[ ٨ / ١٢٣ ]
جماع أبواب:
- تعريف النبي والرسول
- والكلام على الفرق بينهما
- والكلام على النسبة بين النبوة والرسالة والولاية
[ ٨ / ١٢٥ ]
[١٢٦٣] باب تعريف النبي والرسول وبيان الفرق بينهما
[قال الإمام]:
النبي (من) بُعِثَ لتقرير شرعٍ سابق، والرسول من بعثه الله بشريعة يدعو الناس إليها، سواء كانت جديدة أو متقدمة. والله أعلم.
"الصحيحة" (٦/ ١/٣٦٩)
[١٢٦٤] باب الفرق بين النبي والرسول
[قال الإمام]:
اعلم أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا، وقد ذكروا فروقًا بين الرسول والنبي تراها في " تفسير الآلوسي " (٥/ ٤٤٩ - ٤٥٠) وغيرها، ولعل الأقرب أن الرسول من بُعِثَ بشرع جديد والنبي من بعث لتقرير شرع من قبله وهو بالطبع مأمور بتبليغه؛ إذ من المعلوم أن العلماء مأمورون بذلك فهم بذلك أولى كما لا يخفى.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٩).
[١٢٦٥] باب المغايرة بين الرسول والنبي
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«كان آدم نبيًاّ مكلمًا، كان بينه وبين نوح عشرة قرون، وكانت الرسل ثلاثمائة وخمسة عشر».
[ ٨ / ١٢٧ ]
[قال الإمام]:
اعلم أن الحديث وما ذكرنا من الأحاديث الأخرى، مما يدل على المغايرة بين الرسول والنبي، وذلك مما دل عليه القرآن أيضًا في قوله ﷿: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ في أُمْنِيَّتِهِ ﴾ [الحج:٥٢] الآية.
وعلى ذلك جرى عامة المفسرين، من ابن جرير الطبري الإمام، إلى خاتمة المحققين الآلوسي، وهو ما جزم به شيخ الإسلام ابن تيمية في غير ما موضع من فتاويه (المجموع١٠/ ٢٩٠ و١٨/ ٧) أن كل رسول نبي، وليس كل نبي رسولا.
وقال القرطبي في " تفسيره " (١٢/ ٨٠): " قال المهدوي: وهذا هو الصحيح أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولًا.
وكذا ذكر القاضي عياض في كتاب "الشفا"، قال: والصحيح الذي
عليه الجم الغفير أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا واحتج بحديث
أبي ذر
قلت: ويؤكد المغايرة في الآية ما رواه أبو بكر الأنباري في كتاب " الرد" له بإسناده عن ابن عباس ﵄ أنه قرأ: [وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث]. وقال أبو بكر: فهذا حديث لا يؤخذ به على أن ذلك قرآن، والمحدث هو الذي يوحى إليه في نومه؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي.
قلت: فإن صح ذلك عن ابن عباس فهو مما يؤكد ما ذكرنا من المغايرة، وإن كان لا يثبت به قرآن، ويؤيده أن المغايرة هذه رويت عن تلميذه مجاهد ﵀، فقد ذكر السيوطي في " الدر " (٤/ ٣٦٦) برواية ابن المنذر وابن أبي حاتم عن
[ ٨ / ١٢٨ ]
مجاهد قال: " النبي وحده الذي يكلم وينزل عليه، ولا يرسل ". فهذا نص من هذا الإمام في التفسير، يؤيد ما تتابع عليه العلماء من القول بالمغايرة، الموافق لظاهر القرآن وصريح السنة.
وكان الدافع على تحرير هذا أنني رأيت مجموعة رسائل لأحد فضلاء العصر الحاضر، فيها رسالة بعنوان: " إتحاف الأحفياء برسالة الأنبياء " ذهب فيها إلى عدم التفريق بين الرسول والنبي.
وبحثه فيها يدل المحقق المطلع على بحوث العلماء وأقوالهم، على أن المؤلف لها حفظه الله ارتجلها ارتجالًا دون أن يتعب نفسه بالبحث عن أقوال العلماء في المسألة، وإلا فكيف جاز له أن يقول (ج ١/ ٤٢٩):
١ - " وأسبق من رأينا تكلم بهذا التفريق هو العلامة ابن كثير "! وقد سبقه إلى ذلك مجاهد، التابعي الجليل (ت ١٠٤) وشيخ المفسرين ابن جرير (ت ٣١٠) والبغوي (ت ٥١٦) والقرطبي (ت ٦٧١) والزمخشري (ت ٥٣٨)، وغيرهم ممن أشرت إليهم آنفًا.
٢ - كيف يقول (ص ٤٣١): " إن ابن تيمية لم يذكر التفريق المشار إليه في كتابه (النبوات) "! وليس من اللازم أن يذكر المؤلف كل ما يعلمه في الموضوع في كتاب واحد، فقد ذكر ذلك ابن تيمية في غير ما موضع من فتاواه، فلو أنه راجع " مجموع الفتاوى " له لوجد ذلك في (١٠/ ٢٩٠ و١٨/ ٧).
ومن ذلك تعلم بطلان قوله عقب ذلك: " فهذه الغلطة في التفريق بين الرسول والنبي يظهر أنها إنما دخلت على الناس من طريق حديث موضوع رواه
[ ٨ / ١٢٩ ]
ابن مردويه عن أبي ذر، وهو حديث طويل جدا لا يحتمل أبو ذر حفظه مع طوله .. "!
أقول: ليس العمدة في التفريق المذكور على هذا الحديث الطويل الذي زعم أن أبا ذر لا يتحمل حفظه كما شرحت ذلك في هذا التخريج الفريد في بابه فيما أظن، وتالله إن هذا الزعم لبدعة في علم الجرح والتعديل ما سُبِقَ - والحمد لله - من أحد إلى مثلها! وإلا لزمه رد أحاديث كثيرة طويلة صحيحة ثابتة في الصحيحين وغيرهما، كحديث صلح الحديبية، وحديث الدجال والجساسة، وحديث عائشة: " كنت لك كأبي زرع لأم زرع "، وغيرها. ولعله لا يلتزم ذلك إن شاء الله تعالى وتقليده لابن الجوزي في حكمه على الحديث بالوضع مردود، لأن التقليد ليس بعلم، كما لا يخفى على مثله، ثم لماذا آثر تقليده على تقليد الذين ردوا عليه حكمه عليه بالوضع؟ كالحافظ العسقلاني والمحقق الآلوسي وغيرهما ممن سبقت الإشارة إلى كلامهم، لاسيما وهو يعلم تشدد ابن الجوزي في نقده للأحاديث، كما يعلم إن شاء الله أن نقده لو سلم به، خاص في بعض طرق الحديث التي خرجتها هنا.
ومن غرائبه أنه ذكر آية الأمنية: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى﴾ وأن الواو تفيد المغايرة، ثم رد ذلك بقوله: " والجواب أن مثل هذا يقع كثيرًا في القرآن وفي السنة يعطف بالشيء على الشيء، ويراد بالتالي نفس الأول كما في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، فغاير بينهما بحرف العطف، ومعلوم أن المسلمين هم المؤمنون، والمؤمنين هم المسلمون ".
فأقول: هذا غير معلوم، بل العكس هو الصواب، كما شرح ذلك شيخ
[ ٨ / ١٣٠ ]
الإسلام ابن تيمية في كتبه، وبخاصة منها كتابه " الإيمان "، ولذلك قال في " مختصر الفتاوى المصرية " (ص٥٨٦): " الذي عليه جمهور سلف المسلمين: أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، فالمؤمن أفضل من المسلم، قال تعالى ٤٩: ١٤: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. فالآية كما ترى حجة عليه، ويؤيد ذلك تمامها: ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ ﴾ الآية: فإن من الظاهر بداهة أنه ليس كل مسلم قانتا! ثم ذكر آية أخرى لا تصلح أيضا دليلا له، وهي قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾، قال: فعطف بجبريل وميكال على الملائكة وهما منهم ".
أقول: نعم، ولكن هذا ليس من باب عطف الشيء على الشيء ويراد بالتالي نفس الأول كما هو دعواه، وإنما هذا من باب عطف الخاص على العام. وهذا مما لا خلاف فيه، ولكنه ليس موضع البحث كما هو ظاهر للفقيه. نعم إن ما ذهب إليه المومى إليه في الرسالة السابقة من إنكار ما جاء في بعض كتب الكلام في تعريف النبي أنه من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فهو مما أصاب فيه كبد الحقيقة، ولطالما أنكرناه في مجالسنا ودروسنا، لأن ذلك يستلزم جواز كتمان العلم مما لا يليق بالعلماء، بله الأنبياء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون﴾.
ولعل المشار إليه توهم أن هذا المنكر إنما تفرع من القول بالتفريق بين الرسول والنبي، فبادر إلى إنكار الأصل ليسقط معه الفرع، كما فعل بعض الفرق قديمًا حين بادروا إلى إنكار القدر الإلهي إبطالا للجبر، وبعض العلماء في العصر الحاضر إلى إنكار عقيدة نزول عيسى وخروج المهدي ﵉، إنكارًا
[ ٨ / ١٣١ ]
لتواكل جمهور من المسلمين عليها. وكل ذلك خطأ، وإن كانوا أرادوا الإصلاح، فإن ذلك لا يكون ولن يكون بإنكار الحق الذي قامت عليه الأدلة. ولو أن الكاتب المشار إليه توسع في دراسة هذه المسألة قبل أن يسود رسالته، لوجد فيها أقوالًا أخرى استوعبها العلامة الآلوسي (٥/ ٤٤٩)، ولكان بإمكانه أن يختار منها ما لا نكارة فيه، كمثل قول الزمخشري (٣/ ٣٧): " والفرق بينهما، أن الرسول من الأنبياء: من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه. والنبي غير الرسول: من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو الناس إلى شريعة من قبله ".
ومثله قول البيضاوي في " تفسيره " (٤/ ٥٧): " الرسول: من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه، ومن بعثه لتقرير شرع سابق، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى ﵈، ولذلك شبه النبي - ﵌ - علماء أمته بهم ". يشير إلى حديث " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " ولكنه حديث لا أصل له، كما نص على ذلك الحافظ العسقلاني والسخاوي وغيرهما.
ثم إنهم قد أوردوا على تعريفه المذكور اعتراضات يتلخص منها أن الصواب حذف لفظة " مجددة " منه، ومثله لفظة " الكتاب " في تعريف الزمخشري، لأن إسماعيل ﵇، لم يكن له كتاب ولا شريعة مجددة، بل كان على شريعة إبراهيم ﵉، وقد وصفه الله ﷿ في القرآن بقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾.
ويبقى تعريف النبي بمن بعث لتقرير شرع سابق، والرسول من بعثه الله بشريعة يدعو الناس إليها، سواء كانت جديدة أو متقدمة. والله أعلم.
"الصحيحة" (٦/ ١/٣٥٨، ٣٦٤ - ٣٦٩)
[ ٨ / ١٣٢ ]
[١٢٦٦] باب رد قول من قال أن النبي: من أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها، وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها، وتجيء فتنة، فيرقق بعضها بعضًا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي، ثم تنكشف، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الأخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده، وثمرة قلبه، فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر".
[قال الإمام]:
في الحديث فوائد كثيرة، من أهمها أن النبي يجب عليه أن يدعو أمته إلى الخير ويدلهم عليه، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، ففيه رد صريح على ما ذكر في بعض كتب الكلام أن النبي من أوحي إليه، ولم يؤمر بالتبليغ!
"الصحيحة" (١/ ١/٤٨٤ - ٤٨٦).
[١٢٦٧] باب منه
[قال الإمام]:
نعم إن ما ذهب إليه المومى إليه في الرسالة السابقة [أي رسالة "إتحاف الأحفياء برسالة الأنبياء" وقد ذكر هذا الكلام في معرض الرد على قول صاحب
[ ٨ / ١٣٣ ]
الرسالة بعدم التفريق بين الرسول والنبي] من إنكار ما جاء في بعض كتب الكلام في تعريف النبي أنه من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه، فهو مما أصاب فيه كبد الحقيقة، ولطالما أنكرناه في مجالسنا ودروسنا، لأن ذلك يستلزم جواز كتمان العلم مما لا يليق بالعلماء، بله الأنبياء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُون﴾. ولعل المشار إليه توهم أن هذا المنكر إنما تفرع من القول بالتفريق بين الرسول والنبي، فبادر إلى إنكار الأصل ليسقط معه الفرع.
"الصحيحة" (٦/ ١/٣٦٨).
[١٢٦٨] باب التفاضل بين النبوة والولاية
-[قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية]:"ولا نفضل أحدًا من الأولياء على أحد من الأنبياء ﵈ ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء".
[قال الإمام]:
قال [أي ابن أبي العز] في الشرح: يشير الشيخ [أي الطحاوي] ﵀ إلى الرد على الاتحادية وجهلة المتصوفة وإلا فأهل الاستقامة يوصون بمتابعة العلم ومتابعة الشرع. فقد أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: ٦٤] وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياسته واجتهاده في العبادة وتصفية نفسه إلى ما وصلت إليه الأنبياء من غير اتباع لطريقتهم، ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء، ومنهم من يقول: إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء ويدعي لنفسه أنه خاتم الأولياء، ويكون ذلك العلم هو حقيقة قول فرعون وهو أن هذا الوجود
[ ٨ / ١٣٤ ]
المشهود واجب بنفسه ليس له صانع مباين له ولكن هذا يقول: هو الله، وفرعون أظهر الإنكار بالكلية لكن كان فرعون في الباطن أعرف بالله منهم؛ فإنه كان مثبتًا للصانع وهؤلاء ظنوا أن الوجود المخلوق هو الوجود الخالق كابن عربي وأمثاله وهو لما رأى أن الشرع الظاهر لا سبيل إلى تغييره - قال: النبوة ختمت ولكن الولاية لم تختم، وادعى في الولاية ما هو أعظم من النبوة وما يكون للأنبياء والمرسلين وأن الأنبياء مستفيدون منها كما قال: "مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي" وهذا قلب للشريعة فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون، الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُون﴾ [يونس:٦٢ - ٦٣]: والنبوة أخص من الولاية والرسالة أخص من النبوة كما تقدم التنبيه على ذلك."التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٤ - ١٠٦).
[١٢٦٩] باب النبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة
[قال الإمام]:
النبوة أخص من الولاية، والرسالة أخص من النبوة.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص١٠٦).
[ ٨ / ١٣٥ ]
جماع أبواب
الكلام على عدد الأنبياء والرسل
[ ٨ / ١٣٧ ]
[١٢٧٠] باب هل ثبت في أعداد الأنبياء والرسل شيء؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«بُعِثْتُ على أَثَرِ ثمانيةِ آلافٍ من الأنبياءِ؛ منهم أربعةُ آلافِ نبيٍّ من بني إسرائيلَ».
[قال الإمام]:
(ضعيف).
[ثم تكلم على ضعفه إلى أن قال]:
وقد روي في حَدِيثِ أبي ذر الطويل: أن عدد الأنبياء مائة ألف وعشرون ألفًا!
أخرجه ابن حبان في "صحيحه " بطوله (رقم ٩٤)، وفيه إبراهيم بن هشام الغَسَّاني وهو متروك؛ متهم بالكذب، وعزاه الحافظ (٦/ ٣٦١) لـ "صحيحه "وسكت!
وروي بإسناد آخر ضعيف من حديث أبي أمامة مرفوعًا بلفظ:" وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر؛ جمًا غفيرًا".
أخرجه أحمد (٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦)، والطبراني في "الكبير" (٨/ ٢٥٨/ ٧٨٧١)، وفيه علي بن يزيد الألهاني؛ ضعيف.
لكن عدد الرسل صحيح؛ جاء من طريق أخرى عن أبي أمامة بسند صحيح، وعدد الأنبياء صحيح لغيره، وقد حققت ذلك كله في"الصحيحة" (٢٦٦٨).
"الضعيفة" (١٣/ ٢٠٢، ٢٠٥).
[ ٨ / ١٣٩ ]
[١٢٧١] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«كان آدم نبيا مكلمًا، كان بينه وبين نوح عشرة قرون، وكانت الرسل ثلاثمائة وخمسة عشر».
[قال الإمام]:
أخرجه أبو جعفر الرزاز في " مجلس من الأمالي " (ق ١٧٨/ ١): حدثنا عبد الكريم ابن الهيثم الديرعاقولي: حدثنا أبو توبة - يعني الربيع بن نافع -: حدثنا معاوية بن سلام عن زيد بن سلام أنه سمع أبا سلام يقول: حدثني أبو أمامة: " أن رجلا قال: يا رسول الله! أنبيا كان آدم؟ قال: نعم، مكلم.
قال: كم كان بينه وبين نوح؟ قال: عشرة قرون. قال: يا رسول الله! كم كانت الرسل؟ قال: ثلاثمائة وخمسة عشر " [وجاء في بعض طرق الحديث]: عن أبي أمامة مطولا، وفيه: " قال: قلت: يا نبي الله! فأي الأنبياء كان أول؟ قال: آدم ﵇. قال: قلت: يا نبي الله! أو نبي كان آدم؟ قال: نعم، نبي مكلم، خلقه الله بيده، ثم نفخ فيه من روحه، ثم قال له: يا آدم قبلا. قال: قلت: يا رسول الله! كم وفى عدد الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا، الرسل من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر، جمًا غفيرًا ".
[ثم قال الإمام]:
وجملة القول: إن عدد الرسل المذكورين في حديث الترجمة صحيح لذاته، وأن عدد الأنبياء المذكورين في أحد طرقه، وفي حديث أبي ذر من ثلاث طرق، فهو صحيح لغيره.
"الصحيحة" (٦/ ١/٣٦٣،٣٥٨).
[ ٨ / ١٤٠ ]
[١٢٧٢] باب منه
[قال محمد العدوي في "التوحيد والعقائد الإسلامية" في معرض كلامه على الأنبياء والرسل:"ونقف عن تحديد عددهم." فعلق الإمام على ذلك قائلًا]:
كأنه يعني أنه لم يصح في عدد الأنبياء والرسل شيء، وذلك غير مسلم في الرسل، فقد أخرج الحاكم في "المستدرك" (٢/ ٢٦٢) من طريق معاوية بن سلام حدثني «أن رجلًا قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: نعم معلم مكلم، قال: كم بينه وبين نوح؟ قال: عشر قرون، كم كان بين نوح وإبراهيم؟ قال: عشر قرون، قالوا: يا رسول الله كم كانت الرسل؟ قال: ثلاثمائة وخمس وعشرة جمًا غفيرًا».
أخرجه الحاكم (٢/ ٢٦٢) وقال:
«صحيح على شرط مسلم». ووافقه الذهبي، وهو كما قالا. وقد أخرج شطره الأول ابن منده في "التوحيد " (ق١٠٤/ ٢) وعند ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٢/ ٣٢٥/٢) وقال ابن منده:
"هذا إسناد صحيح على رسم مسلم والجماعة إلا البخاري، وروي من حديث القاسم أبي عبد الرحمن وغيره عن أبي أمامة، عن أبي ذر بأسانيد فيها مقال".
[ثم تكلم الإمام على حديثي أبي ذر وأبي أمامة ثم قال]:
وجملة القول أن الأحاديث في عدد الأنبياء مع ضعف أسانيدها متعارضة. وأما عدد الرسل فحديثه صحيح. كما سبق تحقيقه.
"تحقيق كتاب: التوحيد والعقائد الإسلامية" (ص ٤٩، ٥١).
[ ٨ / ١٤١ ]
[١٢٧٣] باب منه
السائل:
هنا حديث رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة قال أبو ذر، قلت: يا رسول الله، كم وصلت عدة الأنبياء، قال: «مائة ألف وأربع وعشرون ألفًا الرسل من ذلك ثلاث مائة وخمس عشرة جمًّا غفيرًا»، هل هذا الحديث صحيح؟ وهل ورد (عدد) معلوم بأسماء الرسل؟ (١)
الشيخ:
الحديث هذا صحيح، أما الشق الثاني من السؤال وهو هل جاء عدد معين للرسل (٢)؟ فذلك مما لم نحط به علمًا.
"فتاوى جدة - الأثر -" (١٧/ ٠٠:٠٢:٢٥)
[١٢٧٤] باب من غير المعقول توفر عدد كبير من الأنبياء
في وقت واحد وبلد واحد
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«يا أبا عبيدة! قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مئة رجل واثنا عشر رجلًا من عباد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعًا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهم
_________________
(١) كذا.
(٢) كذا، والظاهر أن الشيخ يريد أنه لم يثبت حديث وردت فيه أسماء الرسل مع ذكر عددهم، كما يظهر أن هذا مراد السائل.
[ ٨ / ١٤٢ ]
الذين ذكر الله ﷿؛ يعني: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيم﴾».
(ضعيف)
[قال الإمام]:
وأنكر من هذا الحديث: الأثر الذي ساقه ابن كثير عقب هذا من رواية [ابن] أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاث مئة نبي من أول النهار، وأقاموا سوق بقلهم من آخره. وقال في مكان آخر (١/ ١٠٢): "قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال: فذكره بلفظ: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاث مئة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم من آخر النهار".
قلت: وهذا إسناد صحيح؛ إن كان الطيالسي قد ثبت السند إليه به؛ فإنه ليس في "مسنده" المطبوع، وهو المفروض؛ لأنه ليس من شرطه؛ فإنه موقوف على ابن مسعود. فإن صح عنه؛ فهو من الإسرائيليات الباطلة التي يكذبها العقل والنقل: أما العقل؛ فإنه من غير المعقول أن يتوفر هذا العدد الكبير من الأنبياء في وقت واحد وبلد واحد، ويتمكن اليهود من ذبحهم ذبح النعاج قبل انتهاء النهار، وفي آخره يقيمون سوقهم! هذا من أبطل الباطل.
وأما النقل؛ فهو قوله - ﵌ -: "كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي " الحديث؛ متفق عليه، وهو مخرج في "الإرواء" (٢٤٧٣). فهذا صريح في أن أنبياء بني إسرائيل كان يخلف بعضهم بعضًا، ويأتي أحدهم بعد الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾]؛ أي: متواترين واحدًا بعد واحد.
[ ٨ / ١٤٣ ]
نعم؛ ذلك لا ينفي أن يرسل الله أكثر من رسول - بله نبي - واحد في وقت واحد لحكمة يعلمها؛ مثل هارون مع موسى، وقوله في أصحاب القرية: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُون﴾. وأما بعث مثل ذاك العدد الضخم من الأنبياء في زمن واحد؛ فليس من سنة الله ﵎.
"الضعيفة" (١١/ ٢/٨١٢، ٨١٤).
[ ٨ / ١٤٤ ]
جماع أبواب:
- ذكر ما يجب على الأنبياء
- وذكر ما يجوز عليهم
- وذكر شيء من خصائصهم
[ ٨ / ١٤٥ ]
[١٢٧٥] باب ذكر بعض ما يجب على النبي
[قال الإمام]:
النبي يجب عليه أن يدعو أمته إلى الخير ويدلهم عليه، وينذرهم شر ما يعلمه لهم.
"الصحيحة" (١/ ١/٤٨٦).
[١٢٧٦] باب هل يأتي الرسل صغائر الذنوب؟
السؤال: هل الرسل يأتون صغائر الذنوب؟
الجواب: أنا أعتقد قبل الإجابة مباشرة عن هذا السؤال، بأنه سؤال كما يقال اليوم غير ذي موضوع؛ لأن الأمر لا يتعلق بمنهج لنا وبإصلاح عقائدنا وأعمالنا، وإنما هو أمر يتعلق بمن تقدم النبي - ﵌ - من الأنبياء والرسل، فما أجد أن مثل هذا السؤال ينبغي الاهتمام بتوجيهه، ولكن لا بد من الإجابة عنه حتى نبين ما عندنا من علم في هذه المسألة.
نحن نعتقد أن العصمة المقطوع بها للأنبياء والرسل إنما هي أولًا العصمة في تبليغ الدعوة، وثانيًا: العصمة عن الوقوع في الذنوب الكبائر وهم يعلمونها، أما أن يقعوا في صغيرة من الصغائر التي لا يترتب من ورائها إلا انتفاء الكمال المطلق؛ فهذا لا بأس من أن يقع شيء من ذلك من الأنبياء والرسل، وذلك ليبقى مستقرًا في قلوب المؤمنين أن الكمال المطلق لله رب العالمين وحده لا شريك له.
والقرآن في إثبات هذه الحقيقة فيه الكثير من النصوص والأدلة في غير ما نبي أو رسول، فقصة آدم ﵇ في نهي رب العالمين إياه عن أكل الشجر، وقول
[ ٨ / ١٤٧ ]
رب العالمين: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه:١٢١] وقول القرآن الكريم بالنسبة لنبينا ﵇: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١] .. ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]، هذا كله يدل على أن النبي ممكن أن يتعرض لما لا يليق بمقام نبوته من هذه الصغائر، لكن هل هذا يعيبهم؟
الجواب: لا؛ لأن هذه مقتضى البشرية.
كما نقول: هل يعيب النبي والرسول أن يتعرض لما يتعرض له الناس عامة من مثل السهو والنسيان؟
نقول: لا، لا مانع من أن يتعرض أحد من الرسل والأنبياء لمثل هذا؛ لأنه لا يمس مقام الدعوة التي أرسل بها إلى الناس كافة.
فقوله ﵇ فيما أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ حينما صلى بهم صلاة الظهر خمس ركعات، فلما سلم قالوا له: «صليت خمسًا. فسجد سجدتي السهو، ثم قال ﵇: إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني» (١).
فلا يضر مقام النبوة ولا الرسالة أن يقع منهم مما الأكمل أن لا يقع، لكن الكمال المطلق لله ﷿، الأكمل أن لا ينسى الرسول ﵇، لكن حكمة الله ﷿ اقتضت أن ينسى الرسول لكن هذا النسيان لا يمس الدعوة؛ لأنه لا ينسى ما يتعلق بالدعوة، ولذلك يشير ربنا ﷿ إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى، إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (الأعلى:٦، ٧) من أن تنسى آية قد بلغتها الناس، أي: أديت الرسالة وبلغت الأمانة، فممكن أن يعرض للرسول ﵇
_________________
(١) "صحيح البخاري" (رقم٣٩٢) و"صحيح مسلم" (رقم ١٣٠٢).
[ ٨ / ١٤٨ ]
بعد هذا التبليغ الواجب عليه أن ينسى شيئًا مما بلغهم كما جاء في صحيح البخاري أن النبي - ﵌ - دخل المسجد يومًا فسمع رجلًا يتلو القرآن فقال: «رحم الله فلانًا، لقد ذكرني آية كنت أنسيتها» (١) فنسيان الرسول ﵇ لمثل هذه الآية لا يضره فيما يتعلق بدعوته؛ لأنه قد بلغها، ولذلك استطاع ذلك الرجل أن يقرأها، فلما قرأها الرجل تذكرها الرسول ﵇، فمثل هذا النسيان لا يضره.
كذلك وقوع بعض الأنبياء والرسل في شيء من الصغائر لا يضرهم؛ لأنه لا ينفر المدعوين عن دعوته بخلاف وقوعهم في الكبائر، ولذلك فهم منزهون عنها دون الصغائر.
"الهدى والنور" (١٨٨/ ٠٠:٤٢:٢٧).
[١٢٧٧] باب معنى النسيان في قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾؟
سؤال: .. «لا تقول: نسيت بل أنسيت» (٢)، كيف التوفيق بينها وبين قول الله تعالى: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه:١١٥]؟
الشيخ: نعم، هنا نسي ليس بمعنى النسيان الذي هو الذهول [بل] بمعنى ترك وخالف، نعم.
"الهدى والنور" (٨١٤/ ٥٥: ٠٢: ٠٠)
_________________
(١) "صحيح البخاري" (رقم٤٧٥١) و"صحيح مسلم" (رقم١٨٧٤).
(٢) صحيح مسلم البخاري (رقم ٤٧٤٤) وصحيح مسلم (رقم١٨٧٧) ولفظ الحديث: «بئسما لأحدهم يقول نَسَيْتُ آية كيت وكيت بل هو نُسِّيَ ..»
[ ٨ / ١٤٩ ]
[١٢٧٨] باب تحريم الله على الأرض أن تأكل أجساد الانبياء، وبأن عيسى ﵇ حيًا في السماء بروحه وجسده
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحًا حتى ترد إليه روحه، ومررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم في قبره بين عائلة وعويلة»
(موضوع)
[قال الإمام]:
ثم إنه سبق في كلام السيوطي أن للحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن! فلابد من النظر في ذلك لتتبين الحقيقة لكل من ينشدها، فأول ذلك أن ليس هناك شواهد، وإنما هما شاهدان فقط ذكرهما السيوطي نفسه لم يزد عليهما.
ثم إن أحدهما من طريق أبي المقدام ثابت بن هرمز الكوفي - صدوق يهم - عن سعيد بن المسيب قال: «ما مكث نبي في قبره من الأرض أكثر من أربعين يومًا»، زاد في رواية:
"حتى يرفع"، وهذا سند قوي، ولكنه مقطوع فلا حجة فيه لاحتمال كونه من الإسرائيليات.
ثم إن هذه الزيادة يبطلها حديث: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»، وهو حديث صحيح رواه أبو داود وابن حبان في "صحيحه" والحاكم وغيرهم، (انظر " فضل الصلاة على النبي - ﵌ - " بتحقيقي رقم ٢٢، ٢٣)
فإنه صريح في أن من خصوصيات الأنبياء أن الأرض لا تبلي أجساد الأنبياء،
وهذه الخصوصية تنتفي إذا أثبتنا رفعهم بأجسادهم من قبورهم، كما هو مفاد
[ ٨ / ١٥٠ ]
هذه الزيادة، فثبت بذلك بطلانها، ولوثبتت لانتفت خصوصية أخرى لعيسى ﵇ وهي كونه في السماء حيًا بروحه وجسده، فتأمل مفاسد وآثار الأحاديث الواهية!
"الضعيفة" (١/ ٣٦٠، ٣٦٣، ٣٦٤).
[١٢٧٩] باب الجمع بين قوله - ﵌ -: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» والحديث الذي جاء فيه: «واستخرجوا عظام يوسف»
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«أعجزتم أن تكونوا مثل عجوز بني إسرائيل؟ فقال أصحابه: يا رسول الله وما عجوز بني إسرائيل؟ قال: إن موسى لما سار ببني إسرائيل من مصر، ضلوا الطريق فقال: ما هذا؟ فقال علماؤهم: نحن نحدثك، إن يوسف لما حضره الموت أخذ علينا موثقًا من الله أن لا يخرج من مصر حتى ننقل عظامه معنا، قال: فمن يعلم موضع قبره؟ قالوا: ما ندري أين قبر يوسف إلا عجوز من بني إسرائيل، فبعث إليها فأتته فقال: دلوني على قبر يوسف، قالت: لا والله لا أفعل حتى تعطيني حكمي، قال: وما حكمك؟ قالت: أكون معك في الجنة، فكره أن يعطيها ذلك فأوحى الله إليه أن أعطها حكمها، فانطلقت بهم إلى بحيرة موضع مستنقع ماء، فقالت: انضبوا هذا الماء فأنضبوا، قالت: احفروا واستخرجوا عظام يوسف فلما أقلوها إلى الأرض إذا الطريق مثل ضوء النهار».
[قال الإمام]:
(فائدة) كنت استشكلت قديمًا قوله في هذا الحديث " عظام يوسف "؛ لأنه
[ ٨ / ١٥١ ]
يتعارض بظاهره مع الحديث الصحيح: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» حتى وقفت على حديث ابن عمر ﵄: «أن النبي - ﵌ - لما بدن، قال له تميم الداري: ألا أتخذ لك منبرًا يا رسول الله يجمع أو يحمل عظامك؟ قال: بلى فاتخذ له منبرًا مرقاتين».
أخرجه أبو داود (١٠٨١) بإسناد جيد على شرط مسلم.
فعلمت منه أنهم كانوا يطلقون " العظام "، ويريدون البدن كله، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، كقوله تعالى: ﴿وقرآن الفجر﴾ أي: صلاة الفجر.
فزال الإشكال والحمد لله، فكتبت هذا لبيانه.
"الصحيحة (١/ ٢/٦٢٢ - ٦٢٤).
[١٢٨٠] هل أجساد الشهداء لا تبلى مثل أجساد الأنبياء؟
السائل: يقولون: إن جثة الشهيد لا تبلى يعني مثل باقي جثثت الأموات.
الشيخ: ليس لهذا القول دليل شرعي.
مداخلة: كما يقولون: أن قبر سيدنا عم الرسول - ﵌ -. حمزة.
الشيخ: العباس؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: وألا حمزة؟
مداخلة: حمزة.
الشيخ: أقول لك: ليس هناك دليل في الشرع يخبرنا أن أجساد الشهداء لا
[ ٨ / ١٥٢ ]
تفنى كأجساد الأنبياء، عندنا نص أن الله ﷿ حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، مثل هذا النص بالنسبة للشهداء لا يوجد إطلاقًا، لكن الذي وقع أن في التاريخ الإسلامي الأول بسبب حفريات اكتشفوا جثث بعض الشهداء كما هي، هذا صحيح وقع.
لكن هذا لا يعطينا قاعدة أولًا: أن كل شهيد لا يبلى جسده، بل قد وجدت بعض الأجساد لغير شهداء، وهذا كما قلت آنفًا بيحوز تكون إما الأمر يعود إلى طبيعة الأرض، أو أن الله ﷿ العليم بأحوال الموتى فقد يكرم بعضهم بأن يبقي جسده كما كان في حياته، تكون كرامةً من الله لذاك الإنسان سواء كان شهيدًا أو كان صالحًا غير شهيد، لكن ما يجوز أن نأخذ من ذلك قاعدة، فلا نقول على الله ما لا نعلم، نقول: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، أما غير الأنبياء فلا دليل معنا بأن أجسادهم تبقى.
"الهدى والنور" (٣١٧/ ٠٠: ٢١: ٠٠)
[١٢٨١] باب صفة حياة الأنبياء في قبورهم
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«الأنبياء - صلوات الله عليهم - أحياء في قبورهم يصلون».
[قال الإمام]:
اعلم أن الحياة التي أثبتها هذا الحديث للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إنما هي حياة برزخية، ليست من حياة الدنيا في شيء، ولذلك وجب الإيمان بها دون ضرب الأمثال لها ومحاولة تكييفها وتشبيهها بما هو المعروف عندنا في حياة
[ ٨ / ١٥٣ ]
الدنيا. هذا هو الموقف الذي يجب أن يتخذه المؤمن في هذا الصدد: الإيمان بما جاء في الحديث دون الزيادة عليه بالأقيسة والآراء كما يفعل أهل البدع الذين وصل الأمر ببعضهم إلى ادعاء أن حياته - ﵌ - في قبره حياة حقيقية! قال: يأكل ويشرب ويجامع نساءه!!. وإنما هي حياة برزخية لا يعلم حقيقتها إلا الله ﷾.
"الصحيحة" (٢/ ١٩٠،١٧٨).
[١٢٨٢] باب في صلاة الأنبياء في قبورهم
سؤال: فضيلة الشيخ حفظك الله ذكرتم في أحد مؤلفاتكم حديث أن الأنبياء يصلون في قبورهم أرجو توضيح ذلك وجزاكم الله خيرًا.
الشيخ: هذا الحديث من أنباء الغيب التي لا يجوز للمسلم أن يُعمل عقله فيها بل من الواجب عليه أن يسلم بها تسليمًا، وهذا الحديث وإن كان وقع فيه خلاف من بعض العلماء علماء الحديث تصحيحًا وتضعيفًا فالراجح عندي أنه صحيح ومذكور في "سلسلة الأحاديث صحيحة" ومخرج تخريجًا علميًا، لكن إن كان يشك بعضهم في صحة هذا الحديث فهناك حديث لا شك في صحته؛ لأن الإمام مسلمًا قد أخرجه في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﵌ -: «مررت ليلة أسري بي بموسى قائمًا يصلي في قبره» (١) فإذًا صلاة الأنبياء في قبورهم عقيدة صحيحة يجب على المسلم أن يؤمن بها لكن لا يتوسع في محاولة تكييف هذه الصلاة فلا يقول مثلًا: كيف يصلي موسى في قبره والقبر
_________________
(١) "صحيح مسلم" (رقم٦٣٠٦).
[ ٨ / ١٥٤ ]
لا يتسع لقيام موسى في القبر؟ لأننا نقول عالم الغيب لا يقاس على عالم الشهادة .. عالم البرزخ لا يقاس على عالم الآخرة فلكل طبائعه وخواصه، فإذا أخبرنا الصادق المصدوق أنه رأى موسى ﵊ قائمًا يصلي في قبره صدقناه وآمنا به ووكلنا معرفة حقيقة هذه الصلاة إلى الله ﵎.
وعلى هذا الميزان قوله ﵊: «إن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون» (١) فليست هذه الحياة بالحياة المادية بحيث أننا إذا خاطبناهم يردون علينا ويسمعون كلامنا كما كانوا يسمعون كلام الناس في الدنيا حينما كانوا أحياء لا نتوسع في مثل هذه التفاصيل؛ لأنه كما قلت آنفًا عالم الغيب لا يقاس على عالم الشهادة على عالم المادة.
"رحلة النور" (٣٣ب/٠٠:٢٩:٤٧)
[١٢٨٣] باب هل روح النبي - ﵌ - تستقر في جسده بعد موته؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحًا حتى ترد إليه روحه، ومررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم في قبره بين عائلة وعويلة»
(موضوع)
[قال الإمام]:
وأنا أرى أن هذا الحديث يعارض قوله - ﵌ -: «ما من أحد يسلم علي إلا رد
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٢٧٩٠).
[ ٨ / ١٥٥ ]
الله علي روحي حتى أرد ﵇». رواه أبو داود (١/ ٣١٩) والبيهقي (٥/ ٢٤٥) وأحمد (٢/ ٥٢٧) بإسناد حسن عن أبي هريرة، وهو مخرج في الكتاب الآخر " الصحيحة " (٢٢٦٦).
ووجه التعارض أنه يدل على أن روحه - ﵌ - ليست مستقرة في جسده الشريف، بل هي ترد إليه ليرد سلام المسلمين عليه - ﵌ -، بينما هذا الحديث الموضوع يقرر صراحة أن روح كل نبي ترد إليه بعد أربعين صباحًا من وفاته، فلو صح هذا فكيف ترد روحه - ﵌ - إلى جسده ليرد السلام، هذا أمر غير معقول، بل هو ظاهر التناقض، فلابد من رد أحدهما، وليس هو إلا هذا الحديث المنكر حتى يسلم الحديث القوي من المعارض، فتأمل هذا فإنه مما ألهمت به، لا أذكر أني رأيته لأحد قبلي، فإن كان صوابًا فمن الله، وإلا فمن نفسي.
"الضعيفة" (١/ ٣٦٠، ٣٦٢ - ٣٦٣).
[ ٨ / ١٥٦ ]
جماعُ أبوابِ الكلامِ على بعضِ الأنبياء والرسل، وذكرِ شيءٍ من أخبارهم، وبيان ما ثبت عنهم وما لم يثبت.
[ ٨ / ١٥٧ ]
(إبراهيم ﵇)
[١٢٨٤] باب الرد على من أنكر حديث كذبات إبراهيم الثلاث سؤال: الكذب حرام، ولكن إذا اضطر الإنسان إليه ليمنع كارثة تكاد تقع لو صدق القول، أيبقى نفس الحكم؟
الشيخ: إذا صح هذا السؤال لا يبقى على نفس الحكم، إذا صح التصوير لا يبقى نفس الحكم.
أحد الحضور: لا يصلح الكذب إلا في ثلاثة؟
الشيخ: نعم، لا يصلح الكذب إلا في ثلاث.
السائل: على هذا السؤال يجوز، لأنه كارثة.
الشيخ: نعم، هذا بيذكرني بمناقشة من المناقشات التي وقعت بيني وبين القاديانية في دمشق، هؤلاء - طبعًا - لهم انحرافات خطيرة جدًا، الظاهر إني نسيت اسمه، المهم: جرت جلسات عديدة بيني وبينهم، وبعدين اتفقنا أننا نعمل مناقشة أو مناظرة كتابية [كلام غير واضح] أن هذا الحديث ما بيتناسب مع مقام الأنبياء، كيف إبراهيم بيكذب؟ وربنا يقول في القرآن الكريم: ﴿كان صديقًا نبيًا﴾ ﴿صديقًا نبيًا﴾، وهذا الحديث يقول: «كذب ثلاث كذبات» هذا حديث باطل، هذا النقاش كان بيني وبين داعيتهم الكبير من بعد هذاك الباكستاني، هذا (منير الحصني) عنوان مكتبه [كلام غير مفهوم]، فجرى بيني وبينه النقاش الآتي: لكنه
[ ٨ / ١٥٩ ]
منطقي وجميل جدًا، قلت له: أنت بتنزه إبراهيم ﵇ من هذه الكذبات الثلاث وهي مشفوعة بالحديث، فهل أفهم منك إن الكذب حرام ولو كان فيه تخليص نفس مؤمنة من كافر؟ قال لي: نعم، وكنا يومئذ حديثي عهد بالثورة الفرنسية أو بالأحرى الثورة السورية على الفرنسيين، وكان الثوار بيهجموا على ما يسمى عندنا بـ (الاستحكامات)، بيجي ثاير، اثنين، ثلاثة فدائيين للفرنساويين والسنغال -كانوا يجيبوا من السود-، ويرمي له قنبلتين ثلاثة، وبسرعة البرق يدخل بين الحارات وبين القبور، ويضيع عن الجماعة، وكان أمر طبيعي جدًا، كما يقع اليوم في فلسطين - مع الأسف - سرعان ما بينشلوه يفتشوا عن مين الفاعل؟ يلاَّ يدخلوا البيوت يدقوا على الباب، فقلت له: هذا (منير الحصني)، قلت له: لو وقعت هيك واقعة ويجوا بيدقوا عليك الباب، وكان لجأ عندك رجل من هؤلاء الثوار المسلمين، وهو جاك يسموه عندنا: (الجندرمة) يعني: العسكري، الفرنسي (جندرمة) دق عليك الباب، قال لك: دخل لعندك شخص اتخبى؟ شو بتقول له: دخلك؟ تقول له: إيه نعم، قال: نعم، بقول له، هون جرى السؤال والجواب الآتي وهنا الدقة، قلت له: بدي اسألك سؤال: الصدق وَجَبَ، لأنه مركب من ثلاثة أحرف هي (ص د ق)؟ والكذب حُرِّمَ؛ لأنه مركب من ثلاثة أحرف أخرى هي (ك ذ ب)؟ أم لأنه في الصدق خير وفي الكذب شر؟ قال: طبعًا، هو هذا، قلت له: وفي حادثةٍ ما اختلفت النتائج نتج من (ص د ق) ما ينتج عادةً من (ك ذ ب)، هل تعطيه حكم (ص د ق)؟؟ فَبُهِتَ الذي كَفَرْ.
"الهدى والنور" (٣/ ٠٠:٤٨:٥٩)
[ ٨ / ١٦٠ ]
(إسماعيل وإسحاق ﵉)
[١٢٨٥] باب الذبيح إسماعيل
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
٣٣٢ «الذبيح إسحاق»
(ضعيف).
[أورد الإمام بعض طرقه ثم قال:]
قال الزرقاني (١/ ٩٨): فهذه أحاديث يعضد بعضها بعضًا، فأقل مراتب الحديث أنه حسن فكيف وقد صححه الحاكم والذهبي!
قلت: الذهبي لم يصححه، والحاكم وهم في تصحيحه كما سيأتي بيانه، والطرق فيها ضعف واضطراب، واحتمال كون متونها إسرائيليات، بل هو الغالب كما سبق، فهذا كله يمنع من القول بأن بعضها يعضد بعضًا، ولا سيما وقد ذهب المحققون من العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وابن كثير وغيرهم إلى أن الصواب في الذبيح أنه إسماعيل ﵇، قال ابن القيم في " الزاد " (١/ ٢١):
وأما القول بأنه إسحاق فباطل بأكثر من عشرين وجهًا، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: هذا القول إنما هو متلقى عن أهل الكتاب
[ ٨ / ١٦١ ]
مع أنه باطل بنص كتابهم، فإن فيه أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه بكره، وفي لفظ: وحيده.
ولا يشك أهل الكتاب مع المسلمين أن إسماعيل هو بكر أولاده وكيف يسوغ أن يقال: أن الذبيح إسحاق والله تعالى قد بشر أم إسحاق به وبابنه يعقوب، فقال تعالى عن الملائكة أنهم قالوا لإبراهيم لما أتوه بالبشرى: ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوط، وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوب﴾ [هود:٧٠، ٧١]، فمحال أن يبشرها بأنه يكون له ولد ثم يأمر بذبحه.
[ثم ذكر وجوهًا أخرى في إبطال القول بأن الذبيح إسحاق وتصويب أنه إسماعيل فليراجعها من شاء].
"الضعيفة" (١/ ٥٠٣،٥٠٥).
[١٢٨٦] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن الله ﵎ خيرني بين أن يغفر لنصف أمتي، وبين أن يجيب شفاعتي، فاخترت شفاعتي ورجوت أن تكون أعم لأمتي، ولولا الذى سبقني إليه العبد الصالح لتعجلت فيها دعوتي، إن الله تعالى لما فرج عن إسحاق كرب الذبح، قيل له: يا إسحاق سل تعط، فقال: أما والذي نفسي بيده لأتعجلنها قبل نزغات الشيطان: اللهم من مات لا يشرك بك شيئًا فاغفر له وأدخله الجنة»
(منكر)
[ ٨ / ١٦٢ ]
[قال الإمام]:
وهو دليل على أن الذبيح إسحاق ﵇، وبه قال بعضهم وهو باطل، والصواب أنه إسماعيل ومثله:
" أكرم الناس يوسف بن يعقوب بن إسحاق ذبيح الله". منكر بهذا اللفظ.
"الضعيفة" (١/ ٥٠٦،٥٠٧).
[١٢٨٧] باب كل ما جاء في أن إسحاق هو الذبيح ضعيف [روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن داود سأل ربه فقال: يا رب! إنه يقال: رب إبراهيم وإسحاق ويعقوب، فاجعلني رابعهم حتى يقال: ورب داود. فقال: يا داود! إنك لم تبلغ ذلك؛ إن إبراهيم لم يعدل بي شيئًا قط، ألا ترى إليه إذ يقول: [﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُون، أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُون، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين﴾]. يا داود! وأما إسحاق؛ فإنه جاد بنفسه لي في الذبح. وأما يعقوب؛ فإني ابتليته ثمانين سنة، فلم يسئ بي الظن ساعة قط؛ فلن تبلغ ذلك يا داود».
(منكر).
[قال الإمام]:
ومن نكارة هذا الحديث: أن فيه أن الذبيح إسحاق! وقد روي في هذا أحاديث أخرى كلها ضعيفة، وبعضها أشد ضعفًا من بعض.
"الضعيفة" (١٢/ ٨٢١،٨٢٢).
[ ٨ / ١٦٣ ]
(موسى ﵇)
[١٢٨٨] باب قصة موسى مع ملك الموت
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«جاء ملكُ الموتِ إلى (وفي طريق: إنَّ ملكَ الموتِ كان يأتي الناسَ عيانًا، حتّى أتى) موسى ﵇، فقال له: أجب ربَّك، قال: فلطَم موسى ﵇، عينَ مَلكِ الموتِ ففَقأها، فرجعَ الملكُ إلى اللهِ تعالى، فقالَ: [يا ربِّ!] إنَّك أرسلتني إلى عبدٍ لكَ لا يريدُ الموتَ، وقد فقأ عيني، [ولولا كرامتُه عليك لشققتُ عليه]. قال: فردَّ اللهُ إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدِي فقِل: الحياة تريدُ؟ فإن كنت تريدُ الحياةَ؛ فضع يدَك على متنِ ثورٍ، فما توارت يدُك من شعرة؛ فإنّك تعيشُ بها سنةً، قال: [أي ربِّ!] ثمَّ مَه؟ قالَ: ثم تموتُ، قال: فالآن من قريبٍ، ربِّ! أمتني من الأرضِ المقدّسةِ رميةً بحجرٍ! [قال: فشمَّه شمّةً فقبض روحَه، قال: فجاء بعد ذلك إلى النّاسِ خفيًا].قال رسول الله - ﵌ -: والله! لو أني عنده لأريتُكم قبره إلى جانب الطريق عند (وفي طريق: تحت) الكثيبِ الأحمرِ].
[قال الإمام]:
قلت: هذا الحديث من الأحاديث الصحيحة المشهورة التي أخرجها الشيخان من طرق عن أبي هريرة﵁-، وتلقته الأمة بالقبول، وقد جمعت ألفاظها والزيادات التي وقعت فيها، وسقتها لك سياقًا واحدًا كما ترى؛ لتأخذ القصة كاملة بجميع فوائدها المتفرقة في بطون مصادرها، الأمر الذي
[ ٨ / ١٦٤ ]
يساعدك على فهمها فهمًا صحيحًا، لا إشكال فيه ولا شبهة، فتسلِّم لقول رسول الله - ﵌ - تسليمًا.
واعلم أن هذا الحديث الصحيح جدًّا مما أنكره بعض ذوي القلوب المريضة من المبتدعة- فضلًا عن الزنادقة- قديمًا وحديثًا، وقد رد عليهم العلماء- على مر العصور- بما يشفي ويكفي من كان راغبًا السلامة في دينه وعقيدته؛ كابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي، والبغوي، والنووي، والعسقلاني، وغيرهم.
وممن أنكره من المعاصرين: الشيخ الغزالي في كتابه "السنة .. "، بل وطعن في الذين دافعوا عن الحديث " فقال (ص ٢٩): "وهو دفاع تافه لا يساغ "!
وهكذا؛ فالرجل ماضٍ في غيّه، والطعن في السنة والذابين عنها بمجرد عقله (الكبير!). ولست أدري- والله- كيف يعقل هذا الرجل- إذا افترضنا فيه الإيمان والعقل-! كيف يدخل في عقله أن يكون هؤلاء الأئمة الأجلة من محدِّثين وفقهاء - من الإمام البخاري إلى الإمام العسقلاني- على خطأ في تصحيحهم هذا الحديث، ويكون هو وحده- صاحب العقل الكبير! - مصيبًا في تضعيفه إياه ورده عليهم؟!
ثم هو لا يكتفي بهذا! بل يخادع القراء ويدلس عليهم، ويوهمهم أنه مع الأئمة لا يخالفهم، فيقول بين يدي إنكاره لهذا الحديث وغيره كالذي قبله (ص٢٦):
"لا خلاف بين المسلمين في العمل بما صحت نسبته لرسول الله - ﵌ - وفق أصول الاستدلال التي وضعها الأئمة، وانتهت إليها الأمة، إنما ينشأ الخلاف حول صدق هذه النسبة أو بطلانها، وهو خلاف لا بد من حسمه، ولا بد من رفض
[ ٨ / ١٦٥ ]
الافتعال أو التكلف فيه، فإذا استجمع الخبر المروي شروط الصحة المقررة بين العلماء فلا معنى لرفضه، وإذا وقع خلاف محترم في توفر هذه الشروط أصبح في الأمر سعة "!
هذا كلامه، فهل تجاوب معه؟ كلا ثم كلا؛ فإن الحديث لا خلاف في صحته بين العلماء، وله ثلاثة طرق صحيحة كما تقدم، فكيف تملص من كلامه المذكور؟! لقد دلس على القراء وأوهم أن الحديث مختلف في صحته؛ فقال (ص ٢٧): "وقد جادل البعض في صحته "!
ويعني: أن الحديث صار من القسم الذي فيه سعة للخلاف! فنقول له:
أولًا: هل الخلاف الذي توهمه "خلاف محترم " أم هو خلاف ساقط الاعتبار؟! لأن المخالف ليس من العلماء المحترمين!! ولذلك لم تتجرأ على تسميته! ولعله من الخوارج أو الشيعة الذين يطعنون في أصحاب النبي - ﵌ -، وبخاصة راوي هذا الحديث (أبي هريرة) - ﵁-.
وثانيًا: يحتمل أن يكون المجادِل الذي أشرتَ إليه هو أنت، وحينئذٍ فبالأولى أن يكون خلافك ساقط الاعتبار، كما هو ظاهر كالشمس في رائعة النهار! ثم قال: "إن الحديث صحيح السند؛ لكن متنه يثير الريبة؛ إذ يفيد أن موسى يكره الموت ولا يحب لقاء الله " إلى آخر هرائه!
فأقول: بمثل هذا الفهم المنكوس يرد هذا الرجل أحاديث النبي - ﵌ -!! ولا يكتفي بذلك، بل ويرد على العلماء كافة الذين فهموه وشرحوه شرحًا صحيحًا، وردوا على أمثاله من أهل الأهواء الذين يسيئون فهم الأحاديث ثم يردونها، وإنما هم في الواقع يردون جهلهم، وهي سالمة منه والحمد لله، وها هو المثال؛ فإن
[ ٨ / ١٦٦ ]
الحديث صريح بخلاف ما نسب إلى موسى ﵇، ألا وهو قوله ﵇: "فالآن من قريب ". فتعامى الرجل عنه، وتشبث باللطم المذكور في أوله، ولم ينظر إلى نهاية القصة، فمثله كمثل من يَرُدُّ قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين﴾ بزعم أنه يخالف الآيات الآمرة بالصلاة، ولا ينظر إلى ما بعده: ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ هذا من جهة.
ومن جهة أخرى؛ فإن الرجل بنى ردَّهُ للحديث على زعمه أن موسى ﵇ كان عارفًا بملك الموت حين لطمه! وهذا من تمام جهله وإعراضه عن كلام العلماء الذي نقله (ص ٢٨): "أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله، وظن أنه رجل قصده يريد قتله، فدافعه عنه، فأدت المدافعة إلى فقءِ عينه ".
ومع أن هذا الكلام يدل عليه تمام القصة كما قدمتُ، ويؤكده قوله في أول الحديث: "أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانًا"،أي: في صورة البشر، وفقءِ عينه وردها إليه مما يقوي ذلك.
أقول: مع هذا كله، استكبر الرجل ولم يرد على علماء الأمة إلا بقوله الذي لا يعجز عن مثله أيُّ مُبطِلٍ غريق في الضلال:
"نقول نحن (!): هذا الدفاع كله خفيف الوزن، وهو دفاع تافه لا يساغ "! وإن من ضلال الرجل وجهله قوله (ص ٢٧): "ثم، هل الملائكة تعرض لهم العاهات التي تعرض للبشر من عَمَى أو عَوَر؟! ذاك بعيد"!
فأقول: وهذا من الحجة عليك، الدالة على قلة فهمك؛ فإن هذا الذي استبعدتهُ مما جعل العلماء يقولون في دفاعهم: إن موسى لم يعلم أنه ملك، أفما آن لك أن تعقل؟!!
[ ٨ / ١٦٧ ]
ثم ختم ضلاله في هذا الحديث وطعنه فيه بقوله: "والعلة في المتن يبصرها المحققون (!) وتخفى على أصحاب الفكر السطحي "! فيا له من مغرور أهلكه العجب لقد جعل! نفسه من المحققين، وعلماء الأمة من "أصحاب الفكر السطحي "! والحقيقة أنه هو العلة؛ لجهله وقلة فهمه إن لم يكن فيه ما هو أكثر من ذلك مما أشار إليه الكفار وهم يعذَّبون في النار: ﴿لو كنا نسمعُ أو نعقِلُ ما كنا في أصحاب السَّعير﴾؛ نسأل الله حسن الخاتمة والوفاة على سبيل المؤمنين.
وأرى من تمام الفائدة أن أنقل إلى القراء الكرام كلام إمامين من أئمة المسلمين وحفاظ الحديث، فيه بيان الحكمة من تحديثه - ﵌ - بهذا الحديث، قال ابن حبان عقب الحديث: "إن الله جل وعلا بعث رسول الله - ﵌ - معلمًا لِخلقِهِ، فأنزله موضع الإبانة عن مراده، فبلَّغ - ﵌ - رسالته، وبّين عن آياته بألفاظ مجملة ومفسرة، عقلها عنه أصحابه أو بعضهم، وهذا الخبر من الأخبار التي يدرك معناه من لم يُحرَمِ التوفيق لإصابة الحق، وذاك أن الله جل وعلا أرسل ملك الموت إلى موسى رسالة ابتلاء واختبار، وأمره أن يقول له: "أجب ربك ": أمر اختبار وابتلاء، لا أمرًا يريد الله جل وعلا إمضاءه؛ كما أمر خليله صلى الله على نبينا وعليه بذبح ابنه أمر اختبار وابتلاء، دون الأمر الذي أراد الله جل وعلا إمضاءه، فلما عزم على ذبح ابنه (وتلّه للجبين)؛ فداه بالذِّبح العظيم.
وقد بعث الله جل وعلا الملائكة إلى رسله في صور لا يعرفونها؛ كدخول الملائكة على رسوله إبراهيم ولم يعرفهم؛ حتى أوجس منهم خيفة، وكمجيء جبريل إلى رسول الله - ﵌ - وسؤاله إياه عن الإيمان والإسلام، فلم يعرفه المصطفى حتى ولَّى.
[ ٨ / ١٦٨ ]
فكان مجيء ملك الموت إلى موسى على غير الصورة التي كان يعرفه موسى ﵇ عليها، وكان موسى غيورًا، فرأى في داره رجلًا لم يعرفه، فشال يده فلطمه، فأتت لطمته على فقء عينه التي في الصورة التي تصور بها، لا الصورة التي خلَقَهُ اللهُ عليها، ولما كان المصرح عن نبينا في خبر ابن عباس حيث قال: "أمَّني جبريلُ عند البيت مرتين " فذكر الخبر، وقال في آخره: "هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك " (١)، كان في هذا الخبر البيانُ الواضح: أن بعض شرائعنا قد تتفق ببعض شرائع من قبلنا مِن الأمم.
ولما كان من شريعتنا أن من فقأ عين الداخل دارهُ بغير إذنه، أو الناظر إلى بيته بغير أمره، من غير جناح على فاعله، ولا حرج على مرتكبه، للأخبار الواردة فيه، التي أمليناها في غير موضع من كتبنا (٢)؛كان جائزًا اتفاق هذه الشريعة بشريعة موسى بإسقاط الحرج عمّن فقأ عين الداخل داره بغير إذنه، فكان استعمال موسى هذا الفعل مباحًا له، ولا حرج عليه في فعله.
فلما رجع ملك الموت إلى ربه، وأخبره بما كان من موسى فيه؛ أمره ثانيًا بأمر آخر أمر اختبار وابتلاء كما ذكرنا قبل، إذ قال الله له: "قل له: إن شئت، فضع يدك على متن ثور، فلك بكل ما غطت يدك بكل شعرة سنة"، فلما علم موسى كليم الله صلى الله على نبينا وعليه أنه ملك الموت، وأنه جاء بالرسالة من عند الله، طابت نفسه بالموت ولم يستمهل، وقال: "فالآن ".
_________________
(١) حديث حسن صحيح؛ كما قال الترمذي، وصححه جمع، وهو مخرج في "الإرواء" (١/ ٢٦٨)،و"صحيح أبي داود" (٤١٧)،وعزاه بعضهم لـ"صحيح ابن حبان"، فوهم! [منه].
(٢) قلت: من ذلك كتابه "الصحيح" (٧/ ٥٩٧ - ٥٩٨ - الإحسان) من حديث أبي هريرة بألفاظ متقاربة، بعضها في"الصحيحين"،وهو مخرج في "الإرواء" (١٤٢٨و ٢٢٢٧). [منه].
[ ٨ / ١٦٩ ]
فلو كانت المرة الأولى عرفه موسى أنه ملك الموت، لاستعمل ما استعمل في المرة الأخرى عند تيقنه وعلمه به، ضدَّ قول من زعم: "أن أصحاب الحديث حمَّالة الحطب ورعاة الليل، يجمعون ما لا ينتفعون به، ويروون ما لا يؤجرون عليه، ويقولون بما يبطله الإسلام "، جهلًا منه لمعاني الأخبار، وترك التفقه في الآثار، معتمدًا على رأيه المنكوس، وقياسه المعكوس ".
قلت: ما أشبه الليلة بالبارحة! فهذا الزاعم الطاعن في أصحاب الحديث هو سلف الغزالي في طعنه فيهم، وفي أحاديثهم الصحيحة، وما وصفه به ابن حبان من الجهل بمعاني الآثار، يشبه تمامًا جهل الغزالي بها، وكتابه المتقدم ذكره والنقل عنه مشحون بطعنه في الأحاديث الصحيحة التي لا خلاف عند أهل العلم في صحتها، وقد ختم الكتاب بإنكاره عدة أحاديث صحيحة في إثبات القدر؛ لأنه فهم منها- بفهمه المعكوس والمنكوس- أنها تفيد الجبر، وتنفي عن الإنسان الاختيار الذي به كُلِّفَ، وترتب عليه الثواب والعقاب، مشاركًا في هذا الفهم العامة الجهلة، ولكنه فرَّ من فهمه الخاطئ إلى ما هو مثله أو أسوأ منه، ألا وهو إنكاره القدر والأحاديث الدالة عليها، وألحق نفسه بالمعتزلة!! وقد قام بواجب الرد عليه كثير من العلماء والكتَّاب، وكشفوا للناس ما فيه من زيغ وضلال في الحديث والعقيدة والفقه، وكان أطولهم نفسًا، وأكثرهم إفادة، وأهدأهم بالًا: الأخ الفاضل سلمان العودة في كتابه "حوار هادئ مع محمد الغزالي"،فنِعمَ الردُّ هو؛ لولا تساهل وتسامح لا يستحقه الغزالي تجاه طعناته العديدة مع أئمة الحديث والفقه، وإن كان الأخ الفاضل قد كشف القناع عنها بأدبه الناعم!
والحافظ الآخر الذي سبقت الإشارة إليه: هو الإمام البغوي؛ فإنه بعد أن ذكر أن الحديث: "متفق على صحته "؛ قال ﵀:
[ ٨ / ١٧٠ ]
"هذا الحديث يجب على المرء المسلم الإيمان به على ما جاء به من غير أن يعتبره بما جرى عليه عُرف البشرِ، فيقع في الارتياب؛ لأنه أمرٌ مصدره عن قدرة الله ﷾ وحُكمه، وهو مجادلة بين ملك كريم، ونبي كليم، كلُّ واحد منهما مخصوص بصفة خرج بها عن حكم عوامِّ البشر، ومجاري عاداتهم في المعنى الذي خُصَّ به، فلا يعتبر حالهما بحال غيرهما، قد اصطفى الله ﷾ موسى برسالاته وبكلامه، وأيده بالآيات الظاهرة، والمعجزات الباهرة، كاليد البيضاء، والعصا، وانفلاق البحر، وغيرهما مما نطق به القرآن، ودلّت عليه الآثار، وكل ذلك إكرام من الله ﷿ أكرمه بها، فلما دنت وفاته- وهو بشرٌ يكره الموت طبعًا، ويجد ألمه حسًا-؛ لطف له بأن لم يفاجئه به بغتة، ولم يأمر الملك الموكل به أن يأخذه به قهرًا؛ كن أرسله إليه منذرًا بالموت، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشرٍ، فلما رآه موسى استنكر شأنه، واستوعر مكانه، فاحتجز منه دفعًا عن نفسه بما كان من صكه إياه، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في الصورة البشرية التي جاءه فيها، دون الصورة الملكية التي هو مجبول عليها، وقد كان في طبع موسى - ﵌ - حمِيَّةٌ وحِدّةٌ على ما قص الله علينا من أمره في كتابه من وكزه القبطي، وإلقائه الألواح، وأخذه برأس أخيه يجره إليه.
وروي أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارًا، وقد جرت سنة الدين بدفع من قصدك بسوء، كما جاء في الحديث: «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم حلّ لهم أن يفقأوا عينه»، فلما نظر موسى إلى شخص في صورة بشر هجم عليه يُريد نفسه، ويقصد هلاكه، وهو لا يثبته، ولا يعرفه أنه رسول ربه؛ دفعه عن نفسه، فكان فيه ذهاب عينه، فلما عاد الملك إلى ربه، ردّ الله إليه عينه، وأعاده رسولًا إليه؛ ليعلم نبي الله ﵇- إذا رأى صحة عينه المفقوءة- أنه رسول الله بعثه لقبض
[ ٨ / ١٧١ ]
روحه، فاستسلم حينئذٍ لأمره، وطاب نفسًا بقضائه، وكلُّ ذلك رفق من الله ﷿، ولطف منه في تسهيل ما لم يكن بد من لقائه، والانقياد لمورد قضائه، قال: وما أشبه معنى قوله:"ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت " بترديده رسوله ملك الموت إلى نبيه موسى ﵇، فيما كرهه من نزول الموت به، وقد ذكر هذا المعنى أبو سليمان الخطابي في كتابه ردًا على من طعن في هذا الحديث وأمثاله من أهل البدع والملحدين أبادهم الله، وكفى المسلمين شرهم ".
"الصحيحة" (٧/ ٢/٨٢٦ - ٨٣٥).
[١٢٨٩] باب منه
سؤال: يقول السائل: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﵌ -: «إن موسى ﵇ لطم عين ملك الموت فأعوره» سمعت أحد العلماء يضعف إخراج هذا الحديث، ويقول: إن الرائحة الإسرائيلية لتفوح من هذا الحديث، فكيف نرد عليهم، وهل يجوز أن نسمي ملك الموت عزرائيل، وهل هناك رواية صحيحة على أن اسمه عزرائيل، وكيف يجوز لنبي أن يضرب ملكًا، مع العلم بأن مَلَك الموت شديد، وهل أذن الله ﷾ لموسى ﵇ بذلك؟
الشيخ: هذا السؤال له شعبتان: الشعبة الأولى: تتعلق بحديث لطم موسى ﵇ للملك حتى فقأ عينه.
والشعبة الأخرى: هي هل صح أن ملك الموت يسمى بعزرائيل كما هو شائع عند كثير من الناس، نجيب عن هذا الشق الثاني: لأن الجواب فيه مختصر لنعود إلى الجواب عن الشق الأول: لم يصح عن النبي - ﵌ - إطلاقًا تسمية ملك الموت
[ ٨ / ١٧٢ ]
بعزرائيل، فقد جاء في كثير من الأحاديث اسم جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، هذا ثابت لكن تسمية ملك الموت بعزرائيل فليس له أصل في السنة فضلًا عن القرآن الكريم.
نعود إلى الجواب عن الشق الأول من السؤال وهو حديث ملك الموت، وتضعيف من ضعفه من العلماء، بين يدي الجواب أريد أن أذكركم بقاعدة علمية معترف بها حتى عند من ليس مسلمًا، هذه القاعدة العلمية: هي أنه لا يجوز لمن كان جاهلًا بعلم أن يتكلم فيه؛ لأنه يخالف نصوصًا من الكتاب والسنة من ذلك قول ربنا ﵎: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء:٣٦] فالذي يريد أن يتكلم في الطب مثلًا لا يجوز أن يتكلم إذا كان مفسرًا؛ لأن الطب ليس من عمله، كما أن هذا الطبيب المختص في مهنته لا يجوز أن يتكلم في التفسير أو في الفقه أو في غير ذلك؛ لأن هذا وذاك إذا تكلما في غير اختصاصهما فقد قفا ما لا علم له به، ويكون قد خالف النص القرآني السابق.
هذا أظن من الأمور التي يصح أن يذكر معه المثل العربي القديم: هذا أمر لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان، أي: أنه لا يجوز أن يتكلم في علم ما إلا أهل الاختصاص، إذا كان هذا أمرًا مسلمًا وهو كذلك عدنا إلى هذا الحديث أو غيره، من الذي يتكلم فيه، آلطبيب مثلًا؟ الجواب طبعًا: لا، آلكيمائي مثلًا؟ الجواب: لا، أسئلة كثيرة كثيرة نقترب من الحقيقة، آلمفسر؟ الجواب: لا، آلفقيه؟ الجواب: لا، إذًا: من الذي يتكلم؟ إنما هو العالم بالحديث، وعلماء الحديث كانوا كما قيل ..
كانوا إذا عدو قليلًا فصاروا اليوم أقل من القليل
[ ٨ / ١٧٣ ]
ولذلك فلا يجوز لطلاب العلم أن يتورطوا بكلمة تنقل عن عالم لا نعرف هوية واختصاص هذا العالم إذا ما قال: الحديث الفلاني ضعيف، هذه قاعدة يجب أن نلتزمها دائمًا وأبدًا، ومن عجائب المصائب التي حلت في الأمة من الغفلة يالقواعد العلمية المبثوثة في الكتاب والسنة أنهم يبتعدون عنها كل البعد، وإذا جاء دور ما يتعلق بما يخص أنفسهم تجدهم يحققون مثل ذلك النص القرآني الذي يلزم المسلمين أن يرجعوا إلى أهل الاختصاص، مثلًا إذا أصاب أحدنا أو أحد من يخصنا مرضٌ ما فهو لا يذهب إلى أي طبيب وإنما قبل كل شيء يسأل عن المختص في ذاك المرض، ثم يتابع السؤال والبحث والتحقيق عن الطبيب الماهر المختص في ذلك المرض حينذاك يذهب إليه ويعرض نفسه أو حبيبه عليه، أما فيما يتعلق بالدين فأصبح الأمر فوضى لا نظام له (١)، ذلك أن الناس اليوم كلما رأوا إنسان يدندن حول بعض المسائل الفقهية أو حول بعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية ظنوا أنه عالم زمانه فيتوجهون في الأسئلة فيقعون في المحذور الذي جاء ذكره في الحديث الأول ألا وهو قوله ﵇: «قتلوه قاتلهم الله، ألا سألوا - أي: أهل العلم - فإنما شفاء العي السؤال» (٢).
بعد هذا أعود لأقول: أي إنسان يتكلم في غير اختصاصه لا يجوز له ذلك، وبخاصة إذا تبين أن كلامه مخالف لأهل الاختصاص في العلم الذي تكلم هو فيه بغير علم، فحديث لطم موسى ﵇ لملك الموت حديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي
_________________
(١) "صحيح الجامع" (رقم٤٣٦٢).
(٢) "صحيح الجامع" (رقم٤٣٦٢).
[ ٨ / ١٧٤ ]
- ﵌ -: «جاء ملك الموت إلى موسى ﵊ فقال له: أجب ربك» يعني: سلم لي نفسك وروحك، فما كان من موسى ﵇ إلا أن لطمه تلك اللطمة ففقأ عينه، فرجع الملك -ملك الموت- إلى ربه، قال: يا رب! أرسلتني إلى عبد يكره الموت، فقال الله له: عد إليه وقل له: إن ربك يقول لك: ضع يدك على جلد ثور فلك من العمر من السنين بعدد كل الشعرات التي تكون تحت أصابعك، فرجع ملك الموت إلى موسى ﵇ وقال له ما أمره به ربه، قال موسى: وماذا بعد ذلك؟ قال الموت، قال: فالآن، فقبض ملك الموت روح موسى ﵇ في تلك اللحظة.
قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه: «ولو كنت ثمة» أي: حيث قبض ملك الموت روح موسى «لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر» هذا نص الحديث في الصحيحين.
الجواب الآن: يحتاج إلى أن أتكلم في أكثر من مسألة، المسألة الأولى: يتبين بعد ورود هذا الحديث في الصحيحين أن ذلك الذي ضعفه هو الضعيف؛ ذلك لأنه تكلم بغير علم، وفي ظني أن هذا المضعف هو من أولئك الناس الكثيريين الذين يسلطون ويحكمون عقولهم إن لم أقل أهواءهم في الحكم على الأحاديث الصحيحة بأنها ضعيفة وربما قالوا إنها موضوعة، ما الدليل على ما زعموه من الضعف والوضع؟ هو تحكيمهم عقولهم، واتباعهم لأهوائهم: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ﴾ (المؤمنون:٧١) ذلك لأن الإيمان ضعف في صدور كثير من الناس ولو ممن قد ينتمون إلى العلم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى: لم يدرسوا السنة دراسةً واعيةً مستوعبة لطرق الحديث التي من عادتها أنها
[ ٨ / ١٧٥ ]
تزيل ما قد يقع في نفوس البعض من إشكال.
نحن الآن بعد أن بينا أن الذي ضعف الحديث هو الضعيف؛ لأنه خالف أولًا: الإمامين الذين وضعا كتابين يسميان بالصحيحين هما باتفاق علماء السنة أصح كتاب بعد كتاب الله ﵎، صحيح البخاري وصحيح مسلم، وليس هذا فقط بل تلقت الأمة ذلك بالقبول، ولذلك كان كل حديث جاء في الصحيحين لم يتكلم فيه أحد من علماء الحديث الذين كانوا في مرتبة البخاري ومسلم بشيء من النقد، فهذه الأحاديث كلها ثابتة يقينًا عن النبي - ﵌ -، إذًا: فلا نقيم وزنًا لمن يضعف مثل هذا الحديث مهما كان شأنه ومهما ظن الناس فيه علمًا.
أما الإشكال الذي يصوره السؤال: أن ملك الموت كيف يضربه موسى ﵇؟ الجواب: وهذا فيه إشارة لما قلته أن هؤلاء الناس لا يدرسون السنة، الجواب: في رواية في مسند الإمام أحمد بسند صحيح قال: كان ملك الموت يأتي الناس على صورة البشر، فإذًا: ملك الموت لما جاء إلى موسى فقال له: أجب ربك، ما جاءه بالعلامة التي تجعل موسى ﵇ ينتبه إلى أن هذا الذي يقول له: أسلم روحك هو ملك مرسل من الله، فهو جاءه بصورة بشر، وأي إنسان منا لو جاءه شخص ويقول: سلم لي روحك، فماذا سيكون موقفه منه؟ سيكون موقف موسى ﵇ بالذات؛ لأنه يتعدى على وظيفة لملك كريم لا يشاركه فيه الملائكة الآخرون، فكيف إنسان يتقدم إلى بشر مثله ويقول: أسلم روحك، فما كان منه إلا صفعه ففقأ عينه، هذا أمر طبيعي والشبهة تطيح وتزول من أصلها وفصلها حينما نتذكر هذه الرواية الأخرى أن ملك الموت كان يأتي الناس عيانًا بصورة البشر، لذلك ترون في تتمة الحديث أن ملك الموت لما شكا أمره إلى الله وقال له: أرسلتني إلى عبد يكره الموت، أعطاه علامة وقال له: ارجع إلى موسى
[ ٨ / ١٧٦ ]
وقل له: إن ربك يأمرك أن تضع يدك إلى آخر الحديث على جلد ثور فلك من العمر بكل شعرة تحت يدك، لما رجع الملك بهذا البرهان إلى موسى ﵊ قال له: وماذا بعد ذلك؟ قال: الموت، قال: إذًا فالآن قبض روحه تلك الساعة، لماذا استسلم ثانيًا ولم يستسلم أولًا؟ وضح الجواب، أولًا كان الطالب بشرًا من البشر، فكأنه يهزأ، وما كان موسى يعلم أنه ملك من الله مرسل، لذلك ضربه فلما جاء الملك ومعه هذه العلامة من الله ﷿ واطمأن موسى إليها وسأله ذلك السؤال، وأجابه: ما بعد ذلك إلا الموت، قال: فالآن، إذًا: موسى لا يكره الموت ولكنه فقأ عين ذلك الرجل على ظنه أنه بشر من البشر.
فحينما ننظر إلى الحديث بتفسير هذه الرواية التي رواها الإمام أحمد في المسند يطيح الإشكال يبطل قول من قال: أنه ربما يكون هذا الحديث من الإسرائيليات، هذا كلام باطل؛ لأنه حين يقال الراوية الفلانية أو الحديث الفلاني هو من الإسرائيليات فذلك يعني أنه مما كان أهل الكتاب من اليهود والنصارى يتحدثون بينهم ببعض الروايات التي تلقوها عن أسلافهم، وفيها الحق وفيها الباطل لذلك قال ﵇: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم» هذا هو معنى كون الشيء من الإسرائيليات.
ولكن هناك تفصيل لا بد من ذكره لعلمي أن قليلًا ما يقرأ هذا التفصيل في كتب العلماء، الإسرائيليات نسبة إلى رواية قصص تتعلق ببني إسرائيل، تنقسم إلى قسمين: القسم الأول وهو الأكثر رواية وشيوعًا ما كان مرويًا كما ذكرنا آنفًا عن أهل الكتاب، وهذه روايات كثيرة وكثيرة جدًا كقصة مثلًا هاروت وماروت أنه ما كانا ملكين مقربين عند الله ﵎، وأن الله ﷿ لما قال للملائكة: ﴿إِنِّي
[ ٨ / ١٧٧ ]
جَاعِلٌ في الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة:٣٠) قال: الله أراد أن يمتحن هؤلاء الملائكة الذين قالوا: أتجعل فيها، قال: اختاروا ملكين منكم لأنزلهما إلى الأرض ولأبتليهم، فاختار هاروت وماروت، قصة طويلة خلاصتها: أن الله ﷿ كساهم ثوب البشرية فافتتنوا بامرأة فراودها عن نفسها فامتنعت حتى يقتلا غلامًا هناك، فامتنعا لأنهم يعلمون أن هذا حرام، فعرضت عليهم الخمر فشربا الخمر فسكرا وقتلا الغلام وفجرا بالمرأة، فعاقبهم الله ﵎ في الدنيا بأن علقهم في بئر منكسين رؤوسهم إلى أسفل وأرجلهم إلى أعلى ويخرج الدخان من أسفل ويدخل في مناخيرهم ويخرج من أدبارهم.
هذه قصة تروى في تفسير الآية السابقة، هذه من الإسرائيليات، وهي مما تنافي قول الله ﷿ في الملائكة في قوله ﵎: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم:٦) فهذه القصة تنافي مثل هذه الآية التي تصرح أن الملائكة معصومون لا يمكن أن يتصور أنهم يزنون ويقتلون النفس بغير حق إلى آخر ما جاء في تلك الإسرائيليات.
هذا النوع من الإسرائيليات حينما يقال هذا الخبر أو هذه الرواية من الإسرائيليات.
هناك قسم آخر ولو أنه قليل ولكن هذا يجب ألا يساق مساق القسم الأول: هذا القسم الآخر أخبار يتحدث بها رسول الله عن بني إسرائيل، هذه إسرائيليات صحيحة؛ لأن النبي - ﵌ - حدث بها وليست من قبيل ما يرويه أهل الكتاب، والأمثلة في هذا كثيرة، ولا بأس أن نذكِّر بحديث واحد قاله عليه
[ ٨ / ١٧٨ ]
السلام: بينما رجل ممن قبلكم يمشي في فلاة من الأرض، إذ سمع صوتًا من السحاب يقول: اسق أرض فلان، فتعجب الرجل الذي يمشي في الأرض وتوجه مع السحاب حتى رأى السحاب يفرغ مشحونه من المطر في بستان، فأطل هذا الرجل فرأى صاحب البستان يعمل في أرضه، فسلم عليه وكأنه سماه بالاسم الذي سمعه من السماء فتعجب الرجل وقال له: ما علمك؟ فقص عليه القصة أنه سمع هذا الاسم يخاطب به الملائكة السحاب ويأمرون السحاب أن ينطلق إلى هذه الأرض التي أنت تعمل فيها، فبم ذاك؟ [قال]: لا أعلم أمرًا أستحق من الله هذا الإكرام سوى أنني أملك هذه الأرض، فأزرعها ثم أحصدها، فأجعل حصيدها ثلاثة أثلاث: ثلث أعيده إلى الأرض، وثلث أنفقه على نفسي وعيالي، وثلث آخر أتصدق به على الفقراء الذين حولي، فقال له الرجل: فهو هذا، يعني: بقيامك بهذه الواجبات استحققت هذه العناية الإلهية حيث سخر لك السحاب (١).
هذا حديث يتحدث عن بني إسرائيل، لكن من الذي حدث به؟ هو رسول الله - ﷺ - الموصوف في القرآن الكريم بأنه لا ينطق الهوى .. ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم:٤) فإذًا هذا الحديث ما دام جاء في الصحيحين، وعن النبي - ﷺ - قال: وذكر الحديث، فإذًا: لا يجوز لنا أن نقول: هذا من الإسرائيليات بالمعنى، وإذا كان ولا بد فنقيد ذلك بأنه من الإسرائيليات لكن النبي صهو الذي تكلم به
"فتاوى الإمارات" (١٢/ ٠٠:٠٠:٣٧)
_________________
(١) "صحيح مسلم" (رقم٧٦٦٤).
[ ٨ / ١٧٩ ]
[١٢٩٠] باب كيف رأى نبينا - ﷺ - موسى ﵇ يصلي ليلة الإسراء والمعراج؟
سؤال: شيخنا الفاضل بارك الله فيك، بالنسبة للحديث الذي يقول فيه المصطفى - ﵌ -: «رأيت موسى عند الكثيب الأحمر قائمًا يصلي» يعني: الحديث هذا صحيح؟
الشيخ: أي نعم.
السائل: بالنسبة قائمًا يصلي كيفية القيام لا نسأل عنها؟
الشيخ: وأنت هل يجوز أن تسأل عن كيفية القيامة؟
السائل: لا بارك الله فيك.
الشيخ: فهذا القيام كالقيامة.
"الهدى والنور" (/٢٩٠/ ٥٣: ٠٠: ٠١)
[ ٨ / ١٨٠ ]
(الخضر ﵇)
[١٢٩١] باب إثبات نبوة الخضر ﵇
[قال الإمام]:
لقد أشار المؤلف الفاضل في أول كتابه [أي كتاب الأستاذ أحمد بن عبد العزيز الحصين "جزيرة فيلكا وخرافة أثر الخضر فيها"] إلى اختلاف العلماء في نبوة الخضر ﵊ فقال «والراجح من أقوالهم أنه ليس نبيًا».
ولما كان هذا القول مرجوحًا عند العلماء المحققين، فقد رأيت أن أذكر شيئًا من أقوالهم وأدلتهم، تنبيهًا وتذكيرًا، فأقول:
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في أول رسالته «الزهر النضر»:
«باب ما ورد في كونه نبيًا، قال الله تعالى في خبره عن موسى حكاية عنه: ﴿وما فعلته عن أمري﴾، وهذه ظاهرة أنه فعله بأمر من الله، والأصل عدم الوساطة، ويحتمل أن يكون بوساطة نبي آخر لم يذكره، وهو بعيد، ولا سبيل إلى القول بأنه إلهام، لأن ذلك لا يكون من غير نبي وحيًا حتى يعمل به ما عمل؛ من قتل النفس، وتعريض الأنفس للغرق. فإن قلنا: إنه نبي، فلا إنكار في ذلك.
وأيضًا، كيف يكون غير النبي أعلم من النبي، وقد أخبر النبي - ﵌ - في الحديث الصحيح (١): «أن الله تعالى قال لموسى: بلى عبدنا خضر»؟!.
_________________
(١) أخرجه الشيخان، وهو في كتابي «مختصر صحيح البخاري» برقم (٥٧)، وفي لفظ لهما. [منه].
[ ٨ / ١٨١ ]
وأيضا فكيف يكون النبي تابعًا لغير نبي؟! وقال الثعلبي: هو نبي في جميع الأقوال.
وكان بعض أكبر العلماء يقول: أول عقدة تحل من الزندقة اعتقاد كون الخضر نبيًا، لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي إلى أن الولي أفضل من النبي! كما قال قائلهم (١):
مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون النبي
قلت: وهناك آية أخرى تدل على نبوته ﵊، وهي قوله تعالى في: ﴿آتيناه رحمة من عندنا﴾، فقد ذكر العلامة الآلوسي في تفسيرها ثلاثة أقوال، أشار إلى تضعيفها كلها، ثم قال:
«والجمهور على أنها الوحي والنبوة، وقد أطلقت على ذلك في مواضع من القرآن، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم عن ابن عباس، والمنصور ما عليه الجمهور، وشواهده من الآيات والأخبار كثيرة، وبمجموعها يكاد يحصل اليقين» (٢).
قلت: ولقد صدق رحمه الله تعالى، فإن المتأمل في قصته مع موسى عليهما الصلاة والسلام يجد أن الخضر كان مظهرًا على الغيب وليس ذلك لأحد من الأولياء، بدليل قوله تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحدًا إلا من ارتضى من رسول﴾، وذلك ظاهر في مواطن عدة من القصة، أذكر ما تيسر منها:
_________________
(١) قلت: هو ابن عربي صاحب «الفصوص» و«الفتوحات المكية» [منه]
(٢) روح المعاني (٥/ ٩٢ - ٩٣). [منه]
[ ٨ / ١٨٢ ]
١ - قوله لموسى عندما طلب منه الصحبة ﴿إنك لن تستطيع معي صبرا﴾ فهذا الجزم منه ﵇ لدليل واضح على أنه كان على علم بذلك، ولم يكن من باب الظن والتخرص منه، حاشاه، ويؤيده زيادة جاءت في بعض طرق الحديث عقب هذه الآية بلفظ:
«وكان رجلًا يعلم علم الغيب، قد علم ذلك» (١).
٢ - ومثله قوله في تأويله قتل الغلام:
«وأما الغلام فطبع يوم طبع كافرًا، وكان أبواه قد عطفا عليه، فلو أنه أدرك، أرهقهما طغيانًا وكفرًا، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا». زاد في رواية: «ووقع أبوه على أمه فعلقت فولدت منه خيرًا منه زكاة وأقرب رحمًا» (٢).
وإخباره ﵇ أن الغلام طبع كافرًا، وأن أباه وقع على أمه فحملت وولدت خيرًا منه، لهو من الأمور الغيبية المحضة التي لا مجال للاطلاع عليها إلا من طريق النبوة والوحي، فذلك من أقوى الأدلة على أنه كان نبيًا، إن لم يكن رسولا.
٣ - ومن ذلك قوله - ﵌ -: «لما لقي موسى الخضر ﵉، جاء طير، فألقى منقاره في الماء فقال الخضر لموسى: تدري ما يقول هذا الطير؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول:
ما علمك وعلم موسى في علم الله إلا كما أخذ منقاري من الماء» (٣).
_________________
(١) الدر المنثور (٤/ ٢٣١). [منه]
(٢) أخرجه مسلم، والزيادة لعبد الله بن أحمد (٥/ ١١٨ - ١١٩). [منه]
(٣) رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي والسيوطي وهو مخرج في «الصحيحة» (٢٤٦٧) [منه].
[ ٨ / ١٨٣ ]
فهذا صريح في أن الخضر، قد علم منطق الطير، وهو من الغيب الذي لا يعلمه البشر، فهو في هذا على نحو النبي سليمان ﵊ الذي حكى الله عنه في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ (النمل:١٦).
وخلاصة القول في هذه المسألة أن الأدلة المتقدمة إذا تأملها المسلم ووعاها بقلبه، تيقن أن الصواب القول بنبوة الخضر كما ذهب إليه جمهور العلماء ولذلك فعل ما فعل من العجائب التي لم يصبر لها موسى ﵊، وهو كليم الله تعالى، وبه نستطيع أن نحل تلك العقدة من الزندقة التي أشار إليها الحافظ ابن حجر فيما سبق، ونحوها مما يعتقده كثير من الصوفية من الاعتقاد بالظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة التي أفسد عقيدة كثير من الخاصة فضلًا عن العامة، فاعتقدوا الصلاح بل الولاية في كثير من الفساق الذين لا يصلون ولا يشهدون جماعات المسلمين ولا أعيادهم بدعوى الظاهر، وأنهم في الباطن من كبار أولياء الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، وما قصة شيخ الإسلام ابن تيمية مع البطائحية الذين كانوا يتظاهرون في دمشق بالولاية والكرامة في زمانه حتى نصره الله عليهم، وقضى على باطنهم وباطلهم عن القارئ ببعيد.
﴿إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق:٣٧).
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
دمشق ٩ ربيع الأول سنة ١٣٩٤
محمد ناصر الدين الألباني
"حياة الألباني" (١/ ٤٢٦ - ٤٢٩).
[ ٨ / ١٨٤ ]
[١٢٩٢] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«ألا أحدثكم عن الخضر؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: بينما هو ذات يوم يمشي في سوق بني إسرائيل؛ أبصره رجل مكاتب. فقال: تصدق علي بارك الله فيك! فقال الخضر: آمنت بالله، ما شاء الله من أمر يكون، ما عندي شيء أعطيكه. فقال المسكين: أسألك بوجه الله! لما تصدقت علي؛ فإني نظرت السيماء (وفي رواية: سيماء الخير) في وجهك، ورجوت البركة عندك! فقال الخضر: آمنت بالله، ما عندي شيء أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني! فقال المسكين: وهل يستقيم هذا؟! قال: نعم، الحق أقول؛ لقد سألتني بأمر عظيم، أما إني لا أخيبك بوجه ربي؛ بعني! قال: فقدم إلى السوق فباعه بأربع مئة درهم، فمكث عند المشتري زمانًا لا يستعمله في شيء، فقال له: إنك إنما ابتعتني التماس خير عندي، فأوصني بعمل؟ قال: أكره أن أشق عليك؛ إنك شيخ كبير. قال: ليس يشق علي. قال: فقم وانقل هذه الحجارة، وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم. فخرج الرجل لبعض حاجته؛ ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة! قال: أحسنت وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه. قال: ثم عرض للرجل سفر، فقال: إني أحسبك أمينًا، فاخلفني في أهلي خلافة حسنة. قال: فأوصني بعمل. قال: إني أكره أن أشق عليك. قال: ليس يشق علي. قال: فاضرب من اللبن لبيتي حتى أقدم عليك. قال: فمضى الرجل لسفره. [قال:] فرجع الرجل وقد شيد بناءه! فقال: أسألك بوجه الله! ما سبيلك وما أمرك؟ قال: سألتني بوجه الله، ووجه الله أوقعني في العبودية. فقال الخضر: سأخبرك من أنا؟ أنا الخضر الذي سمعت به؛ سألني [رجل] مسكين صدقة، فلم يكن عندي
[ ٨ / ١٨٥ ]
شيء أعطيه، فسألني بوجه الله، فأمكنته من رقبتي، فباعني. وأخبرك أنه من سئل بوجه الله، فرد سائله وهو يقدر؛ وقف يوم القيامة [ليس على وجهه] جلد ولا لحم؛ إلا عظم يتقعقع. فقال الرجل: آمنت بالله، شققت عليك يا نبي الله! ولم أعلم. قال: لا بأس؛ أحسنت وأبقيت. فقال الرجل: بأبي أنت وأمي يا نبي الله! احكم في أهلي ومالي بما أراك الله، أو أخيرك؛ فأخلي سبيلك؟ فقال: أحب أن تخلي سبيلي؛ فأعبد ربي. فخلى سبيله. فقال الخضر: الحمد لله الذي أوقعني في العبودية؛ ثم نجاني منها»
(ضعيف)
[قال الإمام]:
ونبوة الخضر ليست بحاجة في إثباتها إلى مثل هذا الحديث؛ بعد قوله تعالى في القرآن حكاية عن الخضر: ﴿وما فعلته عن أمري﴾، وغير ذلك من الأدلة المعروفة.
"الضعيفة" (١١/ ٢/٥٨٠ - ٥٨١، ٥٨٥).
[١٢٩٣] باب هل كان الخضر حيًاّ في حياة نبينا - ﵌ -؟
[عن علي بن الحسين قال]:
«لما مرض رسول الله - ﵌ -؛ جاءه جبريل ﵇ فقال: يا محمد! أرسلني الله ﷿ إليك؛ تكريمًا لك، وتشريفًا لك، وخاصة لك، أسألك عما هو أعلم به منك: يقول: كيف تجدك؟ قال: أجدني - يا جبريل - مغمومًا، وأجدني - يا جبريل -؛ مكروبًا. ثم جاءه اليوم الثاني، فقال ذلك له، فرد عليه النبي - ﵌ - كما رد عليه أول يوم. ثم جاءه اليوم الثالث، فقال له كما قال أول يوم،
[ ٨ / ١٨٦ ]
ورد عليه كما رد. وجاء معه ملك يقال له: إسماعيل على مئة ألف ملك، كل ملك منهم على مئة ألف ملك؛ فاستأذن فسأل عنه؛ ثم قال جبريل: هذا ملك الموت؛ يستأذن عليك، ما استأذن على آدمي قبلك ولا يستأذن على آدمي بعدك. فقال رسول الله - ﵌ -: ائذن له. فأذن له، فسلم عليه، ثم قال: يا محمد! إن الله ﷿ أرسلني إليك، فإن أمرتني أن أقبض روحك قبضته، وإن أمرتني أن أتركه تركته. قال: أو تفعل يا ملك الموت؟! قال: نعم؛ بذلك أمرت، وأمرت أن أطيعك! قال: فنظر النبي - ﵌ - إلى جبريل ﵇، فقال جبريل: يا محمد! إن الله ﷿ اشتاق إلى لقائك. فقال النبي - ﵌ - لملك الموت: امض لما أمرت به. فقبض روحه. فلما توفي رسول الله - ﵌ - وجاءت التعزية؛ سمعوا صوتًا من ناحية البيت: سلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته! إن في الله عزاءً من كل مصيبة؛ وخلفًا من كل هالك، ودركًا من كل ما فات، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا: فإنما المصاب من حرم الثواب! فقال علي ﵇: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر ﵇».
(موضوع)
[ثم أورد الإمام طرق الحديث مبينا وهاءها ثم قال]:
وإذا عرفت طرق هذا الحديث وشدة ضعفها؛ فمن الغريب اعتماد شيخ الإسلام ابن تيمية على الطريق الأولى في ميله في فتوى له إلى القول بحياة الخضر في حياته - ﵌ -! فقد سئل عنها في استفتاء له، فأجاب بقوله: "وأما حياته؛ فهو حي، والحديث المذكور: "لو كان حيًا لزارني"؛ لا أصل له، ولا يعرف له إسناد، بل المروي في "مسند الشافعي" وغيره: أنه اجتمع بالنبي - ﵌ -، ومن قال: إنه لم يجتمع بالنبي - ﵌ -؛ فقد قال ما لا علم له به؛ فإنه من العلم الذي لا يحاط به "!! قلت: وهذه الفتوى كأنها كانت منه قبل أن يتمكن من العلم الصحيح؛ فإن أكثر
[ ٨ / ١٨٧ ]
فتاويه على خلافها، وأن الخضر مات، وأنه لو أدرك النبي - ﵌ - لوجب عليه أن يأتيه وينصره، كما بينت ذلك من كلامه في مقدمتي لكتاب "رفع الأستار لإبطال أدلة القائلين بفناء النار" للإمام الصنعاني.
"الضعيفة" (١١/ ٢/٦٤١ - ٦٤٢، ٦٤٥).
[١٢٩٤] باب كل أحاديث حياة الخضر موضوعة
[قال الإمام]:
كل حديث فيه حياة الخضر إلى عهده - ﷺ - لا يصح.
"تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٦٨٥).
[قال الإمام]:
كل ما يروى عن بقاء الخضر حيًّا هو باطل موضوع، كما بين ذلك الإمام ابن القيم في رسالة "المنار المنيف" (ص٦٧ - ٧٦).
"مختصر صحيح مسلم" (ص٦).
[١٢٩٦] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«إن الخضر في البحر، واليسع في البر، يجتمعان كل ليلة عند الردم الذي بناه ذو القرنين بين الناس وبين يأجوج ومأجوج؛ يحجان ويعتمران كل عام، ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل».
[ ٨ / ١٨٨ ]
[قال الإمام]:
هو حديث موضوع؛ ككل أحاديث حياة الخضر ﵇، على ما حققه العلماء الأجلاء؛ كشيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أورد ابن الجوزي طائفة كبيرة منها في " الموضوعات ".
"الضعيفة" (١٢/ ١/٣٨).
[١٢٩٧] باب منه
[قال الإمام عن القول بحياة الخضر]:
ليس على ذلك دليل صحيح من السنة، بل الأدلة العامة تشهد أنه خلا ومات كما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من المحققين.
"مختصر صحيح مسلم" (ص٥٣٩).
[ ٨ / ١٨٩ ]
(داود ﵇)
[١٢٩٨] باب بطلان قصة افتتان داود ﵇
بنظره إلى امرأة الجندي أوريا
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«كان خطيئة داود ﵇ النظر».
(موضوع)
[قال الإمام]:
رواه الديلمي بسنده عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن الحسن عن سمرة قال: قدم على النبي - ﵌ - وفد عبد القيس، وفيهم غلام ظاهر الوضاءة، فأجلسه النبي - ﵌ - خلف ظهره وقال: فذكره.
قال ابن الصلاح في " مشكل الوسيط ": لا أصل لهذا الحديث.
وقال الزركشي في " تخريج أحاديث الشرح ": هذا حديث منكر، فيه ضعفاء، ومجاهيل، وانقطاع، قال: وقد استدل على بطلانه بقوله - ﵌ -: " إني أراكم من وراء ظهري "، كذا في " ذيل الأحاديث الموضوعة " للسيوطي (ص ١٢٢ - ١٢٣) و" تنزيه الشريعة " لابن عراق (٣٠٨/ ١ - ٢).
قلت: والاستدلال المذكور فيه نظر، لأن رؤية النبي - ﵌ - من خلفه إنما هي في حالة الصلاة كما تدل عليه الأحاديث الواردة في الباب، وليس هناك ما يدل
[ ٨ / ١٩٠ ]
على أنها مطلقة في الصلاة وخارجها، فتأمل وقصة افتتان داود ﵇ بنظره إلى امرأة الجندي أو ريا مشهورة مبثوثة في كتب قصص الأنبياء وبعض كتب التفسير، ولا يشك مسلم عاقل في بطلانها لما فيها من نسبة ما لا يليق بمقام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل محاولته تعريض زوجها للقتل، ليتزوجها من بعده! وقد رويت هذه القصة مختصرة عن النبي - ﵌ - فوجب ذكرها والتحذير منها وبيان بطلانها وهي:
«إن داود النبي ﵇ حين نظر إلى المرأة فهم بها قطع على بني إسرائيل بعثًا وأوحى إلى صاحب البعث فقال: إذا حضر العدو فقرب فلانًا، وسماه، قال: فقربه بين يدي التابوت، قال: وكان ذلك التابوت في ذلك الزمان يستنصر به، فمن قدم بين يدي التابوت لم يرجع حتى يقتل أو ينهزم عنه الجيش الذي يقاتله، فقتل زوج المرأة، ونزل الملكان على داود فقصا عليه القصة» باطل.
"الضعيفة" (١/ ٤٨٣ - ٤٨٥).
[ ٨ / ١٩١ ]
(سليمان ﵇)
[١٢٩٩] باب مدى صحة تعبير: "قبض على خاتم سليمان"
الشيخ: «قبض على خاتم سليمان» تعبير خطأ.
مداخلة: نعم.
الشيخ: تعبير خطأ يشير إلى خرافة راسخة في أذهان الناس لأن عامة الناس يعتقدوا أن مُلك سليمان كان في خاتمه.
مداخلة: مشهور جدًا هذا بين الناس على كل طبقاتهم.
الشيخ: آه، وبناءً على ذلك تروى الخرافة المعروفة وهي: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ﴾ (ص:٣٤).
ألقينا على كرسيه جسدًا، هي الآية تتعلق بالحديث الصحيح، قال سليمان ﵇: «لأطوفن الليلة على مائة امرأة تأتي كل امرأة منها بفارس أو ولد يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل إن شاء الله. فنسي ولم يقل، فلم تأت امرأة منهن إلا بشق ولد» (١).
هذا الشق الولد ألقي على كرسي السلطان الدنيا، كلها في ملكه، هذا التفسير الصحيح، فسروا هذه الآية بقصة خبيثة جدًا وهي: أن سليمان ﵇ كان
_________________
(١) "صحيح البخاري" (رقم٢٦٦٤) و"صحيح مسلم" (رقم٤٣٧٦).
[ ٨ / ١٩٢ ]
يصطاد يومًا السمك على ساحل البحر فسقط الخاتم منه فالتقطته سمكة، أخذ الخاتم من السمكة شيطان من شياطين الجن فوضعه في أصبعه فخضع ملك سليمان له وهو صار غريبًا عن ملكه، وجلس الشيطان على كرسي سيلمان يحكم بين الناس كما يشتهي ويشاء، وصار يدخل على نساء سليمان بصورة سليمان.
هنا يبدأ الخُبْث الذي لا خُبث بعده بالنسبة للأنبياء، واستمر برهة من الدهر وهو هكذا يظن الناس أنه سليمان حتى نساؤه، وأنه يأتي نساءه حتى استنكرت إحداهن من أمره، لما سئلن قلن: والله نحن نستغرب أنه يأتينا في حالة الحيض، فثاروا عليه حينئذ المجلس الذي كان يحكمهم سليمان ﵇. إي نعم.
لا، أنا لبعد العهد يمكن ما حكيت القصة من عشرين سنة، خلطت شوية ولا مؤاخذة، سليمان دخل يتوضأ فخلع ماذا؟
مداخلة: الخاتم.
الشيخ: الخاتم، فجاء الشيطان سرقه وماذا؟ وتسلط كما قلنا على الملك، إي نعم. فلما يعني طرد الشيطان بعد أن انكشف حاله التقطته السمكة فهو اصطادها وإذا بها لما يشقها يجد فيها الخاتم فيضعه في خاتمه فيعود السلطان إليه، سخافة، مع سخافتها فيها النكارة الشديدة هذه.
"الهدى والنور" (٣١١/ ٣٦: ٠٤: ٠٠)
[ ٨ / ١٩٣ ]
(عيسى ﵇)
[١٣٠٠] باب عقيدة رفع عيسى ﵇
وحكم الصلاة خلف من ينكرها
السائل: يا شيخ هل تجوز الصلاة خلف إمام يستغيث بالرسول - ﵌ - كوسيلة.
الشيخ: ﵊.
مداخلة: ﵊.
وهل يجوز كذلك الأمر أنه يستبيح لنفسه أنه يميل إلى الحكم الذي يقول فيه: إنه عيسى ﵇ لم يُرفع جسديًا إلى السماء، بل رفع مقدارًا، وكذلك الأمر يستبيح لنفسه بالقول أنه يقرأ على اللوح المحفوظ في المنام رؤيةً، هل تجيز الصلاة خلفه؟
الشيخ: تجوز الصلاة خلفه ما دمت أو دمنا نحكم بإسلامه، فإذا أخرجناه من دائرة الإسلام فحينئذ لا تجوز الصلاة.
فأنت في حدود معرفتك بالشرع أولًا، ومعرفتك بالشخص ثانيًا: هو لا يزال في دائرة الإسلام ولَّا ارتد عن الإسلام؟
لا زال في دائرة الإسلام ورجع وقال لي: لا تخبر شيوخك بالذي أنا قلته إياك، ، بالطبع خضع في القول عاود من جديد، كان في الأول موقفه حازم
[ ٨ / ١٩٤ ]
وبعدين رجع يحكي لي: لا تخبر شيوخك بالذي حصل حتى لا يكفروني أو يفهموني خطأ، أنا برائي رؤية في المنام شيء حصل معاي.
الشيخ: معليش هذه جزء مما ذكرت،
مداخلة: أنا أحكي الرؤية في المنام.
أما هو يميل إلى أنه عيسى ﵇ لم يرفع نبيًا إلى السماء، بل رفع مقدارًا، إني رافعك.
الشيخ: نعم.
الشيخ: المهم يا أخي خذ القاعدة واسترح: كل إنسان أصله مسلم، ثم ارتكب مخالفة شرعية، هذه المخالفة تخرجه من دائرة الإسلام والمسلمين، ولا تصح الصلاة خلفه، ولكن يجب أن نعلم أنه ليس كل مسلم وقع في الكفر وقع الكفر عليه، عرفت كيف؟ ليس كل من وقع في الكفر، وقع الكفر عليه وتلبسه الكفر وأحاط به بحيث أنه خرج من دائرة الإسلام.
فهذه هي القاعدة وتطبيق هذه القاعدة لا يستطيع عامة الناس أن يطبقوها على أي إنسان، وإنما هذا يحتاج إلى علماء عارفين بالكتاب والسنة، ويكون عنده شيء من الروية والتؤدة والتأني بحيث أنه ما في عنده الإفراط والتفريط، ما عنده أن كل المسلمين كما يقولون على خير، ولا أنه من قال كذا فقد كفر وارتد عن الدين بدون ما يعرف أحواله، هل هو معذور هل هو جاهل، هل هو عالم إلى آخره.
ولذلك فأنا أقول لعامة المسلمين من أمثالك: أنه هذا الذي أنت تسأل عنه في حدود معرفتك أنت مسلم ولَّا كافر؟ لا والله مسلم إذًا: الصلاة جائزة، لا والله هذا ليس مسلمًا عندي، أقول لك حينئذ: أنت احتياطًا لا تصلي وراءه، لكن معناها من
[ ٨ / ١٩٥ ]
جهة أخرى: لازم تحتاط ما تبادر إلى تكفيره، ستكون أنت مخطئ في تكفيره؛ لأنك لست من أهل العلم عرفت كيف؟ فإذا غلب على ظنك أنه هذا كَفَرَ، لا تصلي وراءه وتصلي خلف إمام لا تشك في إسلامه وإيمانه.
لكن لا تقطع بكفره ما دمت لست من أهل العلم.
"الهدى والنور" (٣٤٣/ ٠٠: ١٥: ٠٠)
[١٣٠١] باب مِن حِكَمِ عيسى ﵇
[تكلم الشيخ حول عدم أهمية تسمية الاثنتين وسبعين فرقة لأنهم يُعْرَفُون بثمارهم، ثم قال]:
الشيخ: هذا يذكرني بحكمة إنجيلية، وبتعرفوا أن الإنجيل كتاب من الكتب المقدسة كما يقولون اليوم، والتي أنزلها الله ﷿ على عيسى ﵇.
مداخلة: كما يزعمون
الشيخ: لا مش كما يزعمون، استغفر ربك، هذا حق، ولكن الذي ينبغي أن يقال: لكنهم حرفوه وغيروه وبدلوه، أما النزول فهذه حقيقة.
والذي أردت أن أصل إليه أن مع هذا التغيير فقد بقيت فيه أشياء وأشياء نافعة، من ذلك: أن عيسى ﵇ وعظ يومًا الحواريين كما هي عادته، والإنجيل في الحقيقة على ما وصل إلينا أكثره مواعظ ونصائح، فمن هذه النصائح أنه حذرهم بعد أن أخبرهم بمجيء أنبياء ويأتي هؤلاء الأنبياء هم أنبياء كذبه لكن يأتي خاتم الأنبياء وهو محمد ابن عبد الله وهو خاتم الأنبياء؛ فإياكم ومدعي النبوة كذبًا، فقالوا له: كيف نعرفهم؟ هنا الشاهد في جواب عيسى: "من ثمارهم
[ ٨ / ١٩٦ ]
تعرفونهم"، من ثمارهم تعرفونهم، أنه يجي يسميلي إياهم ويصفهم لهم بأعيانهم هذه شغله لا يمكن حصرها، ولكن من ثمارهم تعرفونهم أي من كذبهم ودجلهم على الناس ومحاولة التسلط على أموالهم، بل هو في كثير من الأحيان على أعراض نسائهم، فمن ثمارهم تعرفونهم فاجتنبوهم ولا تؤمنوا إلا بالنبي الصادق وهو أحمد بن عبد الله - ﵌ - وعلى الأنبياء جميعًا.
مداخلة: لكن ما أظن شيخنا أن هذا موجود في الإنجيل؟
الشيخ: هو ما أدري الحقيقة لكن هذا يُروى عن الإنجيل، أم هل هو موجود؟ أنا كنت قرأت طبعًا قديمًا التوراة والإنجيل، لكن قرأتُ مرةً واحدة للإطلاع، ففي ذهني بعض الأشياء وأكثرها ذهبت مع الرياح، أما هذا فيذكر في كتبنا على أنه من مواعظ عيسى ﵇ للحواريين.
" الهدى والنور" (٢٦٥/ ٢٤: ٠٣: ٠٠)
[ ٨ / ١٩٧ ]
[١٣٠٢] باب هل خالد بن سنان نبي؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«ذاك نبي ضيعه قومه، يعنى خالد بن سنان»
(لا يصح)
[قال الإمام]:
قلت: ومع ضعف الحديث فإنه معارض كما قال الهيثمي (٨/ ٢١٤) للحديث الصحيح: " أنا أولى الناس بعيسى بن مريم، الأنبياء إخوة لعلات، وليس بيني وبينه نبي " رواه البخاري في " صحيحه " (٦/ ٣٨٠) ومسلم (٧/ ٩٦).
"الضعيفة" (١/ ٤٤٩ - ٤٥٠).
[ ٨ / ١٩٨ ]
(محمد - ﵌ -)
جماع أبواب
لوازم الإيمان بنبوة محمد - ﷺ - ومقتضيات شهادة أن محمدًا رسول الله
[ ٨ / ١٩٩ ]
[١٣٠٣] باب لوازم الإيمان برسالة محمد - ﵌ -
[قال الإمام]:
[الإيمان بكونه]- ﵌ - رسولًا اصطفاه الله تعالى، وخصه بالوحي وأطلعه على بعض المغيبات، .. ذلك يستلزم الإيمان بكل ما قاله - ﵌ -، وصح عنه من التشريعات والأخبار بالمغيبات، سواء كان ذلك موافقًا لعلقك، أو بعيدًا عن فهمك وعقلك، يجب الإيمان بذلك كله، فمن لم يكن هذا موقفه معه - ﵌ -؛ فهو لم يؤمن حق الإيمان بأن محمدا ً رسول الله، فما تنفعه هذه الشهادة، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، وذلك ما يفيد قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ولا شك أن إيمانك وتصديقك بما جاء به محمد - ﵌ - من الأمور التشريعية والغيبية - ولو كانت بعيدة عن متناول عقلك -؛ إنما هو من الإيمان بالغيب الذي هو من صفات المتقين في القرآن: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. فقف أيها المؤمن عند نص الشارع الحكيم، ولا تُغالِ فيه، ولا تفرط؛ بل وسطًا بين ذلك، لتكون من الناجين عند رب العالمين.
"أصل صفة الصلاة" (٣/ ٨٨٢ - ٨٨٣).
[١٣٠٤] باب معنى شهادة أن محمدًا
عبد الله ورسول وبيان مقتضياتها
[قال الإمام:]
اعلم أن هذه الشهادة قد جمعت له - ﵌ - صفتين لا يتم إيمان المرء به - ﵌ - إلا
[ ٨ / ٢٠١ ]
إذا تحقق بمعناهما.
الأولى: كونه - ﵌ - عبدًا لله تعالى، كغيره من عباده تعالى، فهو مثلهم من هذه الناحية، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾. وقال - ﵌ -:
«إنما أنا بشر مثلكم؛ أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني» وقال - ﵌ -: «لا تطروني كما أَطْرَتِ النصارى عيسى ابن مريم، إنما أنا عبد. فقولوا: عبد الله ورسوله».
ولذلك فلا يجوز لمسلم يشهد هذه الشهادة أن ينزله - ﵌ - منزلةً فوق التي أنزله الله تعالى فيها؛ فإن ذلك مما لا يرضاه - ﵌ -، كما قال في الحديث:
«أنا محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله، والله! ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله ﷿». ولا أن يمدحه إلا بمدحه الله به، أو بما صحت به الأحاديث والأخبار، فمدحه - ﵌ - بمثل قول بعضهم:
فإن من جودك الدنيا وضَرّتها ومن علومك علم اللوح والقلم
فهذا القول مما يتنافى مع الشهادة بالعبودية لمحمد - ﵌ -، وهو القائل - كما حكاه الله تعالى في القرآن الكريم-: ﴿وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. وهو القائل للجارية التي كنت تندب من قتل يوم [بدر]، ثم قالت: وفينا نبي يعلم ما في غد. فقال النبي - ﵌ -:
«لا تقولي هكذا، وقولي كما كنت تقولين».
ولذلك قالت أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث لها في"الصحيحين": ومن حدثكم أن محمدًا - ﵌ - كان يعلم ما في غد؛ فقد أعظم على الله الفرية.
[ ٨ / ٢٠٢ ]
فإذا كان هذا شأن من قال عنه - ﵌ -: إنه يعلم ما في غد؛ فما بال من يقول: إنَّ من بعض علومه علمَ اللوح والقلم؟! فلا جَرَم أن حَذَّرَنا - ﵌ - من الغلو في مدحه وتعظيمه؛ فإنه سبب هلاك الأمم قبلنا كما قال - ﵌ -:
«إياكم والغلو في الدين؛ فإنما أهلك الذين من قبلكم غلوهم في دينهم.»
وأما الصفة الأخرى: فهي كونه - ﵌ - رسولا ً اصطفاه الله تعالى، وخصه بالوحي وأطلعه على بعض المغيبات، وذلك يستلزم الإيمان بكل ما قاله - ﵌ -، وصح عنه من التشريعات والأخبار بالمغيبات، سواء كان ذلك موافقًا لعقلك، أو بعيدًا عن فهمك وعقلك، يجب الإيمان بذلك كله، فمن لم يكن هذا موقفه معه - ﵌ -؛ فهو لم يؤمن حق الإيمان بأن محمدا ً رسول الله، فما تنفعه هذه الشهادة، وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، وذلك ما يفيد قوله تعالى: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ في أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ولا شك أن إيمانك وتصديقك بما جاء به محمد - ﵌ - من الأمور التشريعية والغيبية - ولو كانت بعيدة عن متناول عقلك -؛ إنما هو من الإيمان بالغيب الذي هو من صفات المتقين في القرآن: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾. فقف أيها المؤمن عند نص الشارع الحكيم، ولا تُغالِ فيه، ولا تفرط؛ بل وسطًا بين ذلك، لتكون من الناجين عند رب العالمين.
"أصل صفة الصلاة" (٣/ ٨٨١ - ٨٨٣).
[ ٨ / ٢٠٣ ]
جماع أبواب أفضلية النبي - ﵌ - على الأنبياء وعلى جميع ولد آدم ونقض ما يخالف ذلك والرد على المخالفين
[ ٨ / ٢٠٥ ]
[١٣٠٥] باب النبي - ﵌ - خير ولد آدم
[قال الإمام]:
قوله - ﵌ -: «أنا سيد ولد آدم» صريح في تفضيله - ﵌ - على جميع ولد آدم.
"الضعيفة" (٣/ ٤٣).
[١٣٠٦] باب النبي - ﵌ - خير من طلعت عليه الشمس
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«ما طلعت الشمس على رجل خير من عمر»
(موضوع)
[قال الإمام]:
ثم إن الحديث ظاهر البطلان، لمخالفته لما هو مقطوع به: أن خير من طلعت عليه الشمس إنما هو نبينا محمد - ﵌ -، ثم الرسل والأنبياء، ثم أبو بكر، وقد جاء من طرق عن ابن جريج عن عطاء عن أبي الدرداء مرفوعا بلفظ: " ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ".
أخرجه جمع من المحدثين منهم عبد بن حميد والخطيب وغيرهما، وهو أصح من الأول سندًا ومتنًا كما ترى، وقد حسنه بعضهم، ولكن الطرق المشار إليها بحاجة إلى دراسة دقيقة، وهذا مما لم يتيسر لي بعد. والله الموفق.
"الضعيفة" (٣/ ٥٣٣ - ٥٣٤).
[ ٨ / ٢٠٧ ]
[١٣٠٧] باب نبينا - ﵌ - أفضل النبيين
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل ﵇، وأفضل النبيين آدم، وأفضل الأيام يوم الجمعة، وأفضل الشهور شهر رمضان، وأفضل الليالي ليلة القدر، وأفضل النساء مريم بنت عمران»
(موضوع)
[قال الإمام]:
وأفضل النبيين إنما هو نبينا محمد - ﵌ - بدليل الحديث الصحيح: «أنا سيد الناس يوم القيامة ».
أخرجه مسلم (١/ ١٢٧)، فهذا يدل على وضع هذا الحديث
"الضعيفة" (١/ ٦٣٨).
[١٣٠٨] باب نبينا - ﵌ - سيد المرسلين يقينًا
-[قال الإمام معلقا على قول صاحب الطحاوية: وأنه خاتم الأنبياء وإمام الأتقياء وسيد المرسلين].
قلت: هذه العقيدة ثبتت في أحاديث كثيرة مستفيضة تلقتها الأمة بالقبول. وقد ذكر الشارح (في الصفحة ١٦٩ - الطبعة الرابعة) طائفة منها فلتراجع منه فهي تفيد العلم واليقين فهو - ﵌ - سيد المرسلين يقينًا.
ومن المؤسف أن أقول: إن هذه العقيدة لا يؤمن بها أولئك الذين يشترطون في الحديث الذي يجب الإيمان به أن يكون متواترًا فكيف يؤمن بها من صرح بأن
[ ٨ / ٢٠٨ ]
العقيدة لا تؤخذ إلا من القرآن كالشيخ شلتوت وغيره وقد رددت على هؤلاء جميعا من عشرين وجها في رسالتي " وجوب الأخذ بحديث الآحاد في العقيدة والرد على شبه المخالفين " وذكرت في آخرها عشرين مثالًا من العقائد الثابتة في الأحاديث الصحيحة يلزمهم جحدها وعدم الإيمان بها وهذه العقيدة واحدة منها فراجعها فإنها مطبوعة وهامة.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٢٠).
[١٣٠٩] باب التنبيه على لفظ ضعيف قد يورد ضمن الأدلة الصحيحة على أن نبينا - ﵌ - أفضل الخلق
(أخرج) البخارى [وغيره] من طرق عن الأعمش حدثنا خيثمة حدثنا سويد بن غفلة، قال علي ﵁:
" إذا حدثتكم عن رسول الله - ﷺ - حديثًا فوالله لأن أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم، فإن الحرب خدعة، وإنى سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: .. " سيخرج قوم في آخر الزمان حداث الأسنان، سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة".
[نبه الإمام على أن الحديث جاء من وجه آخر بلفظ]:
"يقولون من قول خير البرية" بدلًا من "يقولون من خير قول البرية"
[ثم نبه على ضعف هذا اللفظ إلى أن قال]:
[ ٨ / ٢٠٩ ]
هذا وقد كنت قرأت قديمًا في بعض الشروح مما لا أذكره الآن أن بعضهم استدل باللفظ الآخر: " يقولون من قول خير البرية " على أنه - ﷺ - أفضل الخلق بناءً على أنه هو المراد بقوله " خير البرية "، وإذا قد علمت أن اللفظ المذكور شاذ غير محفوظ، فلا يصح الاستدلال به على ما ذكر. والله ﷾ أعلم.
"إرواء الغليل" (٨/ ١٢٠ - ١٢٣).
[١٣١٠] باب هل الأنبياء أفضل من الملائكة؟ وهل إبراهيم ﵇ خير من نبينا - ﵌ - ومن الملائكة؟ وهل علي ﵁ خير من الأنبياء؟
جاء رجل إلى رسول الله - ﵌ - فقال: يا خير البرية! فقال رسول الله - ﵌ -: «ذاك إبراهيم ﵇. يعني: أنّه خير البريّة».
[قال الإمام]:
قلت: وظاهر الحديث يدل على أمرين:
أحدهما: أن إبراهيم ﵇ خير الخلق مطلقًا بما فيهم الملائكة.
والآخر: أنه أفضل من نبينا محمد - ﵌ -.
وأجاب العلماء عن هذا بأن النبي - ﵌ - قال ذلك تواضعًا وهضمًا لنفسه، أو أنه قال ذلك قبل أن يوحى إليه بأن الله تعالى اتخذه خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، وأنه سيد الناس يوم القيامة، آدم فمن دونه تحت لوائه - ﵌ -، كما جاء في الأحاديث الصحيحة، وبهذا أجاب الطحاوي، فراجعه فإنه هام مفيد.
وأما الأمر الأول؛ فلم يتعرض له الطحاوي، فأرى- والله أعلم- أن قوله
[ ٨ / ٢١٠ ]
- ﵌ -: "خير البرية" من حيث إنه لا يشمل الملائكة، كقوله تعالى في سورة (البينة): ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية﴾ بعد قوله: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية﴾، وأن المراد بـ (خير البرية) و(شر البرية)؛ إنما هم غير الملائكة- كما يشعر بذلك السياق-؛ فإن الملائكة ﴿لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون﴾. وقد ذكر القرطبي أنه قد استدل بقوله تعالى: (خير البرية) مَنْ فَضَّل بني آدم على الملائكة، ثم أحال في بيان الخلاف في ذلك على سورة البقرة (١/ ٢٨٩)، وهناك ذكر الخلاف في المسألة بشيء من التفصيل، وذكر دليل من قال بذلك، والقائل بأن الملائكة أفضل، ومن ذلك قوله: "وفي البخاري: "يقول الله تعالى: من ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم "، وهذا نص " ﴿(١)﴾.
ثم قال:
"وقال بعض العلماء: ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة، ولا القطع بأن الملائكة خير منهم، لأن طريق ذلك خبر الله تعالى، وخبر رسوله، أو إجماع الأمة، وليس ههنا شيء من ذلك ".
ثم رأيت العلامة ابن أبي العز الحنفي قد توسع جدًا في ذكر أدلة الفريقين ومناقشتها، وبيان ما لها وما عليها في "شرح العقيدة الطحاوية" (٣٠١ - ٣١١) - وتبعه الحافظ ابن حجر في "فتح الباري " (١٣/ ٣٨٤ - ٣٨٨) -؛ وذكر عن أبي حنيفة ﵀ أنه لم يقطع فيها بجواب، وقال: "وهذا هو الحق، فإن الواجب
_________________
(١) الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وهو من حديث أبي هريرة، وله شواهد من حديث ابن عباس، وأنس بن مالك، وهي مخرجة في "الصحيحة" (٢٠١١و ٢٢٨٧ و٢٩٤٢). [منه].
[ ٨ / ٢١١ ]
علينا الإيمان بالملائكة والنبيين، وليس علينا أن نعتقد أي الفريقين أفضل؛ فإن هذا لو كان من الواجب لبين لنا نصًا .. وحملني على بسط الكلام هنا: أن بعض الجاهلين يسيئون الأدب بقولهم: كان الملك خادمًا للنبي - ﵌ -! أو أن بعض الملائكة خدام بني آدم!! يعنون: الملائكة الموكلين بالبشر، ونحو ذلك من الألفاظ المخالفة للشرع المجانبة للأدب .. ".
ثم شرع في البسط المذكور، وختمه بقوله: "وحاصل الكلام: أن هذه المسألة من فضول المسائل، ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول، وتوقف أبو حنيفة في الجواب عنها كما تقدم. والله أعلم بالصواب ".
قلت: ولقد كان التوقف المذكور هو الذي يقتضيه النظر والتأمل في أدلة الفريقين، وجواب كل منهما عن أدلة الآخر، لولا حديث البخاري الذي قال فيه القرطبي: إنه نص في المسألة كما تقدم؛ وقد حكاه الحافظ العسقلاني عن ابن بطال أيضًا، وإن كان الحافظ تكلف في رد دلالته وتأويله: "بأن الخيرية إنما حصلت بالذاكر والملأ معًا؛ فالجانب الذي فيه رب العزة خير من الجانب الذي ليس هو فيه بلا ارتياب، فالخيرية حصلت بالنسبة للمجموع على المجموع ".
وقد كنت وقفت منذ القديم في "الترغيب والترهيب " على حديث من رواية البزار وابن حبان في "صحيحه " هو نص في الموضوع وأقوى؛ لأنه يبطل التأويل المذكور، ونصه: «أول من يدخل الجنة من خلق الله: الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور، وتتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء، فيقول الله لملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: ربنا! نحن سكان سماواتك، وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؛! قال: إن هؤلاء كانوا عبادًا لي يعبدوني لا يشركون بي شيئًا، وتسد بهم
[ ٨ / ٢١٢ ]
الثغور ..، قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك؛ فيدخلون عليهم من كل باب: ﴿سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾.
وقال المنذري (٤/ ٨٦)، والهيثمي (١٠/ ٢٥٩):
"ورجاله ثقات ".
وهو في "موارد الظمآن " (٢٥٦٥) - والسياق له-، ومخرج في المجلد السادس من "الصحيحة" برقم (٢٥٥٩).
وإني لأستغرب جدا كيف فات على أولئك العلماء من الفريقين إيراده احتجاجًا ودفعًا؟! وبخاصة الحافظ ابن حجر العسقلاني، لنعلم رأيه في
شهادة الملائكة أمام ربهم: أنهم خيرة خلقه، وما أظن أنه يجد له تأويلًا إلا
التسليم لدلالته!
ونحوه حديث الترجمة، فما تعرض أحد منهم لذكره، ولعل ذلك لأنهم يرون أيضًا أنه خاص بالناس دون الملائكة؛ كما تقدم بيانه في طليعة هذا التخريج، وهو الذي استظهره الإمام الآلوسي في تفسيره "روح المعاني " (٣/ ٢٦٤)! والله ولي التوفيق.
وأما حديث: "علي خير البرية"؛ فمن موضوعات الشيعة، وقد روي من حديث أبي سعيد الخدري، وهو مخرج في "الضعيفة " (٥٥٩٣)، ومن حديث جابر بن جابر برقم (٤٩٢٥)، وذكره الآلوسي من حديث أبي هريرة عند ابن أبي حاتم، وحديث عائشة وعلي وابن عباس عند ابن مردويه، ولم أقف على أسانيدها. ومن الظاهر أنها من عمل الشيعة أو غيرهم من الضعفاء والكذابين،
[ ٨ / ٢١٣ ]
ولذلك عقب الآلوسي عليها بقوله: "وإن دون إثبات صحة تلك الأخبار خرط القتاد. والله تعالى أعلم ".
ولا بد من التنبيه أنه وقع فيه حديث أبي هريرة: "مرفوعًا "، وأنا أظن أنه محرف: "موقوفًا"؛ فإن من المعروف أن مرجع المتأخرين في تخريج أحاديث التفسيرإنما هو "الدر المنثور"على الغالب، والحديث فيه (٦/ ٣٧٩) غيرمرفوع!.
"الصحيحة" (٧/ ٢/١٠٣٥ - ١٠٣٩).
[١٣١١] باب ذكر بعض أهل الضلال ممن يقول بأن أهل البيت أفضل من الأنبياء والرسل
[سئل الشيخ عن فتوته الخاصة بالخميني، فأجاب:]
الفتوى خلاصتها: أنه وقفنا على عبارات للخميني أنه يقول: كذا وكذا، أربع خمس عبارات، فهذه العبارات هي الكفر بعينه، وكل من يقول بهذا الكلام فهو كافر أو يكفر، وشرحنا هنا في الأسباب المقتضية لهذا الحكم، وبلا شك أنه نفس الكلمات عندما يقرأها مسلم مهما كانت ثقافته الإسلامية ضحلة فهو لا يشك في أن هذا الكلام كفر.
من ذلك مثلًا أنه يقول في بعض كتبه: بأن أئمة أهل البيت هم من المنزلة عند الله ﵎ فوق منزلة الملائكة والرسل والأنبياء، ومن ذلك أنه يقول: أن مصحف فاطمة أظن مذكور هذا في الأشياء .. مصحف فاطمة هو المصحف الكامل، أما المصحف المتداول اليوم بين الأئمة فهو جزء من ذاك المصحف، وهذا كفر لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر:٩) وهكذا أربع خمس عبارات نقلت من كتبه .. كتب الخميني نفسه، هذه الأشياء خطيرة جدًا
[ ٨ / ٢١٤ ]
وكتابه الذي أصدره: «فوائد الثورة الإيرانية» هذه وهي: الكتاب المعروف: «بالحكومة الإسلامية»، لا أدري رأيتم هذا الكتيب الصغير؟
مداخلة: لا.
الشيخ: لم تروه،، في هذا الكتيب الصغير الذي سماه: الثورة الإسلامية أو: الحكومة الإسلامية مع أن هذا الكتاب هو كتاب دعاية، والمفروض عند كل الناس المسلمين والكافرين أن أي كتاب سياسي لا يحسن بالكاتب أن ينشر في هذا الكتاب العقائد التي يعلم أن الخصوم سوف ينكرونها ويبادرون إلى عدم الاستجابة لمضمون الكتاب بصورة عامة، ومع أن الشيعة يوجد عندهم عقيدة يساعدهم أوسع ما تكون المساعدة في سلوك هذا السبيل السياسي وهو: كتمان عقائدهم عن الناس؛ لأنه يوجد لديهم شيء يسمى: بالتقية، لا بد أنك سمعت عن التقية، فالأمر عندهم في موضوع التقية خطير جدًا بحيث أنه لا يمكن لإنسان يعرف أن عندهم التقية أن يركن إليهم؛ لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، وهذا دين عندهم، فهو إذا قال لك عن شيء وهو يعلم أنه كاذب لا يستوحش من هذا الكلام إطلاقًا؛ لأن هكذا دينه الذي منه التقية يأمره بذلك.
فمع كون عندهم هذه التقية التي تسوغ لهم أن يقولوا ما شاؤوا، وعلى العكس أكثر من ذلك أن يكتموا عن الناس عقائدهم، لكن الله ﷿ لحكمته البالغة ألهم هذا الرجل الخميني في كتيبه المشار إليه آنفًا: الحكومة الإسلامية أن يبيح عن بعض العقائد مع أنه كتاب دعوة وسياسة، منها: ما ذكرته آنفًا من تعظيمه لأهل البيت أكثر من الملائكة والأنبياء والرسل.
ومن ذلك وهذه كفرية أخرى، وهي: أنهم يعني: أهل البيت يعلمون كل
[ ٨ / ٢١٥ ]
حركة تقع في الكون ما من ذرة تقع في الكون إلا وهم على علم بها، مع أن أهل البيت ماتوا وصاروا ترابًا مهما كان شأنهم، فجعلوهم شركاء في العلم مع الله ﷿، يعني: أشياء غريبة جدًا، فربنا ﵎ ليقيم الحجة على من قد يغتر بدعايتهم يعني: سَخَّرَ هذا الإنسان أن يضع في هذا الكتيب الذي هو كتاب دعاية العقيدتين الوافدتين، واحدة منها تكفي لتحذير الناس من الاغترار بما سموه بالثورة الإسلامية.
ومع الأسف يعني: لما قامت هذه الثورة اغتر بها بعض الشخصيات الإسلامية ويمكن ذهبوا إليهم، فمنهم من رجع وقد تبين له الحق، ومنهم من لا يزال إلى الآن يدعو إلى دعوتهم
"الهدى والنور" (١٣٧/ ٠٠:٠٥:١٨)
[ ٨ / ٢١٦ ]
جماع أبواب ذكر تسمية النبي - ﵌ - والكلام على والديه
وذكر بعض ما يجوز عليه
والكلام على بعض شمائله وخصوصياته
وبيان بعض ما ثبت له وما لم يثبت
[ ٨ / ٢١٧ ]
[١٣١٢] باب ما هو أصل تسمية النبي - ﵌ - بمحمد
السائل: بالنسبة لتسمية رسول الله ﵊ محمد هل جاء من رؤيا أم من وحي، وكيف نوافق بين هذا والذي قبله؟
الشيخ: إيش التوافق؟ ما هو التعارض حتى نوفق؟
مداخلة: نعم، أول شيء خلينا نعرف لأنه إذا تم الثاني نوفق ما تم [ما حاجه للتوفيق]؛ أنه هل أتى اسم محمد ﵇ من رؤيا أمه قالت: أُسميه محمد؟
الشيخ: خرافة .. خرافة.
مداخلة: خرافة؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: ما جاء هذا الكلام.
الشيخ: لا.
مداخلة: وتسميته عن طريق ماذا وحي؟
الشيخ: الله أعلم.
مداخلة: الله أعلم.
الشيخ: وحي ما في عند ولادة الرسول، لكن في إلهام.
مداخلة: في إلهام.
الشيخ: نعم.
[ ٨ / ٢١٩ ]
مداخلة: والإلهام يجوز أن يكون لوالدته يعني.
الشيخ: طبعًا لوالدته لوالده لعمه لجده أيًا كان، ويومئذ لما ولد ﵇ أبوه كان ميتًا.
مداخلة: نعم.
الشيخ: نعم ووالدته ماتت متى؟ بعد كم؟
مداخلة: ست سنوات.
مداخلة: نعم.
الشيخ: طيب ممكن يكون هذا إلهام لها أو لأحد أقاربه يعني مثل جده كما قلنا أو عمه أو ما شابه ذلك، والقضية ليست مهمة كثير، كيف سمي؛ لأن الذي حفظه من أن يَعْبُدَ غير ربه هو الذي ألهم ذويه أن يختاروا له هذا الاسم الطيب.
"الهدى والنور" (٦٦٤/ ٤٢: ٣٦: ٠٠)
[١٣١٣] باب والدي الرسول - ﵌ - في النار
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن أبي وأباك في النار»
[قال لإمام]:
والحديث أخرجه الجورقاني في " الأباطيل والمناكير " (١/ ٢٣٥) من طريق أخرى عن داود بن أبي هند في جملة أحاديث أخرى تدل كلها - كهذا - على أن من مات في الجاهلية مشركًا فهو في النار، وليس من أهل الفترة كما يظن
[ ٨ / ٢٢٠ ]
كثير من الناس، وبخاصة الشيعة منهم، ومن تأثر بهم من السنة! ومن تلك الأحاديث، ما رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار.
فلما قفى دعاه، فقال: فذكر حديث الترجمة حرفا بحرف. أخرجه مسلم (١/ ١٣٢ - ١٣٣) وأبو عوانة (١/ ٩٩) وأبو داود (٤٧١٨) والجوزقاني (١/ ٢٣٣) وصححه، وأحمد (٣/ ٢٦٨) وأبو يعلى (٦/ ٢٢٩/٣٥١٦) وابن حبان (٥٧٨ - الإحسان) والبيهقي (٧/ ١٩٠) من طرق عن حماد بن سلمة به. ومنها سعد بن أبي وقاص المتقدم في المجلد الأول برقم (١٨) بلفظ: " حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار ". فراجع سببه هناك، فإنه بمعنى حديث الترجمة لمن تأمله.
وإن مما يتصل بهذا الموضوع قوله - ﵌ - لما زار قبر أمه: " استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي .. " الحديث رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ١٨٧ - ١٨٨) من حديث أبي هريرة وبريدة، فليراجعهما من شاء. والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرنا خير كبير وبركة.
واعلم أيها الأخ المسلم أن بعض الناس اليوم وقبل اليوم لا استعداد عندهم لقبول هذه الأحاديث الصحيحة، وتبني ما فيها من الحكم بالكفر على والدي الرسول - ﵌ -، بل إن فيهم من يظن أنه من الدعاة إلى الإسلام ليستنكر أشد الاستنكار التعرض لذكر هذه الأحاديث ودلالتها الصريحة! وفي اعتقادي أن هذا الاستنكار إنما ينصب منهم على النبي - ﵌ - الذي قالها إن صدقوا بها.
[ ٨ / ٢٢١ ]
وهذا - كما هو ظاهر - كفر بواح، أو على الأقل: على الأئمة الذين رووها وصححوها، وهذا فسق أو كفر صراح، لأنه يلزم منه تشكيك المسلمين بدينهم، لأنه لا طريق لهم إلى معرفته والإيمان به، إلا من طريق نبيهم - ﵌ - كما لا يخفى على كل مسلم بصير بدينه، فإذا لم يصدقوا بها لعدم موافقتها لعواطفهم وأذواقهم وأهوائهم - والناس في ذلك مختلفون أشد الاختلاف - كان في ذلك فتح باب عظيم جدا لرد الأحاديث الصحيحة، وهذا أمر مشاهد اليوم من كثير من الكتاب الذين ابتلي المسلمون بكتاباتهم كالغزالي والهويدي وبليق وابن عبد المنان وأمثالهم ممن لا ميزان عندهم لتصحيح الأحاديث وتضعيفها إلا أهواؤهم! واعلم أيها المسلم - المشفق على دينه أن يهدم بأقلام بعض المنتسبين إليه - أن هذه الأحاديث ونحوها مما فيه الإخبار بكفر أشخاص أو إيمانهم، إنما هو من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها وتلقيها بالقبول، لقوله تعالى: ﴿ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين. الذين يؤمنون بالغيب﴾ (البقرة: ١ - ٣) وقوله: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ﴾ (الأحزاب: ٣٦)، فالإعراض عنها وعدم الإيمان بها يلزم منه أحد أمرين لا ثالث لهما - وأحلاهما مر -: إما تكذيب النبي - ﵌ -، وإما تكذيب رواتها الثقات كما تقدم. وأنا حين أكتب هذا أعلم أن بعض الذين ينكرون هذه الأحاديث أو يتأولونها تأويلا باطلا كما فعل السيوطي - عفا الله عنا وعنه - في بعض رسائله، إنما يحملهم على ذلك غلوهم في تعظيم النبي - ﵌ -، وحبهم إياه، فينكرون أن يكون أبواه - ﵌ - كما أخبر هو نفسه عنهما، فكأنهم أشفق عليهما منه - ﵌ -!! وقد لا يتورع بعضهم أن يركن في ذلك إلى الحديث المشهور على ألسنة بعض الناس الذي فيه أن النبي - ﵌ - أحيا الله له أمه، وفي رواية: أبويه، وهو حديث موضوع
[ ٨ / ٢٢٢ ]
باطل عند أهل العلم كالدارقطني والجورقاني، وابن عساكر والذهبي والعسقلاني، وغيرهم كما هو مبين في موضعه، وراجع له إن شئت كتاب " الأباطيل والمناكير " للجورقاني بتعليق الدكتور عبد الرحمن الفريوائي (١/ ٢٢٢ - ٢٢٩) وقال ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٢٨٤): " هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له علم لعلم أن من مات كافرًا لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فيمت وهو كافر﴾، وقوله - ﵌ - في (الصحيح): «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي»
ولقد أحسن القول في هؤلاء بعبارة ناصعة وجيزة الشيخ عبد الرحمن اليماني ﵀ في تعليقه على " الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة " للإمام الشوكاني، فقال (ص ٣٢٢): " كثيرا ما تجمح المحبة ببعض الناس، فيتخطى الحجة ويحاربها، ومن وفق علم أن ذلك مناف للمحبة الشرعية. والله المستعان ".
قلت: وممن جمحت به المحبة السيوطي عفا الله عنه، فإنه مال إلى تصحيح حديث الإحياء الباطل عند كبار العلماء كما تقدم، وحاول في كتابه " اللآلىء " (١/ ٢٦٥ - ٢٦٨) التوفيق بينه وبين حديث الاستئذان وما في معناه، بأنه منسوخ، وهو يعلم من علم الأصول أن النسخ لا يقع في الأخبار وإنما في الأحكام! وذلك أنه لا يعقل أن يخبر الصادق المصدوق عن شخص أنه في النار ثم ينسخ ذلك بقوله: إنه في الجنة! كما هو ظاهر معروف لدى العلماء.
ومن جموحه في ذلك أنه أعرض عن ذكر حديث مسلم عن أنس المطابق لحديث الترجمة إعراضًا مطلقًا، ولم يشر إليه أدنى إشارة، بل إنه قد اشتط به القلم
[ ٨ / ٢٢٣ ]
وغلا، فحكم عليه بالضعف متعلقًا بكلام بعضهم في رواية حماد بن سلمة! وهو يعلم أنه من أئمة المسلمين وثقاتهم، وأن روايته عن ثابت صحيحة، بل قال ابن المديني وأحمد وغيرهما: أثبت أصحاب ثابت حماد، ثم سليمان، ثم حماد بن زيد، وهي صحاح. وتضعيفه المذكور كنت قرأته قديمًا جدًا في رسالة له في حديث الإحياء - طبع الهند - ولا تطولها يدي الآن لأنقل كلامه، وأتتبع عواره، فليراجعها من شاء التثبت.
ولقد كان من آثار تضعيفه إياه أنني لاحظت أنه أعرض عن ذكره أيضا في شيء من كتبه الجامعة لكل ما هب ودب، مثل " الجامع الصغير " و" زيادته " و" الجامع الكبير "! ولذلك خلا منه " كنز العمال " والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وتأمل الفرق بينه وبين الحافظ البيهقي الذي قدم الإيمان والتصديق على العاطفة والهوى، فإنه لما ذكر حديث: «خرجت من نكاح غير سفاح "، قال عقبه:» وأبواه كانا مشركين، بدليل ما أخبرنا .. "، ثم ساق حديث أنس هذا وحديث أبي هريرة المتقدم في زيارة قبر أمه - ﵌ -.
"الصحيحة" (٦/ ١/١٧٧ - ١٨٢).
[١٣١٤] باب نبينا - ﵌ - خليل رب العالمين، والتنبيه على أنه لم يثبت حديث في أنه حبيب الله
[قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية على نبينا - ﵌ -: وحبيب رب العالمين]:
قلت: بل هو خليل رب العالمين فإن الخلة أعلى مرتبة من المحبة وأكمل
[ ٨ / ٢٢٤ ]
ولذلك قال - ﵌ -: «إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا» ولذلك لم يثبت في حديث أنه - ﷺ - حبيب الله.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٢١)
[١٣١٥] باب ثبوت سحر النبي - ﷺ - والرد على من أنكر ذلك
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَحَرَ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ - قَالَتْ - حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَمَا يَفْعَلُهُ حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - ثُمَّ دَعَا ثُمَّ دَعَا ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ جَاءَنِي رَجُلاَنِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ. فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ أَوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلَيَّ لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي مَا وَجَعُ الرَّجُلِ قَالَ مَطْبُوبٌ. قَالَ مَنْ طَبَّهُ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَمِ. قَالَ في أَيِّ شَيْءٍ قَالَ في مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ. قَالَ وَجُبِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ. قَالَ فَأَيْنَ هُوَ قَالَ في بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ».
قَالَتْ فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﵌ - في أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ وَاللَّهِ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ». قَالَتْ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ أَحْرَقْتَهُ قَالَ: «لاَ أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَافَانِي اللَّهُ وَكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا فَأَمَرْتُ بِهَا فَدُفِنَتْ».
[قال الإمام:]
اعلم أن هذا الحديث صحيح الإسناد بلا ريب ولقد أخطأ السيد رشيد رضا ﵀ ومن قلده في تضعيفه لهذا الحديثـ، وأثاروا حوله شبهات عقلية هي في الحقيقة ﴿كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء﴾، وليس في الحديث سوى أنه
[ ٨ / ٢٢٥ ]
مرض - ﷺ - وأنه يرى أنه يأتي النساء وما يأتيهن. والله سبحانه الذي حفظه من أن يخطئ في التشريع - وهو كبشر يمكن أن يخطئ، ولكن الله عصمه - فكذلك الله حفظه وهو بشر قد سحر، ومن شأن البشر أن يسحر، فأي شيء في هذا السحر الذي أصابه - ﷺ -، وقد أصاب مثله موسى ﵇ بنص القرآن ﴿يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى﴾ فهل مس ذلك من مقام موسى ﵇ كلا ثم كلا. وكذلك الشأن في الحديث. فتأمل منصفًا.
"مختصر صحيح "مختصر مسلم" (ص٣٦٥، ٣٧٦)
[١٣١٦] باب منه
عن عائشة قالت: سحر رسول الله - ﵌ - حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله حتى إذا كان ذات يوم وهو عندي دعا الله ودعاه ثم قال: «أشعرت يا عائشة أن الله قد أفتاني فيما استفتيته، جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: في ماذا؟ قال: في مشط ومشاطة وَجُبِّ طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان، فذهب النبي - ﵌ - في أناس من أصحابه إلى البئر فقال: هذه البئر التي أريتها وكأن ماءها نقاعة الحناء ولكأن نخلها رءوس الشياطين فاستخرجه». متفق عليه
[قال الإمام معلقًا على قول عائشة: حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء]:
كناية عن الجماع، ففي رواية البخاري "حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن" والحديث صحيح لا شك فيه، فإن له شواهد صحيحة في "المسند" وغيره، ولا متمسَّك فيه للطاعنين في عصمته - ﵌ - ولا لأشباههم ممن يردون
[ ٨ / ٢٢٦ ]
الحديث الصحيح لأدنى شبهة ترد عليهم من أمثال أولئك الطاعنين، فإن الحديث يدور حول أمر دنيوي محض لا علاقة له بالتشريع، فأي ضير على رسول الله - ﵌ - أن يُسحر سحرًا يؤدي به إلى حالة من المرض والوجع؛ يرى ويظن أنه أتى النساء ولم يأتهن؟ هذا كل ما في الحديث ليس إلا، وتوسيع الأمر بطريق القياس والإلحاق كما يفعل بعض الطاعنين في الحديث بقولهم: إذا ظن ذلك الأمر فيمكن أن يظن مثله في الشرع، كأن يظن أن آية نزلت عليه ولم تنزل ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ فالجواب أن الذي عصمه من نسيان الآيات التي نزلت عليه أن يبلغها إلى الناس مع العلم أن النسيان من طبيعة البشر، فهو الذي يعصمه من أن يتلو عليهم ما ليس قرآنًا متوهمًا أنه من القرآن! فهذا مثل هذا ولا فرق، نسأل الله السلامة في ديننا وعقولنا. وهذه كلمة وجيزة أردت بها التذكير وإلا فالموضوع طويل الذيل.
[ثم قال -﵀-]:
ومع اتفاق الشيخين على تصحيح الحديث وتلقي العلماء المحققين له بالقبول، فقد طعن فيه بعض المبتدعة قديمًا وتبعهم على ذلك بعض المتأخرين، والحديث صحيح لا شك فيه، وقد حاول السيد رشيد رضا أن يُعِلَّهُ بأنه من رواية هشام بن عروة، وهو مع كونه ثقة حجة فلم يتفرد به، بل تابعه جماعة من آل عروة كما في صحيح البخاري، ثم إن للحديث شواهد من رواية زيد بن أرقم وابن عباس وغيرهما، فراجع "فتح الباري"، (١٠/ ١٩٢ - ١٩٣) فلا تغتر بكلام من ينكره ممن يدعي الانتصار للسنة من المعاصرين الذين هم أبعد ما يكونون عن العلم الصحيح بها، وتخيله - ﵌ - المذكور فيه لا يطعن في عصمته المقطوع
[ ٨ / ٢٢٧ ]
بثبوتها، لأنه ليس في أمور الدين والتبليغ، وليت شعري ما الفرق بين نسيانه - ﵌ - الثابت بالكتاب ﴿سَنُقْرِؤُكَ فَلَا تَنسَى إِلَّا مَا شَاء اللَّهُ﴾ وبالسنة في أحاديث كثيرة وبين التخيل المذكور، فكما أننا قد أمنا وقوع النسيان فيما أمر بتبليغه بالعصمة فكذلك قد أمنا وقوع التخيل في التبليغ بالعصمة ولا فرق، فتنبه.
" تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٦٥١ - ١٦٥٢).
[١٣١٧] باب منه
" كان رجل [من اليهود] يدخل على النبي - ﵌ -، [وكان يأمنه]، فعقد له عقدًا، فوضعه في بئر رجل من الأنصار، [فاشتكى لذلك أيامًا، (وفي حديث عائشة: ستة أشهر)]، فأتاه ملكان يعودانه، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال أحدهما: أتدري ما وجعه؟ قال: فلان الذي [كان] يدخل عليه عقد له عقدًا، فألقاه في بئر فلان الأنصاري، فلو أرسل [إليه] رجلا، وأخذ [منه] العقد لوجد الماء قد اصفر. [فأتاه جبريل فنزل عليه بـ (المعوذتين)، وقال: إن رجلا من اليهود سحرك، والسحر في بئر فلان، قال:] فبعث رجلا (وفي طريق أخرى: فبعث عليا ﵁) [فوجد الماء قد اصفر] فأخذ العقد [فجاء بها]، [فأمره أن يحل العقد ويقرأ آية]، فحلها، [فجعل يقرأ ويحل]، [فجعل كلما حل عقدة وجد لذلك خفة] فبرأ، (وفي الطريق الأخرى: فقام رسول الله - ﵌ - كأنما نشط من عقال)، وكان الرجل بعد ذلك يدخل على النبي - ﵌ - فلم يذكر له شيئًا منه، ولم يعاتبه [قط حتى مات] ".
[ترجم له الإمام بقوله]:سحر النبي - ﵌ - ونزول المعوذتين.
[ثم قال]:
[ ٨ / ٢٢٨ ]
من المفيد أن نذكر أن بعض المبتدعة قديمًا وحديثًا قد أنكروا هذا الحديث الصحيح، بشبهات هي أوهى من بيت العنكبوت، وقد رد عليهم العلماء في شروحهم، فليرجع إليها من شاء.
"الصحيحة" (٦/ ١/٦١٥ - ٦١٦، ٦١٩).
[١٣١٨] باب إمكانية رؤية النبي - ﵌ - بعد موته وصفة ذلك
[عن ابن مسعود ﵁ قال]:
«كان [أي النبي - ﵌ -] لا يخيل على من رآه».
[قال الإمام وقد ذكر شواهد للحديث]:
(فائدة): في هذه الأحاديث أنه من الممكن أن يرى الرائي النبي - ﵌ - بعد وفاته، ولو لم يكن معاصرًا له، لكن بشرط أن يراه على صورته التي كان عليها - ﵌ - في برهة من حياته، وإلى هذا ذهب جماعة من العلماء كما في " فتح الباري " (١٢/ ٣٨٤)، وهو قول ابن عباس في رواية يزيد الفارسي وكليب والد عاصم، وكذا البراء كما تقدم، وعلقه البخاري عن محمد بن سيرين إمام المعبرين، وقد وصله القاضي بسنده الصحيح عن أيوب قال: " كان ابن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي - ﵌ - قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره "، وبه قال العلامة ابن رشد، فقال كما في " الاعتصام " للإمام الشاطبي (١/ ٣٥٥): " وليس معنى قوله - ﵌ -: «من رآني فقد رآني حقًّا» " أن كل من رأى في منامه أنه رآه، فقد رآه حقيقة، بدليل أن الرائي قد يراه مرات على صور مختلفة، ويراه الرائي على صفة، وغيره على صفة أخرى، ولا يجوز أن تختلف
[ ٨ / ٢٢٩ ]
صور النبي - ﵌ -، ولا صفاته، وإنما معنى الحديث: من رآني على صورتي التي خلقت عليها فقد رآني، إذ لا يتمثل الشيطان بي، إذ لم يقل - ﵌ -: من رأى أنه رآني فقد رآني، وإنما قال: " من رآني فقد رآني "، وأنى لهذا الرائي الذي رأى أنه رآه على صورته الحقيقية أنه رآه عليها، وإن ظن أنه رآه ما لم يعلم أن تلك الصورة صورته بعينها، وهذا ما لا طريق لأحد إلى معرفته ".
قال الحافظ: " ومنهم من ضيق الفرض في ذلك، فقال: لابد أن يراه على صورته التي قبض عليها، حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة. والصواب التعميم في جميع حاله بشرط أن تكون صورته الحقيقة في وقت ما، سواء كان في شبابه أو رجولته أو كهولته، أو آخر عمره .. ".
وقال الشيخ علي القارىء في " شرح الشمائل " (٢/ ٢٩٣): " وقيل إنه مختص بأهل زمانه - ﵌ -، أي من رآني في المنام يوفقه الله تعالى لرؤيتي في اليقظة. ولا يخفى بعد هذا المعنى، مع عدم ملاءمته لعموم (من) في المبنى، على أنه يحتاج إلى قيود، منها: أنه لم يره قبل ذلك، ومنها أن الصحابي غير داخل في العموم .. ". قلت: ولا أعلم لهذا التخصيص مستندًا إلا أن يكون حديث أبي هريرة عند البخاري (٦٩٩٣) مرفوعا بلفظ: «من رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي». فقد ذكر العيني في " شرح البخاري " (٢٤/ ١٤٠) أن المراد أهل عصره - ﵌ -، أي من رآه في المنام وفقه الله للهجرة إليه والتشرف بلقائه - ﵌ - .. ". ولكنني في شك من ثبوت قوله: «فسيراني في اليقظة»، وذلك أن الرواة اختلفوا في ضبط هذه الجملة: «فسيراني في اليقظة»، فرواه هكذا البخاري كما ذكرنا، وزاد مسلم (٧/ ٥٤): " أو فكأنما رآني في اليقظة ". هكذا على الشك، قال الحافظ (١٢/ ٣٨٣): " ووقع عند الإسماعيلي في
[ ٨ / ٢٣٠ ]
الطريق المذكورة: " فقد رآني في اليقظة "، بدل قوله: " فسيراني ".
ومثله في حديث ابن مسعود عند ابن ماجه، وصححه الترمذي وأبو عوانة. ووقع عند ابن ماجه من حديث أبي جحيفة: " فكأنما رآني في اليقظة ". فهذه ثلاثة ألفاظ:" فسيراني في اليقظة "، " فكأنما رآني في اليقظة "، (انظر ما تقدم برقم ١٠٠٤). " فقد رآني في اليقظة "، وجل أحاديث الباب كالثالثة إلا قوله في (اليقظة) "، وكلها في تأكيد صدق الرؤيا، فاللفظ الثاني أقرب إلى الصحة من حيث المعنى، فهو فيه كحديث ابن عباس وأنس المتقدم: " فقد رآني "، وآكد منه حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: " فقد رآني الحق ". أخرجه البخاري (٦٩٩٧) وأحمد (٣/ ٥٥) وهو لابن حبان (٦٠١٩ و٦٠٢٠) عن أبي هريرة.
"الصحيحة" (٦/ ١/٥١٣، ٥١٧ - ٥٢٠).
[١٣١٩] باب شرح حديث من رآني في المنام فقد رآني
السائل: الحمد لله رب العالمين، حديث «من رآني فقد رآني حقًّا فإن الشيطان لا يتمثل بي» [لو] تُحَدثنا فضيلتنا عن فقه هذا الحديث جزاكم الله خيرًا.
الشيخ:
[هذا] حديث صحيح أخرجه الشيخان في صحيحيهما وله ألفاظ كثيرة متقاربة تؤدي إلى هذا المعنى أي: إن الله ﵎ حفظ نبيه - ﵌ - أن يتشبه به الشيطان لبني الإنسان حتى في المنام، وهذه غاية محافظة الله ﷿ لعصمة النبي - ﵌ -، وما ذلك إلا لمحافظته على شريعته ﵎ حتى لا يؤتى المسلم في نومه من الشيطان «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا» لمَ؟ علل ذلك ﵇ بقوله: «فإن الشيطان لا يتمثل بي» وفي لفظ آخر «لا يتزيى بي»
[ ٨ / ٢٣١ ]
ويُخبر بعض الناس ممن يرون أو يظنون بالأحرى أو الأصح أن نقول: يظنون أنهم رأو النبي - ﵌ - في المنام لمجرد أنه خيل إليهم أنهم رأوه في المنام فإذا ما سئلوا عن أوصافه - ﵌ - وشمائله حيث ادعوا أنهم رأوه أجابوا بصفات تخالف المعروف عنه - ﵌ - من شمائله، لقد وقع لنا [هذا] كثيرًا مع بعض الرائين فكنا نسألهم؛ بعضهم يقول: رأيت النبي - ﵌ - ووجهه ولحيته بيضاء كلها نور، يتوهم أنه يصف حقيقة النبي - ﵌ - وما درى أن هذا الوصف باطل إلى ما وصف به النبي - ﵌ - يدريه ويعلمه من كان على علم واسع بشمائل النبي - ﵌ -، فإننا نقرأ في صحيح البخاري وغيره عن أنس ابن مالك ﵁ أن النبي - ﵌ - ما شانه الله ببيضاء (١)، فإذن كيف يصف المرئي في منامه بأن له لحية بيضاء، وإن كان يضيف إلى ذلك بأنها من نور والرسول ﵇ لا يجوز أن يوصف بأنه كان شائبًا لأنه كذب عليه - ﵌ -، ويمكن أن هذا كذب يدخل في عموم قوله ﵊: «من كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار» وفي لفظ آخر: «من قال علي ما لم أقل فليتبوء مقعده من النار» وهذا الحديث وإن كان ظاهره التقول عليه بالكلام على كلامه ﵊، فلا شك أنه يشمل أيضًا أن ينسب إلى النبي - ﵌ - من الشمائل والأوصاف ما لم يكن عليها فمن ذلك وصفه ﵇ بأنه كان شائبا أبيض اللحية لكثرة الشيب في لحيته فهذا كذب لما ذكرته آنفًا من حديث أنس، وفي رواية أخرى عنه أن الشعرات البيضاء لا يتجاوز عددها عشرين شعرة
فهذا الرائي الذي يقول: رأيته ذا لحية بيضاء إلى آخر كلامه يدل على أنه لم ير النبي - ﵌ -، ذلك لأنه يقول ﵊: «من رآني في المنام فقد رآني حقًّا» من رآني: يعني بأوصافي وبشمائلي مش بالخيال لا يطابق ما كنت
_________________
(١) "صحيح مسلم" (رقم٦٢٢٥) ولم أجده بهذا اللفظ في البخاري.
[ ٨ / ٢٣٢ ]
عليه في حياتي، لذلك كان إمام المؤولين للرؤى وهو تابعي جليل محمد ابن سيرين ﵀ الراوي عن أبي هريرة المكثر من الرواية عن أبي هريرة ﵁، كان مشهورًا بإصابته في تأويل الرؤى، كان إذا جاءه شخص وادعى بأنه رأى النبي - ﵌ - في المنام سأله كيف رأيته؟ فيصفه بصفات لم يكن ﵇ متصفًا بها في حياته فيقول: لم تر الرسول لكن ذاك شيطان خيل إليك أنه الرسول والرسول يقول: «من رآني» أي على حقيقتي،
وهذا يذكرنا بحديث آخر وله علاقة بمسألة أخرى هامة وهي هل تكون الدعوة دعوة النبي - ﵌ - قد بلغت ناسًا أو قومًا إذا ما بلغتهم محرفة عن حقيقة الدعوة الإسلامية هل تكون بلغتهم والحالة هذه الدعوة وأقيمت عليهم الحجة؟ أم يكونون ممن يسميهم العلماء بأهل الفترة وينطبق عليهم قول ربنا ﷿ في القرآن: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾؟
الجواب بحديث يشبه هذا الحديث من جانب؛ ذاك الحديث هو: ما رواه الإمام مسلم في صحيحه (١) عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ -: «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي - هنا الشاهد - يسمع بي - كما قال: «من رآني» ما من رجل في هذه الأمة - أي أمة الدعوة -من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فقوله ﵊ في هذا الحديث: «يسمع بي» يعني على حقيقته وعلى حقيقة ما جاء به من الدعوة إلى الإسلام فإذا كان ذلك الرجل من يهودي أو نصراني لم يسمع به ﵇ على حقيقته فلم تبلغه الدعوة؛ لأنها بلغته محرفة، فإذا آمن بهذه
_________________
(١) رقم (٤٠٣).
[ ٨ / ٢٣٣ ]
الدعوة المحرفة لم يؤمن به ﵇، وعلى ذلك نفهم حقيقتين مؤسفتين:
الحقيقة الأولى: أن النصارى بخاصة في بلاد الغرب وأمريكا حينما يقوم المبشرون الذين يسمون على غير اسمهم مبشرون وهم في ضلال مبين، حينما يصفون نبينا - ﵌ - لأقوامهم بأوصاف مخالفة لما كان عليه الرسول ﵇ من طُهر وكمال في الأخلاق كما قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» فحينما يصف المبشرون نبينا - ﵌ - لقومهم بهذه الأوصاف ثم كانت النتيجة أنهم لم يؤمنوا به ﵇، فما بلغتهم الدعوة؛ لأنهم وصفوه لهم بأنه كان ذا شهوة عارمة، والدليل أن المسلمين يقولون بأنه ﵇ حرم على أمته من النساء أكثر من أربع بينما هو تزوج وجمع في وقت واحد بين تسع من النساء، فهم - أعني المبشرين الكذابين المفترين - يقولون: فأباح النبي لنفسه لغلبة الشهوة عليه ما حرم على أمته، فحينما يسمع النصارى مثل هذه الأوصاف الكاذبة تكون النتيجة أنهم لا يؤمنون لأنهم قد وُصف لهم الرسول على غير حقيقته هذه المسألة الأولى المؤسفة.
والمسألة الأخرى على العكس من هذا ولكنها أيضا مؤسفة، هناك طائفة من المسلمين ينتمون إلى الإسلام يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلون ويحجون ويزكون ويصومون ولكنهم يعتقدون عقائد باطلة تخالف الشريعة الإسلامية في كثير من عقائدها المعلومة من الدين بالضرورة أولئك هم المعروفون عند عامة المسلمين بالقاديانيين والذين يسمون أنفسهم بالأحمديين، لهم عقائد ضالة منحرفة عن الإسلام منها اعتقادهم بأن باب النبوة بعده ﵇ لم يغلق وأنه مفتوح إلى قيام الساعة، وأنه قد جاء واحد منهم وهو الذي اتبعوه واغتروا به وابتعدوا بسبب ذلك عن الإسلام بعيدًا بعيدًا جدًّا وهو المعروف
[ ٨ / ٢٣٤ ]
بميرزا غلام أحمد القادياني، هؤلاء يدعون إلى الإسلام في تلك البلاد الأوروبية بنشاط عجيب مع الأسف واستطاعوا أن يدخلوا في إسلامهم كثير من أولئك الأوروبيين فاعتقدوا ما اعتقدوه من جواز مجيء أنبياء بعد الرسول ﵇ ومنهم ميرزا غلام أحمد فهل هؤلاء الذين أسلموا إسلامًا قاديانيًّا سمعوا به ﵇ على حقيقته وحقيقة دعوته، وهل ينفعهم هذا الإسلام أم لا ينفعهم؟، الجواب في الحديث السابق «ما من رجل من هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» فمن سمع بالنبي - ﵌ - على غير ما كان عليه من أخلاق ومن شريعة فهو لم يسمع به وحينذاك لا يكون من المعذبين الكافرين في النار لأن الحجة لم تقم عليه وعلى العكس من ذلك أولئك الذين آمنوا به ﵇ على أنه يقول بأن النبوة بعده سائغة ماشية وإلى غير ذلك من عقائد القاديانية، ولستُ الآن بصدد ذكر كثير منها وإنما ذكرتُ هذا على سبيل التمثيل، فقوله - ﵌ - في الحديث الأول: «من رآني في المنام» أي: من رآني على حقيقتي البدنية وشمائلي المحمدية فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي، وبذلك نعلم أن كثيرًا من الرؤى التي يدعي أصحابها فيها أنهم رأوا النبي - ﵌ - وإذا ما سئلوا عن وصف المرئي كان جوابهم أنهم رأوه في صورة لم يكن ﵇ عليها، كما ضربنا لكم آنفا مثلًا بالرجل الشايب والذي لحيته نور هكذا رأى الرسول فهذه رؤيا شيطانية، كذلك مثلًا: وقع لنا [هذا] أننا سألنا: كيف رأيت الرسول؟ فيجيب بأني رأيته يمشي (الهوينة) يمشي بضعف وهذا خلاف شمائله ﵊ حيث جاء فيها أن النبي - ﵌ - كان إذا مشى فكأنما ينصب من صبب كناية على أنه ﵇ يمشي بقوة فمن رأى أنه يمشي على ضعف فليس هو الرسول ﵇ وهكذا يجب أن نفهم هذا الحديث
"فتاوى جدة -الأثر-" (١٧/ ٠٠:٢٦:٤٨)
[ ٨ / ٢٣٥ ]
[١٣٢٠] باب كيف تثبت خصوصياته - ﵌ -
[قال الإمام]:
خصوصياته ﵇ إنما تثبت بالنص الصحيح، فلا تثبت بالنص الضعيف ولا بالقياس والأهواء، والناس في هذه المسألة على طرفي نقيض، فمنهم من ينكر كثيرًا من خصوصياته الثابتة بالأسانيد الصحيحة، إما لأنها غير متواترة بزعمه، وإما لأنها غير معقولة لديه! ومنهم من يثبت له ﵇ ما لم يَثْبُتْ مثل قولهم: إنه أول المخلوقات، وإنه لا ظل له في الأرض وإنه إذا سار في الرمل لا تؤثر قدمه فيه، بينما إذا داس على الصخر علم عليه، وغير ذلك من الأباطيل.
والقول الوسط في ذلك أن يقال: إن النبي - ﵌ - بشر بنص القرآن والسنة وإجماع الأمة، فلا يجوز أن يعطى له من الصفات والخصوصيات إلا ما صح به النص في الكتاب والسنة، فإذا ثبت ذلك وجب التسليم له، ولم يجز رده بفلسفة خاصة علمية أو عقلية، زعموا، ومن المؤسف، أنه قد انتشر في العصر الحاضر انتشارًا مخيفًا رد الأحاديث الصحيحة لأدنى شبهة ترد من بعض الناس، حتى ليكاد يقوم في النفس أنهم يعاملون أحاديثه ﵇ معاملة أحاديث غيره من البشر الذين ليسوا معصومين، فهم يأخذون منها ما شاؤوا، ويدعون ما شاؤوا، ومن أولئك طائفة ينتمون إلى العلم، وبعضهم يتولى مناصب شرعية كبيرة! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأله تعالى أن يحفظنا من شر الفريقين المبطلين والغالين.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٩٦).
[ ٨ / ٢٣٦ ]
[١٣٢١] باب عصمته - ﵌ - من الناس
[عن عائشة ﵂ قالت]:
" كان يُحْرَسُ [أي النبي - ﵌ -]: حتى نزلت هذه الآية: ﴿والله يعصمك من الناس﴾، فأخرج رسول الله - ﵌ - رأسه من القبة، فقال لهم: يا أيها الناس! انصرفوا فقد عصمني الله ".
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به]
"الصحيحة" (٥/ ٦٤٤).
[١٣٢٢] باب كان النبي - ﵌ - لا يكتب
عن أبي راشد الحبراني: أتيت عبد الله بن عمرو، فقلت له: حدثنا بما سمعت من رسول الله - ﵌ -، فألقى إلي صحيفة، فقال: هذا ما كتب لي النبي - ﵌ -، فنظرت فيها فإذا فيها: إن أبا بكر الصديق ﵁ سأل النبي - ﷺ - قال: يا رسول الله! علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت. فقال: «يا أبا بكر! قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءًا، أو أجره إلى مسلم».
[قال الإمام]:
(صحيح)
[ثم علق على قوله في الحديث:"هذا ما كتب لي النبي - ﵌ - " قائلًا]:
أي أمر بالكتابة، فإنه - ﵌ - كان لا يكتب، كما هو ثابت في "صحيح
[ ٨ / ٢٣٧ ]
المؤلِّف [أي صحيح البخاري] "، ولعل المقصود أن المأمور بكتابة الصحيفة إنما هو ابن عمرو ﵄، فإنه كان يكتب كما في "الصحيح " أيضًا،
والله أعلم.
"صحيح الأدب المفرد" (ص٣٣٦).
[١٣٢٣] باب الرد على من زعم أن الشعر لم يجر على لسان نبينا - ﵌ - قط
عن عكرمة: سألت عائشة ﵂: هل سمعت رسول الله - ﵌ - يتمثل شعرًا قط؟ فقالت: أحيانًا إذا دخل بيته يقول: "ويأتيك بالأخبار من لم تزود"
(صحيح).
[قال الإمام]:
قوله: " ويأتيك بالأخبار من لم تزود" عجز بيت لطرفة بن العبد من معلقته المشهورة في "ديوانه" (٩٦)، و"شرح القصائد المشهورات" لابن النحاس (١/ ٩٤) وصدره: "ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا"؛ والمشهور في كتب الأدب أنه - ﷺ - كان يتمثل بقول طرفة: "ويأتيك من لم تزود بالأخبار"؛ لأن الشعر لم يجر قط على لسانه! هكذا زعموا، والحديث مما يرد عليهم.
"صحيح الأدب المفرد" (ص٢١٣).
[١٣٢٤] باب منه
عن شريح قال: قلت لعائشة ﵁: أكان رسول الله - ﵌ - يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: كان يتمثل بشيء من شعر عبد الله بن رواحة: " ويأتيك
[ ٨ / ٢٣٨ ]
بالأخبار من لم تزود"
(صحيح).
[قال الإمام]:
لا منافاة بينه وبين آية ﴿وما علمناه الشعر﴾ ونحوها؛ لأنه لم يكن قصدًا منه - ﷺ - إلى الشعر، ونظمًا منه له، وإنما كان تمثلًا به، وهذا مما يجوز في حقه - ﵌ - على الصحيح كما قال الحافظ (١٠/ ٢٤١) واحتج بهذا الحديث.
فما جاء في بعض كتب الأدب أنه - ﵌ - كسر هذا البيت فقال:
" ويأتيك من لم تزود بالأخبار" بدعوى أن الشعر لم يجر على لسانه! مما لا أصل له، مع مخالفته لهذا الحديث الصحيح وغيره فتنبه.
"صحيح الأدب المفرد" (ص٢٣٢).
[ ٨ / ٢٣٩ ]
جماع أبواب أعلام نبوته - ﵌ - ومعجزاته
[ ٨ / ٢٤١ ]
[١٣٢٥] باب من أعلام نبوته - ﵌ - حادثة الراهب بحيرا والرد على من أنكرها
[قال الإمام تحت عنوان]:
حادثة الراهب المسمّى "بحيرا" حقيقة لا خرافة (١):
قرأت في الأجزاء (٣٧ - ٤٠) شوال سنة ١٣٧٨ - من هذه المجلة الكريمة [أي مجلة التمدن] بحثًا من كتاب " المنتقى في تاريخ القرآن " للأستاذ عبد الرؤوف المصري تحت عنوان "خرافة الراهب بحيرا" جاء فيه:
"لم يثبت بالسند الصحيح عن الصحابة ولا عن التابعين حادثة بحيرا الراهب (نسطورس)، ولم يثبت بالصحيحين (كذا) بأن بحيرا قابل رسول الله حتى في صغره مع عمه أبي طالب في سفره إلى الشام، ولم يشر - ﵌ - إلى تلك الحادثة لا تصريحًا ولا تلميحًا في جميع أحاديثه وأدوار حياته، بل كانت حادثة بحيرا غفلة من بعض كتاب السيرة دسها داس لتعظيم شأن النبي في صغره ونقلها أصحاب السير من غير تمحيص " ثم قال:" واعتمدوا على أمشاج من الروايات لا سند لها ".
هذا لب ما جاء في البحث المذكور ويتلخص منه أن الحادثة لم تثبت في الصحيحين ولا في غيرهما عن أحد من الصحابة والتابعين بالسند الصحيح، وإن كل ما هنالك إنما هو أمشاج من الروايات التي لا سند لها.
_________________
(١) "مجلة التمدن الإسلامي" (٢٥/ ١٦٧/- ١٧٥)، بواسطة "مقالات الألباني".
[ ٨ / ٢٤٣ ]
سند الحادثة:
كيف لا تصح هذه الحادثة وقد رواها من الصحابة أبو موسى الأشعري، ومن التابعين الأجلاء أبو مجلز لاحق بن حميد رحمه الله تعالى، ورد ذلك عنهما بإسنادين صحيحين، وهاك البيان:
أما رواية أبي موسى الأشعري فأخرجها الترمذي في "سننه" (٤/ ٤٩٦) وأبو نعيم في "دلائل النبوة " (١/ ٥٣) والحاكم في " المستدرك " (٢/ ٦١٥ - ٦١٦) وابن عساكر في "تاريخ دمشق " (١/ ١٨٧ - ١٨٨/ ١) بأسانيد متعددة عن قراد أبي نوح: أنبأ يونس بن أبي إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى عن أبيه قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبي - ﵌ - في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب هبطوا فحلوا رحالهم فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يتلفت، قال: فهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم الراهب حتى جاء فأخذ بيد رسول الله - ﷺ -، وقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين، فقال له أشياخ من قريش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خرّ ساجدًا ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع لهم طعامًا فلما أتاهم به، وكان هو في رعية الإبل، قال: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجد القوم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. الحديث بطوله. وحسنه الترمذي وإسناده جيد وقد صححه الحاكم والجزري وقواه العسقلاني والسيوطي وقد بينت صحته على طريقة أهل الحديث قريبًا في "مجلة المسلمون " العدد الثامن من سنة ١٣٧٩ (ص ٣٩٣ - ٣٩٧) فليرجع إليه من شاء زيادة في التثبت.
وأما رواية أبي مجلز فأخرجها ابن سعد في " الطبقات الكبرى " قال:
[ ٨ / ٢٤٤ ]
(١/ ١٢٠): أخبرنا خالد بن خداش: أخبرنا معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي يحدث عن أبي مجلز أن عبد المطلب أو أبا طالب - شك خالد - قال: " لما مات عبد الله عطف على محمد - ﵌ -، قال: فكان لا يسافر سفرًا إلا كان معه فيه، وإنه توجه نحو الشام فنزل منزله فأتاه فيه راهب، فقال: إن فيكم رجلًا صالحًا، فقال: إن فينا من يقرى الضيف ويفك الأسير ويفعل المعروف، أو نحوًا من هذا، ثم قال: إن فيكم رجلًا صالحًا، ثم قال: أين أبو هذا الغلام؟ قال: ها أنا ذا وليه، أو قيل: هذا وليه، قال: احتفظ بهذا الغلام ولا تذهب به إلى الشام، إن اليهودَ حُسَّدٌ، وإني أخشاهم عليه، قال: ما أنت تقول ذاك ولكن الله يقول، فرده، قال: اللهم إني أستودعك محمدًا، ثم إنه مات.
وهذا إسناد مرسل صحيح، فإن أبا مجلز واسمه لاحق بن حميد تابعي، ثقة، جليل، احتج به الشيخان في صحيحيهما، وبقية أصحاب الكتب الستة، وأخذ الحديث عن جماعة من الصحابة منهم: عمران بن حصين، وأم سلمة زوج النبي - ﵌ -، وأنس، وجندب بن عبد الله، وغيرهم، ومن بينه وبين ابن سعيد كلهم عدول ثقات، احتج بهم مسلم في صحيحه.
وإذا تبين هذا يسقط بداهة قول الأستاذ في خاتمة البحث: "إن خرافة بحيرا ابتدعت في القرن الثاني والثالث الهجري، ولم يروها الثقات" فقد رواها الثقات من قبل القرن الذي زعم أن الحادثة ابتدعت فيه!
شبهات حول الحادثة وجوابها:
بعد أن أثبتنا صحة الحادثة بالحجة العلمية، لا بد لنا من الإجابة عن الشبهات التي حملت الأستاذ المصري على الطعن في الحادثة واعتبارها من الخرافات
التي راجت على أسلافنا جميعًا من كُِتاب السيرة! حتى يأخذ البحث مداه
[ ٨ / ٢٤٥ ]
العلمي فأقول:
الشبهة الأولى: أن النبي - ﷺ - لم يشر إلى تلك الحادثة لا تصريحًا ولا تلويحًا.
الجواب: إنها شبهة يغني حكايتها عن ردها، إذ كل من عنده ذرة من علم بسيرة النبي - ﷺ - وسيرة غيره من العظماء يعلم أن أكثر هذه السيرة وردت عن أصحابهم متحدثين بما يعلمونه عنهم، فهل طعن أحد في شيء من ذلك بعد ثبوت الرواية بها، لأن النبي - ﵌ -، لم يشر إلى ذلك أصلًا؟!
الشبهة الثانية: قول الأستاذ: "إن بحيرا الراهب كان في القرن الرابع للمسيح، وادعاء مقابلة بحيرا لمحمد - ﷺ - كان في أواخر القرن السادس مع أن بحيرا وجد في القرن الرابع وحادثته التاريخية مشهورة بقصها تاريخ الكنيسة نفسه "
وجوابنا عن هذه الشبهة من وجوه:
الأول: إن الراهب في تلك الحادثة لم يسم مطلقًا في الرواية الصحيحة التي قدمتها وبذلك تسقط الشبهة من أساسها.
الثاني: إن تسمية الراهب بـ (بحيرا) إنما جاء في بعض الروايات الواهية، في إحداها الواقدي وهو كذاب، وفي الأخرى محمد بن إسحاق صاحب السيرة رواها بدون إسناد، وهاتان الروايتان هما عمدة كل المؤرخين الذي سموه بهذا الاسم، فلا يجوز اعتبارهما ورد الرواية الصحيحة بهما كما هو ظاهر، على أن بعض مؤرخينا كالمسعودي وغيره ذكر أن اسمه جرجيس، فلا إشكال أصلًا.
الثالث: إن هذه الشبهة إنما تقوم على ادعاء الأستاذ أن الراهب بحيرا كان في القرن الرابع من الميلاد، وهي دعوى عارية عن الصحة إذ ليس لديه حجة علمية يستطيع بها إثباتها، وكل ما عنده من الحجة تاريخ الكنيسة! فيا لله العجب كيف
[ ٨ / ٢٤٦ ]
يثق الأستاذ بهذا التاريخ هذه الثقة البالغة إلى درجة أنه يعارض به تاريخ المسلمين، وهو يعلم أن تاريخهم - مهما كان، في بعض حوادثه نظر من الوجهة الحديثية خاصة - أصح وأنقى بكثير من تاريخ الكنيسة الذي تعجز الكنيسة نفسها عن إثبات صحة كتابها المقدس الذي هو أصل دينها، فكيف تستطيع أن تثبت تاريخها الذي هو بحق "أمشاج من الروايات التي لا سند لها " كما قاله الأستاذ نفسه لكن في تاريخ المسلمين لا تاريخ الكنيسة!!
الرابع: إنني رجعت إلى دائرة المعارف الإسلامية تأليف جماعة من المستشرقين، وإلى دائرة المعارف للبستاني، وإلى "المنجد"، فلم أجدهم ذكروا ما عزاه الأستاذ المصري إلى تاريخ الكنيسة، بل ظاهر كلامهم أنهم لا يعرفون عنه شيئًا مما يتعلق بتاريخ حياته في أرض العرب، إلا مما جاء في مصادرنا الإسلامية، وخاصة ما يتعلق منه بقصة اتصاله بالنبي - ﵌ - حسبما تقدم تخريجه، وإن كانوا يعتبرونها "من الأساطير التي أحاطت بسيرة النبي محمد - ﵌ - " حسبما تقدم تخريجه، كفرًا منهم واستكبارًا أن يكون رسول الله - ﵌ - مبشرًا به في الكتب السماوية السابقة، ومعروفًا عند المؤمنين بها، ولذلك علق الأستاذ الفاضل المحقق أحمد محمد شاكر على هذه الكلمة الواردة في "دائرة المعارف الإسلامية " بقوله:
"ليست هذه القصص بالأساطير، بل كثير منها ثابت بأسانيد صحيحة، وعلم أهل الكتاب بالبشارة بمحمد - ﵌ - في كتبهم ثابت عند المسلمين بنص القرآن الصريح، وليسوا في حاجة إلى افتعال أساطير يؤيدون بها ما أثبته الوحي المنزل من عند الله، وهو ثابت أيضًا عند المسلمين فيما قرءوه من كتب أهل الكتاب مما بقى في أيديهم من الصحيح من أقوال أنبيائهم المنقولة في كتبهم ".
[ ٨ / ٢٤٧ ]
الخامس: لنفترض أن ما عزاه الأستاذ إلى تاريخ الكنيسة صحيح ثابت، وهو أن بحيرا الراهب كان في القرن الرابع من الميلاد، فذلك لا ينفي أن يأتي شخص آخر على شاكلته في الترهب سمي باسمه منذ ولادته على عادة النصارى وغيرهم من التسمي بأسماء الصالحين عندهم، أو لقب به بعد، لظهور شبه فيه به، هذا كله جائز ليس في العقل السليم ما ينفيه، وإذا الأمر كذلك، فبإمكان الأستاذ أن يعتقد وجود شخصين في زمنين متباينين باسم واحد (بحيرا) وبذلك يستطيع أن يوفق بين ثقته بالتاريخ الكنسي، وثقته بالتاريخ الإسلامي ولا يقع في هذه المغالطة التي كتبها بقلمه: "فكيف التقى الزمان القرن الرابع والقرن السادس، والتقى المكانان "!!
تلك وجوه خمسة في الجواب عن الشبهة الثانية أقواها عندنا الوجه الأول، وسائرها إنما هي بالنظر لترجيح التاريخ الإسلامي على التاريخ الكنسي، ولا حاجة بنا إليها بعد الوجه الأول، وإنما ذكرتها لبيان ما يرد على الأستاذ مما قد يكون غافلًا عنه.
الشبهة الثالثة: قول الأستاذ ما خلاصته: "إن الغرض من ذكر خرافة بحيرا الراهب، إنما هو كرد على المبشرين والمستشرقين الذين يدعون بأن هذا الدين الإسلامي من بحيرا الراهب، وكان يتردد على مكة يُعَلِّم محمدًا تعاليمه".
وأقول: لا شك أن الأستاذ المصري يشكر على قصده المذكور ولكن خفي عليه أن الرد على المبشرين لا يكون برد الحقائق التاريخية، وإنكار ثبوتها، بحجة أن الكفار يستغلونها للطعن في الإسلام أو في نبيه ﵊، بل المنهج العلمي الصحيح يوحي بالاعتراف بالحادثة الثابتة، ثم الجواب عن استغلال المبشرين لها جوابًا علميًا صحيحًا، ومن المؤسف جدًا أن هذه الطريقة
[ ٨ / ٢٤٨ ]
التي جرى عليها حضرة الأستاذ في الرد على المبشرين والمستشرقين، قد أخذ بها كثير من الكتاب المسلمين في العصر الحاضر، لا سيما الذين لا علم عندهم بأدلة الكتاب والسنة، فهؤلاء كلما رأوا مبشرًا (١) يورد شبهة على نص إسلامي، أو يستغله للطعن في الدين، بادروا إلى التشكيك في صحته إن كان حديثًا أو سيرة، وإلى تأويل معناه إن كان لا سبيل إلى إنكاره من أصله كالقرآن، وهذا الأسلوب مع ما فيه من عدم الاعتداد بنصوص الشريعة المعصومة ومعانيها، فإنه في الوقت نفسه يدل على أن هؤلاء الكتاب قد وثقوا بعلم أولئك الكفار وفهمهم وإخلاصهم ثقة عمياء! مع أن الذي يدقق فيما كتبوه ويكتبونه من البحوث حول الشريعة الإسلامية والتاريخ الإسلامي يتجلى له بوضوح لا وضوح بعده - إلا قليلًا منهم - لا إنصاف عندهم ولا علم، وأنهم كل غرضهم من ذلك تشويه حقائق الإسلام الناصعة وإبعاد المسلمين عنه، وليس يتسع هذا المقال لضرب الأمثلة على ما نقول، ولكن حسبنا منها هذه الحادثة التي أثبتنا صحتها، فقد علمت مما سبق كيف أن جماعة من أولئك المستشرقين اعتبروها من الخرافات والأساطير، وكيف أن الأستاذ المصري انزلق معهم في ذلك مع ما فيها من الآيات البينات على التبشير بنبوته - ﵌ -، ولذلك أنكرها أولئك الكفار، وأما أخونا المصري فإنما أنكرها متأثرًا بوحي خفي من بعض المستشرقين الآخرين الذين زعموا أن الحادثة تدل أن الدين الإسلامي مستقى من بحيرا الراهب، وأنه كان يتردد إلى مكة يعلم محمدًا - ﵌ - تعاليمه! كما نقله الأستاذ المصري عنهم، وهم بهذا الزعم يرمون إلى أحد شيئين إما إثباته في قلوب ضعفاء العلم والإيمان منا، وإما حمل من كان قوي الإيمان منا
_________________
(١) قلت: الصواب تسميته «منصرًا» فأخبارهم وأعمالهم وأبعد ما يكون عن البشارة والخير. (العباسي). [منه].
[ ٨ / ٢٤٩ ]
على رد الحادثة في سبيل رد هذا الزعم الباطل، وهذا مع الأسف قد حصلوا عليه من بعضهم.
ومن الغرائب حقًا أن هذا الزعم الذي هو موضوع الردّ مع أنه باطل في نفسه ولا صلة له بالحادثة مطلقًا، لأن التقاء النبي - ﵌ - مرة واحدة وفي ساعة أو ساعات محدودة مع الراهب في الشام شيء، وتردد الراهب إلى محمد - ﵌ - وفي مكة شيء آخر، وهذا التردّدُ لو وَرَدَ شيءٌ، والالتقاء شيءٌ أخرُ، ومع أن هذا الزعم لم يَخْفَ بطلانُهُ على الأستاذ المصري كما صرح به في بحثه مع ذلك كله فإنه رد الحادثة وحكم ببطلانها! وهذا تناقض عجيب، فإنه إذا كان الأستاذ جازمًا ببطلان الزعم المذكور، فلماذا رد الحادثة بعلة الرد على المبشرين الأفاكين، مع أن الرد حصل عليهم كما رأيت بدون رد الحادثة، بل ألا يكفي في الرد عليهم قول الله ﷿ في الرد على سلفهم من أمثالهم من المشركين الأفاكين الذين ادعوا مثل هذا الزعم في حياته؟! فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ، إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، إِنَّمَا يَفْتَرِي الكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الكَاذِبُونَ﴾.
ما وراء إنكار الحادثة:
إنَّ أخشى ما أخشاه أن يكون الأستاذ المصري من أولئك الذين لا يصدقون بمعجزات النبي - ﵌ - غير القرآن طبعًا - هذه المعجزات التي تجاوزت المئات، وثبت قسم كبير منها بالطرق المتواترات التي لا يسع العالم بها أن ينكرها، والذي يحملني على إبداء هذه الخشية أن الأستاذ نقل فصلًا من كلام الدكتور هيكل جاء فيه: " ولقد كان - ﵌ - لا يرضى أن تنسب إليه معجزة غير القرآن ويصارح أصحابه
[ ٨ / ٢٥٠ ]
بذلك " وأقره الأستاذ عليه، وأتي عليه بمثال فقال عقبه: "مثل شق الصدر وغيره".
ونحن نعلم أن حادثة شق الصدر صحيحة ثابتة في صحيح مسلم وغيره، فإذا كان الأستاذ ينكر ذلك تقليدًا منه للدكتور هيكل في القول المذكور، فمعنى ذلك أن الأستاذ ينكر المعجزات كلها مهما كانت أسانيدها صحيحة وكثيرة، وحينئذ فإنكاره لحادثة التقائه - ﵌ - بالراهب ليس الباعث عليه الرد على المبشرين لأن الرد حصل بدون ذلك كما عرفت، وإنما هو ما قام في نفس الأستاذ من إنكار المعجزات، وبما أن هذه الحادثة تتضمن أكثر من معجزة واحدة كتظليل الغمامة له - ﵌ - وميل فيء الشمس عليه فلذلك أنكرها الأستاذ.
وإذا كان استنتاجنا هذا صحيحًا، فالكلام حينئذ يأخذ مع الأستاذ مجالًا آخر وهو طريقة إثبات المعجزات كحوادث وقعت أو لم تقع وما هو السبيل إلى معرفة ذلك، فهذا لا مجال للبحث فيه الآن، ولعل الأستاذ لا يحوجنا إلى الولوج فيه، وذلك بتصريحه بتخطئتنا في استنتاجنا المذكور.
ولكن لا بد لي من الإشارة إلى بطلان ما عزاه الدكتور هيكل إلى النبي - ﵌ - أنه كان لا يرضى أن تنسب إليه معجزة غير القرآن، فإن هذا مما لا أصل له عن النبي - ﵌ -، بل هو من المعاني المخترعة التي أحدثها الدكتور وأمثاله من منكري المعجزات وألصقوها ببعض الآيات القرآنية زاعمين أنها المراد بها، ليضربوا بها المعجزات الثابتة بحجة أنها مخالفة لنص القرآن!!
ومجال القول في ذلك واسع جدًا فأكتفي بالإشارة إليه وأجتزيء بدليل واحد يؤيد البطلان المذكور.
وهو أن النبي - ﵌ - كان يحدث أحيانًا أصحابه ببعض معجزاته عملًا بقول الله
[ ٨ / ٢٥١ ]
﵎: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ فكان - ﵌ - يقول: «إني لأعرف حجرًا كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن» رواه مسلم وغيره.
فإذا كان - ﵌ - يحدث أصحابه بمعجزاته ثم يرويها منسوبة إلى أصحابه من بعده، فكيف يصح أن يقال: إنه كان لا يرضى أن تنسب إليه معجزة؟!
وإني قبل أن أنهي هذا البحث لا بد من أن ألفت نظر القارئ إلي أمر هام، وهو أنني حين قرأت بحث الأستاذ وما نقله عن ابن خلدون ومحمد عبده والسيد رشيد رضا والدكتور هيكل من وجوب التدقيق في روايات الحديث والسيرة إذ ليس كل ما فيها صحيحًا، تساءلت في نفسي: ترى هل دقق هؤلاء في هذه الحادثة فتبين لهم أنها خرافة كما ادعى الأستاذ المصري؟ فرجعت إلى اثنين منهم من المعاصرين وهما الدكتور هيكل في كتابه " حياة محمد" والسيد رشيد رضا في رسالته "خلاصة السيرة النبوية " فإذا بالأول يذكر هذه الحادثة (١١٢ - ١١٣) كما يذكرها كل المؤرخين، وكذلك فعل الثاني (ص١٤ - ١٥) دون أن يذكر أو يشير أدنى إشارة إلى ضعفها فضلًا عن وضعها! والحقيقة أن أحدًا لم يصرح - فيما علمت - بأن حادثة بحيرا الراهب خرافة قبل الأستاذ المصري، والحمد لله لست من " أهل الطرق ولا المتطفلين من بعض من يلبسون العمائم " وقد استندنا فيما أوردنا إلى طرق العلم الصحيح، ولكن الأستاذ اتبع فيما أنكر ظنونًا وأوهامًا أدّت به - ولو مع حسن النية - إلى إنكار حقيقة تاريخية لا شك فيها هي حادثة بحيرا الراهب، فعسى أن الأستاذ المصري يعيد النظر فيما كان كتب فيها على ضوء الحجج التي أوردنا حتى نلتقي في صعيد واحد في ميدان العلم والحق.
محمد ناصر الدين الألباني
دمشق -٢٢/ ٣/١٣٧٩ هـ
"مقالات الألباني" (ص ١١٨ - ١٢٧)
[ ٨ / ٢٥٢ ]
[١٣٢٦] باب من أعلام نبوته - ﵌ - تظليل الغمام له ومَيل فيء الشجرة عليه والرد على من أنكر ذلك
[قال الإمام تحت عنوان]:
حديث تظليل الغمام له أصل أصيل (١)
قرأت في العدد السادس من المجلد السادس من مجلة "المسلمون" الغراء كلمة الأستاذ الطنطاوي بعنوان "صناعة المشيخة" فَسرَّني ما فيها من الصراحة والشجاعة في محاربة الباطل الذي انطلى أمره على كثير من الناس فبارك الله فيه وزاده توفيقًا.
بيد أنني استنكرت قوله في التعليق: "وما يقوله القوالون من أنه (المظلل بالغمام) لا أصل له ".
ذلك لأن حديث تظليل الغمام للنبي ﵊ ثابت في غير ما كتاب من كتب السنة، فكيف يصح أن يقال فيه: "لا أصل له "؟ نعم لو قال: " لا يصح سنده " لكان أقرب إلى الصواب، وأبعد عن الغلو في الخطاب، وإنما قلت: " أقرب " لأن الصواب أن الحديث صحيح، وإن ضعَّفه بعضهم، لأنه لم يأت عليه بحجة مقنعة وإليكم البيان:
أخرج الترمذي (٤/ ٢٩٦ بشرح التحفة) وأبو نعيم في (دلائل النبوة ١/ ٥٣) والحاكم (٢/ ٦١٥ - ٦١٦) وابن عساكر في (التاريخ ١/ ١٨٧/١ - ١٨٨/ ١) عن قراد أبي نوح، أنبأ يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه،
_________________
(١) "مجلة المسلمون" (٦/ ٧٩٣ - ٧٩٧)، بواسطة "مقالات الألباني".
[ ٨ / ٢٥٣ ]
قال: خرج أبو طالب إلي الشام وخرج معه رسول الله - ﵌ - في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب قلت: فذكر القصة وفيها «فأقبل - ﵌ - وعليه غمامة تظله، قال: انظروا إليه غمامة تظله! فلما دنا على القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، قال انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه» الحديث بطوله، وفي آخره «وبعث معه أبو بكر بلالًا» قلت: فهذا الإسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح: أما أبو بكر بن أبي موسى فثقة بلا خلاف واحتج به الشيخان.
وأما يونس بن أبي إسحاق فاحتج به مسلم، وفيه كلام لا يسقط حديثه عن رتبة الاحتجاج به، وقد قال الذهبي فيه: "صدوق ما فيه بأس ".
وأما قراد، واسمه عبد الرحمن، فثقة أيضًا احتج به البخاري.
قلت: فتبين أن الإسناد صحيح من الوجهة الحديثية، وقد تناقضت فيه آراء العلماء ما بين مفرط ومفرِّط، فهذا الحاكم يقول فيه: "صحيح على شرط الشيخين"! وقال الجزري: «إسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح أو أحدهما».
وفي الجانب الآخر قول الذهبي في تعقيبه على الحاكم: " قلت: أظنه موضوعًا، فبعضه باطل ".
فهذا الغلو من القول لا ينفق في ميدان العلم والبحث الحر، فأين الدليل على وضعه بطوله، ومن المعلوم أن الوضع إنما يحكم به إما من جهة السند، وذا منفي هنا لما علمت من ثقة رجاله، وإما من جهة متنه، وهذا مفقود أيضًا إذ غاية ما يمكن أن ينكر منه ما ذكره الذهبي في ترجمة قراد أبي نوح من " الميزان " فقال:
" أنكر ما له حديثه عن يونس بن أبي إسحاق ومما يدل على أنه باطل
[ ٨ / ٢٥٤ ]
قوله: " وبعث معه أبو بكر بلالًا" وبلال لم يكن بعد خلق، وأبو بكر كان صبيًا ".
وقال في "تاريخ الإسلام " (١/ ٣٩):
"تفرد به قراد، واسمه عبد الرحمن بن غزوان، ثقة احتج به البخاري والنيسابوري (١)، ورواه الناس عن قراد وحسنه الترمذي، وهو حديث منكر جدًا، وأين كان أبو بكر؟! كان ابن عشر سنين فإنه أصغر من رسول الله - ﵌ - بسنتين ونصف، وأين كان بلال في هذا الوقت، فإن أبا بكر لم يشتره إلا بعد المبعث ولم يكن ولد بعد".
وذكر نحو هذا وأبسط منه ابن القيم في فصل له في هذا الحديث مخطوط في المكتبة الظاهرية بدمشق (عام- ٥٤٨٥/ ١٠٠ - ١٠٣).
قلت: وهذا النقد للمتن لو سلم به لم يقتض الحكم على الحديث كله بالوضع، ذلك لأن رواته ثقات كما عرفت، وحينئذ إنما يجوز أن يردَّ من حديث الثقة ما ثبت خطؤه ويبقى باقيه على الأصل وهو القبول، ويؤيده أن البزار لما روى هذا الحديث لم يسم "بلالًا" وإنما قال: "رجلًا" وعلى هذا يطيح الإشكال الذي اعتمد عليه الذهبي في إنكاره للحديث، ويدل على أن تسمية الرجل بلالًا سهو من بعض الرواة، وهذا لا بد من الاعتراف به، إذ الثقة قد يخطيء والجواد قد يكبو.
وتوسط آخرون فحسنوا الحديث كالترمذي، فإنه قال: " حديث حسن غريب".
_________________
(١) يعني الإمام مسلمًا صاحب الصحيح فإنه من نيسابور، ولكن قرنه مع البخاري هنا وهم، فإن مسلمًا لم يخرج له كما أفاده الذهبي نفسه في الميزان. [منه].
[ ٨ / ٢٥٥ ]
وهذا هو الحق عندي لما عرفت من سلامة إسناده من قادح، وما أشرنا إليه من الكلام في بعض رواته لا ينافي القول بحسنه لا سيما إذا علمنا مجيئه من طرق أخرى، فقد قال السيوطي في "الخصائص الكبرى" (١/ ٨٤):
"قال البيهقي: هذه القصة مشهورة عند أهل المغازي.
قلت: ولها شواهد عدة سأوردها تقضي بصحتها، إلا أن الذهبي ضعف الحديث لقوله في آخره: "وبعث معه أبو بكر بلالًا" وقد قال ابن حجر في "الإصابة":الحديث رجاله ثقات، وليس فيه منكَر سوى هذه اللفظة، فتحمل على أنها مدرجة فيها مقتطعة من حديث آخر وهمًا من أحد رواته".
ثم ساق السيوطي الشواهد التي أشار إليها فليراجعها من شاء فإن الكلام عليها مما يطيل البحث، ولا مجال لذلك الآن.
بقي علينا أن ندفع شبهة أخرى على هذه المعجزة وقد تعلق بها الذهبي أيضًا، فإنه قال عطفًا على قوله السابق في "التاريخ":
"وأيضًا فإذا كان عليه غمامة تظله كيف يتصور أن يميل فيء الشجرة لأن ظل الغمامة تقدم فَيْءَ الشجرة التي نزل تحته".
فأقول: إنما يصح هذا الاستشكال لو كان في الحديث التصريح بأن الفيء مال مع بقاء الغمامة عليه - ﵌ -، وليس في الحديث شيء من هذا، فمن الجائز أنه - ﵌ - لما جلس عند الشجرة عليه ليظله بدل الغمامة، عليه فيكون قد ظهرت له - ﵌ - في هذه القصة معجزتان الأولى تظليل الغمامة له، والأخرى ميل الفيء عليه، وهو - ﵌ - أهل لذلك ولما هو أكثر منه بأبي هو وأمي - ﵌ -، نقول هذا وإن كنا لسنا والحمد لله من الذين ينسبون إليه - ﵌ - ما هب ودب مما لم يصح من المعجزات،
[ ٨ / ٢٥٦ ]
فإن فيما صح منها ما يكفي ويشفي والحمد لله.
على أنه ينبغي أن لا ننسى أنه ليس في هذه القصة أن الغمامة كانت تظله دائمًا أينما سار وأينما نزل، فإن هذا الباطل قطعًا، فهناك أحاديث كثيرة صحيحة تصرح بأنه - ﵌ - كان يستظل بالشجرة والخيام وغيرها، وإنما وقعت هذه المعجزة في خروجه - ﵌ - إلى الشام.
وخلاصة القول: إن تظليل الغمامة له - ﵌ - له أصل في السنة، ولكن في ثبوته ما ألممت به من الخلاف، والراجح عندي الصحة لما سبق، فمن اقتنع بذلك فبها، وإلا فحسبه التوقف وترك الجزم بالضعف؛ وأما القول بأنه لا أصل له، فلا أصل له.
محمد ناصر الدين الألباني
دمشق -١٨ ذي القعدة ١٣٧٨ هـ
"مقالات الألباني" (ص ١١٣ - ١١٧).
[١٣٢٧] باب من أعلام نبوته - ﵌ - شق صدره وهو صغير
سؤال: هل صحيح أن النبي - ﵌ - شق صدره وهو غلام صغير؟
الشيخ: صحيح.
مداخلة: صحيح؟
الشيخ: نعم.
مداخلة: وهو صغير؟
الشيخ: نعم.
" الهدى والنور" (/٢٤١/ ٤٢: ٢٣: ٠٠)
[ ٨ / ٢٥٧ ]
[١٣٢٨] باب من أعلام النبوة التنبؤ بفتح فارس والروم
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«كلوا من جوانبها، ودعوا ذروتها يبارك لكم فيها، ثم قال: خذوا فكلوا، فوالذي نفس محمد بيده ليفتحن عليكم أرض فارس والروم، حتى يكثر الطعام فلا يذكر اسم الله عليه».
[قال الإمام]:
والحديث علم من أعلام نبوته - ﵌ -، فقد فتح سلفنا أرض فارس والروم وورثنا ذلك منهم، وطغى الكثيرون منا فأعرضوا عن الشريعة وآدابها التي منها ابتداء الطعام بـ " بسم الله " فنسوا هذا حتى لا تكاد تجد فيهم ذاكرًا!
"الصحيحة" (١/ ٢/٧٤٩ - ٧٥٠).
[١٣٢٩] باب من أعلام النبوة التنبؤ بفتح قسطنطينية
عن أبى قبيل قال: كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاصي وسئل أي المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق، قال: فأخرج منه كتابا قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله - ﵌ - نكتب، إذ سئل رسول الله - ﵌ -: أي المدينتين تفتح أولًا أقسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله - ﵌ -:
«مدينة هرقل تفتح أولًا. يعني قسطنطينية».
[وقال الإمام]:
(رومية) هي روما كما في " معجم البلدان " وهي عاصمة إيطاليا اليوم.
وقد تحقق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثماني كما هو معروف،
[ ٨ / ٢٥٨ ]
وذلك بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي - ﵌ - بالفتح، وسيتحقق الفتح الثاني بإذن الله تعالى ولابد، ولتعلمن نبأه بعد حين.
ولا شك أيضًا أن تحقيق الفتح الثاني يستدعي أن تعود الخلافة الراشدة إلى الأمة المسلمة.
"الصحيحة" (١/ ١/٣٣).
[١٣٣٠] باب من معجزاته - ﵌ - العلمية الغيبية:
تنبئه بأن تبوك ستصير جنانًا
عن معاذ بن جبل: أنهم خرجوا مع رسول الله - ﵌ - عام غزوة تبوك وكان رسول الله - ﵌ - يجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء قال: فأخر الصلاة يومًا ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا ثم قال: «إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، فإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي»
قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء من ماء فسألهما رسول الله - ﵌ -: «هل مسستما من مائها شيئًا؟» فقالا: نعم، فسبهما، وقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم غرفوا من العين بأيديهم قليلًا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله - ﵌ - فيه وجهه ويديه، ثم أعادها فيها فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ثم قال رسول الله - ﵌ -: «يوشك يا معاذ إن طالت بك الحياة أن ترى ما هاهنا قد مليء جنانا».
[قال الإمام]: صحيح.
[ ٨ / ٢٥٩ ]
[ثم علق قائلا]:
هذا من معجزاته - ﵌ - العلمية الغيبية، فقد صارت تبوك جنانًا، أو كادت، فصلى الله وسلم على محمد النبي الأمي.
"صحيح موارد الظمآن" (١/ ٢٦٤).
[١٣٣١] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما ههنا قد ملئ جنانًا. يعني تبوك».
[ترجمه الإمام بقوله: من أعلام النبوة].
"الصحيحة" (٣/ ٢١٠).
[١٣٣٢] باب من أعلام النبوة التنبؤ بظهور السيارات وظهور الكاسيات العاريات
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمهن نساؤكم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم».
[قال الإمام]:
النبي - ﵌ - يشير بذلك إلى هذه المركوبة التي ابتكرت في هذا العصر، ألا
[ ٨ / ٢٦٠ ]
وهي السيارات، فإنها وثيرة وطيئة لينة كأشباه الرحال، ويؤيد ذلك أنه - ﵌ - سماها (بيوتًا) في حديث آخر تقدم برقم (٩٣)، لكن تبين فيما بعد أن فيه انقطاعًا. وإذن ففي الحديث معجزة علمية غيبية أخرى غير المتعلقة بالنساء الكاسيات العاريات، ألا وهي المتعلقة برجالهن الذين يركبون السيارات ينزلون على أبواب المساجد.
ولعمر الله إنها لنبوءة صادقة نشاهدها كل يوم جمعة حينما تتجمع السيارات أمام المساجد حتى ليكاد الطريق على رحبه يضيق بها، ينزل منها رجال ليحضروا صلاة الجمعة، وجمهورهم لا يصلون الصلوات الخمس، أو على الأقل لا يصلونها في المساجد، فكأنهم قنعوا من الصلوات بصلاة الجمعة، ولذلك يتكاثرون يوم الجمعة وينزلون بسياراتهم أمام المساجد فلا تظهر ثمرة الصلاة عليهم، وفي معاملتهم لأزواجهم وبناتهم، فهم بحق "نساؤهم كاسيات عاريات"! وثمة ظاهرة أخرى ينطبق عليها الحديث تمام الانطباق، ألا وهي التي نراها في تشييع الجنائز على السيارات في الآونة الأخيرة من هذا العصر،. يركبها أقوام لا خلاق لهم من الموسرين المترفين التاركين للصلاة، حتى إذا وقفت السيارة التي تحمل الجنازة وأدخلت المسجد للصلاة عليها، مكث أولئك المترفون أمام المسجد في سياراتهم، وقد ينزل عنها بعضهم ينتظرون الجنازة ليتابعوا تشييعها إلى قبرها نفاقًا اجتماعيًا ومداهنةً، وليس تعبدًا وتذكرًا للآخرة، والله المستعان.
هذا هو الوجه في تأويل هذا الحديث عندي، فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي، والله تعالى هو المسؤول أن يغفر لي خطئي وعمدي، وكل ذلك عندي.
الصحيحة" (٦/ ١/٤١١، ٤١٥ - ٤١٦)
[ ٨ / ٢٦١ ]
[١٣٣٣] باب من أعلام النبوة التنبؤ بانتشار الزينة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«كيف أنتم إذا مرج الدين [وسفك الدمَ وظهرت الزينة، وشرف البنيان]، وظهرت الرغبة، واختلفت الإخوان، وحرق البيت العتيق؟!».
[قال الإمام]:
وهي من معجزاته - ﵌ - العلمية، وبخاصة منها قوله: " وظهرت الزينة "، فقد انتشرت في الأبنية والألبسة والمحلات التجارية انتشارًا غريبًا، حتى في قمصان الشباب ونعالهم، بل ونعال النساء! فصلى الله على الموصوف بقوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾.
و(الرغبة): قال ابن الأثير: " أي قلة العفة وكثرة السؤال ".
"الصحيحة" (٦/ ١/٥٥٥ - ٥٥٦).
[١٣٣٤] باب من أعلام النبوة التنبؤ برفع العلم الشرعي
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن من أشراط الساعة أن يفيض المال، ويكثر الجهل، وتظهر الفتن، وتفشو التجارة، [ويظهر العلم]».
[قال الإمام]:
في الحديث إشارة قوية إلى اهتمام الحكومات اليوم في أغلب البلاد بتعليم الناس القراءة والكتابة، والقضاء على الأمية حتى صارت الحكومات تتباهى بذلك، فتعلن أن نسبة الأمية قد قلت عندها حتى كادت أن تمحى! فالحديث علم من أعلام نبوته - ﵌ -، بأبي هو وأمي.
[ ٨ / ٢٦٢ ]
ولا يخالف ذلك - كما قد يتوهم البعض - ما صح عنه - ﵌ - في غير ما حديث أن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويظهر الجهل لأن المقصود به العلم الشرعي الذي به يعرف الناس ربهم ويعبدونه حق عبادته، وليس بالكتابة ومحو الأمية كما يدل على ذلك المشاهدة اليوم، فإن كثيرًا من الشعوب الإسلامية فضلًا عن غيرها، لم تستفد من تعلمها القراءة والكتابة على المناهج العصرية إلا الجهل والبعد عن الشريعة الإسلامية، إلا ما قل وندر، وذلك مما لا حكم له. وإن مما يدل على ما ذكرنا قوله - ﵌ -: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا». رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن عمرو وصدقته عائشة، وهو مخرج في " الروض النضير " (رقم ٥٧٩).
"الصحيحة" (٦/ ١/٦٣١، ٦٣٥).
[١٣٣٥] باب من أعلام النبوة
التنبؤ بظهور التعصب لغير الكتاب والسنة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«من اقتراب (وفي رواية: أشراط) الساعة أن ترفع الأشرار، وتوضع الأخيار، ويفتح القول، ويخزن العمل، ويقرأ بالقوم المثناة، ليس فيهم أحد ينكرها. قيل: وما المثناة؟ قال: ما استكتب سوى كتاب الله ﷿».
(فائدة):
هذا الحديث من أعلام نبوته - ﵌ -، فقد تحقق كل ما فيه من الأنباء، وبخاصة منها ما يتعلق بـ (المثناة) وهي كل ما كتب سوى كتاب الله كما فسره الراوي، وما
[ ٨ / ٢٦٣ ]
يتعلق به من الأحاديث النبوية والآثار السلفية، فكأن المقصود بـ (المثناة) الكتب المذهبية المفروضة على المقلدين، التي صرفتهم مع تطاول الزمن عن كتاب الله، وسنة رسوله - ﵌ - كما هو مشاهد اليوم مع الأسف من جماهير المتمذهبين، وفيهم كثير من الدكاترة والمتخرجين من كليات الشريعة، فإنهم جميعا يتدينون بالتمذهب، ويوجبونه على الناس حتى العلماء منهم، فهذا كبيرهم أبو الحسن الكرخي الحنفي يقول كلمته المشهورة: " كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ ". فقد جعلوا المذهب أصلًا، والقرآن الكريم تبعًا، فذلك هو (المثناة) دون ما شك أو ريب. وأما ما جاء في " النهاية " عقب الحديث وفيه تفسير (المثناة): " وقيل: إن المثناة هي أخبار بني إسرائيل بعد موسى ﵇ وضعوا كتابا فيما بينهم على ما أرادوا من غير كتاب الله، فهو (المثناة)، فكأن ابن عمرو كره الأخذ عن أهل الكتاب، وقد كان عنده كتب وقعت إليه يوم اليرموك منهم. فقال هذا لمعرفته بما فيها ".
قلت: وهذا التفسير بعيد كل البعد عن ظاهر الحديث، وأن (المثناة) من علامات اقتراب الساعة، فلا علاقة لها بما فعل اليهود قبل بعثته - ﵌ -، فلا جرم أن ابن الأثير أشار إلى تضعيف هذا التفسير بتصديره إياه بصيغة " قيل " وأشد ضعفًا منه ما ذكره عقبه:" قال الجوهري: (المثناة) هي التي تسمى بالفارسية (دوبيتي). وهو الغناء"!
"الصحيحة" (٦/ ٢/٧٧٤ - ٧٧٦).
[ ٨ / ٢٦٤ ]
[١٣٣٦] باب من أعلام نبوته - ﵌ - تنبئه بوفاته بعد عام
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«يا معاذ! إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، [أ] ولعلك أن تمر بمسجدي [هذا أ] وقبري».
[ترجم له الإمام بقوله: تنبؤه بوفاته بعد عام].
"الصحيحة" (٥/ ٦٦٥)
[١٣٣٧] باب من معجزاته - ﵌ - تنبئه بظهور السيارات
عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﵌ - يقول: «يكون في آخر أمتي رجال يركبون على سرج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات، لو كان وراءكم أمة من الأمم خدمهن نساؤكم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم».
[قال الإمام]: حسن.
[ثم علق قائلا:]
الحديث معجزة علمية غيبية للنبي - ﵌ -؛ فإنه يشير إلى السيارات الفاخرة التي يركبها أشباه الرجال الذين يأتون عليها إلى المساجد مشيعين للجنازة، فإذا أدخلت المسجد للصلاة عليها؛ ظل أولئك في سياراتهم أو واقفين بجانبها بالانتظار.
"صحيح موارد الظمآن" (٢/ ٤٧).
[ ٨ / ٢٦٥ ]
[١٣٣٨] باب من أعلام النبوة التنبؤ بخروج الفتن من العراق
[قال رسوله الله - ﵌ -]:
«ألا إن الفتنة ههنا، ألا إن الفتنة ههنا [قالها مرتين أو ثلاثا]، من حيث يطلع قرن الشيطان، [يشير [بيده] إلى المشرق، وفي رواية: العراق]».
[قال الإمام]:
قلت: وطرق الحديث متضافرة على أن الجهة التي أشار إليها النبي - ﵌ - إنما هي المشرق، وهي على التحديد العراق كما رأيت في بعض الروايات الصريحة، فالحديث علم من أعلام نبوته - ﵌ -، فإن أول الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سببا للفرقة بين المسلمين، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة كبدعة التشيع والخروج ونحوها.
وقد روى البخاري (٧/ ٧٧) وأحمد (٢/ ٨٥، ١٥٣) عن ابن أبي نعم قال: " شهدت ابن عمر وسأله رجل من أهل العراق عن محِرم قتل ذبابًا فقال: يا أهل العراق! تسألوني عن محرم قتل ذبابًا، وقد قتلتم ابن بنت رسول الله - ﵌ -، وقد قال رسول الله - ﵌ -: «هما ريحانتي في الدنيا».
وإن من تلك الفتن طعن الشيعة في كبار الصحابة ﵃، كالسيدة عائشة الصديقة بنت الصديق التي نزلت براءتها من السماء
"الصحيحة" (٥/ ٦٥٣ - ٦٥٦).
[١٣٣٩] باب منه
عن ابن عمر مرفوعًا: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في يَمَنِنَا»، قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟، قَالَ: «هُنَالِكَ الزَّلازِل ..».
(صحيح).
[ ٨ / ٢٦٦ ]
[قال الإمام]:
وقد تحقق ما أنبأ به ﵇ فإن كثيرًا من الفتن الكبرى كان مصدرها العراق، كالقتال بين سيدنا علي ومعاوية، وبين علي والخوارج، وبين علي وعائشة، وغيرها مما هو مذكور في كتب التاريخ. فالحديث من معجزاته - ﵌ - وأعلام نبوته.
"تخريج أحاديث فضائل الشام" (ص ٢٧).
[١٣٤٠] باب من الطب النبوي والإعجاز العلمي:
نهيه - ﵌ - عن الشرب من ثلمة القدح
عن أبي سعيد قال: نهى رسول الله - ﵌ - عن الشرب من ثلمة القدح
[قال الإمام]:صحيح لغيره.
[ثم علق على كلمة "ثلمة" قائلًا]:
أي: موضع الكسر منه، وإنما نهى عنه لأنه لا يتماسك عليها فم الشارب، وربما انصب الماء على ثوبه وبدنه، وقيل: لأن موضعها لا يناله التنظيف التام إذا غسل الإناء. "النهاية".
قلت: ويمكن أن يقال اليوم: لأنه مجمع الجراثيم والمكروبات، فهو من الطب النبوي، والإعجاز العلمي؛ فصلى الله على النبي الأمي.
"صحيح موارد الظمآن" (٢/ ١٥).
[ ٨ / ٢٦٧ ]
[١٣٤١] باب من الإعجاز النبوي الأمر بتغطية الإناء ..
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«غطوا الإناء وأوكوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه غطاء أو سقاء ليس عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء».
[ترجم له الإمام بقوله: ما لم يعرفه الطب الحديث].
"الصحيحة" (١/ ١/٩٣).
[١٣٤٢] باب من معجزاته - ﵌ - أن الجمادات تحبه وتحن إليه
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﵌ - لأبي طلحة: «التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني» فخرج أبو طلحة يردفني وراءه فكنت أخدم رسول الله - ﵌ - كلما نزل، قال: ثم أقبل حتى إذا بدا له أُحُد قال: «هذا جبل يحبنا ونحبه ».
(صحيح).
[قال الإمام]:
قيل [في قوله يحبنا ونحبه] على حذف مضاف؛ أي يحبنا أهله ونحب أهله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وأهله هم أهل المدينة، وقيل على حقيقته، وهو الصحيح عند أهل التحقيق؛ إذ لا يستبعد وضع المحبة في الجبال وفي الجذع اليابس، حتى إنه حن إلى النبي - ﵌ -.والله أعلم.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (٢/ ٥١٦).
[ ٨ / ٢٦٨ ]
[١٣٤٣] باب من أعلام النبوة التنصيص على أن في أحد جناحي الذباب داء وفي الآخر دواء
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه (كله) ثم لينتزعه، فإن في إحدى جناحيه داء وفي الأخرى شفاء».
[وقال رسول الله - ﵌ -]:
«إن أحد جناحي الذباب سم والآخر شفاء، فإذا وقع في الطعام فامقلوه، فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء».
[قال الإمام]:
كثيرا من الناس يتوهمون أن هذا الحديث يخالف ما يقرره الأطباء وهو أن الذباب يحمل بأطرافه الجراثيم، فإذا وقع في الطعام أو في الشراب علقت به تلك الجراثيم، والحقيقة أن الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك، بل هو يؤيدهم إذ يخبر أن في أحد جناحيه داء، ولكنه يزيد عليهم فيقول: " وفي الآخر شفاء " فهذا مما لم يحيطوا بعلمه، فوجب عليهم الإيمان به إن كانوا مسلمين، وإلا فالتوقف إذا كانوا من غيرهم إن كانوا عقلاء علماء! ذلك لأن العلم الصحيح يشهد أن عدم العلم بالشيء لا يستلزم العلم بعدمه.
نقول ذلك على افتراض أن الطب الحديث لم يشهد لهذا الحديث بالصحة، وقد اختلفت آراء الأطباء حوله، وقرأت مقالات كثيرة في مجلات مختلفة كل يؤيد ما ذهب إليه تأييدًا أو ردًا، ونحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث وأن النبي - ﵌ - ﴿ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى﴾، لا يهمنا كثيرًا ثبوت الحديث
[ ٨ / ٢٦٩ ]
من وجهة نظر الطب؛ لأن الحديث برهان قائم في نفسه لا يحتاج إلى دعم خارجي ومع ذلك فإن النفس تزداد إيمانًا حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلم الصحيح، ولذلك فلا يخلو من فائدة أن أنقل إلى القراء خلاصة محاضرة ألقاها أحد الأطباء في جمعية الهداية الإسلامية في مصر حول هذا الحديث قال: " يقع الذباب على المواد القذرة المملوءة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقل بعضها بأطرافه، ويأكل بعضًا، فيتكون في جسمه من ذلك مادة سامة يسميها علماء الطب بـ " مبعد البيكتريا "، وهي تقتل كثيرا من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود مبعد البكتريا. وأن هناك خاصية في أحد جناحي الذباب، هي أنه يحول البكتريا إلى ناحيته، وعلى هذا فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب، فإن أقرب مبيد لتلك الجراثيم وأول واق منها هو مبعد البكتريا الذي يحمله الذباب في جوفه قريبًا من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء فدواؤه قريب منه، وغمس الذباب كله وطرحه كاف لقتل الجراثيم التي كانت عالقة، وكاف في إبطال عملها ".
وقد قرأت قديمًا في هذه المجلة بحثًا ضافيًا في هذا المعنى للطبيب الأستاذ سعيد السيوطي (مجلد العام الأول) وقرأت كلمة في مجلد العام الفائت (ص٥٠٣) كلمة للطبيبين محمود كمال ومحمد عبد المنعم حسين نقلًا عن
مجلة الأزهر.
ثم وقفت على العدد (٨٢) من " مجلة العربي " الكويتية ص ١٤٤ تحت عنوان: " أنت تسأل، ونحن نجيب " بقلم المدعو عبد الوارث كبير، جوابا له على سؤال عما لهذا الحديث من الصحة والضعف؟ فقال: " أما حديث الذباب، وما في
[ ٨ / ٢٧٠ ]
جناحيه من داء وشفاء، فحديث ضعيف، بل هو عقلا حديث مفترى، فمن المسلم به أن الذباب يحمل من الجراثيم والأقذار ولم يقل أحد قط أن في جناحي الذبابة داء وفي الآخر شفاء، إلا من وضع هذا الحديث أو افتراه، ولو صح ذلك لكشف عنه العلم الحديث الذي يقطع بمضار الذباب ويحض على مكافحته".
وفي الكلام على اختصاره من الدس والجهل ما لابد من الكشف عنه دفاعًا عن حديث رسول الله - ﵌ -، وصيانة له أن يكفر به من قد يغتر بزخرف القول! فأقول: أولًا: لقد زعم أن الحديث ضعيف، يعني من الناحية العلمية الحديثية بدليل قوله: " بل هو عقلًا حديث مفترى ".
وهذا الزعم واضح البطلان، تعرف ذلك مما سبق من تخريج الحديث من طرق ثلاث عن رسول الله - ﵌ -، وكلها صحيحة. وحسبك دليلًا على ذلك أن أحدًا من أهل العلم لم يقل بضعف الحديث كما فعل هذا الكاتب الجريء!
ثانيًا: لقد زعم أنه حديث مفترى عقلًا.
وهذا الزعم ليس وضوح بطلانه بأقل من سابقه؛ لأنه مجرد دعوى لم يسق دليلًا يؤيده به سوى الجهل بالعلم الذي لا يمكن الإحاطة به، ألست تراه يقول: " ولم يقل أحد ، ولو صح لكشف عنه العلم الحديث ".
فهل العلم الحديث - أيها المسكين - قد أحاط بكل شيء علمًا، أم أن أهله الذين لم يصابوا بالغرور - كما أصيب من يقلدهم منا - يقولون: إننا كلما ازددنا علما بما في الكون وأسراره، ازددنا معرفة بجهلنا! وأن الأمر بحق كما قال الله ﵎: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾.
وأما قوله: " إن العلم يقطع بمضار الذباب ويحض على مكافحته "!
[ ٨ / ٢٧١ ]
فمغالطة مكشوفة، لأننا نقول: إن الحديث لم يقل نقيض هذا، وإنما تحدث عن قضية أخرى لم يكن العلم يعرف معالجتها، فإذا قال الحديث: " إذا وقع الذباب .. " فلا أحد يفهم، لا من العرب ولا من العجم، اللهم إلا العجم في عقولهم وإفهامهم أن الشرع يبارك في الذباب ولا يكافحه؟
ثالثًا: قد نقلنا لك فيما سبق ما أثبته الطب اليوم، من أن الذباب يحمل في جوفه ما سموه بـ " مبعد البكتريا " القاتل للجراثيم. وهذا وإن لم يكن موافقًا لما في الحديث على وجه التفصيل، فهو في الجملة موافق لما استنكره الكاتب المشار إليه وأمثاله من اجتماع الداء والدواء في الذباب، ولا يبعد أن يأتي يوم تنجلي فيه معجزة الرسول - ﵌ - في ثبوت التفاصيل المشار إليها علميا، ﴿ولتعلمن نبأه، بعد حين﴾.
وإن من عجيب أمر هذا الكاتب وتناقضه، أنه في الوقت الذي ذهب فيه إلى تضعيف هذا الحديث، ذهب إلى تصحيح حديث " طهور الإناء الذي يلغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات: إحداهن بالتراب " فقال: " حديث صحيح متفق عليه " فإنه إذا كانت صحته جاءت من اتفاق العلماء أو الشيخين على صحته، فالحديث الأول أيضا صحيح عند العلماء بدون خلاف بينهم، فكيف جاز له تضعيف هذا وتصحيح ذاك؟! ثم تأويله تأويلا باطلا يؤدي إلى أن الحديث غير صحيح عنده في معناه، لأنه ذكر أن المقصود من العدد مجرد الكثرة، وأن المقصود من التراب هو استعمال مادة مع الماء من شأنها إزالة ذلك الأثر!
وهذا تأويل باطل، بين البطلان وإن كان عزاه للشيخ محمود شلتوت عفا الله عنه. فلا أدري أي خطأيه أعظم، أهو تضعيفه للحديث الأول وهو صحيح، أم
[ ٨ / ٢٧٢ ]
تأويله للحديث الآخر وهو تأويل باطل!.
وبهذه المناسبة، فإني أنصح القراء الكرام بأن لا يثقوا بكل ما يكتب اليوم في بعض المجلات السائرة، أو الكتب الذائعة، من البحوث الإسلامية، وخصوصًا ما كان منها في علم الحديث، إلا إذا كانت بقلم من يوثق بدينه أولًا، ثم بعلمه واختصاصه فيه ثانيا، فقد غلب الغرور على كثير من كتاب العصر الحاضر، وخصوصًا من يحمل منهم لقب " الدكتور "!. فإنهم يكتبون فيما ليس من اختصاصهم، وما لا علم لهم به، وإني لأعرف واحدًا من هؤلاء، أخرج حديثًا إلى الناس كتابا جله في الحديث والسيرة، وزعم فيه أنه اعتمد فيه على ما صح من الأحاديث والأخبار في كتب السنة والسيرة! ثم هو أورد فيه من الروايات والأحاديث ما تفرد به الضعفاء والمتروكون والمتهمون بالكذب من الرواة كالواقدي وغيره، بل أورد فيه حديث: «نحن نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر»، وجزم بنسبته إلى النبي - ﵌ -، مع أنه مما لا أصل له عنه بهذا اللفظ، كما نبه عليه حفاظ الحديث كالسخاوي وغيره، فاحذروا أيها القراء أمثال هؤلاء.
والله المستعان.
"الصحيحة" (١/ ١/٩٤ - ١٠١).
[١٣٤٤] باب جملة من أعلام نبوته - ﵌ -
[قال] رسول الله - ﵌ -:
«يا معشر المهاجرين خصال خمس إن ابتليتم بهن ونزلن بكم أعوذ بالله أن تدركوهن، لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الأوجاع التي
[ ٨ / ٢٧٣ ]
لم تكن في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، ولا نقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سُلِّط عليهم عدو من غيرهم فيأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم».
(صحيح).
[قال الإمام]:
أليس هذا من أعلام نبوته - ﵌ - الدالة على صدقه، وأنه وحي من ربه؟! بلى وربي.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٣٤٣).
[١٣٤٥] باب من أعلام النبوة
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن بين يدي الساعة الهرج، قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل، إنه ليس بقتلكم المشركين، ولكن قتل بعضكم بعضا (حتى يقتل الرجل جاره ويقتل أخاه ويقتل عمه ويقتل ابن عمه) قالوا: ومعنا عقولنا يومئذ؟ قال: إنه لتنزع عقول أهل ذلك الزمان، ويخلف له هباء من الناس، يحسب أكثرهم أنهم على شيء وليسوا على شيء».
[ترجمه الإمام بما ترجمناه به].
"الصحيحة" (٤/ ٢٤٨).
[ ٨ / ٢٧٤ ]
[١٣٤٦] باب من خصوصياته - ﵌ -
أنه يسمع ما لا يسمع الناس ويرى ما لا يروه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن هذه الأمة تبتلى في قبورها، فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه. قال زيد: ثم أقبل علينا بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار، قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، فقال: تعوذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذا بالله من عذاب القبر، قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال، قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال».
[قال الإمام]:
وفي هذه الأحاديث فوائد كثيرة [منها]:
أن النبي - ﵌ - يسمع ما لا يسمع الناس، وهذا من خصوصياته ﵊، كما أنه كان يرى جبريل ويكلمه والناس لا يرونه ولا يسمعون كلامه، فقد ثبت في البخاري وغيره أنه - ﵌ - قال يومًا لعائشة ﵂: هذا جبريل يقرئك السلام، فقالت: وعليه السلام يا رسول الله، ترى ما لا نرى.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٩٦،٢٩٤).
[١٣٤٧] باب من خصائص نبينا - ﵌ -
إبصاره مِن ورائه في الصلاة خاصةً
عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى رسول الله - ﵌ - يومًا ثم انصرف، فقال: «يا فلان ألا تحسن صلاتك؟
[ ٨ / ٢٧٥ ]
ألا ينظر المصلي إذا صلى كيف يصلي، فإنما يصلي لنفسه، إني لأبصر من ورائي كما أبصر من بين يدي».
(صحيح).
[قال الإمام]:
قال النووي في شرح مسلم: قال العلماء: معناه أن الله تعالى خلق له - ﵌ - إدراكًا في قفاه يُبصر به من ورائه، وقد انخرقت العادة له - ﵌ - بأكثر من هذا، وليس يمنع من هذا عقل ولا شرع، بل ورد الشرع بظاهره فوجب القول به، قال القاضي: قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وجمهور العلماء: إن هذا الرؤية رؤية بالعين حقيقية قلت: وهي خاصة به - ﵌ - في حالة الصلاة، ولا دليل على العموم، فتنبه.
"التعليق على الترغيب والترهيب" (١/ ٢٤٥).
[١٣٤٨] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري».
[قال الإمام]:
في الحديث معجزة ظاهرة للنبي - ﵌ -، وهي رؤيته - ﵌ - مِنْ ورائِه، ولكن ينبغي أن يعلم أنها خاصة في حالة كونه - ﵌ - في الصلاة، إذ لم يرد في شيء من السنة، أنه كان يرى كذلك خارج الصلاة أيضا ً. والله أعلم.
الصحيحة" (١/ ١/٧٤،٧٠).
[ ٨ / ٢٧٦ ]
عن أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله - ﵌ - الظهر وفي مؤخر الصفوف رجل فأساء الصلاة فلما سلم ناداه رسول الله - ﵌ -: «يا فلان ألا تتقي الله؟ ألا ترى كيف تصلي؟ إنكم ترون أنه يخفى علي شيء مما تصنعون والله إني لأرى من خلفي كما أرى من بين يدي».
[قال الإمام]:
يعني في الصلاة بقرينة السباق، وذلك من خصوصياته ومعجزاته - ﵌ -.
"تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٢٥٥).
[١٣٥٠] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«كان خطيئة داود ﵇ النظر»
(موضوع)
[قال الإمام]:
رواه الديلمي بسنده عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن الحسن عن سمرة قال: قدم على النبي - ﵌ - وفد عبد القيس، وفيهم غلام ظاهر الوضاءة، فأجلسه النبي - ﵌ - خلف ظهره وقال: فذكره. قال ابن الصلاح في " مشكل الوسيط ": لا أصل لهذا الحديث.
وقال الزركشي في " تخريج أحاديث الشرح ": هذا حديث منكر، فيه ضعفاء، ومجاهيل، وانقطاع، قال: وقد استدل على بطلانه بقوله - ﵌ -: «إني أراكم
[ ٨ / ٢٧٧ ]
من وراء ظهري»، كذا في " ذيل الأحاديث الموضوعة " للسيوطي (ص ١٢٢ - ١٢٣) و" تنزيه الشريعة " لابن عراق (٣٠٨/ ١ - ٢).
قلت: والاستدلال المذكور فيه نظر، لأن رؤية النبي - ﵌ - من خلفه إنما هي في حالة الصلاة كما تدل عليه الأحاديث الواردة في الباب، وليس هناك ما يدل على أنها مطلقة في الصلاة وخارجها، فتأمل
"الضعيفة" (١/ ٤٨٣ - ٤٨٥).
[ ٨ / ٢٧٨ ]
جماع أبواب معجزة الإسراء والمعراج
[ ٨ / ٢٧٩ ]
[١٣٥١] باب هل ثبت في تحديد وقت إسراء النبي - ﵌ - شيء؟
السائل: هل يحضركم ما هو الزمن الراجح في موعد إسراء النبي ومعراجه
الشيخ: لا يوجد ثابت.
مداخلة: لا يثبت لحد الآن حديث.
الشيخ: أبدًا
مداخلة: والحديث اللي بيقول ١٨ ربيع الأول إيش درجته؟
الشيخ: رواية معضلة.
مداخلة: معضلة يعني ضعيفة؟
الشيخ: نعم.
"الهدى والنور" (٥٩٤/ ٠٠:٥٣:٤٢)
[١٣٥٢] باب الإسراء والمعراج كان بالروح والجسد
عن ابن عباس قال: أسري بالنبي - ﵌ - إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره إلى بيت المقدس، وبعيرهم، فقال ناس: نحن لا نصدق محمدًا بما يقول!! فارتدوا كفارًا فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل. الحديث.
[قال الإمام:]
إسناده حسن وهذا من الأدلة الكثيرة التي تبين أن الإسراء كان بالروح والجسد .. !.
"فقه السيرة" (ص ١٢٥).
[ ٨ / ٢٨١ ]
[١٣٥٣] باب هل الإسراء والمعراج كان في المنام أم في اليقظة؟
سؤال: يسأل السائل فيقول: وهل الرسول - ﵌ - رأى ربه ﷿، وهل الإسراء والمعراج كان في المنام أم في اليقظة؟
الشيخ: أما الإسراء المعراج فقد كان يقظةً به ﵊، هذا لا شك ولا إشكال فيه، وإن كان هناك بعض الأقوال المرجوحة تقول: إنه كان في منام أو كان بين النوم واليقظة، ولكن الصحيح الذي لا نشك فيه أبدًا أن ذلك كان يقظةً.
وهناك أشياء كثيرة وكثيرة جدًا تدل على هذا الذي نجزم به، من ذلك أن القصة هذه العجيبة الغريبة لو كانت منامًا ولم تكن يقظة لم تكن فيها معجزة حملت بعض ضعفاء الإيمان أن يرتابوا في دينهم، وحملت المشركين على الاستهزاء بالنبي - ﵌ -، فكل هذا وهذا يؤكد أن النبي - ﵌ - لما أصبح وأخبر الناس بما رأى من آيات ربه الكبرى، إنما كان قد حدثهم بأنه كان ذلك يقظة، ومن هنا كان الإعجاز وكانت كرامة من جهة، وكانت الفتنة لضعفاء الإيمان والمشركين في آن واحد من جهة أخرى.
أما الشق الثاني من السؤال وهو هل رأى رسول الله - ﵌ - ربه فالمسألة خلافية منذ السلف الأول، والراجح أن النبي - ﵌ - لم ير ربه بعينه، وإنما رآه ببصيرته وقلبه، ومما يؤكد هذا أن النبي - ﵌ - قد سئل صراحًة: هل رأيت ربك؟ قال: «نور أنى أراه؟!» فهذا نفي لأن يكون رسول الله - ﵌ - قد رأى ربه وأكد نفيه لذلك بقوله: أن هناك نورًا يمنع الإنسان من أن يرى ربه، وهذا أيضًا جاء في حديث آخر أن حجابه النور ولولا هذا الحجاب لأحرقت سبحات وجهه ﵎ كل شيء مر به أو
[ ٨ / ٢٨٢ ]
كما قال ﵇، وكل من الحديث الأول وهذا الآخر مخرج في صحيح الإمام مسلم (١).
فالراجح أن النبي - ﵌ - لم ير ربه، وهو ظاهر قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (الشورى:٥١) وبهذه الآية استدلت السيدة عائشة على رد من يقول بأن الرسول ﵊ رأى ربه بعينيه، فقد جاء في الصحيحين من رواية مسروق ﵀ أنه جاء إلى السيدة عائشة ﵂ فقال لها: يا أم المؤمنين! هل رأى محمد ربه؟ قالت: لقد قف شعري مما قلت، قال: يا أمر المؤمنين! ارحمني ولا تعجلي علي، أليس يقول الله ﵎ في كتابه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى﴾ (النجم:١٣ - ١٤) قالت ﵂: أنا أعلم الناس بذلك، لقد سألت رسول الله - ﵌ - فقال: «رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين وله ستمائة جناح ..» رأيت إذًا ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (النجم:١٣) قال: «رأيت جبريل في صورته التي خلق فيها مرتين وله ستمائة جناح وقد سد الأفق - بعظمته -» فإذًا: الضمير في الآية التي سأل مسروق عائشة عنها إنما يعود إلى جبريل وليس إلى الله ﵎.
ولذلك فقد تابعت السيدة عائشة ﵂ كلامها تأكيدًا لجوابها وإفادة للسائل وغيره ببعض ما في جعبتها من علم تلقته من زوجها ونبيها محمد - ﵌ - فقالت: ثلاث من حدثكموهن فقد أعظم على الله الفرية .. من حدثكم أن محمدًا - ﵌ - رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية، ثم قالت محتجة على ما قالت: ﴿وَمَا كَانَ
_________________
(١) (رقم ٨١).
[ ٨ / ٢٨٣ ]
لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ (الشورى:٥١) وقالت: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ (الأنعام:١٠٣).
ثم قالت: ومن حدثكم أن محمدًا - ﵌ - كان يعلم الغيب فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ في السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (النمل:٦٥)، ثم قالت: ومن حدثكم بأن محمدًا - ﵌ - كتم شيئًا أمر بتبليغه فقد أعظم على الله الفرية، ثم تلت قوله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة:٦٧).
مداخلة: ما هي الفرية؟
الشيخ: الكذب.
مداخلة: شيخنا بالنسبة لحديث الإسراء والمعراج! تفضلتم وقلتم أنه رأى ربه بقلبه، ما معنى رأى ربه بقلبه؟
الشيخ: ببصيرته يعني: وليس بعينه بالجارحة هذه، رؤية قلبية، يعني: ممكن تقول علمي لا يمكن تمثيله.
مداخلة: في نفس حديث عائشة: ومن زعم أن محمدًا كتم شيئًا أمر بتبليغه، فبمفهوم المخالفة: إذا لم يؤمر بتبليغه يجوز للرسول أن يكتم؟
الشيخ: أولًا مفهوم المخالفة لا يحتج به دائمًا وأبدًا، وثانيًا: ممكن أن يقال ما ليس له علاقة بالشريعة أنه ما حدث به ممكن أن يقال هذا؛ لأنه في الآية السابقة: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة:٦٧) نعم.
"فتاوى الإمارات" (٤/ ٠٠:٠٥:٥٢)
[ ٨ / ٢٨٤ ]
[١٣٥٤] باب من الذي دنا وصار بينه وبين نبينا - ﵌ -
قدر قوسين ليلة الإسراء
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«أتاني جِبريلُ، فَحَمَلَنِي على جَنَاحِهِ الأيمنِ، فكنتُ مِنْ ربي ﷿ كقاب قوسينِ أو أدنى وذكر الحديث»
(باطل)
[قال الإمام]:
[وهو ..] مخالف للأحاديث الصحيحة الدالة على أن الذي دنا وصار بينه وبين محمد - ﵌ - قدر قوسين إنما هو جبريل ﵇. انظر تفسير ابن كثير لهذه الآية.
"الضعيفة" (١٢/ ١/٤٢٢ - ٤٢٣).
[١٣٥٥] باب منه
[قال الذهبي في "العلو"]:
ومن عقد أئمة السلف أن نبينا - ﵌ - عرج به إلى السموات العلى عند سدرة المنتهى، فكان منه قاب قوسين أو أدنى].
[قال الإمام]:
قلت: يشير إلى ما رواه سليمان بن بلال عن شريك بن عبد الله ابن أبي نمر قال: سمعت أنس بن ملك يحدث عن ليلة أسري برسول الله - ﵌ - .. قلت فذكر حديث الإسراء الطويل وفيه:
[ ٨ / ٢٨٥ ]
"ودنا الجبار ﵎ فتدلي، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه ما شاء .. "
لكن هذه الجملة من جملة ما أنكر على شريك هذا مما تفرد به عن جماهير الثقات الذين رووا حديث المعراج، ولم ينسبوا الدنو والتدلي لله ﵎، بل روت عائشة وابن مسعود ﵄ ما يدل على أن قوله تعالى ﴿ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى﴾ إنما المراد به جبريل ﵊، روى مسلم (١/ ١١١) عن مسروق قال: قلت لعائشة: فأين قوله ﴿ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى﴾؟ قالت: إنما ذاك جبريل - ﵌ - وانظر "الأسماء والصفات" للبيهقي (ص ٤٣٨ - ٤٤١).
وقد كان المصنف رحمه الله تعالى أورد في الأصل [أي الذهبي في "العلو" (ص ٥٠) الجملة المذكورة من حديث شريك ثم أورده بطوله " ق ٢١/ ١ - ٢ - مخطوطة"، فحذفته لما أشرت إليه من النكارة، وقال المصنف في الموضع الثاني: "هذا حديث غريب" استنكره بعض العلماء ولكنه قفز القنطرة وتقرر في "الصحيح" قلت: هذا مسلم فيما لم تظهر فيه علة قادحة، وليس كذلك هنا، فتأمل.
"مختصر العلو" (١١٧ - ١١٨)
[١٣٥٦] باب منه
[عن ابن عباس] قال: [ولقد رآه نزلة أخرى] قال: دنا [منه] ربه ﷿.
[قال الإمام:]
إسناده حسن كما قال [أي الذهبي في "العلو"]، فإنه ساقه في الأصل
[ ٨ / ٢٨٦ ]
(ص٨٢) عن يحيى بن سعيد الأموي حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ابن عباس. هكذا وقع في الأصول كلها، وفيها المخطوطة (ق١٩/ ٢)، وقد سقط من الإسناد الواسطة بين يحيى ومحمد بن عمرو، وهو سعيد بن أبان الأموي والد يحيى، فإنه أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٢٧/ ٢٦) حدثنا يحيى ابن سعيد الأموي قال: ثنا أبي قال: ثنا محمد بن عمرو
وهذا إسناد رجاله ثقات غير محمد بن عمرو وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي وهو مختلف فيه، والذي استقر عليه الرأي عند أهل العلم أنه حسن الحديث، وإليه أشار الحافظ بقوله في "التقريب":
"صدوق، له أوهام".
لكن قد اختلف عليه في إسناده فرواه الأموي عنه هكذا عن ابن عباس موقوفًا، ورواه الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو وقال: ثنا كثير بن حبيش عن أنس بن مالك مرفوعًا: " بينما أنا مضطجع في المسجد " فذكر حديث الإسراء والمعراج، وفيه:
«فدنا ربك فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى» » الحديث أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٣٩ـ ١٤٠) باللفظ الأول، وابن جرير (٢٧/ ٢٧ - ٢٨) من طريق النضر ابن شميل قال: أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي به.
وكثير بن حبيش - وقيل: خنيس - فيه ضعف، فإن كان محمد بن عمرو قد حفظه عنه فهو منكر لمخالفته للثابت عن رسول الله - ﵌ - أن الذي دنا إنما هو جبريل ﵇ كما روى ابن جرير (٢٧/ ٢٧) عن مسروق قال:
[ ٨ / ٢٨٧ ]
«قلت لعائشة: ما قوله ﴿ثم دنا فتدلى ﴾ الآية؟ فقالت: "إنما ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجال، وأنه أتاه في هذه المرة في صورته، فسد أفق السماء" وسنده صحيح، وهو عند مسلم بنحوه وقد مضى قريبًا. وهو معارض لحديث ابن عباس هذا الموقوف إن ثبت عنه.
"مختصر العلو" (ص١٢٠ - ١٢١).
[١٣٥٧] باب منه
السائل: سائل يقول في الله ﷾: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (النجم:٨، ٩) ماذا تقول في الحديث الذي يقول: «فدنا الجبار ﵎» الذي يعزى للبخاري كما في تفسير ابن كثير؟
الشيخ: أقول ما قال فيه علماء الحديث: هذه الرواية هي من شواذ أحد رواة البخاري والذي هو شريك بن عبد الله وليس هو بالقاضي المعروف، فهذا جاء بهذه الزيادة في قصة الإسراء والمعراج وذكر علماء الحديث بأنه شذ، [فالمراد من قوله تعالى]: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (النجم:٩) هو جبريل ﵊ وليس هو رب العالمين ﵎.
إذًا: هذه الرواية شاذة مع وجودها في صحيح البخاري.
"الهدى والنور" (٢٢٨/ ١٩: ٢٩: ٠٠)
[ ٨ / ٢٨٨ ]
[١٣٥٨] باب كيف رأى نبينا - ﵌ - موسى ﵇ يصلي ليلة الإسراء والمعراج؟
سؤال: شيخنا الفاضل بارك الله فيك، بالنسبة للحديث الذي يقول فيه المصطفى - ﵌ -: «رأى موسى عند الكثيب الأحمر قائمًا يصلي») يعني: الحديث هذا صحيح؟
الشيخ: أي نعم.
السائل: بالنسبة قائمًا يصلي كيفية القيام لا نسأل عنها؟
الشيخ: وأنت هل يجوز أن تسأل عن كيفية القيامة؟
السائل: لا بارك الله فيك.
الشيخ: فهذا القيام كالقيامة.
"الهدى والنور" (٢٩٠/ ٥٣: ٠٠:٠١)
[ ٨ / ٢٨٩ ]
جماع أبواب
صور من الغلو في ذات النبي - ﵌ -
[ ٨ / ٢٩١ ]
[١٣٥٩] باب كيف يكون تعظيم النبي - ﵌ - التعظيم المشروع
[قال الإمام]:
وتعظيم النبي - ﵌ - تعظيمًا مشروعًا، إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه - ﵌ - صحيحا ثابتًا، وبذلك يجتمع الإيمان به - ﵌ - عبدًا ورسولًا، دون إفراط ولا تفريط، فهو - ﵌ - بشر، بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقًا
[ ٨ / ٢٩٣ ]
بنص الأحاديث الصحيحة، وكما يدل عليه تاريخ حياته - ﵌ - وسيرته، وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر اكتمالها فيه - ﵌ -، وصدق الله العظيم، إذ خاطبه بقوله الكريم: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
"الصحيحة" (١/ ١/١٦٧).
[١٣٦٠] باب النهي عن الغلو في تعظيمه - ﵌ -
[قال رسول - ﵌ -]:
«يا أيها الناس! لا ترفعوني فوق قدري، فإن الله اتخذني عبدًا قبل أن يتخذني نبيًا».
[ترجم له الامام بما ترجمناه به]
"الصحيحة" (٦/ ١/١٠٦).
[ ٨ / ٢٩٤ ]
[١٣٦١] باب من مفاسد الغلو في تعظيم النبي - ﵌ -
رد الأحاديث الصحيحة
[قال رسول - ﵌ -]:
«يا أم سليم! أما تعلمين أن شرطي على ربي؟ أني اشترطت على ربي فقلت: إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورًا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة».
[قال الإمام]:
اعلم أن قوله - ﵌ - في هذه الأحاديث: «إنما أنا بشر أرضى كما يرضى البشر ..» إنما هو تفصيل لقول الله ﵎: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ﴾ الآية.
وقد يبادر بعض ذوي الأهواء أو العواطف الهوجاء، إلى إنكار مثل هذا الحديث بزعم تعظيم النبي - ﵌ - وتنزيهه عن النطق به! ولا مجال إلى مثل هذا الإنكار فإن الحديث صحيح، بل هو عندنا متواتر، فقد رواه مسلم من حديث عائشة وأم سلمة كما ذكرنا، ومن حديث أبي هريرة وجابر ﵄، وورد من حديث سلمان وأنس وسمرة وأبي الطفيل وأبي سعيد وغيرهم.
انظر " كنز العمال " (٢/ ١٢٤).
وتعظيم النبي - ﵌ - تعظيمًا مشروعًا، إنما يكون بالإيمان بكل ما جاء عنه - ﵌ - صحيحًا ثابتًا، وبذلك يجتمع الإيمان به - ﵌ - عبدًا ورسولًا، دون إفراط ولا تفريط، فهو - ﵌ - بشر، بشهادة الكتاب والسنة، ولكنه سيد البشر وأفضلهم إطلاقًا بنص الأحاديث الصحيحة،. وكما يدل عليه تاريخ حياته - ﵌ - وسيرته، وما حباه الله تعالى به من الأخلاق الكريمة، والخصال الحميدة، التي لم تكتمل في بشر اكتمالها فيه - ﵌ -، وصدق الله العظيم، إذ خاطبه بقوله الكريم: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾.
"الصحيحة" (١/ ١/١٦٦ - ١٦٧).
[١٣٦٢] باب النهي عن إطراء النبي - ﵌ -
عن عمر بن الخطاب قال:
قال رسول الله: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله».
(صحيح).
[قال الأستاذ الدعاس في تحقيق «الشمائل»: الإطراء هو حسن الثناء، أي لا تبالغوا في مدحي كما بالغت النصارى في مدح سيدنا عيسى فجعلوه إلها أو ابن إله.
فتعقبه الإمام قائلًا]:
«قلت: حمل الحديث على المبالغة في مدحه - ﵌ - مما لا يناسب ما ترجم له المؤلف ﵀ [أي الترمذي في الشمائل]، ألا وهو تواضعه - ﵌ -، ذلك أن المبالغة تقترن عادةً بالكذب والغلو في الدين، وذلك محرم فالنهيُ عن مثله من الأمور التي لا يظهر بها تواضعه كما لا يخفى، فيبعد أن يكون هذا هو مراد المؤلف، فلعل الأولى أن يقال: إن المراد: لا تمدحوني مطلقًا، وهو من معاني
[ ٨ / ٢٩٥ ]
الإطراء لغة، وهو وإن كان جائزًا في الأصل، فقد ينهى عن مثله من باب سد الذريعة، كما هو معلوم من علم الأصول، فإن فتح باب المدح قد يؤدي إلى مخالفة الشرع كما هو مشاهد في الواقع، إما جهلًا، وإما علوًا، ألا ترى معي إلى ما قال بعضهم في مدحه - ﵌ -:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم
واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكمِ
كيف أوصله إلى أن قال فيه - ﵌ -:
فإن من جودك الدنيا وضرَّتَها
ومن علومك علم اللوح والقلم
وهذا مدح بما هو باطل بداهة، ومثله كثير فيما يسمونه بالأناشيد الدينية، فنهيه - ﵌ - أمته عن مدحه بما هو جائز أصلًا خشية وقوع المادح فيما لا يجوز، لاشك أنه من تواضعه - ﵌ - كما يدل عليه سائر أحاديث الباب وغيرها، بخلاف حمل النهي على المدح المحرم، وهذا بين لا يخفى إن شاء الله. يؤيده قوله في آخر الحديث. «إنما أنا عبد » لأنه كأنه خرج مخرج الجواب عن سؤال مقدر: فماذا نقول في مدحك يا رسول الله؟ فقال: «قولوا عبد الله ورسوله». أي قولوا ما لا شك فيه شرعًا مما أنا متصف به ولا تزيدوا عليه. وأين هذا مما يصفه بعض المسلمين اليوم فيما يسمونه بالموالد وغيرها مما لم يكن معروفًا عند السلف الصالح، كقولهم: إنه نور. وإنه أول خلق الله، وأن جبريل كان خادمه ليلة الإسراء، ونحو ذلك من المماديح والأباطيل. ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾.
"مختصر الشمائل" (ص ١٧٥)
[ ٨ / ٢٩٦ ]
[١٣٦٣] باب من وسائل الشرك: الغلو في مدح النبي - ﵌ -
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«هذا أول يوم انتصف فيه العرب من العجم. يعني يوم ذي قار»
(ضعيف)
[قال الإمام]:
(تنبيه): بلغ جهل بعض الناس بالتاريخ والسيرة النبوية في هذا العصر أن أحدهم طبع منشورًا يرد فيه على صديقنا الفاضل الأستاذ علي الطنطاوي طلبه من الإذاعة أن تمتنع من إذاعة ما يسمونه بالأناشيد النبوية، لما فيها من وصف جمال النبي - ﵌ - بعبارات لا تليق بمقامه - ﵌ -، بل فيها ما هو أفظع من ذلك من مثل الاستغاثة به - ﵌ - من دون الله ﵎، فكتب المشار إليه في نشرته ما نصه بالحرف (ص ٤): " وها هي (!) الصحابة الكرام ﵃ كانوا يستصحبون بعض نسائهم لخدمة أنفسهم في الغزوات والحروب، وكانوا يضمدون (!) الجرحى ويهيئون (!) لهم الطعام، وكانوا يوم ذي قار عند اشتداد وطيس الحرب بين الإسلام والفرس كانت النساء تهزج أهازيج وتبعث الحماس في النفوس بقولها: إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق، أو تدبروا نفارق فراق غير وامق، فانظر إلى هذا الجهل ما أبعد مداه!.
فقد جعل المعركة بين الإسلام والفرس، وإنما هي بين المشركين والفرس، ونسب النشيد المذكور لنساء المسلمين في تلك المعركة! وإنما هو لنساء المشركين في غزوة أحد! كن يحمسن المشركين على المسلمين كما هو مروي في كتب السيرة! فقد خلط بين حادثتين متباينتين، وركب منهما ما لا أصل له البتة بجهله أو
[ ٨ / ٢٩٧ ]
تجاهله ليتخذ من ذلك دليلًا على جواز الأناشيد المزعومة، ولا دليل في ذلك - لوثبت - مطلقًا إذ أن الخلاف بين الطنطاوي ومخالفيه ليس هو مجرد مدح النبي بل إنما هو فيما يقترن بمدحه مما لا يليق شرعًا كما سبقت الإشارة إليه وغير ذلك مما لا مجال الآن لبيانه، ولكن صدق من قال: " حبك الشيء يعمي ويصم " فهؤلاء أحبوا الأناشيد النبوية، وقد يكون بعضهم مخلصًا في ذلك غير مغرِض فأعماهم ذلك عما اقترن بها من المخالفات الشرعية.
ثم إن هذا الرجل اشترك مع رجلين آخرين في تأليف رسالة ضدنا أسموها " الإصابة في نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة " حشوها بالافتراءات والجهالات التي تنبيء عن هوى وقلة دراية، فحملني ذلك على أن ألفت في الرد عليهم كتابًا أسميته " تسديد الإصابة إلى من زعم نصرة الخلفاء الراشدين والصحابة " موزعًا على ست رسائل صدر منها الرسالة الأولى وهي في بيان بعض افتراءاتهم وأخطائهم، والثانية في " صلاة التراويح " والثالثة في أن " صلاة العيدين في المصلى هي السنة " ثم أصدرنا الخامسة بعنوان " تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد ".
"الضعيفة" (٢/ ٤٧، ٤٩ - ٥٠).
[١٣٦٤] باب اعتقاد سماع النبي - ﵌ - بعد موته من وسائل الشرك
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«من صلى علي عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيًا وُكِّلَ بها ملك يبلغني، وكفي بها أمر دنياه وآخرته، وكنت له شهيدا أو شفيعا».
(موضوع بهذا التمام)
[ ٨ / ٢٩٨ ]
[قال الإمام]:
فائدة: قال الشيخ ابن تيمية عقب كلامه المتقدم على الحديث: وهو لوكان صحيحًا فإنما فيه أنه يبلغه صلاة من صلى عليه نائيًا، ليس فيه أنه يسمع ذلك كما وجدته منقولًا عن هذا المعترض (يريد الأخنائي)، فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم، ولا يعرف في شيء من الحديث، وإنما يقوله بعض المتأخرين الجهال: يقولون: إنه ليلة الجمعة ويوم الجمعة يسمع بأذنيه صلاة من يصلي عليه، فالقول إنه يسمع ذلك من نفس المصلين (عليه) باطل، وإنما في الأحاديث المعروفة إنه يبلغ ذلك ويعرض عليه، وكذلك السلام تبلغه إياه الملائكة.
قلت: ويؤيد بطلان قول أولئك الجهال قوله - ﵌ -: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني » الحديث وهو صحيح كما تقدم (ص ٣٦٤) فإنه صريح في أن هذه الصلاة يوم الجمعة تبلغه ولا يسمعها من المصلي عليه - ﵌ -.
"الضعيفة" (١/ ٣٦٦،٣٦٩).
[١٣٦٥] باب هل يسمع النبي - ﷺ - بعد موته سلام من سلم عليه؟
وهل يلزم من رده - ﷺ - السلام أن يكون سمعه؟
[قال الإمام]:
لم أجد دليلًا على سماعه - ﷺ - سلام من سلَّم عليه عند قبره، وحديث أبي داود: [وهو: "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇" وإسناده حسن كما بينه الشيخ في " الصحيحة " (٢٢٦٦)] ليس صريحًا في ذلك.
"تحقيق الآيات البينات في عدم سماع الأموات" (ص١١٣).
[ ٨ / ٢٩٩ ]
[١٣٦٦] باب هل النبي - ﵌ - حي في قبره؟ وهل يسمع بعد موته؟
سؤال: حديث بقول فيما معناه: ما من عبد يصلي عليَّ يوم الجمعة إلا رد الله علي روحي.
الشيخ: ما فيش يوم الجمعة «ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي فأرد ﵇».
السائل: نعم فبعض الصوفيين استدل عليه بأن الرسول الصلاة والسلام ما مات بل حي في القبر ويستدلوا بهذا الحديث.
الشيخ: وأيش معنى يرد علي روحي، ما مات، أنت روحك هلا في نفسك ولا مردودة إليك، هذا كلام صوفي ويكفي أنه كلامًا صوفيًا؛ لأنه خالف حديث الرسول ﵇ ولذلك أقول هدول الصوفية لبالغ جهلهم ينكرون النصوص القاطعة بشبهات ما أنزل الله بها من سلطان ربنا يقول في صريح القرآن ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ فإذًا هو كسائر البشر ميت، كما هم أيش؟ ميتون، إيش معنى ميت؟ أي: ستموت، أي: ستصبح ميتًا، وكذلك الناس جميعا. ً أينكرون هذه الحقائق بشبهات مثل هذه الشبه التي ذكرتها عن الحديث، الحديث يعني أن النبي - ﵌ - يعني مات، وكل حي فإنما سبيله الموت، ويبقى وجه ربك ذي الجلال والإكرام، ولذلك لما قال ﵇ في الحديث الآخر الصحيح: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة، فإن صلاتكم تبلغني»، قالوا: «كيف ذاك وقد أَرَمْتَ»، ماذا فهم الصحابة من قوله ﵇ هذا؟ فهموا أنه ميت، ولذلك استغربوا كيف تبلغه صلاته وقد أَرِمَ؟ أي: فني، أي: صار رميمًا، ﴿قال من يحيي العظام وهي رميم﴾ فالصحابة كانوا يتلقوا عن الرسول ﵇ هذه الحقيقة التي لا مناص لأحدٍ من البشر إلا وأن يقع فيها وهي ﴿إنك ميت وإنهم ميتون﴾ كانوا عرفوا هذه
[ ٨ / ٣٠٠ ]
الحقيقة، ولذلك لما جاءهم الرسول ﵇ بشيء ما كانوا يعرفونه من قبل: «أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني» قالوا كيف ذاك وقد أرمت أي فنيت، طبعًا مت وأكثر من مت أي فنيت وصرت رميمًا، قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» فأجساد الأنبياء كل الأنبياء لا تصبح رميمًا كأجساد الآخرين، ولذلك فرسول الله - ﵌ - جسده في قبره كما هو من قبل، هذه معجزة هذه كرامه من الله ﷿ لنبيه ﵇، بل ولِسائر الأنبياء الكرام، ولكن الله كرم نبيه ﵇ بكرامةٍ أخرى لا يشاركه أحد من الأنبياء وهي قوله ﵇: «فإن صلاتكم تبلغني» قالوا: كيف ذاك وقد أرمت، قال: «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء»،أي: أنا كسائر الأنبياء جسدي في القبر حي طري، ولكن اصطفاني ربي ﷿ بخصلة أخرى أنه كلما سلم علي مسلمون رد الله إلي روحي فأرد ﵇، وهذا الحديث وهو ثابت فيه دلاله على أن الرسول ﵇ خلاف ما يتوهم كثير من العامة، بل وفيهم بعض الخاصة وهي أن النبي - ﵌ - لا يسمع سلام المسلمين عليه، وإنما كما جاء في الحديث الصحيح: «إن لله ملائكة سياحين، يبلغوني عن أمتي السلام»، إن لله ملائكة سياحين: يعني طوافين على المسلمين، فكلما سمعوا مسلمًا يصلي على النبي - ﵌ - بلغوه بذلك وهو لا يسمع؛ لأن الميت لا يسمع، انفصل عن هذه الحياة الدنيا ومتعلقاتها كلها، ولكن الله ﷿ اصطفى نبيه ﵇ فيما ذكرنا من الحياة ومن تمكينه بإعادة روحه إلى جسده، ورد السلام على المسلمين عليه، ومن ذلك أيضًا أن هناك ملائكةً يبلغونه السلام فكلما سلموا عليه من فلان، رد ﵈.
" الهدى والنور" (٢٦٨/ ٠٨: ٢٢: ٠٠)
[ ٨ / ٣٠١ ]
[١٣٦٧] باب هل روح النبي - ﵌ - تستقر في جسده بعد موته؟
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«ما من نبي يموت فيقيم في قبره إلا أربعين صباحا حتى ترد إليه روحه، ومررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم في قبره بين عائلة وعويلة»
(موضوع)
[قال الإمام]:
وأنا أرى أن هذا الحديث يعارض قوله - ﵌ -: «ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇». رواه أبو داود (١/ ٣١٩) والبيهقي (٥/ ٢٤٥) وأحمد (٢/ ٥٢٧) بإسناد حسن عن أبي هريرة، وهو مخرج في الكتاب الآخر " الصحيحة " (٢٢٦٦).
ووجه التعارض أنه يدل على أن روحه - ﵌ - ليست مستقرة في جسده الشريف، بل هي ترد إليه ليرد سلام المسلمين عليه - ﵌ -، بينما هذا الحديث الموضوع يقرر صراحة أن روح كل نبي ترد إليه بعد أربعين صباحًا من وفاته، فلو صح هذا فكيف ترد روحه - ﵌ - إلى جسده ليرد السلام، هذا أمر غير معقول، بل هو ظاهر التناقض، فلابد من رد أحدهما، وليس هو إلا هذا الحديث المنكر حتى يسلم الحديث القوي من المعارض، فتأمل هذا فإنه مما ألهمت به، لا أذكر أني رأيته لأحد قبلي، فإن كان صوابا فمن الله، وإلا فمن نفسي.
"الضعيفة" (١/ ٣٦٠، ٣٦٢ - ٣٦٣).
[ ٨ / ٣٠٢ ]
[١٣٦٨] باب من صور الغلو في ذات النبي - ﵌ - إنكار كون أبواه في النار
[قال رسول - ﵌ -]:
«إن أبي وأباك في النار»
[قال الإمام]:
والحديث أخرجه الجورقاني في " الأباطيل والمناكير " (١/ ٢٣٥) من طريق أخرى عن داود بن أبي هند في جملة أحاديث أخرى تدل كلها - كهذا - على أن من مات في الجاهلية مشركًا فهو في النار، وليس من أهل الفترة كما يظن كثير من الناس، وبخاصة الشيعة منهم، ومن تأثر بهم من السنة! ومن تلك الأحاديث، ما رواه حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفى دعاه، فقال: فذكر حديث الترجمة حرفا بحرف.
أخرجه مسلم (١/ ١٣٢ - ١٣٣) وأبو عوانة (١/ ٩٩) وأبو داود (٤٧١٨) والجورقاني (١/ ٢٣٣) وصححه، وأحمد (٣/ ٢٦٨) وأبو يعلى (٦/ ٢٢٩/ ٣٥١٦) وابن حبان (٥٧٨ - الإحسان) والبيهقي (٧/ ١٩٠) من طرق عن حماد بن سلمة به. ومنها سعد بن أبي وقاص المتقدم في المجلد الأول برقم (١٨) بلفظ: ِ «حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار». فراجع سببه هناك، فإنه بمعنى حديث الترجمة لمن تأمله.
وإن مما يتصل بهذا الموضوع قوله - ﵌ - لما زار قبر أمه: «استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها، فأذن لي ..» الحديث.
رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في " أحكام الجنائز " (ص ١٨٧ - ١٨٨) من
[ ٨ / ٣٠٣ ]
حديث أبي هريرة وبريدة، فليراجعهما من شاء.
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وفيما ذكرنا خير كبير وبركة.
واعلم أيها الأخ المسلم أن بعض الناس اليوم وقبل اليوم لا استعداد عندهم لقبول هذه الأحاديث الصحيحة، وتبني ما فيها من الحكم بالكفر على والدي الرسول - ﵌ -، بل إن فيهم من يظن أنه من الدعاة إلى الإسلام ليستنكر أشد الاستنكار التعرض لذكر هذه الأحاديث ودلالتها الصريحة! وفي اعتقادي أن هذا الاستنكار إنما ينصب منهم على النبي - ﵌ - الذي قالها إن صدقوا بها، وهذا - كما هو ظاهر - كفر بواح، أو على الأقل: على الأئمة الذين رووها وصححوها، وهذا فسق أو كفر صراح، لأنه يلزم منه تشكيك المسلمين بدينهم، لأنه لا طريق لهم إلى معرفته والإيمان به، إلا من طريق نبيهم - ﵌ - كما لا يخفى على كل مسلم بصير بدينه، فإذا لم يصدقوا بها لعدم موافقتها لعواطفهم وأذواقهم وأهوائهم - والناس في ذلك مختلفون أشد الاختلاف - كان في ذلك فتح باب عظيم جدا لرد الأحاديث الصحيحة، وهذا أمر مشاهد اليوم من كثير من الكتاب الذين ابتلي المسلمون بكتاباتهم كالغزالي والهويدي وبليق وابن عبد المنان وأمثالهم ممن لا ميزان عندهم لتصحيح الأحاديث وتضعيفها إلا أهواؤهم!
واعلم أيها المسلم - المشفق على دينه أن يهدم بأقلام بعض المنتسبين إليه - أن هذه الأحاديث ونحوها مما فيه الإخبار بكفر أشخاص أو إيمانهم، إنما هو من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها وتلقيها بالقبول، لقوله تعالى: ﴿ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب﴾ (البقرة:١ - ٣) وقوله: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ..﴾ (الأحزاب: ٣٦)، فالإعراض عنها وعدم الإيمان بها يلزم منه أحد أمرين لا ثالث لهما
[ ٨ / ٣٠٤ ]
- وأحلاهما مر -: إما تكذيب النبي - ﵌ -، وإما تكذيب رواتها الثقات كما تقدم، وأنا حين أكتب هذا أعلم أن بعض الذين ينكرون هذه الأحاديث أو يتأولونها تأويلًا باطلًا كما فعل السيوطي - عفا الله عنا وعنه - في بعض رسائله، إنما يحملهم على ذلك غلوهم في تعظيم النبي - ﵌ -، وحبهم إياه، فينكرون أن يكون أبواه - ﵌ - كما أخبر هو نفسه عنهما، فكأنهم أشفق عليهما منه - ﵌ -!!
وقد لا يتورع بعضهم أن يركن في ذلك إلى الحديث المشهور على ألسنة بعض الناس الذي فيه أن النبي - ﵌ - أحيا الله له أمه، وفي رواية: أبويه، وهو حديث موضوع باطل عند أهل العلم كالدارقطني والجورقاني، وابن عساكر والذهبي والعسقلاني، وغيرهم كما هو مبين في موضعه، وراجع له إن شئت كتاب " الأباطيل والمناكير " للجورقاني بتعليق الدكتور عبد الرحمن الفريوائي (١/ ٢٢٢ - ٢٢٩) وقال ابن الجوزي في " الموضوعات " (١/ ٢٨٤): " هذا حديث موضوع بلا شك، والذي وضعه قليل الفهم، عديم العلم، إذ لو كان له عِلم لَعَلِمَ أن من مات كافرًا لا ينفعه أن يؤمن بعد الرجعة، لا بل لو آمن عند المعاينة، ويكفي في رد هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فيمت وهو كافر﴾، وقوله - ﵌ - في "الصحيح": «استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي».
ولقد أحسن القول في هؤلاء بعبارة ناصعة وجيزة الشيخ عبد الرحمن اليماني ﵀ في تعليقه على " الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة " للإمام الشوكاني، فقال (ص ٣٢٢): " كثيرًا ما تجمح المحبة ببعض الناس، فيتخطى الحجة ويحاربها، ومن وفق علم أن ذلك مناف للمحبة الشرعية، والله المستعان ".
قلت: وممن جمحت به المحبة السيوطي عفا الله عنه، فإنه مال إلى تصحيح حديث الإحياء الباطل عند كبار العلماء كما تقدم، وحاول في كتابه " اللآلىء "
[ ٨ / ٣٠٥ ]
(١/ ٢٦٥ - ٢٦٨) التوفيق بينه وبين حديث الاستئذان وما في معناه، بأنه منسوخ، وهو يعلم من علم الأصول أن النسخ لا يقع في الأخبار وإنما في الأحكام! وذلك أنه لا يعقل أن يخبر الصادق المصدوق عن شخص أنه في النار ثم ينسخ ذلك بقوله: إنه في الجنة! كما هو ظاهر معروف لدى العلماء.
ومن جموحه في ذلك أنه أعرض عن ذكر حديث مسلم عن أنس المطابق لحديث الترجمة إعراضًا مطلقًا، ولم يشر إليه أدنى إشارة، بل إنه قد اشتط به القلم وغلا، فحكم عليه بالضعف متعلقا بكلام بعضهم في رواية حماد بن سلمة! وهو يعلم أنه من أئمة المسلمين وثقاتهم، وأن روايته عن ثابت صحيحة، بل قال ابن المديني وأحمد وغيرهما: أثبت أصحاب ثابت حماد، ثم سليمان، ثم حماد بن زيد، وهي صحاح.
وتضعيفه المذكور كنت قرأته قديمًا جدا في رسالة له في حديث الإحياء - طبع الهند - ولا تطولها يدي الآن لأنقل كلامه، وأتتبع عواره، فليراجعها من شاء التثبت. ولقد كان من آثار تضعيفه إياه أنني لاحظت أنه أعرض عن ذكره أيضا في شيء من كتبه الجامعة لكل ما هب ودب، مثل " الجامع الصغير " و" زيادته" و"الجامع الكبير "! ولذلك خلا منه " كنز العمال " والله المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وتأمل الفرق بينه وبين الحافظ البيهقي الذي قدم الإيمان والتصديق على العاطفة والهوى، فإنه لما ذكر حديث: «خرجت من نكاح غير سفاح»، قال عقبه: " وأبواه كانا مشركين، بدليل ما أخبرنا .. "، ثم ساق حديث أنس هذا وحديث أبي هريرة المتقدم في زيارة قبر أمه - ﵌ -.
"الصحيحة" (٦/ ١/١٧٧ - ١٨٢).
[ ٨ / ٣٠٦ ]
[١٣٦٩] باب من صور الغلو في ذات النبي - ﵌ -
ادعاء إحياء أمه بعد موتها وإيمانها به وبيان وضع القصة في ذلك
[تكلم الإمام على أن السيوطي ﵀ قد ملأ كتابه "الخصائص الكبرى" بالأحاديث الضعيفة والموضوعة ثم بدأ بضرب أمثلة على ذلك فقال]:
قصة إحياء أم النبي - ﵌ - وإيمانها به (ج٢ ص ٢٨٠)، وهي قصة موضوعة باطلة عند المحققين من العلماء كابن الجوزي وابن تيمية وغيرهم.
ومما يبطلها قوله - ﵌ - لمن سأله عن أبيه فقال له: "إن أبي وأباك في النار". رواه مسلم وغيره، وهو حديث صحيح، رغم تعنت السيوطي الذي أعله في بعض رسائله بما لا يقدح، ولا سيما وله بعض الشواهد التي تكشف أنه ليس من الممكن تضعيفه لولا الهوى، ولذلك لما غلب ذلك عليه لم يورده في "الجامع الصغير" ولا في "الزيادة عليه" نسأل الله السلامة.
وما أحسن ما قاله الشيخ عبد الرحمن اليماني ﵀ تعليقًا له على هذا الحديث، وقد أورده الشوكاني في (الأحاديث الموضوعة) (ص٣٢٢) (١):
"كثيرًا ما تجمح المحبة ببعض الناس فيتخطى الحجة ويحاربها، ومن وفق علم أن ذلك منافٍ للمحبة المشروعة والله المستعان"
"تحقيق بداية السول" (ص١٦ - ١٧).
_________________
(١) من طبع المكتب الإسلامي [منه].
[ ٨ / ٣٠٧ ]
[١٣٧٠] باب من صور الغلو في النبي - ﵌ -: اعتقاد أنه خُلِقَ قبل الذوات
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«كنت نبيًا وآدم بين الماء والطين»
(موضوع)
ومثله:
«كنت نبيًا ولا آدم ولا ماء ولا طين»
(موضوع)
[قال الإمام]:
ذكر هذا والذي قبله السيوطي في ذيل " الأحاديث الموضوعة " (ص ٢٠٣) نقلًا عن ابن تيمية، وأقره، وقد قال ابن تيمية في رده على البكري (ص ٩): لا أصل له، لا من نقل ولا من عقل، فإن أحدًا من المحدثين لم يذكره، ومعناه باطل، فإن آدم ﵇ لم يكن بين الماء والطين قط، فإن الطين ماء وتراب، وإنما كان بين الروح والجسد.
ثم هؤلاء الضلال يتوهمون أن النبي - ﵌ - كان حينئذ موجودًا، وأن ذاته خلقت قبل الذوات، ويستشهدون على ذلك بأحاديث مفتراة، مثل حديث فيه أنه كان نورًا حول العرش، فقال: يا جبريل أنا كنت ذلك النور.
ويدعي أحدهم أن النبي - ﵌ - كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل.
ويشير بقوله: " وإنما كان بين الروح والجسد " إلى أن هذا هو الصحيح في هذا
[ ٨ / ٣٠٨ ]
[١٣٧٢] باب هل خلق النبي ص من نور؟ وهل هو أول الخلق؟
الحديث ولفظه:" كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد " وهو صحيح الإسناد كما بينته في " الصحيحة " (١٨٥٦).
"الضعيفة" (١/ ٤٧٣ - ٤٧٤).
[١٣٧١] باب هل النبي - ﵌ - أول خلق الله
[قال الإمام]:
[قال] .. - ﵌ -: «كنت نبيا وآدم بين الروح والجسد». رواه أحمد في " السنة " (ص ١١١) عن ميسرة الفجر.
وسنده صحيح، ولكن لا دلالة فيه على أن النبي - ﵌ - أول خلق الله تعالى، خلافًا لما يظن البعض. وهذا ظاهر بأدنى تأمل.
"الضعيفة" (٢/ ١١٥).
[١٣٧٢] باب هل خلق النبي - ﷺ - من نور؟ وهل هو أول الخلق؟
[تكلم الإمام على بعض أخطاء الشيخ الشعراوي﵀- العقدية إلى أن قال]:
من عقائده يقول: أن محمد ﵇ هو رسول كما قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ (آل عمران:١٤٤) إلى آخر الآية، يقولون ويمكن هذا سمعته: محمد خلق من نور الله، سمعت هذا الشيء أو لا؟
في سوريا موجود، وفي الأردن موجود يقول: "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر"، ما سمعت هذا الحديث عندك؟
[ ٨ / ٣٠٩ ]
مداخلة: هذا سمعته من الشعراوي.
الشيخ: هه، أتت يقولون: - على رجليها -، رأيت؟! وهذا من أبطل الباطل، كيف خلق الله محمدًا من نوره، وأول ما خلق الله القلم والحديث صحيح كما ذكرته آنفًا: «أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: ما هو كائن إلى يوم القيامة» بعد ذلك نحن نعرف الرسول أنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهكذا، وبعد ذلك ينقطع السند أو النسب، لكن هو على كل حال جده الأول من هو؟ آدم ﵊؛ لأنه كلكم كما قال ﵇ في الحديث الصحيح: «كلكم من آدم وآدم من تراب» كيف إذًا محمد وبينه وبين آدم الله كم جد، ثم هو قبل هؤلاء خلق من نور، هذه تريد إيمان .. تريد مخ كبير لا وجود له في هذا الكون، أنه يؤمن بمثل هذه الخرافات أما عامة المسلمين وبعض الخاصة منهم وأنت شاهد ومنهم الشيخ الشعراوي يؤمن بهذه الخرافة.
هذا حديث لا هو في البخاري ولا في مسلم ولا في السنن الأربعة ولا الأربعين ولا الأربعمائة لا أصل لهذا الحديث إطلاقًا إلا إذا صح التعبير في أمخاخ المخرفين، هذا له وجود هناك فقط، ما هو الإسلام؟
الإسلام قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس بالتمويه
إلى آخر ما قال ابن القيم ﵀.
"حلة النور" (٤٠أ/٠٠:٠٠:٠٠).
[١٣٧٣] باب هل الرسول - ﵌ - نور؟
[قال الإمام]:
[رَدَدْنَا] قول من قال: بأن الرسول ﵇ نور، وأبطلنا هذا القول بقوله
[ ٨ / ٣١٠ ]
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (الكهف:١١٠) فهو ﵇ كالبشر تمامًا، خلق كما خلق البشر، يعني: حملت فيه أمه كما تحمل كل الأمهات تسعة أشهر، ووضعته كما تضع كل أم ولدها، سوى أنها رأت في المنام أنها خرج منها نور أضاءت لها الشام، أو بصرى الشام، هذا صحيح كرؤيا كمنام، فعليه الصلاة والسلام كان كما تعلمون يأكل ويشرب ويمرض، ويجرح و.. و.. إلى آخره، فهو بشر لا يختلف عنهم إطلاقًا إلا بما اصطفاه الله من الوحي والنبوة والرسالة.
"الهدى والنور" (/٣٢٢/ ٢٩: ٠١: ٠٠).
[١٣٧٤] باب هل خلق النبي - ﵌ - من النور؟
وهل النور المحمدي أول خلق الله؟
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«إن أول شيء خلقه الله تعالى القلم وأمره أن يكتب كل شيء يكون».
[ترجم له الإمام بما ترجمناه به، ثم قال]:
في الحديث إشارة إلى رد ما يتناقله الناس حتى صار ذلك عقيدة راسخة في قلوب كثير منهم وهو أن النور المحمدي هو أول ما خلق الله ﵎، وليس لذلك أساس من الصحة، وحديث عبد الرزاق غير معروف إسناده، ولعلنا نفرده بالكلام في " الأحاديث الضعيفة " إن شاء الله تعالى.
"الصحيحة" (١/ ١/٢٥٧ - ٢٥٨).
[ ٨ / ٣١١ ]
[١٣٧٥] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من نار السموم وخلق آدم ﵇ مما قد وصف لكم».
[قال الإمام]:
قلت: وفيه إشارة إلى بطلان الحديث المشهور على ألسنة الناس: " أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر "، ونحوه من الأحاديث التي تقول بأنه - ﵌ - خلق من نور، فإن هذا الحديث دليل واضح على أن الملائكة فقط هم الذين خلقوا من نور، دون آدم وبنيه، فتنبه ولا تكن من الغافلين.
"الصحيحة"١/ ٢/٨٢٠).
[١٣٧٦] باب هل إضاءة النبي - ﵌ - كل شيء في المدينة لما دخلها إضاءة مادية أو معنوية؟
سؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته عندنا الله يسلمك! أتانا شيخ من قريب اسمه عبد الرحيم الطحان، وكانت له محاضرة عنوانها: تعظيم أنبياء الله ومن بعض ما قاله في نفس المحاضرة قوله: ليتنا كنا نساء وحظينا بريق الحسن، من يحظ بالحسن .. ليلة لو نظرَ، وقوله: ووالله لو أدركنا الحسين لمسحنا نعليه بلحانا وفي ذلك شرف لنا وفخر.
وقوله: ثبت عن أنس بإسناد صحيح: إن النبي ﵊ عندما دخل المدينة أضاء فيها كل شيء لما تنورت بالنبي - ﵌ - وأشرقت.
[ ٨ / ٣١٢ ]
وقوله: ينقل الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في الجزء الحادي عشر صفحة (٢١١) عن بعض طلبة العلم أنه قال: نظرة إلى الإمام أحمد تعدل عبادة سنة وأكثر، علق الإمام الذهبي على هذه الجملة بقوله: هذا غلو لا ينبغي، وقال: والله ليس بغلو وإنه مما ينبغي.
وقال : كان جعفر الصادق يقول: إذا وجدت في قلبي فتور وقسوة نظرت إلى وجه محمد بن واسع فاجتهدت أسبوع، وقال: النظر إلى أئمتنا يستشفى به .. يتداوى به .. يذكر بالله، ويقولون: من لم ينفعك لحظه لم ينفعك لفظه ووعظه.
وقوله: ذكر أحمد في مجالس الذكر عندما نذكره ذكرنا الله ..
وقوله: نظرة إلى وجه النبي - ﵌ - تعدل عبادة آلاف السنين، والنظرة إلى الصحابة الطيبين تعدل عبادة آلاف السنين.
قابل هذا الشيخ بعض الشيوخ يقول: واسمه الشيخ عبد الرحمن زيد العابدين، ويقول: قابلته وقلت له: ووالله ما رأيته إلا قبلت يده، وكان يقول، أي: الشيخ عبد الرحمن زين - يقول للشيخ عبد الرحيم: من مقاصدي إذا ذهبت لأحج رؤية الإمام الشنقيطي، وهذا الشيخ يا شيخنا! معروف على مستوى في دولتنا قطر، وكل طلبة العلم يحضرون له، فما رأيكم وما الرد على هذا؟
الشيخ: بارك الله فيك، ما كان ينبغي أن تطيل علينا بسردك لمثل هذا الهراء، فانتبه لما سأقول: باستثناء حديث أنس الذي حكيته عن الطحان أقول: أولًا: حديث أنس هو فعلًا حديث صحيح ولكن الإضاءة هي إضاءة معنوية يعني: هو كناية عن انتشار نور الإسلام، وإلا فالمدينة كما تعلم إذا أطفئت الأنوار اليوم فسنراها مظلمة كما كان الشأن في عهد الرسول ﵇، وقد جاء في الحديث
[ ٨ / ٣١٣ ]
الصحيح أن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها استيقظت ليلة قالت: ولم تكن المصابيح يومئذٍ، لم تجد نبيها بجانبها فأخذت تبحث عنه والليل ظلام فوقعت يدها على النبي - ﵌ - وهو ساجد في صلاته وقدماه منصوبتان وهو يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك» فالرسول - ﵌ - بلا شك نور هدى الله به العرب ثم العجم بسبب الهدى والنور الذي أنزله الله ﵎ على قلب الرسول، فلم تكن إضاءة المدينة المذكورة في حديث أنس هي إضاءة مادية وإلا كانت السيدة عائشة ترى نبيها - ﵌ - وهو يصلي في الغرفة .. في البيت، لكنها صرحت بأنها لم تره لم؟ لأنه لم تكن عندهم المصابيح يومئذٍ فأقول: باستثناء حديث أنس من ذاك الهراء، فحديث أنس صحيح ومعناه ليس كما يفسره الرجل.
أقول بعد تكريري لهذا الاستثناء: الكلام الذي حكيته عنه كله هراء ويجب أن يطحن من الطحانين طحنًا.
سمعت الجواب؟
مداخلة: ماذا تنصحون طلبة العلم جزاكم الله خيرًا؟
الشيخ: أنصحهم ألا يحضروا للرجل درسًا؛ لأنه صوفي مبتدع ويتستر بالسنة وهو جاهل بها، والسلام عليكم ورحمة الله.
مداخلة: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
مداخلة: هذا عبد الرحيم ما كان يُصْدِرُ هذا في السعودية.
الشيخ: ما كان نعم، هؤلاء يا أخي مصلحية هؤلاء.
"الهدى والنور" (٨٠١/ ٠٨: ٢٠: ٠٠)
[ ٨ / ٣١٤ ]
[١٣٧٧] باب ما هو المقام المحمود
لنبينا - ﵌ - وهل هو جلوسه على العرش؟
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«يجلسني أي الله تعالى على العرش».
(باطل)
[قال الإمام]:
ذكره الذهبي في " العلو" (٥٥ طبع الأنصار) من طريقين عن أحمد بن يونس عن سلمة الأحمر عن أشعث بن طليق عن عبد الله بن مسعود قال: بينا أنا عند رسول الله - ﵌ - أقرأ عليه حتى بلغت ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ قال: فذكره ومما يدل على [بطلانه ..] أنه ثبت في " الصحاح " أن المقام المحمود هو الشفاعة العامة الخاصة بنبينا - ﵌ -.
"الضعيفة" (٢/ ٢٥٥).
[١٣٧٨] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾؛ قال: يُجْلِسُني معه على السريرِ».
(باطل).
[قال الإمام]:
هذا حديث باطل مخالف لأحاديث جمع من الصحابة بعضها في "البخاري" (٤٧١٨): أن المقام المحمود هو شفاعته - ﵌ - الكبرى يوم القيامة. وراجع إن
[ ٨ / ٣١٥ ]
شئت "ظلال الجنة" (٢/ ٧٨٤ و٧٨٥ و٧٨٩ و٨٠٤ و٨١٣)، و"الصحيحة" (٢٣٦٩ و٢٣٧٠)، و"الدر المنثور" (٤/ ١٩٧).
"الضعيفة" (١٣/ ٢/١٠٤٣ - ١٠٤٤).
[١٣٧٩] باب ما أُثْبِتَ للنبي - ﵌ - ولا يصح
[قال الإمام]:
والناس في هذه المسألة [أي مسألة إثبات خصوصيات النبي - ﵌ -] على طرفي نقيض، فمنهم من ينكر كثيرًا من خصوصياته الثابتة بالأسانيد الصحيحة، إما لأنها غير متواترة بزعمه، وإما لأنها غير معقولة لديه! ومنهم من يثبت له ﵇ ما لم يثبت مثل قولهم: إنه أول المخلوقات، وإنه لا ظل له في الأرض وإنه إذا سار في الرمل لا تؤثر قدمه فيه، بينما إذا داس على الصخر علم عليه، وغير ذلك من الأباطيل.
والقول الوسط في ذلك أن يقال: إن النبي - ﵌ - بشر بنص القرآن والسنة وإجماع الأمة، فلا يجوز أن يعطى له من الصفات والخصوصيات إلا ما صح به النص في الكتاب والسنة، فإذا ثبت ذلك وجب التسليم له، ولم يجز رده بفلسفة خاصة علمية أو عقلية، زعموا، ومن المؤسف، أنه قد انتشر في العصر الحاضر انتشارًا مخيفًا رد الأحاديث الصحيحة لأدنى شبهة ترد من بعض الناس، حتى ليكاد يقوم في النفس أنهم يعاملون أحاديثه ﵇ معاملة أحاديث غيره من البشر الذين ليسوا معصومين، فهم يأخذون منها ما شاؤوا، ويدعون ما شاؤوا، ومن أولئك طائفة ينتمون إلى العلم، وبعضهم يتولى مناصب شرعية كبيرة! فإنا لله وإنا إليه راجعون، ونسأله تعالى أن يحفظنا من شر الفريقين المبطلين والغالين.
الصحيحة (١/ ١/٢٩٦).
[ ٨ / ٣١٦ ]
[١٣٨٠] باب هل يعلم النبي - ﵌ - الغيب؟
[قال الإمام]:
الأمر عندنا معشر المسلمين أنه ﵇ مميز على البشر بالوحي، ولذلك أمره الله - ﵎ - أن يبين هذه الحقيقة للناس فقال في آخر سورة الكهف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وعلى هذا كان لكلامه - ﵌ - صفة العصمة من الخطأ لأنه كما وصفه ربه ﷿: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ وليس هذا الوحي محصورًا بالأحكام الشرعية فقط، بل يشمل نواحي َ أخرى من الشريعة منها الأمور الغيبية، فهو - ﷺ - وإن كان لا يعلم الغيب كما قال فيما حكاه الله عنه: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأعراف:١٨٧) فإن الله تعالى يطلعه على بعض المغيبات وهذا صريح في قول الله ﵎ ﴿عَالِمُ الغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا، إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾.
فالذي يجب اعتقاده أن النبي - ﵌ - لا يعلم الغيب بنفسه ولكن الله تعالى يُعْلِمُهُ ببعض الأمور المغيبة عنا، ثم هو صلى الله تعالى عليه وسلم يظهرنا على ذلك بطريق الكتاب والسنة، وما نعلمه من تفصيلات أمور الآخرة من الحشر والجنة والنار ومن عالم الملائكة والجن وغير ذلك مما وراء المادة، وما كان وما سيكون، ليس هو إلا من الأمور الغيبية التي أظهر الله تعالى نبيه عليها، ثم بلَّغنا إياها، فكيف يصح بعد هذا أن يرتاب مسلم في حديثه لأنه يخبر عن الغيب؟! ولو جاز هذا للزم منه رد أحاديث كثيرة جدًا قد تبلغ المائة حديثًا أو تزيد، هي كلها من أعلام نبوته - ﵌ - وصدق رسالته، وردُّ مثل هذا ظاهر البطلان، ومن المعلوم أن ما
[ ٨ / ٣١٧ ]
لزم منه باطل فهو باطل، وقد استقصى هذه الأحاديث المشار إليها الحافظ ابن كثير في تاريخه وعقد لها بابًا خاصًا فقال: " باب ما أخبر به - ﵌ - من الكائنات المستقبلة وفي حياته وبعدها فوقعت طبق ما أخبر به سواء بسواء " ثم ذكرها في فصول كثيرة فليراجعها [مَنْ] .. شاء في «البداية والنهاية» (٦/ ١٨٢ - ٢٥٦) يجد في ذلك هدى ونورًا بإذن الله تعالى، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾. وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللهِ الَّذِي لَهُ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ أَلَا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾.
فليقرأ المسلمون كتاب ربهم وليتدبروه بقلوبهم يكن عصمة لهم من الزيغ والضلال، قال - ﵌ -:
«إن هذا القرآن طرفه بيد الله، وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تضلوا ولن تهلكوا بعده أبدًا» (١).
" مقالات الألباني" (ص ١٥٩ - ١٦١)
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن نصر في "قيام الليل " (ص٧٤) وابن حبان في صحيحة (ج ١ رقم ١٢٢) بسند صحيح، وقال المنذري في "الترغيب" (١/ ٤٠): (رواه الطبراني في الكبير بإسناد جيد). [منه].
[ ٨ / ٣١٨ ]
[١٣٨١] باب لا يصح إطلاق القول
بأن النبي - ﵌ - عَلِمَ جميع الكائنات
عن عبد الرحمن بن عائش قال: قال رسول الله - ﵌ -:
" رأيت ربي ﷿ في أحسن صورة قال: فبم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: أنت أعلم قال: فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي فعلمتُ ما في السماوات والأرض وتلا: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين﴾.
[قال الإمام معلقًا على قوله - ﵌ -: «فعلمتُ ما في السموات والأرض»]:
يعني ما أعلمه الله تعالى مما فيهما من الملائكة والأشجار وغيرهما، وهو عبارة عن سعة علمه الذي فتح الله عليه، ولابد من هذا التقييد الذي ذكرناه؛ إذ لا يصح إطلاق القول بأنه علم جميع الكائنات التي في السماوات والأرض، كما قال العلامة الشيخ علي القاري (١/ ٤٦٣) وهو الظاهر.
"تحقيق مشكاة المصابيح" (١/ ٢٢٥).
[ ٨ / ٣١٩ ]
جماع أبواب عقيدة ختم النبوة بنبينا - ﵌ - والرد على أهل الضلال ممن خالف هذه العقيدة كمدعي النبوة وأتباعهم
[ ٨ / ٣٢١ ]
[١٣٨٢] باب لا نبوة بعد نبينا - ﵌ -
«كان [أي رسول الله - ﵌ -] إذا انصرف من صلاة الغداة يقول: هل رأى أحد منكم الليلة رؤيا؟ ويقول: ليس يبقى بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة».
[قال الإمام]:
الحديث نص في أنه لا نبوة ولا وحي بعد النبي - ﵌ - إلا المبشرات: الرؤيا الصالحة، وهي جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة.
"الصحيحة" (١/ ٢/٨٤٥).
[١٣٨٣] باب ذكر بعض أهل الضلال
ممن ضل في عقيدة ختم النبوة بنبينا - ﵌ -
[قال الإمام]:
لقد ضلت طائفة زعمت بقاء النبوة واستمرارها بعده - ﵌ -، وتأولوا بل عطلوا معنى هذا الحديث، ونحوه مما في الباب، وكذلك حرفوا قول الله تعالى: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ بمثل قولهم: أي زينة النبيين! وتارة يقولون: هو آخر الأنبياء المشرعين، ويقولون ببقاء النبوة غير التشريعية.
"الصحيحة" (١/ ٢/٨٤٥).
[١٣٨٤] باب منه
[قال رسول الله - ﵌ -]:
«في أمتي كذابون ودجالون، سبعة وعشرون، منهم أربعة نسوة، وإني خاتم النبين، لا نبي بعدي».
[ ٨ / ٣٢٣ ]
[قال الإمام]:
وفي الحديث رد صريح على القاديانية وابن عربي قبلهم القائلين ببقاء النبوة بعد النبي - ﵌ -، وأن نبيهم المزعوم ميرزا غلام أحمد القادياني كذاب ودجال من أولئك الدجاجلة."الصحيحة" (٤/ ٦٥٤ - ٦٥٥).
[١٣٨٥] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«لا مهدي إلا عيسى»
(منكر)
[قال الإمام]:
وهذا الحديث تستغله الطائفة القاديانية في الدعوة لنبيهم المزعوم: ميرزا غلام أحمد القادياني الذي ادعى النبوة، ثم ادعى أنه هو عيسى بن مريم المبشر بنزوله في آخر الزمان، وأنه لا مهدي إلا عيسى بناء على هذا الحديث المنكر، وقد راجت دعواه على كثيرين من ذوي الأحلام الضعيفة، شأن كل دعوة باطلة لا تعدم من يتباناها ويدعوإليها، وقد ألفت كتب كثيرة في الرد على هؤلاء الضلال، ومن أحسنها رسالة الأستاذ الفاضل المجاهد أبي الأعلى المودودى ﵀ في الرد عليها، وكتابه الآخر الذي صدر أخيرا بعنوان " البيانات " فقد بين فيهما حقيقة القاديانيين، وأنهم مرقوا من دين المسلمين بأدلة لا تقبل الشك، فليرجع إليهما من شاء.
"الضعيفة" (١/ ١٧٥ - ١٧٦).
[ ٨ / ٣٢٤ ]
[١٣٨٦] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إن له (يعني إبراهيم بن محمد - ﵌ -) مرضعا في الجنة، ولو عاش لكان صديقا نبيا، ولوعاش لعتقت أخواله القبط، وما استرق قبطي قط».
(ضعيف)
[قال الإمام]:
أخرجه ابن ماجه (١/ ٤٥٩، ٤٦٠) من طريق إبراهيم بن عثمان، حدثنا الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس قال: لما مات إبراهيم ابن رسول الله - ﵌ - صلى رسول الله عليه وقال: فذكره.
وهذا سند ضعيف من أجل إبراهيم بن عثمان، فإنه متفق على ضعفه، ولكن الجملة الأولى من الحديث وردت من حديث البراء، رواه أحمد (٤/ ٢٨٣، ٢٨٤، ٢٨٩، ٢٩٧، ٣٠٠، ٣٠٢، ٣٠٤) وغيره بأسانيد بعضها صحيح.
والجملة الثانية وردت عن عبد الله بن أبي أوفى قيل له: رأيت إبراهيم ابن رسول الله؟ قال: مات وهو صغير، ولو قضي أن يكون بعد محمد - ﵌ - نبي لعاش ابنه ولكن لا نبي بعده، رواه البخاري في " صحيحه " (١٠/ ٤٧٦) وابن ماجه (١/ ٤٥٩) وأحمد (٤/ ٣٥٣) ولفظه: ولوكان بعد النبي - ﵌ - نبي ما مات ابنه إبراهيم، وعن أنس قال: رحمة الله على إبراهيم لو عاش كان صديقًا نبيًا، أخرجه أحمد (٣/ ١٣٣ و٢٨٠ - ٢٨١) بسند صحيح على شرط مسلم، ورواه ابن منده وزاد: " ولكن لم يكن ليبقى لأن نبيكم آخر الأنبياء " كما في " الفتح " للحافظ ابن حجر (١٠/ ٤٧٦) وصححه.
[ ٨ / ٣٢٥ ]
وهذه الروايات وإن كانت موقوفة فلها حكم الرفع إذ هي من الأمور الغيبية التي لا مجال للرأي فيها، فإذا عرفت هذا يتبين لك ضلال القاديانية في احتجاجهم بهذه الجملة: " لوعاش إبراهيم لكان نبيًا " على دعواهم الباطلة في استمرار النبوة بعده - ﵌ - لأنها لا تصح هكذا عنه - ﵌ - وإن ذهبوا إلى تقويتها بالآثار التي ذكرنا كما صنعنا نحن فهي تلقمهم حجرًا وتعكس دليلهم عليهم إذ إنها تصرح أن وفاة إبراهيم ﵇ صغيرًا كان بسبب أنه لا نبي بعده - ﵌ - ولربما جادلوا في هذا - كما هو دأبهم - وحاولوا أن يوهنوا من الاستدلال بهذه الآثار، وأن يرفعوا عنها حكم الرفع، ولكنهم لم ولن يستطيعوا الانفكاك مما ألزمناهم به من ضعف دليلهم هذا ولومن الوجه الأول وهو أنه لم يصح عنه - ﵌ - مرفوعا صراحة.
"الضعيفة" (١/ ٣٨٧ - ٣٨٨).
[١٣٨٧] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»
(لا أصل له بهذا اللفظ)
[قال الإمام]:
وهذا الحديث رأيته في بعض كتب الشيعة، ثم في بعض كتب القاديانية يستدلون به على وجوب الإيمان بدجالهم ميرزا غلام أحمد المتنبي، ولوصح هذا الحديث لما كان فيه أدنى إشارة إلى ما زعموا، وغاية ما فيه وجوب اتخاذ المسلمين إمامًا يبايعونه، وهذا حق كما دل عليه حديث مسلم وغيره.
"الضعيفة" (١/ ٥٢٥).
[ ٨ / ٣٢٦ ]
[روي عن النبي - ﵌ -]:
«علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»
[قال الإمام]:
لا أصل له باتفاق العلماء، وهو مما يستدل به القاديانية الضالة على بقاء النبوة بعده - ﵌ -، ولو صح لكان حجة عليهم كما يظهر بقليل من التأمل.
"الضعيفة" (١/ ٦٧٧ - ٦٧٨).
[١٣٨٩] باب منه
[روي عن النبي - ﵌ - أنه قال]:
«إذا جلس القاضي في مكانه، هبط عليه ملكان يسددانه ويوقفانه ويرشدانه ما لم يجر، فإذا جار عرجا وتركاه»
(موضوع)
[قال الأمام]:
قلت: وهو من الأحاديث الكثيرة الباطلة التي تحتج بها الفئة القاديانية الضالة على بعض ما يذهبون إليه مما خالفوا فيه الكتاب والسنة وإجماع الملة؛ ألا وهو قولهم ببقاء النبوة والوحي، ونزول الملائكة به بعد خاتم النبياء محمد - ﵌ -، ومع أن الحديث ليس صريحًا في ذلك، فهم يجادلون به، مع علمهم أنه من رواية هذا الكذاب، لأن علم الحديث وقواعده مما لا يلتفتون إليه، شأن أهل الأهواء جميعًا، فكل حديث وافق مذهبهم وأهواءهم فهو صحيح عندهم، ولو كان راويه مسيلمة الكذاب!
"الضعيفة" (٥/ ٥٢).
[ ٨ / ٣٢٧ ]
[١٣٩٠] باب منه
[قال الإمام]:
القاديانية لا شك أنهم يدعون الإسلام ولكن الإسلام منهم بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب كما يقال في المثل العربي القديم؛ ذلك لأنهم خالفوا سبيل المسلمين في كثير من عقائدهم، فهم مثلًا يعتقدون بأن باب النوبة لم يختم .. لم يغلق .. باب النبوة لا يزال مفتوحًا، وأكدوا ذلك بادعاء نبيهم الذي كان يسمى: بميرزا غلام أحمد القادياني ادعى النبوة، ولذلك فهم يؤمنون بنبوة: ميرزا غلام أحمد القادياني ويكفروننا نحن معشر المسلمين؛ لأننا لا نؤمن بنبيهم هذا الدجال، طيب! ألا يؤمنون بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)؟ يؤمنون طبعًا؛ لأنهم لو أنكروا كفروا وارتدوا عن دينهم، كيف إذًا يؤمنون بهذا النص القرآني ويعتقدون بمجيء نبي ويصرحون بأنه سيأتي أنبياء كثر من أمثال هذا النبي خاصتهم.
اسمعوا الآن ماذا يفعلون بالآية هذه ويخالفون سبيل المؤمنين كما قال رب العالمين، قالوا: أنتم أسأتم فهم هذه الآية فوقعتم في الخطأ وفي الضلال؛ لأنكم فهمتم من قوله: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) أي: آخرهم هذا خطأ، والصواب في فهم الآية: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) أي: زينة النبيين كالخاتم في الإصبع، إذًا: هم آمنوا بالآية لكن كفروا بالمعنى فلم يفدهم شيئًا ..
"الهدى والنور" (٥٤٤/ ٤١: ٠٠: ٠٠)
[١٣٩١] باب منه وهل يكفر من ينكر عقيدة ختم النبوة نبينا - ﵌ -؟
[قال الإمام]:
لابد أنكم تسمعون بطائفة اسمها القاديانية ينتسبون إلى بلدة أو قرية في
[ ٨ / ٣٢٨ ]
الباكستان تسمى بقاديان هنا خرج رجل من الصوفية عالم، لكن كان صوفيًا صاحب طريقة فادعى أولًا: بأنه المهدي، ثم ادعى بأنه عيسى المبشر بنزوله في آخر الزمان، ثم ادعى أنه يوحى إليه، وله كتاب مطبوع باللغة العربية اسمه: حقيقة الوحي، وله هناك كفريات عجيبة جدًا هذا النبي الذي كذب وافترى على الله
﷿.
يقول هناك مثلًا يزعم أن اسمه أحمد وكان اسمه الذي سماه أبوه غلام أحمد ترجمة غلام أحمد في لغتهم أي: خادم أحمد والمقصود بأحمد هنا: نبينا محمد ﵇، وهذا الوليد سموه تبركًا بغلام أحمد أي: خادمه، ثم لما ترقى في الضلال حذف كلمة غلام وبقي اسمه: أحمد، ثم زعم بأن الله ﷿ أوحى إليه ذلك الكتاب المعروف بحقيقة الوحي ماذا يقول فيه؟ قال الله له: يا أحمد أنت مني بمنزلة توحيدي أنت مني بمنزلة تفريدي يعني: توحيده هو بمنزلة توحيد الله
﷿.
وله من مثل هذه الضلالات كثيرة وكثيرة جدًا، لكنه لما ادعى النبوة اتبعه ناس إلى اليوم وهو مضى عليه تقريبًا نحو سبعين سنة، مات له أتباع اليوم منتشرون في بريطانيا في ألمانيا في فرنسا ولهم نشاط عجيب في الدعوة لا أقول في الدعوة إلى الإسلام، وإنما في الدعوة إلى إسلامهم؛ لأن من إسلامهم أن النبوة لم تنقطع خلافًا للآية المعروفة: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) خلافًا لقوله ﵊: «إن النبوة والرسالة قد انقطعت فلا نبي بعدي ولا رسول بعدي» (١).
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم١٦٣١).
[ ٨ / ٣٢٩ ]
وخلاف قوله ﵇ لعلي لما ذهب ﵇ إلى تبوك وخلفه في المدينة نائبًا عنه قال له ﵊: «أنت بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» (١).
هؤلاء القاديانيون لا تظنوا أنهم ينكرون شيئًا من أركان الإيمان، أو شيئًا من أركان الإسلام لا هم يؤمنون معنا في كل هذه الأركان، فهم يصلون ويصومون ويحجون، وأسماؤهم أسماء إسلامية تمامًا، فهل ترونهم مسلمين وهم يعتقدون بأنه هذا الرجل نبي صادق؟ ثم هذا الرجل يقول: بأنه سيأتي أنبياء من بعده؟ طبعًا: هؤلاء ليسوا من المسلمين؛ لأنهم أنكروا كما يقول الفقهاء: ما هو معلوم من الدين بالضرورة، معلوم من الدين بالضرورة عند كل مسلم أنه لا نبي بعد رسول الله - ﵌ - للآية المذكورة آنفًا، وللأحاديث التي ذكرت بعضها أيضًا آنفًا.
الشاهد: هل يؤمنون بهذه الآية؟ الجواب: نعم. هل يصدقون بهذه الأحاديث؟ الجواب: نعم. كيف هذا وهم يقولون بخلاف الآية، وبخلاف الأحاديث؟ هنا تأتي مصيبة التأويل، هنا تأتي مصيبة التأويل الذي كان سببًا لتفريق المسلمين تلك الفرق القديمة، والتي لا يزال شيء من آثارها حتى اليوم.
المعتزلة مثلًا: ضلوا وخرجوا عن الجماعة، هل كفروا بشيء من آيات القرآن؟ الجواب: لا. إذًا: لماذا ضلوا؟ لأنهم سلطوا معول التأويل على نصوص القرآن والسنة، فضلوا ضلالًا بعيدًا.
كذلك هؤلاء القاديانيون ما خرجوا عن القرآن والسنة لفظًا، ولكنهم خرجوا عن القرآن والسنة تأويلًا، وتحريفًا فقالوا مثلًا في الآية السابقة: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ
_________________
(١) صحيح الجامع (رقم١٤٨٤).
[ ٨ / ٣٣٠ ]
وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ (الأحزاب:٤٠) أي: هو رسول الله حقًا وصدقًا، لكن خاتم النبيين معنى هذا الوصف أنه زينة النبيين، وليس آخرهم، ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) قالوا: هذا تشبيه، وهذا مجاز كما أن الخاتم في الإصبع زينة الأصابع واليد، كذلك محمد هو خاتم الأنبياء أي: زينتهم وليس آخرهم، فإذًا: هم آمنوا وهم كفروا، أي: آمنوا بلفظ القرآن وكفروا بمعناه، تُرى هل ربنا ﷿ حينما يريد منا أن نؤمن بالقرآن يريد منا أن نؤمن بلفظه دون معناه، أو بمعناه دون لفظه، أم يريد منا أن نؤمن بهما كليهما لفظًا ومعنًا؟ لاشك أن الجواب: لفظًا ومعنى.
وجد في المسلمين من الفلاسفة الذين يعتبرون من الذين خرجوا من دين الله أفواجًا، وكما تخرج الشعرة من العجين قالوا: الآيات التي جاءت تأمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ليس المقصود بهذه الآيات هو هذه الصلاة التي يفعلها المسلمون حتى اليوم والحمد لله، صلوات في أوقات خمسة بركعات معروفة، بشروط وأركان وو إلى آخره، لا، هذا خطأ في فهم الآية إنما المقصود: أقيموا الصلاة يعني: الدعاء، والزكاة يعني: تطهير النفس. فعطلوا هذه الشرائع كلها، ومعنى هذا: أنهم لا يؤمنون بالله ورسوله حقًا، هذا ما يقوله بعض الفلاسفة الإسلاميين.
لكن هناك ضلال أدنى درجة من هذا الضلال، لكنه ضلال أيضًا، ولا أريد أن أعود إلى بعض الأمثلة القديمة حسبنا هذا المثال الجديد الآن: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) أي: زينتهم أي: هو ليس آخرهم؛ لأنه جاء بعد الرسول غلام أحمد القادياني، وسيأتي من بعده أنبياء كثر، والآية فسروها أولوها عطلوا دلالتها كاليهود يحرفون الكلم من بعد مواضعه، فوقعوا في الكفر وهم
[ ٨ / ٣٣١ ]
يعتمدون على القرآن، وهم يعتمدون على القرآن زعموا مؤولين للآية خلاف تأويلها الصحيح، ماذا فعلوا بالحديث! سمعتم آنفًا قوله ﵇ لعلي: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» قالوا: لا نبي معي، أما بعد موته فهناك أنبياء هكذا.
إذًا: هؤلاء هم من الفرق التي جاء الإشارة إليها في قوله ﵊: «وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة» هذه الفرقة من هذه الفرق الاثنين والسبعين الهالكة لماذا؟ لأنهم ولو آمنوا بالقرآن، ولكنهم سلكوا غير سبيل المؤمنين في تفسير القرآن من أجل ذلك قال الله ﷿ في الآية السابقة في القرآن: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥).
فإذًا: هؤلاء القاديانيون وأمثالهم قديمًا، وربما حديثًا: لما آمنوا بالآية وأولوها غير تأويل المؤمنين إذًا: جزاؤهم ما جاء في الآية: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:١١٥)
"الهدى والنور" (٧٠٥/ ٣٠: ١٨: ٠٠).
[١٣٩٢] باب منه
[قال الإمام]:
القاديانيون يتأولون القرآن في بعض آياته تأويلًا ويفسرونها تفسيرًا يلتقي مع ضلالهم الكبير الذي منه ادعاؤهم عدم ختم النبوة بمحمد - ﵌ -، فهم يصرون على تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) بمعنى وبتأويل
[ ٨ / ٣٣٢ ]
يبطلون دلالة الآية على أنه كما قال ﵇ في أحاديث كثيرة: «أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي»، فيقولون في تفسير الآية: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠) أي: هو زينة النبيين، كما أن الخاتم زينة الإصبع فرسول الله زينة الأنبياء هكذا اعتقادهم.
"الهدى والنور" (٦٥٤/ ٠٠:٢٢:١٨).
[١٣٩٣] باب منه
[قال الإمام]:
كلكم يسمع بطائفة معاصرة لم يمض على نشأتها إلا أقل من قرن من الزمان، ألا وهم الطائفة القاديانية، هؤلاء مسلمون وليسوا بمسلمين، مسلمون يصومون ويصلون، ويشهدون كما نشهد لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويحجون أيضًا، ولكنهم كما قلت آنفًا ليسوا مسلمين؛ لأنهم خالفوا سبيل المؤمنين، فصبت عليهم الآية السابقة صبًا، ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ..﴾ هؤلاء اتبعوا غير سبيل المؤمنين، لكنهم حينما اتبعوا غير سبيل المؤمنين، هل أعرضوا عن الكتاب والسنة، لا. هم يتحدوننا ويقولون لنا: نحن مع الكتاب والسنة، أما أنتم فقد أخطأتم الكتاب والسنة، مثال واحد كما قلت آنفًا.
هؤلاء لهم عقائد كثيرة انحرفوا فيها عن سبيل المؤمنين، ولسنا أيضًا في هذا الصدد، لكن حسبكم هذا المثال:
من عقائدهم أن النبوة لم تختم ولن تنقطع بنبينا ﵊، بل لا تزال أبواب النبوة مفتحة على مصراعيها إلى ما شاء الله في زعمهم، ثم زعموا أن أحد هؤلاء جاءهم، وجاءهم من بلاد الهند ومن قرية اسمها قاديان، ولذلك هم
[ ٨ / ٣٣٣ ]
ينسبون إليها فيقال عنهم: القاديانيون، هذا الرجل اسمه ميرزا غلام أحمد القادياني، يؤمن بالكتاب والسنة، لكنه لا يؤمن بالكتاب والسنة، أظن يسهل عليكم أن تفهموا هذا الكلام المتناقض ظاهرًا، هم يؤمنون بالكتاب والسنة ولكنهم لا يؤمنون بالكتاب والسنة. كيف هذا؟
يؤمنون بألفاظ الكتاب والسنة، ولكنهم لا يؤمنون بحقائق معانيها، واللفظ كما نعلم جميعًا، الألفاظ هي قوالب المعاني، فهي وسيلة للتعبير عما في نفس المتكلم، وليس اللفظ هو المقصود بالذات كما قيل قديمًا:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلًا
فإذا آمن مؤمن بكلام الله ﷿، لكنه حرفه عن المعنى الحقيقي، فهو آمن باللفظ وكفر بالمعنى.
إذًا: هو كفر بحقيقة الآية وإن آمن بلفظها، فهناك الآية الكريمة: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب:٤٠)، هل كفروا بهذه الآية؟ لا ما كفروا، بل كفروا. عرفتم الآن؟
لِمَ؟ لأنهم فسروا ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ بغير المعنى الذي تلقاه الخلف عن السلف، ووصل إلينا تفسير الآية بالتواتر من أحاديث الرسول ﵇، من تفسير الصحابة والتابعين إلى أن جاء المعنى الصحيح مدونًا في كل كتب المسلمين عقيدةً وحديثًا وتفسيرًا، ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أي: آخرهم.
فماذا قال هؤلاء الضالون؟
آمنوا، ما أنكروا أن الله قال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ قالوا: أي
[ ٨ / ٣٣٤ ]
زينتهم. وليس معنى الآية آخرهم.
قالوا: كما أن الإصبع زينته الخاتم، كذلك رسول الله هو زينة الأنبياء، فأنتم معشر المسلمين ضللتم في فهم هذه الآية، والحقيقة أنهم هم الضالون؛ لأنهم خالفوا سبيل المؤمنين، أظن هذا المثال يكفيكم تمامًا أن تفهموا أنه لا يكفي في هذا العصر أن نقول: الكتاب والسنة؛ لأن كلًا من الكتاب والسنة يفسر حسب المذاهب والمشارب والأهواء، وهذا هو المثال.
لذلك نحن دعوتنا يجب أن تكون قائمة عندكم بصورة واضحة جدًا قائمة على الكتاب والسنة وعلى منهج السلف الصالح، فمن وافقنا على هذا فهو معنا، وإلا فحسبه أن يكون فرقة من تلك الفرق التي حكم النبي - ﵌ - عليها بأنها في النار، ونحن نقول بلسان الحال وبلسان القال كما قال رب الأنام في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة:١٠٥) المهم أن نكون على بينة من دعوتنا، وعلى أي أساس قامت دعوتنا، وما هو نقطة الخلاف بين دعوتنا هذه وبين دعوات أخرى قد تلتقي كلها أو بعضها على الأقل معنا في الكتاب والسنة، ولكن تنفصل عنا في الاحتجاج بما كان عليه سلفنا الصالح، هذا فيما يتعلق بتعريف العلم الذي يجب أن يكون قائمًا في أذهان المسلمين بعامة، ونختم ذلك بشعر ابن القيم الجوزية حيث جمع هذا المعنى في شعر لطيف جميل فقال:
العلم قال الله قال رسوله
قال الصحابة ليس بالتمويه
هذه ثلاثة أشياء ..
[ ٨ / ٣٣٥ ]
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة
بين الرسول وبين رأي فقيه
كلا ولا جحد الصفات ونفيها
حذرًا من التعطيل والتشبيه
"الهدى والنور" (٦٣٢/ ٠٠:٠٥:٥٢)
[قال الإمام]:
طائفة القاديانية أنكروا بطريق التأويل كثيرًا من الحقائق الشرعية المجمع عليها بين الأمة كقولهم ببقاء النبوة بعد النبي - ﵌ - متأسين في ذلك بنبيهم ميرزا غلام أحمد ومن قبله ابن عربي في "الفتوحات المكية " وتأولوا قوله تعالى: ﴿ولكن رسول الله وخاتم النبيين﴾ بأن المعنى زينة النبيين وليس آخرهم وقوله ص: «لا نبي بعدي» بقولهم: أي معي.
"مختصر العلو" (ص٣٢).
[١٣٩٥] باب منه
عَنْ أَبِى نَوْفَلٍ رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ - قَالَ -: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ: السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمَا وَاللَّهِ لأُمَّةٌ أَنْتَ
[ ٨ / ٣٣٦ ]
أَشَرُّهَا لأُمَّةٌ خَيْرٌ.
ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ فَأُلْقِىَ فِي قُبُورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ لَتَأْتِيَنِّى أَوْ لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مِنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ - قَالَ -: فَأَبَتْ وَقَالَتْ وَاللَّهِ لاَ آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَىَّ مَنْ يَسْحَبُنِى بِقُرُونِى - قَالَ -: فَقَالَ: أَرُونِى سِبْتَىَّ. فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِى صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ؟ قَالَتْ رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرَتَكَ، بَلَغَنِى أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَطَعَامَ أَبِى بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِى لاَ تَسْتَغْنِى عَنْهُ أَمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﵌ - حَدَّثَنَا «أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا». فَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلاَ إِخَالُكَ إِلاَّ إِيَّاهُ - قَالَ - فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا.
[قال الإمام معلقًا على قول أسماء: "فأما الكذاب فقد رأيناه":]
تعني المختار بن عبيد الثقفي، كان شديد الكذب ومن أقبحه أنه ادعى أن جبريل ﵇ يأتيه، قلت: ومثله نبي القاديانية المدعو ميراز غلام أحمد القادياني، هذا حقيقة اسمه "غلام أحمد" ومعناه خادم أحمد أي نبينا محمد - ﵌ -. ثم حذف القاديانية منه (غلام) وأطلقوا عليه اسم أحمد، ليوهموا ضعفاء الأحلام أنه المعني بقوله تعالى ﴿ومبشرًا برسول يأتي من بعده اسمه أحمد﴾!! ومعنى (المبير) المهلك.
"مختصر صحيح مسلم" (ص ٤٦٢).
[ ٨ / ٣٣٧ ]
[١٣٩٦] باب منه
[قال الإمام معلقًا على قول صاحب الطحاوية على نبينا ص: وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى]
قلت: وقد أخبر النبي - ﵌ - أمته نصحًا لهم وتحذيرًا في أحاديث كثيرة أنه سيكون بعده دجالون كثيرون وقال في بعضها: «كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» رواه مسلم وغيره " الأحاديث الصحيحة" (١٦٨٣) ومن هؤلاء الدجالين " ميرزا غلام أحمد القادياني " الذي ادعى النبوة وله أتباع منتشرون في الهند وألمانيا وإنكلترا وأمريكا ولهم فيها مساجد يضلون بها المسلمين، وكان منهم في سوريا أفراد استأصل الله شأفتهم وقطع دابرهم، ولهم عقائد كثيرة غير اعتقادهم بقاء النبوة بعده - ﷺ -، وسلفهم فيه ابن عربي الصوفي ولهم في ذلك رسالة جمعوا فيها أقواله في تأييد اعتقادهم المذكور، لم يستطع المشايخ الرد عليها؛ لأنها مما قاله ابن عربي مع جزمهم بتكفيرهم، ولا مجال لذكر شيء من عقائدهم الآن، وهم بلا شك ممن عناهم رسول الله - ﷺ - في الحديث الصحيح عنه: «يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم لا يضلونكم ولا يفتنونكم» رواه المؤلف في " مشكل الآثار " (٤/ ١٠٤) وهو عند الإمام مسلم (١/ ٩).
وإن من أبرز علاماتهم أنهم حين يبدءون بالتحدث عن دعوتهم إنما يبتدئون قبل كل شيء بإثبات موت عيسى ﵊، فإذا تمكنوا من ذلك بزعمهم انتقلوا إلى مرحلة ثانية وهي ذكر الأحاديث الواردة بنزول عيسى عليه
[ ٨ / ٣٣٨ ]
الصلاة والسلام ويتظاهرون بالإيمان بها ثم سرعان ما يتأولونها ما دام أنهم أثبتوا بزعمهم موته بأن المقصود نزول مثيل عيسى وأنه هو غلام أحمد القادياني ولهم من مثل هذا التأويل الشيء الكثير والكثير جدًا مما جعلنا نقطع بأنهم طائفة من الباطنية الملحدة.
"التعليق على متن الطحاوية" (ص٢١ - ٢٣).
[١٣٩٧] باب ميرزا غلام أحمد أحد الكذابين الذين يكونون بين يدي الساعة
عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول النبي - ﵌ - يقول: «إن بين يدي الساعة كذابين فاحذروهم». رواه مسلم
[قال الإمام:]
ومنهم المدعو ميرزا غلام أحمد القادياني الهندي، الذي ادعى النبوة منذ أكثر من نصف قرن، وتبعه بعض من لا خلاق له هنا في دمشق وفي غيرها.
" تحقيق مشكاة المصابيح" (٣/ ١٤٩٨).
[١٣٩٨] باب كيف نناقش من يدعي النبوة؟
مداخلة: عندنا يا شيخ في الزرقاء الآن كنت ذكرت لك من مدة أنه في أحد المعتوهين يدعي أنه صاحب الوسيلة.
الشيخ: إيه.
مداخلة: خرج الآن واحد جديد.
[ ٨ / ٣٣٩ ]
الشيخ: ما شاء الله.
مداخلة: يقول: أنني أنا نبي.
الشيخ: ما شاء الله.
مداخلة: ونقلوا لي بعض الإخوة أنه حصل الآن في هذا المسجد الذي يصلي فيه كثير من الفتن.
الشيخ: إيه.
مداخلة: وكثير من الناس يعني مالوا إلى قوله.
الشيخ: نعم.
مداخلة: بأن محمد - ﵌ - أعطاه الحصة حقه.
الشيخ: ما شاء الله.
مداخلة: وأبو بكر أعطاه حصته لكن أعطاه ووزعها على أصدقائه وأصحابه.
الشيخ: يا سلام.
مداخلة: وعمر ﵁ كذلك أعطى حصته لواحد من أصحاب هذا النبي المدَّعَى.
الشيخ: ما شاء الله.
مداخلة: فجاءونا بعض الناس ومن هؤلاء الناس يا شيخي، يعني ممن يعني يميل لقوله [فيقول:] يا أخي كل كلامه قال الله وقال الرسول أيش فيها؟
الشيخ: ما شاء الله.
[ ٨ / ٣٤٠ ]
مداخلة: أي نعم. فقالوا: نحن نريد الشيخ (عليًّا) ونريدك أن نجلس مع هذا الأخ، فقلت: أنا والله يعني سمعت أكثر من مرة أن مثل هؤلاء لا، يعني لا نضيع وقتنا معهم.
الشيخ: أي والله.
مداخلة: وأحببت والله أني أنا أستأنس في رأيك يا شيخنا، لأنه الآن الأمر أصبح يعني عام في الزرقاء.
الشيخ: إيه.
مداخلة: أي نعم. والرجل هذا كنا جلسنا معه قبل ثلاث سنوات.
الشيخ: إيه.
مداخلة: لعلي ذكرته لك شيخ كان يعني يقول عنده أنفاق من تحت الأرض يمر فيها.
ومرة من المرات نزلت في الكويت فكنت ذكرت له أيش وجدت في الكويت وأين نزلت؟ قال: نزلت على دوار، يعني دوار للسيارات.
الشيخ: إيه.
مداخلة: وماذا رأيت هناك؟ قال: رأيت امرأة تلبس الثوب القصير وما رأى سوى هذا. فنريد منك نصيحة يعني أن تنصحنا أن نذهب إليه ونبين للناس دجل هذا الرجل بالحجة فنذهب وإلَّا فلا، أو شيء آخر أن نجلس معه ومع بعض الناس، لأنه هو الآن يتكلم بشكل عام شيخنا أمام العوام وأمام طلاب العلم من الإخوان، من رجال التحرير ومن الشباب السلفيين، فما هي نصيحتكم؟ هؤلاء
[ ٨ / ٣٤١ ]
الناس يتكلم أمامهم يعني.
الشيخ: نعم.
مداخلة: أي نعم. يعني ليس فقط أمام العوام، بل أمام حتى بعض طلبة العلم، لكن الظاهر لم يجرؤ على محادثة أي أحد من هؤلاء.
الشيخ: نعم.
مداخلة: نعم.
الشيخ: والله يخطر في خاطري خاطرة أنه الناس من أمثال هؤلاء الحمقى هؤلاء ما يصلح لهم إلا واحد يكون أبو صياح.
مداخلة: نعم.
الشيخ: تعرف ايش أقصد بأبي صياح.
مداخلة: إيه، طبعًا شيخي.
الشيخ: إيه. لذلك أنا أنصح أنك تروح إلى عند صاحبكم الجديد (١).
مداخلة: نعم، مفهوم.
الشيخ: بصوت واحد يتغلب عليه.
مداخلة: والله ممتازة شيخنا.
مداخلة: أي نعم. بس شيخنا، الشيخ ليس موجودًا هنا، بفرنسا الآن.
_________________
(١) يقصد الشيخ شخصًا بعينه.
[ ٨ / ٣٤٢ ]
الشيخ: ما شاء الله.
مداخلة: أنا متأكد لو كان موجودًا كان أقام الزرقاء على رأسه.
الشيخ: نعم.
مداخلة: أي نعم.
الشيخ: طيب. والله يا أخي أنا أسألك: كل نبي له معجزة، أنت ما هي معجزتك؟
مداخلة: هو مجدد هذا القرن يا شيخ.
الشيخ: ما عليك، هذه دعوى. ما هي المعجزة تبعه؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: أنت تعرفه سابقًا؟
مداخلة: نعم، أعرفه يا شيخنا.
الشيخ: هو مثقف أو غير مثقف؟
مداخلة: الظاهر عنده بعض الثقافة.
الشيخ: عنده بعض الثقافة. قد أيش عمره؟
مداخلة: يعني بحدود الأربعين.
الشيخ: إيه. قول له: كل نبي كان يرسل على عمر الأربعين.
مداخلة: نعم.
[ ٨ / ٣٤٣ ]
الشيخ: فأنت اسأله أولًا: أنت أيش عمرك؟ فإذا قال لك: لسه ما وصل الأربعين، قول له: ما صرت نبي.
مداخلة: نعم.
الشيخ: ثانيًا: ما هي علامة نبوتك؟ شو في عندك معجزة وبرهان؟
مداخلة: نعم.
الشيخ: الرسول جاء ببرهان وقرآن وهي معجزة الدهر، أنت ما هي معجزتك؟ هذا يريد واحد يسخر منه يا أخي.
مداخلة: نعم والله يا شيخ.
الشيخ: لذلك لا تتعب حالك
"الهدى والنور" (٣١٨/ ٤٨: ٣٦: ٠٠).
[ ٨ / ٣٤٤ ]