أي أخبار السؤال في القبر] متواترة إلا تسمية الملكين بمنكر ونكير ففيه حديث بإسناد حسن مخرج في " الصحيحة " (١٣٩١).
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٨٥).
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم ٢٨٦٤)، " الصحيحة" (٣/ ١٩٤)
[ ٨ / ٤٦ ]
(الملك الموكل بالأرحام)
[١٢٢٢] باب متى يرسل الملَك الموكل بالرحم؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إذا استقرت النطفة في الرحم أربعين يومًا، أو أربعين ليلة بعث إليها ملكًا، فيقول: يا رب ما رزقه؟ فيقال له: فيقول: يا رب ما أجله؟ فيقال له، فيقول: يا رب ذكر أو أنثى؟ فيعلم، فيقول: يا رب شقي أو سعيد؟ فيعلم».
(ضعيف).
[قال الإمام]:
قلت: وظاهر الحديث مع ضعف إسناده مخالف لحديث ابن مسعود مرفوعًا: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون في ذلك علقة مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات » الحديث متفق عليه، وهو مخرج في " ظلال الجنة " (١٧٥).
فهذا صريح في أن الملك إنما يرسل بعد الأربعين الثالثة. وقد يتوهم البعض أن هذا مخالف أيضا لحديث حذيفة بن أسيد الغفاري قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله إليها ملكا فصورها، وخلق سمعها وبصرها، وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟
[ ٨ / ٤٧ ]
فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يقول: يا رب أجله؟ » الحديث.
أخرجه مسلم (٨/ ٤٥).
فأقول: لا مخالفة بينهما لأن بعث الملك فيه إنما هو لأجل تصوير النطفة وتخليقها، وأما الكتابة فهي فيما بعد بدليل قوله: "ثم قال: يا رب .. "، فإن " ثم " تفيد التراخي كما هو معلوم، فيمكن تفسيره بحديث ابن مسعود، كما أن حديث هذا يضم إليه ما أفاده حديث حذيفة من التصوير والتخليق مما لم يرد له ذكر في حديث ابن مسعود، وبذلك تجتمع الأحاديث ولا تتعارض.
نعم في رواية عند مسلم، والطحاوي في " المشكل " (٣/ ٢٧٨)، وأحمد (٤/ ٧) عن حذيفة بمعنى حديث الترجمة، ولفظه: " يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين أوخمسة وأربعين ليلة، فيقول: يا رب أشقي أوسعيد؟ فيكتبان " الحديث.
فهذا بظاهره يشهد للحديث، لكن لابد من فهمه على ضوء اللفظ الذي قبله وتفسيره به، وذلك بأن يقال: إن دخول الملك بعد الأربعين من أجل التصوير والتخليق، وأما الكتابة فبعد الأطوار الثلاثة كما سبق، ففي اللفظ اختصار يفهم من اللفظ المتقدم ومن حديث ابن مسعود. والله تعالى أعلم.
"الضعيفة" (٥/ ٣٤٦).
[ ٨ / ٤٨ ]
[١٢٢٣] باب ذكر الملائكة السيارة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن لله ﵎ ملائكة سيارة فُضْلًا يبتغون مجالس الذكر » الحديث.
[قال الإمام]:
[فضلًا]: بسكون الضاد على الأكثر والأصوب كما في النهاية، أي: إنهم ملائكة زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق، فهؤلاء السيارة لا وظيفة لهم، وإنما مقصودهم حلق الذكر. ذكره النووي.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٦١٧).
[ ٨ / ٤٩ ]
[١٢٢٤] باب ذكر المَلَك الموكل بعرض الأعمال
عن أبي هريرة ﵁ أيضًا أن النبي - ﵌ - كان يصوم الاثنين والخميس فقيل يا رسول الله إنك تصوم الاثنين والخميس، فقال: «إن يوم الاثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا مهتجرين يقول دعهما حتى يصطلحا».
(صحيح لغيره).
[قال الإمام]:
الظاهر أن الخطاب للملك الذي يعرض الأعمال، فمعنى (دعهما) أي: لا تعرض عملهما، أو لعله إذا غفر لأحد يضرب الملك على سيئاته أو يمحوها من الصحيفة، فمعنى دعهما: لا تمسح سيئاتهما.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٤٤٥).
[١٢٢٥] باب من هم الملائكة الكروبيون؟
السائل: من هم الملائكة الكروبيون؟
الشيخ: من هم الملائكة الكروبيون؟ لم يثبت فيما علمتُ حديث فيه ذكر هذا الاسم للملائكة، الملائكة الكروبيون والحقيقة أن هذا الاسم منذ نحو ثلاثين سنة لم يكن مر بي في الأحاديث التي كنت قرأتها في مئات إن لم أقل
[ ٨ / ٥٠ ]
ألوف الكتب أكثرها مخطوطة حتى سمعت هذا الاسم في منى في موسم من مواسم الحج، كنت جالسا في ليلةٍ هادئةٍ وجميلةٍ من أيام منى أتحدث مع بعض إخواننا من أنصار السنة المصريين والسوريين وغيرهم، لما دخل علينا شيخ سمته لا بأس به سلم وجلس واستمع وبعد أن توقفت قليلًا عن الكلام دخل هو في الموضوع يتكلم، تبين من كلامه أنه من الذين درسوا في الأزهر ويحملون في طوايا نفوسهم بغضًا للدعوة السلفية أو دعوة التوحيد وأنه متأثر ببعض الدعاوى الكاذبة التي تنسب إلى جماعة التوحيد في كل بلاد الإسلام سواء كان هنا أو في مصر أو في سوريا أو في غير مكان، وإذا به يتهجم ويقول أن دعوة الوهابيين بهذا الاسم دعوة جيدة، ولكنهم يشبهون الله بالمخلوقات.
فسألته: كيف ذلك؟
قال: إنهم يقولون بأن الله ﷿ - سبحان الله يخطِّئ القرآن وهو لا يشعر - قال: يقولون بأن الله على العرش استوى، فقلت له: هل هذا قولهم؟ أم قول رب العالمين؟ استدرك فقال يعني هو بأنهم يفسرون هذه الآية بمعنى، يفسرون الآية بمعنى أن الله قاعد على عرشه، قلت له: يا أخي الخلاف بينهم وبين مخالفيهم ليس في تشبيه رب العالمين بالمخلوقين فهذا باطل بالاتفاق، وإنما الخلاف هل يصح تأويل الاستواء بمعنى الاستيلاء أم الصحيح أن الاستواء هو الاستعلاء ودخلت في هذا الموضوع طويلًا، وأمر طبيعي جدًّا أن خلاصة العقيدة السلفية في هذه الجزئية أن لله صفة الفوقية، فهو تمسك بهذه وقال: هل من المعقول أن الله ﷿ يكون فوق العرش، معنى ذلك أننا وضعناه في مكان، قلت له: لا، هذا وهم منكم ونحن نتبرأ من عقيدة تجعل الله ﷿ محصور في مكان وهو العلي الكبير، ثم بدأت المناقشة معه بطريقة
[ ٨ / ٥١ ]
خاصة قلت له: هل أنت معي في أن الله كان ولا شيء معه؟
قال: طبعًا
قلتُ: حين كان الله فهل كان هناك عرش؟
قال: لا
إذن كان الله ولا شيء معه ثم خلق العرش
قال: نعم
تسلسلت معه فقلت له: نحن الآن في الأرض فما الذي فوقنا؟
قال: السماء الدنيا ثم؟
الثانية، إلى أن وصلنا إلى السابعة، قلت: ماذا فوق السابعة؟
قال: العرش
قلتُ - وهنا الشاهد - وماذا فوق العرش؟
قال: الملائكة الكروبيون
لأول مرة أسمع هذا الاسم منذ نحو ثلاثين سنة، قلت: ما هذا؟ الملائكة الكروبيون فوق العرش؟ نحن نعرف أن الذي فوق العرش هو خالق العرش بدليل الآية السابقة وتأويل السلف لها بأنه على العرش استوى أي استعلى، وكما قال المعتبرين في هذه المسألة:
ورب العرش فوق العرش لكن بلا وصف التمكن واتصال
فالله غني عن العالمين، لكن أنا أسمع لأول مرة أن الذي فوق العرش هم
[ ٨ / ٥٢ ]
الملائكة الكروبيون، هل عندك آية في إثبات أولا: أن هناك ملائكة يسمون بالملائكة الكروبيون؟
قال: لا
قلت: طيب، هل عندك حديث في أنه جاء ذكرهم فيه بهذه التسمية؟
قال: لا
قلت: فإذن من أين جئت بهذه العقيدة أن فوق العرش ملائكة كروبيون
قال: هكذا درسونا مشايخنا في الأزهر الشريف
قلت: يا عجبا، أنا أعلم أن علماء الأزهر يقررون على الطلبة في دروسهم ما يتعلق بأصول العقائد وأصول الفقه يقولون لهم: أحاديث الآحاد الصحيحة لا تثبت بها عقيدة، فكيف لقنوكم عقيدة ليست مذكورة لا في القرآن ولا في السنة؟ كيف اعتقدتم؟
فبهت الرجل، ثم تابعتُ الكلام، قلت له: هب أن فوق العرش أولئك الملائكة المسمون عندكم بالكروبيون، فماذا فوقهم، وقف الرجل، وقف حيران، وقد كنت قدمت معه كان الله ولا شيء معه، وكان مشتق من كن فيكون فلم يكن شيء هناك فقال الله لخلقه كن فكان، فإذا انتهى أن ما وصلنا إلى العرش وبزعمك أن فوق العرش أولئك الملائكة؛ فماذا فوق هؤلاء الملائكة، أعدم أم وجود؟
قال: لا، عدم، لأنا كنا اتفقنا أن لا شيء قبل أن يخلق الله ﵎ السماوات والأرض، كان الله ولا شيء معه، إذن فقبل أن يخلق الله شيئا لم يكن
[ ٨ / ٥٣ ]
هناك شيء، فإذا انتهى بك العلم إلى أن فوق العرش الملائكة الكروبيون ولا شيء وراء ذلك من كون لأنه انتهى الخلق فإذا قال السلفيون بأن الله ﵎ على العرش استوى أي استعلى، فلماذا تنسبونهم إلى أنهم حصروا الله ﷿ في كونه ولا كون هناك لأن الكون محصور ومحدود وفي رأينا آخر الكون وأعلاه العرش، في رأيك أنت العرش وعليه الكروبيون ولا شيء بعد ذلك، فإذن العقيدة الصحيحة عقلًا ونقلًا إنما هي عقيدة السلف الصالح؛ لأنهم لم يجعلوا الله في مكان كما تزعمون؛ لأنه لا مكان هناك وراء العرش إنما هو العدم المحض إلا الله ﵎، ولكن ما بالكم أنتم أنكم حينما فررتم مما نسبتم السلفيين إليه وهم براء منه فإن الله ليس في مكان لأن ما بعد العرش ليس كونًا وليس مكانًا فهو على العرش استوى، لكن ما بالكم أنتم تفرون من إثبات هذه الصفة لله ﵎ وهي صفة التنزيه تمامًا؛ لأنه ليس في الكون، فكيف وأنتم تقولون إن الله في كل مكان تحصرونه في كونه الذي خلقه بعد أن لم يكن له وجود، فأنتم المشبهة وأنتم المجسمة، ولسنا نحن معشر السلفيين إلا القائلون بما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾ [الشورى:١١] وعلى أساس من هذه الآية بطرفيها ننزهه تعالى تنزيهًا كاملًا ونثبت له الصفات كما يليق بعظمته وجلاله.
"فتاوى جدة -الأثر-" (١٧/ ٠١:١٥:١٥).
[ ٨ / ٥٤ ]