الباب الثاني: جهوده في توضيح بقية أركان ومباحث الإيمان (تابع)
الفصل الثالث: جهود الشيخ الأمين –﵀- في توضيح النبوات
المبحث الأول: الإيمان بالأنبياء
المطلب الأول: دعوة الأنبياء واحدة
الفصل الثالث: جهود الشيخ الأمين –﵀- في توضيح النبوات
تمهيد: تعريف النبي والرسول لغةً وشرعًا:
أولًا: تعريف النبي والرسول لغةً:
النبي لغةً مشتق من النبأ؛ وهو الخبر، كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ﴾ ١.
وقيل: إن النبي مأخوذ من النبوة، والنباوة؛ وهي الارتفاع؛ لارتفاع قدره، ولأنه شرف على سائر الخلق. فأصله غير مهموز. وقيل: النبي: الطريق. والأنبياء طرق الهدى٢.
أما الرسول لغةً: فهو الذي يتابع أخبار الذي بعثه، أخذًا من قولهم: جاءت الإبل رسلًا، أي متتابعة.
والرسول: اسم من أرسلت. وأصل الرِسل: الانبعاث على التؤدة٣.
ثانيا: تعريف النبي والرسول شرعًا:
تعددت الآراء في تعريف النبي والرسول إلى أقوال كثيرة٤، وأشهرها:
أن الرسول مَنْ أُوحِي إليه بشرع، وأُمِرَ بتبليغه. والنبي من أُوحِي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه٥.
_________________
(١) ١ سورة النبأ، الآيتان [١-٢] . ٢ انظر: الصحاح للجوهري ١/٧٤. وتهذيب اللغة ١٥/٤٨٦. والمفردات للراغب الأصفهاني ص٤٨١-٤٨٢. ولسان العرب ١/١٦٢. ٣ انظر: تهذيب اللغة ١٢/٣٩١. والمفردات للراغب الأصفهاني ص١٩٥. ولسان العرب ١١/٢٨٤. ٤ انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٢/٥٤. وأعلام النبوة للماوردي ص٣٧-٣٨. ٥ انظر: شرح العقيدة الطحاوية ص١٦٧. ولوامع الأنوار البهية ١/٤٩.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
وهذا التفريق لا يسلم من الاعتراض؛ لأن الإنسان الذي دون النبي مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإبلاغ الناس أمور دينهم، وعدم كتمان العلم. فكيف بالنبي الذي هو منبأ عن الله ﷾؛ لاشك أن مسؤوليته أعظم، وموقفه أخطر. وقد دلت النصوص على أن الأنبياء مأمورون بالإبلاغ؛ فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ١، وقوله - ﷺ -: "عرضت عليّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد. "٢.
لذلك لم يرتض الشيخ الأمين –﵀- هذا التعريف، وبين تعارضه مع النصوص، فقال في معرض الرد عليه موضحًا القول الحق في هذه المسألة: "وآية الحج هذه٣تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبي هو من أوحي إليه وحي ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي إليه وأمر بتبليغ ما أوحي إليه: غير صحيح؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ ٤يدل على أن كلًا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير. واستظهر بعضهم أن النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأن النبي المرسل الذي هو غير الرسول؛ هو من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله؛ كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بينه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ ٥"٦.
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية [٥٢] . ٢ أخرجه البخاري في الصحيح ٧/١٩٩. ومسلم في الصحيح ١/١٩٩ عن ابن عباس ﵄، واللفظ لمسلم. ٣ يعني قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ . ٤ سورة الحج، الآية [٥٢] . ٥ سورة المائدة، الآية [٤٤] . ٦ أضواء البيان ٥/٧٣٥. وانظر رحلة الحج ص ١٣٦-١٣٧.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وهذا التعريف الذي أخذ به الشيخ الأمين –﵀- أسلم من غيره من التعريفات؛ لذلك ارتضاه غير واحد من العلماء السابقين؛ منهم البيضاوي١﵀- الذي قال في الفرق بين النبي والرسول: "الرسول من بعثه الله بشريعة مجددة يدعو الناس إليها، والنبي يعمه، ومن بعثه لتقرير شرع سابق؛ كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا بين موسى وعيسى ﵉. لذلك شبه النبي ﷺ علماء أمته بهم، فالنبي أعم من الرسول"٢.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- تعريف قريب من هذا التعريف؛ يقول فيه -﵀-: "فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله، ولم يرسل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي وليس برسول. إلى أن قال: فقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ ٣ دليل على أن النبي مرسل، ولا يسمى رسولًا عند الإطلاق؛ لأنه لم يرسل إلى قوم بما لا يعرفونه، بل كان يأمر المؤمنين بما يعرفونه أنه حق كالعالم، ولهذا قال النبي ﷺ: "العلماء ورثة الأنبياء." ٤"٥.
_________________
(١) ١ هو ناصر الدين عبد الله بن عمر الشيرازي. ولد في مدينة البيضاء بفارس، وتوفي سنة [٦٨٥هـ] . (انظر: البداية والنهاية ١٣/٣٢٧. وشذرات الذهب ٥/٣٩٢. والأعلام ٤/١١٠) . ٢ أنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي ٤/٥٧. ٣ سورة الحج، الآية [٥٢] . ٤ أخرجه أبوداود في سننه ٤/٥٧، رقم ٣٦٤١. وقال الألباني في مشكاة المصابيح (١/٧٤، رقم٢١٢): إسناده حسن. ٥ النبوات ص٢٥٥-٢٥٦.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
المبحث الأول: الإيمان بالأنبياء
المطلب الأول: دعوة الأنبياء واحدة
جميع الرسل متفقون في الدعوة إلى التوحيد الخالص، والنهي عن الشرك؛ فالغاية التي بعثوا من أجلها: إفراد الله بالعبادة، والنهي عن جميع الموبقات؛ من الكفر والفسوق والعصيان؛ فالشرائع كلها تدعو إلى هذه الغاية العظيمة، فهذه مهمة جميع الرسل من نوح ﵇ إلى رسولنا محمد - ﷺ - فكل واحد من الأنبياء والرسل، ﵈، يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١.
وقد اهتم الشيخ الأمين –﵀- بتوضيح هذه المسألة الجليلة التي هي وسيلة لأعظم غاية من أجلها خلق الخلق وأوجدت الكائنات؛ فقال -﵀-: "كل دعوات الرسل هي مضمون "لا إله إلا الله" التي قام عليها أمر السموات والأرض، وخلقت من أجلها الجنة والنار، وبعث رسل الله عليهم الصلاة والسلام. ولهذا كان كل رسول إنما يبدأ قومه بالدعاء إليها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢"٣.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون، الآية [٢٣] . ٢ سورة الأنبياء، الآية [٢٥] . ٣ معارج الصعود، ص١٣٦.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
وأوضح الشيخ –﵀- في موضع آخر أن من كذب رسولًا فقد كذب جميع الرسل؛ لأن دعوتهم واحدة، فكلهم يدعو إلى التوحيد الخالص، فقال -﵀-: "إن من كذب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع المرسلين، ومن كذب نذيرًا واحدًا فقد كذب جميع النذر؛ لأن أصل دعوة جميع الرسل واحدة، وهي مضمون "لا إله إلا الله" كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٣. وأوضح تعالى أن من كذَّب بعضهم فقد كذّب جميعهم، في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ ٤، وأشار إلى ذلك في قوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ٥، وقوله: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ ٧. وقد أوضح تعالى في سورة الشعراء أن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، وذلك في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٨، ثم بين أن تكذيبهم للمرسلين إنما وقع بتكذيبهم نوحًا
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [٣٦] . ٢ سورة الأنبياء، الآية [٢٥] . ٣ سورة الزخرف، الآية [٤٥] . ٤ سورة النساء، الآيتان [١٥٠-١٥١] . ٥ سورة البقرة، الآية [٢٨٥] . ٦ سورة البقرة، الآية [١٣٦] . ٧ سورة النساء، الآية [١٥٢] . ٨ سورة الشعراء، الآية [١٠٥] .
[ ٢ / ٣٧٩ ]
وحده، حيث أفرد ذلك بقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٢، ثم بين أن ذلك بتكذيب هود وحده، حيث أفرده بقوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ﴾ ٣. ونحو ذلك في قوله تعالى، في قصة صالح وقومه، ولوط وقومه، وشعيب وأصحاب الأيكة، كما هو معلوم، وهو واضح لا خفاء فيه. ويزيده إيضاحًا قوله - ﷺ -: "إنا معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد." ٤؛ يعني أنهم كلهم متفقون في الأصول، وإن اختلفت شرائعهم في بعض الفروع"٥.
وفي موضع آخر أشار الشيخ الأمين –﵀- إلى أن نبينا محمدًا ﷺ هو أشد الأنبياء احتياطًا في حماية جناب التوحيد الذي هو أصل دعوة الرسل. فقال -﵀-: "فإخلاص العبادة لله وحده هو دعوة عامة الرسل، وأشدهم فيه احتياطًا خاتمهم ﷺ ولذا منع بعض الأمور التي كانت مباحة عندهم احتياطًا في توحيد الله في عبادته جلّ وعلا؛ فالسجود لمخلوق في شريعته السمحة كفر بالله تعالى مع أنه كان جائزًا في شرع غيره من الرسل عليهم الصلاة
_________________
(١) ١ سورة الشعراء، الآيتان [١٠٦-١١٧] . ٢ سورة الشعراء، الآية [١٢٣] . ٣ سورة الشعراء، الآية [١٢٤] . ٤ مروي عن أبي هريرة من طرق متعددة، وبألفاظ متقاربة؛ رواه البخاري في الصحيح ٤/١٤٢. ومسلم في الصحيح ٤/١٨٣٧. والعَلاَّت جمع علّة وهي الضرة فهم بنو رجل واحد من نسوة شتى. انظر (النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/٢٩١) . وقال ابن حجر –في معنى الحديث-:"إن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع. وقيل: المراد أن أزمنتهم مختلفة". فتح الباري (٦/٤٨٩) . ٥ أضواء البيان ٧/٨٢٧-٨٢٨.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
والسلام. كما قال تعالى عن يعقوب وأولاده في سجودهم ليوسف: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ ١، ولذلك أمر نبينا ﷺ أن يقول للناس: إنه ما أوحي إليه إلا توحيد الله تعالى في عبادته في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ٢.
وقد تقرر عند الأصوليين والبيانيين أن لفظ "إنما" من أدوات الحصر، فدلت الآية على حصر الموحى إليه ﷺ في أصله الأعظم الذي هو لا إله إلا الله؛ لأنها دعوة جميع الرسل، وغيرها من شرائع الإسلام وفروعها التابعة لها. ولهذا صار مكذب رسول واحد مكذبًا لجميع الرسل؛ لأن دعوتهم واحدة" ٣.
وهكذا يتضح لنا اهتمام الشيخ الأمين –﵀- ببيان هذه المسألة العظيمة؛ حيث أقام الأدلة على أن الرسل بعثوا بالدعوة إلى توحيد العبادة، وأن أصل دينهم واحد، وهومضمون شهادة أن لا إله إلا الله.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كلام في "العقيدة التدمرية" يؤيد ما قاله الشيخ الأمين –﵀-؛ فقد أوضح -﵀- أن جميع الأنبياء على دين الإسلام، وأن رأس الإسلام مطلقًا شهادة أن لا إله إلا الله، وبها بعث الله جميع رسله عليهم الصلاة والسلام٤.
_________________
(١) ١ سورة يوسف، الآية [١٠٠] . ٢ سورة الأنبياء، الآية [١٠٨] . ٣ رحلة الحج، ص١٣٤. ٤ انظر العقيدة التدمرية، ص١٦٧، ١٧٤.
[ ٢ / ٣٨١ ]
المطلب الثاني: الرسل لا يعلمون الغيب
علم الغيب من خصائص الألوهية، وليس من صفات الأنبياء؛ لأنهم بشرٌ اصطفاهم الله لتبليغ أوامره ونواهيه، ولا يعلمون من المستقبل إلا ما أطلعهم الله عليه، وأذن لهم به.
وقد تناول الشيخ الأمين –﵀- هذا الموضوع بذكر الأدلة
التي تؤكد عجز الأنبياء عن الإطلاع على أمور كانت تخصهم، وأحوال كانوا عاجزين عن معرفة الحقيقة فيها؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ ١: "وهذه الآية الكريمة تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وهو كذلك، لأن الخلق لا يعلمون إلا ما علمهم خالقهم جل وعلا. وعن عائشة ﵂، قالت: من زعم أن رسول الله - ﷺ - يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية. والله يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ٢. أخرجه مسلم٣"٤.
ثم ذكر -﵀- أن الله أمر نبيه ﷺ في هذه الآية أن يعلن للناس أنه لا يعلم الغيب، وذلك في قوله: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [٥٩] . ٢ سورة النمل، الآية [٦٥] . ٣ صحيح مسلم ١/١٥٩. ٤ أضواء البيان ٢/١٩٥.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
يُوحَى إِلَيَّ﴾ ١. ثم ساق -﵀- أمثلة ووقائع حصلت للرسل تدل على أنهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه؛ فذكر أولًا أمثلة ووقائع حصلت لرسولنا ﷺ تدل على أنه لا يعلم الغيب، ثم أتبعها بوقائع حصلت لعدد من الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، تدل أيضًا على أنهم لا يعلمون من الغيب إلا ما أطلعهم الله عليه؛ فقال -﵀-: "لما رميت عائشة ﵂ بالإفك لم يعلم؛ أهي بريئة أم لا، حتى أخبره الله تعالى بقوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّأُونَ مِمَّا يَقُولُون﴾ ٢. وقد ذبح إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجله للملائكة، ولا علم له بأنهم ملائكة حتىأخبروه، وقالوا له: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ٣..
ولما جاؤا لوطًا لم يعلم أيضًا أنهم ملائكة، ولذا ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ يخاف عليهم من أن يفعل بهم قومه فاحشتهم المعروفة، حتى قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾، ولم يعلم خبرهم حتى قالوا له: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ الآيات٤..
ويعقوب ﵇ ابيضت عيناه من الحزن على يوسف، وهو في مصر لا يدري خبره حتى أظهر الله خبر يوسف. وسليمان ﵇، مع أن الله سخر له الشياطين والريح، ما كان يدري عن أهل مأرب قوم بلقيس حتى جاءه الهدهد، وقال له: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ﴾ الآيات٥. ونوح –عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- ما كان يدري أن ابنه الذي غرق ليس من أهله الموعود بنجاتهم، حتى قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [٥٠] . ٢ سورة النور، الآية [٢٦] . ٣ سورة هود، الآية [٧٠] . ٤ سورة هود، الآيتان [٨٠-٨١] . ٥ سورة النمل، الآيات [٢٢-٢٨] .
[ ٢ / ٣٨٣ ]
مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقّ﴾ الآية١، ولم يعلم حقيقة الأمر حتى أخبره الله تعالى بقوله: ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ٢. وقد قال تعالى عن نوح في سورة هود: ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ٣. والملائكة عليهم الصلاة والسلام لما قال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ ٤"٥.
ثم عقب -﵀- على هذه الأمثلة بقوله: "فقد ظهر أن أعلم المخلوقات –وهم الرسل-، والملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى. وهو تعالى يعلم رسله من غيبه ما شاء؛ كما أشار له بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ ٦، وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًاإِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُول﴾ ٧"٨.
وقال -﵀- في موضع آخر: "وقد أطلع الله جلّ وعلا نبينا ﷺ، على أمور كثيرة من المغيبات، حتى إنه قام ذات يوم يخطب في قومه من بعد صلاة الفجر حتى الظهر، ثم صلى الظهر وقام
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية [٤٥] . ٢ سورة هود، الآية [٤٦] . ٣ سورة هود، الآية [٣١] . ٤ سورة البقرة، الآيتان [٣١-٣٢] . ٥ أضواء البيان ٢/١٩٥-١٩٦. ٦ سورة آل عمران، الآية [١٧٩] . ٧ سورة الجن، الآيتان [٢٦-٢٧] . ٨ أضواء البيان ٢/١٩٦-١٩٧.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
يخطب فيهم حتى صلى العصر، ثم قام يخطب حتى صلى المغرب، وذكر أمورًا كثيرة هائلة في ذلك اليوم، حفظها من حفظ، ونسيها من نسي١. وقد أخبر الله جلّ وعلا أنه هو المختص بعلم الغيب، حيث نفاه عن كلّ أحد سواه، وأثبته لنفسه، كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ ٢"٣.
وقد سئل -﵀-: أيجوز إطلاق علم الغيب على أحد من الرسل الذين أطلعهم الله على بعض المغيبات، كما يطلق على الذي يعلم مسائل الفقه أنه فقيه، أم لايجوز ذلك؟.
فأجاب -﵀- على هذا السؤال إجابة مفصلة قال فيها: "إن ذلك لايجوز أبدًا؛ لأن علم الغيب صفة مختصة بالله تعالى، وقد نفاها عن كل خلقه. وكونه يطلع بعض خلقه على بعض الغيب لا يقتضي أن يوصفوا بما وصف به، وليس هذا من تعظيم الرسل كما يزعم بعضهم، بل إن تعظيم الرسل في نفي علم الغيب عنهم؛ لأنهم هم الذين أخبرونا أن علم الغيب مختص بالله تعالى، وأنهم لا يعلمون إلا ما علمهم به هو. وفرق بعيد بين ما ذكر من كون من يعلم بعض المسائل الفقهية يطلق عليه أنه فقيه، وبين من أطلعه الله على بعض الغيب؛ فإن الأول علم مسائل الفقه بملكة راسخة فيه يستطيع بها أن يصل إلى علم المسائل باستمرار. أما الثاني فلا طريق له إلى الوصول إلى علم الغيب فيه إلا ما أخبره الله به. وهذا آخر الرسل وأفضلهم؛ نبينا ﷺ، يقول الله تعالى عنه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ
_________________
(١) ١ انظر صحيح مسلم ٤/٢٢١٧. ٢ سورة النمل، الآية [٦٥] . ٣ معارج الصعود، ص١٠٢.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١. والله جلّ وعلا يخاطب خلقه بقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ ٢: فهل فطن الذين يزعمون أن الرسول ﷺ علم كل المغيبات لهذه الآيات وأمثالها مما يصعب حصره، ثم هو ﷺ في حجة الوداع في آخر حياته يقول: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" ٣. وقد سبق أن الله تعالى أطلعه على كثير من المغيبات، ومما أخبر به ووقع ما جاء في صحيح مسلم أنه ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لتتركن القلاص٤ فلا يسعى عليها "٥. ومن أكثر الناس حفظًا ورواية لما أخبر به النبي ﷺ من المغيبات: حذيفة وأبو هريرة ﵄" ٦.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية [١٨٨] . ٢ سورة الإسراء، الآية [٨٥] . ٣ أخرجه البخاري في صحيحه ٨/١٢٨. ومسلم في صحيحه ٢/٨٧٩، من حديث عائشة ﵂. ٤ القلوص من النوق: الشابة. وهي من النوق بمنزلة الجارية من النساء. وجمعها قُلُص –بضمتين-، وقلائص. وجمع القبص: قلاص. (مختار الصحاح للرازي، ص٥٤٨) . ٥ أخرجه مسلم في صحيحه ١/١٣٦، من حديث أبي هريرة، وقد ذكره الشيخ الأمين -﵀- بالمعنى، وليس فيه: والذي نفسي بيده. ٦ معارج الصعود، ص١٠٣-١٠٤. وانظر: المصدر نفسه، ص١١٢. وأضواء البيان ٢/٣٤٠. ودفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب –الملحق بأضواء البيان ١٠/٣٠٢.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
المطلب الثالث: عصمة الأنبياء
الله ﷾ اصطفى لرسالته وتبليغها أفضل خلقه، وأكملهم خِلقًا وخُلقًا، وعصمهم من الزلات والخطايا، وبرأهم من كل عيب مَشين، حتى يؤدوا أمانة الوحي إلى أممهم.
والأنبياء هم قدوة البشر، وطرق الهدى، ومصابيح الدجى، فهم الهداة الذين أمرنا الله بالاقتداء بهم، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ٢.
وقد أوضح الشيخ الأمين –﵀- هذه المسألة، وأبان التفصيل فيها مبينًا الإجماع على القول بعصمتهم في التبليغ، وذاكرًا الخلاف في عصمتهم من الصغائر، ومؤكدًا أن الصغائر إذا صدرت منهم فإنهم سرعان ما يتوبون إلى الله وينيبون إليه، فتكون كأن لم تكن، وينالون بذلك منزلة أعلى من منزلتهم السابقة، فقال -﵀-: "واعلم أن جميع العلماء أجمعوا على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في كل ما يتعلق بالتبليغ. واختلفوا في عصمتهم من الصغائر التي لا تعلق لها بالتبليغ اختلافًا مشهورًا معروفًا في الأصول. ولا شك أنهم صلوات الله عليهم وسلامه إن وقع منهم بعض الشيء فإنهم يتداركونه بصدق الإنابة إلى الله
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية [٧٣] . ٢ سورة الأنعام، الآية [٩٠] .
[ ٢ / ٣٨٧ ]
حتى يبلغوا درجة أعلى من درجة من لم يقع منه ذلك، كما قال هنا: ﴿وعصى آدم ربه فغوى﴾، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ١"٢.
وقال -﵀- في موضع آخر بعد أن ذكر أقوال العلماء في عصمة الأنبياء: "الذي يظهر لنا أن الصواب في هذه المسألة أن الأنبياء –صلوات الله وسلامه عليهم- لم يقع منهم ما يزري بمراتبهم العلية ومناصبهم السامية، ولا يستوجب خطأ منهم ولا نقصًا فيهم صلوات الله وسلامه عليهم. ولو فرضنا أنه وقع منهم بعض الذنوب فإنهم يتداركون ما وقع منهم بالتوبة والإخلاص وصدق الإنابة إلى الله، حتى ينالوا بذلك أعلى الدرجات، فتكون بذلك درجاتهم أعلى من درجة من لم يرتكب شيئًا من ذلك. ومما يوضح هذا قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ٣فانظر أي أثر يبقى للعصيان والغي بعد توبة الله عليه واجتبائه، أي اصطفائه إياه وهدايته له. ولاشك أن بعض الزلات ينال صاحبها بالتوبة منها درجة أعلى من درجته قل ارتكاب تلك الزلة. والعلم عند الله تعالى"٤.
وقول الشيخ الأمين –﵀- مطابق تمام المطابقة لما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، الذي قال: "الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة، ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه..–إلى أن قال ﵀-:
_________________
(١) ١ سورة طه، الآيتان [١٢١-١٢٢] . ٢ أضواء البيان ٤/٥٢٢-٥٢٣. ٣ سورة طه، الآيتان [١٢١-١٢٢] . ٤ أضواء البيان ٤/٥٣٨.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وأما العصمة في غير ما يتعلق بتبليغ الرسالة فللناس فيه نزاع..والقول الذي عليه جمهور الناس –وهو الموافق للآثار المنقولة عن السلف- إثبات العصمة من الإقرار على الذنوب مطلقًا"١.
_________________
(١) ١ فتاوى شيخ الإسلام ١٠/٢٨٩-٢٩٣. وانظر المصدر نفسه ٤/٣١٩-٣٢٠، ١٥/١٤٧-١٤٨.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
المطلب الرابع: أولو العزم من الرسل
أشار الشيخ الأمين –﵀- إلى أن أولي العزم من الرسل خمسة، هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ ١.
ولم يرتض -﵀- قول من قال: إنهم جميع الرسل، بل قال عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٢: "اختلف العلماء في المراد بأولي العزم من الرسل في هذه الآية الكريمة اختلافًا كثيرًا، وأشهر الأقوال في ذلك أنهم خمسة، وهم الذين قدمنا ذكرهم في الأحزاب، والشورى؛ وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلاة والسلام. وعلى هذا القول فالرسل الذين أمر رسول الله ﷺ أن يصبر كما صبروا أربعة، فصار هو ﷺ خامسهم. واعلم أن القول بأن المراد بأولي العزم جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن لفظة "من" في قوله: ﴿مِنَ الرُّسُلِ﴾ بيانية٣يظهر أنه خلاف التحقيق، كما دل على ذلك بعض الآيات القرآنية: كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ الآية٤، فأمر الله جل وعلا نبيه في آية القلم هذه بالصبر، ونهاه عن أن يكون مثل يونس؛
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية [٧] . ٢ سورة الأحقاف، الآية [٣٥] . ٣ انظر: لوامع الأنوار البهية ٢/٢٩٩، فقد ذكر اختلاف العلماء في تحديد أولي العزم من الرسل، ونقل عن ابن زيد قوله: إنهم جميع الرسل. ٤ سورة القلم، الآية [٤٨] .
[ ٢ / ٣٩٠ ]
لأنه هو صاحب الحوت. وكقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ ١. فآية القلم، وآية طه المذكورتان، كلتاهما تدل على أن أولي العزم من الرسل الذين أمر النبي ﷺ بأن يصبر كصبرهم ليسوا جميع الرسل، والعلم عند الله تعالى"٢.
وما قرره الشيخ الأمين –﵀- هو المشهور عند العلماء. قال السفاريني٣﵀-: "أهل العزم: أي أهل الثبات والجد من الرسل، وهم على المشهور: إبراهيم الخليل، وموسى الكليم، وعيسى الروح، ونوح النجي، فيكونون خمسة بنبينا محمد ﷺ، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ٤، فإنهم أصحاب الشرائع، وقدم نبينا ﷺ تعظيمًا له، وتكريمًا لشأنه. وهؤلاء الذين اجتهدوا في تأسيس الشرائع وتقريرها، وصبروا على تحمل المشاق من قومهم، ومعاداة الطاغين فيها"٥.
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية [١١٥] . ٢ أضواء البيان ٧/٤٠٨. وانظر المصدر نفسه ٤/٥٢٣، ٦/٥٧٢. ٣ تقدمت ترجمته. ٤ سورة الأحزاب، الآية [٧] . ٥ لوامع الأنوار البهية ٢/٢٩٩.
[ ٢ / ٣٩١ ]
المطلب الخامس: هل آدم رسول أم نبي؟
وردت في القرآن أدلة تشعر بأن آدم ﵇ هو أول الرسل، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ ٣.
قال الإمام الطبري٤﵀- في تفسيره: "لأن آدم كان هو النبي ﷺ أيام حياته بعد أن أهبط إلى الأرض والرسول من الله جل ثناؤه إلى ولده، فغير جائز أن يكون معنيًا –وهو الرسولﷺ بقوله: "فإما يأتينكم مني هدى" خطابًا له ولزوجته: فإما يأتينكم مني هدى، أنبياء ورسل إلا على ما وصفت من التأويل"٥.
وقال القرطبي٦﵀-: " سئل رسول الله ﷺ عن آدم: أنبي مرسل هو؟ فقال: "نعم، نبي مكلم" ٧، قال ابن عطية٨:
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [٣٦] . ٢ سورة طه، الآية [١٢٢] . ٣ سورة البقرة، الآية [٣٨] . ٤ تقدمت ترجمته. ٥ جامع البيان ١/٢٤٧. ٦ تقدمت ترجمته. ٧ أخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة، ولفظه: أن رجلًا قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: نعم، مكلم". (الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ٨/٢٤) . ٨ هو العلامة أبومحمد عبد الحق بن أبي بكر غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي الأندلسي. كان إمامًا في الفقه والتفسير واللغة العربية. ولد سنة [٤٨٠هـ]، وتوفي سنة [٥٤١هـ] . (انظر: سير أعلام النبلاء ١٩/٥٨٦. والأعلام ٣/٢٨٢ إلا أنه ذكر أنه ولد سنة [٤٨١هـ]، وتوفي سنة [٥٤٢هـ]) .
[ ٢ / ٣٩٢ ]
على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه. ونوح هو أول رسول أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى، ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية١؛ أي على الدين الحنيف، أي حتى كفر قوم نوح. وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ الآية٢، والله أعلم."٣.
وهذا جمع حسن، وفق الشيخ -﵀- من خلاله بين أدلة الفريقين، ولم يرجح قول أحدهما على الآخر.
وللشيخ حافظ حكمي٤﵀- كلام مماثل للوجه الأخير من كلام الشيخ الأمين –﵀-، قال فيه: "إن نوحًا أول الرسل والنبيين بعد الاختلاف، قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٥؛ لأن أمته أول من اختلف وغير وبدل، كما قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ٦، وإلا فآدم قبله كان نبيًا رسولًا، وكان الناس أمة واحدة على دينه"٧.
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية [١٩] . ٢ سورة البقرة، الآية [٢١٣] . ٣ أضواء البيان (١/٢٨٦) . ٤ هو العلامة حافظ بن أحمد بن علي الحكمي. إمام وعالم سلفي. ولد سنة [١٣٤٢؟] بقرية السلام بالقرب من جيزان. كان آية في الذكاء وسرعة الحفظ والفهم. توفي سنة [١٣٧٧؟] . (انظر: الأعلام ٢/١٥٩. والمستدرك على معجم المؤلفين، ص ١٨٣) . ٥ سورة النساء، الآية [١٦٣] . . ٦ سورة غافر، الآية [٥] . ٧ معارج القبول ٢/٩٨.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
المطلب الخامس: هل آدم رسول أم نبي؟
"وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصية موسى"١.
وفي المقابل وردت أدلة تثبت أن آدم ﵇ لم يكن رسولًا، منها: قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٢، وقوله ﷺ في حديث الشفاعة: "فيأتون نوحًا فيقولون: يا نوح أنت أول الرسل إلى الأرض" ٣، وقوله صلى الله عليه وسل: " أول نبي أرسل نوح" ٤.
وقد جمع الشيخ الأمين –﵀- بين هذين القولين؛ فقال -﵀-: "والظاهر أنه لا طريق للجمع إلا من وجهين؛ الأول: أن آدم أرسل لزوجه وذريته في الجنة، ونوح أول رسولٍ أُرْسِلَ في الأرض. ويدل لهذا الجمع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما، ويقول: "ولكن ائتوا نوحًا؛ فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض" الحديث٥، فقوله: "إلى أهل الأرض" لو لم يرد به الاحتزاز عن رسول بعث لغير أهل الأرض لكان ذلك الكلام حشوًا، بل يفهم من مفهوم مخالفته ما ذكرنا، ويستأنس له بكلام ابن عطية٦"٧.
ثم ذكر -﵀- الوجه الثاني، فقال: "إن آدم أرسل إلى ذريته وهم
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ٣/١٧٢. ٢ سورة البقرة، الآية [٢١٣] . ٣ انظر صحيح مسلم ١/١٨٤-١٨٥. ٤ رواه الديلمي في مسنده، وضعف الألباني إسناده، وقال: "لكن الحديث صحيح؛ فإن له شاهدًا قويا عن أبي هريرة مرفوعًا". (انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ٣/٢٨٠) . ٥ أخرجه البخاري في الصحيح ٨/١٧٢. ومسلم في الصحيح ١/١٨٤. ٦ انظر الجامع لأحكام القرآن ٣/١٧٢. ٧ أضواء البيان ١/٢٨٦.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
المبحث الثاني: حقيقة الخضر
المطلب الأول: هل الخضر نبي أو ولي؟
المبحث الثاني: حقيقة الخضر
تمهيد:
الخضر هو صاحب موسى ﵇ الذي ورد ذكره في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ ١. وورد ذكره في السنة، في قوله ﷺ: "بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ قال: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى عبدنا الخضر.." الحديث٢.
وقد غلت الصوفية في قصة الخضر، وجعلت منها مصدرًا للوحي والإلهام والعقائد والتشريع: "فقد زعموا أن الخضر حي إلى أبد الدهر، وأنه صاحب شريعة وعلم باطني يختلف عن علوم الشريعة الظاهرية، وأنه ولي وليس بنبي، وأن علمه علم لدني موهوب له من الله بغير وحي الأنبياء، وأن هذه العلوم تنزل إلى جميع الأولياء في كل وقت قبل بعثة الرسول ﷺ وبعد بعثته، وأن هذه العلوم أكبر وأعظم من العلوم التي مع الأنبياء، بل وعلوم الأنبياء لا تدانيها ولا تضاهيها؛ فكما أن الخضر –وهو ولي فقط في زعمهم- كان أعلم من موسى، فكذلك الأولياء من أمة محمد هم أعلم من محمد ﷺ؛ لأن محمدًا عالم بالشريعة الظاهرة فقط، والولي عالم بالحقيقة
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [٦٥] . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه ٤/١٢٦. ومسلم في صحيحه ٤/١٨٥٢.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
الصوفية، وعلماء الحقيقة أعلم من علماء الشريعة. وزعموا كذلك أن الخضر يلتقي بالأولياء ويعلمهم هذه الحقائق، ويأخذ لهم العهود الصوفية، وأن الحقائق الصوفية تختلف عن الحقيقة المحمدية، ولذلك فلكل ولي شريعته المستقلة، فما يكون معصية في الشريعة؛ كشرب الخمر والزنا واللواط قد يكون حقيقة صوفية وقربة إلى الله حسب العلم الباطني. وكذلك في أمر العقائد ومسائل الإيمان فلكل وليّ كشفه الخاص، وعلمه الخاص اللدني الذي قد يختلف مع الوحي النبوي"١.
وقد بين العلماء٢ في القديم والحديث حقيقة الخضر، وردوا على هذه المزاعم التي يزعمها الزنادقة، ومن تلاعب بهم الشياطين والهوى.
ومن هؤلاء العلماء: الشيخ الأمين -﵀- الذي تحدث عن أهم الأمور التي تكتنف حياة الخضر، من الخلاف في حياته ونبوته؛ حيث ناقش أدلة القائلين بحياته وعدم نبوته مناقشة دقيقة بالحجج الواضحة، والأدلة الصريحة. ورد ما ينسج حوله من قصص خيالية وروايات موضوعة.
وكذا رد على من جوز العمل بالإلهام، وعلى من قال: إن الولي يسعه الخروج عن الوحي المحمدي كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى. وقد وصف الشيخ الأمين -﵀- هذا الصنيع بأنه زندقة.
_________________
(١) ١ الفكر الصوفي ص١٣٣. ٢ فمن هؤلاء ابن الجوزي الذي ألف فيه كتابًا سمي (عجلة المنتظر في شرح حالة الخضر)، والحافظ ابن حجر أفرده بكتاب سماه (الزهر النضر في نبأ الخضر) . وذكره ابن كثير في (البداية والنهاية)، وابن القيم في (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) .
[ ٢ / ٣٩٦ ]
المطلب الأول: هل الخضر نبي أو ولي؟
قال الشيخ الأمين -﵀-: "العلماء مختلفون في الخضر: هل هو نبي، أو رسول، أو ولي؟ كما قال الراجز:
واختلف في خضر أهل العقول
قيل نبي أو ولي أو رسول
وقيل: ملك"١.
ثم رجح -﵀- نبوته ﵇، ونصر هذا القول، واستدل له وفق طريقته في تفسير القرآن بالقرآن؛ فقال -﵀-: "يفهم من بعض الآيات أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوية، وأن هذا العلم اللدني علم وحي، مع العلم بأن في الاستدلال بها على ذلك مناقشات معروفة عند العلماء. اعلم أولًا: أن الرحمة تكرر إطلاقها على النبوة في القرآن، وكذلك العلم المؤتى من الله تكرر إطلاقه فيه على علم الوحي. فمن إطلاق الرحمة على النبوة قوله تعالى في الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ الآية٢؛ أي نبوته حتى يتحكموا في إنزال القرآن على رجل عظيم من القريتين. وقوله تعالى في سورة الدخان: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية٣. وقوله تعالى في آخر القصص: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية٤.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٤/١٥٨. وانظر: شرح النووي على مسلم ١٥/١٣٦. ٢ سورة الزخرف، الآيتان [٣١-٣٢] . ٣ سورة الدخان، الآيتان [٤-٥] . ٤ سورة القصص، الآية [٨٦] .
[ ٢ / ٣٩٧ ]
ومن إطلاق إيتاء العلم على النبوة قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ ١، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ الآية٢، إلى غير ذلك من الآيات"٣.
ثم تابع -﵀- ذكر أدلته في نصرة هذا القول، فقال: "ومعلوم أن الرحمة وإيتاء العلم اللدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة وغيرها. والاستدلال بالأعم على الأخص فيه أن وجود الأعم لايستلزم وجود الأخص كما هو معروف. ومن أظهر الأدلة في أن الرحمة والعلم اللدني اللذين امتن الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي، قوله تعالى عنه: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ٤؛ أي وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا، وأمر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي؛ إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلا الوحي من الله جل وعلا، ولاسيما قتل الأنفس البرئية في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها؛ لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لايصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى. وقد حصر تعالى طريق الإنذار في الوحي في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ ٥، و(إنما) صيغة حصر"٦.
وقد ساق -﵀- أدلة أخرى في تحقيق نبوة الخضر، أبرزها بقوله:
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية [١١٣] . ٢ سورة يوسف، الآية [٦٨] . ٣ أضواء البيان ٤/١٥٨. ٤ سورة الكهف، الآية [٨٢] . ٥ سورة الأنبياء، الآية [٤٥] . ٦ أضواء البيان ٤/١٥٨-١٥٩.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
"ومما يستأنس به للقول بنبوته تواضع موسى ﵊ له في قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ ١، وقوله: ﴿قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ ٢، مع قول الخضر له: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ "٣ ٤.
وبعد أن أيد -﵀- القول بنبوة الخضر ﵇ بالأدلة الواضحة، تطرق إلى مسألة خطيرة لها مؤيدوها وتابعوها، ألا وهي مسألة كون الولي يجوز له الخروج عن الطريقة المحمدية بطريقة الإلهام، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ﵉ –بزعمهم-. وقد ناقش الشيخ الأمين -﵀- هذه المسألة مناقشة علمية رصينة، مبينًا تهافت هذه المسألة وسقوط أدلتها، وقد وصفها بأنها مؤامرة خطيرة للانخلاع من دين الإسلام، وفتح باب الشر، وتبرير عمل الزنادقة.
وقد بدأ الشيخ الأمين -﵀- مناقشته لأصحاب هذا المبدأ الهدام بطرح سؤال على ألسنة أصحاب هذا القول؛ فحواه أن علم الخضر كان عن طريق الإلهام، وأجاب عليه -﵀- بقوله: "فالجواب: أن المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به، بل ولوجود الدليل على عدم الاستدلال به. وما يزعمه بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم وغيره، جاعلين الإلهام كالوحي المسموع، مستدلين بظاهر قوله
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [٦٦] . ٢ سورة الكهف، الآية [٦٩] . ٣ سورة الكهف، الآية [٨٦] . ٤ أضواء البيان ٤/١٦٢، وممن قال بنبوته: الإمام القرطبي، (انظر: الجامع لأحكام القرآن ١١/١٢-١٥) .
[ ٢ / ٣٩٩ ]
تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ١، وبخبر: " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله "٢كله باطل لا يعول عليه لعدم اعتضاده بدليل، وغير المعصوم لا ثقة بخواطره؛ لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان. وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهمات. والإلهام في الاصطلاح: إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بوحي ولا نظر في حجة عقلية، يختص الله به من يشاء من خلقه. أما ما يلهمه الأنبياء مما يلقيه الله في قلوبهم فليس كإلهام غيرهم؛ لأنهم معصومون بخلاف غيرهم. قال في مراقي السعود في كتاب الاستدلال٣:
وينبذالإلهام بالعراء
أعني به إلهام الأولياء
وقد رآه بعض من تصوفا
وعصمة النبي توجب اقتفاء
وبالجملة: فلا يخفى على من له إلمام بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه، وما يتقرب إليه به من فعل وترك إلا عن طريق الوحي. فمن ادعى أنه غني في الوصول إلى ما يرضي ربه عن الرسل، وما جاؤوا به ولو في مسألة واحدة، فلا شك في زندقته. والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ٤، ولم يقل حتى نلقي في القلوب إلهامًا. وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٥، وقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [١٢٥] . ٢ أخرجه الترمذي ٥/٢٩٨، رقم ٣١٢٧. وقال الشيخ الألباني: ضعيف. (انظر: الأحاديث الضعيفة ٤/٢٩٩، رقم ١٨٢١) . ٣ انظر شرح مراقي السعود على أصول الفقه ص٢٨٨. ٤ سورة الإسراء، الآية [١٥] . ٥ سورة النساء، الآية [١٦٥] .
[ ٢ / ٤٠٠ ]
أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِك﴾ الآية١. والآيات والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدًا وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين للتصوف من أن لهم ولأشياخهم طريقًا باطنة توافق الحق عند الله، ولو كانت مخالفة لظاهر الشرع، كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى –زندقة وذريعة إلى الانحلال بالكلية من دين الإسلام بدعوى أن الحق في أمور باطنة تخالف ظاهره"٢.
وهكذا يتضح موقف الشيخ الأمين -﵀- من هذه المسألة الخطيرة؛ حيث حشد الأدلة الكثيرة الدالة على نبوة الخضر ﵇، وتعقب ما أثاره المتصوفة من الضلالات والانحرافات بالهدم وبين بالحجة تهافت أدلتهم، وما استغلوه من الحكايات والروايات الضعيفة والموضوعة في إثبات حجتهم المفضية إلى التزندق والخروج من ملة الإسلام.
فمشاركة الشيخ الأمين -﵀- لعلماء الأمة مشاركة بارزة، تدل على رسوخ موقفه في الذود عن حياض العقيدة الصافية، وهكذا كان رأي العلماء المخلصين؛ منهم الحافظ ابن حجر٣ -﵀- الذي قال: "وكان بعض أكابر العلماء يقول: أول عقدة تحل من الزنادقة٤ اعتقاد كون الخضر نبيًا؛
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية [١٣٤] . ٢ أضواء البيان ٤/١٥١-١٦٠. ٣ هو الحافظ أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني المصري. من كبار المحدثين، وصاحب التصانيف الكثيرة المشهورة، منها فتح الباري شرح صحيح البخاري. وتوفي سنة (٨٥٢؟) . (انظر: شذرات الذهب ٧/٢٧٠) . ٤ قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "لفظ الزنادقة لا يوجد في كلام النبي ﷺ، كما لا يوجد في القرآن. وهو لفظ أعجمي معرب من كلام الفرس بعد ظهور الإسلام. وقد تكلم به السلف والأئمة في توبة الزنديق ونحو ذلك. والزنديق الذي تكلم الفقهاء في قبول توبته –في الظاهر المراد به عندهم- المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وإن كان من ذلك يصلي ويصوم ويحج ويقرأ القرآن، وسواء كان في باطنه يهوديًا أو نصرانيًا أو مشركًا أو وثنيًا، وسواء كان معطلًا للصانع وللنبوة، أو للنبوة فقط، أو لنبوة نبينا ﷺ فقط: فهذا زنديق، وهو منافق. وما في القرآن والسنة من ذكر المنافقين يتناول مثل هذا بإجماع المسلمين". (نقلًا عن لوامع الأنوار البهية ١/٣٩٤) .
[ ٢ / ٤٠١ ]
لأن الزنادقة يتذرعون بكونه غير نبي، إلا أن الولي أفضل من النبي، كما قال قائلهم:
مقام النبوة في برزخ
فويق الرسول ودون الولي "١.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية كلمة تتعلق بمسألتنا هذه، قال فيها -﵀-: "فلفظ الشرع والشريعة إذا أريد به الكتاب والسنة لم يكن لأحد من أولياء الله ولا لغيرهم أن يخرج عنه، ومن ظن أن لأحد من أولياء الله طريقًا إلى الله غير متابعة محمد ﷺ باطنًا وظاهرًا، فلم يتابعه باطنًا وظاهرًا فهو كافر. ومن احتج في ذلك بقصة موسى مع الخضر كان غالطًا من وجهين، أحدهما: أن موسى لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولا كان على الخضر اتباعه، فإن موسى كان مبعوثًا إلى بني إسرائيل، وأما محمد ﷺ فرسالته عامة لجميع الثقلين، الجن والأنس، ولو أدركه من هو أفضل من الخضر كإبراهيم وموسى وعيسى، وجب عليهم اتباعه، فكيف بالخضر سواء كان نبيًا أو وليًا. ولهذا قال الخضر لموسى: "أنا على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه"٢، وليس لأحد من الثقلين الذين بلغتهم رسالة محمد ﷺ أن يقول مثل هذا.
الثاني: أن ما فعله الخضر لم يكن مخالفًا لشريعة موسى ﵇، وموسى لم يكن علم الأسباب التي تبيح ذلك، فلما بينها له وافقه على ذلك"٣.
_________________
(١) ١ الزهر النضر في نبأ الخضر، لابن حجر ص٢٧. ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل ١٠/٢٠٤: أن البيت المذكور لابن عربي، وفي لطائف الأسرار لابن عربي ص٤٦، ط دار الفكر العربي، ١٣٨٠؟.ونصه: سماء النبوة في برزخ دوين الولي وفوق الرسول وانظر الفتوحات الكلية ٢/٣٥٢ بألفاظ مغايرة. ٢ رواه البخاري في الصحيح ٤/١٢٨. ومسلم في الصحيح ٤/١٨٤٧. ٣ الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ص١٤١-١٤٢، وانظر: الفتاوى ٢/٢٣٢-٢٣٤، ١١/٤٢٥.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي -﵀-: "وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر ﵇ في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني الذي يدعيه بعض من عدم التوفيق فهو ملحد زنديق؛ فإن موسى ﵇ لم يكن مبعوثًا إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأمورًا بمتابعته، ولهذا قال له: أنت موسى نبي بني إسرائيل؟ قال: نعم. ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين، ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من أتباعه، وإذا نزل عيسى ﵇ إلى الأرض إنما يحكم بشريعة محمد. فمن ادعى أنه مع محمد ﷺ كالخضر مع موسى، أو جوز ذلك لأحد من الأمة فليجدد إسلامه، وليشهد شهادة الحق؛ فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلًا عن أن يكون من أولياء الله، وإنما هو من أولياء الشيطان. وهذا الموضوع مفرق بين زنادقة القوم وأهل الاستقامة"١.
وبهذا يتبين دقة فهم الشيخ الأمين -﵀- لعقيدة السلف –﵏-؛ إذ من قرأ كلماته، وقرأ كلام السلف -﵏- أدرك مدى التوافق والتطابق بين منهج الشيخ -﵀- ومنهجهم، وهذا يدل على أنهم يردون موردًا واحدًا، ويصدرون عن المورد نفسه.
_________________
(١) ١ شرح العقيدة الطحاوية ص٥٧٧.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
المطلب الثاني: هل الخضر حيّ أم ميت؟
تعرض الشيخ الأمين -﵀- لهذه المسألة، وأطال فيها النفس جدًا، وأكثر من الكلام فيها١؛ فذكر اختلاف العلماء في وفاته، ثم سرد أدلة من قال بأنه حيّ، وناقش أدلتهم، ورد عليها، ورجح -﵀- وفاته بعدة براهين وحجج قوية؛ فقال -﵀-: "اعلم أن العلماء اختلفوا في الخضر: هل هو حي إلى الآن، أو هو غير حي، بل ممن مات فيما مضى من الزمان؟ فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه حيّ، وأنه شرب من عين تسمى عين الحياة. وممن نصر القول بحياته: القرطبي، في تفسيره٢، والنووي في شرح مسلم٣وغيره، وابن الصلاح٤، والنقاش٥، وغيرهم. قال ابن عطية: وأطنب النقاش في هذا المعنى؛ يعني حياة الخضر وبقاءه إلى يوم القيامة، وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب وغيره، وكلها لا تقوم على ساق. انتهى بواسطة نقل القرطبي في تفسيره٦"٧.
_________________
(١) ١ كتب عن هذه المسألة ما لايقل عن ست عشرة صفحة من تفسيره. ٢ انظر الجامع لأحكام القرآن ١١/٢٩. ٣ انظر شرح النووي على مسلم ١٥/١٣٥. ٤ هو الحافظ تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن بن موسى الكردي. من أشهر مؤلفاته كتابه في علوم الحديث المعروف بمقدمة ابن الصلاح. ولد سنة (٥٧٧)، وتوفي سنة (٦٤٣هـ) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٢٣/١٤٠. والبداية والنهاية ١٣/١٧٩. ٥ هو الحافظ محمد بن علي بن عمر بن مهدي الأصبهاني الخليلي أبو سعيد النقاش. محدث حافظ، توفي سنة (٤١٤هـ) . (انظر: سير أعلام النبلاء ١٧/٣٠٧. وشذرات الذهب ٣/٢٠١) . ٦ انظر الجامع لأحكام القرآن ١١/٢٩. ٧ أضواء البيان ٤/١٦٣.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
ثم ذكر الشيخ الأمين -﵀- أن أقوى ما يستند عليه من قال بحياته، ما ذكره ابن عبد البر في التمهيد عن علي ﵁، قال: "لما توفي النبي ﷺ وسجي بثوب، هتف هاتف..إلخ"١، فذكر الحديث في تعزية الصحابة بالنبي ﷺ، فكانوا يرون أنه الخضر عليه السلام٢.
وقد رد الشيخ -﵀- هذا الأثر من وجهين؛ فقال: " الأول: أنه لم يثبت ذلك بسند صحيح؛ قال ابن كثير في تفسيره: وحكى النووي وغيره في بقاء الخضر إلى الآن، ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه، وذكروا في ذلك حكايات عن السلف وغيرهم. وجاء ذكره في بعض الأحاديث، ولا يصح شيء من ذلك. وأشهرها حديث التعزية، وإسناده ضعيف. ا.؟٣.
الثاني: أنه على فرض أن حديث التعزية صحيح، لا يلزم من ذلك عقلًا ولا شرعًا ولا عرفًا، أن يكون ذلك المعزي هو الخضر، بل يجوز أن يكون غير الخضر من مؤمني الجن؛ لأن الجن هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ ٤. ودعوى أن ذلك المعزي هو الخضر تحكم بلا دليل. وقولهم: كانوا يرون أنه الخضر- ليس حجة يجب الرجوع إليها؛ لاحتمال أن يخطئوا في ظنهم، ولا يدل ذلك على إجماع شرعي معصوم، ولا متمسك لهم في دعواهم أنه الخضر كما ترى"٥.
ثم رجح -﵀- موت الخضر ﵇ مؤيدًا ذلك بعدة أدلة؛
_________________
(١) ١ التمهيد لابن عبد البر ٢/١٦٢. ولم يسنده، ولم يذكر الخضر. ٢ انظر أضواء البيان ٤/١٦٣. ٣ تفسير ابن كثير ٣/٩٩. وانظر كلام أبي الخطاب بن دحية عن هذا الأثر ص٤١٠ من هذا البحث. ٤ سورة الأعراف، الآية [٢٧] . ٥ أضواء البيان ٤/١٦٤.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
فقال -﵀-: "الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسالة أن الخضر ليس بحيّ، بل توفي، وذلك لعدة أدلة:
الأول: ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ١؛ فقوله: ﴿لِبَشَرٍ﴾ نكرة في سياق النفي، فهي تعم كل البشر، فيلزم من ذلك نفي الخلد عن كل بشر من قبله، والخضر بشر من قبله، فلو كان شرب من عين الحياة وصار خالدًا إلى يوم القيامة لكان الله قد جعل لذلك البشر الذي هو الخضر من قبله الخلد.
الثاني: قوله ﷺ: "اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض" ٢.. أي: لا تقع عبادة لك في الأرض. فاعلم أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الخضر حيًا في الأرض؛ لأنه على تقدير وجوده حيًا في الأرض فإن الله يعبد في الأرض، ولو على فرض هلاك تلك العصابة من أهل الإسلام؛ لأن الخضر ما دام حيًا فهو يعبد الله في الأرض
الثالث: إخباره ﷺ بأنه على رأس مائة سنة من الليلة التي تكلم فيها بالحديث لم يبق على وجه الأرض أحد ممن هو عليها تلك الليلة. فلو كان الخضر حيًا في الأرض لما تأخر بعد المائة المذكورة"٣.
ثم ساق الشيخ الأمين -﵀- عدة روايات لهذا الحديث؛ منها ما رواه ابن عمر: "أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لايبقى ممن هو على ظهرها أحد" ٤، ومنها ما رواه أبو سعيد الخدري: "لا تأتي مائة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم" ٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية [٣٤] . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه ٣/١٣٨٤. ٣ أضواء البيان ٤/١٦٤-١٦٦. ٤ أخرجه مسلم ٤/١٩٦٥. ٥ أخرجه مسلم ٤/١٩٦٧.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
ثم ذكر -﵀- المرجح الرابع والأخير الدال على وفاة الخضر ﵇ وعدم بقائه، فقال:
"الرابع: أن الخضر لو كان حيًا إلى زمن النبي ﷺ لكان من أتباعه، ولنصره وقاتل معه؛ لأنه مبعوث إلى جميع الثقلين الإنس والجن. والآيات الدالة على عموم رسالته كثيرة جدًا؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ ٣. ويوضح هذا أنه تعالى بين في سورة آل عمران أنه أخذ على جميع النبيين الميثاق المؤكد أنهم إن جاءهم نبينا ﷺ مصدقًا لما معهم أن يؤمنوا به وينصروه، وذلك في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٤. وهذه الآية الكريمة على القول بأن المراد بالرسول فيها نبينا ﷺ، كما قال ابن عباس وغيره فالأمر واضح على أنها عامة، فهو ﷺ يدخل في عمومها دخولًا أوليًا. فلو كان الخضر حيًا في زمنه لجاءه ونصره وقاتل تحت رايته. ومما يوضح أنه لايدركه نبيّ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية [١٥٨] . ٢ سورة الفرقان، الآية [١] . ٣ سورة سبأ، الآية [٢٨] . ٤ سورة آل عمران، الآيتان [٨١-٨٢] .
[ ٢ / ٤٠٧ ]
إلا اتبعه ما رواه الإمام أحمد، وابن أبي شيبة١، والبزار٢من حديث جابر ﵁ أن عمر ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه عليه، فغضب وقال: " لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني "٣ا.؟. قال ابن حجر في الفتح: "ورجاله موثقون، إلا أن في مجالد ضعفًا٤"٥.
وقد أورد الشيخ الأمين -﵀- كلامًا للقرطبي في إسقاط ونقض أدلة من قال بوفاة الخضر، ونصر القول بحياته، وذكر وجهة نظره وناقشها مناقشة دقيقة أجاب فيها على إشكالاته، ورد عليه فيها؛ فقال -﵀-: "واعلم أن جماعة من أهل العلم ناقشوا الأدلة التي ذكرنا أنها تدل على وفاته فزعموا أنه لا يشمله عموم: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ ٦، ولا عموم حديث: " أرأيتكم ليلتكم هذه، فإنه على رأس مائة سنة لم يبق على ظاهر الأرض أحد ممن هو عليها اليوم "٧كما تقدم"٨.
_________________
(١) ١ هو الإمام أبو بكر عبد الله بن محمد بن القاضي ابن شيبة؛ إبراهيم بن عثمان العبسي. سيد الحفاظ. صنف المسند والمصنف والتفسير. (انظر: سير أعلام النبلاء ١١/١٢٢. والبداية والنهاية ١٠/٣٢٨) . ٢ هو الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري البزار. صاحب المسند الكبير. من كبار الحفاظ. ولد بعد سنة (٢١٠) . ومات بالرملة سنة (٢٩٢؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/٥٥٤. وشذرات الذهب ٢/٢٠٩) . ٣ مسند الإمام أحمد ٣/٣٨٧، مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه. ٤ فتح الباري ١٣/٣٤٥. ٥ أضواء البيان ٤/١٦٨-١٦٩. ٦ سورة الأنبياء، الآية [٣٤] . ٧ سبق تخريجه؟؟. ٨ أضواء البيان ٤/١٧١-١٧٢.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
ثم ذكر -﵀- دعوى القرطبي ومناقشته لأدلة من قال بوفاته بنصها: "قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره، -﵀-: ولا حجة لمن استدل به؛ يعني الحديث المذكور على بطلان قول من يقول: إن الخضر حيّ لعموم قوله: "ما من نفس منفوسة.." ١؛ لأن العموم وإن كان مؤكد الاستغراق ليس نصًا فيه، بل هو قابل للتخصيص، فكما لم يتناول عيسى ﵇ فإنه لم يمت ولم يقتل، بل هو حي بنص القرآن ومعناه، ولا يتناول الدجال مع أنه حيّ بدليل حديث الجساسة٢، فكذلك لم يتناول الخضر ﵇، وليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا، فمثل هذا العموم لا يتناوله. وقيل: إن أصحاب الكهف أحياء ويحجون مع عيسى ﵇ كما تقدم. وكذلك فتى موسى في قول ابن عباس كما ذكرنا. ا.؟ منه٣"٤.
ثم أجاب -﵀- عن هذه الإشكالات وتتبعها، ووصفها بالسقوط، فقال: "كلام القرطبي هذا ظاهر السقوط كما لا يخفى على من له إلمام بعلوم الشرع، فإنه اعترف بأن حديث النبي ﷺ عام في كل نفس منفوسة عمومًا مؤكدًا؛ لأن زيادة (من) قبل النكرة في سياق النفي تجعلها نصًا صريحًا في العموم لا ظاهرًا فيه كما هو مقرر في الأصول ولو فرضنا صحة ما قاله القرطبي -رحمه الله تعالى- من أن ظاهر العموم لانص فيه، وقررنا أنه قابل للتخصيص كما هو الحق في كل عام، فإن العلماء يجمعون على وجوب استصحاب عموم العام حتى يرد دليل مخصص صالح للتخصيص سندًا ومتنًا. فالدعوى المجردة عن دليل
_________________
(١) ١ سبق تخريجه؟ قبل ثلاث صفحات. ٢ أخرجه مسلم ٤/٢٢٦١. ٣ انظر الجامع لأحكام القرآن ١١/٢٩. ٤ أضواء البيان ٤/١٧٢.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
من كتاب أو سنة لا يجوز أن يخصص بها نص من كتاب أو سنة إجماعًا. وقوله: "إن عيسى لم يتناوله عموم الحديث" فيه أن لفظ الحديث من أصله لم يتناول عيسى؛ لأن النبي ﷺ، قال فيه: "لم يبق على ظهر الأرض، ممن هو بها اليوم أحد "١فخصص ذلك بظهر الأرض، فلم يتناول اللفظ من في السماء، وعيسى قد رفعه الله من الأرض كما صرح بذلك في قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ٢، وهذا واضح كما ترى، ودعوى حياة أصحاب الكهف، وفتى موسى ظاهرة السقوط، ولو فرضنا حياتهم، فإن الحديث يدل على موتهم عند المائة كما تقدم، ولم يثبت شيء يعارضه. وقوله: "إن الخضر ليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا"، يقال فيه: إن الاعتراض يتوجه عليه من جهتين:
الأولى: أن دعوى كون الخضر محجوبًا عن أعين الناس كالجن والملائكة دعوى لا دليل عليها، والأصل خلافها؛ لأن الأصل أن بني آدم يري بعضهم بعضًا لاتفاقهم في الصفات النفسية ومشابهتهم فيما بينهم.
الثانية: أنا لو فرضنا أنه لايراه بنو آدم، فالله الذي أعلم النبي بالغيب الذي هو: "هلاك كل نفس منفوسة في تلك المائة" عالم بالخضر، وبأنه نفس منفوسة. ولو سلمنا جدلًا أنه فرد نادر لا تراه العيون، وأن مثله لم يقصد بالشمول في العموم؛ فأصح القولين عند علماء الأصول شمول العام والمطلق للفرد النادر والفرد الغير مقصود، خلافًا لمن زعم أن الفرد النادر وغير المقصود لا يشملهما العام ولا المطلق"٣.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه. ٢ سورة النساء، الآية [١٥٧] . ٣ أضواء البيان ٤/١٧٢-١٧٣.
[ ٢ / ٤١٠ ]
ثم ذكر -﵀- أقوال الأصوليين تأييدًا لما ذهب إليه، ثم قال: "وما ذكره القرطبي في خروج الدجال من تلك العمومات –بدليل حديث الجساسة- لا دليل فيه؛ لأن الدجال أخرجه دليل صالح للتخصيص، وهو الحديث الذي أشار له القرطبي، وهو حديث ثابت في الصحيح من حديث فاطمة بنت قيس، ﵂: سمعت النبي ﷺ يقول: إنه حدثه تميم الداري١، وأنه أعجبه حديث تميم المذكور؛ لأنه وافق ما كان يحدث به أصحابه من خبر الدجال.."٢. ثم ساق -﵀- الحديث بطوله٣.
وقد عقب على ذلك بقوله: "فهذا نص صحيح صريح في أن الدجال حيّ موجود في تلك الجزيرة البحرية المذكورة في حديث تميم الداري المذكور، وأنه باق، وهو حيّ حتى يخرج في آخر الزمان. وهذا نص صالح للتخصيص يخرج الدجال من عموم حديث موت كل نفس في تلك المائة. والقاعدة المقررة في الأصول أن العموم يجب إبقاؤه على عمومه؛ فما أخرجه نص مخصص خرج من العموم وبقي العام حجة في بقية الأفراد التي لم يدل على إخراجها دليل وهو الحق ومذهب الجمهور. وغالب ما في الكتاب والسنة من العمومات يخرج منها بعض الأفراد بنص مخصص، ويبقى العام حجة في الباقي"٤.
ثم ختم الشيخ -﵀- في هذا المبحث بقوله: "وبهذا يتبين أن
_________________
(١) ١ هو تميم بن أوس بن خارجة بن سود بن جذيمة اللخمي الداري. صحابي قيل: إنه توفي سنة (٦٠هـ) . (انظر: الاستيعاب ١/١٨٤. والإصابة ١/١٨٣-١٨٤) . ٢ أضواء البيان ٤/١٧٥-١٧٦. ٣ سبق تخريجه؟؟. ٤ أضواء البيان ٤/١٧٦.
[ ٢ / ٤١١ ]
النصوص الدالة على موت كل إنسان على وجه الأرض في ظرف تلك المائة، ونفي الخلد عن كل بشر تتناول بظواهرها الخضر ولم يخرج منها نص صالح للتخصيص كما رأيت. والعلم عند الله"١.
وبذلك أشبع الشيخ الأمين -﵀- هذه المسألة بحثًا وتحقيقًا وأماط اللثام عن جوانبها، وأسقط -﵀- ما ذهب إليه القرطبي وغيره من القول بحياة الخضر ﵇، وناقشه مناقشة جيدة.
ويجدر بنا أن نورد بعض أقوال الأئمة الذين حققوا وفاته ﵇، ولم يتقبلوا القصص والروايات التي تشير إلى حياته وبقائه في هذه الدنيا:
فمنهم العلامة أبو الخطاب بن دحية٢الذي قال: ".. ولاثبت اجتماع الخضر مع أحد من الأنبياء إلا مع موسى، كما قص الله تعالى من خبرهما. وجميع ما ورد في حياته لا يصح منها شيء باتفاق أهل النقل، وإنما يذكر ذلك من يروي الخبر ولا يذكر علته؛ إما لكونه لا يعرفها، وإما لوضوحها عند أهل الحديث. وأما ما جاء عن المشايخ فهو مما يتعجب منه، كيف يجوز لعاقل أن يلقى شخصًا لا يعرفه، فيقول له: أنا فلان، فيصدقه. وأما حديث التعزية الذي ذكره أبو عمر: فهو موضوع"٣.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- عن الخضر وإلياس، وهل هما معمران؟ فأجاب: "إنهما ليسا في الأحياء، ولا معمران. وقد سأل إبراهيم الحربي٤أحمد بن حنبل عن تعمير الخضر وإلياس، وأنهما باقيان
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ٤/١٧٧. ٢ هو العلامة مجد الدين أبو الخطاب عمر بن حسن بن علي بن الجُميَل بن دحية بن خليفة الكلبي. توفي سنة (٦٣٣هـ) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٢٢/٣٨٩. وشذرات الذهب ٥/١٦٠) . ٣ الزهر النضر في نبأ الخضر ص٤٢-٤٣. ٤ هو الإمام إبراهيم بن إسحاق بن بشير بن إسحاق الحربي. كان إمامًا في العلم، رأسًا في الزهد. ولد سنة (١٩٨هـ)، وتوفي (٢٨٥هـ) . (انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/٣٥٦. وشذرات الذهب ٢/١٩٠) .
[ ٢ / ٤١٢ ]
يُريان، ويروى عنهما فقال الإمام أحمد: من أحال على غائب لم ينصف منه، وما ألقى هذا إلا الشيطان وسئل البخاري عن الخضر وإلياس: هل هما في الأحياء؟ فقال: كيف يكون هذا، وقد قال النبي ﷺ: "لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على وجه الأرض أحد "١، وقال أبو الفرج ابن الجوزي٢: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ ٣، وليس هما في الأحياء. والله أعلم"٤.
وقال الحافظ ابن حجر، -﵀-: "وأقوى الأدلة على عدم بقائه عدم مجيئه إلى رسول الله، ﷺ، وانفراده بالتعمير من بين أهل الأعصار المتقدمة بغير دليل شرعي"٥.
وبهذا يتضح لنا صحة ما ذهب إليه الشيخ الأمين -﵀-، ويتبين أن قوله هو القول الذي ذهب إليه أهل التحقيق من أهل العلم، وأن قول من قال ببقاء الخضر حيًا وخلوده قول متهافت لا دليل عليه. والله أعلم.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه. ٢ هو العلامة الواعظ عبد الرحمن بن أبي الحسن علي بن محمد البكري البغدادي، المعروف بابن الجوزي. ولد سنة (٥١٠هـ) . وتوفي سنة (٥٩٧هـ) . (انظر: الذيل على طبقات الحنابلة ١/٣٩٩. وشذرات الذهب ٤/٣٢٩) . ٣ سورة الأنبياء، الآية [٣٤] . ٤ الفتاوى ٤/٣٣٧. ٥ الزهر النضر في نبأ الخضر، ص١١٥.
[ ٢ / ٤١٣ ]
المبحث الثالث: الإيمان بنبوة نبينا محمد ﷺ
لمطلب الأول: عموم رسالته ﷺ
المبحث الثالث: الإيمان بنبوة نبينا محمد ﷺ
تمهيد:
الإيمان بنبوته ﷺ أصل عظيم من أصول الإيمان فلا يحصل الإيمان إلا بطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، واحترامه، والاعتقاد بأنه رسول الله إلى الناس كافة، وأنه أفضل الأنبياء وخاتمهم، وأنه خليل الرحمن، وصاحب الشفاعة العظمى والمقام المحمود والحوض المورود، وأن طاعته من طاعة الله، ومحبته من محبة الله، وأنه مقدم على النفس والأهل والولد؛ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ٢.
يقول الشيخ الأمين -﵀-: "إن جميع حسنات هذه الأمة في صحيفة النبي ﷺ، فله مثل أجور جميعهم؛ لأنه صلوات الله عليه وسلامه هو الذي سن لهم السنن الحسنة جميعها في الإسلام، نرجو الله له الدرجة الرفيعة، وأن يصلي ويسلم عليه أتم صلاة وأزكى سلام"٣.
وقد اهتم -﵀- ببيان هذا الأصل العظيم في مواضع من مؤلفاته فأشار إلى عموم رسالته، ومحبته واحترامه، وأشار إلى حياته البرزخية، وذكر شيئًا من معجزاته العظيمة.
_________________
(١) ١ سورة الحشر، الآية [٧] . ٢ سورة آل عمران، الآية [٣١] . ٣ أضواء البيان ٣/٢٥٦.
[ ٢ / ٤١٤ ]
المطلب الأول: عموم رسالته ﷺ
نبينا محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، فلا نبي بعده؛ لذلك فرسالته عالمية للإنس والجن، والأبيض والأسود، والعربي والعجمي.
وقد أكد الشيخ الأمين -﵀- عموم رسالته ﷺ وساق الأدلة على ذلك من الكتاب الكريم؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ١: "صرح في هذه الآية الكريمة بأنه ﷺ منذر لكل من بلغه هذا القرآن العظيم كائنًا من كان. ويفهم من الآية أن الإنذار به عام لكل من بلغه، وأن كل من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار وهو كذلك، وأما عموم إنذاره لكل من بلغه فقد دلت عليه آيات أخر أيضًا، كقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ٣، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٤. وأما دخول من لم يؤمن به النار: فقد صرح به تعالى في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ ٥. وأما من لم تبلغه دعوة الرسول ﷺ فله حكم أهل الفترة الذين لم يأتهم رسول. والله أعلم"٦.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [١٩] . ٢ سورة الأعراف، الآية [١٥٨] . ٣ سورة سبأ، الآية [٢٨] . ٤ سورة الفرقان، الآية [١] . ٥ سورة هود، الآية [١٧] . ٦ أضواء البيان ٢/١٨٨. وانظر: المصدر نفسه ٢/٣٣٤، ٣/١٠٤، ٦/٢٦١، ٣٣٧، ومعارج الصعود ص٧٤.
[ ٢ / ٤١٥ ]
المطلب الثاني: احترام الرسول ﷺ
بيّن الشيخ الأمين -﵀- أن المسلم مطالب باحترام رسول الله ﷺ، والتأدب معه في المخاطبة بأن لا يرفع الصوت فوق صوته ﵊. وبما أنه ﷺ قد انتقل إلى الرفيق الأعلى، فقد نبه -﵀- إلى أن حرمته في الممات كحرمته في الحياة؛ فلا ترفع الأصوات عند السلام عليه عند قبره؛ إذ هذا من المنكرات التي ينبغي إزالتها.
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ١: "وهذه الآية الكريمة علم الله فيها المؤمنين أن يعظموا النبي ﷺ ويحترموه ويوقروه فنهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض؛ أي ينادون باسمه يا محمد، يا أحمد، كما ينادي بعضهم بعضًا. وإنما أمروا أن يخاطبوه خطابًا يليق بمقامه ليس كخطاب بعضهم لبعض؛ كأن يقولوا: يا نبي الله، أو يا رسول الله، ونحو ذلك"٢.
ثم أكد -﵀- أن هذا الخلق من علامات كمال التقوى، ومن تمسك به فله الأجر الجزيل من الله؛ فقال: "وقد بين تعالى أن توقيره واحترامه ﷺ بغضّ الصوت عنده، لا يكون إلا من الذين امتحن
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية [٢] . ٢ أضواء البيان ٧/٦١٥.
[ ٢ / ٤١٦ ]
الله قلوبهم للتقوى؛ أي أخلصها لها، وأن لهم بذلك عند الله المغفرة والأجر العظيم، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ١"٢.
وأنكر -﵀- ما يحصل عند قبر النبي ﷺ من رفع الأصوات وعدم السكينة، مبينًا أن احترام رسول الله ﷺ وخفض الأصوات عند السلام عليه يكون في حياته وبعد مماته؛ فقال -﵀-: "ومعلوم أن حرمة النبي ﷺ بعد وفاته كحرمته في أيام حياته، وبه تعلم أن ماجرت به العادة اليوم من اجتماع الناس عند قبره ﷺ وهم في صخب ولغط، وأصواتهم مرتفعة ارتفاعًا مزعجًا كله لا يجوز، ولا يليق، وإقرارهم عليه من المنكر٣. وقد شدد عمر ﵁ النكير على رجلين رفعا أصواتهما في مسجده ﷺ، وقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا٤"٥.
وأنكر الشيخ الأمين -﵀- أيضًا على من يضع يده اليمنى على اليسرى حال السلام عليه ﷺ، فقال -﵀-: "فلا ينبغي للمُسَلِّم عليه ﷺ أن يضع يده اليمنى على اليسرى كهيئة المصلي؛ لأن هيئة الصلاة داخلة في جملتها، فينبغي أن تكون خالصة
_________________
(١) ١ سورة الحجرات، الآية [٣] . ٢ أضواء البيان ٧/٦١٦. ٣ وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن القيم -﵀- بقوله: أو لم يقل من قبلكم للرافعي الأصوات حول القبر بالنكران لا ترفعوا الأصوات حرمة عبده ميتًا كحرمته لدى الحيوان (انظر: توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم ٢/١٥٧) . ٤ صحيح البخاري، ك الصلاة ١/٩٣. ٥ أضواء البيان ٧/٦١٧.
[ ٢ / ٤١٧ ]
لله، كما كان ﷺ هو وأصحابه يخلصون العبادات وهيئتها لله وحده"١.
فالشيخ -﵀- يحذر المسلمين من هذه المنكرات التي تحدث عند قبره ﷺ، ويدعوهم إلى احترامه ﷺ كما كان يفعل الرعيل الأول رضوان الله عليهم؛ إذ كانوا من أشد الناس موافقة له ﵇، ومن أبعد الناس عن مخالفته أو ابتداع ما ليس من دين الله.
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ٧/٦٢٤.
[ ٢ / ٤١٨ ]
المطلب الثالث: تعظيم الرسول ﷺ
اهتم الشيخ الأمين -﵀- ببيان خطورة الغلو في مدح الرسول ﷺ وتعظيمه، وخلع بعض صفات الألوهية أو الربوبية عليه. وقد وصف فاعل ذلك بأنه من أعداء الله ورسوله، ومن الكاذبين في ادعائهم محبة رسول الله ﷺ.
وبالمقابل نهى عن الاستخفاف برسول الله والاستهزاء به وترك تعظيمه بما هو أهله. وبين أن ذلك كفر مخرج من الملة؛ إذ كلا الطرفين ذميم.
وقد أكد الشيخ -﵀- أن الواجب في حقه احترامه ﵇ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ووصفه بما يليق به لكونه بشر اختصه الله تعالى بالرسالة؛ فقال -﵀-: "اعلم أن عدم احترام النبي ﷺ المشعر بالغض منه أو تنقصه ﷺ والاستخفاف به أو الاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله. وقد قال تعالى في الذين استهزءّوا بالنبي ﷺ، وسخروا منه في غزوة تبوك لما ضلت راحلته: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١"٢.
ثم أشار -﵀- إلى الطرف الآخر؛ وهو الغلو فيه صلوات الله وسلامه عليه، فقال: "واعلم أن كل عاقل إذا رأى رجلًا متدينًا في زعمه،
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية [٦٥] . ٢ أضواء البيان ٧/٦١٧-٦١٨.
[ ٢ / ٤١٩ ]
مدعيًا حب النبي ﷺ وتعظيمه وهو يعظم النبي ﷺ ويمدحه بأنه هو الذي خلق السموات والأرض، وأنزل الماء من السماء، وأنبت به الحدائق ذات البهجة. وأنه ﷺ، هو الذي جعل الأرض قرارًا، وجعل خلالها أنهارًا، وجعل لها رواسي، وجعل بين البحرين حاجزًا فإن ذلك العاقل لايشك في أن ذلك المادح المعظم في زعمه من أعداء الله ورسوله، المتعدين لحدود الله"١.
وقد سئل -﵀-: هل العالم كله مخلوق ومرزوق من بركة النبي ﷺ؟ فأجاب بأن الحكم التي خلق من أجلها العالم ورزق، كلها إلهية ربانية، لا نبوية. ثم ساق البراهين والأدلة من القرآن الكريم، والتي تنص على أن الله خلق الخلق لعبادته إلى أن قال -﵀- في آخر الجواب: "وعلى كل حال فسيدنا وسيد الخلائق كلها محمد ﷺ أعطاه الله جل وعلا من التشريف والتعظيم والتكريم وعلو الشأن في العالم العلوي والسفلي مما هو ثابت في كتاب الله والسنة الصحيحة ما هو في أشد الغنى عن ادعاء تعظيمه بأمور لا أساس لها، ولا مستند لها البتة، ولم يقل ﷺ حرفًا منها. فعلى المسلم أن يتثبت ويتحفظ، وألا يقول على نبينا ﷺ شيئًا إلا بعد ثبوت صحته؛ لأنه ﷺ روى عنه سبعون من أصحابه، أنه قال: "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" ٢. وعلى كل حال، فمن المعلوم الواضح أنه لا ينبغي لأحد أن يقول: إن فرعون، وهامان، وقارون، وعاقر ناقة صالح، وأبا جهل، وأمية بن خلف، ونحوهم من أئمة الكفر خلقوا من بركة سيدنا محمد، ﷺ، وكذلك
_________________
(١) ١ المصدر نفسه ٧/٦٢٤. (وأن ذلك المدح شرك في الربوبية والألوهية معًا) . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه ١/١٠، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
سائر المشركين والكفار؛ لأنه ﷺ خير كله، ولا ينشأ عنه إلا خير محض، كما لا يخفى"١.
ثم أرشد -﵀- إلى الواجب على المسلم من معرفة حق الله وحق رسوله ﷺ، ومن المحبة الصادقة والتعظيم المطلوب من العباد لرسول الله ﷺ؛ فقال: "فعلينا معاشر المسلمين أن ننتبه من نومة الجهل، وأن نعظم ربنا بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وإخلاص العبادة له، وتعظيم نبينا محمد ﷺ باتباعه والاقتداء به في تعظيم الله والإخلاص له، والاقتداء به في كل ما جاء به. وألا نخالفه ﷺ ولا نعصيه، وألا نفعل شيئًا يشعر بعدم التعظيم والاحترام؛ كرفع الأصوات قرب قبره ﷺ. وقصدنا النصيحة والشفقة لإخواننا المسلمين ليعملوا بكتاب الله، ويعظموا نبيه ﷺ التعظيم الموافق لما جاء به ﷺ، ويتركوا ما يسميه الجهلة محبة وتعظيمًا، وهو في الحقيقة احتقار وازدراء وانتهاك لحرمات الله ورسوله ﷺ. ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ "٢ ٣.
وقد أوضح -﵀- أن المحبة الصحيحة لرسول الله ﷺ هي التي تبعث على الاقتداء بهديه، والاتباع لسنته، وترك ما يخالف سبيله ﵇، فقال -﵀-: "إن علامة المحبة الصادقة لله
_________________
(١) ١ نقلًا عن رسالة مخطوطة صغيرة الحجم، هي عبارة عن جواب لسؤال ورد عليه من أحد أمراء بلاد شنقيط، يسأله: هل الخلق مخلوق ومرزوق ببركة النبي ﷺ؟. وقد توسع -﵀- في الإجابة عن هذا السؤال، والمخطوطة تقع في إحدى عشرة صفحة. ٢ سورة النساء، الآيتان [١٢٣-١٢٤] . ٣ أضواء البيان ٧/٦٢٥.
[ ٢ / ٤٢١ ]
ورسوله ﷺ هي اتباعه ﷺ. فالذي يخالف ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر؛ إذ لو كان محبًا له لأطاعه. ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة، ومنه قول الشاعر:
لو كان حبك صادقًا لأطعته
إن المحبّ لمن يحب مطيع "١.
فالشيخ الأمين -﵀- يرشد إخوانه المسلمين إلى عدم الإفراط أو التفريط في تعظيم الرسول ﷺ، فلا يعطى صفات الألوهية، ولا ينقص قدره وحقه من الاحترام والمحبة التي من أبرز علاماتها الاتباع لشرعه وترسم خطاه، والسير على هديه ﵊.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ١/٣٤٠. انظر: ديوان الشافعي ص٩٢.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
المطلب الرابع: حياة نبينا محمد ﷺ في البرزخ
أوضح الشيخ الأمين -﵀- ما يتعلق بحياة نبينا ﷺ، مبينًا أنه وسائر الأنبياء أحياء عند ربهم حياة برزخية هي أكمل وأعلى من حياة الشهداء الذين قال الله فيهم: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ١، وقال نبيه ﷺ مخبرًا أنه يموت كما يموت البشر: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ٢.
فحياته ﷺ في قبره حياة أكمل من حياة الشهداء، لكنها ليست كحياته على وجه الأرض، فهي حياة برزخية لا تزيل عنه اسم الموت، وهي غير معلومة لنا.
قال الشيخ الأمين -﵀-، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ الآية٣: "هذه الآية تدل بظاهرها علىأن الشهداء أحياء غيرأموات، وقد قال في آية أخرى لمن هو أفضل من كل الشهداء؛ ﷺ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ ٤. والجواب عن هذا: أن الشهداء يموتون الموتة الدنيوية، فتورث أموالهم، وتنكح نساؤهم بإجماع المسلمين. وهذه الموتة هي التي أخبر الله نبيه أنه يموتها، ﷺ. وقد ثبت في الصحيح عن صاحبه الصديق _
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية [١٦٩] . ٢ سورة الأنبياء، الآية [٣٤] . ٣ سورة البقرة، الآية [١٥٤] . ٤ سورة الزمر، الآية [٣٠] .
[ ٢ / ٤٢٣ ]
﵁ - أنه قال، لما توفي ﷺ: "بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين؛ أما الموتة التي كتب الله عليك فقد متها. وقال: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات"١، واستدل على ذلك بالقرآن، ورجع إليه جميع أصحاب النبي ﷺ. وأما الحياة التي أثبتها الله للشهداء في القرآن، وحياته ﷺ التي ثبتت في الحديث أنه يرد بها السلام على من سلم عليه٢؛ فكلتاهما حياة برزخية ليست معقولة لأهل الدنيا؛ أما في الشهداء فقد نص تعالى على ذلك بقوله: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٣، وقد فسرها النبي ﷺ بأنهم تجعل أرواحهم في حواصل طيور خضر ترتع في الجنة، وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، فهم يتنعمون بذلك٤وأما ما ثبت عنه ﷺ من أنه لا يسلم عليه أحد إلا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇، وأن الله وَكَّلَ ملائكة يبلغون سلام أمته٥؛ فإن تلك الحياة أيضًا لايعقل حقيقتها أهل الدنيا؛ لأنها ثابتة له ﷺ، مع أن روحه الكريمة في أعلى عليين مع الرفيق الأعلى فوق أرواح الشهداء، فتعلق هذه الروح الطاهرة التي هي في أعلى عليين بهذا البدن الشريف الذي لا تأكله الأرض يعلم الله حقيقتها ولا يعلمها الخلق، كما قال في جنس ذلك: ﴿وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٦"٧.
_________________
(١) ١ انظر صحيح البخاري ٤/١٩٤. ٢ انظر سنن أبي داود ٢/٥٣٤. وقال النووي (في رياض الصالحين ص٥٣٠-٥٣١): "بإسناد صحيح"، وقال الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (١/٢٩١): "وإسناده حسن". ٣ سورة البقرة، الآية [١٥٤] . ٤ انظر صحيح مسلم ٣/١٥٠٣. ٥ أخرجه الدارمي في سننه ٢/٤٠٩. وقال الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (١/٢٩١): "وإسناده صحيح. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي". ٦ سورة البقرة، الآية [١٥٤] . ٧ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب –الملحق بأضواء البيان ١٠/٢٩-٣٠.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
ثم فند بالأدلة والبراهين القوية ما قد يتوهم من أن حياته ﷺ في قبره كحياته في الدنيا، فقال -﵀-: "ولو كانت كالحياة التي يعرفها أهل الدنيا لما قال الصديق ﵁: إنه ﷺ مات، ولما جاز دفنه ولانصب خليفة غيره، ولا قتل عثمان، ولا اختلف أصحابه، ولاجرى على عائشة ما جرى، وليسألوه عن الأحكام التي اختلفوا فيها بعده؛ كالعول، وميراث الجد والإخوة، ونحو ذلك. وإذا صرح القرآن بأن الشهداء أحياء في قوله تعالى: ﴿بل أحياء﴾، وصرح القرآن بأن هذه الحياة لا يعرف حقيقتها أهل الدنيا بقوله: ﴿ولكن لا تشعرون﴾، وكان النبي ﷺ أثبت حياته في القبر بحيث يسمع السلام ويرده، وأصحابه الذين دفنوه ﷺ لا تشعر حواسهم بتلك الحياة: عرفنا أنها حياة لا يعقلها أهل الدنيا أيضًا، ومما يقرب هذا للذهن حياة النائم؛ فإنه يخالف الحي في جميع التصرفات، مع أنه يدرك الرؤيا ويعقل المعاني. والله أعلم"١.
ثم استشهد -﵀- بكلام ابن القيم، فقال: "قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتاب الروح، ما نصه: ومعلوم بالضرورة أن جسده ﷺ في الأرض طري مطرى، وقد سأله الصحابة: "كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ " فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء "٢. ولو لم يكن جسده في ضريحه لما أجاب بهذا الجواب. وقد صح عنه أنه خرج بين أبي بكر وعمر، وقال: " هكذا نبعث "٣، هذا مع القطع بأن روحه الكريمة في الرفيق الأعلى في أعلى
_________________
(١) ١ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب –الملحق بأضواء البيان ١٠/٣٠-٣١. ٢ أخرجه ابن ماجه ١/٣٤٥. وأبو داود ١/٦٣٥، وليس فيه: (أن تأكل) . وقال النووي في (رياض الصالحين ص٥٣٠): بإسناد صحيح. ٣ أخرجه الإمام أحمد بعدة اسانيد (في فضائل الصحابة ١/١٠٥، ١٦٤، ٢٠٢، ٣٩٥) بلفظ: دخل النبي ﷺ المسجد، وأبو بكر عن يمينه، وعمر عن يساره، وقال: "هكذا نبعث". ومدار الأسانيد على سعيد بن مسلمة الأموي، وهو ضعيف. (انظر تهذيب التهذيب ٤/٨٣-٨٤) .
[ ٢ / ٤٢٥ ]
عليين مع أرواح الأنبياء. وقد صح عنه أنه رأى موسى يصلي في قبره ليلة الإسراء، ورآه في السماء السادسة أو السابعة١؛ فالروح كانت هناك ولها اتصال بالبدن في القبر وإشراف عليه وتعلق به بحيث يصلي في قبره، ويرد سلام من يسلم عليه، وهي في الرفيق الأعلى، ولا تنافي بين الأمرين؛ فإن شأن الأرواح غير شأن الأبدان"٢.
ثم عقب -﵀- بقوله: "وهو يدل على أن الحياة المذكورة غير معلومة الحقيقة لأهل الدنيا، قال تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٣. والعلم عند الله"٤.
_________________
(١) ١ انظر صحيح مسلم ١/١٥٠، ٤/١٨٤٥. ٢ الروح ص٦٤. ٣ سورة البقرة، الآية [١٥٤] . ٤ دفع إيهام الاضطراب ١٠/٣١.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
المبحث الرابع: معجزات الأنبياء
المطلب الأول: من معجزات رسولنا محمد ﷺ
المبحث الرابع: معجزات الأنبياء
تمهيد:
المعجزة، كما عرفها الإمام السفاريني -﵀-، هي: "ما خرق العادة من قول أو فعل، إذا وافق دعوى الرسالة وقارنها وطابقها على جهة التحدي ابتداء، بحيث لايقدر أحد عليها ولا على مثلها ولا على ما يقاربها"١.
فالله ﷾ أيد أنبياءه بالآيات الدالة على صدقهم فيما جاءُوا به من عند ربهم.
يقول الشيخ الأمين -﵀-: "وما أرسل الله من رسول إلا مصحوبًا بالمعجزات التي تصدقه وتؤيده. وقد بين ذلك الصادق المصدوق بقوله، ﷺ: "ما من الأنبياء من نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحى الله به إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا "٢، وهو صريح أنه ما أرسل الله رسولًا إلا أيده بما يدل على صدقه، كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ ٤. والآيات في ذلك كثيرة
_________________
(١) ١ لوامع الأنوار البهية ٢/٢٩٠. ٢ أخرجه البخاري في الصحيح ٦/٩٧. ومسلم في الصحيح ١/١٣٤. ٣ سورة الأعراف، الآية [١٠١] . ٤ سورة الحديد، الآية [٢٥] .
[ ٢ / ٤٢٧ ]
جدًا"١.
وقال -﵀- في موضع آخر: "إن من آياته التي يريها بعض خلقه: معجزات رسله؛ لأن المعجزات آيات؛ أي دلالات وعلامات على صدق الرسل، كما قال تعالى في فرعون: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى﴾ ٢. وبين في موضع آخر أن من آياته التي يريها خلقه: عقوبته المكذبين رسله؛ كما قال تعالى في قصة إهلاكه قوم لوط: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ ٣وقال في عقوبته فرعون وقومه بالطوفان والجراد والقمل إلخ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ ٤"٥.
وسوف أذكر بعض معجزات الأنبياء ﵈، التي تطرق إلى ذكرها الشيخ الأمين -﵀- بادئًا بمعجزات نبينا ﵇.
_________________
(١) ١ معارج الصعود ص١٤١-١٤٢. ٢ سورة طه، الآية [٥٦] . ٣ سورة العنكبوت، الآية [٣٥] . ٤ سورة الأعراف، الآية [١٣٣] . ٥ أضواء البيان ٧/٧٥.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
المطلب الأول: من معجزات رسولنا محمد ﷺ
أولًا: القرآن الكريم:
هو معجزة رسولنا ﷺ الباقية الخالدة الذي لا تنقضي عجائبه قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ ١.
وقد أشار الشيخ الأمين -﵀- إلى أن الله جل وعلا تحدى العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بعشر سور مثله، أو بسورة مثله فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢: "صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن لايكون مفترى من دون الله مكذوبًا به عليه، وأنه لاشك في أنه من رب العالمين جل وعلا، وأشار إلى أن تصديقه للكتب السماوية المنزلة قبله، وتفصيله للعقائد والحلال والحرام ونحو ذلك، مما لاشك أنه من الله جل وعلا: دليل على أنه غير مفترى، وأنه لاريب في كونه من ربّ العالمين. وبين هذا في مواضع أخر، كقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ ٥، والآيات في
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآية [٤٢] . ٢ سورة يونس، الآية [٣٧] . ٣ سورة يوسف، الآية [١١١] . ٤ سورة الشعراء، الآية [٢١٠-٢١١] . ٥ سورة الإسراء، الآية [١٠٥] .
[ ٢ / ٤٢٩ ]
مثل ذلك كثيرة. ثم إنه تعالى لما صرح هنا بأن هذا القرآن ما كان أن يفترى على الله وأقام البرهان القاطع على أنه من الله؛ فتحدى جميع الخلق بسورة واحدة مثله. ولاشك أنه لو كان من جنس كلام الخلق لقدر الخلق على الإتيان بمثله، فلما عجزوا عن ذلك كلهم حصل اليقين والعلم الضروري أنه من الله جل وعلا. قال جل وعلا في هذه السورة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١، وتحداهم أيضًا في سورة البقرة بسورة واحدة من مثله، بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ الآية٢، وتحداهم في هود بعشر سور مثله، بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ الآية٣، وتحداهم في الطور به كله بقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ ٤، وصرح في سورة بني إسرائيل بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ٥ كما قدمنا، وبين أنهم لايأتون بمثله أيضًا بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُو﴾ ٦"٧.
وقال -﵀- أيضًا: "وبين جل وعلا هنا أن الإعجاز القرآني دليل قطعي وبرهان يقيني على صدق الوحي وصحة الرسالة: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّه﴾ ٨"٩.
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية [٣٨] . ٢ سورة البقرة، الآية [٢٣] . ٣ سورة هود، الآية [١٣] . ٤ سورة الطور، الآية [٣٤] . ٥ سورة الإسراء، الآية [٨٨] . ٦ سورة البقرة، الآية [٢٤] . ٧ أضواء البيان ٢/٤٨٣-٤٨٤. وانظر المصدر نفسه ٢/٢٠٣. ٨ سورة هود، الآية [١٤] . ٩ معارج الصعود، ص٦٦.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
وقال -﵀-، عند تفسير قوله تعالى: ﴿أْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ ١: "أي في الفصاحة، والبلاغة، وصدق الأخبار، وعدل الأحكام؛ فإن هذه الأمور مع ما يذكر الله من بدائع صنعه من إعجاز القرآن إذ لايتجرأ أحد أن يقول: أنا خلقت السموات والأرض، ونصبت الجبال إلا رمي بالجنون والسفه، بخلاف رب السموات والأرض جل وعلا"٢.
وقال -﵀- أيضًا، عند تفسير قوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ﴾ ٣: "الإشارة إلى ما مضى من قصص نوح من دعوته قومه إلى عبادة الله، وعنادهم له، ومحاورته معهم في شأن أتباعه من المؤمنين، وصنعه السفينة، واستهزائهم به، وما جعل الله له من العلامة على إهلاكهم، وأمره له بحمل المؤمنين ومن كل الحيوانات زوجين في السفينة، وما كان من أمره مع ابنه، وعتاب الله له في ذلك، ورجوعه وتوبته إلى الله، ثم ما تبع ذلك من الخاتمة له ولقومه المؤمنين بالسلامة، والهلاك للكافرين؛ أي تلك القصص التي أخبرناك بها من الأمور التي هي غائبة عن الناس، وفي هذا أعظم معجزة للرسول ﷺ؛ حيث إنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، وإذا به يخبر عن غرائب التاريخ التي مضى عليها آلاف السنين بضبط وإتقان، فليست إلا بوحي من الله جل وعلا"٤.
فيا له من معجزة خالدة على مر الأيام والدهور، لاتنقضي عجائبه، ولا يمل مع التكرار.
ثانيًا: الإسراء والمعراج:
الإسراء والمعراج من معجزات نبينا ﷺ، أسرى به الله
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية [١٣] . ٢ معارج الصعود، ص٦٦. ٣ سورة هود، الآية [٤٩] . ٤ معارج الصعود، ص١٣٠.
[ ٢ / ٤٣١ ]
﷾ ليلًا من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء، ووصل إلى سدرة المنتهى.
قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ١.
وقد اختلف في كيفية الإسراء: هل هو بالروح، أم بالروح والجسد معًا؟ وهل كان ذلك يقظة أم منامًا٢؟.
وقد أشار الشيخ الأمين -﵀- إلى هذا الاختلاف، ورجح أنه بجسده وروحه، يقظة لا منامًا. وقد ذكر عدة مرجحات، فقال -﵀-: "ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده ﷺ، يقظة لامنامًا؛ لأنه قال: ﴿بعبده﴾، والعبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، ولأنه قال: ﴿سبحان﴾، والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام، فلو كان منامًا لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه. ويؤيده قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ ٣؛ لأن البصر من آلات الذات لا الروح، وقوله هنا: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ٤. ومن أوضح الأدلة القرآنية على ذلك: قوله جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ ٥؛ فإنه رؤيا عين يقظة، لا رؤيا منام، كما صح عن ابن عباس وغيره. ومن الأدلة الواضحة على ذلك: أنها لو كانت رؤيا منام لما كانت فتنة ولا سببًا لتكذيب قريش؛ لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار؛ لأن المنام قد يرى فيه ما لايصح، فالذي جعله الله فتنة هو ما رآه بعينه من الغرائب والعجائب، فزعم المشركون أن من ادعى رؤية ذلك بعينه فهو كاذب لا
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية [١] . ٢ راجع فتح الباري ٧/٢٣٧. وشرح الطحاوي ص٢٤٥. ٣ سورة النجم، الآية [١٧] . ٤ سورة الإسراء، الآية [١] . ٥ سورة الإسراء، الآية [٦٠] .
[ ٢ / ٤٣٢ ]
محالة، فصار فتنة لهم. وكون الشجرة الملعونة التي هي شجرة الزقوم على التحقيق فتنة لهم أن الله لما أنزل قوله: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ ١، قالوا: ظهر كذبه لأن الشجر لا ينبت بالأرض اليابسة، فكيف ينبت في أصل الناروركوبه ﷺ على البراق يدل على أن الإسراء بجسمه؛ لأن الروح ليس من شأنه الركوب على الدواب كما هو معروف. وعلى كل حال: فقد تواترت الأحاديث الصحيحة عنه أن أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأنه عرج به من المسجد الأقصى حتى جاوز السموات السبع. وقد دلت الأحاديث المذكورة على أن الإسراء والمعراج كليهما بجسمه وروحه يقظة لا منامًا٢، كما دلت على ذلك أيضًا الآيات التي ذكرنا. وعلى ذلك من يعتد به من أهل السنة والجماعة٣، فلا عبرة بمن أنكر ذلك من الملحدين"٤.
ثم أجاب -﵀- على حديث شريك، عن أنس ﵁، والذي فيه أن الإسراء كان منامًا، فقال -﵀-: "وما ثبت في الصحيحين من طريق شريك، عن أنس ﵁ أن الإسراء المذكور وقع منامًا٥لا ينافي ما ذكرنا مما عليه أهل السنة والجماعة، ودلت عليه نصوص الكتاب والسنة لإمكان أن يكون رأى الإسراء المذكور نومًا، ثم جاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح، فأسرى به يقظة تصديقًا لتلك الرؤيا
_________________
(١) ١ سورة الصافات، الآية [٦٤] . ٢ انظر صحيح البخاري ١/٩١، ٨/٧٧. وصحيح مسلم ١/١٤٥ وما بعدها. ٣ انظر: عقيدة الحافظ عبد الغني المقدسي ص٨٠. ولمعة الاعتقاد ص٢٤. وكلام الطحاوي في شرح الطحاوية ص٢٤٥. والشريعة للآجري ص٤٩٠. وشرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٠٩. ٤ أضواء البيان ٣/٣٩١-٣٩٣. ٥ حديث شريك أخرجه البخاري في صحيحه ٨/٢٠٣. ومسلم في صحيحه ١/١٤٨.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
المنامية؛ كما رأى في النوم أنهم دخلوا المسجد الحرام، فجاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح، فدخلوا المسجد الحرام في عمرة القضاء عام سبع يقظة لامنامًا، تصديقًا لتلك الرؤيا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِين﴾ الآية١. ويؤيد ذلك حديث عائشة الصحيح: "فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح"٢، مع أن جماعة من أهل العلم قالوا: إن شريك بن عبد الله بن أبي نمر ساء حفظه في تلك الرواية المذكورة عن أنس، وزاد فيها ونقص، وقدم وأخر. ورواها عن أنس غيره من الحفاظ على الصواب، فلم يذكروا المنام الذي ذكره شريك المذكور٣. وانظر رواياتهم بأسانيدها ومتونها في تفسير ابن كثير٤ -رحمه الله تعالى-؛ فقد جمع طرق حديث الإسراء جمعًا حسنًا بإتقان"٥.
ثالثًا: إخباره عن ترك الإبل، وتعطيلها آخر الزمان:
ذكر الشيخ الأمين -﵀- حديث أبي هريرة، أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "والله لينزلن ابن مريم حكمًا عادلًا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال، فلا يقبله أحد "٦.
ثم قال -﵀- معلقًا على هذا الحديث: "ومحل الشاهد من هذا الحديث الصحيح: قوله ﷺ: "ولتتركن القلاص فلا
_________________
(١) ١ سورة الفتح، الآية [٢٧] . ٢ أخرجه البخاري في صحيحه ١/٣. ٣ انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٢٠٩-٢١٠. وزاد المعاد لابن القيم ٣/٤٢. ٤ تفسير القرآن العظيم ٣/٢-٢٢. ٥ أضواء البيان ٣/٣٩٣-٣٩٤. ٦ أخرجه مسلم في صحيحه ١/١٣٦.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
يسعى عليها"؛ فإنه قسم من النبي ﷺ أنه ستترك الإبل فلا يسعى عليها. وهذا مشاهد الآن للاستغناء عن ركوبها بالمراكب المذكورة. وفي الحديث معجزة عظمى تدل على صحة نبوته ﷺ. وإن كانت معجزاته صلوات الله عليه وسلامه أكثر من أن تحصر"١.
وكما قال الشيخ الأمين -﵀- فإن معجزات نبينا محمد ﷺ أكثر من أن تحصر، لكن لما لم يذكر الشيخ الأمين -﵀- سوى هذه المعجزات، اقتصرت على ما ذكره -﵀-.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٣/٢١٩. وقال الشيخ -﵀- قبل ذلك، في ص٢١٨ عند قوله تعالى: ﴿ويخلق مالا تعلمون﴾: "وقد شوهد ذلك في إنعام الله على عباده بمركوبات لم تكن معلومة وقت نزول الآية، كالطائرات والقطارات والسيارات".
[ ٢ / ٤٣٥ ]
المطلب الثاني: من معجزات موسى ﵇
قال الشيخ الأمين -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ١: "قال بعض أهل العلم: هذه الآيات التسع هي: العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات٢. وقد بين جل وعلا هذه الآيات في مواضع أخر؛ كقوله: المطلب الثاني: من معجزات موسى ﵇
قال الشيخ الأمين -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ١: "قال بعض أهل العلم: هذه الآيات التسع هي: العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات٢. وقد بين جل وعلا هذه الآيات في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية٤، وقوله ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ ٥، وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلات﴾ ٦، إلى غير ذلك من الآيات المبينة لما ذكرنا. وجعل بعضهم الجبل بدل السنين٧، وعليه فقد بين ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ ٨، ونحوها من الآيات"٩.
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية [١٠١] . ٢ ذكره القرطبي عن ابن عباس، والضحاك، إلا أنه قال: "اللسان" بدل "السنون". ٣ سورة الشعراء، الآيتان [٣٢-٣٣] . ٤ سورة الأعراف، الآية [١٣٠] . ٥ سورة الشعراء، الآية [٦٣] . ٦ سورة الأعراف، الآية [١٣٣] . ٧ ذكره القرطبي عن مالك. (انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/٢١٧) . ٨ سورة الأعراف، الآية [١٧١] . ٩ أضواء البيان ٣/٦٣٢. وانظر معارج الصعود ص٢٣٥.٣،
[ ٢ / ٤٣٦ ]
المطلب الثالث: من معجزات صالح ﵇
قال الشيخ الأمين -﵀-، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ ١: "الكلام يدل على أنهم اقترحوا عليه أن يأتيهم بمعجزة، وبالأخص الناقة؛ فقالوا: أخرج لنا ناقة عظيمة عشراء من الجبل أو الصخرة تدل على صدق دعواك الرسالة. فصلى ركعتين ودعا الله، فاضطربت الصخرة، حتى خرجت منها الناقة العشراء الجوفاء العظيمة، فكانت المواشي تشرد منها فتشرب جميع المياه، ويسقيهم كلهم من لبنها، واليوم الآخر تترك المياه فتستقي مواشيهم؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ ٤"٥.
وقال -﵀- في موضع آخر: "فأخرج الله الناقة من تلك الصخرة معجزة لصالح، وفتنة لهم؛ أي ابتلاء واختبارًا، وذلك أن تلك الناقة معجزة عاينوها، وأن الله حذرهم على لسان نبيه صالح من أن يمسوها بسوء، وأنهم إن تعرضوا لها بأذى أخذهم الله بعذابه"٦.
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية [٦٤] . ٢ سورة الشعراء، الآية [١٥٥] . ٣ سورة القمر، الآية [٢٨] . ٤ سورة الإسراء، الآية [٥٩] . ٥ معارج الصعود ص١٦٢. ٦ أضواء البيان ٧/٧٢١.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وقد ذكر الأمين -﵀- أنها معجزة لكونها خرجت من الصخرة لا لكونها تشرب كل الماء، أو لكثرة لبنها.
وذكر -﵀- أيضًا، أن قومًا يزعمون أن فصيل الناقة هو الدابة التي تخرج آخر الزمان، ثم بين عدم صحة ذلك، فقال: "وكل ذلك قصص لا معول عليها، ولا ثبوت لها، والله أعلم بقصة الفصيل؛ لأن القرآن لم يبين ما كان مصيره، ولم يبينه. ولم يثبت خبره بوحي صحيح، وإنما هي روايات يحكيها المؤرخون والمفسرون"١.
_________________
(١) ١ ذكره -﵀- في الشريط رقم [٣]، من تفسير سورة الأعراف، عند تفسير قوله تعالى: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ (الأعراف، الآية ٧٣) .
[ ٢ / ٤٣٨ ]
الفصل الرابع: جهود الشيخ الأمين -﵀- في توضيح عقيدة السلف في اليوم الآخر
المبحث الأول: بعض أشراط الساعة
المطلب الأول: بعض العلامات الصغرى
الفصل الرابع: جهود الشيخ الأمين -﵀- في توضيح عقيدة السلف في اليوم الآخر
تمهيد:
الإيمان باليوم الآخر أصل من أصول الإيمان الذي لا يتم إيمان العبد إلا به، فمن أنكره فقد كفر؛ قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ ٢.
وقد عده رسول الله ﷺ من أركان الإيمان في حديث جبريل المشهور، فقال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر: خيره وشره "٣.
ومن مقدمات اليوم الآخر ما أخبر به رسول الله ﷺ مما يكون قبل الموت من أشراط الساعة وأماراتها، وما يكون بعد الموت من فتنة القبر ونعيمه وعذابه، والنفخ في الصور، والبعث، والنشور، والحشر، والحوض، والميزان، والصراط، والجنة، والنار، ورؤية الله ﷾ في الجنة، وغير ذلك من أحوال الآخرة التي أخبرنا الله ورسوله عنها، والتي ينبغي على العبد تصديقها، والعمل بما يجلب مرضاة الله، ويجنب سخطه؛ قال تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الآخِرَ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [١٧٧] . ٢ سورة النساء، الآية [١٣٦] . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه ١/٣٧.
[ ٢ / ٤٤١ ]
وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ ٢.
وقد اهتم الشيخ الأمين -﵀- بهذا الركن العظيم، فأشار في ثنايا مؤلفاته إلى كثير من أحوال اليوم الآخر، وفصلّ في بعضها، وأجمل في البعض الآخر. ومما فصلّ فيه -﵀- من هذه الأحوال: سماع الموتى، والبعث، والصراط، وأبدية النار، والردّ على من قال بفنائها، وبرؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة.
وسوف أرتب ما ذكره الشيخ -﵀- عن اليوم الآخر، كما يمرّ بها العبد في رحلته إلى دار القرار.
وقد وصف -﵀- رحلة الإنسان من بدء خلقه إلى استقراره في إحدى الدارين في الآخرة، موضحًا سبب تسميتها بالدار الآخرة؛ فقال -﵀-: (وإنما قيل لتلك الدار: الآخرة؛ لأنها هي آخر المنازل، فلا انتقال عنها البتة إلى دار أخرى. والإنسان قبل الوصول إليها ينتقل من محلّ إلى محلّ؛ فأول ابتدائه من التراب، ثمّ انتقل من أصل التراب إلى أصل النطفة، ثمّ إلى العلقة، ثمّ إلى المضغة، ثمّ إلى العظام، ثمّ كسا الله العظام لحمًا، وأنشأها خلقًا آخر، وأخرجه للعالم في هذه الدار، ثمّ ينتقل إلى القبر، ثمّ إلى الحشر، ثمّ يتفرقون ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتا﴾ ٣، فسالك ذات اليمين إلى الجنة، وسالك ذات الشمال إلى النار، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ ٤، فإذا دخل أهل الجنة الجنة،
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت، الآية [٣٦] . ٢ سورة الذاريات، الآيتان [٥-٦] . ٣ سورة الزلزلة، الآية [٦] . ٤ سورة الروم، الآيات [١٤-١٦] .
[ ٢ / ٤٤٢ ]
وأهل النار النار، فعند ذلك تلقى عصا التسيار، ويذبح الموت، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. ويبقى ذلك دائما لا انقطاع له ولا تحول عنه إلى محلّ آخر. فهذا معنى وصفها بالآخرة، كما أوضحه جل وعلا بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ ١"٢.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون، الآيات [١٢-١٦] . ٢ أضواء البيان ٢٦٣-٢٦٤. وانظر المصدر نفسه ٥/٤٢. ومعارج الصعود ص١٥٢. وهذا المعنى موجود بصوت الشيخ -﵀- في الشريط رقم [٩] من تفسير سورة الأنعام، عند تفسير قوله تعالى: ﴿والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به﴾ [سورة الأنعام، الآية ٩٢]
[ ٢ / ٤٤٣ ]
المبحث الأول: بعض أشراط الساعة
تمهيد:
الساعة من الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه، ولم يطلع عليه لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ ١.
ومن الأحاديث الدالة على ذلك حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: سمعت النبيّ ﷺ قبل أن يموت بشهر: "تسألونني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة "٢. وكذا حديث جبريل المشهور حين قال للنبيّ ﷺ: فأخبرني عن الساعة؟ فقال: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" ٣.
فكل هذه النصوص تدل على أنّ الساعة لا يعلمها إلا الله وحده.
وهذا ما أوضحه الشيخ الأمين -﵀-، فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاّ هُو﴾ الآية٤:
"هذه الآية الكريمة تدلّ على أنّ وقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وقد جاءت آيات أخر تدلّ على ذلك أيضًا كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية [١٨٧] . ٢ أخرجه مسلم في الصحيح ٤/١٩٦٦. ٣ أخرجه مسلم في الصحيح ١/٣٧. ٤ سورة الأعراف، الآية [١٨٧] .
[ ٢ / ٤٤٤ ]
عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ ١، وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاّ هُوَ﴾ ٢. وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنها الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية٣"٤.
وإذا كان الله ﷾ قد أخفى الساعة عن الخلق، فقد جعل لها علامات تدلّ على قرب وقوعها، وردت في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.
وقد قسم العلماء هذه العلامات إلى علامات صغرى، وعلامات كبرى، وهي كثيرة جدًا.
وقد أشار الشيخ -﵀- إلى بعض هذه العلامات:
_________________
(١) ١ سورة النازعات، الآيات [٤٢-٤٤] . ٢ سورة الأنعام، الآية [٥٩] . ٣ سورة لقمان، الآية [٣٤] . ٤ أضواء البيان ٣/٣٣٩. وانظر المصدر نفسه ٦/٦٠٤.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
المطلب الأول: بعض العلامات الصغرى
ذكر الشيخ الأمين -﵀- بعض العلامات الدالة على قرب الساعة بطريقة استنباط من نصوص الوحي، مما يدلّ على سعة علمه وفهمه للنصوص وقوة ملكته.
ومن العلامات التي ذكرها الشيخ -﵀-: قيام دولة لليهود في آخر الزمان؛ فقد سئل -﵀-: هل في الكتاب والسنة ما يدلّ على قيام دولة لليهود في آخر الزمان؟ فأجاب -﵀-: "إنه ثبت في الصحيح عن النبيّ ﷺ ما يدلّ بالعلامة المعروفة عند الأصوليين بدلالة الشارة على وجود دولة لهم في آخر الزمان. أما النصّ الذي دلّ على ذلك بدلالة الإشارة: فقوله ﷺ: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر، وراءه اليهودي: يا مسلم هذا يهودي ورائي فاقتله " رواه البخاري بهذا اللفظ١، ومسلم٢عن أبي هريرة ﵁فهذا نصّ صحيح من النبيّ ﷺ أنه لابد من قتال المسلمين واليهود حتى تكون عاقبة النصر والظفر للمؤمنين. والمقاتلة بحسب الوضع اللغوي تقتضي وجود القتال من طائفتين مقتتلتين؛ لأنّ المفاعلة تقتضي الطرفين وضعا، ومن قوله ﷺ: "تقاتلوا اليهود". على وجود جنس مقاتل من اليهود. وذلك إنما يكون من طائفة
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٣/٢٣٢. ٢ صحيح مسلم ٤/٢٢٣٩.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
متحدة الكلمة تحت طاعة أمير يقاتل بهم، وذلك هو معنى دلالة الحديث على وجود دولة في آخر الزمان؛ لأنهم لو كانوا دائمًا عليهم مضمون قوله تعالى: ﴿وقطعناهم في الأرض أممًا﴾ ١، وكانوا متفرقين غير مجتمعين أبدًا تحت أمير على كلمة واحدة: ما صحّ قتالهم مع المسلمين الذي نصّ عليه الرسول ﷺ في الحديث الصحيح"٢.
من العلامات الصغرى:
وفي مقابل ذلك: فالشيخ -﵀- يؤكد أنّ الإسلام سيظهر في آخر الزمان كما أظهره الله في أوله، فقال -﵀-: "الدين فيما مضى ظهر على جميع الأديان، وعلى الدول الكبار المعروفة؛ كالدولة الكسروية، والدولة القيصرية، ولم يبق منهم إلا من يعطي الجزية عن يد وهو صاغر، أو مسلم. وانتشر في أقطار الدنيا في شرقها وغربها، وظهر على كلّ الأديان، وسيأتي ذلك في آخر الزمان أيضًا، كما جاء في أحاديث صحيحة كثيرة: أنه لايبقى في آخر الزمان أحد إلا كان مسلمًا، ولم يكن في المعمورة غير دين الإسلام، هذا معنى قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ ٣، ولو كره المشركون إظهاره"٤.
ولعلّ مما يستشهد به في هذه المسألة قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ٥، وقوله ﷺ: " إن الله زوى لي الأرض فرأيت
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية [١٦٨] . ٢ رحلة الحج إلى بيت الله الحرام ص٢٣٨-٢٣٩. ٣ سورة التوبة، الآية [٣٣] . ٤ الشريط رقم [٥] من تفسير سورة التوبة، عند تفسير قوله تعالى: ﴿ِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ الآية [٣٣] . ٥ سورة النور، الآية [٥٥] .
[ ٢ / ٤٤٧ ]
مشارقها ومغاربها، وإنّ أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها.." ١، وقوله ﷺ: "إنه سيفتح لكم مشارق الأرض ومغاربها.." ٢.
والشيخ -﵀- لم يفصّل في ذلك الانتصار الكبير، متى يتحقق؟ وعلى يد من يكون؟.
وقد ذكر ابن جرير الطبري -﵀- عن بعض العلماء أن ذلك عند خروج عيسى حين تصير الملل كلها واحدة٣.
ويرى بعض المفسرين المعاصرين أن ذلك قبل عيسى، وأن الإسلام ستكون له الغلبة قبل قيام الساعة٤. والله أعلم.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢٢١٥. ٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٥/٣٦٦. ٣ جامع البيان ١٠/١١٦. ٤ تفسير المنار ١٠/٣٩٢.
[ ٢ / ٤٤٨ ]
المطلب الثاني: نزول عيسى ﵇
من أشراط الساعة الكبرى: نزول عيسى ﵇ من السماء حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الدجال والخنزير، ويضع الجزية، ويحكم بشريعة الإسلام. ويظهر يأجوج ومأجوج فيدعو عليهم فيموتوا ببركة دعائه١.
ثمّ يمكث في الأرض سبع سنين٢، فينتشر الأمن في الأرض، وتظهر الأرض بركاتها؛ قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده ليوشكنّ أن ينزل ابن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا وما فيها "٣.
وقد تحدث الشيخ الأمين –﵀-، عن نزول عيسى ﵇، وأنه من علامات الساعة؛ فقال -﵀-، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ ٤:
"التحقيق أنّ الضمير في قوله: ﴿وإنه﴾ راجع إلى عيسى، لا إلى القرآن، ولا إلى النّبي ﷺ. ومعنى قوله: ﴿لعلم للساعة﴾ على القول الحقّ الصحيح الذي يشهد له القرآن العظيم والسنة المتواترة، هو أنّ نزول عيسى في آخر الزمان حيًّا علم للساعة؛ أي علامة
_________________
(١) ١ انظر: النهاية لابن كثير ١/١٩٤. وشرح الطحاوية ص٥٦٥. ٢ راجع صحيح مسلم ٤/٢٢٥٨-٢٢٥٩. ٣ صحيح البخاري ٤/١٤٣. ٤ سورة الزخرف، الآية [٦١] .
[ ٢ / ٤٤٩ ]
لقرب مجيئها؛ لأنه من أشراطها الدالة على قربها"١.
وقد تطرق الأمين -﵀- عند ذكره لنزول عيسى ﵇ إلى شبهة يعتقدها من لا تحقيق عندهم بزعمهم أنّ عيسى قد توفي٢، مثل اعتقاد ضلال اليهود والنصارى. ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ ٣، وبقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ ٤. وقد رد -﵀- هذا الفهم، وبين أنه لا دلالة في الآيتين على أن عيسى ﵇ قد توفي.
وقد استعان الشيخ الأمين –﵀-، في ردّ مفهومهم بعلوم اللغة أثناء تفسيره لهاتين الآيتين، وذكر اختلاف أهل الأصول في الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية. وقد أطال -﵀- في تقرير ذلك.
وخلاصة كلامه -﵀- أنه جعل لقوله تعالى: ﴿إني متوفيك﴾ أربعة توجيهات للمراد بالوفاة، كلها تنفي مزاعم من قال بوفاته ﵇، وقد بين هذه التوجيهات بقوله: "الأول: إنّ قوله تعالى: ﴿متوفيك﴾ لايدلّ على تعيين الوقت، ولايدلّ على كونه قد مضى. وهو متوفيه قطعًا يومًا ما، ولكن لا دليل على أنّ ذلك اليوم قد مضى. وأما عطفه: ﴿ورافعك إليّ﴾ على قوله: ﴿متوفيك﴾ فلا دليل فيه؛ لإطباق جمهور أهل اللسان العربي على أنّ الواو لاتقتضي الترتيب ولا الجمع، وإنما تقتضي مطلق التشريك"٥.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٢٦٣. ٢ انظر كلام الشيخ محمد عبده في تفسير المنار ٣/٣١٦-٣١٧، والشيخ محمود شلتوت في الفتاوى ص٥٩-٨٢؛ حيث أنكرا رفع عيسى ببدنه، ونزوله في آخر الزمان، وقالا عن الأحاديث: إنها أحاديث آحاد. ٣ سورة آل عمران، الآية [٥٥] . . ٤ سورة المائدة، الآية [١١٧] . ٥ دفع إيهام الاضطراب –الملحق بالأضواء ١٠/٥١-.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
ثمّ ذكر -﵀- التوجيه الثاني والثالث، فقال: "إنّ معنى "متوفيك" أي مُنيمك. ورافعك إليّ: أي في تلك النومة. وقد جاء في القرآن إطلاق الوفاة على النوم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ ١، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ ٢، وعزا ابن كثير هذا القول للأكثرين، واستدلّ بالآيتين المذكورتين٣.
الوجه الثالث: أنّ متوفيك، اسم فاعل توفاه، إذا قبضه وحازه إليه، ومنه قولهم: توفى فلان دينه، إذا قبضه إليه. فيكون معنى (متوفيك) على هذا: قابضك منهم إليّ حيا. وهذا القول هو اختيار ابن جرير٤. وأما الجمع بأنه توفاه ساعات أو أيامًا، ثمّ أحياه، فالظاهر أنه من الإسرائيليات. وقد نهى ﷺ عن تصديقها وتكذيبها٥.
ثمّ قال -﵀-: "وأما الوجه الرابع من الأوجه المذكورة سابقًا: أن الذين زعموا أنّ عيسى قد مات، قالوا: إنه لا سبب لذلك الموت، إلا أنّ اليهود قتلوه وصلبوه. فإذا تحقق نفي هذا السبب وقطعهم أنه لم يمت بسبب غيره تحققنا أنه لم يمت أصلًا. وذلك السبب الذي زعموه منفيّ يقينًا بلا شك؛ لأنّ الله جلّ وعلا قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ ٧. وضمير رفعه ظاهر في رفع الجسم والروح معًا كما لا يخفى"٨.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [٦٠] . ٢ سورة الزمر، الآية [٤٢] . ٣ تفسير ابن كثير ١/٣٦٦. ٤ تفسير الطبري ٣/٢٩١. ٥ دفع إيهام الاضطراب –الملحق بالأضواء- ١٠/٥١-٥٢. ٦ سورة النساء، الآية [١٥٧] . ٧ سورة النساء، الآيتان [١٥٧-١٥٨] . ٨ أضواء البيان ٧/٢٧٣.
[ ٢ / ٤٥١ ]
أما الآية الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾: فقد نفى الشيخ الأمين -﵀- دلالتها على موت عيسى ﵇ من وجهين، فقال -﵀-:
"الأول منهما: أنّ عيسى يقول ذلك يوم القيامة، ولاشك أنه يموت قبل يوم القيامة؛ فإخباره يوم القيامة بموته لايدلّ على أنه الآن قد مات كما لا يخفى.
والثاني منهما: أنّ ظاهر الآية أنه توفي رفع وقبض للروح والجسد، لا توفي الموت. وإيضاح ذلك: أنّ مقابلته لذلك التوفي بالديمومة فيهم، في قوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ الآية١ تدل على ذلك؛ لأنه لو كان توفي موتًا لقال: ما دمت حيًا، فلما توفيتني؛ لأنّ الذي يقابل بالموت هو الحياة؛ كما في قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ ٢. أما التوفي المقابل بالديمومة فيهم فالظاهر أنه توفي انتقال عنهم إلى موضع آخر. وغاية ما في ذلك هو حمل اللفظ على حقيقته اللغوية مع قرينة صارفة عن قصد العرفية. وهذا لا إشكال فيه"٣.
وفي الختام، يقول -﵀-: "والحاصل أن القرآن العظيم على التفسير الصحيح، والسنة المتواترة عن النبيّ ﷺ كلاهما دالّ على أنّ عيسى حيّ، وأنه سينزل في آخر الزمان، وأنّ نزوله من علامات الساعة، وأنّ معتمد الذين زعموا أنهم قتلوه، ومن تبعهم هو: إلقاء شبهه على غيره، واعتقادهم الكاذب أنّ ذلك المقتول الذي هو شبه بعيسى هو عيسى"٤.
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية [١١٧] . ٢ سورة مريم، الآية [٣١] . ٣ أضواء البيان ٧/٢٧١-٢٧٢. وانظر المصدر نفسه ١/٣٤٢. ٧/٢٦٣-٢٧٥. ودفع إيهام الاضطراب –الملحق بالأضواء ١٠/٥٠-٥٢. ٤ أضواء البيان ٧/٢٧٣.
[ ٢ / ٤٥٢ ]
فالشيخ -﵀- يأبى المسلك الذي يصادم التفسير الصحيح والسنة المتواترة.
وما ذهب إليه الشيخ -﵀- هو مذهب أساطين أئمة المفسرين؛ كالطبري١، والقرطبي٢، وابن تيمية٣، وابن كثير٤.
_________________
(١) ١ انظر تفسير الطبري ٣/٢٩١. ٢ انظر تفسير القرطبي ٤/٦٥. ٣ انظر فتاوى شيخ الإسلام ٤/٣٢٢-٣٢٣. ٤ انظر تفسير ابن كثير ١/٣٦٦-٣٦٧.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
المطلب الثالث: خروج يأجوج ومأجوج
خروج يأجوج ومأجوج من علامات الساعة الكبرى.
وقد دلّ على خروجهم الكتاب والسنة؛ فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ ٢.
وأما من السنة فما روته زينب بنت جحش، ﵂: أنّ رسول الله ﷺ دخل عليها فزعًا يقول: "لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه "، وحلق بأصبعيه، الإبهام والتي تليها. قالت زينب بنت جحش: فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟.قال: "نعم إذا كثر الخبث" ٣.
ومنها حديث حذيفة بن أسيد الغفاري، ﵁، قال: اطلع النبيّ ﷺ علينا ونحن نتذاكر، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة. قال: "إنها لن تقوم حتى تروا قبلها عشر آيات "، فذكر: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية [٩٦] . ٢ سورة الكهف، الآية [٩٢-٩٤] . ٣ صحيح البخاري ٤/١٠٩. وصحيح مسلم ٤/٢٢٠٧.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
عيسى ﵇، ويأجوج ومأجوج، وثلاث خسوف؛ خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم"١.
وقد سلك الشيخ الأمين -﵀- مسلك السلف في الإيمان بهذه العلامة التي تكون في آخر الزمان دليلًا على قرب قيام الساعة؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ ٢: "إنّ هذه الآية الكريمة، وآية الأنبياء قد دلتا في الجملة على أنّ السدّ الذي بناه ذو القرنين دون يأجوج ومأجوج إنما يجعله الله دكًا عند مجيء الوقت الموعود بذلك فيه، وقد دلتا على أنه بقرب يوم القيامة؛ لأنه قال هنا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ ٣"٤.
ثمّ تعرض -﵀- إلى زعم المعاصرين أنّ يأجوج ومأجوج هم روسية، وأنّ السدّ فتح منذ زمن طويل٥، فردّ هذا القول وفنّده لمصادمته للنصوص الصريحة، وحكى شبهتهم وبين تفاهتها؛ فقال -﵀-:
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٤/٢٢٢٥-٢٢٢٦. ٢ سورة الكهف، الآية [٩٨] . ٣ سورة الكهف، الآيتان [٩٨-٩٩] . ٤ أضواء البيان ٤/١٨١. ٥ لم أجد من ذكر أنهم روسية، إلا أنّ الشيخ سيد قطب -﵀- يرى (في كتابه ظلال القرآن ٤/٢٢٩٤) من باب الترجيح لا من باب اليقين أنّ يأجوج ومأجوج هم التتار الذين دمروا الخلافة العباسية وأفسدوا في الأرض. وللشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀- رسالة مطبوعة ضمن كتاب الصين، جمع/الشيخ عبد العزيز المسند ص٧٧، أثبت فيها أنّ يأجوج ومأجوج هم دول الكفر الموجودة الآن من الروس وغيرهم من أمم الكفر، لكنه -﵀- يرى في تفسيره (تيسير الكريم الرحمن ٥/٢٦٣) أنهم أمة تخرج في آخر الزمان، وأنّ السدّ باق إلى الآن. وقد أثبت د/عبد الرزاق العباد في رسالته "الشيخ عبد الرحمن بن سعدي وجهوده في العقيدة" (ص٥٥) أن التفسير آخر مؤلفات الشيخ السعدي، فلعله رجع عن قوله هذا.
[ ٢ / ٤٥٥ ]
"فإذا قيل: إنما تدلّ الآيات المذكورة في الكهف والأنبياء على مطلق اقتراب يوم القيامة؛ من دكّ السدّ واقترابه من يوم القيامة، لا ينافي كونه قد وقع بالفعل، كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الآية١. وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ ٢، وقال النّبي ﷺ: "ويل للعرب من شرّ قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه –وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها " الحديث٣ فقد دلّ القرآن والسنة الصحيحة على أنّ اقتراب ما ذكر لا يستلزم اقترانه به، بل يصح اقترابه مع مهلة، فلا ينافي دكّ السدّ الماضي المزعوم الاقتراب من يوم القيامة، فلا يكون في الآيات المذكورة دليل على أنه لم يدكّ السدّ إلى الآن"٤.
وقد أجاب -﵀- على هذه الشبهة، فقال: "فالجواب ما قدمنا أنّ هذا البيان بهذه الآيات ليس وافيًا بتمام الإيضاح إلا بضميمة السنة له، ولذلك ذكرنا أننا نتمم مثله من السنة لأنها مبينة للقرآن"٥.
ثمّ ساق -﵀- حديث النواس بن سمعان ﵁ الطويل، المرفوع إلى رسول الله ﷺ، وفيه: "فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أن قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحرز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كلّ حدب ينسلون، فيمرّ أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمرّ آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء. ويحصر نبيّ الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم. فيرغب نبيّ
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية [١] . ٢ سورة القمر، الآية [١] . ٣ سبق تخريجه. ٤ أضواء البيان ٤/١٨٢-١٨٣. ٥ المصدر نفسه ٤/١٨٣.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
الله عيسى وأصحابه، فيرسل الله عليهم النغف١في رقابهم فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. ثمّ يهبط نبيّ الله عيسى وأصحابه إلى الأرض، فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم، فيرغب نبيّ الله عيسى وأصحابه إلى الله، فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت٢فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله، ثمّ يرسل الله مطرًا لا يكنّ منه بيت مدر٣ولا وبر٤، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلفة٥، ثمّ يقال للأرض: أنبتي ثمرتك، وردي بركتك." ٦٧.
ثم عقب -﵀- على هذا الحديث بقوله: "وهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النبي ﷺ بأن الله يوحي إلى عيسى بن مريم خروج يأجوج ومأجوج بعد قتله الدجال.
فمن يدعي لأنهم روسية، وأن السد قد اندك منذ زمان فهو مخالف لما أخبر به النبي ﷺ مخالفة صريحة لا وجه لها. ولا شك أن كل خبر ناقض خبر الصادق المصدوق ﷺ، فهو باطل، لأن نقيض الخبر الصادق كاذب ضرورة كما هو معلوم. ولم يثبت في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ شيء يعارض هذا الحديث
_________________
(١) ١ النغف عند العرب: ديدان تولد في أجواف الحيوان من الناس وغيرهم. وفي أنوف الإبل والغنم. (انظر تهذيب اللغة ٨/١٤٦) . ٢ البخت: معرب، وهو الإبل الخراسانية، تنتج بين الإبل العربيةوالفالج. (انظر تهذيب اللغة ٧/٣١٢) . ٣ المدر: قطع الطيب اليابس. ومنه سميت القرية المبنية بالطين واللبن: المدرة. (انظر تهذيب اللغة ١٤/٢٢١-٢٢٢) . ٤ الوبر: الوبر صوف الإبل والأرنب وما أشبهها. (انظر تهذيب اللغة ١٥/٢٦٤) . ٥ الزلف: وجه المرآة. ويقال: البركة تطفح مثل الزلف. وقيل: الصحفة، وقيل: الروضة. (انظر تهذيب اللغة ١٣/٢١٢) . ٦ أخرجه مسلم ٤/٢٢٥٣-٢٢٥٤. ٧ أضواء البيان ٤/١٨٣.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
الذي رأيت صحة سنده، ووضوح دلالته على المقصود"١.
ثم ذكر الشيخ الأمين –﵀- شبهة عقلية توصلوا بها إلى نفي وجود يأجوج وراء السد إلى الآن، وهي زعمهم أنه لو كانوا وراء السد الآن لاطلع عليهم الناس، لتطور وسائل المواصلات، لكن لما لم يطلع عليهم أحد فليسوا وراء السد. وبذلك نفوا وجودهم.
وقد نقض الشيخ الأمين –﵀- هذه الشبهة العقلية، وردّ عليها، فقال: "فقولكم: لو كانوا موجودين وراء السدّ إلى الآن لاطلع عليهم الناس. غير صحيح؛ لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس. ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره الله تعالى في سورة المائدة من أنه جعل بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة، وذلك في قوله: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ﴾ الآية٢؛ وهم في فراسخ قليلة من الأرض يمشون ليلهم ونهارهم، ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه؛ لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق. وعلى كلّ حال فربك فعّال لما يريد، وأخبار رسوله ﷺ الثابتة عنه صادقة."٣.
فالشيخ -﵀-، لا يرضى هذا القول الذي يمسّ العقيدة ويصادمها، والذي ينبني على أدلة باطلة وتوهمات فاسدة، بل يقف -﵀- أمامه فيكشف عواره، ويرده بالحجج القوية والبراهين الناصعة ليحصل الاطمئنان إلى المعتقد الصحيح، وليزهق الباطل وينتصر الحقّ.
وما ذكره الشيخ الأمين –﵀- في يأجوج ومأجوج، ووضحه بأسلوبه القويّ المقنع، وفنّد أقوال أصحاب التأويلات الفاسدة في هذا
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٤/١٨٥. ٢ سورة المائدة، الآية [٢٦] . ٣ أضواء البيان ٤/١٨٦.
[ ٢ / ٤٥٨ ]
الباب، كلّ ذلك من الأدلة علىاقتفائه أثر سلف هذه الأمة ﵏ الذين وضحوا هذا المعتقد أيما إيضاح، وردوا على المخالفين لهذه العقيدة المبنية على الكتاب والسنة.
فهذا ابن قدامة -﵀- يقول: "ويجب الإيمان بكلّ ما أخبر به النبيّ ﷺ، وصحّ به النقل عنه فيما شاهدناه أو غاب عنا؛ نعلم أنه حقّ وصدق. وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه؛ مثل حديث الإسراء والمعراج، ومن ذلك أشراط الساعة؛ مثل خروج الدجال، ونزول عيسى بن مريم ﵇ فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وأشباه ذلك مما صحّ به النقل"١.
وقال شارح الطحاوية: "وأحاديث الدجال، وعيسى بن مريم ﵇ ينزل من السماء ويقتله، ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه بعد قتله الدجال فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة ببركة دعائه عليهم، يضيق هذا المختصر عن بسطها"٢.
_________________
(١) ١ لمعة الاعتقاد ص ٢٤، ٢٥، ٢٦. ٢ شرح الطحاوية ص٥٦٥.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
المبحث الثاني: القبر
المطلب الأول: عذاب القبر
المبحث الثاني: القبر
تمهيد:
من عقيدة أهل السنة والجماعة: الإيمان بعذاب القبر ونعيمه، وأنه إما حفرة من حفر النار، أو روضة من رياض الجنة.
دلّ على ذلك قوله ﷺ: "إنّ القبر أول منازل الآخرة؛ فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج فما بعده أشدّ منه " ١.
قال تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ٢، وقال جل وعلا: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ٣، وقال: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ٤.
ومن الأحاديث الدالة على عذاب القبر: حديث أنس بن مالك ﵁، قال: قال نبيّ الله ﷺ: "إنّ العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، إنه ليسمع قرع نعالهم. قال: يأتيه ملكان فيقعدان، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ قال: فأما المؤمن، فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. قال: فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة ". قال نبيّ الله صلى الله عليه
_________________
(١) ١ رواه الترمذي في سننه ٤/٥٥٣، وقال: "حديث حسن غريب". وحسنه الألباني (انظر: صحيح الجامع ١/٣٤٧، رقم ١٦٨٤) . ٢ سورة غافر، الآيتان [٤٥-٤٦] . ٣ سورة السجدة، الآية [٢١] . ٤ سورة إبراهيم، الآية [٢٧] .
[ ٢ / ٤٦٠ ]
وسلم: " فيراهما جميعًا "١.
وقد تعرض الشيخ الأمين -﵀- لعدة مسائل في هذا الباب، ولبيان هذه المسائل قسمت هذا المبحث إلى مطالب.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الصحيح ٢/١٠٢. ومسلم في الصحيح ٤/٢٢٠٠-٢٢٠١، واللفظ له.
[ ٢ / ٤٦١ ]
المطلب الأول: عذاب القبر
ذكر الشيخ الأمين -﵀- أنّ عذاب القبر حقّ لا مرية فيه، فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ ١: "الظاهر أنّ قوله: ﴿عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ﴾ هو ما عذبوا به في دار الدنيا من القتل وغيره، كما دلّ على ذلك قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأكْبَر﴾ الآية٢، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ ٣، إلى غير ذلك من الآيات. لا مانع من دخول عذاب القبر في ذلك لأنه قد يدخل في ظاهر الآية. وما قيل في معنى الآية غير هذا لا يتجه عندي، والعلم عند الله تعالى"٤.
هل يعذب الميّت ببكاء أهله عليه؟
تناول الشيخ الأمين -﵀- مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه؛ كما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ: "إنّ الميت ليعذب ببكاء أهله عليه "٥، وفي رواية: " الميت يعذب في قبره بما نيح عليه "٦.
وبين -﵀- عدم معارضته، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ٧؛ إذ قد يظنّ من لا يعلم أن تعذيب الميت ببكاء الحيّ عليه من مؤاخذة العبد بذنب غيره، وليس الأمر كذلك.
وقد أجاب عن هذه المسألة بجوابين، فقال -﵀-: "الأول: أن يكون
_________________
(١) ١ سورة الطور، الآية [٤٧] . ٢ سورة السجدة، الآية [٢١] . ٣ سورة التوبة، الآية [١٤] . ٤ أضواء البيان ٧/٦٩٥. وانظر المصدر نفسه ٤/٥٤٨، ٥٥١، ٧/٩٠. ٥ صحيح البخاري ٢/٨٠. ٦ صحيح البخاري ٢/٨٢. ٧ سورة الإسراء، الآية [١٥] .
[ ٢ / ٤٦٢ ]
الميت أوصى بالنوح عليه؛ كما قال طرفة بن العبد في معلقته:
إذا متّ فانعيني بما أنا أهله
وشقي عليّ الجيب يا ابنة معبد
لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه، فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر، وذلك من فعله لا فعل غيره. الثاني: أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه؛ لأنّ إهماله نهيهم تفريط منه ومخالفة لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارا﴾ ١. فتعذيبه إذن بسبب تفريطه وتركه ما أمر به من قوله: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. وهذا ظاهر كما ترى" ٢.
قال عبد الله بن المبارك: "إذا كان ينهاهم في حياته ففعلوا شيئًا من ذلك بعد وفاته لم يكن عليه شيء. والعذاب عندهم يعني العقاب"٣.
هذا عن كلام الشيخ الأمين -﵀- عن عذاب القبر، أما نعيم القبر: فلم أجد له -﵀- كلامًا في ذلك؛ إذ من دأبه -﵀- أنه يفسر القرآن بالقرآن، ولم تأت مناسبة يتحدث فيها عن نعيم القبر.
ويكفي في إثبات عذاب القبر ونعيمه قوله ﷺ: " إنّ أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي؛ إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار، فمن أهل النار فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله إلى يوم القيامة "٤.
_________________
(١) ١ سورة التحريم، الآية [٦] . ٢ أضواء البيان ٣/٤٧٠-٤٧١ وللقرطبي كلام حول هذا المعنى. (انظر الجامع لأحكام القرآن ١٠/١٥١) . ٣ انظر أحكام الجنائز للألباني ص٢٩، فقد ذكر قولين في المراد بالتعذيب، الأول: بمعنى التألم والحزن، والثاني: بمعنى العقاب. وهو القول الراجح، وعليه جمهور العلماء. ٤ أخرجه البخاري في الصحيح ٢/١٠٣. ومسلم في الصحيح ٤/٢١٩٩.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
المطلب الثاني: سماع الموتى
سماع الموتى من المسائل الخلافية بين العلماء، فمنهم من يرى أنّ الأصل أنّ الموتى لا يسمعون؛ ويستثنون ما ورد فيه النصّ، مثل حديث خفق نعال المشيعين بعد الدفن، وسماع أهل القليب يوم بدر لنداء الرسول ﷺ، وخطابه لهم؛ فهو سماع مخصوص ببعض الأحوال.
وقال أصحاب هذا القول: إنّ هذه قضايا جزئية لا تُشكّل قاعدة كلية يعارض بها الأصل المذكور١.
ومن العلماء من يرى أنّ الموتى يسمعون كلام من كلمهم، وأنهم يسمعون سلام الأحياء وخطابهم. ويرون أنّ هذا السماع غير مخصوص بوقت معين، ولا بإنسان بعينه٢.
وقد استدلّ الفريق الأول بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٣، وبقوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ٤.
واستدلّ المجيزون بحديث أهل القليب، وحديث قرع النعال، وقالوا: إنه غير مخصوص بأحد، ولا بوقت؛ إذ لا دليل على التخصيص.
وأجابوا عن الآيتين: أنّ المراد بالموتى هنا: الأشقياء الذين لا يسمعون
_________________
(١) ١ انظر مقدمة تحقيق كتاب الآيات البينات ص٤٠-٤١ للآلوسي تحقيق الشيخ الألباني. ٢ انظر: المصدر نفسه ص٣٧. وتفسير القرطبي ١٣/١٥٤ –وهو الراجح عنده- وأهوال القبور لابن رجب ص٧٦-٧٧. وأضواء البيان ٦/٤٢١-٤٣٩. ٣ سورة فاطر، الآية [٢٢] . ٤ سورة النمل، الآية [٨٠] .
[ ٢ / ٤٦٤ ]
الحقّ سماع هدى وقبول١.
وقد استطرد الشيخ الأمين -﵀- في بيان هذه المسألة، والخلاف الذي وقع فيها، ورجح سماع الأموات لكلام الأحياء وخطابهم، واستدلّ على ذلك بحديث القليب، وحديث خفق النعال، وقال: إنه غير مخصوص بوقت، ولا بإنسان ومما قاله -﵀-: "اعلم أنّ الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أنّ الموتى في قبورهم يسمعون كلام من كلمهم، وأنّ قول عائشة ﵂، ومن تبعها: إنهم لا يسمعون، استدلالًا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ٢، وما جاء بمعناها من الآيات: غلط منها، وممن تبعها. وإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك مبنيّ على مقدمتين:
الأولى منهما: أنّ سماع الموتى ثبت عن النبي ﷺ في أحاديث متعددة ثبوتًا لامطعن فيه، ولم يذكر ﷺ، أنّ ذلك خاصّ بإنسان ولابوقت.
والمقدمة الثانية: هي أن النصوص الصحيحة عنه ﷺ في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنة شيء يخالفها، وتأويل عائشة ﵂ بعض الآيات على معنى يخالف الأحاديث المذكورة: لا يجب الرجوع إليه؛ لأنّ غيره في معنى الآيات أولى بالصواب منه، فلا تردّ النصوص الصحيحة عن النبيّ ﷺ بتأويل بعض الصحابة بعض الآيات"٣.
_________________
(١) ١ انظر: أضواء البيان ٦/٤١٦-٤٢١. ٢ سورة النمل، الآية [٨٠] . ٣ أضواء البيان ٦/٤٢١.
[ ٢ / ٤٦٥ ]
وساق الشيخ -﵀- أدلة للمقدمة الأولى: منها حديث أهل القليب، الذي رواه أبو طلحة ﵁، وفيه: " حتى قام على شفة الركى، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله ﷺ ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم "، قال قتادة: أحياهم الله له حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة وندامة١.
وقد عقب الشيخ الأمين -﵀- على هذا الحديث بقوله: (فهذا الحديث الصحيح أقسم فيه النبيّ ﷺ أنّ الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع لما يقول ﷺ من الموتى بعد ثلاث. وهو نصّ صحيح في سماع الموتى، ولم يذكر ﷺ في ذلك تخصيصا. وكلام قتادة الذي ذكره عنه البخاري اجتهاد منه فيما يظهر) ٢.
وقد ذكر الأمين -﵀- أيضًا حديث القليب من رواية عمر ابن الخطاب٣، وابنه عبد الله٤، وأنس٥، ثمّ ختمه بقوله: (فيها التصريح من النبيّ ﷺ بأنّ الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع من أولئك الموتى لما يقوله ﷺ. وقد أقسم ﷺ على ذلك ولم يذكر تخصيصا) ٦.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الصحيح ٥/٨-٩. ٢ أضواء البيان ٦/٤٢٢. ٣ انظر صحيح مسلم ٤/٢٢٠٢. ٤ انظر صحيح البخاري ٢/١٠١، ٥/٩. ٥ انظر صحيح مسلم ٤/٢٢٠٣. ٦ أضواء البيان ٦/٤٢٢.
[ ٢ / ٤٦٦ ]
واستدلّ الشيخ الأمين أيضًا بما رواه البخاري عن أنس ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان فأقعداه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؛ محمد ﷺ؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا في الجنة" الحديث١.
وعقب عليه الشيخ -﵀- بقوله: "وقد رأيت في هذا الحديث الصحيح تصريح النبيّ ﷺ بأنّ الميت في قبره يسمع قرع نعال من دفنوه إذا رجعوا، وهو نصّ صحيح صريح في سماع الموتى، ولم يذكر ﷺ فيه تخصيصًا) ٢.
وذكر حديث أنس هذا من طريق مسلم٣.
ومن الأحاديث التي استدلّ بها -﵀- على سماع المقبورين حديث عائشة ﵂، أنها قالت: كان النبيّ ﷺ كلما كان ليلتها من رسول الله ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع، فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، وإن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" ٤.
ثمّ ذكر الشيخ -﵀- لهذا الحديث شواهد أخرى، وعقب عليها بقوله: "وخطابه ﷺ لأهل القبور بقوله: "السلام عليكم"، وقوله: "إنا إن شاء الله بكم"، ونحو ذلك يدلّ دلالة واضحة على أنهم يسمعون سلامه؛ لأنهم لو كانوا لا يسمعون سلامه وكلامه لكان خطابه لهم من جنس خطاب المعدوم. ولاشك أنّ ذلك ليس من شأن
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الصحيح ٢/١٠٢. بألفاظ متقاربة. ٢ أضواء البيان ٦/٤٢٢. ٣ انظر صحيح مسلم ٤/٢٢٠٠-٢٢٠١. ٤ انظر صحيح مسلم ٢/٦٦٩.
[ ٢ / ٤٦٧ ]
العقلاء، فمن البعيد جدا صدوره منه ﷺ "١.
وقد ختم الشيخ -﵀- هذا المبحث بقوله: "إنّ الذي يرجحه أن الموتى يسمعون سلام الأحياء وخطابهم، سواء قلنا: إنّ الله يردّ عليهم أرواحهم حتى يسمعوا الخطاب ويردوا الجواب، أو قلنا: إنّ الأرواح أيضا تسمع وتردّ بعد فناء الأجسام"٢.
وهذه المسألة –كما مرّ- خلافية، ولكلّ أدلته. وللشيخ الأمين ﵀ سلف فيما ذهب إليه فكثير من العلماء قالوا بسماع الموتى، بل لقد قال ابن عبد البر: "إنّ الأكثرين على ذلك"،وهو اختيار ابن جرير الطبري٣، والقرطبي٤وابن كثير٥وابن القيم٦وابن رجب٧ ﵏.
ومن العلماء من خصص السماع بما ورد السمع بسماعه، وهو اختيار الشوكاني٨، والألوسي٩، والألباني١٠.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٦/٤٢٦. ٢ أضواء البيان ٦/٤٣٨-٤٣٩. ٣ انظر روح المعاني ٢١/٥٥. ٤ الجامع لأحكام القرآن ١٣/١٥٤. ٥ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٣٨. ٦ الروح ص١٠، ٢٠، ٢١. زاد المعاد ٣/٦٨٥. ٧ أهوال القبور ص٧٦-٨١. وابن رجب: هو الحافظ عبد الرحمن بن الحسن بن محمد بن أبي البركات مسعود البغدادي ثم الدمشقي. محدث حافظ فقيه. ولد في بغداد سنة (٧٠٦)، وتوفي بدمشق سنة (٧٩٥هـ) . (انظر: شذرات الذهب ٦/٣٣٩. ومعجم المؤلفين ٥/١١٨) . ٨ فتح القدير ٤/١٥١. والشوكاني: هو العلامة محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليماني الصنعاني. ولد عام (١١٧٣هـ) بهجرة شوكان باليمن، ونشأ في صنعاء، وتوفي فيها عام (١٢٥٠؟) وكان عالمًا بالتفسير والحديث والفقه. (انظر: الأعلام ٦/٢٩٨) . ٩ روح المعاني ٢١/٥٨. والألوسي: هو شهاب الدين أبو الثناء محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي. ولد في بغداد سنة (١٢١٧هـ)، وتوفي سنة (١٢٧٠هـ) . (انظر: التفسير والمفسرون ١/٣٥٢. والأعلام ٧/١٧٦) . ١٠ مقدمة تحقيق الآيات البينات ص٤٠. والألباني: هو أبو عبد الرحمن محمد بن ناصر الدين بن نوح الألباني. من كبار المحدثين في هذا العصر. ولد في مدينة أشقودرة في ألبانيا سنة (١٣٣٣هـ) ثم انتقلت عائلته إلى بلاد الشام (انظر: علماؤنا ص٤٠-٤٣) .
[ ٢ / ٤٦٨ ]
ولشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كلام وسط بين القولين: وهو أنّ الميت يسمع سماعا لايفيده؛ فقد قال -﵀-: فإنّ قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ١ إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه؛ فإنّ هذا مثل ضرب للكفار، والكفار تسمع الصوت، لكن لا تسمع سماع قبول بفقه واتباع، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاّ دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ ٢، فهكذا الموتى الذين ضرب لهم المثل لا يجب أن ينفي عنهم جميع السماع المعتاد أنواع السماع كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا ينفى عنهم"٣. وما قاله شيخ الإسلام -﵀- هو الراجح فهم لا يستفيدون بهذا السماع٤.
والعجيب أنّ الشيخ الأمين -﵀- نقل كلام شيخ الإسلام هذا ضمن أدلته على سماع الموتى، ثمّ بنى عليه حكما فقهيا، وهو ترجيحه جواز تلقين الميت٥ مع أنّ كلام ابن تيمية -﵀- يقول بأنّ الميت يسمع سماعا لايفيده، وقد سئل شيخ الإسلام -﵀- عن تلقين الميت في قبره بعد الفراغ من دفنه: هل صحّ فيه حديث عن النبيّ ﷺ، أو عن صحابته..؟ فأجاب -﵀-: "هذا التلقين المذكور قد نقل عن طائفة
_________________
(١) ١ سورة النمل، الآية [٨٠] . ٢ سورة البقرة، الآية [١٧١] . ٣ الفتاوى ٤/٢٩٨. ٤ ومما يؤيد ذلك أيضا ما ذهب إليه ابن أبي العز الحنفي -﵀- شارح الطحاوية قال: (ومن قال إن الميت ينتفع بقراءة القرآن عنده باعتبار سماعه كلام الله فهذا لم يصح عن أحد في الأئمة المشهورين ولاشك في سماعه ولكن انتفاعه بالسماع لايصح فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة فإنه عمل اختياري وقد انقطع بموته بل ربما يتضرر ويتألم لكونه لم يمتثل أوامر الله ونواهيه أو لكونه لم يزدد من الخير) شرح الطحاوية ص٥١٨. ٥ انظر أضواء البيان ٦/٤٣٥-٤٣٧.
[ ٢ / ٤٦٩ ]
من الصحابة أنهم أمروا به؛ كأبي أمامة الباهلي، وغيره. وروي فيه حديث عن النبيّ ﷺ. لكنه مما لا يحكم بصحته، ولم يكن كثير من الصحابة يفعل ذلك..) ١.
وعلى كل: فما رجحه الشيخ الأمين -﵀- من جواز تلقين الميت محلّ نظر؛ لأنّ التلقين بعد الموت من الأشياء التي لم يرد فيها دليل من كتاب أو سنة صحيحة. وهذا من أمور الغيب التي لا تثبت إلا بدليل فالصحيح عدم التلقين لأن الرسول ﷺ كان يقول لأصحابه بعد الدفن " استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل" ولم يثبت عنه أنه لقن ميتا فعلينا بالاتباع وترك الابتداع.
_________________
(١) ١ مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٤/٢٩٦.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
المبحث الثالث: البعث
المطلب الأول: براهين البعث
المبحث الثالث: البعث
تمهيد:
البعث لغة: يقال: بعثه وابتعثه، بمعنى أرسله فانبعث. وقولهم: كنت في بعث فلان: أي في جيشه الذي بُعث معه. والبعوث: الجيوش. وبعثتُ الناقة: أثرتها. وبعثه من منامه: أي أهبّه. وبعث الموتى: نشرهم ليوم البعث١.
قال الشيخ الأمين -﵀-: "والبعث: التحريك من سكون؛ فيشمل بعث النائم والميت وغير ذلك"٢.
والبعث اصطلاحًا: أن يبعث الله تعالى الموتى من القبور بأن يجمع أجزاءهم الأصلية، ويعيد الأرواح إليها٣؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ ٤.
قال الحافظ ابن كثير -﵀-، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٥: (أي يعيدهم بعد ما صاروا في قبورهم رمما، ويوجدهم بعد العدم) ٦.
فالإيمان بالبعث أصل سعادة الفرد والمجتمع: فإنّ الإنسان إذا آمن بأنّ الله تعالى سيبعث الخلق بعد موتهم فيحاسبهم، ويجازيهم على أعمالهم؛
_________________
(١) ١ الصحاح للجوهري ١/٢٧٣. وانظر المفردات للراغب الأصفهاني ص٥١. ٢ أضواء البيان ٤/٢٣. ٣ لوامع الأنوار البهية ٢/١٥٧. ٤ سورة يس، الآية [٧٩] . ٥ سورة الحج، الآية [٧] . ٦ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٠٨.
[ ٢ / ٤٧١ ]
فمن أحسن جوزي بالإحسان، ومن أساء عذب بالنيران، وإذا آمن أنّ الله سيقتصّ من الظالم للمظلوم، حتى من الحيوان؛ فإن دابر الشرّ ينقطع، ويسود الخير في المجتمع، وتعمّ الفضيلة والطمأنينة الكلّ.
لذلك أجمعت عليه الشرائع السماوية، وأنذر به الرسل أممهم١، قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ انظر: فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٤/٢٦٦، ٩/٣٠-٣٣. ٢ سورة الملك، الآيتان [٨-٩] .
[ ٢ / ٤٧٢ ]
المطلب الأول: براهين البعث
ذكر الله ﷾ البراهين على هذا الحدث العظيم بأدلة معنوية وحسية ليرسخ هذا المعتقد في القلوب، فيبعث على العمل والاستمساك بالعروة الوثقى.
وقد تحدث الشيخ الأمين -﵀- عن هذه البراهين في ثنايا تفسيره، فاستنبطها من الآيات الكريمة الدالة على وقوع البعث لامحالة؛ لأنها قول الخالق العظيم الذي لا أحد أصدق منه قيلا، فهي لا تقبل التوقف أو التردد.
ويحسن التنبيه هنا على أنّ بعض براهين البعث قد استشهد به الشيخ الأمين -﵀- على توحيد الألوهية، وقد أشار إلى ذلك عند براهين التوحيد، وذكر أنه أعادها لأهميتها١.
ولا شكّ أنّ هذا ليس بتكرار؛ إذ إنه تناول كلّ قضية من جانب يختلف عن الجانب الذي تناول به القضية الأخرى.
وقد ذكر -﵀- ستة براهين على البعث، وذكر عند كلّ برهان ما يعضده من الآيات على طريقته -﵀- في تفسير القرآن بالقرآن.
_________________
(١) ١ انظر أضواء البيان ٧/٣٣٤.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
البرهان الأول: خلق الناس
استدلّ الشيخ الأمين -﵀- على أنّ من خلق الناس من العدم قادر على إعادتهم بعد فنائهم؛ حيث قال -﵀-: "خلق الناس أولًا المشار إليه بقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ١، لأنّ الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني.
وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآية٢، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ ٣، وكقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة﴾ ٤، وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّة﴾ ٥، وقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾ الآية٦، وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ ٧، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى﴾ ٨. ولذا ذكر تعالى أنّ من أنكر البعث فقد نسي الإيجاد الأول؛ كما في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ الآية٩، وقوله: ﴿وَيَقُولُ الإنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلا يَذْكُرُ الإنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ ١٠.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [٢١] . ٢ سورة الروم، الآية [٢٧] . ٣ سورة الأنبياء، الآية [١٠٤] . ٤ سورة الإسراء، الآية [٥١] . ٥ سورة يس، الآية [٧٩] . ٦ سورة ق، الآية [١٥] . ٧ سورة الحج، الآية [٥] . ٨ سورة الواقعة، الآية [٦٢] . ٩ سورة يس، الآية [٧٨] . ١٠ سورة مريم، الآيتان [٦٦-٦٧] .
[ ٢ / ٤٧٤ ]
ثمّ رتب على ذلك نتيجة الدليل بقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ الآية١ إلى غير ذلك من الآيات"٢.
وقال -﵀- أيضًا: "من خلقهم أولًا من طين، وأصله التراب المبلول، لايشك عاقل في قدرته على خلقهم مرة أخرى بعد أن صاروا ترابًا؛ لأنّ الإعادة لا يعقل أن تكون أصعب من البدء"٣.
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية [٦٨] . ٢ أضواء البيان ١/١١٥-١١٦. ٣ أضواء البيان ٦/٦٧٩. وانظر المصدر نفسه ٣/٢٢٣-٥/٢٦-٢٧، ٧/٣٣٥-٣٣٦، ٧٨٤-٧٨٦.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
البرهان الثاني: خلق المخلوقات التي أكبرها السماوات والأرض
بيَّن الشيخ الأمين -﵀- أنّ من قدر على إيجاد هذه المخلوقات العظيمة فهو قادر على بعث الخلق يوم القيامة، فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ ١: "وجواب الاستفتاء المذكور الذي لا جواب له غيره هو أن يقال: من خلقت يا ربنا من الملائكة ومردة الجنّ والسموات والأرض والمشارق والمغارب والكواكب أشدّ خلقًا منا؛ لأنها مخلوقات عظام أكبر وأعظم منا، فيتضح بذلك البرهان القاطع على قدرته جل وعلا على البعث بعد الموت؛ لأنّ من المعلوم بالضرورة أنّ من خلق الأعظم الأكبر كالسموات والأرض وما ذكر معهما قادر على أن يخلق الأصغر الأقل، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس﴾ ٢؛ أي: ومن قدر على خلق الأكبر فلا شك أنه قادر على أن يخلق الأصغر، كخلق الإنسان خلقًا جديدًا بعد الموت"٣.
ثمّ سرد -﵀- الآيات الدالة على هذا البرهان، فقال: "وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ
_________________
(١) ١ سورة الصافات، الآية [١١] . ٢ سورة غافر، الآية [٥٧] . ٣ أضواء البيان ٦/٦٧٨. ٤ سورة يس، الآية [٨١] .
[ ٢ / ٤٧٦ ]
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ ٢، وقال تعالى في النازعات موضحًا الاستفتاء المذكور في آية الصافات هذه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ ٣"٤.
_________________
(١) ١ سورة الأحقاف، الآية [٣٣] . ٢ سورة الإسراء، الآية [٩٩] . ٣ سورة النازعات، الآيات [٢٧-٣٣] . ٤ أضواء البيان ٦/٦٧٨. وانظر المصدر نفسه ١/١١٦، ٣/٢٢٣، ٧/٣٣٤.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
البرهان الثالث: إحياء الأرض بعد موتها
قال الشيخ الأمين -﵀-: "من أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم؛ لأنّ الجميع أحياء بعد موت.
فمن الآيات الدالة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ ٤.
فقوله: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي نبعثهم من قبورهم أحياء كما أخرجنا تلك الثمرات بعد عدمها، وأحيينا بإخراجها ذلك البلد الميت. وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ ٥ يعني تخرجون من قبوركم أحياء بعد الموت.
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآية [٣٩] . ٢ سورة الحج، الآيات [٥-٧] . ٣ سورة الروم، الآية [٥٠] . ٤ سورة الأعراف، الآية [٥٧] . ٥ سورة الروم، الآية [١٩] .
[ ٢ / ٤٧٨ ]
وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ١. إلى غير ذلك من الآيات"٢.
وعلق -﵀- على هذه البراهين بعد ذكرها بقوله: "فهذه البراهين الثلاثة يكثر جدًا الاستدلال بها على البعث في كتاب الله"٣.
_________________
(١) ١ سورة ق، الآية [١١] . ٢ أضواء البيان ٧/٣٣٦. وانظر المصدر نفسه ١/١١٦، ٣/٢٢٣، ٦/٣٦٧، ٧/٦٤٦، ٧٨٩-٧٩١. ٣ أضواء البيان ٣/٢٢٤.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
البرهان الرابع: إحياء بعض الأموات في الدنيا؛ دليل على إحياء جميع الخلق يوم القيامة
ذكر الشيخ الأمين -﵀- هذا البرهان، وساق له خمسة أدلة من كتاب الله تعالى، أربعة منها فيها ذكر أناس عاشوا بعد الموت؛ فقال -﵀-: "هناك برهان رابع يكثر الاستدلال به على البعثوهو إحياء الله بعض الموتى في دار الدنيا كما تقدمت الإشارة إليه في سورة البقرة؛ لأنّ من أحيا نفسًا واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ ١. وقد ذكر جل وعلا هذا البرهان في سورة البقرة في خمسة مواضع: الأول: قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ٢. الثاني: قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ ٣. الثالث: قوله جل وعلا: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ ٤. الرابع: قوله: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة لقمان، الآية [٢٨] . ٢ سورة البقرة، الآية [٥٦] . ٣ سورة البقرة، الآية [٧٣] . ٤ سورة البقرة، الآية [٢٤٣] . ٥ سورة البقرة، الآية [٢٥٩] .
[ ٢ / ٤٨٠ ]
الخامس: قوله تعالى: ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١"٢.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [٢٦٠] . ٢ أضواء البيان ٣/٢٢٤. وانظر المصدر نفسه ١/١٤١.
[ ٢ / ٤٨١ ]
البرهان الخامس: إخراج النار من الشجر الأخضر
قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ١.
قال الشيخ الأمين -﵀- عند تفسير هذه الآيات: "والجواب الذي لاجواب غيره، أنت يا ربنا هو الذي أنشأت شجرتها، ونحن لا قدرة لنا بذلك. فيقال: كيف تنكرون البعث وأنتم تعلمون أنّ من أنشأ شجرة النار وأخرجها منها قادر على كلّ شيء. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون خلق النار من أدلة البعث جاء موضحًا في (يس) في قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ ٢؛ فقوله في آخر (يس): ﴿توقدون﴾؛ هو معنى قوله في الواقعة: ﴿تورون﴾، وقوله في آية (يس): ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَارًا﴾ بعد قوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ دليل واضح على أنّ خلق النار من أدلة البعث) ٣.
_________________
(١) ١ سورة الواقعة، الآيتان [٧١-٧٢] . ٢ سورة يس، الآيتان [٧٩-٨٠] . ٣ أضواء البيان ٧/٧٩٥.
[ ٢ / ٤٨٢ ]
البرهان السادس: إيلاج الليل بالنهار والنهار بالليل
قال الشيخ الأمين -﵀-: "استدلّ على قدرته على الخلق والبعث، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١"٢.
وهذه البراهين التي استدلّ بها الشيخ الأمين -﵀- على النشأة الثانية أدلة واضحة وصريحة من كتاب الله ﷾.
وقد استدلّ بها غيره من العلماء؛ أمثال الإمام ابن القيم -﵀- حيث أورد أكثرها في كتابه إعلام الموقعين٣. وكذلك الإمام ابن أبي العزّ الحنفي شارح الطحاوية؛ ذكر خمسة منها٤.
_________________
(١) ١ سورة لقمان، الآيتان [٢٩-٣٠] . ٢ أضواء البيان ٥/٧٣٩. ٣ إعلام الموقعين ١/١٤٠-١٤٣. ٤ شرح الطحاوية ص٤٦٠-٤٦٢.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
المطلب الثاني: الحشر
الحشر: هو جمع الناس حفاة، عراة، غرلًا، بهمًا، على صعيد واحد للحساب والجزاء يوم القيامة١.
وقد دلّ الكتاب والسنة على الحشر؛ فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ ٢.
وقال رسول الله ﷺ: "تحشرون حفاة عراة غرلًا"، قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟ فقال: "الأمر أشدّ من أن يهمهم ذاك "٣.
ولقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- الحشر، وكيفيته، وأنواعه؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ ٤: "أي تشقق الأرض عنهم في حال كونهم مسرعين إلى الداعي؛ وهو الملك الذي ينفخ في الصور، ويدعو الناس إلى الحساب والجزاء. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنّ الناس يوم البعث يخرجون من قبورهم مسرعين إلى المحشر قاصدين نحو الداعي، جاء في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ﴾ ٥.
_________________
(١) ١ انظر: لمعة الاعتقاد ص٢٦. وأضواء البيان ٤/١١٢. ٢ سورة الكهف، الآية [٤٧] . ٣ صحيح البخاري ٧/١٩٥. ٤ سورة ق، الآية [٤٤] . ٥ سورة المعارج، الآية [٤٣] .
[ ٢ / ٤٨٤ ]
وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ ١"٢.
وقال أيضًا -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ٣: "أي، والله لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة؛ أي حفاة عراة غرلًا؛ أي غير مختونين. كلّ واحد منكم فرد لا مال معه، ولا ولد، ولا خدم، ولا حشم"٤.
وقد أوضح الشيخ -﵀- أنّ الحشر عام لجميع المخلوقات، حيث قال: "إنّ هذا الحشر المذكور شامل للعقلاء وغيرهم من أجناس المخلوقات، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ ٥"٦.
أقسام المحشورين وكيفية حشرهم:
(١) - حشر المتقين:
قال الشيخ الأمين -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ ٧: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنّ المتقين الذين كانوا يتقونه في دار الدنيا بامتثال أمره واجتناب نهيه يحشرون إليه يوم القيامة في حال كونهم وفدًا والوفد من يأتي إلى الملك مثلًا في أمر له شأن"٨.
_________________
(١) ١ سورة يس، الآية [٥١] . ٢ أضواء البيان ٧/٦٥٥-٦٥٦. ٣ سورة الكهف، الآية [٤٨] . ٤ أضواء البيان ٤/١١٤. وانظر المصدر نفسه ٤/٥١٦. ٥ سورة الأنعام، الآية [٣٨] . ٦ أضواء البيان ٤/١١٢. وانظر المصدر نفسه ٦/٤٣٩. ٧ سورة مريم، الآية [٨٥] . ٨ أضواء البيان ٤/٣٩٠-٣٩١.
[ ٢ / ٤٨٥ ]
ثمّ بين -﵀- كيفية حشرهم، فقال: "وجمهور المفسرين على أنّ معنى قوله: ﴿وفدا﴾؛ أي ركبانًا. وبعض العلماء يقول: هم ركبان على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة، وبعضهم يقول: يحشرون ركبانًا على صور من أعمالهم الصالحة في الدنيا في غاية الحسن وطيب الرائحة - إلى أن قال: وركوبهم المذكور إنما يكون من المحشر إلى الجنة.
أما من القبر، فالظاهر أنهم يحشرون مشاة بدليل حديث ابن عباس الدالّ على أنهم يحشرون حفاة عراة غرلًا. هذا هو الظاهر، وجزم به القرطبي، والعلم عند الله" ١.
(٢) - حشر الكافرين وشياطينهم:
قال الشيخ الأمين -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ ٢: "أقسم جل وعلا بنفسه الكريمة أنه يحشرهم، أي الكافرين المنكرين للبعث، وغيرهم من الناس، ويحشر معهم الشياطين الذين كانوا يضلونهم في الدنيا، وأنه يحضرهم حول جهنم جثيًا.
وهذان الأمران اللذان ذكرهما في الآية الكريمة أشار إليهما في غير هذا الموضع. أما حشره لهم ولشياطينهم، فقد أشار إليه في قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ ٣"٤.
وقال -﵀- أيضًا: "فقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٤/٣٩١-٣٩٢. ٢ سورة مريم، الآية [٦٨] . ٣ سورة الصافات، الآية [٢٣] . ٤ أضواء البيان ٤/٣٤٥.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
وَأَزْوَاجَهُمْ﴾؛ أي: اجمعوا الظالمين وأشباههم ونظراءهم فاهدوهم إلى النار ليدخلها جميعهم. وبذلك نعلم أنّ قول من قال: المراد بأزواجهم: نساؤهم اللاتي على دينهم –خلاف الصواب. وقوله: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، أي: احشروا مع الكفار الشركاء التي كانوا يعبدونها من دون الله ليدخل العابدون والمعبودات جميعًا النار"١.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٦/٦٨١-٦٨٢. وانظر المصدر نفسه ٦/٤٣٩-٤٤٠. ودفع إيهام الاضطراب الملحق بأضواء البيان- ١٠/٢٢٧-٢٢٨.
[ ٢ / ٤٨٧ ]
المبحث الرابع: الميزان
الميزان لغة: اسم للآلة التي توزن بها الأشياء.
والوزن: معرفة قدر الشيء، يقال: وزنته وزنًا وزنة، والمتعارف في الوزن عند العامة: ما يقدر بالقسط والقبان١.
والميزان شرعا: هو ما ينصبه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد؛ ليجازيهم على أعمالهم. وهو ميزان حسي له كفتان ولسان.
وقد دلّ عليه الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٢. وقال ﷺ: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن؛ سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم" ٣. وقال ﷺ عن ساقي عبد الله بن مسعود: "إنهما لفي الميزان أثقل من جبل أحد"٤.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- حقيقة الميزان، وسرد الأدلة على وجوده، وأنه حقّ ثابت. وقد رجح في الأخير أنها موازين عدة لا واحد.
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ٥: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يضع الموازين القسط
_________________
(١) ١ المفردات ص٥٢٢. ٢ سورة الأنبياء، الآية [٤٧] . ٣ أخرجه مسلم ٤/٢٠٧٢. ٤ رواه أحمد في المسند ١/٤٢٠-٤٢١. وقال الألباني في تعليقه على شرح العقيدة الطحاوية (ص٤٧٤): "بسند حسن". ٥ سورة الأنبياء، الآية [٤٧] .
[ ٢ / ٤٨٨ ]
ليوم القيامة، فتوزن أعمالهم وزنًا في غاية العدالة والإنصاف، فلا يظلم الله أحدًا شيئًا، وأنّ عمله من الخير أو الشر وإن كان في غاية القلة والدقة كمثقال حبة من خردل، فإنّ الله يأتي به؛ لأنه لا يخفى عليه شيء، وكفى به جل وعلا حاسبًا لإحاطة علمه بكلّ شيء. وبين في غير هذا الموضع أنّ الموازين عند ذلك الوزن منها ما يخفّ، ومنها ما يثقل، وأنّ من خفت موازينه هلك، ومن ثقلت موازينه نجا"١.
ثمّ سرد -﵀- الآيات الدالة على ذلك من القرآن الكريم كعادته في تفسير القرآن بالقرآن، ورجح -﵀- تعدد الموازين، فقال: "وقوله في هذه الآية: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِين﴾ جمع ميزان. وظاهر القرآن تعدد الموازين لكلّ شخص؛ لقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ ٣: فظاهر القرآن يدلّ على أنّ للعامل الواحد موازين يوزن بكلّ واحد منها صنف من أعماله٤؛ كما قال الشاعر:
ملك تقوم الحادثات لعدله
فلكلّ حادثة لها ميزان
والقاعدة المقررة في الأصول: أنّ ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: "الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة٥"٦.
وأثبت -﵀- أنّ العامل يوزن، واستدلّ بحديث أبي هريرة رضي
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٤/٥٨٣-٥٨٤. ٢ سورة الأعراف، الآية [٨] . ٣ سورة الأعراف، الآية [٩] . ٤ ذكر ذلك الرازي في تفسيره (١٤/٢٩)، وقال: الأظهر إثبات الموازين يوم القيامة، لا ميزان واحد. وقال: فلا يبعد أن تكون لأفعال القلوب ميزان، وللجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان. وذكره القرطبي (انظر الجامع لأحكام القرآن ١١/١٩٤)، ولم يرجحه. ٥ انظر تفسير القرآن العظيم ٣/١٨٠. وهو ما رجحه الحافظ ابن حجر -﵀- (انظر فتح الباري ١٣/٥٤٧) . ٦ أضواء البيان ٤/٥٨٣-٥٨٤.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
الله عنه، عن النبيّ ﷺ: " إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة". وقال اقرؤوا: ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ ١"٢. ثمّ قال -﵀-: "وفيه دلالة على وزن الأشخاص"٣.
ويحسن بنا أن نختم هذا المبحث بأقوال السلف في حقيقة الميزان، وأنه يجب الإيمان به كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة.
قال أبو إسحاق الزجاج٤ -﵀-: "أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأنّ أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأنّ الميزان له لسان، وكفتان، ويميل بالأعمال"٥.
وقال ابن أبي العزّ الحنفي -﵀-: " فثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال، وثبت أنّ الميزان له كفتان. والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات. فعلينا الإيمان بالغيب كما أخبرنا الصادق ﷺ من غير زيادة ولانقصان"٦.
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآية [١٠٥] . ٢ رواه البخاري في الصحيح ٥/٢٣٦. ومسلم في الصحيح ٤/٢١٤٧. ٣ أضواء البيان ٤/١٩٥. ٤ هو إبراهيم بن محمد بن سري بن سهل، أبو إسحاق الزجاج. كان فاضلًا، دينًا، حسن الاعتقاد، عالمًا بالنحو واللغة توفي سنة (٣١١؟) . (انظر: البداية والنهاية ١٣/١٥٩. ومعجم المؤلفين ١/٣٣) . ٥ فتح الباري ١٣/٥٤٨. ٦ شرح الطحاوية ص٤٧٥.
[ ٢ / ٤٩٠ ]
المبحث الخامس: الصراط
الصراط لغةً: قال الشيخ الأمين –﵀-: "الصراط في لغة العرب: الطريق الواضح والمستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ومنه قول جرير:
أمير المؤمنين على صراط
إذ اعوج الموارد مستقيم١.
وأما شرعًا: فهو جسر منصوب على متن جهنم، يمرّ عليه الناس إلى الجنة، فمنهم من يمرّ كالطرف، ومنهم كالريح، ومنهم من يمرّ كشدّ الرجل؛ يرمل رملًا، فيمرون على قدر أعمالهم، حتى يمرّ الذي نوره على إبهام قدمه، ومنهم من يخطف فيلقى في النار، فمن يمرّ على الصراط دخل الجنة٢.
وقد ورد في ذكر الصراط أحاديث منها: قوله ﷺ: " ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها. ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل.
ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم. وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم السعدان؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم ما قدر عظمها إلا الله ﷿، تخطف الناس بأعمالهم، فمنهم الموبق بقي بعمله، أو الموثق بعمله، ومنهم المخردل أو المجازى أو نحوه "٣.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٢٠٣. وانظر: لسان العرب ٧/٣١٣. والمفردات للراغب الأصفهاني ص٢٨٠. ٢ انظر شرح الطحاوية ص٤٦٩-٤٧٠.وفتاوى شيخ الإسلام ٣/١٤٦-١٤٧. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه ٨/١٧٩. وانظر صحيح مسلم ١/١٦٣.
[ ٢ / ٤٩١ ]
والمرور على الصراط هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ١.
وقد اختلف العلماء في المراد بالورود في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ إلى أقوال كثيرة، ذكر الشيخ الأمين –﵀- أربعة منها، فقال:
"الأول: أن المراد بالورود: الدخول ولكنّ الله يصرف أذاها عن عباده المتقين عند ذلك الدخول.
الثاني: أن المراد بورود النار المذكور: الجواز على الصراط؛ لأنه جسر منصوب على متن جهنم.
الثالث: أن الورود المذكور: هو الإشراف عليها والقرب منها.
الرابع: أن حظّ المؤمنين من ذلك هو حرّ الحمى في دار الدنيا٢.
ثمّ استدلّ للقول الأول "أنّ ورود النار جاء في القرآن في آيات متعددة، والمراد في كلّ واحد منها: الدخول. فاستدلّ بذلك ابن عباس على أنّ الورود في الآية التي فيها النزاع هو الدخول؛ لدلالة الآيات الأخرى على ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ ٣؛ قال: فهذا ورود دخول. وكقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٤؛ فهو ورود دخول أيضا. وكقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية [٧١] . ٢ أضواء البيان ٤/٣٤٨. وانظر روح المعاني ١٦/١٢١-١٢٢. وقد ذكر هذه الأقوال: القرطبي، وزادها قولًا خامسًا: إنّ الورود النظر إليها في القبر: فينجي منها الفائز، ويصلاها من قدر عليه دخولها. (الجامع لأحكام القرآن ١١/٩٢) . وذكر ابن رجب الأقوال الأربعة السابقة، إلا أنه ذكر بدل الإشراف عليها والقرب منها الورود خاصّ بالمحضرين حول جهنم. (انظر التخويف من النار ص ٢٠٠) . ٣ سورة هود، الآية [٩٨] . ٤ سورة الأنبياء، الآية [٩٩] . ٥ سورة مريم، الآية [٨٦] .
[ ٢ / ٤٩٢ ]
مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ ١. وبهذا استدلّ ابن عباس على نافع
ابن الأزرق في٢أنّ الورود: الدخول"٣.
ثمّ قال -﵀-: "واحتج من قال بأنّ الورود: الإشراف والمقاربة، بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ﴾ الآية٤، قال: فهذا ورود مقاربة وإشراف عليه. وكذا قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ﴾ الآية٥. ونظيره من كلام العرب: قول زهير بن أبي سلمى في معلقته:
فلما وردن الماء زرقًا جمامه
وضعن عصيّ الحاضر المتخيم٦
قالوا والعرب تقول: وردت القافلة البلد، وإن لم تدخله، ولكن قربت منه. واحتجّ من قال بأنّ الورود في الآية التي نحن بصددها، ليس نفس الدخول، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُون﴾ ٧، قالوا: إبعادهم عنها المذكور في هذه الآية يدلّ على عدم دخولهم فيها، فالورود غير الدخول.
واحتجّ من قال بأنّ ورود النار في الآية بالنسبة للمؤمنين: حرّ الحمى في دار الدنيا بحديث: " الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء" ٨، وهو حديث
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآيتان [٩٨] . ٢ هو نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي البكري الوائلي الحروري. رأس الأزارقة وإليه نسبتهم. كان أمير قومه وفقيههم. من أهل البصرة. قتل في الأهواز يوم دولاب سنة (٦٥هـ) . (انظر: الأعلام ٧/٣٥١-٣٥٢) . ٣ أضواء البيان ٤/٣٤٩. ٤ سورة القصص، الآية [٢٣] . ٥ سورة يوسف، الآية [١٩] . ٦ انظر شرح المعلقات العشر ص٥٨. ٧ سورة الأنبياء، الآية [١٠١-١٠٢] . ٨ أخرجه البخاري ٤/٨٩-٩٠، ومسلم ٤/١٧٣١-١٧٣٢: من حديث ابن عباس، وعائشة، وابن عمر. والبخاري ٤/٨٩-٩٠، ومسلم ٤/١٧٣٣: من حديث رافع بن خديج بلفظ: "الحمى من فور جهنم فأبردوها عنكم بالماء ". ومسلم ٤/١٧٣٣: من حديث أسماء.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
متفق عليه من حديث عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، وابن عمر، ورافع بن خديج ﵃.
رواه البخاري أيضًا مرفوعًا عن ابن عباس١.
ثمّ نصر -﵀- القول الأول؛ القائل بأنّ الورود بمعنى الدخول، واستدلّ على ذلك بأربعة أدلة؛ فقال:
الأول: ما ذكره ابن عباس ﵄ من أنّ جميع ما في القرآن من ورود النار؛ معناه دخولها، غير محلّ النزاع، فدلّ ذلك على أنّ محلّ النزاع كذلك، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.
الدليل الثاني: هو أن في نفس الآية قرينة دالة على ذلك؛ وهي أنه تعالى لما خاطب جميع الناس بأنهم سيردون النار برهم وفاجرهم بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ٢، بين مصيرهم ومآلهم بعد ذلك الورود المذكوربقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾ ٣أي نترك الظالمين فيها دليل على أنّ ورودهم لها: دخولهم فيها، إذ لو لم يدخلوها لم يقل: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾، بل يقول: وندخل الظالمين، وهذا واضح كما ترى، وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ دليل على أنهم وقعوا فيما من شأنه أنه هلكة، ولذا عطف على قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ٤.
أما الدليل الثالث: فقد استدلّ -﵀- بحديث جابر، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها،
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٤/٣٤٩-٣٥٠. ٢ سورة مريم، الآية [٧١] . ٣ سورة مريم، الآية [٧٢] . ٤ أضواء البيان ٤/٣٥٠.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم حتى إن للنار ضجيجًا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا" ١.
ثم قال -﵀-: "إن حديث جابر المذكور يعتضد بظاهر القرآن وبالآيات الأخر التي استدل بها ابن عباس"٢.
أما الدليل الرابع: فقد استدلّ -﵀- بآثار جاءت عن علماء السلف ﵃، كلهم يقولون: إنه ورود دخول٣. وختم كلامه -﵀- بالردّ على أدلة من منع الدخول؛ فقال -﵀-: "وأجاب من قال بأنّ الورود في الآية: الدخول عن قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٤؛ بأنهم مبعدون عن عذابها والآمها، فلا ينافي ذلك ورودهم إياها من غير شعورهم بألم ولا حرّ منها وأجابوا عن الاستدلال بحديث "الحمى من فيح جهنم" بالقول بموجبه، قالوا: الحديث حقّ صحيح، ولكنه لا دليل فيه لمحلّ النزاع؛ لأنّ السياق صريح في أنّ الكلام في النار في الآخرة، وليس في حرارة منها في الدنيا؛ لأنّ أول الكلام قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ٥؛ فدل على أنّ كلّ ذلك في الآخرة لا في الدنيا كما ترى٦.
_________________
(١) ١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٣/٣٢٩ باختلاف يسير. وقال الشيخ الأمين عن إسناده: "لا يقل عن درجة الحسن" (انظر أضواء البيان ٤/٣٥١) . قال الشيخ الألباني: (عن أبي سمية، عنه. وأبوسمية مجهول كما قال الذهبي. وقد صححه هو والحاكم، وفيه نظر ليس هذا موضع بيانه) . (كلمة الإخلاص لابن رجب ص٤١، بتحقيق محمد ناصر الدين الألباني) . ٢ أضواء البيان ٤/٣٥٢. ٣ انظر أضواء البيان ٤/٣٥٢. وتفسير القرآن العظيم ٣/١٣٢-١٣٣. وهذه الآثار عن خالد بن معدان، وعبد الله بن رواحة ﵁، وأبي ميسرة، وعبد الله بن المبارك، عن الحسن البصري؛ كلهم يقولون: إنه ورود دخول. ٤ سورة الأنبياء، الآية [١٠١] . ٥ سورة مريم، الآيات [٦٨-٧٢] . ٦ أضواء البيان ٤/٣٥٢. وانظر هذا المبحث في دفع إيهام الاضطراب –الملحق بأضواء البيان ١٠/١٩٢-١٩٣.
[ ٢ / ٤٩٥ ]
وتفسير الورود اختلف فيه الصحابة، ومن بعدهم من العلماء١.
والشيخ الأمين -﵀- حين يرجح أنّ الورود بمعنى الدخول لم يأت بشيء مبتدع، بل قاله غيره من علماء التفسير؛ أمثال القرطبي٢ -﵀-، وغيره. بل قد قال الألوسي: "ذهب إلى ذلك جمع كثير من سلف المفسرين وأهل السنة"٣.
وبالمقابل رجح بعض العلماء أنّ الورود: هو المرور على الصراط؛ ومن هؤلاء ابن أبي العز الحنفي -﵀-، الذي قال: "اختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ٤ ماهو؟ والأظهر الأقوى أنه المرور على الصراط"٥.
وكذلك الحافظ ابن رجب -﵀- الذي قال: "ومما يستدلّ به على أنّ الورود ليس هو الدخول: ما خرجه مسلم من حديث جابر قال: أخبرتني أم بشر أنها سمعت النبيّ ﷺ يقول عند حفصة: " لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد من الذين بايعوا تحتها". قالت: بلى يا رسول الله. فانتهرها. فقالت حفصة: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ٦ فقال النبيّ ﷺ: "قد قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ ٧"٨ ٩.
_________________
(١) ١ انظر التخويف من النار لابن رجب ص١٩٣. وأضواء البيان ٤/٣٥٢. ٢ انظر الجامع لأحكام القرآن ١١/٩٣. ٣ انظر روح المعاني ١٦/١٢١. ٤ سورة مريم، الآية [٧١] . ٥ شرح الطحاوية ص٤٧١. ٦ سورة مريم، الآية [٧١] . ٧ سورة مريم، الآية [٧٢] . ٨ أخرجه مسلم في صحيحه ٤/١٩٤٢. ٩ التخويف من النار ص١٩٤.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
وكذلك الإمام الشوكاني١ -﵀- قال: "وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود وحمله على ظاهره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ ٢ ولا يخفى أنّ القول بأنّ الورود هو المرور على الصراط، أو الورود على جهنم وهي خامدة: فيه جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة، فينبغي حمل هذه الآيات على ذلك"٣.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "وأما الورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاّ وَارِدُهَا﴾ ٤: فقد فسره النبيّ ﷺ في الحديث الصحيح: رواه مسلم في صحيحه عن جابر: بأنه المرور على الصراط٥. والصراط هو الجسر، فلا بد من المرور عليه لكلّ من يدخل الجنة؛ من كان صغيرًا في الدنيا، ومن لم يكن"٦.
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته. ٢ سورة الأنبياء، الآية [١٠١] . ٣ فتح القدير ٣/٣٤٤. ٤ سورة مريم، الآية [٧١] . ٥ أخرجه مسلم ٤/١٩٤٢. وقد تقدم قبل صفحة. ٦ الفتاوى ٤/٢٧٩.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
المبحث السادس: الجنة
المطلب الأول: نعيم الجنة
المبحث السادس: الجنة
الجنة لغة: عرفها الشيخ -﵀- بقوله: والجنة في لغة العرب: البستان. ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
كأنّ عيني في غربي مقلة
من النواضح تسقي جنة سحقا
فقوله: جنة سحقا؛ يعني: بستانا طويل النخل.
وفي اصطلاح الشرع: هي دار الكرامة التي أعدّ الله لأوليائه يوم القيامة١، وفيها نهر يطرد، وغرفة عالية، وشجرة مثمرة، وزوجة حسناء. بل فيها ما تشتهي الأنفس، وتلذّ الأعين؛ مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر٢؛ قال رسول الله ﷺ: " يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لاعين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بش ر"٣.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/١٦١. ٢ معارج الصعود ص٨٤. وانظر المصدر نفسه ص٢٦٢. ٣ صحيح مسلم ٤/٢١٧٤.
[ ٢ / ٤٩٨ ]
المطلب الأول: نعيم الجنة
أشار الشيخ الأمين -﵀- إلى نعيم الجنة، وصوره وذكر أنّ هذا النعيم باق لايفنى ولاينفذ. وذكر كثيرًا من الآيات التي تتحدث عن أوصاف هذا النعيم المقيم؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ ١: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنّ المتقين يدخلون يوم القيامة جنات عدن. والعدن في لغة العرب: الإقامة؛ فمعنى جنات عدن: جنات إقامة في النعيم لايرحلون ولايتحولون. وبين في آيات كثيرة أنهم مقيمون في الجنة على الدوام، كما أشار له هنا بلفظ عدن؛ كقوله: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ ٢، وقوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية٣، والمقامة: الإقامة"٤.
ثمّ قال -﵀-: "وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿تجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ﴾ ٥؛ بين أنواع الأنهار في قوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ ٦.
وقوله هنا: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ ٧ وضحه في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٨، وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [٣١] . ٢ سورة الكهف، الآية [١٠٨] . ٣ سورة فاطر، الآية [٣٥] . ٤ أضواء البيان ٣/٢٦٥. ٥ سورة النحل، الآية [٣١] . ٦ سورة محمد، الآية [١٥] . ٧ سورة النحل، الآية [٣١] . ٨ سورة ق، الآية [٣٥] .
[ ٢ / ٤٩٩ ]
وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١، وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولًا﴾ ٢، وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ ٤، إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ ٥؛ يدلّ على أنّ تقوى الله هي السبب الذي به تنال الجنة. وقد أوضح تعالى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ ٦. وقوله، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٧. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ ٨، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ ٩، إلى غير ذلك من الآيات"١٠.
وتحدث الشيخ -﵀- عن خلود الجنة وخلود أهلها، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ ١١، فقال: "أي خالدين فيه بلا انقطاع. وقد بين هذا المعنى في مواضع أخر كثيرة، كقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ١٢؛ أي غير مقطوع، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ ١٣؛ أي ماله انقطاع وانتهاء، وقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ
_________________
(١) ١ سورة الزخرف، الآية [٧١] . ٢ سورة الفرقان، الآية [١٦] . ٣ سورة الزمر، الآية [٣٤] . ٤ سورة فصلت، الآيتان [٣١-٣٢] . ٥ سورة النحل، الآية [٣١] . ٦ سورة مريم، الآية [٦٣] . ٧ سورة آل عمران، الآية [١٣٣] . ٨ سورة الحجر، الآية [٤٥] . ٩ سورة الطور، الآية [١٧] . ١٠ أضواء البيان ٣/٢٦٥-٢٦٦. ١١ سورة الكهف، الآية [٣] . ١٢ سورة هود، الآية [١٠٨] . ١٣ سورة ص، الآية [٥٤] .
[ ٢ / ٥٠٠ ]
بَاقٍ﴾ ١، وقوله: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ٢، إلى غير ذلك من الآيات"٣.
وتحدث الشيخ -﵀- عن نعيم الجنة وملذاتها، وذلك عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وَتَلَذُّ الأعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٤؛ فقال: "وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أنّ الجنة فيها كلّ مشتهى، وكلّ مستلذ: جاء مبسوطا موضحة أنواعه في آيات كثيرة من كتاب الله، وجاء أيضا إجمالا شاملا لكلّ شيء من النعيم. أما إجمال ذلك: ففي قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥.
وأما بسط ذلك وتفصيله: فقد بين القرآن أنّ من ذلك النعيم المذكور في الآية: المشارب، المآكل، والمناكح، والفرش، والسرر، والأواني، وأنواع الحلي، والملابس، والخدم، إلى غير ذلك. وسنذكر بعض الآيات الدالة على كلّ شيء من ذلك: أما المآكل: فقد قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ ٦، وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ ٧ وقال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ﴾ ٨، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ الآية٩، إلى غير ذلك من الآيات.
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية [٩٦] . ٢ سورة الأعلى، الآية [١٧] . ٣ أضواء البيان ٤/١٠. ٤ سورة الزخرف، الآية [٧١] . ٥ سورة السجدة، الآية [١٧] . ٦ سورة الزخرف، الآية [٧٣] . ٧ سورة الواقعة، الآية [٢١] . ٨ سورة الواقعة، الآيتان [٣٢-٣٣] . ٩ سورة البقرة، الآية [٢٥] .
[ ٢ / ٥٠١ ]
أما المشارب: فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الأبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾ الآية٢، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ ٦، إلى غير ذلك من الآيات
وأما ما يتكئون عليه من الفرش والسرر ونحو ذلك: ففي آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ ٧.
وقوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الأرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾ ٨.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ﴾ ٩؛ والسرر الموضونة هي المنسوجة بقضبان الذهب. وقوله تعالى: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ ١٠، وقوله تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ ١١، وقوله
_________________
(١) ١ سورة الإنسان، الآيتان [٥-٦] . ٢ سورة الإنسان، الآيتان [١٧-١٨] . ٣ سورة الواقعة، الآيتان [١٧-١٩] . ٤ سورة الصافات، الآيتان [٤٥-٤٧] . ٥ سورة محمد، الآية [١٥] . ٦ سورة الحاقة، الآية [٢٤] . ٧ سورة الرحمن، الآية [٥٤] . ٨ سورة يس، الآية [٥٦] . ٩ سورة الواقعة، الآيتان [١٥-١٦] . ١٠ سورة الحجر، الآية [٤٧] . ١١ سورة الغاشية، الآية [١٣] .
[ ٢ / ٥٠٢ ]
تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ ١، إلى غير ذلك من الآيات.
وأما خدمهم: فقد قال تعالى في ذلك: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ الآية٢. وقال تعالى في سورة الإنسان، في صفة هؤلاء الغلمان: ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ ٣.
وذكر نعيم الجنة بأبلغ صيغة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ٤. والآيات الدالة على أنواع نعيم الجنة، وحسنها، وكمالها؛ كالظلال، والعيون، والأنهار، وغير ذلك، كثيرة جدًا. ولنكتف منها بما ذكرنا" ٥.
وهكذا يصف الشيخ الأمين -﵀- الجنة، ونعيمها، وملذاتها بأبلغ وصف، وفق منهجه في بيان القرآن بالقرآن؛ فيوضح ما أعدّ الله لأوليائه في دار كرامته، وما يتفضل به جل وعلا عليهم من الخلود في النعيم المقيم.
_________________
(١) ١ سورة الرحمن، الآية [٧٦] . ٢ سورة الواقعة، الآية [١٧] . ٣ سورة الإنسان، الآية [١٩] . ٤ سورة الإنسان، الآية [٢٠] . ٥ أضواء البيان ٧/٢٨٣-٢٨٤.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
المطلب الثاني: رؤية المؤمنين ربهم في الجنة
أعظم نعيم الجنة وملذاتها رؤية المؤمنين وجه ربهم الكريم الذي ليس كمثله شيء.
والمؤمنون يرون ربهم في الجنة من فوقهم رؤية بصرية كما جاءت النصوص من القرآن والسنة النبوية:
فمن القرآن: قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، وقوله: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٢، وقوله جلّ شأنه: ﴿عَلَى الأرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ ٣.
ومن السنة: قوله ﷺ: "إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لاتضامون في رؤيته. فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا" ٤، وقال، ﷺ: "إنكم سترون ربكم عيانًا "٥.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- هذه المسألة العظيمة من خلال تفسيره للآيات الدالة على رؤية الرب ﷾؛ فذكر حقيقة الرؤية، وأدلتها، ومعتقد أهل السنة في إثباتها في الآخرة ومنعها في الدنيا، وذكر في المقابل أدلة المعطلة النافين لرؤية الله ﷾، وبين خطأ استدلالهم، وردّ عليهم.
_________________
(١) ١ سورة القيامة، الآيتان [٢٢-٢٣] . ٢ سورة المطففين، الآية [١٥] . ٣ سورة المطففين، الآية [٢٣] . ٤ أخرجه البخاري في صحيحه –واللفظ له- ٨/١٧٩. ومسلم في الصحيح ١/٤٣٩. ٥ أخرجه البخاري في صحيحه ٨/١٧٩.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
ومما قاله -﵀-: "وقد ثبت عن النبيّ ﷺأنه قال في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ١؛ الحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم٢. وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٣.
وقد تواترت الأحاديث عن النبيّ ﷺ: أنّ المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم. وتحقيق المسألة: أنّ رؤية الله جل وعلا بالأبصار جائزة عقلًا في الدنيا والآخرة. ومن أعظم الأدلة على جوازها عقلًا في دار الدنيا: قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ ٤؛ لأنّ موسى لا يخفى عليه الجائز والمستحيل في حق الله تعالى. وأما شرعًا: فهي جائزة وواقعة في الآخرة؛ كما دلت عليه الآيات المذكورة، وتواترت به الأحاديث الصحاح. وأما في الدنيا: فممنوعة شرعًا كما تدلّ عليه آية "الأعراف"٥ هذه، وحديث: " إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا " ٦٧.
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية [٢٦] . ٢ قال البيهقي -﵀-: هذا تفسير استفاض واشتهر فيما بين الصحابة والتابعين، ومثله لايقال إلا بالتوقيف (انظر لوامع الأنوار البهية ٢/٢٤٢) . وقد أخرج مسلم عن صهيب ﵁، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا دخل أهل الجنة، الجنة قال: يقول الله ﵎: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم ﷿. ثمّ تلا هذه الآية: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ". (صحيح مسلم ١/١٦٣) . ٣ سورة ق، الآية [٣٥] . انظر في تفسير هذه الآية: الرد على الجهمية للدارمي ص٦٢. ٤ سورة الأعراف، الآية [١٤٣] . ٥ قوله تعالى: "قال لن تراني". (الأعراف، ١٤٣) . ٦ لم أجده بهذا اللفظ. وهو في مسلم ٤/٢٢٤٥ وسنن الترمذي (٤/٥٠٨) بلفظ: " إنه لن ير أحد منكم ربه حتى يموت". وقال: "حديث حسن صحيح". ٧ أضواء البيان ٢/٣٣٢. وانظر المصدر نفسه ٣/٢٦٢، ٤٠١، ٤/١٩٩، ٧/٦٥٤. ودفع إيهام الاضطراب –الملحق بأضواء البيان ١٠/١٢٢، ٣١٢. وآداب البحث والمناظرة ٢/٥١، وتفسير سورة النور ص١٤١، ١٥٧- جمع د/عبد الله قادري.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
أما من منع رؤية الله: فهم المعتزلة والجهمية ومن تبعهم من الخوارج والإمامية. وقولهم باطل مردود بالكتاب والسنة١.
وقد استدلوا على ماذهبوا إليه بأدلة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ٤، وغيرها من الأدلة.
وقد استعرض الشيخ الأمين -﵀- هذه الأدلة، وبين أنها لاتعارض معتقد السلف في إثبات رؤية الله بالأبصار يوم القيامة، ودفع التوهم الذي التبس على هؤلاء المعطلة؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ﴾ الآية٥: هذه الآية الكريمة توهم أنّ الله تعالى لايرى بالأبصار. وقد جاءت آيات أخر تدلّ على أنه يرى بالأبصار؛ كقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ٦. وكقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ٧؛ فالحسنى: الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. وكذلك قوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ٨ على أحد القولين.
وقوله تعالى في الكفار: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون﴾ ٩؛ يفهم من دليل خطابه أنّ المؤمنين ليسوا محجوبين عن ربهم. والجواب من
_________________
(١) ١ انظر: شرح الطحاوية ص٢٠٤. ٢ سورة الأنعام، الآية [١٠٣] . ٣ سورة الأعراف، الآية [١٤٣] . ٤ سورة البقرة، الآية [٥٥] . ٥ سورة الأنعام، الآية [١٠٣] . ٦ سورة القيامة، الآيتان [٢٢-٢٣] . ٧ سورة يونس، الآية [٢٦] . ٨ سورة ق، الآية [٣٥] . ٩ سورة المطففين، الآية [١٥] .
[ ٢ / ٥٠٦ ]
ثلاثة أوجه: الأول: أنّ المعنى: "لاتدركه الأبصار": أي في الدنيا، فلا ينافي الرؤية في الآخرة. الثاني: أنه عام مخصوص برؤية المؤمنين له في الآخرة، وهذا قريب من المعنى الأول. الثالث: وهو الحقّ؛ أنّ المنفيّ في هذه الآية الإدراك المشعر بالإحاطة بالكنه. أما مطلق الرؤية فلا تدلّ الآية على نفيه، بل هو ثابت بهذه الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة واتفاق أهل السنة والجماعة على ذلك.
وحاصل هذا الجواب: أنّ الإدارك أخصّ من مطلق الرؤية؛ لأنّ الإدراك المراد به الإحاطة، والعرب تقول: رأيت الشيء وما أدركته. فمعنى لاتدركه الأبصار: لاتحيط به، كما أنه تعالى يعلمه الخلق، ولايحيطون به علما. وقد اتفق العقلاء على أنّ نفي الأخصّ لايستلزم نفي الأعمّ؛ فانتفاء الإدراك لايلزم منه انتفاء مطلق الرؤية، مع أنّ الله تعالى لايدرك كنهه على الحقيقة أحد من الخلق؛ والدليل على هذا الوجه: ما أخرجه الشيخان من حديث أبي موسى مرفوعا: "حجابه النور، أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه" ١.
فالحديث صريح في عدم الرؤية في الدنيا، ويفهم منه عدم إمكان الإحاطة مطلقًا"٢.
وقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ الآية٣:
"استدلّ المعتزلة النافون لرؤية الله بالأبصار يوم القيامة بهذه الآية على مذهبهم الباطل. وقد جاءت آيات تدلّ على أنّ نفي الرؤية المذكور إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة: فإنّ المؤمنين يرونه جل وعلا بأبصارهم، كما
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ١/١٦١-١٦٢. ٢ دفع إيهام الاضطراب –الملحق بأضواء البيان ١٠/١٢٠-١٢١. ٣ سورة الأعراف، الآية [١٤٣] .
[ ٢ / ٥٠٧ ]
صرح به تعالى في قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ١، وقوله في الكفار: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ ٢؛ فإنه يفهم من مفهوم مخالفته أنّ المؤمنين ليسوا محجوبين عنه جل وعلا"٣.
وقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ ٤:
"واستدلال المعتزلة بهذه الآية وأمثالها على أن رؤية الله مستحيلة استدلال باطل، ومذهبهم والعياذ بالله من أكبر الضلال وأعظم الباطل. وقول الزمخشري في كلامه على هذه الآية: إنّ الله لايرى: قول باطل، وكلام فاسد. والحقّ الذي لاشك فيه أنّ المؤمنين يرون الله بأبصارهم يوم القيامة؛ كما تواترت به الأحاديث عن الصادق المصدوق ﷺ، ودلت عليه الآيات القرآنية منطوقا ومفهوما"٥.
وبهذا العرض الشيق من الشيخ -﵀- لأدلة السلف ﵏ في إثبات رؤية الباري جل وعلا في الآخرة، وبهذا الردّ القويّ على أدلة المنكرين وشبههم: يتضح للمنصف أنّ الحقّ في جانب السلف الذين تمسكوا بالنصوص فلم يوؤلوها بعقولهم.
وأذكر ها هنا أقوالا لبعض السلف ﵏ في إثبات رؤية الربّ جل وعلا يوم القيامة، وأنها حقّ لا مرية فيه:
قال الإمام ابن القيم -﵀-: (قد دلّ القرآن والسنة المتواترة وإجماع الصحابة وأئمة الإسلام وأهل الحديث؛ عصابة الإسلام ونزل الإيمان
_________________
(١) ١ سورة القيامة، الآيتان [٢٢-٢٣] . ٢ سورة المطففين، الآية [١٥] . ٣ أضواء البيان ٢/٣٣٢. ٤ سورة البقرة، الآية [٥٥] . ٥ أضواء البيان ٦/٣٠٤-٣٠٥. وانظر المصدر ٢/٢٠٦.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
وخاصة رسول الله ﷺ على أنّ الله يرى يوم القيامة بالأبصار عيانا كما يرى القمر ليلة البدر صحوا، وكما ترى الشمس في الظهيرة"١.
وقال العلامة ابن أبي العزّ الحنفي -﵀-: "وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابيا. ومن أحاط بها معرفة يقطع بأنّ الرسول ﷺ قالها"٢.
وبذكر هذين المثالين من قولي هذين الإمامين الجليلين يتضح مذهب السلف ﵏ في هذه المسألة؛ من إثبات الرؤية البصرية كما جاءت النصوص من الكتاب والسنة المتواترة، وذلك أعظم ما يعطاه المؤمن في الجنة من النعيم، نسأل الله بمنه وفضله أن يرزقنا ذلك إنه جواد كريم.
_________________
(١) ١ حادي الأرواح ص٢١١. ٢ شرح الطحاوية ص٢١٠.
[ ٢ / ٥٠٩ ]
المطلب الثالث: هل رأى رسول الله ﷺ ربه ليلة المعراج؟
ذكر الشيخ الأمين -﵀- أنّ الصحابة اختلفوا في هذه المسألة؛ فقال: (اختلف العلماء: هل رأى رسول الله ﷺ ربه ليلة الإسراء بعين رأسه أو لا؟ فقال ابن عباس وغيره: رآه بعين رأسه. وقالت عائشة وغيرها: لم يره. وهو خلاف مشهور بين أهل العلم معروف) ١.
وقد جمع الشيخ -﵀- بين هذه الأقوال، مرجحا عدم رؤية الرسول ﷺ لربه ﷾، واعتمد في هذا الجمع والترجيح علي نصّ من رسول الله ﷺ في هذه المسألة، فقال -﵀-: "التحقيق الذي دلت عليه نصوص الشرع أنه ﷺ لم يره بعين رأسه. وما جاء عن بعض السلف من أنه رآه: فالمراد به الرؤية بالقلب، كما في صحيح مسلم٢: أنه رآه بفؤاده مرتين لابعين الرأس٣.
ومن أوضح الأدلة على ذلك: أنّ أبا ذر ﵁، وهو هو في صدق اللهجة سأل النبيّ ﷺ عن هذه المسألة بعينها، فأفتاه بما مقتضاه أنه لم يره"٤.
ثم ذكر حديث أبي ذر ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ قال: " نور أنّى أراه "٥. وذكر رواية أخرى
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٣/٣٩٩. ٢ أخرجه مسلم في الصحيح ١/١٥٨. ٣ أخرجه مسلم في الصحيح ١/١٥٨. ٤ أضواء البيان ٣/٣٩٩. ٥ أضواء البيان ٦/٢٨٨-٢٨٩.
[ ٢ / ٥١٠ ]
لهذا الحديث عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله ﷺ لسألته. فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: "رأيت نورا" ١.
ثمّ ختم هذه المسألة بقوله: "والتحقيق الذي لاشك فيه هو أنّ معنى الحديث هو ما ذكر من كونه لايتمكن أحد من رؤيته لقوة النور الذي هو حجابه. ومن أصرح الأدلة على ذلك أيضا: حديث أبي موسى المتفق عليه: "حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"٢، وهذا هو معنى قوله ﷺ: "نور أنى أراه "٣؛ أي كيف أراه وحجابه نور، ومن صفته أنه لو كشفه لأحرق ما انتهى إليه بصره من خلقه"٤.
وبهذا الجمع بين الروايات ينتفي التعارض، وتتم الموافقة بين الأدلة، ويتضح أنّ رسول الله ﷺ لم ير ربه جل وعلا بعيني رأسه، بل كانت الرؤية قلبية.
وقد قال بهذا الجمع عدد غفير من أئمة السلف ﵏؛ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- الذي قال: "وأما الرؤية فالذي ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: "رأى محمد ربه بفؤاده مرتين"٥.
وعائشة أنكرت الرؤية؛ فمن الناس من جمع بينهما، فقال: عائشة أنكرت رؤية العين، وابن عباس أثبت رؤية الفؤاد. والألفاظ الثابتة عن ابن
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في الصحيح ١/١٦١. ٢ صحيح مسلم ١/١٦١. ٣ أخرجه مسلم في الصحيح ١/١٦١-١٦٢. ٤ أخرجه مسلم في الصحيح ١/١٦١-١٦٢. ٥ أضواء البيان ٣/٤٠٠.
[ ٢ / ٥١١ ]
عباس هي مطلقة ومقيدة بالفؤاد؛ تارة يقول: رأى محمد ربه، وتارة يقول: رآه محمد.
ولم يثبت عن ابن عباس لفظ صريح بأنه رآه بعينه. وكذلك الإمام أحمد تارة يطلق الرؤية، وتارة يقول: رآه بفؤاده. ولم يقل أحد أنه سمع أحمد يقول رآه بعينه، لكن طائفة من أصحابه سمعوا بعض كلامه المطلق ففهموا منه رؤية العين، كما سمع بعض الناس مطلق كلام ابن عباس ففهم منه رؤية العين. وليس في الأدلة ما يقتضي أنه رآه بعينه، ولا ثبت ذلك عن أحد من الصحابة ولا في الكتاب والسنة ما يدلّ على ذلك، بل النصوص الصحيحة على نفيه أدلّ: كما في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ: هل رأيت ربك؟ فقال: "نور أنى أراه" ١،٢.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم ١/١٥٨. ٢ الفتاوى ٦/٥٠٩-٥١٠.
[ ٢ / ٥١٢ ]
المبحث السابع: النار
المطلب الأول: النار، وعذابها
النار دار العذاب، أعدها الله للكافرين والعصاة فيها أشدّ العذاب، وصنوف العقوبات، وخزنتها ملائكة غلاظ شداد. والكفار مخلدون فيها، طعامهم الزقوم، وشرابهم الحميم.
قال تعالى يحذر منها عباده المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًالِلطَّاغِينَ مَآبًا لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًاإِلاّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا جَزَاءً وِفَاقًا﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ٣.
وقال رسول الله ﷺ: "ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حرّ جهنم" قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: " فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلها مثل حرها "٤.
_________________
(١) ١ سورة التحريم، الآية [٦] . ٢ سورة النبأ، الآيتان [٢١-٢٦] . ٣ سورة الحجر، الآيتان [٤٣-٤٤] . ٤ أخرجه البخاري في الصحيح ٤/٩٠. ومسلم في الصحيح ٤/٢١٨٤–واللفظ له-.
[ ٢ / ٥١٣ ]
وقال ﵊: "يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق، يقول: إني وكلت بثلاثة: بكلّ جبار عنيد، وبكلّ من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين "١.
وقد تحدث الشيخ الأمين –﵀- عن صفة النار، عدد أبوابها، وأن لها بصرًا ولسانًا وإرادة وأنها أشد من نار الدنيا بسبعين ضعفًا.
ومما قاله -﵀- في وصف شدتها: (ونار الآخرة لو شددت نار الدنيا إلى منتهاها لكانت نار الآخرة أشدّ منها بسبعين ضعفا. وهي مسودة مظلمة يحطم بعضها بعضا"٢.
وقال في وصف شرابها عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ ٣: "ذكر في هذه الآية الكريمة أنّ الذين كفروا يعذبون يوم القيامة بشرب الحميم، وبالعذاب الأليم، والحميم: الماء الحار. وذكر أوصاف هذا الحميم في آيات أخر: كقوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ ٤، وقوله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ ٥، وقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُود﴾ ٦، وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ الآية٧، وقوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ ٨.
وذكر في موضع آخر أنّ الماء الذي يسقون صديد –أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من ذلك
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي في سننه ٤/٧٠١، وقال: حديث حسن غريب صحيح. وقد صححه الألباني انظر صحيح الجامع ٢/١٣٣٨) . ٢ معارج الصعود ص٢٥٢. ٣ سورة يونس، الآية [٤] . ٤ سورة الرحمن، الآية [٤٤] . ٥ سورة محمد، الآية [١٥] . ٦ سورة الحج، الآيتان [١٩-٢٠] . ٧ سورة الكهف، الآية [٢٩] . ٨ سورة الواقعة، الآيتان [٥٤-٥٥] .
[ ٢ / ٥١٤ ]
بفضله ورحمته- وذلك في قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ الآية١. وذكر في موضع آخر أنهم يسقون مع الحميم الغساق؛ كقوله: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ ٢، وقوله: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا إِلاّ حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ ٣؛ والغساق: صديد أهل النار –أعاذنا الله والمسلمين منها-، وأصله: غسقت العين: سال دمعها. وقيل: هو لغة البارد المنتن. والحميم الآني: الماء البالغ غاية الحرارة. والمهل: دُرْدِي٤الزيت أو المذاب من النحاس والرصاص ونحو ذلك، والآيات المبينة لأنواع عذاب أهل النار كثيرة جدا٥.
وأما عدد أبواب جهنم؛ فقد ذكره الشيخ –﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾ الآية٦فقال: "لم يبين هنا عدد أبوابها، ولكنه بين ذلك في سورة الحجر في قوله جلّ وعلا: ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ ٧أرجو الله أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها ومن جميع أبوابها إنه رحيم كريم"٨.
ثم ذكر -﵀- أن النار تتكلم وتبصر فقال -﵀-: "اعلم أن التحقيق أن النار تبصر الكفار يوم القيامة، كما صرح الله بذلك في قوله
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم، الآيتان [١٦-١٧] . ٢ سورة ص، الآيتان [٥٧-٥٨] . ٣ سورة النبأ، الآيتان [٢٤-٢٥] . ٤ دردي الزيت وغيره: ما يبقى في أسفله. وأصله: ما يركد في أسفل كلّ مائع؛ كالأشربة الأدهان. (لسان العرب ٣/١٦٦) . ٥ أضواء البيان ٢/٤٧٧. ٦ سورة النحل، الآية [٢٩] . ٧ سورة الحجر، الآية [٤٤] . ٨ أضواء البيان ٣/٣٦٢.
[ ٢ / ٥١٥ ]
هنا: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ١؛ ورؤيتها إياهم من مكان بعيد تدلّ على حدة بصرها كما لا يخفى.
كما أنّ النار تتكلم كما صرح الله به في قوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ٢، والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة؛ كحديث محاجة النار مع الجنة٣، وكحديث اشتكائها إلى ربها فأذن لها في نفسين٤، ونحو ذلك. ويكفي في ذلك أنّ الله جلّ وعلا صرح في هذه الآية أنها تراهم، وأنّ لها تغيظا على الكفار، وأنها تقول هل من مزيد"٥.
وقال -﵀- في موضع آخر عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظ﴾ ٦: إثبات أنّ للنار حسا وإدراكا وإرادة، والقرآن أثبت للنار أنها تغتاظ، وتبصر، وتتكلم، وتطلب المزيد؛ كما قال هنا: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ ٧.
وقال: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ ٨، وقال: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ٩، ١٠.
وقد ردّ الشيخ الأمين –﵀- على من تأول تلك النصوص وصرفها عن حقيقتها؛ فقال -﵀-: (واعلم أنّ ما يزعمه كثير من المفسرين وغيرهم من المنتسبين للعلم من أن النار لا تبصر، ولا تتكلم، ولا تغتاظ،
_________________
(١) ١ سورة الفرقان، الآية [١٢] . ٢ سورة ق، الآية [٣٠] . ٣ لعله يعني حديث: " احتجت النار والجنة، فقالت هذه: يدخلني الجبارون والمتكبرون.."، أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢١٨٦. ٤ انظر صحيح البخاري ٤/٨٩. ٥ أضواء البيان ٦/٢٨٨-٢٨٩. ٦ سورة الملك، الآيتان [٧-٨] . ٧ سورة الملك، الآية [٨] . ٨ سورة الفرقان، الآية [١٢] . ٩ سورة ق، الآية [٣٠] . ١٠ تتمة الشيخ عطية سالم لأضواء البيان ٨/٣٩٥.
[ ٢ / ٥١٦ ]
وأنّ ذلك كله من قبيل المجاز، أو أن الذي يفعل ذلك خزنتها: كله باطل، ولامعول عليه؛ لمخالفته نصوص الوحي الصحيحة بلا مستند والحقّ هو ما ذكرنا وقد أجمع من يعتد به من أهل العلم على أنّ النصوص من الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن ظاهرها إلا بدليل يجب الرجوع إليه كما هو معلوم في محله. وقال القرطبي في تفسيره هذه الآية الكريمة: إنّ القول بأنّ النار تراهم هو الأصحّ" ١،٢.
وقد ذكر الشيخ الأمين –﵀- أنّ أهل النار هم أكثر الخلق؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ٣: "هذه الآية تدلّ على أن أكثر الناس ليسوا بمؤمنين؛ فأهل النار هم الأكثر؛ كما بين ذلك في آيات كثيرة وأحاديث؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأوَّلِينَ﴾ ٥.
وقد بينت الأحاديث الصحيحة أنّ نصيب النار تسعة وتسعون وتسعمائة من الألف، وأنّ نصيب الجنة واحد من الألف" ٦، ٧.
ثمّ بين الشيخ الأمين –﵀- أنّ أهل النار يدخلونها جماعة جماعة؛ كما دلّ على ذلك قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ ٨"٩.
ويتضح من وصف الشيخ الأمين –﵀- للنار –أعاذنا الله منها بكرمه- شدة تتبعه للأثر، ودقة فهمه له، وتوضيح الوصف بالأدلة من القرآن الكريم، كما هو دأبه -﵀- في تفسير القرآن بالقرآن.
_________________
(١) ١ انظر الجامع لأحكام القرآن ١٣/٧.. ٢ أضواء البيان ٦/٢٨٩. وانظر المصدر نفسه ٧/٦٥٣. ٣ سورة هود، الآية [١٧] . ٤ سورة يوسف، الآية [١٠٣] . ٥ سورة الصافات، الآية [٧١] . ٦ انظر: صحيح البخاري ٧/١٩٥-١٩٦. وصحيح مسلم ١/٢٠١. ٧ معارج الصعود ص٧٥. ٨ سورة الأعراف، الآية [٣٨] . ٩ انظر تتمة الشيخ عطية سالم لأضواء البيان ٨/٣٩٥.
[ ٢ / ٥١٧ ]
المطلب الثاني: بقاء النار، والردّ على من قال بفنائها
دلّ الكتاب والسنة على أبدية النار، وبقاء مَنْ فيها ممن يستحق البقاء تحت أنواع العذاب. أما الموحدون فلا بدّ من خروجهم منها برحمة أرحم الراحمين.
والآيات والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة؛ منها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ ٣.
ومن الأحاديث حديث الشفاعة الطويل، وفيه قوله ﷺ: " ثمّ أعود الرابعة فأقول ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن، ووجب عليه الخلود" ٤.
وقال ﷺ: " يدخل الله أهل الجنة الجنة، ويدخل أهل النار النار، ثمّ يقوم مؤذن بينهم، فيقول: يا أهل الجنة لا موت، ويا أهل النار لا موت، كلّ خالد فيما هو فيه "٥.
وعن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: " أما أهل النار
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآيتان [٦٤-٦٥] . ٢ سورة المائدة، الآية [٣٧] . ٣ سورة فاطر، الآية [٣٦] . ٤ أخرجه البخاري في صحيحه ٥/١٤٧. ٥ أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢١٨٩.
[ ٢ / ٥١٨ ]
الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون. ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم –أو قال بخطاياهم- فأماتهم الله إماتة، حتى إذا كانوا فحما أذن في الشفاعة " ١.
وقد أوضح الشيخ الأمين –﵀- هذه المسألة، ودرسها من جوانب عدة في معرض تفسيره لبعض الآيات المتعلقة بالموضوع؛ فقد أشار في مواضع إلى بقاء أهل النار وعدم موتهم، وذكر الأدلة على ذلك. وأكد في مواضع أخرى عدم خروج الكفار من النار، بل خلودهم الأبدي فيها. وأفاض -﵀- في أماكن متفرقة في تقرير عدم فناء النار، وردّ على من قال بذلك.
ومن كلامه يرحمه الله في عدم موت أهل النار، ما قاله عند تفسير قوله تعالى: ﴿َنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ٢:
"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ دليل على أنهم لا يجابون إلى الموت بل يمكثون في النار معذبين إلى غير نهاية. وقد دلّ القرآن العظيم على أنهم لا يموتون فيها فيستريحوا بالموت، ولا تفنى هي عنهم، ولا يخفف عنهم عذابها، ولا يخرجون منها. أما كونهم لا يموتون فيها: فالذي دلّ عليه قوله هنا: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ٣قد دلت عليه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ ٥، وقوله تعالى:
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه ١/١٧٢. ٢ سورة الزخرف، الآية [٧٧] . ٣ سورة الزخرف، الآية [٧٧] . ٤ سورة طه، الآية [٧٤] . ٥ سورة الأعلى، الآيات [١١-١٣] .
[ ٢ / ٥١٩ ]
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ الآية١، وقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ الآية٢"٣.
وقال -﵀- في موضع آخر: "وقال تعالى في عدم موتهم في النار: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَاب﴾ ٦.
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ ٧. وقال تعالى: ﴿ويتجنبها الأشقى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ ٨، ولما قالوا: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ٩أجابهم بقوله: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ ١٠، ١١.
ثم ذكر الشيخ الأمين –﵀- الأدلة على عدم خروج أهل النار: فقال: "وأما كونهم لا يخرجون منها: فقد جاء موضحا في آيات من كتاب الله؛ كقوله تعالى في البقرة: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ١٢، وقوله تعالى في المائدة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيم﴾ ١٣، وقوله
_________________
(١) ١ سورة فاطر، الآية [٣٦] . ٢ سورة إبراهيم، الآية [١٧] . ٣ أضواء البيان ٧/٢٨٥-٢٨٦. ٤ سورة فاطر، الآية [٣٦] . ٥ سورة إبراهيم، الآية [١٧] . ٦ سورة النساء، الآية [٥٦] . ٧ سورة طه، الآية [٧٤] . ٨ سورة الأعلى، الآيات [١١-١٣] . ٩ سورة الزخرف، الآية [٧٧] . ١٠ سورة الزخرف، الآية [٧٧] . ١١ أضواء البيان ٧/٩٣. ١٢ سورة البقرة، الآية [١٦٧] . ١٣ سورة المائدة، الآية [٣٧] .
[ ٢ / ٥٢٠ ]
تعالى في الحج: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية١، وقوله تعالى في السجدة: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ ٢.
وقوله تعالى في الجاثية: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ٣إلى غير ذلك من الآيات" ٤.
أما كلامه -﵀- عن بقاء النار، وعدم فنائها: فقد أطال النفس فيه جدا، وناقش من قال بفنائها بالأدلة السمعية والمنطقية، وتعقب أدلتهم وأسقطها، وأوضح معنى الآيات التي توهم فناء النار، مبينا أن لا دلالة فيها على ذلك.
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ٥: "هذه الآية الكريمة يفهم منها كون عذاب أهل النار غير باق بقاء لا انقطاع له أبدا.
ونظيرها قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ٧. وقد جاءت آيات تدلّ على أنّ عذابهم لا انقطاع له؛ كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدا﴾ ٨، ٩.
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية [٢٢] . ٢ سورة السجدة، الآية [٢٠] . ٣ سورة الجاثية، الآية [٣٥] . ٤ أضواء البيان ٧/٢٨٦. ٥ سورة الأنعام، الآية [١٢٨] . ٦ سورة هود، الآيتان [١٠٦-١٠٧] . ٧ سورة النبأ، الآية [٢٣] . ٨ سورة النساء، الآية [١٦٩] . ٩ دفع إيهام الاضطراب-الملحق بأضواء البيان ١٠/١٢٢.
[ ٢ / ٥٢١ ]
ثم ذكر الشيخ -﵀- الجواب عن هذا الإشكال، دافعا التعارض، ونافيا التوهم، ومبينا أنّ هذه الآيات يمكن أن تحمل على أحد ثلاثة أوجه؛ فقال مبينا هذه الأوجه:
أحدهما: أنّ قوله تعالى: ﴿إِلاّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ١؛ معناه: إلا ما شاء الله عدم خلوده فيها من أهل الكبائر من الموحدين. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أنّ بعض أهل النار يخرجون منها، وهم أهل الكبائر من الموحدين. ونقل ابن جرير هذا القول عن قتادة٢، والضحاك٣، وأبي سنان٤، وخالد بن معدان٥، واختاره ابن جرير. وغاية ما في هذا القول: إطلاق "ما"، وإرادة "من"، ونظيره في القرآن: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ٦.
الثاني: أنّ المدة التي استثناها الله هي المدة التي بين بعثهم من قبورهم واستقرارهم في مصيرهم قاله ابن جرير أيضا.
الوجه الثالث: أنّ قوله: ﴿إِلاّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ٧فيه إجمال، وقد جاءت الآيات والأحاديث الصحيحة مصرحة بأنهم خالدون فيها أبدا، وظاهرها أنه خلود لا انقطاع له. والظهور من المرجحات، فالظاهر مقدم على المجمل كما تقرر في الأصول"٨.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [١٢٨] . ٢ تقدمت ترجمته. ٣ هو الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبومحمد؛ صاحب التفسير تابعي جليل. توفي سنة (١٠٢؟) . انظر: سير أعلام النبلاء ٤/٥٩٨. والبداية والنهاية ٩/٢٣١) . ٤ هو ضرار بن مرة الكوفي الشيباني. إمام ثقة فاضل. توفي سنة (١٣٢؟) . (تهذيب التهذيب ٤/٤٥٧) . ٥ هو الإمام أبوعبد الله خالد بن معدان بن أبي كرب الكلاعي الحمصي. تابعي جليل، شيخ أهل الشام. توفي سنة (١٠٣؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء ٤/٥٣٦. والبداية والنهاية ٩/٢٣٩) . ٦ سورة النساء، الآية [٣] . ٧ سورة الأنعام، الآية [١٢٨] . ٨ دفع إيهام الاضطراب-الملحق بالأضواء ١٠/١٢٣.
[ ٢ / ٥٢٢ ]
وفي موضع آخر قال في الجمع بين هذه الآيات: "والجواب الحقّ أنّ أهل النار الكفرة خالدون فيها خلودا لا انقطاع له البتة.
"والاستثناء بالمشيئة كما صرح به في أهل النار صرح به كذلك في أهل الجنة، مع أنه لا يقول أحد ممن يقول بانقطاع النار بانقطاع الجنة؛ كما قال تعالى هنا في سورة هود: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ١؛ وهذه المشيئة مجملة، لم نعرف ما أخرجته. والأدلة المنفصلة وضحت أنّ المشيئة اقتضت الخلود الأبدي؛ كما قال تعالى في أهل الجنة: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ ٧، والفعل بعد كلما يتكرر بتكررها: فمن ادعى خبوة للنار نهائية تفنى بها ليس بعده سعير، يردّ عليه بهذه الآية. ولو قيل للعبد: كلما جاء أحد أكرمه لزمه ذلك، ولا حقّ له أن يتعذر بأنه لم يفهم التكرار"٨.
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية [١٠٨] . ٢ سورة ص، الآية [٥٤] . ٣ سورة النحل، الآية [٩٦] . ٤ سورة الزخرف، الآيتان [٧٤-٧٥] . ٥ سورة الفرقان، الآية [٦٥] . ٦ سورة البقرة، الآية [١٦٢] . ٧ سورة الإسراء، الآية [٩٧] . ٨ معارج الصعود ص٢٥٥، هذا ولم يشر الشيخ -﵀- إلى الوجهين السابقين، مما يدلّ على أنّ الوجه الثالث هو الراجح عنده، فاقتصر على ذكره.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
أما قوله تعالى: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ ١: فليست دالة على فناء النار كما زعم من قال بفنائها، وقد ذكر الشيخ الأمين أنها لا تدلّ على ذلك من عدة أوجه، أظهر هذه الأوجه عنده بينه في قوله: ﴿لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾: متعلق بما بعده؛ أي لابثين فيها أحقابا في حال كونهم لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا، فإذا انقضت تلك الأحقاب عذبوا بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق. ويدلّ لهذا تصريحه تعالى بأنهم يعذبون بأنواع أخر من أنواع العذاب غير الحميم والغساق في قوله: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾ ٢ ٣، أما مناقشته -﵀- لمن قال بفناء النار: فقد أورد عليهم -﵀- بالتقسيم والسبر خمس حالات تكون عليها النار، ويكون عليها أهلها، ثمّ أجاب عن أربع حالات منها بما يدلّ على بطلانها مؤيدا إجابته بآيات قرآنية؛ فقال -﵀-: "إنّ المقام لا يخلو من إحدى خمس حالات بالتقسيم الصحيح، وغيرها راجع إليها:
الأولى: أن يقال بفناء النار، وأنّ استراحتهم من العذاب بسبب فنائها.
الثانية: أن يقال إنهم ماتوا وهي باقية.
الثالثة: أن يقال إنهم أخرجوا منها وهي باقية.
الرابعة: أن يقال إنهم باقون فيها إلا أنّ العذاب يخفّ عليهم، وذهاب العذاب رأسا واستحالته لذة فاكتفينا به لدلالة نفيه على نفيهما.
وكل هذه الأقسام الأربعة يدل القرآن على بطلانه"٤.
وقد أجاب -﵀- على الحالة الأولى بقوله: "أما فناؤها: فقد نصّ تعالى على عدمه بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ ٥.
_________________
(١) ١ سورة النبأ، الآية [٢٣] . ٢ سورة ص، الآيتان [٥٧-٥٨] . ٣ دفع إيهام الاضطراب-الملحق بالأضواء ١٠/٣٠٧. وانظر معارج الصعود ص٢٥٦؛ فقد ذكر فيه الشيخ الأمين –﵀- هذا الوجه فقط. ٤ دفع إيهام الاضطراب (الملحق بالأضواء ١٠/١٢٤) . ٥ سورة الإسراء، الآية [٩٧] .
[ ٢ / ٥٢٤ ]
وقد قال تعالى: ﴿إِلاّ مَا شَاءَ رَبُّك﴾ ١ في خلود أهل الجنة وخلود أهل النار، وبين عدم الانقطاع في خلود أهل الجنة بقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ٢، وبقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ ٣، وقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ ٤.وبين عدم الانقطاع في خلود أهل النار بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ ٥.
فمن يقول إنّ للنار خبوة ليس بعدها زيادة سعير: ردّ عليه بهذه الآية الكريمة. ومعلوم أنّ "كلما" تقتضي التكرار بتكرر الفعل الذي بعدها، ونظيرها قوله تعالى: ﴿ُكلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ الآية"٦"٧.
وأما الحالة الثانية فقد بين الشيخ -﵀- بطلانها بقوله: "وأما موتهم: فقد نصّ تعالى على عدمه بقوله: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ ٨، وقوله: ﴿لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى﴾ ٩، وقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ ١٠. وقد بين ﷺ في الحديث الصحيح أنّ الموت يجاء به يوم القيامة في صورة كبش أملح، فيذبح. وإذا ذبح الموت حمل اليقين بأنه لاموت؛ كما قال ﷺ: " ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت "١١"١٢.
_________________
(١) ١ سورة هود، من الآيتين [١٠٧-١٠٨] . ٢ سورة هود، الآية [١٠٨] . ٣ سورة ص، الآية [٥٤] . ٤ سورة النحل، الآية [٩٦] . ٥ سورة الإسراء، الآية [٩٧] . ٦ سورة النساء، الآية [٥٦] . ٧ دفع إيهام الاضطراب ١٠/١٢٥. ٨ سورة فاطر، الآية [٣٦] . ٩ سورة طه، الآية [٧٤] . ١٠ سورة إبراهيم، الآية [١٧] . ١١ صحيح البخاري ٤/٣١٦. وصحيح مسلم ٤/٢١٨٨. ١٢ دفع إيهام الاضطراب ١٠/١٢٥.
[ ٢ / ٥٢٥ ]
وعن الحالة الثالثة أجاب -﵀- بقوله: "وأما إخراجهم منها: فنصّ تعالى على عدمه بقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ ١، وبقوله ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ ٢، وبقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ٣"٤.
وأما الحالة الرابعة، فقد أجاب عنها -﵀- بقوله: "وأما تخفيف العذاب عنهم: فنصّ تعالى على عدمه بقوله: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ ٥، وقوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذَابًا﴾ ٦، وقوله: ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُون﴾ ٧، وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ ٨، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ ٩، وقوله تعالى ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ١٠، وقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ١١. ولا يخفى أنّ قوله: ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ ١٢، وقوله ﴿لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ ١٣: كلاهما فعل في سياق النفي؛ فحرف النفي ينفي المصدر الكامن في الفعل، فهو في معنى: لا تخفيف للعذاب عنهم، ولاتفتير له. والقول بفنائها يلزمه تخفيف العذاب وتفتيره المنفيان في هذه الآيات، بل يلزمه ذهابهما رأسا، كما أنه يلزمه نفي ملازمة العذاب المنصوص عليها
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [١٦٧] . ٢ سورة السجدة، الآية [٢٠] . ٣ سورة المائدة، الآية [٣٧] . ٤ دفع إيهام الاضطراب ١٠/١٢٥. ٥ سورة فاطر، الآية [٣٦] . ٦ سورة النبأ، الآية [٣٠] . ٧ سورة الزخرف، الآية [٧٥] . ٨ سورة الفرقان، الآية [٦٥] . ٩ سورة الفرقان، الآية [٧٧] . ١٠ سورة آل عمران، الآية [٨٨] . ١١ سورة المائدة، الآية [٣٧] . ١٢ سورة فاطر، الآية [٣٦] . ١٣ سورة الزخرف، الآية [٧٥] .
[ ٢ / ٥٢٦ ]
بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ ١، وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ ٢. وإقامته المنصوص عليها بقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ ٣ فظاهر هذه الآيات عدم فناء النار المصرح به في قوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ ٤"٥.
ثمّ ختم هذه الردود بقوله: "فإذا تبين بهذه النصوص بطلان جميع هذه الأقسام، تعين القسم الخامس الذي هو خلودهم فيها أبدا بلا انقطاع ولا تخفيف بالتقسيم والسبر الصحيح"٦.
ثمّ أورد الشيخ الأمين –﵀- ما احتج به من قال بفناء النار، فقال: "وما احتج به بعض العلماء٧ من أنه لو فرض أنّ الله أخبر بعدم فنائها أنّ
_________________
(١) ١ سورة الفرقان، الآية [٧٧] . ٢ سورة الفرقان، الآية [٦٥] . ٣ سورة المائدة، الآية [٣٧] . ٤ سورة الإسراء، الآية [٩٧] . ٥ دفع إيهام الاضطراب- الملحق بأضواء البيان ١٠/١٢٥-١٢٦. ٦ المصدر نفسه ١٠/١٢٧. ٧ ذكر الشيخ الأمين –﵀- أنّ ممن قال بذلك الإمام ابن القيم -﵀- في كتابه حادي الأرواح (انظر معارج الصعود ص٢٥٥) . وقد نبه د/عبد الله قادري: تلميذ الشيخ الأمين على أنّ ابن القيم -﵀- لم يجزم بفناء النار، وإنما ساق أدلة القائلين بذلك موضحا أوجه استدلالهم. ومن عادته -﵀- أنه إذا ذكر اختلاف العلماء بين أدلتهم ووجهها حتى كأنه هو صاحب القول، وإن كان في الواقع لم يجزم به، أو كان على خلافه. ثم ذكر د/عبد الله القادري دليلين على عدم قول ابن القيم بفناء النار: الأول: قوله بعد ذكر الآراء في فناء النار وبقائها: (فإن قيل: فإلى أين انتهى قدمكم في هذه المسألة العظيمة الشأن التي هي أكبر من الدنيا بأضعاف مضاعفة؟ قيل: إلى قوله تعالى: ﴿إنّ ربك فعال لما يريد﴾، وإلى هنا انتهى قدم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁؛ حيث ذكر دخول أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، وما يلقاه هؤلاء وهؤلاء، وقال: ثمّ يفعل الله بعد ذلك ما يشاء بل وإلى هنا انتهت أقدام الخلائق) . الأمر الثاني: أنه -﵀- صرح في كتابه الوابل الصيب أنّ النار كالجنة لا تفنى. وأنّ النار التي تفنى التي يعذب الله فيها عصاة المؤمنين الذين لا يخلدون في النار. وبهذا يعلم أنّ ابن القيم قطع بعدم فناء النار، وأنّ كلامه الذي فيه احتمال؛ في كتاب حادي الأرواح يجب أن يفسر بكلامه الصحيح المبين في كتاب الوابل الصيب. ولا شك أنّ فضيلة شيخنا المفسر لو اطلع على هذا النص من الوابل الصيب لأخذ به في مذهب ابن القيم؛ لأنه صاحب أضواء البيان الذي يفسر القرآن بالقرآن. وكلام الناس يفسر بعضه بعضا. انتهى باختصار من تعليق د/القادري على معارج الصعود ص٢٥٧.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
ذلك لا يمنع فناءها؛ لأنه وعيد، وإخلاف الوعيد من الحسن لا من القبيح. وأنّ الله تعالى ذكر أنه لا يخلف وعده، ولم يذكر أنه لا يخلف وعيده. وأنّ الشاعر قال:
وإني إذا أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي"١.
وقد ردّ -﵀- على هذه الشبه بقوله: "فالظاهر عدم صحته لأمرين: الأول: أنه يلزم جواز ألا يدخل النار كافر؛ لأن الخبر بذلك وعيد، وإخلافه على هذا القول لابأس به. الثاني: أنه تعالى صرح بحق وعيده على من كذب رسله، حيث قال: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ ٢. وقد تقرر في مسلك النص من مسالك العلة أنّ الفاء من حروف التعليل؛ كقولهم: سها فسجد؛ أي سجد لعلة سهوه. وسرق فقطعت يده؛ أي لعلة سرقته. فقوله: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ ٣؛ أي وجب وقوع الوعيد عليهم لعلة تكذيب الرسل. ونظيرها قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ﴾ ٤. ومن الأدلة الصريحة في ذلك: تصريحه تعالى بأنّ قوله لا يبدل فيما أوعد به أهل النار؛ حيث قال: ﴿قَالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِمَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٥. ويستأنس لذلك بظاهر قوله: ﴿وَاخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ –إلى قوله- ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ ٦، وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ دفع إيهام الاضطراب ١٠/١٢٦. وانظر معارج الصعود ص٢٥٥. ٢ سورة ق، الآية [١٤] . ٣ سورة ق، الآية [١٤] . ٤ سورة ص، الآية [١٤] . ٥ سورة ق، الآيتان [٢٨-٢٩] . ٦ سورة لقمان، الآية [٣٣] . ٧ سورة الطور، الآية [٧] .
[ ٢ / ٥٢٨ ]
فالظاهر أنّ الوعيد الذي يجوز إخلافه وعيد عصاة المؤمنين؛ لأنّ الله بين ذلك بقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ ١"٢.
وفي آخر هذا المبحث أجاب -﵀- عن شبهة للملاحدة؛ وهي قولهم: "لاشك أنّ ربكم في غاية الإنصاف والعدل، ولكن يشكل عليه الجواب على هذا السؤال، وهو: كيف يكون عصيان الكافر في مدة قليلة جدا، وعذابه يستمر إلى ما لانهاية، مع أنّ مقتضى العدل أن يعذب بقدر ما عصى؟ فأين الإنصاف وأين العدل؟!)،٣؛ فقال -﵀-: (والجواب أنّ سبب هذا الاستمرار هو ملازمة الخبث لذلك الكافر دائما، وعدم مفارقته له في أيّ حال من الأحوال؛ فهو منطو عليه لا يزول، وباستمرار السبب الذي هو الخبث استمر المسبب الذي هو العذاب. والدليل على استمرار خبثه: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٤؛ فبديمومة السبب الذي هو الكفر دام المسبب الذي هو العذاب"٥.
وقال الشيخ الأمين –﵀- في موضع آخر: "ولا غرابة في ذلك؛ لأنّ خبثهم الطبيعي دائم لا يزول، فكان جزاؤهم دائما لا يزول. والدليل على أنّ خبثهم لايزول: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ﴾ الآية٦. فقوله: "خيرا" نكرة في سياق الشرط؛ فهي تعمّ، فلو كان فيهم خير ما في وقت لعلمه الله وعذاب الكفار للإهانة والانتقام، لا
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية [١١٦] . ٢ دفع إيهام الاضطراب ١٠/١٢٧. وانظر معارج الصعود ص٢٥٦. ٣ معارج الصعود ص٢٥٨. ٤ سورة الأنعام، الآيتان [٢٧-٢٨] . ٥ معارج الصعود ص٢٥٨. ٦ سورة الآنفال، الآية [٢٣] .
[ ٢ / ٥٢٩ ]
للتطهير والتمحيص، كما أشار له تعالى بقوله: ﴿وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ ١، وبقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٢. والعلم عند الله تعالى"٣.
والقول بعدم فناء النار –الذي نصره الشيخ الأمين –﵀- ودلل له، وردّ على الشبه التي أوردها المخالفون، وناقشهم مناقشة جادة مبطلا بذلك مذهبهم- هذا القول هو معتقد أهل السنة والجماعة. أما ما نسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه العلامة ابن القيم رحمهما الله من القول بفناء النار فلا يصح؛ إذ لا يوجد في مؤلفات شيخ الإسلام -﵀- على كثرتها- ما يدلّ على أنه قال بهذا القول، بل تجده دائما يؤكد على عدم فناء النار؛ من ذلك قوله: "وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة والجماعة على أنّ من المخلوقات ما لا يعدم ولا يفنى بالكلية؛ كالجنة والنار والعرش، وغير ذلك ولم يقل بفناء جميع المخلوقات إلا طائفة من أهل الكلام المبتدعين؛ كجهم بن صفوان، ومن وافقه من المعتزلة ونحوهم وهذا قول باطل يخالف كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وسلف الأمة وأئمتها"٤.
وأما ابن القيم -﵀-: فقد حقق موقفه د/علي بن علي جابر اليماني؛ حيث قال: "إنّ للعلامة ابن القيم في هذه المسألة ثلاثة مواقف: الأول: الميل٥ إلى القول بفناء النار:
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [١٧٤] . ٢ سورة آل عمران، الآية [١٧٨] . ٣ دفع إيهام الاضطراب ١٠/١٢٧-١٢٨. ٤ الفتاوى ١٨/٣٠٧. وقد كتب د/علي بن علي جابر اليماني رسالة في الذبّ عن شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وردّ ما اشتهر على ألسنة بعض الناس من نسبة القول بفناء النار إليهما. وقد أورد عن شيخ الإسلام ابن تيمية خمسة عشر نصا من كلام ابن تيمية نقلها من كتبه المعتمدة، يؤكد في هذه النصوص كلها على عدم فناء النار. (انظر كشف الأستار لإبطال ادعاء فناء النار ص٦٠-٦٩) . ٥ كون الإمام ابن القيم -﵀- ينصر هذا الوجه على سبيل المناظرة لا يدل على الميل، بل المشهور عنه، الجزم بعدم فنائها.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
كونه نصر ذلك بكثرة الوجوه البالغة خمسة وعشرين وجها بأدلتها المحيرة للعقول كما سبق بيانه عن الحادي، ومختصر الصواعق، وشفاء العليل. الثاني: التوقف؛ كما هو صريح كلامه في هذه المراجع المذكورة. الثالث: القول بأبدية النار تلميحا وتصريحا –إلى أن قال-:
وهذا هو الأخير من كلام ابن القيم -﵀- كما يبدو لي. والله أعلم"١، ثمّ أيد ذلك بنصوص من كلام العلامة ابن القيم -﵀٢.
_________________
(١) ١ انظر كشف الأستار لإبطال ادعاء فناء النار المنسوب لشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية ص٧٨-٨٢. ٢ انظر كلام ابن القيم في عدم فناء النار والقول بأيديتها في كتبه: الوابل الصيب ص٣٤. وزاد المعاد ١/٦٨. وطريق الهجرتين ص٢٥٤-٢٥٥.
[ ٢ / ٥٣١ ]
الفصل الخامس: جهود الشيخ الأمين في توضيح الإيمان بالقدر
المبحث الأول: بيانه لمراتب القدر
الفصل الخامس: جهود الشيخ الأمين في توضيح الإيمان بالقدر
القدر لغة: القضاء والحكم ومبلغ الشيء. والتقدير: التروية والتفكر في تسوية الأمر١.
وشرعا: ما سبق به العلم، وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد. وأن ﷿ قدر مقادير الخلائق وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها٢.
والإيمان بالقدر: أحد أركان الإيمان الستة التي لايتمّ الإيمان إلا بها، كما جاءت في حديث جبريل ﵇ لما سأل رسول الله ﷺ عن الإيمان، فأجابه: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"٣.
وقد دلّ على وجوب الإيمان بالقدر أدلة كثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية:
فمن الآيات القرآنية: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٤، وقوله سبحانه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ ٥.
وقوله جل وعلا: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿مَا
_________________
(١) ١ انظر القاموس المحيط ٢/٥٩١. ٢ لوامع الأنوار البهية ١/٣٤٨. ٣ أخرجه مسلم في صحيحه ١/٣٧. ٤ سورة القمر، الآية [٤٩] . ٥ سورة الأحزاب، الآية [٣٨] . ٦ سورة الرعد، الآية [٨] .
[ ٢ / ٥٣٥ ]
أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١.
ومن الأحاديث النبوية: حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لايؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حتى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه "٢.
وحديث عليّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " لايؤمن عبد حتى يؤمن بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن بالموت، وبالبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر" ٣. وحديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: " كلّ شيء بقدر، حتى العجز والكيس "٤.
وقد عرض الشيخ الأمين -﵀- عقيدة القدر في ثنايا تفسيره عند كلامه على بعض الآيات المتعلقة بهذا الباب، فذكر بعض مراتب القدر، وتكلم عن أفعال العباد، والفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، وأقسام الهداية.
وتصدى -﵀- لشبه القدرية النفاة، والجبرية، ففندها وأبطل احتجاجهم بها، وأقام الحجة عليهم مستدلا بالآيات القرآنية، والبراهين العقلية.
ولبيان ذلك كله قسمت هذا الفصل إلى مباحث:
_________________
(١) ١ سورة الحديد، الآية [٢٢] . ٢ أخرجه الترمذي في سننه ٤/٤٥١، وقال: "هذا حديث غريب لانعرفه إلا من حديث عبد الله ابن ميمون، وعبد الله بن ميمون منكر الحديث". والحديث صححه الألباني. (انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥/٥٦٦) . ٣ أخرجه الترمذي في سننه ٤/٤٥٢. وقال الألباني في تعليقه على مشكاة المصابيح (١/٣٧): "وسنده صحيح. وصححه الحاكم على شرطهما، ووافقه الذهبي". ٤ أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢٠٤٥.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
المبحث الأول: بيانه لمراتب القدر
مراتب القضاء والقدر عند أهل السنة والجماعة أربع، ولايتم إيمان العبد بالقدر إلا بإيمانه بهن:
المرتبة الأولى: العلم: وهي أن يؤمن الإنسان بأن الله بكلّ شيء عليم؛ يعلم ما كان، وما يكون قبل أن يكون، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون.
المرتبة الثانية: الكتابة: وهي الإيمان بأنّ الله كتب عنده في اللوح المحفوظ مقادير كل شيء قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
المرتبة الثالثة: المشيئة: وهي الإيمان بأنه ما وجد من موجود إلا بمشيئة الله تعالى، وما عدم من معدوم إلا بمشيئته تعالى.
المرتبة الرابعة: الخلق: وهي الإيمان بأنّ الله تعالى خالق كلّ شيء؛ فما من موجود في السموات والأرض إلا الله خالقه، حتى الموت خلقه الله وإن كان هو عدم الحياة١.
وقد دلّ القرآن الكريم على هذه المراتب:
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَاب﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ
_________________
(١) ١ انظر شفاء العليل للإمام ابن القيم ص٢٩. والقضاء والقدر للشيخ محمد بن صالح العثيمين ص٢١-٢٤. ٢ سورة الحج، الآية [٧٠] .
[ ٢ / ٥٣٧ ]
يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ٢.
وقد تناول الشيخ الأمين -﵀- بعض هذه المراتب أثناء تفسيره للآيات المتعلقة بالقدر؛ فقد أشار -﵀- إلى مرتبة العلم عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَة﴾ ٣، فقال: "أنّ معنى "كما بدأكم تعودون"؛ أي كما سبق لكم في علم الله من سعادة أو شقاوة، فإنكم تصيرون إليه، فمن سبق له العلم بأنه سعيد صار إلى السعادة، ومن سبق له العلم بأنه شقيّ صار إلى الشقاوة"٤.
وقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ٥:
"هذه الآية الكريمة تدلّ على أنّ الله جل وعلا الذي أحاط علمه بكلّ موجود ومعدوم يعلم المعدوم الذي سبق في الأزل أنه لا يكون، لو وجد كيف يكون؛ لأنه يعلم أنّ ردّ الكفار يوم القيامة إلى الدنيا مرة أخرى لا يكون، ويعلم هذا الردّ الذي لا يكون لو وقع كيف يكون) ٦.
وقال -﵀- عند قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْه﴾ ٧:
_________________
(١) ١ سورة التكوير، الآيتان [٢٨-٢٩] . ٢ سورة الملك، الآية [٢] . ٣ سورة الأعراف، الآيتان [٢٩-٣٠] . ٤ أضواء البيان ٢/٢٩٧. ٥ سورة الأنعام، الآية [٢٨] . ٦ أضواء البيان ٢/١٨٨. ٧ سورة البقرة، الآية [١٤٣] .
[ ٢ / ٥٣٨ ]
"معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾؛ أي علما يترتب عليه الثواب والعقاب، فلا ينافي كونه عالما به قبل وقوعه. وقد أشار تعالى إلى أنه لايستفيد بالاختبار علما جديدا؛ لأنه عالم بما سيكون حيث قال تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ١؛ فقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ بعد قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ دليل على أنه لايفيده الاختبار علما لم يكن يعلمه ﷾ عن ذلك، بل هو تعالى عالم بكلّ ما سيعمله خلقه، وعالم بكلّ شيء قبل وقوعه، كما لاخلاف فيه بين المسلمين ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ ٢ الآية٣.
أما مرتبة الكتابة: فقد تحدث عنها الشيخ الأمين -﵀- عند قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٤ فقال: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كل ما أصاب من المصائب في الأرض، كالقحط والجدب والجوائح في الزراعة والثمار، وفي الأنفس من الأمراض والموت كله مكتوب في كتاب قبل خلق الناس وقبل وجود المصائب"٥.
وقال -﵀- أيضا: "الشقي من كتب عليه الشقاء أزلا عند الله تعالى؛ فإنه جل وعلا قدر مقادير الخلق قبل أن يوجدوا، وصرف مشيئاتهم وأعمالهم إلى ما كتب. ولما سأل بعض أصحاب الرسول ﷺ عن العمل أهو خطة مدبرة قد فرغ منها، أم هو أنف؟ قال صلى الله
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية [١٥٤] . ٢ سورة سبأ، الآية [٣] . ٣ دفع إيهام الاضطراب ١٠/٢٨. وانظر أضواء البيان ٢/٣٠٣، ٤٩١، ٤/٨٠، ٦/٢٠٧، ٢٧٧، ٧/٥٩١، ٥٩٢. ومعارج الصعود ص٦٧. ٤ سورة الحديد، الآية [٢٢] . ٥ أضواء البيان ٧/٧١٤.
[ ٢ / ٥٣٩ ]
عليه وسلم: " لا بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير". قيل له: ففيم يعمل العاملون؟ قال: "كلّ ميسر لما خلق له" ١"٢.
وقال -﵀- أيضا: "فهو سبحانه قد كتب على كلّ واحد من الناس ما هو واقع به من شقاء أو سعادة، وخير أو شرّ قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة٣"٤.
أما مرتبة المشيئة: فقد تحدث عنها الشيخ الأمين -﵀- عند قوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ ٥، فقال: "وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ يدلّ على أنّ مايعرض للعبد من غفلة ومعصية إنما هو بمشيئة الله تعالى؛ إذ لايقع شيء البتة كائنا ما كان إلا بمشيئته الكونية القدرية جل وعلا ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّه..﴾ الآية٦، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ ٧، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ٨، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ٩، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِ..﴾ الآية١٠، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ١١، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنّ كلّ شيء من خير وشرّ لا يقع إلا بمشيئة خالق السموات والأرض"١٢.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٤/٢٠٤٠-٢٠٤١. ٢ معارج الصعود ص٢٥١. ٣ راجع صحيح مسلم ٤/٢٠٤٢-٢٠٤٤. ٤ معارج الصعود ص٣٠٢. وانظر أضواء البيان ٣/٢٦٨. ٥ سورة الكهف، الآية [٢٨] . ٦ سورة الإنسان، الآية [٣٠] . ٧ سورة الأنعام، الآية [١٠٧] . ٨ سورة السجدة، الآية [١٣] . ٩ سورة الأنعام، الآية [٣٥] . ١٠ سورة البقرة، الآية [٧] . ١١ سورة الأنعام، الآية [٢٥] . ١٢ أضواء البيان ٤/٩٠.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
وقال الشيخ الأمين -﵀- أيضا عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ الآية١:
"صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لو شاء إيمان جميع أهل الأرض لآمنوا كلهم جميعا. وهو دليل واضح على أنّ كفرهم واقع بمشيئته الكونية القدرية. وبين ذلك أيضا في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ الآية٢، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ٣، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ٤، إلى غير ذلك من الآيات"٥.
أما مرتبة الخلق: فقد تحدث عنها الشيخ الأمين -﵀- عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ ٦؛ فقال: (أي خلقهم لأن يختلفوا إلى مؤمن وكافر، وبر وفاجر، وشقي وسعيد، ليصرف كلًا إلى ما كتب له في الأزل، ولتظهر فيهم آثار صفات الله تعالى وأسمائه من رحمة ورضا، وثواب للمطيعين، وقهر وجبروت وشدة عذاب للعاصين٧.
وقال أيضا: "ولذلك خلقهم": أي أراد ذلك منهم قدرا عند وجودهم، فوجدوا كما أراد الله؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ٨ ٩.
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية [٩٩] . ٢ سورة الأنعام، الآية [١٠٧] . ٣ سورة السجدة، الآية [١٣] . ٤ سورة الأنعام، الآية [٣٥] . ٥ أضواء البيان ٢/٤٩٢. وانظر المصدر نفسه ٣/٢٢١. ٦ سورة هود، الآية [١١٩] . ٧ معارج الصعود ص٣٠٢. ٨ سورة يس، الآية [٨٢] . ٩ معارج الصعود ص٢٠٣. وانظر دفع إيهام الاضطراب ١٠/١٥٨.
[ ٢ / ٥٤١ ]
المبحث الثاني: الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية
منشأ الضلال في القدر هو من التسوية بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية؛ كما فعل الجبرية والقدرية:
فالقدرية قالوا: إنّ المعاصي والذنوب ليست محبوبة لله، ولامرضية، فليست مقدرة ولا مقضية، فهي عن مشيئته وخلقه.
والجبرية قالوا: الكون كله بقضاء الله وقدره فيكون محبوبا مرضيا١.
وأهل السنة والجماعة أبصروا الحقيقة كلها، فآمنوا بالحقّ الذي عند كلّ واحد من الفريقين، ونفوا الباطل الذي تلبس به كلّ واحد منهما؛ فهم يقولون: إنّ الله وإن كان يريد المعاصي قدرا فهو لايحبها ولايرضاها ولا يأمر بها، بل يبغضها وينهى عنها٢.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- الفرق بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية، فقال -﵀-: "وتحقيق النسبة بين الإرادة الكونية والإرادة الشرعية الدينية أنه بالنسبة إلى وجود المراد وعدم وجوده؛ فالإرادة الكونية أعمّ مطلقا؛ لأنّ كلّ مراد شرعا يتحقق وجوده في الخارج إذا أريد كونا وقدرا؛ كإيمان أبي بكر، وليس يوجد مالم يرد كونا وقدرا ولو أريد شرعا؛ كإيمان أبي لهب. فكلّ مراد شرعي حصل فبالإرادة الكونية، وليس كلّ مراد كوني حصل مرادا في الشرع. وأما بالنسبة إلى تعلق الإرادتين بعبادة
_________________
(١) ١ انظر شرح الطحاوية ص٢٧٩. ومدارج السالكين ١/٢٥١-٢٥٢. ٢ انظر القضاء والقدر للدكتور عمر الأشقر ص١٠٣.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
الإنس والجنّ لله تعالى: فالإرادة الشرعية أعم مطلقًا، والإرادة الكونية أخص مطلقا؛ لأن كلّ فرد من أفراد الجنّ والإنس أراد الله منه العبادة شرعا، ولم يردها من كلهم كونا وقدرا؛ فتعمّ الإرادة الشرعية عبادة جميع الثقلين، وتختصّ الإرادة الكونية بعبادة السعداء منهم كما قدمنا من أنّ الدعوة عامة والتوفيق خاصّ؛ كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ١؛ فصرح بأنه يدعو الكلّ ويهدي من شاء منهم. وليست النسبة بين الإرادة الشرعية والقدرية العموم والخصوص من وجه، بل هي العموم والخصوص المطلق كما بينا، إلا أنّ إحداهما أعمّ مطلقا من الأخرى باعتبار، والثانية أعمّ مطلقا باعتبار آخر كما بينا، والعلم عند الله تعالى"٢.
وقال الشيخ -﵀- في موضع آخر: "إنّ الإرادة نوعان: كونية قدرية: وهي مشيئة الله وقوع الشيء أو عدم وقوعه.
وإرادة شرعية دينية؛ بحيث يطلب المراد باعتبار الشرع؛ بحيث لو أدى الإنسان ما أريد منه شرعا أثيب، وإن لم يؤد ذلك استحق العقاب والنكال والعذاب. والإرادة الشرعية لاتستلزم الإرادة الكونية القدرية؛ لأنّ النفوذ وعدمه يتعلق بالإرادة القدرية ولا يتعلق ذلك بالإرادة الشرعية. فالشيء الذي يراد إرادة شرعية مطلوب شرعا، لكن قد يريده الله كونا، وقد لايريده كونا وقدرا فلا يقع"٣.
وهذا التفريق بين الإرادة الكونية والشرعية هو معتقد أهل السنة والجماعة كما تقدم القول في ذلك. وممن ذكر هذا الفرق من علماء السلف: شيخ
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية [٢٥] . ٢ دفع إيهام الاضطراب ١٠/١٦٠-١٦١. ٣ معارج الصعود ص٣٠٢. وانظر دفع إيهام الاضطراب ١٠/١٢٩، ١٣٣، ١٥٩. وأضواء البيان ٧/٢٢٢.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
الإسلام ابن تيمية -﵀- حيث يقول: (الإرادة في كتاب الله على نوعين، أحدهما: الإرادة الكونية: وهي الإرادة المستلزمة لوقوع المراد التي يقال فيها ماشاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.. وأما النوع الثاني: فهو الإرادة الدينية الشرعية: وهي محبة المراد ورضاه ومحبة أهله والرضا عنهم وجزاؤهم بالحسن فهذه الإرادة لاتستلزم وقوع المراد إلا أن يتعلق به النوع الأول من الإرادة. ولهذا كانت الأقسام أربعة:
أحدها: ما تعلقت به الإرادتان؛ وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة؛ فإنّ الله أراده إرادة تديّن وشرع، فأمر به وأحبه ورضيه وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك لما كان. الثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط: وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الأمرَ الكفارُ والفجار؛ فتلك كلها إرادة دين، وهو محبها ويرضاها لو وقعت ولو لم تقع. الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط: وهو ماقدره وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها: كالمباحات والمعاصي فإنه لم يأمر بها ولم يرضها ولم يحبها؛ إذ هو لا يأمر بالفحشاء، ولايرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت؛ فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. والرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه؛ فهذا مالم يكن من أنواع المباحات والمعاصي"١.
وقال الإمام ابن أبي العزّ الحنفي -﵀- مفرقا بين الإرادة الكونية، والإرادة الشرعية: (إنّ الله تعالى يريد الكفر من الكافر ويشاؤه، ولا يرضاه ولا يحبه؛ فيشاؤه كونا، ولا يرضاه دينا) ٢.
وبهذا يتضح مذهب السلف في هذه المسألة التي كانت منشأ الضلال
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٨/١٨٧-١٨٩. وانظر أيضا: المصدر نفسه ٨/٤٤٠. ولوامع الأنوار البهية ١/٣٣٨. ٢ شرح الطحاوية ص٢٧٧.
[ ٢ / ٥٤٤ ]
والتخبط في باب القدر؛ بسبب عدم تفريق المخالفين بين الإرادتين. وهدى الله أهل السنة والجماعة بسبب تمسكهم بالأصلين العظيمين إلى التمييز بين الإرادتين، فوافقوا بمعتقدهم ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٥٤٥ ]
المبحث الثالث: الهداية
الهداية نوعان: هداية دلالة على الحقّ وإرشاد؛ وهي لجميع الخلق، وهي التي يقدر عليها الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ ١. وهداية توفيق وتثبيت من الله منة منه وفضلا لعباده المتقين؛ وهي التي لايقدر عليها إلا الله، قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢"٣.
وقد أوضح الشيخ الأمين -﵀- نوعي الهداية، فقال -﵀-: "إنّ الهدى يستعمل في القرآن استعمالين؛ أحدهما عام، والثاني خاص. أما الهدى العام فمعناه إبانة طريق الحقّ وإيضاح المحجة سواء سلكها المبين له أم لا. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ ٤؛ أي بينا لهم طريق الحقّ على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، مع أنهم لم يسلكوها، بدليل قوله ﷿ ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ ٥.
ومنه أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ ٦ أي بينا له طريق الخير والشرّ، بدليل ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ ٧.
_________________
(١) ١ سورة الرعد، الآية [٧] . ٢ سورة القصص، الآية [٥٦] . ٣ انظر الجامع لأحكام القرآن ١/١١٢-١١٣. ٤ سورة فصلت، الآية [١٧] . ٥ سورة فصلت، الآية [١٧] . ٦ سورة الإنسان، الآية [٣] . ٧ سورة الإنسان، الآية [٣] .
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وأما الهدى الخاصّ: فهو تفضل الله بالتوفيق على العبد. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ١،٢.
وقال أيضا: "إنّ الهدى المثبت له ﷺ هو الهدى العام الذي هو البيان والدلالة والإرشاد.
وقد فعل ذلك ﷺ فبين المحجة البيضاء حتى تركها ليلها كنهارها لايزيغ عنها إلا هالك. والهدى المنفي عنه في آية ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ٣ هو الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق: لأنّ ذلك بيد الله وحده، وليس بيده ﷺ؛ كما قال: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ الآية٤"٥.
ثمّ وضح الشيخ الأمين -﵀- أنّ التوفيق الخاص هو ملك لله يمنّ به على من يشاء من عباده؛ فقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٦.
"فملكه تعالى وحده للتوفيق والهداية هو الحجة البالغة على خلقه؛ يعني فمن هديناه وتفضلنا عليه بالتوفيق فهو فضل منا ورحمة. ومن لم نفعل له ذلك فهو عدل منا وحكمة؛ لأنه لم يكن له ذلك دينا علينا ولاواجبا مستحقا يستحقه علينا بل إن أعطينا ذلك ففضل، وإن لم نعطه فعدل"٧.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [١٢٥] . ٢ دفع إيهام الاضطراب ١٠/٨. ٣ سورة القصص، الآية [٥٦] . ٤ سورة المائدة، الآية [٤١] . ٥ أضواء البيان ٧/١٢٦-١٢٧. وانظر المصدر نفسه ٣/٢٦٨، ٤/١٤٧، ٦/٤٥٦. ٦ سورة الأنعام، الآية [١٤٩] . ٧ أضواء البيان ٧/٢٢٣.
[ ٢ / ٥٤٧ ]
وتقسيم الشيخ الأمين -﵀- للهداية إلى هذين النوعين ليس بدعا، بل قد سبقه إليه أئمة السلف ﵏؛ منهم الإمام ابن القيم -﵀- الذي قال في توضيح نوعي الهداية: (قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يتضمن طلب الهداية ممن هو قادر عليها، وهي بيده إن شاء أعطاها عبده، وإن شاء منعه إياها. والهداية معرفة الحقّ والعمل به، فمن لم يجعله تعالى عالما بالحق عاملا به لم يكن له سبيل إلى الاهتداء؛ فهو سبحانه المتفرد بالهداية الموجبة للاهتداء التي لايتخلف عنها؛ وهي جعل العبد مريدا للهدى محبا له مؤثرا له عاملا به. فهذه الهداية ليست إلى ملك مقرب ولانبيّ مرسل، وهي التي قال سبحانه فيها: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ١، مع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٢؛ فهذه هداية الدعوة والتعليم والإرشاد، وهي التي هدى بها ثمود فاستحبوا العمى عليها، وهي التي قال تعالى فيها: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ ٣؛ فهداهم هدى البيان الذي تقوم به حجته عليهم، ومنعهم الهداية الموجبة للاهتداء التي لايضلّ من هداه بها، فذاك عدله فيهم، وهذا حكمته؛ فأعطاهم ما تقوم به الحجة عليهم، ومنعهم ما ليسوا له بأهل ولايليق بهم) ٤.
وقال -﵀- أيضًا يتكلم عن القسم الثاني من أقسام الهداية، ألا وهو تفضل الله على العبد بتوفيقه رحمة منه وفضلًا جل وعلا: "التوفيق هو أن لا يكلك الله إلى نفسك وأن الخذلان هو أن يخلي بينك وبين نفسك، فالعبيد مقلبون بين توفيقه وخذلانه، بل العبد في الساعة الواحدة ينال
_________________
(١) ١ سورة القصص، الآية [٥٦] . ٢ سورة الشورى، الآية [٥٢] . ٣ سورة التوبة، الآية [١١٥] . ٤ شفاء العليل ص٥٣. وانظر: المصدر نفسه ص٦٥. وبدائع الفوائد ٢/٣٥. ولوامع الأنوار البهية ١/٣٣٤. وشرح العقيدة الطحاوية ص٥٠٠.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
نصيبه من هذا وهذا فإن وفقه فبفضله ورحمته، وإن خذله فبعدله وحكمته. وهو المحمود على هذا وهذا له أتمّ حمد وأكمله، ولم يمنع العبد شيئا هو له، وإنما منعه ما هو مجرد فضله وعطائه، وهو أعلم حيث يضعه وأين يجعله"١.
_________________
(١) ١ مدارج السالكين ١/٤١٣. وانظر شرح الطحاوية ص٥٠٠.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
المبحث الرابع: أفعال العباد بين الإفراط والتفريط
المطلب الأول: وسطية أهل السنة والجماعة في أفعال العباد
ذكر الشيخ الأمين -﵀- أنّ هذه المسألة قد ضلّ فيها القدرية والجبرية، وهدى الله فيها أهل السنة والجماعة إلى القول الحقّ بإذنه؛ فقال -﵀-: "أما القدرية فضلوا بالتفريط؛ حيث زعموا أنّ العبد يخلق عمل نفسه استقلالا من غير تأثير لقدرة الله فيه. وأما الجبرية فضلوا بالإفراط؛ حيث زعموا أنّ العبد لاعمل له أصلا حتى يؤاخذ به. وأما أهل السنة والجماعة فلم يفرطوا ولم يفرطوا؛ فأثبتوا للعبد أفعالا اختيارية –ومن الضروري عند جميع العقلاء أنّ الحركة الارتعاشية ليست كالحركة الاختيارية-، وأثبتوا أنّ الله خالق كل شيء؛ فهو خالق العبد وخالق قدرته وإرادته. وتأثير قدرة العبد لا يكون إلا بمشيئة الله تعالى، فالعبد وجميع أفعاله بمشيئة الله تعالى، مع أنّ العبد يفعل اختيارا بالقدرة والإرادة اللتين خلقهما الله فيه فعلا اختياريا يثاب عليه ويعاقب"١.
وقد بسط الشيخ الأمين -﵀- عقيدة أهل السنة والجماعة في القدر، وبين وسطيتهم بين الغالين والمفرطين، وقررها أحسن تقرير؛ فأتى بخلاصة معتقد السلف في القدر؛ فقال -﵀-: "إنّ الله ﵎ قدر
_________________
(١) ١ دفع إيهام الاضطراب ١٠/٣٣٠. وانظر معارج الصعود ص٢٩٧-٢٩٨.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
مقادير الخلق قبل أن يخلق الخلق، وعلم أنّ قوما صائرون إلى الشقاء، وقوما صائرون إلى السعادة؛ فريق في الجنة وفريق في السعير. وأقام الحجة على الجميع ببعث الرسل وتأييدهم بالمعجزات التي لا تترك في الحقّ لبسا، فقامت عليهم حجة الله في أرضه بذلك. ثمّ إنه تعالى وفق من شاء توفيقه، ولم يوفق من سبق لهم في علمه الشقاء الأزلي، وخلق لكلّ واحد منهم قدرة وإرادة يقدر بها على تحصيل الخير والشر، وصرف قدرتهم وإرادتهم بقدرته وإرادته إلى ما سبق لهم في عمله من أعمال الخير المستوجبة للسعادة وأعمال الشر المستوجبة للشقاء. فأتوا كلّ ما أتوا، وفعلوا كلّ ما فعلوا طائعين مختارين غير مجبورين ولامقهورين: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١، ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢"٣.
وبهذه الخلاصة الجامعة أبرز الشيخ الأمين -﵀- عقيدة أهل السلف في القدر موضحا وسطية أهل السنة والجماعة بين الغالين والجافين.
وقد سبقه إلى بيان هذه الوسطية علماء أجلاء من أهل السنة والجماعة؛ منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- الذي قال: "اعلم أنّ العبد فاعل على الحقيقة وله مشيئة ثابتة، وله إرادة جازمة، وقوة صالحة. وقد نطق القرآن بإثبات مشيئة العباد في غير ما آية؛ كقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤، ونطق بإثبات فعله في عامة آيات القرآن: يعملون، يفعلون، يؤمنون، يكفرون، يتفكرون، يحافظون، يتقون. وكما أنا فارقنا مجوس الأمة بإثبات أنه تعالى خالق،
_________________
(١) ١ سورة الإنسان، الآية [٣٠] . ٢ سورة الأنعام، الآية [١٤٩] . ٣ أضواء البيان ٧/٢٢٣-٢٢٤. ٤ سورة التكوير، الآية [٢٨] .
[ ٢ / ٥٥١ ]
فارقنا الجبرية بإثبات أنّ العبد كاسب فاعل صانع عامل، والجبر المعقول الذي أنكره سلف الأمة وعلماء السنة هو أن يكون الفعل صادرا على الشيء من غير إرادة ولا مشيئة ولا اختيار؛ مثل حركة الأشجار بهبوب الرياح"١.
وقال -﵀- أيضا: "الأعمال والأقوال والطاعات والمعاصي هي من العبد؛ بمعنى أنها قائمة به، وحاصلة بمشيئته وقدرته، وهو المتصف بها والمتحرك بها الذي يعود حكمها عليه. وهي من الله بمعنى أنه خلقها قائمة بالعبد وجعلها عملا له وكسبا؛ كما يخلق المسببات بأسبابها؛ فهي من الله مخلوقة له، ومن العبد صفة قائمة به واقعة بقدرته وكسبه كما إذا قلنا هذه الثمرة من الشجرة، وهذا الزرع من الأرض؛ بمعنى أنه حدث منها، ومن الله بمعنى أنه خلقه منها: لم يكن بينهما تناقض"٢.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٨/٣٩٣-٣٩٤. ٢ نقلًا عن لوامع الأنوار البهية ١/٣١٣.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
المطلب الثاني: موقف الشيخ الأمين من الجبرية
أوضح الشيخ الأمين -﵀- معتقد الجبرية، وبين أنهم وقعوا في التفريط حيث زعموا أنّ العبد لافعل له، بل هو مجبور من قبل الله لا مشيئة له في حركة ولاسكون١.
وقد ردّ -﵀- على هذه الفرقة الضالة في مواطن عديدة من تفسيره، وأورد شبههم التي يتعلقون بها، فأسقطها وأقام عليهم الحجة بالآيات القرآنية والبراهين العقلية؛ فقال -﵀- في معرض الردّ عليهم: "وادعاء أنّ العبد مجبور لا إرادة له ضروريّ السقوط عند عامة العقلاء. ومن أعظم الضروريات الدالة عليه أنّ كلّ عاقل يعلم أنّ بين الحركة الاختيارية والحركة الاضطرارية كحركة المرتعش فرقا ضروريا لا ينكره عاقل. وأنك لو ضربت من يدعي أنّ الخلق مجبورون وفقأت عينه مثلا، وقتلت ولده واعتذرت له بالجبر فقلت له: أنا مجبور ولا إرادة لي في هذا السوء الذي فعلته بك، بل هو فعل الله وأنا لا دخل لي فيه؛ فإنه لا يقبل منك هذه الدعوى بلا شك، بل يبالغ في إرادة الانتقام منك قائلا: إنّ هذا بإرادتك ومشيئتك"٢.
وهكذا يصور لنا الشيخ الأمين -﵀- تفاهة هذا المعتقد، ويبين أنه لايقوم على أساس صحيح، بل ولا ينظر إلى حقيقة القدر إلا من عين واحدة.
وقد تطرق ﵀ إلى ذكر بعض شبه الجبرية التي أقاموا عليها مذهبهم، فأوردها ﵀ بصيغة مناظرة بين جبريّ وسنيّ؛ فقال رحمه
_________________
(١) ١ انظر معارج الصعود ص٢٩٨. ولعلها (الإفراط وليست التفريط) . ٢ أضواء البيان ٧/٢٢٤.
[ ٢ / ٥٥٣ ]
الله: "لو فرضنا أنّ جبريا ناظر سنيا، فقال الجبري: حجتي لربي أن أقول: إني لست مستقلا بعمل، وإني لابدّ أن تنفذ فيّ مشيئته وإرادته على وفق العلم الأزلي، فأنا مجبور فكيف يعاقبني على أمر لاقدرة لي أن أحيد عنه؟
فإن السنيّ يقول له: كلّ الأسباب التي أعطاها للمهتدين أعطاها لك؛ جعل لك سمعا تسمع به، وبصرا تبصر به وعقلا تعقل به. وأرسل لك رسولا، وجعل لك اختيارا وقدرة، ولم يبق بعد ذلك إلا التوفيق، وهو ملكه المحض، إن أعطاه ففضل، وإن منعه فعدل؛ كما أشار له تعالى بقوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ١؛ يعني أنّ ملكه للتوفيق حجة بالغة على الخلق؛ فمن أعطيه ففضل، ومن منعه فعدل"٢.
وهذه الشبهة التي أوردها الشيخ الأمين -﵀- وردّ عليها قد ردّ عليها غير واحد من السلف ﵏ بنحو ردّ الشيخ الأمين -﵀-؛ منهم العلامة ابن القيم -﵀- الذي قال يردّ على هذه الشبهة الجبرية: "فما احتج بالقدر على إبطال الأمر والنهي إلا من هو من أجهل الناس وأظلمهم وأتبعهم لهواه.
وتأمل قوله تعالى بعد حكايته عن أعدائه واحتجاجهم بمشيئته وقدره على إبطال ما أمرهم به رسوله، وأنه لولا محبته ورضاه به لما شاءه منهم: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣؛ فأخبر سبحانه أنّ الحجة له عليهم برسله وكتبه وبيان ما ينفعهم ويضرهم وتمكنه من الإيمان بمعرفة أوامره ونواهيه، وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [١٤٩] . ٢ دفع إيهام الاضطراب ١٠/٣٣١. ٣ سورة الأنعام، الآية [١٤٩] .
[ ٢ / ٥٥٤ ]
فثبتت حجته البالغة عليهم بذلك، واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه"١.
وأورد الشيخ الأمين -﵀- أيضا للجبرية شبهة أخرى يبنون عليها معتقدهم الفاسد، وردّ عليها، وفندها. وقد ذكرها -﵀- مرارا لأهميتها؛ فقال -﵀- ذاكرا الشبهة ورادا عليها: "فإن قيل: إذا كانوا لايستطيعون السمع، ولايبصرون ولايفقهون؛ لأنّ الله جعل الأكنة المانعة من الفهم على قلوبهم، والوقر الذي هو الثقل المانع من السمع في آذانهم: فهم مجبورون. فما وجه تعذيبهم على شيء لايستطيعون العدول عنه والانصراف إلى غيره؟ فالجواب: أنّ الله جل وعلا بين في آيات كثيرة من كتابه العظيم أنّ تلك الموانع التي يجعلها على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم؛ كالختم والطبع والغشاوة والأكنة ونحو ذلك إنما جعلها عليهم جزاء وفاقا لما بادروا إليه من الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم؛ فأزاغ الله قلوبهم بالطبع والأكنة ونحو ذلك جزاء على كفرهم؛ فمن الآيات الدالة على ذلك: قوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِم﴾ ٢، أي بسب كفرهم، وهو نص قرآني صريح في أنّ كفرهم السابق هو سبب الطبع على قلوبهم. وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ٣، وهو دليل أيضا واضح على أنّ سبب إزاغة الله قلوبهم هو زيغهم السابق. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ ٤ وفي قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ﴾ الآية٥، وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا
_________________
(١) ١ شفاء العليل ص١٧. وانظر رفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر، للعلامة مرعي الكرمي ص٣٠. ٢ سورة النساء، الآية [١٥٥] . ٣ سورة الصف، الآية [٥] . ٤ سورة المنافقون، الآية [٣] . ٥ سورة البقرة، الآية [١٠] .
[ ٢ / ٥٥٥ ]
لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ٢، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أنّ الطبع على القلوب ومنعها من فهم ماينفع: عقاب من الله على الكفر السابق على ذلك. وهذا الذي ذكرنا هو وجه ردّ شبهة الجبرية التي يتمسكون بها في هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم"٣.
وقد ردّ على هذه الشبهة أيضا عدد من أئمة السلف؛ منهم العلامة ابن القيم -﵀- الذي قال مبينا سبب الختم والطبع والران على القلوب: "ولكنه عقوبة على كفرهم وإعراضهم السابق؛ فإنه سبحانه يعاقب على الضلال المقدور بإضلال بعده، ويثيب على الهدى بهدى بعده، كما يعاقب على السيئة بسيئة مثلها ويثيب على الحسنة بحسنة مثلها –إلى أن قال:- فإنه إذا دعا عبده إلى معرفته ومحبته وذكره وشكره فأبى العبد إلا إعراضا وكفرا قضى عليه بأن أغفل قلبه عن ذكره، وصده عن الإيمان به، وحال بين قلبه وبين قبول الهدى؛ وذلك عدل منه فيه، وتكون عقوبته بالختم والطبع والصدّ عن الإيمان كعقوبته له بذلك في الآخرة مع دخول النار وكذلك عماهم عن الهدى في الآخرة عقوبة لهم على عماهم في الدنيا، ولكنّ أسباب هذه الجرائم في الدنيا كانت مقدورة لهم واقعة باختيارهم وإرادتهم وفعلهم، فإذا وقعت عقوبات لم تكن مقدورة، بل قضاء جار عليهم ماض عدل فيهم"٤.
وقد أجاب أيضا عن هذه الشبهة الإمام أبي العزّ الحنفي -﵀- الذي قال: "والجواب الصحيح عنه أن يقال: إنّ ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية وإن كانت خلقا لله تعالى، فهي عقوبة له على ذنوب
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [١١٠] . ٢ سورة المطففين، الآية [١٤] . ٣ أضواء البيان ٤/١٤٤-١٤٥. وانظر: المصدر نفسه ٦/٦٥٣، ٧/١٠٩-١١٠، ودفع إيهام الاضطراب ١٠/٩-١٠. ومعارج الصعود ص٧٩. ٤ شفاء العليل ص٨٦.
[ ٢ / ٥٥٦ ]
قبلها؛ فالذنب يكسب الذنب، ومن عقاب السيئة السيئة بعدها؛ فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضا"١.
_________________
(١) ١ شرح الطحاوية ص٤٩٧. وقد ردّ شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- على هذه الشبهة بنحو ردود هؤلاء السلف ﵏، (انظر الفتاوى ١٤/٣٣١) .
[ ٢ / ٥٥٧ ]
المطلب الثالث: موقف الشيخ الأمين -﵀- من القدرية النفاة
بين الشيخ الأمين -﵀- معتقد القدرية في أفعال العباد موضحا أنهم وقعوا في الإفراط في هذا الباب بإنكارهم القدر وجعلهم العبد مستقلا بكلّ ما يفعل، ليس لمشيئة الله دخل في ذلك١؛ فقال -﵀- في معرض الردّ عليهم: "ومن أعظم الأدلة القطعية الدالة على بطلان مذهب القدرية، وأنّ العبد لايستقل بأفعاله دون قدرة الله ومشيئته: أنه لا يمكن لأحدٍ أن ينكر علم الله بكل شيء قبل وقوعه، والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا ينكرها إلا مكابر. وسبق علم الله بما يقع من العبد قبل وقوعه برهان قاطع على بطلان تلك الدعوى. وإيضاح ذلك: أنك لو قلت للقدري: إذا كان علم الله في سابق أزله تعلق بأنك تقع منك السرقة أو الزنا في محلّ كذا في وقت كذا، وأردت أنت بإرادتك المستقلة في زعمك دون إرادة الله ألا تفعل تلك السرقة أو الزنا الذي سبق بعلم الله وقوعه، فهل يمكنك أن تستقلّ بذلك؟ وتصير علم الله جهلا بحيث لا يقع ما سبق في علمه وقوعه في وقته المحدد له؟ والجواب بلا شك هو: أنّ ذلك لا يمكن بحال؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ٢، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٣. ولا إشكال البتة في أنّ الله يخلق للعبد قدرة وإرادة يقدر بها على الفعل والترك، ثمّ يصرف الله بقدرته وإرادته قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به علمه فيأتيه العبد طائعا مختارا غير مقهور
_________________
(١) ١ انظر معارج الصعود ص٢٩٧. ٢ سورة الإنسان، الآية [٣٠] . ٣ سورة الأنعام، الآية [١٤٩] .
[ ٢ / ٥٥٨ ]
ولا مجبور، وغير مستقلّ به دون قدرة الله وإرادته؛
كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ١"٢.
وهذا المعتقد الذي قرره الشيخ الأمين -﵀- هو عين ما قرره قبله أئمة السلف ﵏؛ مثل شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- الذي قال: "إنّ أئمة أهل السنة يقولون: إنّ الله خالق أفعال العباد، كما أنّ الله خالق كلّ شيء، وأنه تعالى خالق الأشياء بالأسباب، وأنه تعالى خلق للعبد قدرة بها يكون فعله، وأنّ العبد فاعل لفعله حقيقة"٣.
ومنهم العلامة ابن القيم -﵀- الذي قال في معرض حديثه عن عقيدة السلف في القدر: "فإنهم يثبتون قدرة الله على جميع الموجودات؛ من الأعيان والأفعال، ومشيئته العامة، وينزهونه أن يكون في ملكه ما لا يقدر عليه، ولا هو واقع تحت مشيئته، ويثبتون القدر السابق، وأنّ العباد يعملون على ما قدره الله وقضاه وفرغ منه، وأنه لا يشاؤون إلا أن يشاء الله، ولايفعلون إلا من بعد مشيئته، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن"٤.
ثمّ أخذ -﵀- يوضح معتقد أهل السنة في أفعال العباد، فقال: "فحركاتهم واعتقاداتهم أفعال لهم حقيقة، وهي مفعولة لله سبحانه، مخلوقة له حقيقة، والذي قام بالرب ﷿ علمه وقدرته ومشيئته وتكوينه. والذي قام بهم هو فعلهم وكسبهم وحركاتهم وسكناتهم، فهم المسلمون المصلون القائمون القاعدون حقيقة، وهو سبحانه هو المقدر على ذلك القادر عليه الذي شاءه منهم وخلقه لهم، ومشيئتهم وفعلهم بعد
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية [١٤٩] . ٢ أضواء البيان ٧/٢٢٤-٢٢٥. ٣ نقلا عن لوامع الأنوار البهية ١/٢١٣. ٤ شفاء العليل ص٥٢.
[ ٢ / ٥٥٩ ]
مشيئته؛ فما يشاؤون إلا أن يشاء الله. وما يفعلون إلا أن يشاء الله"١.
وأما عن مذهب القدرية النفاة في هذا الباب:
فقد تعرض له الشيخ الأمين -﵀- في مواضع عديدة من تفسيره، فردّ عليه، وبين بطلانه وتفاهته، وأسقط الأدلة التي قام عليها، وبين تهافتها:
قال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ ٢: "ويؤخذ من هذه الآيات وأمثالها في القرآن الكريم بطلان مذهب القدرية: أنّ العبد مستقلّ بعمله من خير أو شرّ، وإنّ ذلك ليس بمشيئة الله بل بمشيئة العبد، سبحانه جل وعلا عن أن يقع في ملكه شيء بدون مشيئته، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا"٣.
وقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ –إلى قوله- ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ ٤: "واعلم أنّ ما ذكره الزمخشري في هذه الآية وأطنب فيه من أنّ الله لايضلّ أحدا: مذهب المعتزلة؛ وهو مذهب باطل، في غاية الوضوح من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فإياك أن تغترّ به"٥.
وأورد الشيخ -﵀- عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ ٦.
_________________
(١) ١ شفاء العليل ص٥٢. ٢ سورة الكهف، الآية [١٧] . ٣ أضواء البيان ٤/٤٠. ٤ سورة الفرقان، الآيتان [١٧-١٨] . ٥ أضواء البيان ٦/٣٠٠. ٦ سورة الزخرف، الآية [٨١] .
[ ٢ / ٥٦٠ ]
قول الزمخشري الذي أساء الأدب مع كلام الله، وضرب لهذه الآية مثلا بقوله: "ونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه عذابا سرمدا، فأنا أول من يقول هو شيطان وليس بإله"١.
وقد ردّ الشيخ الأمين -﵀- على هذا القول الشنيع وبين فساد معتقده، فقال: "فانظر قول هذا الضال في ضربه المثل في معنى هذه الآية الكريمة بقول الضال الذي يسميه العدلي: إن كان الله خالقا للكفر في القلوب..إلخ. فخلق الله للكفر في القلوب وتعذيبه الكفار على كفرهم مستحيل عنده كاستحالة نسبة الولد لله. وهذا المستحيل في زعمه الباطل إنما علق عليه أفظع أنواع المستحيل، وهو زعمه الخبيث أنّ الله إن كان خالقا للكفر في القلوب ومعذبا عليه فهو شيطان، لا إله إلا الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. فانظر رحمك الله فظاعة جهل هذا الإنسان بالله، وشدة تناقضه في المعنى العربي للآية؛ لأنه جعل قوله: إن كان الله خالقا للكفر ومعذبا عليه بمعنى ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ ٢؛ في أنّ الشرط فيهما مستحيل. وجعل قوله في الله أنه شيطان –لا إله إلا الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا- كقول النبيّ ﷺ: "أنا أول العابدين". فاللازم لكلامه أن يقول: لو كان خالقا للكفر فأنا أول العابدين. وقد أعرضت عن الإطالة في بيان بطلان كلامه وشدة ضلاله وتناقضه: لشناعته ووضوح بطلانه؛ فهي عبارات مزخرفة، وشقشقة لا طائل تحتها، وهي تحمل في طياتها الكفر والجهل بالمعنى العربي للآية، والتناقض الواضح ولا يخفى تصريح القرآن بأنّ الله خالق كلّ شيء؛ كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية٣، وقال تعالى:
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٣٠٢. ٢ سورة الزخرف، الآية [٨١] . ٣ سورة الزمر، الآية [٦٢] .
[ ٢ / ٥٦١ ]
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ١، وقال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ٣. فالإيمان بالقدر خيره وشره الذي هو من عقائد المسلمين جعله الزمخشريّ يقتضي أنّ الله شيطان، سبحان الله وتعالى عما يقوله الزمخشري علوا كبيرا، وجزى الزمخشري بما هو أهله"٤.
_________________
(١) ١ سورة الفرقان، الآية [٢] . ٢ سورة فاطر، الآية [٣] . ٣ سورة القمر، الآية [٤٩] . ٤ أضواء البيان ٧/٣٠٣-٣٠٤. وانظر المصدر نفسه ٣/٥٩٧، ٤/٩٠، ٢٧٥.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
إشكال، وتوضيح
في آخر هذا المبحث أورد إشكالا طرحه الشيخ الأمين -﵀- بطريقة سؤال وجواب، ولأهميته أسوقه كما أورده:
قال -﵀- عند تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ١:
"وهنا يرد إشكال يسأل عنه طالب العلم؛ وهو: ما المانع من جعل الناس أمة واحدة؛ إما مهتدين على دين واحد، وإما كفارا كلهم؟ وما الحكمة في جعلهم مختلفين؟. والجواب: أنّ ربّ السموات والأرض غنيّ غنى مطلقا بذاته، خلق الخلق لتظهر فيهم أسرار أسمائه وصفاته، وعلامات ملكه وسلطنته وقهره. ومن صفاته تعالى ما يدلّ على الرحمة والرأفة والشفقة، ومنها ما يدلّ على العزة والقهر والجبروت والغلبة؛ فلو جعل الناس كلهم مهتدين لما ظهر للخلق كمال الإنصاف والعدل، ولما ظهر للناس شدة قهره وجبروته. ولو جعلهم كلهم كفارا لما ظهر للناس آثار رحمته ورأفته وعطفه وجوده وإحسانه. ولهذا هدى الله تعالى قوما وطبعهم على الطيب من الأعمال، وصرف نياتهم إلى ما سبق به الأزل لهم من الخير؛ لتظهر فيهم آثار أسمائه الدالة على الرحمة وغيرها من صفات الإحسان والجود والكرم. وخلق آخرين وطبعهم على الخبث، وصرف نياتهم إلى ما كتب لهم في الأزل وفي سابق علمه من الشقاء؛ لتظهر فيهم آثار قدرته، وشدة بطشه، وكمال عدله وإنصافه"٢.
ولابن أبي العزّ الحنفي -﵀- كلام قريب من هذا الكلام بين فيه الإمام ابن أبي العز -﵀- بعض الحكم من خلق الخير والشرّ
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية [١١٨] . ٢ معارج الصعود ص٢٩٤-٢٩٥.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
والمتضادات؛ فقال: "ومنها ظهور آثار أسمائه القهرية؛ مثل القهار، والمنتقم، والعدل، والضارّ، والشديد العقاب، والسريع الحساب، وذي البطش الشديد، والخافض، والمذلّ. فإنّ هذه الأسماء والأفعال كمال لابدّ من وجود متعلقها.
ولو كان الجنّ والإنس على طبيعة الملائكة لم يظهر أثر هذه الأسماء.
ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه وعفوه ومغفرته وسترة وتجاوزه عن حقه، وعتقه لمن شاء من عبيده. فلولا خلق ما يكرهه من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء لتعطلت هذه الحكم والفوائد. وقد أشار النبيّ ﷺ إلى هذا بقوله: "لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم "١، ومنه ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة؛ فإنه الحكيم الخبير الذي يضع الأشياء مواضعها فهو أعلم حيث يجعل رسالاته، وأعلم بمن يصلح لقبولها ويشكره على انتهائها إليه، وأعلم بمن لايصلح لذلك "٢.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢١٠٦. ٢ شرح العقيدة الطحاوية ص٢٨١-٢٨٢. وانظر: مدارج السالكين ١/٤٠٨-٤٠٩، وشفاء العليل ص٢٠٢-٢٠٣، ولوامع الأنوار البهية ١/٣٤٠.
[ ٢ / ٥٦٤ ]
الفصل السادس: حقيقة الإيمان
المبحث الأول: تعريف الإيمان
الفصل السادس: حقيقة الإيمان
تمهيد:
المؤمن يعيش في هذه الدنيا مطمئن البال، مرتاح الضمير؛ لأنه ينعم بنعمة الإيمان التي امتنّ الله بها عليه، وامتنّ بها على من يشاء من عباده. أما الذي لم يهتد إلى وحي الله ﷾: فهو يعيش حالة قلق عميق الأثر في نفسه؛ لأنه جاهل لمعنى وجوده في هذه الدار؛ فهو لا يدري لماذا خلق، ومن أجل ماذا يعيش. فسعادة الإنسان في الدارين مبنية على قوة إيمانه بالله تعالى وقربه منه؛ فمن أطاع الله، واستمسك بالعروة الوثقى، وأعرض عن وساوس الشيطان فقد فاز فوزا عظيما.
فبالإيمان ينال العبد الجنة، وبالإيمان ينجو الإنسان من عذاب الله في الدارين.
قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ١.
فالإيمان هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة في الدنيا والآخرة.
ففي الدنيا: وعد الله المؤمنين بالنصر، والتمكين، والولاية، والدفاع عنهم، والهداية، والاستخلاف، وعدم تسليط الكافرين عليهم، والرزق الطيب، والعزة، والحياة الطيبة.
وفي الآخرة: تحدث الله تعالى عن حالهم فيها؛ فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
_________________
(١) ١ سورة العصر، الآيات [١-٣] .
[ ٢ / ٥٦٧ ]
وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ ١.
وقد أخبر الله تعالى في مواضع كثيرة من كتابه الكريم عن جزاء المؤمنين، وما أعده لهم في الآخرة من الطيبات مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
_________________
(١) ١ سورة الكهف، الآيتان [١٠٧-١٠٨] .
[ ٢ / ٥٦٨ ]
المبحث الأول: تعريف الإيمان
الإيمان لغة:
قال أهل اللغة١: بأنّ معنى الإيمان في اللغة: التصديق.
وقد ردّ هذا المعنى اللغوي شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- مبينا فساده من ستة عشر وجها. وحقق أنّ معنى الإيمان في اللغة: الإقرار٢.
أما الشيخ الأمين –﵀- فالظاهر من كلامه في معنى الإيمان لغة أنه التصديق: يقول -﵀-: "أما الإيمان اللغوي: فهو يشمل كل تصديق، فتصديق الكافر بأن الله، هو الخالق الرازق يصدق عليه اسم الإيمان لغة مع كفره بالله ولا يصدق عليه اسم الإيمان شرعًا. وإذا حققت ذلك علمت أن الإيمان اللغوي يجامع الشرك فلا إشكال في تقييده به.
وكذلك الإسلام الموجود دون الإيمان في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٣؛ فهو الإسلام اللغوي؛ لأنّ الإسلام الشرعيّ لا يوجد ممن لم يدخل الإيمان في قلبه. والعلم عند الله تعالى"٤. فالشيخ –﵀- يرى أن الإيمان لغة التصديق ولا أثر للخلاف الحاصل في المعنى اللغوي إذ العبرة بالمعنى الشرعي الذي تعبدنا الله به.
_________________
(١) ١ انظر: الصحاح ٥/٢٠٧١. ولسان العرب ١٣/٢١. والمفردات ص٢٦. ٢ انظر الفتاوى ٧/٢٩٢-٢٩٣، ٥٢٩-٥٣١. ٣ سورة الحجرات، الآية [١٤] . ٤ أضواء البيان ٣/٧٥.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
الإيمان شرعا:
من أصول أهل السنة والجماعة: أنّ الإيمان قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان. يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية١.
وقد بين الشيخ الأمين –﵀- هذا الأصل العظيم بقوله: "إن الحق الذي لا شك فيه الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان شامل للقول والعمل مع الاعتقاد. وذلك ثابت في أحاديث صحيحة كثيرة؛ منها حديث وفد عبدقيس٢المشهور، ومنها حديث: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا" الحديث٣؛ فسمى فيه قيام رمضان إيمانا، وحديث: "الإيمان بضع وسبعون شعبة "٤، وفي بعض رواياته: " بضع وستون شعبة؛ أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ".
والأحاديث بمثل ذلك كثيرة، ويكفي في ذلك ما أورده البيهقي٥في شعب الإيمان"٦.
وقال -﵀- أيضا في موضع آخر: "إنّ مسمى الإيمان الشرعي
_________________
(١) ١ انظر: الشرح والإبانة على أصول الديانة ص١٧٦-١٧٧. والدرة فيما يجب اعتقاده لابن حزم ص٣٢٦. وشرح السنة للبغوي ١/٢٨-٣١. والعقيدة الواسطية ص١٧٨. وشرح العقيدة الطحاوية ص٣٨٣. ٢ قال فيه رسول الله ﷺ لوفد عبد القيس: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس"؛ ففسر الإيمان بالأعمال. أخرجه البخاري في صحيحه ١/١٩. ومسلم في صحيحه ١/٤٦. ٣ أخرجه البخاري في صحيحه ١/١٤. ٤ أخرجه مسلم في صحيحه ١/٦٣، إلا أنّ فيه: "أفضلها" بدل "أعلاها". ٥ هو الإمام أبوبكر أحمد بن الحسين بن عليّ البيهقي. الحافظ الكبير. كتب الحديث وحفظه في صباه. ولد سنة (٣٨٤؟)، وتوفي سنة (٤٥٨؟) . (انظر سير أعلام النبلاء ١٨/١٦٣. وشذرات الذهب ٣/٣٠٤) . ٦ أضواء البيان ٧/٢٠١.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
الصحيح، والإسلام الشرعيّ الصحيح: هو استسلام القلب بالاعتقاد، واللسان بالإقرار، والجوارح بالعمل"١.
فالشيخ -﵀- يؤكد أنه لا يحصل الإيمان الشرعي إلا بالقول والاعتقاد والعمل، لا يكفي واحد من هذه الأمور، بل لابدّ من الإتيان بها جميعا. وهذا ما اتفق عليه السلف رضوان الله عليهم:
قال الإمام الشافعي -﵀-: "وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم، وممن أدركناهم يقولون: إنّ الإيمان قول وعمل ونية، لا يجزئ واحد من الثلاثة إلا بالآخر"٢.
وقال الإمام ابن عبد البرّ -﵀- "أجمع أهل الفقه والحديث على أنّ الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية. والإيمان عندهم يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. والطاعات كلها عندهم تسمى إيمانا"٣.
وهذه الأقوال تشعرنا باتباع الشيخ الأمين –﵀- لمنهج السلف ﵏ في تقرير العقيدة؛ فهو متبع لطريقة السلف غيرمبتدع، وبما قالوا به يقول، وإلى ما ذهبوا إليه يذهب.
كما أكد الشيخ الأمين –﵀- أنه عند إطلاق مسمى الإيمان تدخل الأعمال فيه، أما إذا قرن الإيمان بالعمل؛ فالمراد به أصل الإيمان الذي في القلب:
يقول الشيخ -﵀-: "الإيمان إذا ذكر مفردا: شمل الأعمال. وإذا ذكر معه العمل: انصرف إلى الإيمان الأكبر الذي هو الإيمان القلبي.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٦٣٦. وانظر المصدر نفسه ٦/٤٤٠، ٧/٢٧٩. ٢ الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية ص١٩٦. ٣ التمهيد ٩/٢٣٨.
[ ٢ / ٥٧١ ]
والقلب هو موضع الإيمان، والجوارح تبع له؛ كما قال الرسول ﷺ: "ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب "١"٢.
ثمّ ذكر الشيخ الأمين –﵀- أنّ للعمل الصالح ثلاثة شروط لابدّ من توفرها حتى يسمى إيمانا؛ فقال -﵀-: "لا يكون العمل صالحا إلا إذا اجتمعت فيه ثلاثة أمور:
الأول: أن يكون مطابقا للشرع؛ لأنه لا يقبل عمل غير مطابق لما شرع الله تعالى: كما قال جلّ وعلا: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ ٣.
الثاني: أن يكون العمل مخلصا لله تعالى: بأن قصد به صاحبه وجه الله، ونقاه من شوائب إرادة المخلوقين؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ٤.
الثالث: أن يكون العمل مبنيا على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأنها للعمل كالأساس للبناء، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ ٥؛ فقدم الإيمان الذي هو العقيدة الصالحة على العمل"٦.
وبهذه الشروط الثلاثة التي ذكرها الشيخ الأمين –﵀- يستحقّ أن يسمى العمل إيمانا؛ لأنه تحقق فيه تجريد العبادة لله وحده ﷾، وتجريد المتابعة لرسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه ١/١٩. ٢ تفسير سورة النور ص ١٩٤. جمع د/عبد الله قادري. ٣ سورة الشورى، الآية [٢١] . ٤ سورة البينة، الآية [٥] . ٥ سورة الكهف، الآية [١٠٧] . ٦ معارج الصعود ص٨٣. وانظر تفسير سورة النور ص١٩٤، جمع د/عبد الله قادري. والمعين والزاد ص٦٧ وأضواء البيان ٣/٣٥٢-٣٥٣. وقد أشار لهذه الشروط شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في العبودية ص١٧٠.
[ ٢ / ٥٧٢ ]
المبحث الثاني: الفرق بين الإسلام والإيمان
الإسلام والإيمان كما هو مقرر في قواعد أهل السنة والجماعة:
إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا١؛ أي إذا اجتمعا باللفظ افترقا بالمعنى؛ فيشمل الإسلام الأعمال الظاهرة. والإيمان الأعمال الباطنة. وإذا افترقا باللفظ اجتمعا بالمعنى؛ فيشمل كلّ واحد منهما الأعمال الظاهرة والباطنة.
وقد صرح بهذا المعنى الشيخ الأمين –﵀-، وذكر أمثلة لورود الإيمان متضمنا للإسلام، شاملا للأعمال الظاهرة والباطنة.
وبين -﵀- أنّ الإيمان يطلق أحيانا على الأعمال القلبية فقط؛ فيكون مغايرا لمعنى الإسلام:
يقول -﵀- في بيان ذلك كله عند تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ ٢:
"ظاهره المغايرة بين الإيمان والإسلام. وقد دلّ بعض الآيات على اتحادهما؛ كقوله تعالى: ﴿فأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣. ولا منافاة في ذلك؛ فإنّ الإيمان يطلق تارة على جميع ما يطلق عليه الإسلام من الاعتقاد والعمل؛ كما ثبت في
_________________
(١) ١ انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١/١٤٨. وجامع العلوم والحكم ص٢٦. ٢ سورة الزخرف، الآية [٦٩] . ٣ سورة الذاريات، الآية [٣٥-٣٦] .
[ ٢ / ٥٧٣ ]
الصحيح من حديث وفد عبد القيس١. والأحاديث بمثل ذلك كثيرة. ومن أصرحها في ذلك قوله ﷺ: " الإيمان بضع وسبعون –وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح- وستون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" ٢؛ فقد سمى ﷺ "إماطة الأذى عن الطريق" إيمانا. وقد أطال البيهقي -﵀- في شعب الإيمان في ذكر الأعمال التي جاء الكتاب والسنة بتسميتها إيمانا. فالإيمان الشرعي التام، والإسلام الشرعي التام معناهما واحد.
وقد يطلق الإيمان إطلاقا آخر على خصوص ركنه الأكبر الذي هو الإيمان بالقلب؛ كما في حديث جبريل الثابت في الصحيح٣.
والقلب مضغة في الجسد إذا صلح الجسد كله؛ فغيره تابع له. وعلى هذا تحصل المغايرة في الجملة بين الإيمان والإسلام.
فالإيمان على هذا الإطلاق اعتقاد، والإسلام شامل للعمل. واعلم أنّ مغايرته تعالى بين الإيمان والإسلام في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٤؛ قال بعض العلماء: المراد بالإيمان هنا: معناه الشرعيّ، والمراد بالإسلام: معناه اللغويّ؛ لأنّ إذعان الجوارح وانقايدها دون إيمان القلب: إسلام لغة لا شرعا.
وقال بعض العلماء: المراد بكلّ منهما معناه الشرعي، ولكن نفي الإيمان في قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ﴾ يراد به عند من قال هذا: نفي كمال الإيمان، لا نفي أصله. ولكنّ ظاهر الآية لا يساعد على هذا؛ لأن قوله:
_________________
(١) ١ سبق تخريجة. ٢ سبق تخريجة. ٣ سبق تخريجة. ٤ سورة الحجرات، الآية [١٤] .
[ ٢ / ٥٧٤ ]
"ولما يدخل" فعل في سياق النفي، وهو صيغة عموم على التحقيق وإن لم يؤكد بمصدر، ووجهه واضح جدا كما قدمنا مرارا"١.
وما ذكره الشيخ الأمين –﵀- هو قول المحققين من أهل العلم كما نقله الإمام النووي٢عن أبي عمرو بن الصلاح -﵀-، وغيره.
وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "لكن التحقيق ابتداء هو ما بينه ﷺ لما سئل عن الإسلام والإيمان؟ ففسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالإيمان بالأصول الخمسة. فليس لنا إذا جمعنا بين الإسلام والإيمان أن نجيب بغير ما أجاب به النبيّ ﷺ.
وأما إذا أفرد اسم الإيمان فإنه يتضمن الإسلام، وإذا أفرد الإسلام فقد يكون مع الإسلام مؤمنا بلا نزاع. وهذا هو الواجب"٣.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٢٧٨-٢٧٩. والمصدر نفسه ٧/٦٣٦-٦٣٩. ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ١/١٤٨. ٣ الفتاوى ٧/٢٥٩-٢٦٠.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
المبحث الثالث: زيادة الإيمان ونقصانه
أهل السنة والجماعة يقولون: الإيمان قول وعمل؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية١.
والخلاف في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه فرع عن الخلاف في تحديد معنى الإيمان الشرعي؛ فمن قال من المبتدعة: إنّ الإيمان هو التصديق، ولم يدخل العمل، قال بعدم الزيادة والنقصان. ومن قال بقول أهل السنة والجماعة أنّ الإيمان قول واعتقاد وعمل، قال بأنه يزيد وينقص.
وقد أوضح الشيخ الأمين –﵀- هذه المسألة، وبين أنّ الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
واستشهد على ذلك بآيات من القرآن الكريم؛ فقال -﵀- عند تفسير قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً﴾ ٢:
"ويفهم من هذه الآية الكريمة أنّ من آمن بربه وأطاعه زاده ربه هدى؛ لأنّ الطاعة سبب للمزيد من الهدى والإيمان. وهذا المفهوم من هذه الآية الكريمة جاء مبينا في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ ٣، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
_________________
(١) ١ انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي ٥/٩٦٠. والشريعة للآجري ص١١٧-١١٨؛ فقد نسبوها إلى الإمام مالك، وسفيان بن عيينة، والأوزاعي. ٢ سورة الكهف، الآية [١٣] . ٣ سورة محمد، الآية [١٧] .
[ ٢ / ٥٧٦ ]
الآية١، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ الآية٢، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ الآية٤، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ الآية٥، إلى غير ذلك من الآيات. وهذه الآيات المذكورة نصوص صريحة في أنّ الإيمان يزيد، مفهوم منها أنه ينقص أيضا، كما استدل بها البخاري -﵀- على ذلك. وهي تدلّ دلالة صريحة لاشك فيها.
فلا وجه معها للاختلاف في زيادة الإيمان ونقصه كما ترى والعلم عند الله تعالى".٦
وقال -﵀- في موضع آخر بعدما ذكر الآيات المتقدمة: "وتدل هذه الآيات بدلالة الالتزام على أنه ينقص أيضًا، لأن كل ما يزيد ينقص. وجاء مصرحًا به في أحاديث الشفاعة الصحيحة كقوله: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه مثقال حبة من إيمان "٧ونحو ذلك"٨. وقال -﵀- أيضًا: "والحق الذي لا شك فيه أن الإيمان يزيد وينقص كما عليه أهل السنة والجماعة. وقد دل عليه الوحي من الكتاب والسنة، كما
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت، الآية [٦٩] . ٢ سورة الأنفال، الآية [٢٩] . ٣ سورة التوبة، الآية [١٢٤] . ٤ سورة الفتح، الآية [٤] . ٥ سورة الحديد، الآية [٢٨] . ٦ أضواء البيان ٤/٢٨-٢٩. ٧ أخرجه البخاري في صحيحه (١/١٦) بألفاظ متقاربة، ومسلم في صحيحه ١/١٨٢. وكذا الإمام أحمد في مسنده (٣/١٧)، والترمذي في السنن (٤/٧١١، ٧١٤) بألفاظ متقاربة أيضا. ٨ أضواء البيان ٢/٣٤٦.
[ ٢ / ٥٧٧ ]
تقدم" ١. فالشيخ الأمين –﵀- على عقيدة السلف في هذه القضية وغيرها، فهو يقول: إن الإيمان يزيد وينقص. وأما المبتدعة ومن حاد عن الطريق المستقيم فإنهم أنكروا زيادة الإيمان ونقصانه. وقولهم لا مستند له صحيح، ولا تؤيده الأدلة.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٦٠٤. وانظر المصدر نفسه ٤/٣٦٢، ٦/٥٧٤. ومعارج الصعود ص٢٤٨.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
المبحث الرابع: مراتب المؤمنين
هذه المسألة مترتبة على التي سبقتها؛ وهي زيادة الإيمان ونقصانه. فالذي حقق شعب الإيمان كلها أعلى مرتبة من الذي اقتصر على بعض الشعب.
والمؤمنون الكمل عندهم من تفاصيل علوم الإيمان، ومعارفه وأعماله ما لا يقاس بعلوم كثير من المؤمنين وأعمالهم وأخلاقهم؛ ولهذا فالمؤمنون على ثلاث مراتب١.
وقد ذكر الشيخ الأمين –﵀- مراتبهم مستشهدا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُجَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ ٢؛ فقال -﵀-:
"فقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنّ إيراث هذه الأمة لهذا الكتاب دليل على أنّ الله اصطفاها في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾، وبين أنهم ثلاثة أقسام:
الأول: الظالم لنفسه: وهو الذي يطيع الله، ولكنه يعصيه أيضا، فهو
_________________
(١) ١ انظر التوضيح والبيان لشجرة الإيمان للشيخ السعدي ص٣٦. ٢ سورة فاطر، الآيات [٣٢-٣٥] .
[ ٢ / ٥٧٩ ]
الذي قال الله فيه: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ ١.
والثاني: المقتصد: وهو الذي يطيع الله ولا يعصيه، ولكنه لا يتقرب بالنوافل من الطاعات.
والثالث: السابق بالخيرات: وهو الذي يأتي بالواجبات، ويجتنب المحرمات، ويتقرب إلى الله بالطاعات والقربات التي هي غير واجبة.
وهذا على أصح الأقوال في تفسير الظالم لنفسه والمقتصد والسابق"٢.
وقال -﵀- في موضع آخر: "وأظهر الأقوال في المقتصد، والسابق، والظالم أنّ المقتصد: هو من امتثل الأمر، واجتنب النهي، ولم يزد على ذلك. وأنّ السابق بالخيرات: هو من فعل ذلك، وزاد بالتقرب إلى الله بالنوافل، والتورع عن بعض الجائزات خوفا من أن يكون سببا لغيره. وأنّ الظالم هو المذكور في قوله: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية٣. والعلم عند الله تعالى"٤.
وقال -﵀- في موضع آخر أيضا: "ووعدنا على لسانه ﷺ وعدا يزيل الطمع من الفرق، وهو ما صحّ عنه أنّ مؤمننا في الجنة وإن زنى وإن سرق، وجعلنا ثلاث طوائف في كتابه المنير؛ قال: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ٥. ووعد جميع الطوائف الثلاث بدخول الجنات
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية [١٠٢] . ٢ أضواء البيان ٦/١٦٤-١٦٥. ٣ سورة التوبة، الآية [١٠٢] . ٤ أضواء البيان ٢/١١٦. ٥ سورة فاطر، الآية [٣٢] .
[ ٢ / ٥٨٠ ]
والتحلية بالأساور ولبس الحرير؛ قال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ ١؛ فأتى في قوله "يدخلونها" بواو الجمع الشاملة للظالم لنفسه، وقدمه لئلا يقنط، وأخر السابق بالخيرات لئلا يعجب بعمله فيحبط، وخاطب المسرفين منا خطابا تجعل لذته الأصمّ سميعا، قال: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ٢.
فاعجب لأمة يخاطب الله مسرفيها هذا الخطاب في الآيات البينات المحكمات من الكتاب"٣.
فالشيخ الأمين –﵀- قال بأنّ المؤمنين على ثلاث مراتب، كلّ مرتبة تخالف سابقتها في الفضل؛ فهم متفاوتون حسب اجتهادهم في الأعمال، وطريقة أدائهم لها. وليسوا كما قالت المرجئة على درجة واحدة من الإيمان.
وقد قال بهذا التقسيم شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ومما قاله: "فقد قسم الله سبحانه الأمة التي أورثها الكتاب واصطفاها ثلاثة أصناف: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق بالخيرات.
وهؤلاء الثلاثة ينطبقون على الطبقات الثلاث المذكورة في حديث جبريل "الإسلام"، و"الإيمان"، و"الإحسان" ومعلوم أن الظالم لنفسه إن أريد به من اجتنب الكبائر، والتائب من جميع الذنوب؛ فذلك مقتصد أو سابق، فإنه ليس أحد من بني آدم يخلو عن ذنب، لكن من تاب كان مقتصدًا، أو سابقا. كذلك من اجتنب الكبائر كفرت عنه السيئات؛ كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُم﴾ ٤.فلابدّ أن
_________________
(١) ١ سورة فاطر، الآية [٣٣] . ٢ سورة الزمر، الآية [٥٣] . ٣ رحلة الحج ص٣٩-٤٠. ٤ سورة النساء، الآية [٣١] .
[ ٢ / ٥٨١ ]
يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة ولو بعد عذاب يطهر من الخطايا"١.
فالناس متفاوتون في درجات إيمانهم، وقربهم من بارئهم بحسب ما أدوا من واجبات وطاعات، واجتنبوا من محرمات. فلا ريب أنّ التفاوت الذي ذكره الشيخ الأمين –﵀- مستدلا عليه بالقرآن الكريم حقيقة واقعة لا مراء فيها.
نسأل الله جلّ وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلنا من أعلاهم درجة؛ من السابقين بالخيرات الذين هم أمثل الطوائف الثلاث إنه جواد كريم.
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى ٧/٤٨٥.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
المبحث الخامس: الكبائر
دلت النصوص من الكتاب والسنة على أنّ الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر.
أما الكتاب: فمنها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ ٣.
ومن السنة: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر" وفي رواية: "مالم تغش الكبائر "٤.
وأوضح الشيخ الأمين –﵀- انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر، وبين معنى الكبائر، وهل تنحصر بعدد معين، وأكد أنّ اجتناب الكبائر مكفر للصغائر؛ فقال -﵀- عند قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ ٥:
"وقد صرح تعالى بأنّ المنهيات منها كبائر، ويفهم من ذلك أنّ منها
_________________
(١) ١ سورة النجم، الآية [٣٢] . ٢ سورة النساء، الآية [٣١] . ٣ سورة الشورى، الآية [٣٧] . ٤ رواه مسلم في صحيحه ١/٢٠٩. ٥ سورة الكهف، الآية [٤٩] .
[ ٢ / ٥٨٣ ]
صغائر. وبين أنّ اجتناب الكبائر يكفر الله به الصغائر؛ وذلك في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ١. ويروى عن الفضيل بن عياض في هذه الآية أنه قال: "ضجوا من الصغائر قبل الكبائر"٢".
وهذا التقسيم واضح الدلالة من الكتاب والسنة والإجماع؛ قال الإمام ابن القيم -﵀-: "فقد دلّ الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم على أنّ الذنوب كبائر وصغائر"٣.
أما عن تعريف الكبيرة: فقد ذكر الشيخ الأمين –﵀- اختلاف العلماء فيه على أقوال متعددة؛ فقال: "واعلم أنّ أهل العلم اختلفوا في حدّ الكبيرة؛ فقال بعضهم٤: هي كلّ ذنب استوجب حدا من حدود الله.
وقال بعضهم٥: هي كلّ ذنب جاء الوعيد عليه بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب. واختار بعض المتأخرين٦حدّ الكبيرة بأنها هي كل ذنب دلّ على عدم اكتراث صاحبه بالدين وعن ابن عباس أنّ الكبائر أقرب إلى السبعين منها إلى السبع. وعنه أيضا: أنها أقرب إلى سبعمائة منها إلى سبع٧"٨.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية [٣١] . ٢ أضواء البيان ٤/١١٨. ٣ الجواب الكافي لابن القيم ص١٣٤. ٤ روى ابن جرير عن الضحاك قوله: "الكبائر كلّ موجب أوجب الله لأهلها النار، وكل عمل يقام به الحدّ فهو في النار". (جامع البيان للطبري ٥/٤٢) . ٥ مروي عن ابن عباس ﵄. (انظر تفسير الطبري ٥/٤١) . ٦ قال الغزالي في ضابط الكبيرة: "إنّ كلّ معصية يقدم المرء عليها من غير استشعار خوف، ولا إحساس بندم، بل يرتكبها متهاونا بها مستجرئا عليها فهي كبيرة". (انظر تنبيه الغافلين ص١٣٣) . ٧ تفسير ابن جرير الطبري ٥/٤١. وانظر: مدارج السالكين ١/٣٢. ٨ أضواء البيان ٧/١٩٩. وانظر: المصدر نفسه ٤/١١٨.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
ثمّ ذكر الشيخ الأمين –﵀- القول الراجح في حدّ الكبيرة؛ فقال: "والأظهر عندي في ضابط الكبيرة أنها كلّ ذنب اقترن بما يدلّ على أنه أعظم من مطلق المعصية؛ سواء كان ذلك الوعيد عليه بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب، أو كان وجوب الحدّ فيه، أو غير ذلك مما يدلّ على تغليظ التحريم وتوكيده"١.
وقد ردّ -﵀- علىمن قال إنّ المعاصي لا تنقسم إلى كبائر وصغائر، بل كلها كبائر، وأكد أنّ الذنوب منها ما هو كبير، ومنها ما هو صغير؛ كما دلّ عليه التنزيل؛ فقال -﵀-: "مع أنّ بعض أهل العلم٢قال: إنّ كل ذنب كبيرة.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾: يدل على عدم المساواة، وأنّ بعض المعاصي كبائر وبعضها صغائر. والمعروف عند أهل العلم: أنه لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار. والعلم عند الله تعالى"٣.
ثمّ رجح -﵀- أنّ الكبائر ليس لها حدّ معين، وأنه لا يمكن حصرها؛ فقال -﵀-: "التحقيق أنها لا تنحصر في سبع، وأنّ ما دلّ عليه من الأحاديث على أنها سبع٤لا يقتضي انحصارها في ذلك العدد؛ لأنه إنما دلّ على نفي غير السبع بالمفهوم، وهو مفهوم لقب، والحقّ عدم اعتباره.
ولو قلنا إنه مفهوم عدد لكان غير معتبر أيضًا؛ لأن زيادة الكبائر على السبع مدلول عليها بالمنطوق. وقد جاء منها في الصحيح عدد أكثر من سبع،
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/١٩٩-٢٠٠. ٢ ممن أنكر أن يكون هناك صغائر وكبائر: أبوإسحاق الإسفرايني. وحكى القاضي عياض -﵀- هذا المذهب عن بعض المحققين. (انظر: مدارج السالكين ١/٣١٠. وشرح النووي على صحيح مسلم ٢/٨٤-٨٥) ٣ أضواء البيان ٧/٢٠٠. ٤ إشارة إلى حديث: " اجتنبوا السبع الموبقات". رواه البخاري في صحيحه ٣/١٩٥.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
والمنطوق مقدم على المفهوم، مع أنّ مفهوم العدد ليس من أقوى المفاهيم"١.
ثمّ ذكر -﵀- أمثلة للكبيرة من سنة رسول الله ﷺ؛ فقال: "واعلم أنّ كبائر الإثم ليست محدودة في عدد معين. وقد جاء تعيين بعضها؛ كالسبع الموبقات؛ أي المهلكات لعظمها. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أنها: "الإشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحقّ، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" ٢.
وقد جاءت روايات كثيرة٣عن النبيّ ﷺ في تعيين بعض الكبائر؛ كعقوق الوالدين، واستحلال حرمة بيت الله الحرام، والرجوع إلىالبادية بعد الهجرة، وشرب الخمر، واليمين الغموس، والسرقة، ومنع فضل الماء، ومنع فضل الكلأ، وشهادة الزور.
وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح عن ابن مسعود: " إنّ أكبر الكبائر: الإشراك بالله الذي خلق الخلق، ثمّ قتل الرجل ولده خشية أن يطعم معه، ثمّ زناه بحليلة جاره" ٤، وفي بعضها أيضا: " إنّ من الكبائر تسبب الرجل في سبّ والديه" ٥، وفي بعضها أيضا: أن "سباب المسلم
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/١٩٩. وانظر تحرير هذه المسألة، وبيان اختلاف العلماء في تعريف الكبيرة، وهل تحدد بعدد معين في المصادر التالية: تفسير الطبري ٥/٤١-٤٢. وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١١/٦٥٠. وشرح النووي على صحيح مسلم ٢/٨٥. وفتح الباري شرح صحيح البخاري ١٠/٤١٢. وشرح العقيدة الطحاوية ص٤١٤. وتفسير المنار لمحمد رشيد رضا ٥/٤٦. ٢ صحيح البخاري ٣/١٩٥. ٣ انظر تفسير الطبري ٥/٣٨. ٤ أخرجه البخاري في صحيحه٨/٢٠٧.ومسلم في صحيحه١/٩٠،مع اختلاف يسير. ٥ انظر صحيح مسلم ١/٩٢، ولفظ الحديث فيه: "من الكبائر شتم الرجل والديه " الحديث.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
فسوق وقتاله كفر " ١؛ وذلك يدلّ على أنهما من الكبائر. وفي بعض الروايات: أنّ " من الكبائر الوقوع في عرض المسلم، والسبَّتين بالسبة "٢.
وفي بعض الروايات أنّ منها جمع الصلاتين من غير عذر "٣، وفي بعضها:
أنّ منها " اليأس من روح الله، والأمن من مكر الله "٤:
ويدلّ عليهما قوله تعالى: ﴿رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٥، وقوله: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ٦. وفي بعضها أنّ منها "سوء الظن بالله"٧؛ ويدلّ له قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ٨. وفي بعضها انّ منها "الإضرار بالوصية"٩.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في صحيحه ١/٨١. ٢ أخرجه أبو داود في سننه ٥/١٩٣. مع اختلاف يسير. ٣ أخرج الترمذي في سننه (١/٣٥٦-٣٥٧)، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر ". وقد ضعفه الترمذي من أجل حنش؛ أحد رواة الحديث عن عكرمة، وقال: "والعمل على هذا عند أهل العلم أن لايجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة". وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر: "من الكبائر جمع بين الصلاتين، والفرار من الزحف، والنهبة". وقال الحافظ ابن كثير (في التفسير ٢/٤٨٤): "وهذا إسناد صحيح". ٤ روى ابن جرير بسنده عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "أكبر الكبائر الإشراك بالله، واليأس من روح الله، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله". (تفسير ابن جرير ٥/٤٠) . وقال الحافظ ابن كثير (في التفسير ٢/٤٨٤): "وهو صحيح إليه بلا شك". ٥ سورة يوسف، الآية [٨٧] . ٦ سورة الأعراف، الآية [٩٩] . ٧ أخرج ابن مردويه عن ابن عمر أنه قال: "أكبر الكبائر سوء الظنّ بالله ﷿". قال الحافظ ابن كثير (في تفسيره ٢/٤٨٤): "حديث غريب جدا". ٨ سورة الفتح، الآية [٦] . ٩ "الإضرار في الوصية من الكبائر"؛ قال ابن أبي حاتم: "هو صحيح عن ابن عباس من قوله". (انظر تفسير ابن كثير ٢/٤٨٥) . أما إثم الحيف في الوصية فهو في حديث أبي هريرة المرفوع الذي أخرجه ابن ماجه في سننه (٢/٩٠٢)، وأبو داود في سننه (٣/٣٨٩) .
[ ٢ / ٥٨٧ ]
وفي بعضها أنّ منها الغلول١؛ ويدلّ له قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٢؛ وقدمنا معنى الغلول في سورة الأنفال، وذكرنا حكم الغالّ. وفي بعضها: أنّ من أهل الكبائر الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا؛ ويدلّ له قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٣. ولم نذكر أسانيد هذه الروايات ونصوص متونها خوف الإطالة. وأسانيد بعضها لاتخلو من نظر، لكنها لا يكاد يخلو شيء منها عن بعض الشواهد الصحيحة من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ "٤.
ثمّ ذكر الشيخ الأمين –﵀- أنّ الكبيرة لا تحبط العمل الصالح؛ فقال عند قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ﴾ ٥: "في هذه الآية الكريمة دليل على أنّ كبائر الذنوب لاتحبط العمل الصالح؛ لأنّ هجرة مسطح بن أثاثة من عمله الصالح، وقذفه لعائشة من الكبائر، ولم يبطل هجرته؛ لأنّ الله قال فيه بعد قذفه: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾؛ فدلّ ذلك على أنّ هجرته في سبيل الله لم يحبطها قذفه لعائشة ﵂"٦.
ثمّ نقل -﵀- قول القرطبي مستشهدا به على صحة ما قاله: قال القرطبي: (في هذه الآية دليل على أنّ القذف وإن كان كبيرا لايحبط الأعمال، لأنّ الله تعالى وصف مسطحا –بعد قوله- بالهجرة والإيمان. وكذلك سائر الكبائر. ولايحبط الأعمال غير الشرك؛ قال تعالى: ﴿لَئِنْ
_________________
(١) ١ انظر صحيح مسلم ٣/١٤٦١. ٢ سورة آل عمران، الآية [١٦١] . ٣ سورة آل عمران، الآية [٧٧] . ٤ أضواء البيان ٧/١٩٧-١٩٩. وقد ذكرها بأسانيده الحافظ ابن كثير في تفسيره ٢/٤٨٣-٤٨٤. ٥ سورة النور، الآية [٢٢] . ٦ أضواء البيان ٦/١٦٢-١٦٣.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك﴾ ١"٢.
ثمّ تعقب الشيخُ الأمين القرطبي بقوله: "وما ذكر من أنّ الآية وصفت مسطحًا بالإيمان لم يظهر من الآية، وإن كان معلوما"٣.
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية [٦٥] . ٢ الجامع لأحكام القرآن ١٢/١٣٨. ٣ أضواء البيان ٦/١٦٣.
[ ٢ / ٥٨٩ ]
أما اجتناب الكبائر: فهو مكفر للصغائر؛ كما ذكر الشيخ الأمين –﵀- عند قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ ١؛ فقال: "وأظهر الأقوال في قوله: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾: أنّ المراد باللمم صغائر الذنوب. ومن أوضح الآيات القرآنية في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية٢؛ فدلت على أنّ اجتناب الكبائر سبب لغفران الصغائر، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. ويدلّ لهذا حديث ابن عباس الثابت في الصحيح، قال: ما رأيت شيئًا باللمم مما قال أبو هريرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إنّ الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لامحالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" ٣"٤.
أما حكم صاحب الكبيرة: فلم أجد الشيخ الأمين –﵀- تكلم عليه كلاما صريحا، وإنما أشار في مواضع من تفسيره إلى أنّ أهل الكبائر لايخلدون في النار يوم القيامة؛ من ذلك ماذكره عند تفسير قوله تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ ٥ من أنّ الوعيد للكفار لايتخلف، أما العصاة فلا يمتنع إخلافه٦، وذكر -﵀- عذاب الكفار، فقال: "وليس فيه تطهير ولا تمحيص لهم، بخلاف عصاة المسلمين فإنهم وإن عذبوا فسيصيرون إلى الجنة بعد ذلك العذاب.
"فليس المقصود بعذابهم مجرد الإهانة، بل ليؤولوا بعده إلى الرحمة ودار
_________________
(١) ١ سورة النجم، الآية [٣٢] . ٢ سورة النساء، الآية [٣١] . ٣ أخرجه مسلم في صحيحه ٤/٢٠٤٦. ٤ أضواء البيان ٧/١٩٦. ٥ سورة ق، الآية [١٤] . ٦ انظر أضواء البيان ٧/٦٤٦.
[ ٢ / ٥٩٠ ]
الكرامة"١.
وقال عند قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّه﴾ ٢: "ومعناه إلا من شاء الله عدم خلوده فيها من أهل الكبائر من الموحدين"٣.
وهذه النصوص تؤكد أنّ عقيدة الشيخ الأمين –﵀- في صاحب الكبيرة أنه تحت المشيئة؛ إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له وعفا عنه.
وهذا ما أكده لي الشيخ عطية سالم –وهو من تلاميذ الشيخ الأمين الذين لازموه طيلة حياته- فقد سألته عن حكم الشيخ -﵀- على صاحب الكبيرة؟ فقال: إنه كان يتحدث في مجالسه أنّ صاحب الكبيرة تحت المشيئة.
وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة؛ فهم لا يكفرون من ترك بعض الواجبات، أو فعل بعض المحرمات التي هي دون الشرك والكفر كما يفعله أهل الوعيد، ولا يعطونه الإيمان الكامل كما يفعله أهل الوعد من المرجئة. بل صاحب الكبيرة عندهم مؤمن بإيمانه، فاسق بمعصيته، ناقص الإيمان، لاينفون عنه مطلق الإيمان، ولايثبتون له الإيمان الكامل، وهو باق عندهم في عداد المسلمين له ما لهم وعليه ماعليهم.
ومن فعل المعاصي نزل إلى مرتبة الظالم لنفسه –كما مرّ أثناء الكلام على مراتب المؤمنين-.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٧/٣٤٤. ٢ سورة الأنعام، الآية [١٢٨] .
[ ٢ / ٥٩١ ]
قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام١ -﵀-: (إنّ المعاصي والذنوب لا تزيل إيمانا، ولا توجب كفرا. ولكنها إنما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الذي نعت الله به أهله واشترطه عليهم في مواضع من كتابه) ٢.
وبهذا يتبين لنا أن الشيخ الأمين –﵀- يقول بما قال به السلف، ﵏ في حكم العصاة، وأنهم لا يخرجون بمعصيتهم عن حظيرة المؤمنين، بل هم مؤمنون ناقصوا الإيمان، وهم تحت المشيئة إن شاء الله عذبهم بعدله، وإن شاء عفا عنهم بمنه وكرمه ﷾.
_________________
(١) ١ هو الإمام الحافظ أبو عبيد بن سلام بن عبد الله البغدادي، أحد أئمة اللغة والفقه والحديث. ولد سنة (١٥٧) وتوفي بمكه سنة (٢٢٤؟) . (انظر: سير أعلام النبلاء ١٠/٤٩٠. والبداية والنهاية ١٠/٣٠٤) . ٢ كتاب الإيمان لأبي عبيد ص٨٩. تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
[ ٢ / ٥٩٢ ]
المبحث السادس: حكم أهل الفترة
بحث الشيخ الأمين -﵀- هذه المسألة عند قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ ١؛ فذكر فيها قولين لأهل العلم مع أدلتهم من الكتاب والسنة. ثمّ ناقش هذين القولين، وجمع بين الأدلة التي ظاهرها التعارض، ورجح -﵀- ما يقتضي الدليل رجحانه.
أما القول الأول في هذه المسألة فهو: "أنّ كلّ من مات على الكفر فهو في النار، ولو لم يأته نذير. واستدلوا بظواهر آيات من كتاب الله، وبأحاديث عن النبيّ ﷺ.
فمن الآيات: قوله تعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ٢، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ٣.
وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ٤، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٥،
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية [١٥] . ٢ سورة النساء، الآية [١٨] . ٣ سورة البقرة، الآية [١٦١] . ٤ سورة آل عمران، الآية [٩١] . ٥ سورة النساء، الآية [٤٨] .
[ ٢ / ٥٩٣ ]
وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ١.
وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ الآية٢، وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٣، إلى غير ذلك من الآيات.
وظاهر جميع هذه الآيات العموم؛ لأنها لم تخصص كافرا دون كافر، بل ظاهرها شمول جميع الكفار"٤.
ومن الأحاديث التي ذكرها الشيخ الأمين -﵀- مدللا بها للقول الأول: ما أخرجه مسلم في صحيحه عن أنس أنّ رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: "في النار". فلما مضى دعاه فقال: "إنّ أبي وأباك في النار" ٥.
ولمسلم أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي" ٦. إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على عدم عذر المشركين.
والقول الثاني: قالت جماعة من أهل العلم: إنّ أهل الفترة معذورون بأنهم لم يأتهم نذير، ولو ماتوا على الكفر.
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل﴾ ٧؛ فصرح في هذه الآية الكريمة بأنه لابدّ أن يقطع
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية [٣١] . ٢ سورة المائدة، الآية [٧٢] . ٣ سورة الأعراف، الآية [٥٠] . ٤ أضواء البيان ٣/٤٧٤ ٥ صحيح مسلم ١/١٩١. ٦ صحيح مسلم ٢/٦٧١. ٧ سورة النساء، الآية [١٦٥] .
[ ٢ / ٥٩٤ ]
حجة كلّ أحد بإرسال الرسل مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢، وقوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ ٣، وقوله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ الآية٤. وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَة﴾ الآية٥، وقوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية٦.
وقد عرض الشيخ الأمين -﵀- مناقشة كلّ طرف للآخر، وما يحتج به أحدهما على الآخر، وأطال في إيراد ذلك٧.
ثمّ ذكر ما ترجح لديه في هذه المسألة فقال: "والذي يظهر رجحانه
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية [١٣٤] . ٢ سورة القصص، الآية [٤٧] . ٣ سورة الأنعام، الآية [١٣١] . ٤ سورة المائدة، الآية [١٩] . ٥ سورة الأنعام، الآيات [١٥٥-١٥٧] . ٦ سورة الملك، الآية [٩] . ٧ انظر أضواء البيان ٣/٤٧١-٤٨٤. ودفع إيهام الاضطراب ١٠/١٧٨-١٨٦.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
بالدليل هو الجمع بين الأدلة؛ لأن الجمع واجب إذا أمكن بلا خلاف. ووجه الجمع بين هذه الأدلة هو عذرهم بالفترة، وامتحانهم يوم القيامة بالأمر باقتحام نار؛ فمن اقتحمها دخل الجنة؛ وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا. ومن امتنع عذب بالنار؛ وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأنّ الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل.
وبهذا الجمع تتفق الأدلة: فيكون أهل الفترة معذورين، وقوم منهم من أهل النار بعد الامتحان، وقوم منهم من أهل الجنة بعده أيضا.
ويحمل كلّ واحد من القولين على بعض منهم علم الله مصيرهم وأعلم به نبيه ﷺ فيزول التعارض"١.
ثمّ ذكر -﵀- أنه رجح هذا القول لأمرين:
الأول: أنّ هذا ثبت عن رسول الله ﷺ. وثبوته عنه نص في محل النزاع، فلا وجه للنزاع البتة مع ذلك. قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها، بعد أن ساق الأحاديث الكثيرة الدالة على عذرهم بالفترة، وامتحانهم يوم القيامة، رادا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم، وامتحانهم؛ بأنّ الآخرة دار جزاء لا عمل، وأنّ التكليف بدخول النار تكليف بما لايطاق، وهو لايمكن، ما نصه: والجواب عما قال أنّ أحاديث هذا الباب منها ماهو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء. ومنها ماهو حسن. ومنها ماهو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن. وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة
_________________
(١) ١ دفع إيهام الاضطراب ١٠/١٨٤-١٨٥.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها"١.
أما المرجح الثاني: فقال -﵀-: "إنّ الجمع بن الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف؛ لأنّ إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان. فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان، ويتفق بذلك جميع الأدلة. والعلم عند الله تعالى"٢.
ونقل -﵀- عن الحافظ ابن كثير ما يؤيد ما ذهب إليه فقال: "وقال ابن كثير رحمه الله تعالى ما نصه: ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات؛ فمن أطاع دخل الجنة. وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة. وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها. وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض. وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٣/٤٨٢. وانظر تفسير ابن كثير ٣/٣١. والشيخ الأمين -﵀- لم يذكر حديثا ينص على حكم أهل الفترة، وإنما اكتفى بكلام ابن كثير السابق. وقد روى الإمام أحمد عن الأسود أنّ نبيّ الله ﷺ قال: أربعة يوم القيامة؛ رجل أصم لايسمع شيئا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في فترة. فأما الأصم فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام وما أسمع شيئا، وأما الأحمق فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر، وأما الهرم فيقول: ربّ لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا، وأما الذي مات في الفترة فيقول: ربّ ما أتاني لك رسول، فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن ادخلوا النار، فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما". (مسند الإمام أحمد ٤/٢٤. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/٤١٨، رقم١٤٣٤) . ٢ أضواء البيان ٣/٤٨٤، وانظر دفع إيهام الاضطراب ١٠/٦٦-٦٧، ١٨٥-١٨٦.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد١"٢.
وممن قال بعذر أهل الفترة: شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- حيث قال: "لا يهلكهم الله ويعذبهم حتى يرسل إليهم رسولا". وقد رويت آثار متعددة من أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في عرصات القيامة"٣.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٣/٣٠. ٢ أضواء البيان ٣/٤٨٣. ٣ مجموع الفتاوى ١٧/٣٠٨.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
الفصل السابع: جهود الشيخ الأمين في توضيح مباحث الإمامة
الإمامة لغة:
الإمام: كلّ من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم، أو كانوا ضالين. وإمام كلّ شيء قيّمه والمصلح له. والقرآن إمام المسلمين. وسيدنا محمد ﷺ إمام الأئمة. والخليفة إمام الرعية. وإمام الجند قائدهم١.
الإمامة اصطلاحا:
عرفها ابن خلدون بقوله: "هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا"٢.
وقد اهتمّ الشيخ الأمين -﵀- بالإمامة، وتناولها في أربع عشرة صفحة، تحدث فيها عن وجوب نصب الإمام، والأمور التي تنعقد بها الإمامة، وشروطها، ومتى تفسخ، وهل يجوز نصب خليفتين، وهل للإمام أن يعزل نفسه، وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ وقد استطرد -﵀- في تقرير هذه المسائل.
_________________
(١) ١ لسان العرب ١٢/٢٤-٢٥. ٢ المقدمة لابن خلدون ص١٩١.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
أولا: وجوب نصب الإمام:
قال الشيخ الأمين -﵀-: "من الواضح المعلوم من ضرورة الدين أنّ المسلمين يجب عليهم نصب إمام تجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الله في أرضه. ولم يخالف في هذا إلا من لايعتدّ به.. وأكثر العلماء على أنّ وجوب الإمامة الكبرى بطريق الشرع؛ كما دلت عليه الآية المتقدمة١ وأشباهها وإجماع الصحابة ﵃، ولأن الله تعالى قد يزع بالسلطان ما لايزعه بالقرآن؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ ٢؛ لأنّ قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فيه إشارة إلى إعمال السيف عند الإباء بعد إقامة الحجة"٣.
وقد أوضح الإمام القرطبي -﵀- ذلك، وذكر الأدلة الشرعية الدالة على وجوب نصب الإمام٤.
ثانيا: الأمور التي تنعقد بها الإمامة:
ذكر الشيخ الأمين -﵀- أنّ الإمامة تنعقد بعدة أمور، فقال:
"الأول: ما لو نص ﷺ على أنّ فلانا هو الإمام فإنها تنعقد له بذلك. وقال بعض العلماء٥: إنّ إمامة أبي بكر ﵁ من هذا القبيل؛ لأنّ تقديم النبيّ ﷺ له في إمامة الصلاة وهي
_________________
(١) ١ هي قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ . ٢ سورة الحديد، الآية [٢٥] . ٣ أضواء البيان ١/١٢١. ٤ انظر الجامع لأحكام القرآن ١/١٨٢-١٨٣. ٥ نسبه الإمام ابن أبي العز الحنفي إلى الحسن البصري، وجماعة من أهل الحديث. (انظر شرح العقيدة الطحاوية ص٥٣٣) .
[ ٢ / ٦٠٠ ]
أهمّ شيء: فيه إشارة إلى التقديم للإمامة الكبرى، وهو ظاهر.
الثاني: اتفاق أهل الحل والعقد على بيعته، وقال بعض العلماء١: إنّ إمامة أبي بكر منه لإجماع أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار عليها بعد الخلاف، ولاعبرة بعدم رضى بعضهم؛ كما وقع من سعد بن عبادة ﵁ من عدم قبوله بيعة أبي بكر ﵁.
الثالث: أن يعهد إليه الخليفة الذي قبله؛ كما وقع من أبي بكر لعمر ﵄.
ومن هذا القبيل جعل عمر ﵁ الخلافة شورى بين ستة من أصحاب رسول الله ﷺ مات وهو عنهم راض.
الرابع: أن يتغلب على الناس بسيفه، وينزع الخلافة بالقوة حتى يستتبّ له الأمر، وتدين له الناس لما في الخروج عليه حينئذ من شقّ عصا المسلمين وإراقة دمائهم. قال بعض العلماء: ومن هذا القبيل قيام عبد الملك ابن مروان على عبد الله بن الزبير وقتله إياه في مكة على يد الحجاج بن يوسف، فاستتبّ الأمر له"٢.
وقد ذكر هذه الأمور التي تنعقد بها الإمامة الإمام القرطبي٣ -﵀-.
_________________
(١) ١ قال الإمام ابن أبي العز عن إمامة أبي بكر: "وذهب جماعة من أهل الحديث والمعتزلة والأشعرية إلى أنه ثبتت بالاختيار". (شرح العقيدة الطحاوية ص٥٣٣) . ٢ أضواء البيان ١/١٢٢. ٣ انظر الجامع لأحكام القرآن ١/١٨٥-١٨٦. ونسب -﵀- القول الرابع إلى سهل بن عبد الله التستري، وابن خويز منداد.
[ ٢ / ٦٠١ ]
ثالثا: الشروط الواجب توفرها في الإمام:
ذكر الشيخ الأمين -﵀- الشروط التي لابدّ من توفرها في الإمام لتصح إمامته، وهي:
الأول: أن يكون قرشيا. وذلك مشروط بإقامتهم الدين، وإطاعتهم لله ورسوله، فإن خالفوا أمر الله فغيرهم ممن يطيع الله تعالى وينفذ أوامره أولى منهم.
الثاني: كونه ذكرا. ولاخلاف في ذلك بين العلماء؛ لقوله ﷺ: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة "١.
الثالث: كونه حرا. فلا يجوز أن يكون عبدا. ولاخلاف في هذا بين العلماء. أما لو تغلب عبد حقيقة بالقوة فإنّ طاعته تجب إخمادا للفتنة، وصونا للدماء، مالم يأمر بمعصية.
الرابع: أن يكون بالغا. فلا تجوز إمامة الصبيّ إجماعا لعدم قدرته على القيام بأعباء الخلافة.
الخامس: أن يكون عاقلا. فلا تجوز إمامة المجنون ولا المعتوه. وهذا لا نزاع فيه.
السادس: أن يكون عدلا. فلا تجوز إمامة فاسق. واستدلّ عليه بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ ٢ ويدخل في اشتراط العدالة اشتراط الإسلام؛ لأنّ العدل لا يكون غير مسلم.
السابع: أن يكون ممن يصلح أن يكون من قضاة المسلمين مجتهدا يمكنه
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٨/٩٧. ٢ سورة البقرة، الآية [١٢٤] .
[ ٢ / ٦٠٢ ]
الاستغناء عن استفتاء غيره في الحوادث.
الثامن: أن يكون سليم الأعضاء غير زمن ولا أعمى ونحو ذلك.
ويدلّ لهذين الشرطين الأخيرين؛ أعني العلم، وسلامة الجسم قوله تعالى في طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ ١.
التاسع: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب، وتدبير الجيوش، وسد الثغور، وحماية بيضة المسلمين، وردع الأمة، والانتقام من الظالم، والأخذ للمظلوم.
العاشر: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود، ولافزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأعضاء٢.
وقد ذكر هذه الشروط أيضا: الإمام القرطبي -﵀-، إلا أنه زاد شرطا هو الإسلام٣، مع أنه ذكر الشرط السادس بلفظه، وهو يغني عن زيادة هذا الشرط.
وقد توفرت هذه الشروط كلها في الخلفاء الراشدين ﵃، لذلك صحت خلافتهم، قال الشيخ الأمين -﵀- عند قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٤ مخبرا عن صحة خلافة الخلفاء الراشدين ﵃: "هذه الآيات تدلّ على صحة خلافة الخلفاء الراشدين؛ لأنّ الله نصرهم على أعدائهم لأنهم نصروه، فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر.
وقد مكن لهم، واستخلفهم في الأرض كما قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأرْضِ﴾ الآية٥. والحق أنّ
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية [٢٤٧] . ٢ باختصار من أضواء البيان ١/١٢٣-١٢٩. ٣ انظر الجامع لأحكام القرآن ١/١٨٦-١٨٧. ٤ سورة الحج، الآية [٤٠] . ٥ سورة النور، الآية [٥٥] .
[ ٢ / ٦٠٣ ]
الآيات المذكورة تشمل أصحاب رسول الله ﷺ، وكل من قام بنصرة دين الله على الوجه الأكمل. والعلم عند الله"١.
وقال عن إمامة الصديق أبي بكر ﵁ عند قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ٢: "يوخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر ﵁؛ لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم؛ أعني الفاتحة بأن نسأله أن يهدينا صراطهم. فدل ذلك على أنّ صراطهم هو الصراط المستقيم؛ وذلك في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم﴾ . وقد بين الذين أنعم عليهم، فعدّ منهم الصديق.
وقد بين ﷺ أنّ أبا بكر من الصديقين؛ فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم، الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم، فلم يبق لبس في أنّ أبا بكر الصديق ﵁ على الصراط المستقيم، وأنّ إمامته حقّ"٣.
وقد ذكر الشيخ الأمين -﵀- بعض المسائل التي تتعلق بالإمامة وأجاب عنها:
المسألة الأولى: إذا طرأ على الإمام الأعظم فسق أو دعوة إلى بدعة هل يكون ذلك سببا لعزله والقيام عليه، أولا؟
أجاب -﵀- على هذا السؤال بقوله: "قال بعض العلماء٤: إذا
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٥/٧٠٤. ٢ سورة الفاتحة، الآية [٦] . ٣ أضواء البيان ١/١٠٤-١٠٥. ٤ وحكى القرطبي هذا القول عن الجمهور فقال: قال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته، ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم. انظر (الجامع لأحكام القرآن ١/١٨٧) . لكن كثير من العلماء حكى الإجماع على أن الإمام لاينعزل بالفسق. انظر ص٦٠٤-٦٠٥.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
صار فاسقا، أو داعيا إلى بدعة، جاز القيام عليه لخلعه. والتحقيق الذي لاشك فيه أنه لايجوز القيام عليه لخلعه إلا إذا ارتكب كفرا بواحا عليه من الله برهان"١.
ثمّ استشهد -﵀- بعدة أحاديث، منها حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: "بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا، ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: "إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان "٢.
وحديث أم سلمة ﵂ أنّ رسول الله ﷺ قال: " ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون. فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم. ولكن من رضي وتابع". قالوا: يارسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا، ما صلوا "٣.
ثمّ قال -﵀-: "والأحاديث في هذا كثيرة. فهذه النصوص تدل على منع القيام عليه ولو كان مرتكبا لما لا يجوز، إلا إذا ارتكب الكفر الصريح الذي قام البرهان الشرعيّ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ أنه كفرٌ بواح، أي ظاهرٌ باد، لا لبس فيه. وقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة القول بخلق القرآن، وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وأنواع الإهانة. ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك، ودام الأمر بضع عشرة سنة حتى ولي المتوكل فأبطل المحنة، وأمر بإظهار السنة.
_________________
(١) ١ أضواء البيان ١/١٢٩. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه ٣/١٤٧٠-١٤٧١. ٣ أخرجه مسلم في صحيحه ٣/١٤٨٠ بدون لفظة "يارسول الله".
[ ٢ / ٦٠٥ ]
واعلم أنه أجمع جميع المسلمين على أنه لاطاعة لإمام ولا غيره في معصية الله. وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا لبس فيها ولا مطعن، كحديث ابن عمر ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره، مالم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" أخرجه الشيخان وأبو داود١.
وعن عليّ بن أبي طالب ﵁، عن النبيّ ﷺ أنه قال في السرية الذين أمرهم أميرهم أن يدخلوا في النار: "لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف "٢.
وفي الكتاب العزيز: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ ٣"٤.
وهذا الذي ذكره الشيخ الأمين هو القول الصحيح الذي نختاره ونعتقده وهو معتقد أهل السنة، قال القاضي عياض -﵀- مخبرًا عن معتقد أهل السنة في الإمام الفاسق: "جماهير أهل السنة من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولايخلع، ولايجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه؛ للأحاديث الواردة في ذلك"٥.
بل حكى القاضي -﵀- الإجماع على ذلك فقال: "وقيل إن هذا الخلاف كان أولًا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم والله أعلم"، وقال الإمام النووي -﵀-: "وأجمع أهل السنة أنه لاينعزل السلطان
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه ٨/١٠٥-١٠٦- واللفظ له-، ومسلم في صحيحه ٣/١٤٦٩، وأبو داود في سننه ٣/٩٣-٩٤. ٢ أخرجه مسلم في صحيحه ٣/١٤٦٩. ٣ سورة الممتحنة، الآية [١٢] . ٤ أضواء البيان ١/١٣٠-١٣١. ٥ شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/٢٢٩.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
بالفسق"١.
وممن ذكر الإجماع على ذلك ابن بطال٢. وابن مجاهد٣.
وقال شيخ الإسلام -﵀- أنه مذهب أهل الحديث٤.
وقال ابن حجر -﵀- "وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه وأنه لاينخلع بالفسق) ٥.
ومما يدل على معتقد أهل السنة والجماعة في هذا الباب، وحفاظهم على اجتماع كلمة الأمة ودرء الفتنة عنها موقف الإمام أحمد بن حنبل -﵀- مع الخلفاء الثلاثة المأمون والمعتصم والواثق، مع ماحصل عليه من أذى كبير ليحمل على اعتقاد باطل، والأمة كانت تنتظر إشارة منه لنصرته، ومع ذلك يرى عدم المساس بجناب السلطان لما في ذلك من الفتن العظيمة التي لايعلم مداها إلا الله، فما أجدرنا بالاقتداء بهؤلاء الأعلام، سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه الفتن. نسأل الله أن يحفظنا راعيا ورعية من مضلات الفتن.
المسألة الثانية: هل للإمام أن يعزل نفسه؟
ذكر الشيخ الأمين -﵀- في هذه المسألة قولين لأهل العلم، الأول: أنّ له عزل نفسه. وعزاه للقرطبي. والثاني: ليس له عزل نفسه؛ لأنه تقلد
_________________
(١) ١ نفس المصدر السابق بالجزء والصفحة. ٢ انظر فتح الباري ١٣/٩. ٣ انظر مراتب الإجماع لابن حزم ١٩٩. ٤ الفتاوى ٤/٤٤٤. ٥ فتح الباري ١٣/٧٧ ولشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- كلام محرر في منهاج السنة حول هذا الموضوع. انظر ١/١١٥-١١٨، ٥٤٧-٥٦٥، ٤/٥٢٤-٥٤٨، ومما قاله -﵀- (إن الأئمة هم الأمراء ولاة الأمور، وأنه يكره وينكر ما يأتونه من معصية الله ولاتنزع اليد من طاعتهم بل يطاعون في طاعة الله وأن منهم خيارًا وشرارا..) منهاج السنة ١/١١٧.
[ ٢ / ٦٠٧ ]
حقوق المسلمين.
وعقب -﵀- على هذين القولين بقوله: "إن كان عزله لنفسه لموجب يقتضي ذلك، كإخماد فتنة كانت ستشتعل لو لم يعزل نفسه، أو لعلمه من نفسه العجز عن القيام بأعباء الخلافة: فلا نزاع في جواز عزله لنفسه. ولذا أجمع جميع المسلمين على الثناء على سبط رسول الله ﷺ، الحسن بن علي ﵄؛ لعزله نفسه وتسليمه الأمر إلى معاوية بعد أن بايعه أهل العراق؛ حقنا لدماء المسلمين. وأثنى عليه بذلك قبل وقوعه جده، رسول الله ﷺ بقوله: " إنّ ابني هذا سيد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين" ١"٢.
المسألة الثالثة: هل يجوز نصب خليفتين كلاهما مستقلّ دون الآخر؟
ذكر الشيخ الأمين -﵀- ثلاثة أقوال لأهل العلم في ذلك:
الأول: جواز ذلك مطلقا. ونسبه للكرامية.
الثاني: لا يجوز تعدد الإمام الأعظم. ونسبه للجمهور٣.
الثالث: التفصيل. فيمنع نصب إمامين في البلد الواحد والبلاد المتقاربة، ويجوز في الأقطار المتنائية؛ كالأندلس وخراسان٤.
ونقل -﵀- قول القرطبي في هذه المسألة: (لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت، كالأندلس وخراسان جاز ذلك) ٥.
ونقل أيضا قول ابن كثير: "وهذا يشبه حال خلفاء بني العباس بالعراق،
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه ٤/٢١٦. ٢ أضواء البيان ١/١٢٣. وانظر الجامع لأحكام القرآن ١/١٨٨. ٣ قال الإمام النووي: "اتفق العلماء على أنه لايجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد". (شرح النووي على صحيح مسلم ١٢/٢٣٣) . ٤ انظر أضواء البيان ١/١٣١-١٣٢. ٥ الجامع لأحكام القرآن ١/١٨٨.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب"١.
ولم يختر -﵀- قولا من هذه الأقوال الثلاثة، وإنما اكتفى بسردها، ونقل كلام بعض العلماء في ذلك.
المسألة الرابعة: هل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟
ذكر الشيخ الأمين -﵀- قولين لأهل العلم في هذه المسألة:
الأول: لا يجب؛ لأنه يحتاج إلى دليل من النقل، وهذا لادليل عليه منه.
الثاني: يجب الإشهاد عليه؛ لئلا يدعي مدع أنّ الإمامة عقدت له سرا، فيؤدي ذلك إلى الشقاق والفتنة٢.
ولم يختر -﵀- واحدا من هذين القولين أيضا.
وهكذا فصل الشيخ الأمين -﵀- القول في الإمامة وما يتعلق بها من مسائل؛ إذ هي من أهمّ المسائل التي يجب العناية بها؛ لما يترتب عليها من وحدة الأمة، وصون حقوقها، ورفع راية الدين، والذود عنه، وإقامة أمره.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ١/٧٢. ٢ انظر أضواء البيان ١/١٣٣-١٣٤، وقد حكى القرطبي هذين القولين عن المالكية، (انظر الجامع لأحكام القرآن ١/١٨٦.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
الخاتمة
الحمد لله الرب الكريم، الذي بنعمته تتمّ الصالحات، وبتوفيقه تقضى الحاجات، فقد تمّ هذا البحث، وتوصلت فيه إلى النتائج التالية:
(١) - إنّ عقيدة الشيخ -﵀- هي عقيدة السلف الصالح التي ترتكز على الوحيين، الكتاب والسنة.
وقد وافقهم في جميع محتويات العقيدة، ولم يخرج عن منهجهم قيد أنملة، فقد عرف الإيمان بأنه قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
كما قسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام: الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
وأوضح بقية مباحث الإيمان الأخرى؛ كالإيمان بالملائكة، والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقضاء والقدر؛ خيره وشره، وذكر جزئيات هذه المباحث.
(٢) - أظهر -﵀- هذه العقيدة، ودعا إليها في جميع كتبه، ومحاضراته، ودروسه. وكان لايترك مناسبة إلا وحرص على ذكرها والدعوة إليها.
(٣) - أبرز -﵀- العقيدة الصافية، واستنبطها من نصوص القرآن الكريم بأسلوبه الرائع وطريقته المعروفة في تفسير القرآن بالقرآن.
(٤) - أكد -﵀- أنّ الآيات الدالة على توحيد الربوبية في القرآن الكريم إنما هي إلزام للمشركين أن يوحدوا الله في العبادة.
(٥) - اهتم -﵀- بعقيدة السلف في الأسماء والصفات، وجعلها من أنواع البيان المذكورة في أضواء البيان، ومن أهمها.
[ ٢ / ٦١٣ ]
وأنّ جميع ما وصف الله به نفسه في القرآن العظيم فهو موصوف به حقيقة لامجازا.
(٦) - سلك -﵀- قاعدة الإمام مالك الذهبية في الصفات:
(الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب)، وطردها في جميع الصفات؛ لأنها كلها في باب واحد.
(٧) - اهتم -﵀- بذكر رأيه في الصفات في ضوء الدليل، ووفق المنهج المرسوم. فلا يطيل الحديث عنها؛ لأنه قد اكتفى ببيان المنهج، وتوضيح العقائد التي تشترك فيها سائر الصفات.
(٨) - لم يؤول -﵀- أيّ صفة من صفات الله ﷾، ولم يرتض التأويل بأي شكل من أشكاله.
(٩) - أبرز عقيدة السلف بأسلوب عربي مختصر بعيد عن مصطلحات أهل الكلام. وكان -﵀- يكره التعمق في آيات الصفات والخوض فيها، ويقول: هي من البدع التي كرهها السلف.
(١٠) - جعل -﵀- قواعد وضوابط وأسسا في إثبات الصفات لتسهيل فهمها وحفظها.
(١١) - نقد -﵀- منهج أهل الكلام عن دراية وفهم، وناقشه، واستعرض شبه أهل الكلام، وردّ عليها بحجج في غاية القوة والإقناع مدارها الكتاب والسنة.
(١٢) - كان -﵀- من العلماء العالمين بالجدل والمنطق، وأسلوب البحث والمناظرة. لكنه لايجعله أساسًا يثبت به صفات الله ويهدر الأدلة السمعية، بل لم يستخدمه في مبحث التوحيد إلا للرد على دليلهم الجدلي بلغتهم، مبينا أنه من أساسه كاذب بلا شك، وأنّ
[ ٢ / ٦١٤ ]
النتيجة سوف تكون كاذبة.
(١٣) - أكد -﵀- أنّ معتقد السلف هو الأسلم والأحكم والأعلم، وأنه المنجي يوم القيامة.
(١٤) - كان -﵀- ذا حجة مقنعة، وعقلية فذة، وعلم واسع، وفهم لعقيدة السلف على أصولها الصحيحة، وعمل على نشرها بين الناس.
(١٥) - رجح -﵀- أنّ الساحر الذي لم يبلغ به سحره الكفر، ولم يقتل به إنسانا، أنه لايقتل.
(١٦) - رجح -﵀- وفاة الخضر ﵇، ونبوته، وناقش أدلة القائلين بحياته وعدم نبوته مناقشة دقيقة، مؤيدة بالحجج الواضحة والأدلة الصريحة، وردّ ما يقال حوله من قصص خيالية، وروايات موضوعة.
(١٧) - ردّ -﵀- على من جوز العمل بالإلهام، وأنّ الولي يسعه الخروج عن الوحي المحمدي، وقال عنها: إنها زندقة.
(١٨) - له مشاركات لعلماء الأمة فعالة في التصدي للتيارات الإلحادية، وموقف راسخ في الذود عن حياض العقيدة الصافية.
(١٩) - عند المناقشة مع المخالفين يذكر -﵀- قول المخالف بإنصاف مع حجته، ولاينقص من قدره، بل يرد عليه بحياد وعدم تعصب.
(٢٠) - مؤلفات الشيخ -﵀- عظيمة الفوائد، ومنهل عذب، ومعين لاينضب وعلى رأسها أضواء البيان؛ فإنه لقي قبولا واهتماما من العلماء والباحثين. لكن تنقصه الطباعة الجيدة، والتحقيق المتقن لتدارك الأخطاء التي تخلّ بالمعنى.
[ ٢ / ٦١٥ ]
(٢١) هناك رسائل مهمة للشيخ -﵀- تدلّ على سعة علمه وهي لاتزال مخطوطة ولو طبعت وأخرجت لعمت الفائدة منها.
(٢٢) - محاضرة الشيخ -﵀- المسماة: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات: هي اسم على مسمى: أبرز فيها الشيخ -﵀- عقيدة السلف في الصفات مع توضيح المنهج والقواعد والأسس التي يقوم عليها، واشار إلى طريقة المخالفين مبينا وهنها.
فلو قررت هذه الرسالة على المعاهد والكليات في بابها، فهي جديرة بالعناية والدراسة.
(٢٣) - هناك أشرطة للشيخ -﵀- في تفسير بعض سور القرآن الكريم بصوته، سبق أن أشرت إلى أرقامها والآيات المفسرة.
وكذا رحلته إلى أفريقيا للدعوة، فيها محاضرات وكلمات. فلو فرغت وطبعت لكانت أجزاء كثيرة، فيها العلم النافع الغزير، هيأ الله لها من يخرجها وينشرها.
-وفي الأخير: أحمد الله الذي وفقني لإتمام هذا البحث، فقد خرجت منه بفوائد جليلة؛ حيث منّ الله عليّ بقراءة بعض كتب السلف في العقيدة والتفسير والتراجم، واطلعت على أكثر مباحث العقيدة، وذلك بفضل الله وتوفيقه فله الحمد والمنة.
وفي الختام أسأل الله العليّ القدير العلم النافع، والرزق الطيب، والعمل المتقبل لي ولإخواني المسلمين، إنه وليّ ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله ربّ العالمين.
[ ٢ / ٦١٦ ]
مصادر ومراجع
فهرس المصادر والمراجع
-أ-
١- الإبانة: للأشعري. تحقيق/ عبد القادر الأرناؤوط. مكتبة دار البيان الأولى، عام ١٤٠١هـ.
٢- إبطال التأويلات لأخبار الصفات: لأبي يعلى. تحقيق/ محمد النجدي. ط الأولى، ١٤١٠هـ. مكتبة دار الإمام الذهبي، الكويت.
٣- الإتقان في علوم القرآن: للسيوطي. ط دار المعرفة. بيروت-لبنان.
٤- مكرر _الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان. قدم له وضبطه: كمال يوسف الحوت. ط دار الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٧هـ
٥- أحكام الجنائز: للألباني. ط الرابعة، ١٤٠٦هـ، المكتب الإسلامي.
٦- آداب البحث والمناظرة: للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، أشرف على طبعه عطية محمد سالم. طبع بمطابع شركة المدينة للطباعة والنشر، ١٣٨٨هـ.
٧- الإرشاد: للجويني. تحقيق/ محمد يوسف موسى، وعلي عبد المنعم عبد الحميد. مطبعة السعادة، ١٣٩٦هـ.
٨- إرواء الغليل: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني. ط الأولى ١٣٩٩هـ، المكتب الإسلامي.
[ ٢ / ٦٩١ ]
٩- أساس التقديس في علم الكلام: للفخر الرازي. طبعة مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، عام ١٣٥٤هـ.
١٠- الاستيعاب في معرفة الأصحاب: لابن عبد البر. تحقيق/ علي محمد البجاوي. ط مطبعة نهضة مصر بالقاهرة.
١١- الإسلام دين كامل. محاضرة ألقاها الشيخ محمد الأمين في المسجد النبوي. ط دار المدني، جدة.
١٢- الإصابة في تمييز الصحابة: لابن حجر العسقلاني، ط مطبعة نهضة مصر بالقاهرة.
١٣- أصول الدين للبغدادي. ط الثانية، ١٤٠٠هـ، ط دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان.
١٤- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: للشيخ محمد الأمين الشنقيطي. طبع المطابع الأهلية للأوفست. الرياض، ١٤٠٣هـ. على نفقة سمو الأمير أحمد بن عبد العزيز.
١٥- الأعلام: للزركلي. ط الثانية، ١٩٨٩م. دار العلم للملايين، بيروت.
١٦- إعلام الموقعين عن رب العالمين: لابن القيم. راجعه وعلق عليه/ طه عبد الرؤوف سعد. دار الجيل للنشر والتوزيع، بيروت-لبنان، ١٩٧٣م.
١٧- أعلام النبوة: للماوردي. تحقيق/ محمد شريف سكر. ط١، ١٤٠٨هـ، ط دار إحياء العلوم، بيروت.
[ ٢ / ٦٩٢ ]
١٨- إغاثة اللهفان: لابن القيم. تحقيق/ محمد حامد الفقي. دار المعرفة، ببيروت.
١٩- أقاويل الثقات: لمرعي المقدسي. تحقيق/ شعيب الأرناؤوط. ط الأولى، ١٤٠٦هـ.
٢٠- اقتضاء الصراط المستقيم: لابن تيمية. تحقيق د/ ناصر العقل. ط الأولى، ١٤٠٤؟.
٢١- ألفية ابن مالك. ط الأولى، ١٤٠٤هـ. مكتبة طيبة، المدينة المنورة.
٢٢- الإمام ابن تيمية وقضية التأويل: محمد سيد الجليند. ط الثانية، ١٤٠٣هـ، شركة مكتبات عكاظ للنشر والتوزيع.
٢٣- أنوار التنزيل وأسرار التأويل: للبيضاوي. طبع بمطبعة دار الكتب العربية الكبرى بمصر.
٢٤- أهوال القبور: لابن رجب. ط الثانية، ١٤٠٧هـ، ط دار الهجرة. القاهرة.
٢٥- الآيات البينات: لِنُعْمَان الألوسي. تحقيق/ الشيخ ناصر الدين الألباني. دار الأرقم. ط الثانية، ١٤٠٥هـ.
٢٦- الإيمان: لأبي عبيد: القاسم بن سلام. تحقيق/ محمد ناصر الدين الألباني. دار الأرقم. ط الثانية، ١٤٠٥هـ.
٢٧- الإيمان: لابن تيمية. ط الثالثة، ١٤٠١هـ. ط المكتب الإسلامي.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
-ب-
٢٨- بدائع الفوائد: لابن القيم. طبعة المطبعة المنيرية. بدون تاريخ.
٢٩- البداية والنهاية: لابن كثير. دقق أصولها مجموعة من العلماء. ط الأولى، ١٤٠٨هـ. دار الريان للتراث، القاهرة.
٣٠- البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان: للسكسكي الحنبلي. تحقيق د/بسام علي سلامة العموشة. مكتبة المنار، ط الأولى، ١٤٠٨هـ.
-ت-
٣١- تاج العروس: للزبيدي. تصوير دار مكتبة الحياة، بيروت-لبنان.
٣٢- التاريخ الكبير: للبخاري. دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان.
٣٣- تأويل مختلف الحديث: لابن قتيبة. دار الكتاب العربي. بدون تاريخ.
٣٤- تجريد التوحيد: للمقريزي. طبع بمطابع الجامعة الإسلامية، ١٤٠٨هـ. وطبعة مكتبة العالمية.
٣٥- التحذير من مختصرات الصابوني: للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد. ط الأولى، ١٤٠٩هـ، دار الراية، الرياض.
٣٦- تحكيم القوانين: للشيخ محمد بن إبراهيم. ط الثانية، عام ١٤٠٣هـ. مطابع شركة الصفحات الذهبية المحدودة.
٣٧- تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد: شرح جوهرة التوحيد للبيجوري. طبعة دار الكتب العالمية، بيروت، ط الأولى، ١٤٠٣هـ.
[ ٢ / ٦٩٤ ]
٣٨- التحفة المهذبة: لابن مهدي. تصحيح وتعليق عبد الرحمن بن صالح المحمود. ط الثانية. ١٤٠٥هـ، مكتبة الحرمين.
٣٩- التخويف من النار: لابن رجب. تحقيق/ بشير عيون. مكتبة المؤيد، دمشق، ط الثانية، ١٤٠٩هـ.
٤٠- التدمرية: لابن تيمية، تحقيق: محمد بن عودة السعوي، ط الأولى، ١٤٠٥هـ. طبع بشركة العبيكان للطباعة والنشر بالرياض.
٤١- تذكرة الحفاظ: للذهبي. تصوير دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان.
٤٢- تفسير سورة النور: للشيخ محمد الأمين. جمع د/عبد الله قادري. مكتوب على الآلة الكاتبة.
٤٣- تفسير الطبري= جامع البيان. ط مطبعة دار الفكر. ١٤٠٥هـ.
٤٤- تفسير القرآن العظيم= تفسير ابن كثير. ط دار الفكر. بدون تاريخ، وط دار المعرفة، ١٣٨٨هـ.
٤٥- التفسير الكبير: لفخر الدين الرازي. ط دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط الثالثة.
٤٦- تفسير المنار= تفسير القرآن الحكيم: للشيخ محمد رشيد رضا. ط الثانية، دار المعرفة، بيروت.
٤٧- التفسير والمفسرون: د/محمد حسين الذهبي، ط الثانية ١٣٩٦هـ. دار الكتب الحديثة.
٤٨- التمهيد: للباقلاني. المكتبة الشرقية، بيروت. بتحقيق: ريتشارد
[ ٢ / ٦٩٥ ]
يوسف مكارثي اليسوعي.
٤٩- التمهيد لابن عبد البر. الناشر: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالمغرب.
٥٠- تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين: للنحاس، حققه وعلق عليه/ عماد الدين عباس سعيد. ط الأولى، دار الكتب العلمية، ١٤٠٧هـ.
٥١- التوضيح والبيان لشجرة الإيمان: للشيخ عبد الرحمن السعدي، مكتبة المعارف، الرياض، ط ١٤٠٦هـ.
٥٢- توضيح المقاصد وتصحيح القواعد: لابن عيسى، شرح نونية ابن القيم. ط الثانية، ١٤٠٦هـ، المكتب الإسلامي.
٥٣- تهذيب التهذيب: لابن حجر العسقلاني. تصوير دار صادر. بيروت-لبنان.
٥٤- تهذيب اللغة: للأزهري. تحقيق/ عبد السلام هارون. ط المؤسسة المصرية العامة للتأليف. ط دار القومية العربية للطباعة ١٣٨٤هـ.
٥٥- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: للشيخ عبد الرحمن السعدي. تحقيق/محمد زهري النجار. ط الإفتاء، عام ١٤٠٤هـ.
٥٦- تيسير العزيز الحميد: للشيخ سليمان بن عبد الله. ط الخامسة، ١٤٠٢هـ، بيروت، المكتب الإسلامي.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
-ج-
٥٧- الجامع لأحكام القرآن= تفسير القرطبي. ط الأولى، ١٤٠٨هـ، دار الكتب العلمية.
٥٨- جامع الرسائل والمسائل: لابن تيمية. ط الأولى، ١٤٠٣هـ. دار الكتب العلمية.
٥٩- جامع العلوم والحكم: لابن رجب. دار المعرفة للطباعة والنشر. بدون تاريخ.
٦٠- الجواب الكافي: لابن القيم. دار الندوة الجديدة، بيروت لبنان، ١٤٠٥هـ.
-ح-
٦١- حاشية الصاوي على تفسير الجلالين. ط دار الفكر، بيروت، ١٤٠٦هـ.
-خ-
٦٢- خطبة الحاجة التي كان رسول الله ﷺ يعلمها أصحابه: للشيخ الألباني. ط الرابعة، ١٤٠٠هـ، المكتب الإسلامي.
٦٣- الخطط: للمقريزي. ط دار صادر، بيروت.
[ ٢ / ٦٩٧ ]
-د-
٦٤- درء تعارض العقل والنقل: لابن تيمية. تحقيق/ محمد رشاد سالم. توزيع مكتبة ابن تيمية.
٦٥- الدرة فيما يجب اعتقاده: لابن حزم الظاهري. تحقيق/ أحمد بن ناصر الحمد، ود/ سعيد عبد الرحمن القزمي. ط الأولى، ١٤٠٨هـ مطبعة المدني.
٦٦- دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: للشيخ محمد الأمين. الملحق بأضواء البيان –المجلد العاشر-.
٦٧- الدين الخالص: لمحمد صديق حسن خان. تحقيق/ محمد زهري النجار. طبع بمطبعة المدني بمصر، ١٣٧٩هـ.
٦٨- ديوان الإمام الشافعي. جمع محمد الزعبي. مكتبة المعرفة بحمص، ومكتبة دار العلم للطباعة والنشر بجدة، ط الثالثة.
-ذ-
٦٩- ذمّ التأويل: لابن قدامة المقدسي. تحقيق: بدر البدر. ط الدار السلفية، الكويت، ط١، ١٤٠٦هـ.
٧٠- الذيل على طبقات الحنابلة: لابن رجب. دار المعرفة، طبع بمطبعة السنة المحمدية، ١٣٧٢هـ.
-ر-
٧١- رائحة الجنة في شرح إضاءة الدجنة. ط الأولى. ١٣٧٧هـ.
٧٢- الرحلة إلى المسجد الحرام: للشيخ محمد الأمين. ط الأولى.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
١٤٠٣هـ، دار الشروق، جدة
٧٣- الرد على الجهمية: للدرامي. تحقيق/ زهير الشاويش. المكتب الإسلامي، ط الرابعة، ١٤٠٢هـ.
٧٤- الرد على الجهمية والزنادقة: للإمام أحمد. تحقيق/ عبد الرحمن عميرة. دار اللواء، الطبعة الثانية، ١٤٠٢هـ.
٧٥- رسالة إلى أهل الثغر: للأشعري. تحقيق/ عبد الله الجنيدي، ط الأولى، ١٤٠٩هـ، مكتبة العلوم والحكم بالمدينة.
٧٦- رسالة في الاستواء والفوقية: لأبي محمد الجويني. موجودة ضمن رسائل المجموعة المنيرية.
٧٧- رسالة مخطوطة صغيرة: للشيخ محمد الأمين، جواب على سؤال ورد عليه من أحد أمراء شنقيط. يقع في إحدى عشرة صفحة.
٧٨- الرسالة المدنية: لابن تيمية. تحقيق/ الوليد بن عبد الرحمن الفريان. ط الأولى، ١٤٠٨هـ. مطبعة دار طيبة بالرياض.
٧٩- رفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر: لمرعي الكرمي. مكتبة الصحوة، الكويت. تحقيق/ عادل الجطيلي ط الأولى، ١٤١٠هـ.
٨٠- الروح: لابن القيم. تحقيق/ محمد اسكندر يلدا، دار الكتب العلمية، ط الأولى، ١٤٠٢هـ.
[ ٢ / ٦٩٩ ]
٨١- رياض الصالحين: للنووي. تحقيق/ عبد العزيز رباح، وأحمد يوسف الدقاق. ط الرابعة، ١٤٠١هـ. دار المأمون للتراث.
-ز-
٨٢- زاد المعادر: لابن قيم الجوزية. تحقيق/ شعيب وعبد القادر الأرناؤوط. ط الثالثة. ١٤٠٢هـ مؤسسة الرسالة.
٨٣- الزهر النضر في نبأ الخضر: لابن حجر. علق عليه/ سمير حسين حلبي. ط الأولى، ١٤٠٨هـ. دار الكتب العلمية.
-س-
٨٤- سلسلة الأحاديث الصحيحة: للشيخ الألباني. ط الرابعة ١٤٠٥هـ. المكتب الإسلامي.
٨٥- سلسلة الأحاديث الضعيفة: للشيخ الألباني. ط الخامسة ١٤٠٥هـ. المكتب الإسلامي.
٨٦- سنن الدارقطني. تحقيق/ عبد الله هاشم يماني المدني. ط شركة الطباعة الفنية المتحدة.
٨٧- سنن أبي داود. إعداد وتعليق/ عبيد الدعاس. ط الأولى ١٣٨٨هـ، دار الحديث.
٨٨- سنن ابن ماجه. حقق نصوصه وعلق عليه، محمد فؤاد عبد الباقي. ط دار الفكر، بيروت.
[ ٢ / ٧٠٠ ]
٨٩- سنن الترمذي. تحقيق/ أحمد محمد شاكر. ط الثانية ١٣٨٩هـ. ط مطبعة مصطفى البابي الحلبي. القاهرة.
٩٠- السنن الكبرى: للبيهقي. تصوير دار الفكر، بيروت-لبنان.
٩١- سنن النسائي. تصوير دار إحياء التراث العربي، بيروت-لبنان.
٩٢- سير أعلام النبلاء: للذهبي. ط مؤسسة الرسالة، ط الرابعة، ١٤٠٦هـ.
-ش-
٩٣- شذرات الذهب: لابن العماد. منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت.
٩٤- الشرح والإبانة على أصول الديانة: للعكبري. تحقيق/رضا نعسان معطي. ط ١٤٠٤هـ. المكتبة الفيصلية، مكة.
٩٥- شرح أم البراهين: للسنوسي. ط دار الفكر، بيروت-لبنان.
٩٦- شرح الأصول الخمسة: لعبد الجبار المعتزلي. ط الثانية ١٤٠٨هـ، مكتبة وهبة.
٩٧- شرح السنة: للبغوي. تحقيق/ الأرناؤوط، وزهير الشاويش. ط المكتب الإسلامي، بيروت، ١٩٧١م.
٩٨- شرح الصاوي على جوهرة التوحيد. توزيع دار الإخاء، ١٩٨٠م.
٩٩- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: للالكائي. تحقيق
[ ٢ / ٧٠١ ]
/د. أحمد سعد حمدان. ط دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض. الطبعة الأولى.
١٠٠- شرح العقيدة الطحاوية: لابن أبي العز الحنفي. حققها جماعة من العلماء، وخرج أحاديثها الألباني. ط المكتب الإسلامي. بيروت، ١٣٩٩هـ.
١٠١- شرح العقيدة الواسطية: للشيخ صالح الفوزان. ط الرابعة، ١٤٠٧هـ، مكتبة المعارف.
١٠٢- شرح العقيدة الواسطية: للشيخ محمد الصالح العثيمين. مخطوطة.
١٠٣- شرح مراقي السعود على أصول الفقه: لمحمد الأمين الجكني الشنقيطي. الناشر: دار الوفاء، ١٣٧٨هـ.
١٠٤- شرح المعلقات العشر: للشيخ أحمد الأمين الشنقيطي. دار الكتاب العربي، ١٤٠٤هـ.
١٠٥- شرح النووي على صحيح مسلم: ط دار إحياء التراث، ط الثانية، ١٣٩٢هـ.
١٠٦- الشريعة: للآجري. تحقيق/ محمد حامد الفقي. ط الأولى، ١٤٠٣هـ. دار الكتب العلمية.
١٠٧- شفاء العليل: لابن قيم الجوزية. تصوير دار المعرفة، بيروت، عن ط عام ١٣٢٣هـ، بالمطبعة الحسينية.
١٠٨- الشنقيطي، ومنهجه في التفسير. إعداد الطالبة سميرة ابنة صقر آل محمد. مكتوب على الآلة الكاتبة.
[ ٢ / ٧٠٢ ]
١٠٩- الشيخ عبد الرحمن السعدي، وجهوده في العقيدة: د/عبد الرزاق بن الشيخ عبد المحسن العباد. ط الأولى، ١٤١١هـ، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع.
-ص-
١١٠- الصحاح: للجوهري. الطبعة الثانية، ١٤٠٢هـ، على نفقة الشيخ حسن شربتلي.
١١١- صحيح البخاري. ط المكتبة الإسلامية، إستانبول، تركيا، ١٩٨٩م.
١١٢- صحيح الجامع الصغير: للشيخ الألباني. ط المكتب الإسلامي، ١٤٠٥هـ.
١١٣- صحيح مسلم. حقق نصوصه وعلق عليه/ محمد فؤاد عبد الباقي. ط الثانية، ١٣٨٩هـ دار الفكر، بيروت.
١١٤- الصفات الاختيارية: لابن تيمية. ضمن جامع الرسائل والمسائل، المجموعة الثانية. تحقيق د/محمد رشاد سالم، مطبعة المدني، ط١، ١٤٠٥هـ.
١١٥- الصفات الإلهية: للدكتور محمد أمان. ط المجلس العلمي في الجامعة الإسلامية، ١٤٠٨هـ.
١١٦- الصين: للشيخ عبد العزيز المسند. ط الأولى، ١٤١٠هـ. مطابع الفرزدق.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
-ض-
١١٧- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: للسخاوي. تصوير بيروت، دار مكتبة الحياة.
-ط-
١١٨- طبقات الحنابلة: لابن أبي يعلى. دار المعرفة، ببيروت. مطبعة السنة المحمدية، ١٣٧٢هـ.
١١٩- طريق الهجرتين: لابن القيم. صححه وراجعه: إبراهيم الأنصاري. طبع على نفقة الشيخ حمد بن فالح آل ثاني.
-ع-
١٢٠- علماء نجد خلال ستة قرون: للبسام. ط الأولى، مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة.
١٢١- علماء ومفكرون عرفتهم: للشيخ محمد المجذوب. ط الثانية. ١٤٠٣هـ. عالم المعرفة.
١٢٢- علماؤنا: إعداد فهد البدراني، وفهد البراك. ط الأولى ١٤١٠هـ. طباعة مكتب المهندس.
١٢٣- العبودية: لابن تيمية. ط الخامسة، ١٣٩٩هـ. المكتب الإسلامي.
١٢٤- عقيدة الحافظ تقي الدين عبد الغني المقدسي. تحقيق/عبد الله
[ ٢ / ٧٠٤ ]
بن محمد البصيري. ط الأولى، مطابع الفرزدق.
١٢٥- العقيدة النظامية: للجويني. تقديم وتحقيق د/أحمد حجازي السقا. الناشر: مكتبة الكليات الأزهرية، ط الأولى. ١٣٩٨هـ. مطبعة دار الشباب بالعباسية.
١٢٦- علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين: للدكتور رضا نعسان معطي. شركة العبيكان للطباعة، ط١، ١٤٠٢هـ.
١٢٧- العين والأثر: للمواهبي. تحقيق/عصام رواس قلعجي. ط الأولى، ١٤٠٧هـ. دار المأمون للتراث.
-ف-
١٢٨- فتح الباري: لابن حجر. تحقيق/ محب الدين الخطيب. المكتبة السلفية، ط الثالثة، ١٤٠٧هـ.
١٢٩- فتح القدير: للشوكاني. ط دار الفكر، بيروت ١٤٠١هـ.
١٣٠- فتح المجيد: للشيخ عبد الرحمن بن حسن. ط١٤٠٣هـ. توزيع الإدارات العلمية للبحوث والإفتاء والدعوة والإرشاد.
١٣١- الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان: لابن تيمية تحقيق/ عبد القادر الأرناؤوط. مكتبة دار البيان، دمشق، ١٤٠٥هـ.
١٣٢- الفرق بين الفرق: للبغدادي. تحقيق/ محمد محيي الدين عبد الحميد. الناشر: دار المعرفة للطباعة والنشر، بيروت.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
١٣٣- الفتوى الحموية الكبرى: لابن تيمية. تقديم/ محمد عبد الرزاق حمزة. مطبعة المدني، ١٤٠٣هـ.
١٣٤- فضائل الصحابة: للإمام أحمد. بتحقيق: وصي الله بن محمد عباس. ط مؤسسة الرسالة. نشر مركز البحث العلمي في جامعة أم القرى في مكة المكرمة، ط الأولى، ١٤٠٣هـ.
١٣٥- الفكر الصوفي: للشيخ عبد الرحمن عبد الخالق. مكتبة ابن تيمية، الكويت، ط الثالثة، ١٤٠٦هـ.
١٣٦- في ظلال القرآن: للشيخ سيد قطب. ط دار الشروق، ط التاسعة، ١٤٠٠هـ.
-ق-
١٣٧- قانون التأويل: لابن العربي. تحقيق/ محمد السليماني. ط الأولى، ١٤٠٦هـ. نشر دار القبلة للثقافة الإسلام، جدة.
١٣٨- القاموس المحيط: للفيروز آبادي. طبع مؤسسة الرسالة بيروت، ط الأولى ١٤٠٦هـ.
١٣٩- القضاء والقدر: للشيخ محمد الصالح العثيمين، محاضرة، ط الأولى، ١٤١١هـ. دار الأفق للنشر والتوزيع.
١٤٠- القضاء والقدر: د. عمر الأشقر. دار النفائس، الكويت، ط الأولى، ١٤١٠هـ.
١٤١- القواعد المثلى: للشيخ محمد الصالح العثيمين. مكتبة المعارف. الرياض. ١٤٠٥هـ.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
١٤٢- القول السديد: للشيخ عبد الرحمن السعدي. ط الجامعة الإسلامية بالمدينة.
-ك-
١٤٣- كتاب الأسماء والصفات: للبيهقي. دار الكتب العلمية، بيروت.
١٤٤- كتاب التوحيد: لابن خزيمة. تحقيق/د. عبد العزيز الشهوان. ط الأولى، ١٤٠٨هـ، دار الرشيد للنشر والتوزيع.
١٤٥- كتاب التوحيد: لابن مندة. تحقيق/ د. علي بن ناصر الفقيهي. ط الأولى. طبع بمطابع الجامعة الإسلامية بالمدينة. توزيع مركز شؤون الدعوة بالجامعة.
١٤٦- الكشاف: للزمخشري. ط دار الفكر، بيروت، بدون تاريخ.
١٤٧- كشف الأستار: بقلم د. علي جابر الحربي. ط الأولى، ١٤١٠هـ. دار طيبة بمكة.
١٤٨- الكواشف الجلية لشرح العقيدة الواسطية: للشيخ عبد العزيز السلمان. ط الثانية، ١٣٩٠هـ. مطبعة دار السعادة، القاهرة.
-ل-
١٤٩- لمعة الاعتقاد: لابن قدامة، خرج أحاديثها/ بدر بن عبد الله البدر. ط الأولى، ١٤٠٦هـ، دارالسلفية، الكويت.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
١٥٠- لسان العرب: لابن منظور. مكتبة دار صادر، بيروت بدون تاريخ.
١٥١- لوامع الأنوار البهية: للسفاريني. ط الثانية، ١٤٠٥هـ المكتب الإسلامي.
-م-
١٥٢- مجموع فتاوى شيخ الإسلام. طبعة خادم الحرمين الملك فهد. إشراف الرئاسة العامة، شؤون الحرمين الشريفين، ١٤٠٤هـ.
١٥٣- مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز. الطبعة الثانية، ١٤٠٨هـ. طبع العبيكان للطباعة والنشر، الرياض.
١٥٤- المجموعة المنيرية. إدارة الطباعة المنيرية. ط الأولى عام ١٣٤٣هـ.
١٥٥- مختصر الصواعق المرسلة: لابن القيم. تصحيح زكريا علي يوسف. مكتبة المتنبي، القاهرة. مطبعة دار البيان بعابدين.
١٥٦- مدارج السالكين: لابن القيم. تحقيق/ محمد حامد الفقي. دار الكتاب العربي، ١٣٩٢هـ.
١٥٧- مذكرة أصول الفقه: للشيخ محمد الأمين. ط المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، ١٣٩١هـ.
١٥٨- المستدرك على معجم المؤلفين: لعمر رضا كحالة. مؤسسة الرسالة. الطبعة الثانية. ١٤٠٨هـ.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
١٥٩- مسند الإمام أحمد. وبهامشه المنتخب من كنز العمال. دار صادر، بيروت.
١٦٠- مشكاة المصابيح: للتبريزي. تحقيق الألباني، ط الثانية ١٤٠٥هـ، المكتب الإسلامي.
١٦١- مشكل الحديث: لابن فورك. ط ١٤٠٠هـ، دارالكتب العلمية، بيروت.
١٦٢- المعين والزاد. جمع سيد الأمين بن المامي الجكني. ط الأولى، ١٣٩٦هـ.
١٦٣- معجم المؤلفين: لعمر رضا كحالة. دار إحياء التراث العربي، بيروت.
١٦٤- معارج الصعود: للشيخ محمد الأمين. جمع/د. عبد الله قادري. طبع دار المجتمع، ط الأولى، ١٤٠٨هـ.
١٦٥- معارج القبول: للشيخ حافظ حكمي. المطبعة السلفية ومكتبتها. بدون تاريخ.
١٦٦- المغني: لابن قدامة. تحقيق/د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، د. عبد الفتاح محمد الحلو. ط الأولى، ١٤٠٦هـ.
١٦٧- مقدمة ابن خلدون. ط الخامسة، ١٩٨٤م. دار القلم، بيروت.
١٦٨- الملل والنحل: للشهرستاني. تحقيق/ محمد سيد كيلاني. ط ١٤٠٠هـ. دار المعرفة، بيروت.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
١٦٩- مفتاح دار السعادة: لابن القيم. دار نجد للنشر والتوزيع، ١٤٠٢هـ.
١٧٠- المفردات في غريب القرآن: للراغب الأصفهاني. ط ١٣٨١هـ شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي، مصر. تحقيق/ محمد سيد كيلاني.
١٧١- مقالات الإسلاميين: للأشعري. تحقيق/ محمد محيي الدين عبد الحميد. ط الثانية، ١٣٨٩هـ.
١٧٢- منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز: للشيخ محمد الأمين. ملحق بالجزء العاشر بأضواء البيان، ط٣، ١٤٠٣هـ، على نفقة سمو الأمير أحمد بن عبد العزيز.
١٧٣- منهاج المسلم: لأبي بكر الجزائري. دار الشروق، ط السابعة، ١٤٠٧هـ.
١٧٤- منهج التشريع وحكمته: للشيخ محمد الأمين. محاضرة طبعت بمطابع الجامعة الإسلامية، ط الأولى.
١٧٥- منهج الشيخ الشنقيطي في تفسير آيات الأحكام من أضواء البيان: إعداد عبد الرحمن السديس. مكتوب على الآلة الكاتبة.
١٧٦- منهج ودراسات في آيات الأسماء والصفات: للشيخ محمد الأمين. ط الرابعة، ١٤٠٤هـ. دار السلفية، الكويت.
١٧٧- مناهل العرفان: للزرقاني. دار إحياء الكتب العربية. ١٣٦٢هـ.
١٧٨- موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول: لابن تيمية. ط دار الكتب العلمية، بيروت. بهامش منهاج السنة النبوية.
[ ٢ / ٧١٠ ]
١٧٩- المواقف في علم الكلام: للإيجي. ط عالم الكتب، بيروت.
١٨٠- مواهب الجليل من تفسير البيضاوي: للشيخ محمد كنعان.
١٨١- الموطأ: لمالك بن أنس. ط دارالحديث. تصحيح/ محمد فؤاد عبد الباقي.
١٨٢- مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب. –قسم العقيدة- طبع بمطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
-ن-
١٨٣- النبوات: لابن تيمية، ط دار الكتب العلمية، بيروت. ١٤٠٢هـ.
١٨٤- نقض المنطق: لابن تيمية. تحقيق/محمد عبد الرزاق حمزة، وسليمان الصنيع. مكتبة السنة المحمدية، ١٤٠٧هـ. تصحيح/ محمد حامد الفقي.
١٨٥- نهاية الإقدام: للشهرستاني. تحقيق: ألفرد جيوم. لندن، ١٩٣٤م.
١٨٦- النهاية في الفتن والملاحم: لابن كثير. تحقيق/ محمد أحمد عبد العزيز، ط دار الحديث، ١٤٠١هـ.
[ ٢ / ٧١١ ]
-و-
١٨٧- الوابل الصيب في الكلم الطيب: لابن قيم الجوزية. تحقيق/ بشير محمد عيون. الناشر: مكتبة دار البيان، دمشق.
١٨٩- وفيات الأعيان: لابن خلكان. تصوير دار الثقافة بيروت- لبنان.
[ ٢ / ٧١٢ ]