وفيه ستة مباحث:
المبحث الأول: تعريف الإيمان وبيان معنى شهادة أن محمدًا رسول الله.
المبحث الثاني: وجوب الإيمان بنبوته ورسالته ﷺ.
المبحث الثالث: وجوب الإيمان بعموم رسالته ﷺ.
المبحث الرابع: وجوب الإيمان بأنه ﷺ خاتم النبيين.
المبحث الخمس: وجوب الإيمان بأن النبي ﷺ قد بلَّغ الرسالة وأكملها.
المبحث السادس: وجوب الإيمان بعصمته ﷺ.
[ ٢١ ]
المبحث الأول: تعريف الإيمان وبيان معنى شهادة أن محمدا رسول الله
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف الإيمان عمومًا.
المطلب الثاني: تعريف الإيمان بالنبي ﷺ.
المطلب الثالث: معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ.
المطلب الرابع: نواقض الإيمان بالنبي ﷺ.
[ ٢٣ ]
المطلب الأول: تعريف الإيمان عمومًا
أ - المعنى اللغوي لكلمة "آمن ":
الإيمان مصدر آمن يؤمن إيمانًا، فهو مؤمن.
أ - ويرى جمعٌ من أهل اللغة: أن الإيمان في اللغة معناه: التصديق وقد حكوا الإجماع على ذلك قال الأزهري (^١): "واتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان معناه التصديق" (^٢).
واستدلوا لذلك بقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف لأبيهم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ فقالوا معناه ما أنت بمصدق لنا.
٢ - أما علماء السلف (^٣) فيقولون: إن الإيمان يأتي في اللغة لمعنيين هما:
أ - بمعنى صدَّق به، وذلك إذا عدي بالباء كما في قوله تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ …﴾ [البقرة: ٢٨٥]؛ أي صدق الرسول (^٤).
_________________
(١) هو: محمد بن أحمد بن الأزهر الهروي أبو منصور: أحد الأئمة في اللغة والأدب ولد سنة ٢٨٢ هـ وتوفي سنة ٣٧٠ هـ وهو صاحب كتاب تهذيب اللغة. انظر الأعلام للزركلي (٥/ ٣١١).
(٢) تهذيب اللغة (٥/ ٥١٣)، لسان العرب لابن منظور، مادة: (آمن) (١٣/ ٢٣).
(٣) شرح العقيدة الأصفهانية، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٤٣).
(٤) تفسير القرطبي (٣/ ٤٢٥).
[ ٢٥ ]
ب - وبمعنى أقر له وذلك إذا عدي باللام كما في قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف]، وقوله تعالى ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوط﴾ [العنكبوت: ٢٦].
وقد اعترض السلف على حصر أهل اللغة لمعنى الإيمان بالتصديق فقط وقالوا: "إن الإيمان وإن كان يتضمن التصديق فليس هو مجرد التصديق، وإنما هو الإقرار (^١) والطمأنينة أيضا" (^٢) واستدل السلف لقولهم بالأمور التالية:
أولا: إن الترادف التام ممتنع بين التصديق والإيمان من عدة وجوه، يوضحها الجدول التالي
الإيمان التصديق - إن كلمة آمن تتعدى بالباء وباللام وقد تقدم التمثيل لذلك أما كلمة "صدق" فلا تتعدى باللام فلا يقال "صدق له" إنما يقال "صدق به" فهي تتعدى بالباء وبنفسها فيقال صدقه - إن كلمة "آمن" تتضمن ثلاثة معان هي: الأمن، والتصديق، والأمانة أما كلمة صدق فلا تتضمن معنى الأمن والأمانة. - إن لفظ الإيمان لا يستعمل إلا في الخبر عن الغائب لأن فيه أصل معنى الأمن والائتمان وهذا إنما يكون في الخبر عن الغائب، فلا يقال لمن قال طلعت الشمس آمنا له وإنما يقال صدقناه ولهذا لم يأت في القرآن وغيره لفظ آمن له إلا في الخبر عن الغائب أما لفظ "التصديق" فيستعمل في كل مخبر عن مشاهد أو غيب، فمن قال السماء فوقنا، قيل له: صدقت
_________________
(١) الإقرار: متضمن لمعنيين هما: قول القلب الذي هو التصديق. وعمل القلب الذي هو الانقياد. مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٨ - ٦٣٩).
(٢) الصارم المسلول لابن تيمية (ص ٥١٩).
[ ٢٦ ]
الإيمان التصديق - إن لفظ الإيمان ضده الكفر، والكفر لا يختص بالتكذيب فقط بل هو أعم منه، إذ يمكن أن يكون مخالفة ومعاداة بلا تكذيب ومع ذلك يسمى كفرا كما لو قال شخص: أنا أعلم أنك صادق، ولكن لا أتبعك بل أعاديك وأبغضك وأخالفك، فهذا كفر أعظم أما لفظ التصديق ضده التكذيب فقط.
وبهذا يتبين عدم الترداف التام بين اللفظين، وأن الإيمان ليس التصديق فقط (^١) كما أن الكفر ليس التكذيب فقط.
ثانيا: من المعلوم أن كلام الله وشرعه إنما هو خبر وأمر.
فالخبر: يستوجب تصديق الخبر.
والأمر: يستوجب الانقياد له والاستسلام، وهو عمل في القلب، جماعه: الخضوع والانقياد للأمر، وإن لم يفعل المأمور به.
فإذا قوبل الخبر بالتصديق، والأمر بالانقياد، فقد حصل أصل الإيمان في القلب وهو "الطمأنينة والإقرار" فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد. فلو فُسِّر الإيمان بالتصديق فقط، كما قال أهل اللغة، فإن التصديق إنما يعرض للجزء الأول من الشرع فقط الذي هو الخبر، ولا يعرض للجزء الثاني وهو الأمر، لأن الأمر ليس فيه تصديق من حيث هو أمر.
ومن المعلوم أن إبليس لم يكفر بسبب عدم تصديقه، فإنه سمع أمر الله فلم يكذب رسولا، ولكن لم ينقد للأمر ولم يخضع له، واستكبر عن الطاعة فصار كافرا، قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ
_________________
(١) انظر شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٨٠ - ٣٨١).
[ ٢٧ ]
الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة]، فسماه الله كافرًا وسلب عنه وصف الإيمان لاستكباره وعدم انقياده لأمر الله له بالسجود لآدم.
لازم القول بأن الإيمان مجرد التصديق فقط:
وهذا موضع زاغ فيه خلق من الخلف تخيل لهم أن الإيمان ليس في الأصل إلا التصديق، ثم يرون مثل إبليس وفرعون مما لم يصدر عنه تكذيب أو صدر عنه تكذيب باللسان لا بالقلب وكفره من أغلظ الكفر فيتحيرون.
ومثل هؤلاء القوم لو أنهم هُدوا لما هُدي إليه السلف الصالح لعلموا أن الإيمان قول وعمل؛ أعني: في الأصل قولًا في القلب، وعملًا في القلب، فإن الإيمان بحسب كلام الله ورسالته - وكلام الله ورسالته يتضمن أخباره وأوامره - فيصدِّق القلب أخباره تصديقًا يوجب حالًا في القلب بحسب المصدق به، والتصديق هو من نوع العلم والقول، وينقاد لأمره ويستسلم، وهذا الانقياد والاستسلام هو من نوع الإرادة والعمل، ولا يكون مؤمنًا إلا بمجموع الأمرين، فمتى ترك الانقياد كان مستكبرًا فصار من الكافرين وإن كان مصدِّقًا، لأن الكفر أعم من التكذيب، فالكفر يكون تكذيبًا وجهلًا، ويكون استكبارا وظلما، ولهذا لم يوصف إبليس إلا بالكفر والاستكبار دون التكذيب، ولهذا كان كفر من يعلم مثل اليهود ونحوهم من جنس كفر إبليس، وكان كفر من يجهل مثل النصارى ونحوهم ضلالا وهو "الجهل" ألا ترى أن نفرا من اليهود جاءوا إلى النبي ﷺ وسألوه عن أشياء، فأخبرهم، فقالوا: نشهد أنك نبي، ولم يتبعوه، وكذلك هرقل وغيره، فلم ينفعهم هذا العلم وهذا التصديق.
ألا ترى أن من صدَّق الرسول بأن ما جاء به هو رسالة الله، وقد تضمنت خبرًا وأمرا، فإنه يحتاج إلى مقام ثان، وهو تصديق خبر الله وانقياده لأمر الله، فإذا قال: "أشهد أن لا إله إلا الله" فهذه الشهادة
[ ٢٨ ]
تتضمن تصديق خبره والانقياد لأمره. "وأشهد أن محمدًا رسول الله" تضمنت تصديق الرسول فيما جاء به من عند الله.
فبمجموع هاتين الشهادتين يتم الإقرار.
فلما كان التصديق لا بد منه في كلا الشهادتين - وهو الذي يتلقى الرسالة بالقبول - ظن من ظن أنه أصل لجميع الإيمان وغفل عن أن الأصل الآخر لا بد منه وهو الانقياد، وإلا فقد يصدق الرسول، ظاهرا وباطنا ثم يمتنع من الانقياد للأمر، إذ غايته في تصديق الرسول أن يكون بمنزلة من سمع الرسالة من الله سبحانه كإبليس" (^١).
ثالثًا: ما استدل به أهل اللغة على أن معنى الإيمان في قوله تعالى ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف] هو التصديق غير مسلم.
إذ يرى علماء السلف أن تفسيرها بـ "أقررت" أقرب من تفسيرها بـ "صدقت" وذلك لأن لفظ "آمن" متى عُدّي باللام يكون بمعنى "أقر" وليس بمعنى "صدق"، إذ لا يكون بمعنى صدق إلا إذا عُدّي بالباء أو بنفسه.
ب - المعنى الشرعي للإيمان:
تنوعت عبارات السلف في تعريف الإيمان:
أ - فتارة يقولون: الإيمان قول وعمل.
٢ - وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية.
٣ - وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية واتباع سُنَّة (^٢).
_________________
(١) الصارم المسلول (ص ٥١٩ - ٥٢٠) بتصرف.
(٢) هذه التعريفات الثلاثة أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الايمان. انظر (ص ١٦٢).
[ ٢٩ ]
٤ - وتارة يقولون: الإيمان: قول اللسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية (^١).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢) بعد أن أورد التعريفات الثلاثة الأول: "وكل هذا صحيح" (^٣) وعلل ذلك بقوله (^٤):
"فمن قال: إن الإيمان قول وعمل، فمرداه قول اللسان والقلب، وعمل القلب والجوارح".
وقول اللسان وعمل الجوارح معروفان.
وأما المقصود من قول القلب: فهو إقراره ومعرفته وتصديقه.
وأما عمله: فهو انقياده لما صدق به.
ومن عبَّر عن الإيمان بهذا التعريف ليس مراده كل قول أو عمل، وإنما المراد ما كان مشروعًا من الأقوال والأعمال.
كما أن تعبير بعض السلف بهذه العبارة في تعريف الإيمان إنما جاء في معرض الرد على المرجئة (^٥) الذين جعلوه قولًا فقط، فقال بعض
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٢).
(٢) هو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن الخضر بن محمد بن تيمية النميري، الحرّاني الدمشقي، ولد سنة إحدى وستين وستمائة (٦٦١ هـ) بحران، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة (٧٢٨ هـ) بدمشق، اشتهر ﵀ بالعلم والزهد والورع والعبادة والجهاد والدفاع عن عقيدة السلف وقد ألف في سيرته المؤلفات الكثيرة. انظر كتاب: الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية، تأليف مرعي بن يوسف الحنبلي.
(٣) كتاب الإيمان لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٦٢).
(٤) كلام شيخ الإسلام نقلته بتصرف من كتابه الايمان (ص ١٦٢ - ١٦٣).
(٥) المرجئة: هم الذين أرجؤوا العمل عن مسمى الإيمان، وهم خمس طوائف سيأتي ذكرهم.
[ ٣٠ ]
السلف ردا عليهم: بل قول وعمل (^١).
وأما من عرَّفه بقوله: هو قول وعمل ونية، فمقصوده بزيادة لفظ "ونية": أن القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان.
وأما العمل فقد لا يفهم منه النية، فزاد ذلك (^٢).
وأما من عرَّفه بأنه قول وعمل ونية واتباع سنة، فقد زاد لفظة: "واتباع سنة" لأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا باتباع السنة (^٣).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد سئل سهل بن عبد الله التستري (^٤) عن الإيمان ما هو؟، فقال: قول وعمل ونية واتباع سنة".
_________________
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "الناس لهم في مسمَّى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال:
(٢) فالذي عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا.
(٣) وقيل: بل مسماه اللفظ، والمعنى ليس جزء مسماه بل هو مدلول مسماه، وهذا قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وطائفة من المنتسبين إلى السنة، وهو قول النحاة لأن صناعتهم متعلقة بالألفاظ.
(٤) وقيل: مسمَّاه هو المعنى وإطلاق الكلام على اللفظ مجاز لأنه دال عليه وهذا قول ابن كلاب ومن اتبعه.
(٥) وقيل: "بل هو مشترك بين اللفظ والمعنى، وهو قول بعض المتأخرين من الكلابية ولهم قول ثالث يروى عن أبي الحسن أنه مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين" كتاب الإيمان (ص ١٦٢).
(٦) كتاب الإيمان (ص ١٦٣).
(٧) المصدر السابق (ص ١٦٣).
(٨) هو: سهل بن عبد الله بن يونس التستري، أبو محمد: ولد سنة (٢٠٠ هـ) وتوفي سنة (٢٨٣ هـ)، عامة كلامه في تصفية الأعمال من المعائب، وأسند الحديث وأسند عنه. شذرات الذهب (٣/ ١٨٢)، والأعلام (٣/ ١٤٣).
[ ٣١ ]
لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كفر.
وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق.
وإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة (^١).
وأجمع التعاريف الواردة وأشملها هو: أن الإيمان قول اللسان واعتقاد بالجنان وعمل الجوارح يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
وهذا التعريف هو الذي يميز قول السلف في مسمَّى الإيمان عن قول غيرهم من الفرق (^٢) ولهذا كان هذا التعريف هو أجمع التعاريف الواردة عن السلف وأكثرها دقة في بيان قولهم.
_________________
(١) كتاب الإيمان (ص ١٦٣).
(٢) الذين خالفوا السلف في مسمى الإيمان هم: أ - المرجئة بطوائفهم الخمس:
(٣) الجهمية: وقالوا: الإيمان هو معرفة القلب فقط؛ أي: المعرفة الفطرية التي هي المعرفة بربوبية الله
(٤) الأشاعرة: وقالوا: الإيمان هو التصديق فقط؛ أي: التصديق بما جاء به النبي ﷺ من عند الله.
(٥) الماتريدية: وقولهم في الإيمان مثل قول الأشاعرة.
(٦) الكرامية: قالوا: الإيمان قول باللسان فقط.
(٧) مرجئة الأحناف (أو مرجئة الفقهاء): قالوا: الإيمان قول باللسان وتصديق بالجنان وهو قول الكلابية وكل هذه الطوائف الخمسة أخرجت العمل عن الإيمان. ب - الخوارج: قالوا: الإيمان قول واعتقاد وعمل، ولكنهم يكفرون من أخل بشيء من هذه الثلاثة ويقولون بأنه كافر في الدنيا وفي الآخرة خالد في النار. ج - المعتزلة: وقالوا بقول الخوارج إلا أنهم يقولون: إنه في الدنيا في منزلة بين منزلتين بمعنى أنه ليس بمؤمن ولا كافر واتفقوا معهم في باقي الأمور. انظر تفاصيل هذه الأقوال: في كتاب الإيمان لابن تيمية، والجزء السابع من مجموع الفتاوى وشرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٧٣ - ٣٩٢) وكتاب النبوات (ص ١٩٩).
[ ٣٢ ]
ج - دلالة اسم الإيمان:
تتحدد دلالة اسم "الإيمان" بحسب سياق الكلام الذي تستعمل فيه هذه اللفظة فلفظ "الإيمان" إما أن يستعمل:
١ - مطلقًا: أي يذكر مطلقًا عن لفظ "العمل" و"الإسلام".
٢ - أو مقيدًا: فتارة يقرن بالعمل الصالح، وتارة يقرن بالإسلام.
فإذا استعمل مطلقًا: "فجميع ما يحبه الله ورسوله من أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة، يدخل في مسمى الإيمان عند عامة السلف والأئمة - من الصحابة والتابعين وتابعيهم - الذين يجعلون الإيمان قولا وعملا، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويدخلون جميع الطاعات - فرضها ونفلها - في مسماه" (^١).
ويلاحظ هنا أن لفظ "الإيمان" على هذا الاستعمال يكون مرادفًا للفظ "العبادة" والعبادة كما هو معروف هي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة.
ومن استعمال الشارع للفظ الإيمان بهذا المعنى ما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة (^٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (^٣).
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٢).
(٢) أبو هريرة بن عامر: واختلف في اسمه إلى عدة أقوال: منها أنه عبد الرحمن، وهو دوسي أسلم عام خيبر وشهدها ثم لازم رسول الله ﷺ حتى قبضه الله إليه، وكان من أحفظ الصحابة ﵃، توفي عام ٥٧ هـ. أسد الغابة (٢/ ١٦٧).
(٣) أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب الإيمان، باب أمور الدين. انظر: فتح الباري (١/ ٥١) ح ٩ وأخرجه مسلم - واللفظ له - كتاب الإيمان، باب شعب الإيمان (١/ ٤٦).
[ ٣٣ ]
فالإيمان في هذا الحديث شمل جميع أمور الدين بما في ذلك أمور الإسلام. ومن هذا الاستعمال أيضا ما جاء في حديث عبد الله بن عباس (^١) ﵄: أن وفد عبد القيس (^٢) لما أتوا النبي ﷺ أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع: "أمرهم بالإيمان بالله وحده، قال: أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم خمس … " الحديث (^٣).
فلفظ الإيمان استعمل في الحديث مطلقًا فدخل فيه الأمور الظاهرة مع أنها من أمور الإسلام كما جاء في حديث جبريل المشهور.
وأما إذا استعمل اسم الإيمان مقيدا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، وقوله ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس].
وقول النبي ﷺ في حديث جبريل المشهور: "الإيمان أن تؤمن بالله
_________________
(١) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي - ابن عم رسول الله ﷺ ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات في الشعب أثناء الحصار، وكان ﵁ ترجمان القرآن وحبر الأمة لعلمه وفهمه، توفي سنة ٨٤ هـ. الإصابة (٦/ ١٦٧ - ١٧٣).
(٢) هي قبيلة كبيرة كانوا يسكنون البحرين ينسبون إلى عبد القيس بن أفْصى - بسكون الفاء بعدها مهملة بوزن أعمى - ابن دُعمِيّ - بضم ثم سكون المهملة وكسر الميم بعدها تحتانية ثقيلة - ابن جَديلة - بالجيم وزن كبيرة - ابن أسد بن ربيعة بن نزار. انظر: فتح الباري (٨/ ٨٥).
(٣) أخرجه البخارى في صحيحه واللفظ له: كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان. انظر: فتح الباري (١/ ١٢٩) ح ٥٣، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه (١/ ٣٥ - ٣٦).
[ ٣٤ ]
وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره" (^١).
فهنا قد يقال: إنه متناول لذلك، وإن عطف ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام كقوله تعالى: ﴿وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَم﴾ الآية [الأحزاب: ٧].
وقد يقال: إن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران كلفظ الفقير والمسكين، فإن أحدهما إذا أفرد تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كانا صنفين: كما في آية الصدقة، ولا ريب أن فروع الإيمان مع أصوله كالمعطوفين، وهي مع جميعه كالبعض مع الكل (^٢).
قلت: إن القول بأن عطف ذلك عليه من باب عطف الخاص على العام ينطبق على الآية وهي قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [فصلت: ٨]، وقوله تعالى ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس].
والقول بأن دلالة الاسم تنوعت بالإفراد والاقتران ينطبق على حديث جبريل حيث ذكر الإسلام والإيمان فأصبح كل واحد منهما يختص بأمور معينة فالإسلام اختص بالأمور الظاهرية، والإيمان اختص بالأمور الاعتقادية الباطنية.
"فلفظ الإسلام والإيمان إذا أُفرد كل واحد من الاسمين دخل في مسمى الآخر إما تضمنا وإما لزوما، ودخوله فيه تضمنا أظهر، وكون أحدهما لا يدخل في الآخر عند الاقتران لا يدل على أنه لا يدخل فيه عند انفراد الآخر، وهذه قاعدة جليلة من أحاط بها زالت عنه إشكالات
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الإيمان ما هو وبيان خصاله (١/ ٢٩). والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل بلفظ: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث". انظر: فتح الباري (١/ ١١٤)، ح ٥٠.
(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٧ - ٦٤٨).
[ ٣٥ ]
كثيرة أشكلت على كثير من الناس" (^١).
خلاصة القول:
إن اسم الإيمان إذا أُفرد: تناول جميع أمور الدين الظاهرة والباطنة كما في حديث الشعب.
وإذا اقترن اسم الإيمان مع الإسلام دل الإيمان على الأمور الباطنة ودل الإسلام على أمور الدين الظاهرة كما في حديث جبريل.
وإذا اقترن العمل مع الإيمان: فهو من باب عطف الخاص على العام (^٢) كما في قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البروج: ١١].
_________________
(١) كتاب: زاد المهاجر إلى ربه (الرسالة التبوكية) بتصرف.
(٢) قال شارح الطحاوية: "اعلم أن عطف الشيء على الشيء يقتضي المغايرة بين المعطوف والمعطوف عليه مع الاشتراك في الحكم الذي ذكر لهما، والمغايرة على مراتب:
(٣) أعلاها: أن يكونا متباينين ليس أحدهما هو الآخر، ولا جزءا منه، ولا بينهما تلازم، كقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ﴾ [آل عمران]، وهذا هو الغالب.
(٤) ويليه: أن يكون منهما تلازم، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢].
(٥) الثالث: عطف بعض الشيء عليه كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَال﴾ [البقرة: ٩٨] وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْك﴾ [الأحزاب: ٧]، وفى مثل هذا وجهان: أحدهما: أن يكون داخلا في الأول، فيكون مذكورا مرتين. والثاني: أن عطفه عليه يقتضي أنه ليس داخلا فيه هنا وإن كان داخلا فيه منفردًا كما قيل في لفظ "الفقراء والمساكين" ونحوهما، تتنوع دلالته بالإفراد والاقتران.
(٦) الرابع: عطف الشيء على الشيء لاختلاف الصفتين، كقوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣]. شرح العقيدة الطحاوية (ص ٣٨٧ - ٣٨٨).
[ ٣٦ ]
المطلب الثاني: تعريف الإيمان بالنبي ﷺ
" الإيمان بالرسول: هو تصديقه وطاعته واتباع شريعته" (^١).
وهذه الأمور هي الركائز التي يقوم عليها الإيمان بالنبي ﷺ وعن بيان هذه الأمور مطلوبة عند الإيمان به بالنبي ﷺ.
قال العلماء:
أ - أما تصديقه ﷺ فيتعلق به أمران عظيمان:
أحدهما: إثبات نبوته وصدقه فيما بلغه عن الله، وهذا مختص به ﷺ (^٢).
ويندرج تحت هذا الإثبات والتصديق عدة أمور منها:
١ - الإيمان بعموم رسالته إلى كافة الثقلين إنسهم وجنَّهم.
٢ - الإيمان بكونه خاتم النبيين، ورسالته خاتمة الرسالات.
٣ - الإيمان بكون رسالته ناسخة لما قبلها من الشرائع.
٤ - الإيمان بأنه ﷺ قد بلَّغ الرسالة وأكملها، وأدى الأمانة ونصح لأمته حتى تركهم على البيضاء ليلها كنهارها.
٥ - الإيمان بعصمته ﷺ.
٦ - الإيمان بما له من حقوق خلاف ما تقدم ذكره؛ كمحبته
_________________
(١) كتاب اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم (ص ٩٢).
(٢) مجموع الفتاوى (١٥/ ٩١).
[ ٣٧ ]
وتعظيمه ﷺ. وسيأتي تفصيل الأمور الخمسة المتقدمة بأدلتها في المباحث اللاحقة من هذا الفصل بإذن الله تعالى.
أما الحقوق الأخرى الواجبة له فسيأتي تفصيلها في الأبواب القادمة إن شاء الله تعالى.
الثاني: "تصديقه فيما جاء به، وأن ما جاء به من عند الله حق يجب اتباعه. وهذا يجب عليه ﷺ وعلى كل أحد" (^١).
فيجب تصديق النبي ﷺ جميع ما أخبر به عن الله ﷿، من أنباء ما قد سبق وأخبار ما سيأتي، وفيما أحل من حلال وحرّم من حرام، والإيمان بأن ذلك كله من عند الله ﷿، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم].
قال شارح "العقيدة الطحاوية: "يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيمانا كاملا، ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول ﷺ على التفصيل فرض على الكفاية" (^٢).
ب - طاعته واتباع شريعته:
إن الإيمان بالرسول ﷺ كما يتضمن تصديقه فيما جاء به فهو يتضمن كذلك العزم على العمل بما جاء به وهذه هي الركيزة الثانية من ركائز الإيمان به ﷺ.
وهي تعني: الانقياد له ﷺ وذلك بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه وزجر امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر]. فيجب على الخلق اتباع شريعته والالتزام بسنته مع الرضا بما قضاه والتسليمله، والاعتقاد الجازم أن طاعته هي طاعة لله وأن معصيته معصية لله، لأنه هو الواسطةبين الله وبين الثقلين في التبليغ.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٥/ ٩١).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٦٦).
[ ٣٨ ]
وسيأتي بيان هذه المسألة في الفصل الثاني من هذا الباب إن شاء الله تعالى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "يجب على الخلق الإقرار (^١) بما جاء به النبي ﷺ فما جاء به القرآن العزيز أو السنة المعلومة وجب على الخلق الإقرار به جملة وتفصيلا عند العلم بالتفصيل، فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يقر بما جاء به النبي ﷺ وهو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فمن شهد أنه رسول الله شهد أنه صادق فيما يخبر به عن الله تعالى فإن هذا حقيقة الشهادة بالرسالة" (^٢).
* * *
_________________
(١) يقول ابن تيمية في بيان معنى الإقرار: "إن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق وعمل القلب الذي هو الانقياد". مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٨، ٦٣٩).
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٤).
[ ٣٩ ]
المطلب الثالث: معنى شهادة أن محمدًا رسول الله ﷺ وشروط ومراتب الشهادتين
أ - معناها:
" معنى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع" (^١).
وهذه الشهادة هي الشطر الثاني من الركن الأول من أركان الإسلام الخمسة، كما أن الإيمان بالنبي ﷺ داخل في الركن الرابع من أركان الإيمان الستة، ويشهد لذلك حديث جبريل المشهور. ويلاحظ أننا عرّفنا الشهادة والإيمان به بتعريف واحد، وهذا الأمر يصح في حالة الإفراد كما سبق وأن ذكرت في لفظ الإسلام والإيمان، أما في حالة الاقتران فالإيمان به يختص بتصديق القلب وإقراره، والشهادة يراد بها نطق اللسان واعترافه، ويجب تحقيق هذه الشهادة معرفة وإقرارا وانقيادا وطاعة (^٢).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وأما الإيمان بالرسول فهو المهم، إذ لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، ولا تحصل النجاة والسعادة بدونه، إذ هو الطريق إلى الله سبحانه، ولهذا كان ركنا الإسلام: "أشهد أن
_________________
(١) الأصول الثلاثة للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٩) ضمن مجموعة الرسائل المفيدة.
(٢) زاد المعاد (١/ ٣٤).
[ ٤٠ ]
لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله" (^١).
ب - شروط الشهادتين:
بعد ذكر معنى "شهادة أن محمدا رسول الله" ناسب المقام أن نشير ههنا إلى شروط هذه الشهادة بشقيها؛ لأننا في زمان يجهل فيه كثير من الناس هذه الشروط، إذ يعتقد كثير منهم لجهلهم أن التلفظ وحده يكفي لتحقيق الشهادة ويستغنون بهذا عن العمل بالمقتضى المترتب على هذه الشهادة.
وتصويبًا لهذا الخطأ وإزالة لهذا الجهل أقول: إنه من المعلوم أن العبد لا يدخل في دين الإسلام إلا بعد الإتيان بالشهادتين "شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله".
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١٥].
وقال ﷺ: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله" (^٢).
ومن المعلوم كذلك أن جميع الدين داخل في الشهادتين إذ مضمونهما أن لا نعبد إلا الله وأن نعبده بما شرع على لسان رسوله ﷺ ونطيعه فيما جاء به عن ربه ﷾، والدين كله داخل في هذا.
ولهاتين الشهادتين شروط لا بد من توفرها فيهما، إذ لا يمكن لقائلهما أن ينتفع بهما إلا بعد اجتماعها فيهما، وهذه الشروط مطلوبة في
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٦٣٨، ٦٣٩).
(٢) أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، باب الاقتداء بسنن الرسول ﷺ. انظر: فتح الباري (١٣/ ٢٥٠)، ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٣٨).
[ ٤١ ]
كلا الشهادتين، وذلك لما بينهما من التلازم، فالعبد لا يدخل في الدين إلا بهما معا.
وهي سبعة شروط:
الشرط الأول: العلم:
إذ العلم بالشيء شرط عند الشهادة به ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف].
ومن الأدلة على وجوب العلم بالشهادة قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقول النبي ﷺ: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة" (^١). والعلم المراد به هنا هو معرفة معنى الشهادتين ومقتضاهما واللوازم المترتبة على ذلك.
فلا إله إلا الله معناها: لا معبود بحق إلا الله.
ومقتضاها ولازمها: نفي الشرك وإثبات الوحدانية لله تعالى وإفراده بالعبادة مع الاعتقاد الجازم لما تضمنته من ذلك والعمل به (^٢).
ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله: الإقرار والاعتراف للرسول ﷺ أنه عبد الله ورسوله إلى الناس كافة (^٣).
ومقتضاها ولازمها: طاعته فيما أمر وتصديقه فيما أخبر واجتناب ما نهى عنه وزجر وألا يعبد الله إلا بما شرع.
الشرط الثاني: اليقين:
أي: استيقان القلب بالشهادتين، وذلك بأن يعتقدهما اعتقادا جازما لا يصاحبه شك أو ارتياب، لأن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار. انظر (١/ ٤١).
(٢) تيسير العزيز الحميد (ص ٥٨).
(٣) دليل المسلم في الاعتقاد للشيخ عبد الله خياط (ص ٤٥).
[ ٤٢ ]
لا علم الظن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: ١٥].
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: "من لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستقينا بها قلبه فبشره بالجنة" الحديث (^١). وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة" (^٢).
الشرط الثالث: الإخلاص:
" وهو تصفية العمل بصالح النية عن جميع شوائب الشرك" (^٣).
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية [البينة: ٥]. وقال تعالى: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: ٣]؛ "أي لا يقبل الله من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له".
وقال قتادة (^٤) في قوله ﵎: ﴿أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ شهادة أن لا إله إلا الله" (^٥).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار (١/ ٤٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار (١/ ٤١ - ٤٢).
(٣) معارج القبول للشيخ حافظ بن أحمد حكمي (١/ ٣٨٢).
(٤) قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري، ولد سنة ٦١ هـ وتوفي سنة ١١٨ هـ ثقة ثبت، مفسر حافظ ضرير أكمه. قال عنه الإمام أحمد: قتادة أحفظ أهل البصرة. انظر: تهذيب التهذيب (٨/ ٣٥١) وتذكرة الحفاظ (١/ ١١٥).
(٥) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٥).
[ ٤٣ ]
وعن عتبان بن مالك (^١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" (^٢).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه" (^٣).
الشرط الرابع: "الصدق فيها المنافي للكذب. وهو أن يقولها صدقا من قلبه يواطيء قلبه لسانه" (^٤).
قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت]، "أي الذين صدقوا في دعوى الإيمان ممن هو كاذب في قوله ودعواه، والله ﷾ يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وهذا مجمع عليه عند أئمة السنة والجماعة" (^٥).
وعن أنس بن مالك (^٦) ﵁ أن النبي ﷺ ومعاذ (^٧) رديفه على
_________________
(١) عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان الأنصاري الخزرجي السالمي، صحابي من البدريين آخى النبي ﷺ بينه وبين عمر، مات في خلافة معاوية وقد كبر. الإصابة (٢/ ٤٤٥) رقم ٥٣١٨.
(٢) أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت، انظر: فتح الباري (١/ ٥١٩) ح ٤٢٥، ومسلم في صحيحه كتاب الصلاة، باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر (٢/ ١٢٦).
(٣) أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، انظر: فتح الباري (١١/ ٤١٨) ح ٦٥٧٠.
(٤) معارج القبول (١/ ٣٨١).
(٥) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٠٤).
(٦) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم النجاري الخزرجي الأنصاري أبو حمزة، صاحب رسول الله ﷺ وخادمه، وأحد المكثرين من الرواية عنه، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة توفي سنة ٩٣ هـ.
(٧) معاذ بن جبل الأنصاري: أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار، وقد شهد بعد ذلك المشاهد كلها، كان من أعلم الصحابة بالحلال والحرام، توفي =
[ ٤٤ ]
الرحل - قال: "يا معاذ بن جبل" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال: "يا معاذ" قال لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا. قال: "ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار" الحديث (^١).
الشرط الخامس: المحبة:
" لهذه الكلمة ولما اقتضته ودلت عليه، ولأهلها والعاملين بها الملتزمين لشروطها وبغض ما ناقض ذلك" (^٢).
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة]، ففي الآية دليل على وجوب محبة الله ورسوله ولا خلاف في ذلك بين الأمة وأن ذلك مقدم على كل محبوب (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ الآية [البقرة: ١٦٥].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ الآية [المائدة: ٥٤].
وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ثلاث من كن فيه
_________________
(١) = سنة ١٧ هـ في طاعون عمواس بالشام. الإصابة (٣/ ٤٠٦، ٤٠٧) رقم ٨٠٣٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحها واللفظ له، كتاب العلم باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا. انظر فتح الباري (١/ ٢٢٦) ح ١٢٨. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب من لقي الله بالإيمان وهو غير شاك فيه دخل الجنة وحرم على النار (١/ ٤٣).
(٣) معارج القبول (١/ ٣٨٣).
(٤) تفسير القرطبي (٨/ ٩٥).
[ ٤٥ ]
وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار" (^١).
الشرط السادس: الانقياد:
أي: الانقياد والاستسلام ظاهرًا وباطنًا لأوامر الله وما أنزله من الشرع على لسان نبيه ﷺ
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [لقمان].
ففي هذه الآية: "يقول تعالى مخبرًا عمن أسلم وجهه لله؛ أي: أخلص له العمل وانقاد لأمره واتبع شرعه، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، أي في عمله: باتباع ما به أمر، وترك ما عنه زجر ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾؛ أي: فقد أخذ موثقًا من الله متينا أنه لا يعذبه ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ " (^٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب]. والآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحد مخالفته ولا اختيار لأحد هنا ولا رأي ولا قول كما قال ﵎: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء] (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان. انظر: فتح الباري (١/ ٧٢) ح ٢١. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، واللفظ له. انظر: (١/ ٤٨).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٥٠).
(٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٩٠).
[ ٤٦ ]
الشرط السابع: القبول:
أي قبول الشهادتين والالتزام بمقتضياتها ولوازمها.
قال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة]، وقال تعالى في شأن من لم يقبلها: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات].
وعن أبي موسى الأشعري (^١) ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية (^٢) قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب (^٣) أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان (^٤) لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأً، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به فعلِم وعلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" (^٥).
_________________
(١) واسم أبي موسى: عبد الله بن قيس بن سليم من بني الأشعر من قحطان، صحابي أسلم بمكة ثم رجع إلى اليمن وقدم مع الأشعريين وكان حسن الصوت بالقرآن، وكان من الشجعان الولاة الفاتحين، توفي بالكوفة سنة ٤٤ هـ، وقيل غير ذلك. الإصابة (٢/ ٣٥١) رقم ٤٨٩٩.
(٢) هي مستنقع الماء في الجبال والصخور. فتح الباري (١/ ١٧٦).
(٣) هي الأرض الصلبة التي لا ينضب منها الماء. فتح الباري (١/ ١٧٦).
(٤) بكسر القاف - جمع قاع: وهو الأرض المستوية اللمساء التي لا تنبت. فتح الباري (١/ ١٧٧).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم: باب فضل من علِم وعلَّم واللفظ له. انظر فتح الباري (١/ ١٧٥) ح ٧٩. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب بيان مثل ما بعث النبي ﷺ من الهدى والعلم. انظر: (٧/ ٦٣).
[ ٤٧ ]
فهذه هي شروط الشهادتين يجب على المسلم تحقيقها والإتيان بها على الوجه المطلوب حتى يكون من أهلها.
ج - مراتب الشهادة:
إذا علم العبد معنى الشهادتين وشروطهما فينبغي له أن يكون على علم بأن للشهادة مراتب يتدرج عليها الشاهد مرتبة بعد مرتبة حتى يتم له تحقيق الشهادة على الوجه المطلوب.
ومراتب الشهادة أربع هي (^١):
المرتبة الأولى: العلم والمعرفة والاعتقاد لصحة المشهود به وثبوته، فلا بد للشاهد أن يعلم ويعرف معنى الشهادتين وإلا كان الشاهد شاهدا بما لا علم له به. قال تعالى في سورة الزخرف: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
المرتبة الثانية: تكلمه بالشهادتين وإن لم يُعلِم بها غيره، بل يتكلم بها مع نفسه ويتذكرها وينطق بها أو يكتبها.
والله ﷾ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلونَ﴾ [الزخرف] فجعل ذلك منهم شهادة وإن لم يتلفظوا بلفظ الشهادة ولم يؤدوها عند غيرهم.
المرتبة الثالثة: أن يُعلِم غيره بما شهد به ويخبره به ويبينه له ومرتبة الإعلام والإخبار نوعان: إعلام بالقول، وإعلام بالفعل.
وهذا شأن كل مُعلِم لغيره بأمر، تارة يعلمه به بالقول وتارة بفعل ومما يدلعلى أن الشهادة تكون بالفعل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ
_________________
(١) انظر: كتاب الكواشف الجلية عن معاني الواسطية للشيخ عبد العزيز بن محمد السلمان من (ص ٣٨ إلى ص ٤٠) بتصرف.
[ ٤٨ ]
يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ الآية [التوبة: ١٧]، فهذه شهادة منهم على أنفسهم بما يفعلونه (^١).
المرتبة الرابعة: أن يلتزم بمضمونها ويأتمر به.
ومجرد الشهادة لا يستلزم هذه المرتبة، لكن الشهادة في هذا الموضع تدل عليه وتتضمنه، فإنه ﷾ شهد به شهادة من حكم به وقضى وأمر وألزم عباده كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا﴾ [الإسراء: ٢٣].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ الآية [التوبة: ٣١].
والقرآن كله شاهد بذلك.
وقد شهد الله لنفسه بالوحدانية فقال تعالى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فشهادته سبحانه لنفسه بالوحدانية والقيام بالقسط تضمنت هذه المراتب الأربع وهي: علمه بذلك، وتكلمه، وإخباره لخلقه، وإلزامهم وأمرهم به (^٢).
_________________
(١) الكواشف الجلية (٣٩ - ٤٠) بتصرف.
(٢) المصدر السابق (ص ٤٠) بتصرف.
[ ٤٩ ]
المطلب الرابع: نواقض الإيمان بالنبي ﷺ
إن مما ينبغي معرفته بعد توضيح معنى الإيمان بالنبي ﷺ وتبيين شروط الشهادة ومراتبها أن تعرف نواقض هذا الأمر ومبطلاته حتى يحترز المسلم من الوقوع فيها، فعن حذيفة بن اليمان (^١) ﵁ قال: "كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني … " الحديث (^٢).
وعن عمر بن الخطاب (^٣) ﵁: "إنما تنقض عُرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية" (^٤).
ولهذا كان الصحابة رضوان الله عليهم أعظم هذه الأمة إيمانا لكمال عرفتهم بالخير والشر، وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر، لما
_________________
(١) حذيفة بن اليمان العبسي، شهد أحدا وكان من كبار الصحابة وصاحب سر رسول الله ﷺ، توفى عام ٣٦ هـ الإصابة (١/ ٣١٦، ٣١٧)، رقم ١٦٤٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن: باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة؟، انظر: فتح الباري (٣/ ٣٥) ح ٧٠٨٤. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر. انظر: (٦/ ٢٠).
(٣) عمر بن الخطاب بن نقيل: ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة، كان إسلامه فتحًا على المسلمين، شهد المشاهد كلها، توفي رسول الله ﷺ وهو عنه راض، ولي الخلافة بعد الصديق واستشهد سنة ٢٣ هـ، قتله أبو لؤلؤة المجوسي. الإصابة (٢/ ٥١١، ٥١١) رقم ٥٧٣٨.
(٤) تيسير العزيز الحميد (ص ٩٠).
[ ٥٠ ]
علموه من حسن حال الإيمان والعمل الصالح، وقبح حال الكفر والمعاصي.
ولمعرفة نواقض الإيمان به ﷺ نقول:
لما كان الإيمان به ﷺ؛ يعني: تصديقه وتصديق ما جاء به ﷺ، والانقياد له، فإن الطعن في أحد هذين الأمرين ينافي الإيمان ويناقضه فالنواقض على هذا الاعتبار يمكن تقسيمها إلى قسمين:
* القسم الأول: الطعن في شخص الرسول ﷺ.
* القسم الثاني: الطعن فيما أخبر به الرسول ﷺ مما هو معلوم من الدين بالضرورة، إما بإنكاره أو بانتقاصه.
القسم الأول: الطعن في شخص الرسول ﷺ:
ومما يدخل تحت هذا القسم نسبة أي شيء للرسول ﵊ مما يتنافى مع اصطفاء الله له لتبليغ دينه إلى عباده، فيكفر كل من طعن في صدق الرسول ﷺ أو أمانته أو عفته أو صلاح عقله ونحو ذلك.
كما يكفر من سب الرسول ﷺ، أو عابه، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه أو العيب له، فهو ساب له والحكم فيه حكم الساب يقتل كفرا، وكذلك من لعنه، أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهُجر (^١) ومنكر من القول وزور، أو عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو تنقَّصه ببعض العوارض البشرية الجائزة المعهودة لديه" (^٢).
_________________
(١) الهُجر بالضم: القبيح من الكلام. لسان العرب (٥/ ٢٥٣).
(٢) الشفا للقاضي عياض (٢/ ٩٣٢) بتحقيق علي محمد البجاوي.
[ ٥١ ]
فالسَّابُّ إن كان مسلمًا فإنه يكفر ويقتل بغير خلاف، وهو مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم.
وإن كان ذميا فإنه يقتل أيضا في مذهب مالك (^١) وأهل المدينة وهو مذهب أحمد (^٢) وفقهاء الحديث وهو المنصوص عن الشافعي (^٣) نفسه كما حكاه غير واحد" (^٤).
وهذا الحكم على الساب والمستهزئ، يستوي فيه الجاد والهازل بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
_________________
(١) مالك بن أنس: إمام دار الهجرة، وأحد أئمة أهل السنة المشهورين، وإليه تنسب المالكية له مؤلفات عدة على رأسها (الموطأ) الكتاب المشهور، ولد بالمدينة، وتوفى بها عام ١٧٩ هـ. الديباج المذهب (١/ ٨٢ - ١٣٥) والبداية (١٠/ ١٧٤).
(٢) أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: الإمام المشهور في الفقه والحديث ونصرة الإسلام، إمام أهل السنة والجماعة أعز الله به السنة وقمع به البدعة وفضائله أكثر من أن تحصر توفي سنة ٢٤١ هـ تاريخ بغداد (٤/ ٤١٢) وطبقات الحنابلة (١/ ٤).
(٣) محمد بن إدريس الشافعي الإمام المشهور أحد الأئمة الأربعة، ولد بغزة بفلسطين ثم سافرت به أمه إلى مكة، كان ذكيا فطنا برع في الأدب واللغة ثم أقبل على الحديث والفقه وله مصنفات عدة من أشهرها: الأم والرسالة، توفي بمصر سنة ٢٠٤ هـ. تاريخ بغداد (٢/ ٥٦) والتذكرة (٣٦٧).
(٤) الصارم المسلول على شاتم الرسول، لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٤ و٨) بتصرف. وقد تعرض شيخ الإسلام لهذه المسائل مفصلة في هذا الكتاب فمن أراد الاستزادة فليرجع إليه.
[ ٥٢ ]
وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، (فالسب المقصود بطريق الأولى)، وقد دلت هذه الآية على أن كل من تنقص رسول الله ﷺ جادا أو هازلا فقد كفر.
وقد رُوي عن رجال من أهل العلم منهم ابن عمر (^١) ومحمد بن كعب (^٢) وزيد بن أسلم (^٣) وقتادة - دخل حديث بعضهم في بعض - أنه قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: "ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك (^٤): كذبت ولكنك رجل منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله إنما كنا نلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق.
_________________
(١) عبد الله بن عمر بن الخطاب: ولد بعد البعثة بثلاث سنوات وهاجر وهو ابن عشر سنين، وقد كان من أشد الصحابة تتبعا للسنة ومن أكثرهم عبادة مع زهد وورع توفي عام ٨٤ هـ. الإصابة (٢/ ٣٣٨ - ٣٤١) رقم ٤٨٣٤.
(٢) هو محمد بن كعب بن سليم القرظي المدني، كان أبوه من سبي قريظة، ثقة، عالم، ولد سنة أربعين على الصحيح، ومات سنة ١٢٠ هـ وقيل غير ذلك. وقال عنه ابن حبان: كان من أفاضل أهل المدينة علما وفقها. تهذيب التهذيب (٩/ ٤٢٠، ٤٢٢).
(٣) زيد بن أسلم المدني الفقيه: كان عالمًا بالتفسير وكان له حلقة بالمسجد النبوي توفي عام ١٣٦ هـ تهذيب التهذيب (٣/ ٣٩٥).
(٤) عوف بن مالك بن أبي عوف الأشجعي الغطفاني: صحابي جليل، شهد مؤتة، وشهد الفتح وكانت معه راية قومه يومئذ وشهد فتح الشام، توفي سنة ثلاث وسبعين بالشام. تهذيب التهذيب (٨/ ١٦٨)، والبداية (٨/ ٣٤٦).
[ ٥٣ ]
قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة (^١) ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله ﷺ: "أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون" ما يلتفت إليه، ولا يزيده عليه" (^٢).
فهؤلاء لما تنقصوا النبي ﷺ حيث عابوه والعلماء من أصحابه واستهانوا بخبره أخبر الله أنهم كفروا بذلك وإن قالوه، استهزاء فكيف بما هو أغلظ من ذلك؟ (^٣).
ومن الأدلة على كفر الطاعن في شخص الرسول ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾.
واللعن: الإبعاد عن الرحمة، ومن طرده عن رحمته في الدنيا والآخرة لا يكون إلا كافرا (^٤).
وفي هذه الآية قرن الله بين أذى النبي ﷺ وأذاه كما قرن في آيات أخر بين طاعته وطاعة نبيه، وفى هذا وغيره بيان لتلازم الحقين، وأن جهة حرمة الله تعالى ورسوله جهة واحدة، فمن أذى الرسول فقد أذى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله، لأن الأمة لا يصلون ما بينهم وبين ربهم إلا بواسطة النبي ﷺ، وليس لأحد منهم طريق غيره ولا سبب سواه، وقد أقامه الله مقام نفسه في أمره ونهيه وإخباره وبيانه فلا يجوز أن يفرق بين الله ورسوله في شيء من هذه الأمور (^٥).
_________________
(١) النِّسْعة بكسر فسكون: سير مضفور يجعل زمامًا للبعير. لسان العرب (٨/ ٣٥٢).
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٣٦٧).
(٣) الصارم المسلول (ص ٣١ - ٣٣).
(٤) الصارم المسلول (ص ٤١).
(٥) الصارم المسلول (ص ٤٠ - ٤١) بتصرف.
[ ٥٤ ]
ومن الأدلة الواردة في السنة حديث جابر بن عبد الله ﵄ (^١) قال: قال رسول الله ﷺ: "من لكعب بن الأشرف (^٢) فإنه قد آذى الله ورسوله"، فقام محمد بن مسلمة (^٣) فقال: يا رسول الله أتحب أن أقتله؟، قال: "نعم … " الحديث (^٤). فعلم من هذا الحديث أن من آذى الله ورسوله كان حقه أن يقتل كما قتل كعب بن الأشرف والأدلة من الكتاب والسنة على هذه المسألة كثيرة ولا مجال لاستيعابها هنا.
- الإجماع: وقد أجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابه، وكذلك حكى غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره.
وقال الإمام إسحاق بن راهوية (^٥) أحد الأئمة الأعلام: "أجمع
_________________
(١) جابر بن عبد الله الأنصارى: شهد العقبة الثانية وهو صغير، وشهد المشاهد كلها بعد أحد، وكان من المكثرين الحفاظ. للسنّة، توفي سنة ٧٤ هـ وقيل غير ذلك. الإصابة (١/ ٢١٤) ت رقم ١٠٢٦.
(٢) كعب بن الأشرف الطائي، من بني نبهان، كانت أمه من بني النضير فدان باليهودية وكان سيدا في أخواله اليهود. أدرك الإسلام ولم يسلم، وأكثر من هجو النبي ﷺ وأصحابه وتحريض القبائل عليهم وإيذائهم والتشبب بنسائهم. خرج إلى مكة بعد وقعة بدر فندب قتلى قريش فيها، وحض على الأخذ بثأرهم، وعاد إلى المدينة، فأمر النبي ﷺ بقتله، فانطق إليه نفر من الأنصار، فقتلوه في ظاهر حصنه. تاريخ الطبري (٣/ ٢).
(٣) محمد بن مسلمة الأنصاري، من فضلاء الصحابة شهد بدرا وما بعدها إلا غزوة تبوك فإنه تخلف بإذن النبي ﷺ له أن يقيم في المدينة، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين وقيل غير ذلك. الإصابة (٣/ ٣٦٣، ٣٦٤) رقم (٧٨٨).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - واللفظ له - كتاب المغازي باب قتل كعب بن الأشرف. انظر: فتح الباري (٧/ ٣٣٦) ح ٤٠٣٧، وأخرجه في مواضع أُخر. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد: باب قتل كعب بن الأشرف. انظر: (٥/ ١٨٤).
(٥) إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المعروف بابن راهوية المروزي قال عنه =
[ ٥٥ ]
المسلمون على أن من سب الله، أو سب رسوله ﷺ، أو دفع شيئا مما أنزل الله ﷿، أو قتل نبيا من أنبياء الله ﷿ أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بكل ما أنزل إليه".
وقال الخطابي (^١): "لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله". وقال محمد بن سحنون (^٢): أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة القتل ومن شك في كفره وعذابه كفر" (^٣).
ومن المعلوم أن سب النبي ﷺ تعلق به عدة حقوق:
١ - حق الله سبحانه:
من حيث كفر برسوله، وعادى أفضل أوليائه وبارزه بالمحاربة، ومن حيث طعن في كتابه ودينه، فإن صحتهما موقوفة على صحة الرسالة، ومن حيث طعن في ألوهيته، فإن الطعن في الرسول طعن في المرسل وتكذيبه تكذيب لله ﵎ وإنكار لكلامه وأمره وخبره وكثير من صفاته.
_________________
(١) = الخطيب البغدادي: كان أحد أئمة المسلمين وعَلَمًا من أعلام الدين اجتمع له الحديث والفقه والحفظ والصدق والورع والزهد توفي سنة ٢٣٨ هـ. تاريخ بغداد (٦/ ٣٤٥).
(٢) أبو سليمان حمد ويقال أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي أحد المشاهير الأعيان، والفقهاء المجتهدين المكثرين، له من المصنفات معالم السنن وشرح البخاري وغير ذلك، توفي بمدينة بست سنة ٣٨٨ هـ. البداية: (١١/ ٣٢٤).
(٣) محمد بن عبد السلام (سحنون) بن سعيد بن حبيب التنوخى، أبو عبد الله فقيه مالكي، مناظر كثير التصانيف، توفي سنة ٢٥٦ هـ. الوافي بالوفيات: (٣/ ٨٦) والأعلام (٦/ ٢٠٤، ٢٠٥).
(٤) الصارم المسلول (ص ٣ - ٤).
[ ٥٦ ]
٢ - وتعلق حق جميع المؤمنين:
من هذه الأمة ومن غيرها من الأمم به، فإن جميع المؤمنين مؤمنون به خصوصا أمته فإن قيام أمر دنياهم ودينهم وآخرتهم به، بل عامة الخير الذي يصيبهم في الدنيا والآخرة بواسطته وسفارته فالسب له أعظم عندهم من سب أنفسهم وآبائهم وأبنائهم وسب جميعهم، كما أنه أحب إليهم من أنفسهم وأولادهم وآبائهم والناس أجمعين.
٣ - وتعلق حق رسول الله ﷺ به:
من حيث خصوص نفسه، فإن الإنسان تؤذيه الوقيعة في عرضه أكثر مما يؤذيه أخذ ماله، وأكثر مما يؤذيه الضرب، بل ربما كانت عنده أعظم من الجرح ونحوه، خصوصا من يجب عليه أن يظهر للناس كمال عرضه وعلو قدره لينتفعوا بذلك في الدنيا والآخرة، فإن هتك عرضه وعلو قدره قد يكون أعظم عنده من قتله، فإن قتله لا يقدح عند الناس في نبوته ورسالته وعلو قدره كما أن موته لا يقدح في ذلك، بخلاف الوقيعة في عرضه فإنها قد تؤثر في نفوس بعض الناس من النفرة عنه وسوء الظن به ما يفسد عليهم إيمانهم ويوجب لهم خسارة الدنيا والآخرة … " (^١).
وبهذا يعلم أن السب فيه من الأذى لله ولرسوله ولعباده المؤمنين ما ليس في غيره من الأمور كالكفر والمحاربة.
وبما تقدم ذكره من الأدلة يتضح انتقاض إيمان من طعن في شخص الرسول ﷺ بسب أو استهزاء أو انتقاص سواء كان في ذلك جادا أو هازلا.
ويستثنى من ذلك المكره بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ فالآية نزلت في عمار بن ياسر (^٢) حين
_________________
(١) الصارم المسلول (ص ٢٩٣ - ٢٩٤).
(٢) عمار بن ياسر حليف بني مخزوم: من السابقين الأولين هو وأبوه وأمه، =
[ ٥٧ ]
عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد ﷺ فوافقهم على ذلك مكرهًا وجاء معتذرا إلى النبي ﷺ فأنزل الله هذه الآية، وروى أن مما قاله أنه سب النبي ﷺ وذكر آلهتهم بخير، فشكا ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير، قال: "كيف تجد قلبك؟ " قال: مطمئنا بالإيمان، فقال: "إن عادوا فعد" وفي ذلك أنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾، ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يأبى، كما كان بلال (^١) ﵁ يأبى عليهم ذلك، وهم يفعلون به الأفاعيل … " (^٢).
القسم الثاني: من نواقض الإيمان بالنبي ﷺ:
الطعن فيما أخبر به الرسول لا - مما هو معلوم من الدين بالضرورة - إما بإنكاره أو انتقاصه.
فإذا اجتمعت الشروط التالية في المنكر وهي:
أ - أن يكون ذلك الأمر المنقض من الأمور التي أجمعت عليها الأمة وأن يكون من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة: أي أن يكون
_________________
(١) = هاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها، قتل بصفين سنة ٣٧ هـ. الإصابة (٢/ ٥٠٥، ٥٠٦) رقم: ٥٧٠٦.
(٢) بلال بن رباح الحبشي: مؤذن رسول الله ﷺ، أحد السابقين إلى الإسلام الذين عذبوا بمكة، وكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت الظهيرة: فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة على صدره، ثم يقول لا يزال على ذلك حتى يموت أو يكفر بمحمد ﷺ، فيقول وهو على ذلك أَحَدٌ أَحَدٌ، فمرَّ به أبو بكر فاشتراه منه وأعتقه، ومناقبه كثيرة، شهد المشاهد كلها مع النبي ﷺ، مات بالشام سنة عشرين. الإصابة (١/ ١٦٩) رقم ٧٣٦.
(٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٥٨٧، ٥٨٨) بتصرف.
[ ٥٨ ]
علمه منتشرًا كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، وعموم رسالته (^١).
ب - أن لا يكون المنكر حديث عهد بالإسلام لا يعرف حدوده فهذا إذا أنكر شيئا من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة جهلا به فإنه لا يكفر (^٢).
ج - أن لا يكون المُنكِر مكرها على ذلك، فإن المكره له حكم آخر كما قدمنا ذلك.
والمُنكِر في هذه الحالة يحكم بكفره وانتقاض إيمانه. والمنتقص لأمور الدين إذا كان غير مكره فإنه يكفر سواء كان جادا في ذلك أم هازلا.
والأمثلة على هذا القسم كثيرة جدا، نذكر منها على سبيل المثال ما يختص بجانب الإيمان برسالة النبي ﷺ.
أولا: "أن يعتقد أن غير هدي النبي ﷺ أكمل من هديه وأن حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون القانون الوضعي على حكم الشرع ويصفون الشريعة الإسلامية بالقصور والرجعية وعدم مسايرة التطور، وهذا من أعظم المناقضة لشهادة أن محمدا رسول الله.
ثانيا: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول ﷺ ولو عمل به فهو كافر" (^٣).
ثالثا: اعتقاد الإنسان أنه يسعه الخروج عن شريعة النبي ﷺ.
ولهذا الأمر صورتان:
الأولى: أن لا يرى وجوب تصديق الرسول ﷺ ولا وجوب طاعته فيما أمر به وإن اعتقد مع ذلك أن الرسول ﷺ عظيم القدر
_________________
(١) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١/ ٢٠٥).
(٢) المصدر السابق (١/ ٢٠٥).
(٣) الجامع الفريد: رسالة نواقض الإسلام للشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص ٢٨٢).
[ ٥٩ ]
علما وعملا وأنه يجوز تصديقه وطاعته ولكنه يقول إنه لا يضر اختلاف الملل إذا كان المعبود واحدا ويرى أنه تحصل النجاة والسعادة بمتابعة الرسول وبغير متابعته وهذا هو قول الفلاسفة والصابئة (^١) وهذا القول لا ريب في كفر صاحبه "فمن نواقض الإسلام أن يعتقد الإنسان عدم كفر المشركين ويرى صحة مذهبهم، أو يشك في كفرهم" (^٢).
وهذا القول هو الذي ينادي به في وقتنا الحاضر من يدعون إلى وحدة الأديان ويروج لهم في ذلك الماسونية (^٣) اليهودية (^٤).
الثانية: من يرى طلب العلم بالله من غير خبره، أو العمل لله من غير أمره، وهؤلاء وإن كانوا يعتقدون أنه يجب تصديق الرسول أو تجب طاعته، لكنهم في سلوكهم العلمي والعملي غير سالكين هذا المسلك بل يسلكون مسلكا آخر إما من جهة القياس والنظر، وإما من جهة الذوق والوجدان، وإما من جهة التقليد، وما جاء عن الرسول إما أن يعرضوا عنه وإما أن يردوه إلى ما سلكوه.
وإضافة إلى هذه النواقض فإن الإيمان بالنبي ﷺ ينتقض أيضا بالنواقض العامة الأخرى للإسلام وهي:
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٩).
(٢) الجامع الفريد (ص ٢٨٢).
(٣) الماسونية: عبارة فرنسية معناها البناؤون الأحرار، والماسونية حركة يهودية سرية تعمل تحت ستار التآخي بين الأديان، وهدفها الرئيسي السيطرة على العالم عن طريق أصحاب الجاه والنفوذ في بقاع العالم، وذلك بواسطة المحافل التي تقيمها في بقاع كثيرة من العالم. انظر: "كتاب الماسونية ذلك العالم المجهول"، لصابر طعيمة.
(٤) كتاب الولاء والبراء (ص ٣٤٤).
[ ٦٠ ]
١ - الشرك في عبادة الله تعالى:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.
٢ - أن يجعل بينه وبين الله وسائط:
يدعوهم ويسألهم الشفاعة فيما لا يقدر عليه إلا الله، ويتوكل عليهم فهذا كافر بالإجماع (^١).
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾.
وقال تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ، يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾.
٣ - السحر:
ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به كفر (^٢) بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾.
_________________
(١) الجامع الفريد (ص ٢٨٢).
(٢) المصدر السابق (ص ٢٨٢). والمراد بالصرف: التفريق بين الزوجين. والعطف: الجمع بينهما.
[ ٦١ ]
٤ - " مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين" (^١):
والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ وهذا من أعظم النواقض التي وقع فيها سواد الناس اليوم في الأرض وهم بعد ذلك يحسبون على الإسلام ويتسمون بأسماء إسلامية، فلقد صرنا في عصر يُستحى فيه أن يقال للكافر يا كافر.
ومظاهرة المشركين أخذت صورا شتى فمن الميل القلبي إلى انتحال مذاهبهم الإلحادية إلى مجاراتهم في تشريعاتهم، إلى كشف عورات المسلمين لهم، إلى كل صغير وكبير في حياتهم … " (^٢)
٥ - الإعراض عن دين الله تعالى:
لا يتعلمه ولا يعمل به (^٣) والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.
ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا المكره وكلها من أعظم ما يكون خطرا، وأكثر ما يكون وقوعا فينبغي للمسلم أن يحذرها ويخاف منها على نفسه (^٤)، ومعرفة المسلم لهذه الأمور تجعله على بصيرة من أمره، وتكسبه وتزيده معرفة لأمور عقيدته، فبضدها تتميز الأشياء.
* * *
_________________
(١) الجامع الفريد (ص ٣٨٣).
(٢) كتاب الولاء والبراء في الإسلام، تأليف محمد بن سعيد القحطاني (ص ٨٣) بتصرف بسيط.
(٣) الجامع الفريد (ص ٢٨٤).
(٤) المصدر السابق (ص ٣٨٤).
[ ٦٢ ]
المبحث الثاني: وجوب الإيمان بنبوته ورسالته ﷺ
وفيه ثلاث مطالب:
المطلب الأول: معنى النبوة والرسالة.
المطلب الثاني: الأدلة من القرآن والسنة على وجوب الإيمان به ﷺ.
المطلب الثالث: دلائل نبوته ﷺ.
[ ٦٣ ]
المطلب الأول: معنى النبوة والرسالة
جمع الله لنبيه محمد ﷺ بين النبوة والرسالة قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
أ - معنى النبي لغة وشرعا:
النبوة في اللغة العربية مشتقة إما: من (النبأ) أو (النباوة) أو (النَّبْوة) أو (النبي) (^١):
١ - فإذا كانت مأخوذة من (النبأ) فتكون بمعنى الإخبار، لأن النبأ هو الخبر.
٢ - وإذا كانت مأخوذة من (النباوة أو النبوة) فتكون بمعنى الرِّفعة والعلو، لأن (النباوة أو النبوة: هي الشيء المرتفع).
٣ - أما إذا كانت مأخوذة من (النبي) بدون همز، فيكون معناها الطريق إلى الله ﷿ لأن معنى "النبي" الطريق.
ولو نظرنا إلى النبوة الشرعية لوجدنا أنها تشمل كل هذه المعاني إذ النبوة إخبار عن الله ﷿، وهي رفعة لصاحبها لما فيها من التشريف والتكريم، وهى الطريق الموصلة إلى الله سبحانه.
_________________
(١) انظر: لسان العرب مادة: "نبأ" (١/ ١٦٢ - ١٦٣)، ومعجم مقاييس اللغة (٥/ ٣٨٤، ٣٨٥).
[ ٦٥ ]
أما النبوة في اصطلاح الشرع: "فهي خبر خاص يكرم الله ﷿ به أحدًا من عباده فيميزه عن غيره بإيحائه إليه ويوقفه به على شريعته بما فيها من أمر ونهي ووعظ وإرشاد ووعد ووعيد" (^١).
أما النبي فقد اختلف العلماء في تعريفه:
- فمنهم من قال: هو الذي أوحى الله إليه بشرع (^٢) ليعمل به ولم يؤمر بتبليغه.
- فمنهم من قال: هو الذي أوحى الله إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله (^٣).
- ومنهم من قال: هو الذي أوحى الله إليه وأخبره بأمره ونهيه وخبره، ويعمل بشريعة رسول قبله بين قوم مؤمنين (^٤).
وهذا هو الذي اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، ولعله هو أرجح الأقوال وأسلمها من الاعتراض فقد اعترض على القول الأول بأنه غير صحيح لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ﴾ يدل على أن كلا منهما مرسل وأنهما مع ذلك بينهما تغاير (^٥) وكذلك مما يؤكد كون الأنبياء مأمورين بتبليغ قومهم ما أوحي إليهم والحكم بينهم بذلك ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "كانت بنوا إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي
_________________
(١) شعب الإيمان للبيهقي، الباب الثاني من شعب الإيمان (ص ٢٧٥) رسالة ماجستير في الجامعة الإسلامية بتحقيق فالح بن ثاني.
(٢) المصدر السابق (ص ٢٧٥)، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ١٦٧).
(٣) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (٥/ ٧٣٥).
(٤) كتاب النبوات لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ٢٥٥).
(٥) أضواء البيان (٥/ ٧٣٥).
[ ٦٦ ]
خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي … " الحديث (^١).
"أي تتولى أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية. والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه" (^٢).
وقد اعتُرض على القول الثاني بأن الضابط الذي ذكروه لا يستقيم فيوسف ﵇ كان رسولا وكان على شريعة إبراهيم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾.
وكذلك داود وسليمان ﵉ كانا رسولين وكانا على شريعة التوراة قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا، وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾.
ب - معنى الرسول لغة وشرعًا:
الرسول لغة: إما مأخوذ من الرِّسل.
والرِّسل: هو الانبعاث على تؤدة. يقال: ناقة رسله؛ أي: سهلة السير، وإبل مراسيل: منبعثة انبعاثًا سهلًا. ولفظ (الرِّسل) متضمن لمعنى الرفق ومعنى الانبعاث. فإذا تصور منه معنى الرفق يقال على رسلك إذا أمرته بالرفق. وإذا تصور منه معنى الانبعاث يقال إبل مراسيل أي منبعثة.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء: باب ما ذكر عن بني إسرائيل. انظر: فتح الباري (٦/ ٤٩٥) ح ٣٤٥٥. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول (٦/ ١٧).
(٢) النهاية في غريب الحديث (٢/ ٤٢١).
[ ٦٧ ]
ولفظ الرسول اشتق من المعنى الثاني؛ أي: الانبعاث.
فالرسول على هذا الاشتقاق هو المنبعث (^١).
وإما مأخوذ من الرَّسْل: وهو التتابع، فيقال: جاءت الإبل رَسْلًا؛ أي متتابعة، ويقال جاءوا أرْسَالًا: أي متتابعين.
ومعنى الرسول على هذا الاشتقاق: هو الذي يتابع أخبار الذي بعثه (^٢).
ولو نظرنا إلى كلا الاشتقاقين فإنا نجد أن لفظ الرسول في اصطلاح الشرع يدل عليهما فالرسول مبعوث من قبل الله، وهو كذلك يتابع أخبار الوحي المنزل إليه من الله تعالى.
ولفظ الرسول تارة يقال للقول المُتَحَمَّل كقول الشاعر:
ألا بلِّغ أبا حفص رسولا …
وتارة لمُتَحَمِّل القول والرسالة (^٣).
والرسول في الشرع: عُرِّف بعدة تعريفات:
فمن العلماء من عرَّفه بقوله: هو الذي أوحى الله إليه بخبر وأمره بتبليغه للناس، وهؤلاء فرقوا بينه وبين النبي بأن النبي أوحي إليه بخبر ولم يؤمر بتبليغه (^٤).
ومنهم من عرَّفه بقوله: هو الذي أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي تثبت بها نبوته.
_________________
(١) المفردات في غريب القرآن، تأليف أبي القاسم حسين محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (ص ١٩٥) مادة "رسل".
(٢) المصدر السابق (ص ١٩٥) ولسان العرب مادة: "رسل" (١١/ ٢٨٤).
(٣) المصدر السابق (ص ١٩٥) ولسان العرب مادة: "رسل" (١١/ ٢٨٤).
(٤) شعب الإيمان للبيهقي (ص ٢٧٥ - ٢٧٦) بتحقيق فلاح بن ثاني، وشرح العقيدة الطحاوية (ص ١٦٧).
[ ٦٨ ]
وقالوا: إن النبي هو الذي لم ينزل إليه كتاب وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله (^١).
ومنهم من قال: إن الرسول هو الذي ينبئه الله ثم يأمره أن يبلغ رسالته إلى من خالف أمره؛ أي: إلى قوم كافرين.
أما النبي فهو من أوحى الله إليه وأخبره بأمره ونهيه وخبره، ويعمل بشريعة رسول قبله بين قوم مؤمنين بهما.
وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، واستشهد لذلك بأن نوحا ﵇ كان هو أول رسول بعث إلى أهل الأرض وكان أول شرك بالله قد وقع في قومه.
وقد كان قبل نوح أنبياء كشيث وإدريس ﵉ وقبلهما آدم كان نبيا مكلما، وقد كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام وكان المبعوثون في هذه القرون أنبياء فقط (^٢).
وهذا القول الثالث هو أرجح الأقوال.
أما القول الأول فهو غير مسلَّم كما سبق، وإن وضحت في الكلام على معنى النبي. وكذا الأمر بالنسبة للقول للثاني فليس من شرط الرسول أن يأتي بشريعة جديدة كما تقدم ذكر ذلك.
* * *
_________________
(١) أضواء البيان (٥/ ٧٣٥).
(٢) النبوات (ص ٢٥٥ - ٢٥٦).
[ ٦٩ ]
المطلب الثاني: الأدلة من القرآن والسنة على وجوب الإيمان به ﷺ
أ - الأدلة من القرآن:
أوجب الله ﷾ على الثقلين - الإنس والجن - الذين أدركتهم رسالة النبي ﷺ أن يؤمنوا بالنبي ﷺ وبما جاء به كما شهدت بذلك نصوص الكتاب العزيز.
كما أكد الله وجوب الإيمان بأن جعله مقترنًا بالإيمان به ﷾ في مواضع كثيرة من القرآن الكريم منها:
قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ، وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾، وقال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ
[ ٧٠ ]
وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. والإيمان به ﷺ واحد من ثلاثة حقوق اقترن بها حقه ﷺ مع حق الله تعالى في القرآن الكريم.
أما الحق الثاني له:
فهو طاعته قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، وسيأتي بيانه في الفصل الثاني من هذا الباب.
والحق الثالث هو:
محبته قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾، وسيأتي بيانه في الباب الثاني.
"كما أن الإيمان به واجب متعين لا يتم إيمان إلا به ولا يصح إسلام إلا معه" (^١).
وقال تعالى في حق من لم يؤمن: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾.
وبما تقدم من آيات يعلم وجوب الإيمان بالرسول ﷺ وأهميته وأنه لا يتم الإيمان بالله بدون الإيمان به، كما لا تحصل نجاة ولا سعادة بدون الإيمان به لأنه هو الطريق إلى الله ﷾، ولذلك كان أول أركان الإسلام "شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله".
ب - الأدلة من السُّنَّة على وجوب الإيمان به ﷺ:
وردت في السُّنَّة أحاديث كثيرة جدا تدل على وجوب الإيمان به ﷺ على الجن والإنس الذين أدركتهم رسالته، سواء كانوا أهل كتاب، أم
_________________
(١) الشفا للقاضي عياض (٢/ ٥٣٨) بتصرف.
[ ٧١ ]
ليسوا بأهل كتاب، ويستوي في ذلك عربهم وعجمهم، وذكرهم وأنثاهم، فلا يسع أحدا من هؤلاء الخروج عن شريعته أو التعبد لله بغير ما جاء به. لأن الله لا يقبل من أحد عملا يخالف شرع نبيه محمد ﷺ.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وسأورد ههنا بعضا من تلك الأحاديث الواردة في هذا الشأن:
أ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" (^١).
٢ - وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" (^٢).
٣ - عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع لي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" (^٣).
٤ - وعن ابن عباس ﵄ في حديث وفد عبد القيس أن النبي ﷺ
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٣٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان: باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، انظر: فتح الباري (١/ ٧٥) ح ٢٥. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، انظر (١/ ٣٩).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته (١/ ٩٣).
[ ٧٢ ]
قال لهم: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس " الحديث (^١).
٥ - وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: بعثني رسول الله فقال: "إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" (^٢).
وهذه الأحاديث وغيرها تؤكد وجوب الإيمان به ﷺ وبما جاء به، وكذلك طاعته، ويكون ذلك بأن يحل ما أحل الله ورسوله، ويحرم ما حرم الله ورسوله، ويوجب ما أوجبه الله ورسوله، ويحب ما أحبه الله ورسوله، ويكره ما كرهه الله ورسوله. وقد تقدم معنى الإيمان بالنبي ﷺ في المبحث الأول فليرجع إليه.
ج - دليل الإجماع:
أجمعت الأمة على وجوب الإيمان بالنبي ﷺ، كما أجمعت كذلك على أن كل من قامت عليه الحجة برسالة محمدًا - من الإنس والجن فلم يؤمن به استحق عقاب الله تعالى، كما يستحقه أمثاله من الكافرين.
_________________
(١) تقدم تخريجه (ص ٣٤).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه (١/ ٣٥)؛ وأخرجه بنحوه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎. انظر: فتح الباري (١/ ٣٤٧) (ح ٧٣٧٢).
[ ٧٣ ]
الذين بعث إليهم الرسول، وهذا أصل متفق عليه بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان وأئمة المسلمين وسائر طوائف المسلمين أهل السنة والجماعة وغيرهم (^١)؛ لأن الرسول ﷺ هو الذي جاء بذلك وذكره الله في كتابه وبيَّنه الرسول أيضًا في الحكمة المنزلة عليه من غير الكتاب، فإن الله تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة، ولم يبتدع المسلمون شيئًا من ذلك من تلقاء أنفسهم (^٢).
_________________
(١) إيضاح الدلالة في عموم الرسالة، لشيخ الإسلام ابن تيمية مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية. انظر: (٢/ ٩٩).
(٢) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ١٢٦).
[ ٧٤ ]
المطلب الثالث: دلائل نبوته ﷺ
أيَّد الله ﵎ رسوله ﷺ بالدلائل، والمعجزات الكثيرة الدالة على وجوب الإيمان به وصدق رسالته وهذه الدلائل والمعجزات فاقت الألف معجزة كما ذكر ذلك غير واحد من العلماء (^١) ومنها ما هو حسي ومنها ما هو معنوي، وكذلك هي متنوعة فمنها ما كان قبل مولده كبشارات الأنبياء به ومنها ما كان وقت ولادته كقصة الفيل والعجائب التي حدثت عام مولده الدالة على نبوته، ومنها ما كان عند مبعثه كالقرآن الكريم وانشقاق القمر ونبع الماء بين أصابعه ﷺ وغير ذلك.
ومن تلك الدلائل ما استمر بعد وفاته ﷺ كالقرآن الكريم، وما أخبر به من المغيَّبات كعلامات الساعة، وما يحدث بعده. ولقد ألف عدد من العلماء مؤلفات في هذا الشأن جمعوا فيها تلك الدلائل والمعجزات (^٢).
وإن من أعظم دعائم الإيمان معرفة المسلم لهذه الدلائل وأخذ العظة والعبرة منها وذلك بتدبر ما فيها من حكم وآيات دلت على صدق رسالة نبينا ﷺ. والمقام هنا لا يستوعب إيراد هذه الدلائل والمعجزات،
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ١٤٠).
(٢) من تلك المؤلفات: دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني، ودلائل النبوة لقوام السنة الأصبهاني، ودلائل النبوة للبيهقي، والخصائص الكبرى للسيوطي.
[ ٧٥ ]
ولكني سأشير إلى بعض هذه الدلائل إشارات سريعة على سبيل المثال:
أ - القرآن الكريم:
هو أعظم الآيات والبراهين والدلائل والمعجزات التي أعطيها النبي ﷺ، وليس من آية أبدع ولا أروع منه.
فهو المعجزة الخالدة التي أعطاها الله لرسوله ﷺ لتكون خالدة كخلود رسالته، ومشهودة لكل من أتى بعد زمانه ليعم الانتفاع بها ولتقوم بها الحجة على أهل كل زمان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولقد تعهد الله بحفظه وبقائه فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فكان في هذا الحفظ دوامه وبقاؤه إلى قيام الساعة.
ولقد ميَّز الله نبيه بهذه المعجزة عن سائر إخوانه من الأنبياء كما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحي أوحاه الله إلي، فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة" (^١).
وفى تخصيص النبي ﷺ للقرآن بالذكر هنا دون المعجزات الأخرى التي أعطيها - والتي تزيد على الألف - إشارة إلى عظم هذه المعجزة ومكانتها حتى أنه أصبح غيرها بالنسبة إليها كلا شيء لشيء.
ولقد تضمنت هذه المعجزة وجوها متعددة من الإعجاز، فالقرآن الكريم معجز بلغته وفصاحته وبيانه وبلاغته وأحكامه وتشريعاته وبما حواه من أخبار وقصص، ومغيَّبات، وعلوم، فهو معجز من جميع الوجوه،
_________________
(١) أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب قول النبي ﷺ: "بعثت بجوامع الكلم" واللفظ له، انظر فتح الباري (٣/ ٢٤٧) ح ٧٢٧٤. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد ﷺ إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته. انظر (١/ ٩٢، ٩٣).
[ ٧٦ ]
ولقد تحدَّى الله قوم النبي ﷺ على أن يأتوا بمثله أو بشيء منه، فالقرآن الكريم نزل بلغتهم فهم يعرفون حروفه ومعانيه، إضافة إلى أنه نزل في أوان وزمان بلغت فيه قريش ذروة الفصاحة والبلاغة والبيان، فلقد كان فيهم أولوا الأحلام والنهى والأفهام والألسن الحداد، والقرائح الجياد، والعقول السداد.
فالتحدي كان لهم بأمر يعرفون طريقه ولهم بجنسه عهد بل إنهم نبغوا فيه وبلغوا فيه ذروته.
ولذلك فقد توهم كفار قريش في بداية أمرهم أن باستطاعتهم الإتيان بمثله وقدروا أن في وسعهم معارضته فقالوا: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾.
فجاءهم التحدي من الله على ثلاث مراحل هي:
- المرحلة الأولى:
التحدي بالإتيان بمثل القرآن، وذلك كما جاء في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾.
- المرحلة الثانية:
تحداهم بالإتيان بعشر سور مثله حيث قال ﵎: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
- المرحلة الثالثة:
حيث تحداهم ﵎ بالإتيان بسورة واحدة فقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ منْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، فعجزوا عن الإتيان بسورة واحدة مع شدة الاجتهاد وقوة الأسباب فقد كانوا حريصين على
[ ٧٧ ]
تكذيبه وإبطاله بكل طريق، ولكن مع هذا كله فقد عجزوا عن ذلك.
ولقد أخبر الله بعجزهم عند تحديه إياهم بالإتيان بسورة من مثله فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾.
ولما عجزوا عن الإتيان بما تحدَّاهم به قطع الله طمعهم على أن يأتوا بمثله فقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾.
وبعد مرحلة قطع الطمع أنزل الله فواتح السور كـ ﴿الم، الر، المر﴾ وغيرها تقريعا وتوبيخًا للكفار، مخبرا لهم أن ما تحداهم به مكون من حروف هي حروف العربية التي يتحدثون بها والتي بلغوا ذروتها فهم أفصح العرب، والقرآن نزل بلغة العرب، ولقد جرت سنة الله بأن يعطي كل رسول من المعجزات ما يناسب ما اشتهر به قومه، فلقد أعطى موسى العصا لاشتهار من أرسل إليهم بالسحر وما يتعلق به، وأعطى عيسى معجزة إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والأعمى لاشتهار قومه بالطب وهكذا، فأعطى نبينا محمدا ﷺ القرآن لما اشتهرت به قريش من الفصاحة والبيان.
فهذا ما كان من أمر التحدي الذي تحدى الله به أهل مكة وغيرهم من العرب الذين نزل القرآن بلغتهم، وسأعرض لذكر بعض جوانب هذا الإعجاز القرآني الذي عجز الكفار أن يأتوا بمثل هذا القرآن من جهتها وهى ما يلي:
أولا: تحدَّاهم بفصاحة القرآن وعلو أسلوبه، وأحكامه، ودقة تعبيره، ولذا تكلف بعض سفهاء الأحلام منهم أن يأتوا بسور خيل لهم أنها على نمطه وشاكلته، فأضحكوا على أنفسهم العقلاء، وأما ذووا العقل والرأي منهم فأسلموا أنفسهم إلى العجز وأيقنوا من قرارة نفوسهم
[ ٧٨ ]
أنه الحق وأنه من عند الله لا من كلام البشر ولكن أكثرهم يجهلون فأبوا إلا الكفر أنفة واستكبارا.
ثانيا: تحدَّاهم بتشريعه الكامل الموافق لمقتضى العقل والفطرة، الهادي جميع البشر إلى سواء السبيل من جوانب الحياة كلها عقيدة وعبادة واقتصادا وسياسة وأدبا وأخلاقا مع بقاءه كذلك صالحا لهداية العالم وإصلاحه في جميع جوانب الحياة إلى يوم القيامة.
ثالثا: تحداهم بما تضمنه القرآن من الأخبار الغيبية التفصيلية المسهبة، وبوقوف الرسول ﷺ من إخوانه المرسلين السابقين موت المصدق لهم المبين لتحريف أقوامهم شرائعهم، المعلن لخزاياهم وفضائحهم في خروجهم على أنبيائهم بيان الواثق بنفسه المؤمن بما أوحي إليه من ربه، وهو أمي عاش في أمة أمية، ومن أمته أهل الكتاب الذين فضحهم بسوء صنيعهم مع رسلهم وفى شرائعهم ومع ذلك لاذوا بالصمت ولم يردوا عليه ما اتهمهم به تبرئة لأنفسهم ودفعا للنقيصة والعار عنها، فكان ذلك إيذانًا بأنه رسول الله الصادق الأمين وأن ما جاء به إنما هو وحي من رب العالمين (^١).
ولقد تضمن القرآن الكريم جوانب أخرى من الإعجاز، فنحن في زمان انتشر فيه سلطان العلم المادي وتباهى الإنسان بمعرفته لكثير من الأمور التي خفيت عمن قبله من الأجيال، ولكن كثيرا من هذه الأمور التي يدعي الإنسان اكتشافها ومعرفتها، نجد أن القرآن الكريم قد تحدث عنها وبينها فعلى سبيل المثال تكوين الإنسان في بطن أمه تحدثت عنه آيات كثيرة من القرآن قبل أربعة عشر قرنًا من الزمان بينما لم يتعرف
_________________
(١) انظر: مجلة البحوث الإسلامية، العدد التاسع (ص ٢٧ - ٢٨) مقال بعنوان بيان ما يسمى معجزة محمد الخالدة والمعجزة القرآنية إعداد هيئة كبار العلماء.
[ ٧٩ ]
علماء الطب على ذلك إلا في زمن متأخر، وكذا الأمر بالنسبة لكثير من الأمور الأخرى كتكوين الأرض وعلوم البحار وعلوم الحيوان وشتى أنواع العلوم الأخرى، وقد اهتم عدد من العلماء المسلمين بهذا الشأن فأنشؤوا ما يسمى "بهيئة الإعجاز العلمي في القرآن" لبيان سبق القرآن في توضيح كثير من أمور العلم التي يدعي كثير من العلماء الماديين أنها لم تعرف إلا في هذا الزمان.
وهذا كله شاهد بأن كتاب الله العزيز يبقى المعجزة الخالدة التي لا تنتهي عجائبها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾.
فالقرآن يبقى معجزًا في عصر العلم كما كان معجزا في عصر الفصاحة والبلاغة.
ومن الآيات الحسية التي أعطيها النبي ﷺ زمن بعثته:
ب - انشقاق القمر:
قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾.
وعن أنس بن مالك ﵁: "أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر" (^١).
وعن عبد الله بن مسعود (^٢) ﵁ قال: "انشق القمر على عهد
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب: باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية، فأراهم انشقاق القمر. انظر: فتح الباري (٦/ ٦٣١) ح ٣٦٣٧.
(٢) عبد الله بن مسعود الهذلي: أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد بعدها، وكان أول من جهر بالقرآن بمكة وكان من فقهاء الصحابة، توفي عام ٣٢ هـ بالمدينة. الإصابة: (١/ ٣٦٠، ٣٦٢) رقم ٤٩٥٤.
[ ٨٠ ]
النبي ﷺ شقين، فقال: "اشهدوا" (^١).
ج - نبع الماء بين أصابعه:
فعن أنس بن مالك ﵁ قال: "أتي رسول الله ﷺ بإناء وهو بالزوراء (^٢) فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القوم. قال قتادة: قلت لأنس كم كنتم؟، قال: ثلاثمائة، أو زهاء ثلاثمائة" (^٣) وقد روى حديث نبع الماء من بين أصابعه ﷺ جماعة من الصحابة منهم أنس وجابر وابن مسعود (^٤).
د - إشباع العدد الكثير من الطعام القليل:
عن أنس بن مالك ﵁ قال: "قال أبو طلحة (^٥) لأم سليم (^٦): لقد
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب: باب سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية، فأراهم انشقاق القمر. انظر: فتح الباري (٦/ ٦٣١) ح ٣٦٣٦.
(٢) الزوراء: موضع بالمدينة عند سوقها في ذلك الوقت. وفاء الوفاء (٤/ ١٢٢٩).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه واللفظ له، كتاب المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام. انظر: فتح الباري (٦/ ٥٨٠) ح ٣٥٧٢، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب في معجزات النبي ﷺ (٧/ ٤٩). فائدة: قال ابن حجر في فتح الباري (٦/ ٥٨٥): "حديث نبع الماء من أصابعه ﷺ جاء من رواية أنس عند الشيخين وأحمد وغيرهم من خمسة طرق. وعن جابر بن عبد الله من أربعة طرق وعن ابن مسعود عند البخاري والترمذي، وعن ابن عباس عند أحمد والطبراني من طريقين. وعن ابن أبي ليلى والد عبد الرحمن عند الطبراني". انتهى كلامه.
(٤) الشفا (١/ ٤٠٢).
(٥) أبو طلحة: اسمه زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري النجاري الخزرجي، مشهور بكنيته، شهد العقبة ثم شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، توفي عام ٣١ هـ وقيل ٣٤ هـ. الإصابة (١/ ٥٤٩) ت رقم ٢٩٠٥.
(٦) أم سليم بنت ملحان بن خالد الأنصارية: وهي أم أنس خادم رسول الله ﷺ =
[ ٨١ ]
سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟، قالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من شعير ثم أخرجت خمارًا لها، فلفت الخبز ببعضه ثم دسَّته تحت يدي، ولاثتني ببعضه، ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ، قال: فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم. فقال لي رسول الله ﷺ: "آرسلك أبو طلحة؟ "، فقلت: نعم. قال: بطعام؟، قلت: نعم، قال رسول الله ﷺ لمن معه: "قوموا"، فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته. فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالناس وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ، فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسول الله ﷺ: "هلمي يا أم سليم ما عندك"، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففت، وعصرت أم سليم عكة فأدمته، ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء أن يقول. ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. ثم قال: "ائذن لعشرة" فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا. ثم قال: "ائذن لعشرة" فأكل القوم حتى شبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلا" (^١).
وأحاديث تكثير الطعام القليل تعددت، وتكررت في مواطن متعددة ورويت عن بضعة عشر من الصحابة، ورواها عنهم أضعافهم من التابعين ثم من لا يُعد بعدهم، وأكثر هذه الأحاديث مروية في الصحيح
_________________
(١) = اشتهرت بكنيتها واختلف في اسمها فقيل: سهلة، وقيل: رميلة، وقيل غير ذلك. أسلمت مع السابقين من الأنصار، ولها مواقف مشهودة تدل على فضلها ومكانتها. الإصابة (٤/ ٤٤١، ٤٤٢) ت رقم ١٣٢١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب: باب، علامات النبوة في الإسلام. انظر: فتح الباري (٦/ ٥٨٦) ح ٣٥٧٨.
[ ٨٢ ]
وأكثرها في قصص مشهورة، ومجامع مشهورة، ولا يمكن التحدث عنها إلا بالحق، ولا يسكت الحاضر لها على ما أنكر منها (^١).
هـ - ما اطّلع عليه من الغيوب وما سيكون في المستقبل:
" والأحاديث في هذا الباب بحر لا يدرك قعره، ولا ينزف غمره، وهي من جملة معجزاته المعلومة على القطع" (^٢) ومنها على سبيل المثال حديث حذيفة بن اليمان قال: "قام فينا رسول الله ﷺ مقامًا ما ترك شيئًا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء وإنه ليكون منه الشيء نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه" (^٣).
وبعد، فهذا جزء يسير جدًّا من دلائل نبوته المعنوية والحسية وصدق رسالته ﷺ، أيد الله بها نبيه ليقيم الحجة على الخلق فيحيا من حيي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة.
فيجب على كل مسلم أن يتدبر في دلائل نبوته ﷺ ويطَّلع عليها، فإن فيها عظة وعبرة وتزيد من إيمان المرء ويقينه بنبوة خاتم المرسلين وإمامهم، الذي أعطاه الله من الآيات والبراهين ما لم يعط أحدًا من الأنبياء قبله.
* * *
_________________
(١) الشفا (١/ ٤١٩) (بتصرف).
(٢) المصدر السابق (١/ ٤٧٠) وقد ذكر طرفًا من هذه الأحاديث فمن أراد الاستزادة فليرجع إليه.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفتن: باب إخبار النبي ﷺ فيما يكون إلى قيام الساعة (٨/ ١٧٢).
[ ٨٣ ]
المبحث الثالث: وجوب الإيمان بعموم رسالته ﷺ
وفيه تمهيد وثلاثة مطالب:
المطلب الأول: الأدلة من القرآن على عموم رسالته.
المطلب الثاني: الأدلة من السُّنَّة على عموم رسالته.
المطلب الثالث: دليل الإجماع على عموم رسالته.
[ ٨٥ ]
تمهيد
إن من الإيمان بنبوة محمد ﷺ الإيمان بجميع ما جاء به، ومما جاء به ﷺ الإخبار بعموم رسالته للإنس والجن بجميع أجناسهم وأشكالهم وألوانهم ومللهم ولغاتهم. لذا فإنه يجب أن يعلم أن الله ﷿ أرسل محمدا ﷺ إلى جميع الثقلين الإنس والجن وأنه أوجب عليهم الإيمان به وبما جاء به وطاعته، وأنه لا يسع أحدا من هؤلاء الخروج عن شريعته ولا أن يدين لله بغير ما جاء به، "ومن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله" (^١) قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
وعموم رسالة النبي ﷺ وعالميتها هي إحدى الخصائص التي انفرد بها ﷺ عن الأنبياء قبله، إذ كان النبي إنما يُبعث إلى قومه خاصة ثم يبقى غيرهم محتاجا إلى من يبلغهم أمر الله ﷿، أما محمد ﷺ فقد بعثه الله للناس كافة بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، فهو المبعوث رحمة للعالمين، فعمت رسالته جميع المكلفين إنسهم وجنهم، كما صحبت كذلك الزمان في مسيرته، فإذا انتهى جيل من الناس فإن الجيل الذي يليه مخاطب ومكلف بها.
والإيمان بعموم الرسالة وعالميتها هو الذي يدين به كل مسلم يؤمن
_________________
(١) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣/ ٤٢٢).
[ ٨٧ ]
بالله ورسوله، فهذا ما جاءت به آيات الكتاب الكريم ونصوص السُّنَّة الثابتة، فهو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة والتي أجمعت عليها الأمة.
* * *
[ ٨٨ ]
المطلب الأول: الأدلة من القرآن على عموم رسالته
وردت آيات كثيرة في كتاب الله العزيز تثبت عموم دعوته وعالمية رسالته ﷺ ومن سمة هذه الآيات أنها اتصفت بتنوع العبارة مع اتحاد في المضمون الذي هو الدلالة على عموم الرسالة وعالميتها.
وسوف نعرض لهذه الآيات بحسب اتحادها في السياق.
أ - الآيات التي ورد فيها لفظ "الناس" منها:
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاس﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
والشاهد من هذه الآيات أنها بيَّنت شمول رسالة محمد ﷺ
[ ٨٩ ]
للناس (^١) جميعًا. قال صاحب اللسان: "الناس قد يكون من الإنس ومن الجن" (^٢).
فلفظ الناس يطلق على الجن والإنس كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ فسمى الله الجن في هذا الموضع ناسا كما سماهم في موضع آخر رجالا، فقال: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ﴾ فجعل الجن رجالا وكذلك جعل منهم ناسا (^٣). وهناك رأي آخر يقول إن لفظ الناس دخل فيه الجن تغليبا (^٤).
والذي أراه أن الآيات تفسر بالمعنى الشامل للإنس والجن إذ لا مخصص للعموم هنا.
وكنموذج لتفسير ما أوردته من آيات في هذا الشأن أذكر ما قاله بعض علماء التفسير في بيان قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، قال أبو جعفر الطبري (^٥) في تفسيرها: "قل يا محمد للناس كلهم ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ لا إلى بعضكم دون بعض، كما كان من قبلي من الرسل مرسلًا إلى
_________________
(١) لفظ "الناس" فيه وجهان: أحدهما: أن يكون جمعًا لا واحد له من لفظه وإنما واحده "إنسان" وواحدته "إنسانة"، والوجه الآخر: أن يكون أصله "أناس" أسقطت الهمزة منها لكثرة الكلام بها تخفيفا، ثم أدخلت الألف واللام المعرفتان، فأدغمت اللام التي دخلت مع الألف فيها للتعريف في النون. انظر: تفسير الطبري (١/ ١١٦).
(٢) لسان العرب (٦/ ٢٤٤) مادة نوس.
(٣) تفسير الطبري (٣٠/ ٣٥٦).
(٤) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٧٥).
(٥) هو محمد بن جرير الطبري: المؤرخ المفسر الإمام، كان مولده سنة أربع وعشرين ومائتين، روى الكثير عن الجم الغفير، صنف التاريخ الحافل، وله التفسير الكامل الذي لا يوجد له نظير توفي سنة ٣١٠ هـ. البداية (١/ ١٤٥ - ١٤٧).
[ ٩٠ ]
بعض الناس دون بعض، فمن كان منهم أرسل كذلك، فإن رسالتي ليست إلى بعضكم دون بعض، لكنها إلى جميعكم" (^١).
وقال ابن كثير (^٢): يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد ﷺ ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهذا خطاب للأحمر والأسود والعربي والعجمي ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي جميعكم وهذا من شرفه وعِظَمه ﷺ أنه خاتم النبيين وأنه مبعوث إلى الناس كافة" (^٣).
ب - الآيات التي ورد فيها لفظ "العالمين": ومنها:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ، إن هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾.
والمراد بالعالمين هنا هم الإنس والجن إذ هم المكلَّفون.
قال ابن عباس ﵄: "العالمون الجن والإنس، دليله قوله تعالى:
_________________
(١) تفسير الطبري (٩/ ٨٦).
(٢) هو: إسماعيل بن عمر بن كثير البصروي الدمشقي، حافظ مؤرخ، فقيه ولد سنة ٧٠١ هـ وتوفي سنة ٧٧٤ هـ وهو صاحب كتاب تفسير القرآن العظيم والبداية والنهاية. شذرات الذهب (١/ ٢٣١)، والأعلام (١/ ٣٢٠).
(٣) تفسير ابن كثير (٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥).
[ ٩١ ]
﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ولم يكن نذيرا للبهائم" (^١).
ج - الآيات التي ورد فيها لفظتا "كافة" و"جميعًا" وهي:
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. وهناك ثلاث عبارات هي: "الناس" و"كافة" و"جميعا" دلت جميعها على العموم.
د - الآية التي ورد فيها لفظ "ومن بلغ":
قال تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، فالشاهد من الآية هو قوله تعالى: ﴿لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ فلفظ (من) في قوله ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ من صيغ العموم، فالآية نص في عموم رسالة النبي ﷺ. ومعنى الآية أن الله يأمر رسوله ﷺ أن يقول لقومه إن الله أوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به يا أهل مكة، أو يا معشر العرب ومن بلغه هذا القرآن سواء كان عربيا أو عجميا وسواء كان موجودا الآن، أم سيأتي بعد إلى أن تقوم الساعة وهذا هو الذي ذكره أهل التفسير عند هذه الآية (^٢)
هـ - الآيات التي ورد فيها خطاب الجن ومنها:
قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ إلى آخر الآيات التي نزلت في شأن دعوة الجن إلى الإيمان برسالة محمد ﷺ وسميت هذه السورة بسورة الجن.
_________________
(١) تفسير القرطبي (١/ ١٣٨).
(٢) انظر على سبيل المثال: تفسير الطبري (٧/ ١٦٢، ١٦٣) وتفسير ابن كثير (٢/ ١٢٦).
[ ٩٢ ]
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ، يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والآيات نزلت في جن نصيبين (^١) عندما سمعوا القرآن، فآمن به من آمن منهم ثم ولوا إلى قومهم منذرين، ثم أتوا إلى النبي ﷺ فبايعوه على الإسلام بشعب معروف بمكة، والأحاديث بذلك كثيرة مشهورة في الصحيح والسنن والمسند وكتب التفسير والفقه وغيرها (^٢).
وكذلك فإن سورة الرحمن هي خطاب للثقلين الإنس والجن معًا.
و- الآيات التي وردت في دعوة أهل الكتاب:
ومنها: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
وبالجملة فإن في القرآن من دعوة أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن دعوة المشركين وعباد الأوثان وجميع الإنس والجن ما لا يحصى إلا بكلفة وهذا كله معلوم بالاضطرار من دين الإسلام (^٣).
* * *
_________________
(١) مدينة تقع في تركيا بالقرب من الحدود السورية. أطلس العالم (ص ٥٢).
(٢) كتاب النبوات لابن تيمية (ص ٣٩٦).
(٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ١١٢).
[ ٩٣ ]
المطلب الثاني: الأدلة من السُّنَّة على عموم رسالته
الأدلة على عموم رسالته ﷺ وعالميتها كثيرة جدا في السنة النبوية سواء من الناحية القولية أو الناحية العملية، وسنعرض هنا لكلتا الناحيتين بإذن الله.
أ - السنة القولية:
أ - عن أبي الدرداء (^١) ﵁ قال: "كانت بين أبي بكر (^٢) وعمر محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه عمر مغضبًا، فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل، حتى أغلق بابه في وجهه فأقبل أبو بكر إلى رسول الله ﷺ، فقال أبو الدرداء ونحن عنده: فقال رسول الله ﷺ: "أما صاحبكم هذا فقد غامر" (^٣).
_________________
(١) واسم أبي الدرداء كما قيل: عويمر بن عامر، ولعل كنيته هي اسمه: أنصاري أسلم يوم بدر وشهد المشاهد بعدها، وكان أحد الحكماء العلماء الفضلاء توفي في عهد عثمان. الاستيعاب (٤/ ٥٩ - ٦٠).
(٢) واسمه عبد الله بن عثمان بن عامر: ولد بعد الفيل بسنتين وسنة أشهر، صحب النبي ﷺ سنين قبل البعثة وسبق إلى الإيمان به واستمر معه طوال إقامته بمكة ورافقه في الهجرة وفي الغار وفي المشاهد كلها إلى أن مات، وولي الخلافة من بعده فكان أول الخلفاء الراشدين، ومناقبه كثيرة ﵁ توفي سنة ١٣ هـ. الإصابة (٢/ ٣٣٣ - ٣٣٦) رقم ٤٨١٧.
(٣) غامر؛ أي خاصم غيره، ومعناه: دخل في غمرة الخصومة، وهي معظمها. والمغامر الذي يرمي بنفسه في الأمور المهلكة. النهاية: (٣/ ٣٨٤).
[ ٩٤ ]
قال: وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي ﷺ، وقص على رسول الله ﷺ الخبر، قال أبو الدرداء: وغضب رسول الله ﷺ، وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله، لأنا كنت أظلم .. فقال رسول الله ﷺ: "هل أنتم تاركوا لي صاحبي، هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟، إني قلت يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدقت" (^١).
٢ - وعن جابر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" (^٢).
٣ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "فضِّلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون" (^٣)
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير: باب تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. انظر: فتح الباري (٨/ ٣٠٣) ح ٤٦٤٠، وأخرجه أيضا في كتاب فضائل الصحابة: باب قول النبي ﷺ: "لو كنت متخذا خليلا". انظر: فتح الباري (٧/ ١٨) ح ٣٦٦١.
(٢) أخرجه البخارى في صحيحه، كتاب التيمم واللفظ له. انظر فتح الباري (١/ ٤٣٥ - ٤٣٦) ح ٣٣٥، وكذلك ٤٣٨ - ٣١٢٢، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد (٢/ ٦٣).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد (٢/ ٦٤).
[ ٩٥ ]
٤ - وعن أبي ذر (^١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "أوتيت خمسًا لم يؤتهن نبي قبلي، نُصرت بالرعب فيرعب مني العدو عن مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي، وبعثت إلى الأحمر والأسود" (^٢).
٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار" (^٣).
وذكر اليهود والنصارى تنبيهًا على من سواهما، وذلك لأن اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتابا فغيرهم ممن لا كتاب له أولى (^٤).
٦ - وعن أبي موسى الأشعري ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من سمع بي من أمتي أو يهودي أو نصراني ثم لم يؤمن بي دخل النار" (^٥).
_________________
(١) أبو ذر الغفاري: الزاهد المشهور الصادق اللهجة، مختلف في اسمه واسم أبيه والمشهور أنه جندب بن جنادة بن السكن، وكان من السابقين إلى الإسلام، توفي بالربذة سنة إحدى وثلاثين وقيل في التي بعدها. الإصابة (٤/ ٦٣ - ٦٥) ت رقم ٣٨٤.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ١٤٥) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: "رجاله رجال الصحيح" (٨/ ٢٥٩)، وأخرجه أيضًا من طرق أخر عن ابن عباس (١/ ٢٥٠) وأبي أمامة (٥/ ٢٤٨). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٥٩): "رجال أحمد - أي في هذا الحديث - ثقات"، وجد عمرو بن شعيب (٢٢/ ٢). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٣٦٧): "رجاله ثقات"، وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح" (١٣/ ١٦) - المسند بتحقيقه.
(٣) تقدم تخريجه. انظر (ص ٧٢).
(٤) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٢/ ١٨٨).
(٥) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٣٩٦ - ٣٩٨).
[ ٩٦ ]
ب - السُّنَّة العملية:
إن المتأمل في سيرته ودعوته ﷺ يعلم حرصه ﷺ على نشر الرسالة وإبلاغها لجميع المكلفين، فقد دعا ﷺ الإنس على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم، سواء كانوا أهل كتاب أم ليسوا بأهل كتاب، كما دعا الجن كذلك فآمن له من آمن منهم وبايعوه على الإسلام.
ولقد صدع النبي ﷺ بعالمية الرسالة وعمومها في أوائل دعوته عندما انتقل من المرحلة السرية في الدعوة إلى المرحلة الجهرية حيث قال ﷺ بعد أن حمد الله: "إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها للجنة أبدا أو النار أبدا" (^١).
وإن المتأمل للآيات القرآنية التي نصَّت على عموم رسالته وعالميتها يجد أن جلَّها كان مكي النزول، وهذا يؤكد أن عالمية الرسالة مقررة منذ بداية الوحى. ومن المعلوم أن طريقة الدعوة كانت تتبع أسلوب التدرج في التبليغ وهذا التدرج لم يكن ينافي شمول الدعوة لكل المكلفين، لأن المرحلية كانت ضرورية لدعوته ﷺ، ولقد دلت السيرة النبوية أن النبي ﷺ اتبع أسلوب التدرج في إبلاغ الرسالة، فأول ما بدأ به هو الدعوة السرية لهذا الدين فآمن له من آمن.
ثم انتقل إلى الدعوة الجهرية ونهج فيها كذلك أسلوب التدرج فبدأ بأهل مكة عندما نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ فدعاهم ﷺ إلى الإسلام.
ثم بعد ذلك أخذ رسول الله ﷺ يدعو الناس في مجامعهم وأسواقهم ويبلغهم دعوة الله.
_________________
(١) الكامل في التاريخ لابن الأثير (٢/ ٦١).
[ ٩٧ ]
ثم ذهب إلى الطائف ودعا أهلها إلى الإسلام ولكنهم لم يجيبوه لذلك، ثم عاد إلى مكة وأخذ يعرض دعوته على القبائل في الموسم إلى أن التقى بالخزرج وهم من أهل المدينة وعرض عليهم الإسلام فأسلموا وأسلم النجاشي من قبلهم وكان على النصرانية.
ومن هنا كانت بداية المرحلة الجديدة في الدعوة فبعد تمكن الإسلام بالمدينة، هاجر النبي ﷺ إليها فاتسع بذلك نطاق الدعوة حتى شمل أهل الكتاب من اليهود الذين كانوا بالمدينة حواليها حينئذ، كما تنوعت كذلك أساليب الدعوة إلى هذا الدين فشرع الجهاد في سبيل الله واتسعت رقعة الدعوة فشملت قبائل العرب ومن كان في جزيرة العرب من أهل الكتاب كيهود المدينة وخيبر ونصارى نجران واليمن وغيرهم، واستمر التدرج إلى أن كان عام الحديبية ومهادنة قريش فأرسل النبي ﷺ في ذلك الوقت إلى جميع الطوائف يدعوهم إلى الإسلام.
فعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله تعالى (^١).
ثم جاءت بعد هذه المرحلة مرحلة أخرى حيث بدأ النبي ﷺ بغزو النصارى فأرسل جيشا بقيادة زيد بن حارثة فقاتلوا النصارى بمؤتة من أرض الكرك (^٢) ثم غزاهم بنفسه وأمر جميع المسلمين أن يخرجوا معه ولم يأذن بالتخلف لأحد، وغزا في عشرة آلاف في غزوة تبوك وأقام بها عشرين ليلة ليغزو النصارى عربهم وعجمهم، وأقام ينتظرهم ليقاتلهم فسمعوا به وأحجموا عن قتاله ولم يقدموا عليه.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير: باب كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله ﷿ (٥/ ١٦٦).
(٢) تقع حاليًا في الأردن.
[ ٩٨ ]
ثم بعد ذلك جهَّز جيشًا بقيادة أسامة بن زيد (^١) ولكنه ﷺ لحق بالرفيق الأعلى قبل أن يخرج الجيش، فأوصى وهو في سكرات الموت بإرسال هذا الجيش فقال: "أنفذوا بعث أسامة".
ولقد سار أصحابه رضوان الله عليهم من بعده على نهجه واستنوا بسنته حتى فتح الله عليهم بلاد فارس والروم وغيرها فانتشر الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجًا.
والشاهد من هذا كله أن سيرته ﷺ هي مثال تطبيقي عملي على شمول دعوته وعالمية رسالته التي من أجلها كرس النبي ﷺ حياته لكي ينشرها ويبلغها للناس كافة، لتقوم بذلك الحجة على الناس أجمعين.
وما ذكرته ههنا ليس إلا إشارات سريعة فمن أراد الاستزادة فعليه بكتب الحديث والسيرة ففيها الغنية بإذن الله.
* * *
_________________
(١) أسامة بن زيد بن حارثة، الحِب ابن الحِب: ولد في الإسلام، صحابي جليل، توفي سنة أربع وخمسين هجرية. الإصابة (١/ ٤٦).
[ ٩٩ ]
المطلب الثالث: دليل الإجماع على عموم رسالته
إن الإجماع منعقد من أئمة المسلمين وعامتهم على أن محمدا ﷺ أرسل إلى جميع الأمم - أهل الكتاب وغير أهل الكتاب (^١) - فإن الذي يدين به المسلمون هو أن محمدا ﷺ بعث رسولا إلى الثقلين الإنس والجن، أهل الكتاب وغيرهم، وأن من لم يؤمن به فهو كافر مستحق لعذاب الله، مستحق للجهاد، وهو مما أجمع أهل الإيمان بالله ورسوله عليه، لأن الرسول ﷺ هو الذي جاء بذلك وذكره الله في كتابه، وبينه النبي أيضا في سنته.
وهذا الإجماع تواترت في نقله كتب أهل العلم وهو منقول عندهم نقلا متواترا يعلمونه بالضرورة. وكتب التوحيد السنة مليئة بهذا.
وبما تقدم إيراده من الأدلة والنصوص يعلم ثبوت عموم رسالته وشمولها كما يعلم كذلك انتفاء كل دعوى تخالف هذا الأمر أو تطعن فيه كدعوى أنه رسول للعرب خاصة، أو دعوى أن رسالته ليست ناسخة لما قبلها من الرسالات وأنه يسع الناس التدين بما جاء في قبله من الرسالات.
فنصوص القرآن والسنة والإجماع ترد هذه الدعاوى وتفندها وتبطلها. وبالنسبة إلى ما تعلق به أصحاب هذه الأقوال من شبه ظنوها أدلة لهم، فإنما مردها إلى سوء فهمهم وجهلهم بمعاني النصوص التي أوردوها وكما قيل:
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ١٢٤).
[ ١٠٠ ]
وكم من عائب قولا صحيحا … وآفته من الفهم السقيم (^١)
ولا يتسع المجال هنا لإيراد تلك الشبه وتفنيدها (^٢) كما أن معرفة الحق تغني وكما قيل: بضدها تتميز الأشياء.
وإن الواجب على كل مسلم اعتقاد عموم رسالته وشموليتها وعالميتها لجميع المكلفين وإنه لا يسع أحدا الخروج عنها أو أن يدين لله بغيرها.
كما أنه لا يسع المسلم أن يجهل مثل هذا الأمر لأنه من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، ومن الواجب عليه كذلك أن يرد على كل من يطعن في هذا الأمر أو يشكك فيه سواء ممن ينتسبون إلى الإسلام أو من غيرهم، وبالخصوص أننا أصبحنا في زمان ظهرت فيه الدعوة إلى وحدة الأديان وتقاربها بدعوى أنها جميعا تدعو إلى عبادة إله واحد وأن مصدرها واحد إلى غير ذلك من الأمور التي يروج لها أصحاب هذه الدعوة والتي لا تنطلي إلا على ساذج لا يعي الأمور الضرورية من دينه.
* * *
_________________
(١) ديوان أبي الطيب المتنبي (ص ٢٣٢).
(٢) لمزيد من التفصيل في هذا الموضوع: انظر كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ١٢٨) وما بعدها.
[ ١٠١ ]
المبحث الرابع: وجوب الإيمان بأنه ﷺ خاتم النبيين
وفيه تمهيد وخمسة مطالب:
المطلب الأول: معنى ختم النبوة.
المطلب الثاني: الجوانب التي عصم فيها النبي ﷺ.
المطلب الثالث: الأدلة من السنة على ختم النبوة.
المطلب الرابع: ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم في تأكيد عقيدة ختم النبوة.
المطلب الخامس: إجماع الأمة.
المطلوب السادس: تعريف العصمة.
[ ١٠٣ ]
تمهيد
من الخصائص التي خصَّ الله بها رسوله ﷺ ورسالته جعله خاتم النبيين وجعل رسالته خاتمة الرسالات، فانفرد ﷺ بهذا الأمر وبغيره عن إخوانه من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. فأصبح ختم النبوة من خصائصة ﷺ.
ولذا فإن من حقه ﷺ على كل من يؤمن له، أن يعتقد بهذا الأمر، يؤمن به لثبوته بنصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة، بل هو من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة التي لا يعذر المسلم بجهلها.
ولمزيد من البيان لهذه الخاصية والحق الواجب له ﷺ، سوف أتحدث في هذا المبحث عن الجوانب التالية:
[ ١٠٥ ]
المطلب الأول: معنى ختم النبوة.
أ - معنى الختم في اللغة:
الختم في اللغة ورد لعدة معان هي:
١ - الطبع:
قال "صاحب المحكم: "ختمه، يختمه، ختمًا: طبعه" (^١).
وقد ذكر هذا "صاحب اللسان" (^٢) و"القاموس المحيط" (^٣).
وفي "تاج العروس": "معنى ختم وطبع واحد في اللغة" (^٤).
٢ - تغطية الشيء والاستيثاق منه بحيث لا يدخله شيء ولا يخرج منه شيء:
قال "صاحب المحكم": "والختم على القلب ألا يفهم شيئًا ولا يخرج منه شيء كأنه طبع. ومعنى ختم وطبع في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء والاستيثاق من أن لا يدخله شيء كما قال ﷿: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (^٥)، وذكر هذا "صاحب اللسان" (^٦) و"صاحب تاج العروس" (^٧).
_________________
(١) المحكم لابن سيده (٥/ ٢٦) بتحقيق: إبراهيم الأبياري.
(٢) لسان العرب (١٢/ ١٦٣).
(٣) القاموس المحيط (٢/ ١٥) بترتيب الزاوي.
(٤) تاريخ العروس للزبيدى (٨/ ٢٦٦).
(٥) المحكم (٥/ ٢٦).
(٦) لسان العرب (١٢/ ١٦٣).
(٧) تاج العروس (٨/ ٢٦٦).
[ ١٠٦ ]
٣ - آخر الشيء ونهايته:
قال "صاحب المحكم": "وختم الشيء يختمه: ختمًا بلغ آخره، وخاتم كل شيء: عاقبته وآخرته، وختام كل مشروب آخره، وفرض التنزيل ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ أي آخره، وختام القوم وخاتمهم آخرهم … وفي التنزيل ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أي آخرهم" (^١).
وقال "صاحب المفردات" في معرض كلامه عن الصور التي يرد بها لفظ الختم: "وتارة يعتبر منه بلوغ الآخر ومنه قيل: ختمت القرآن؛ أي: انتهيت إلى آخره … " إلى أن قال: "وخاتم النبيين لأنه ختم النبوة، أي تممها بمجيئه ﷺ" (^٢). وقال صاحب القاموس: "والخاتم من كل شيء: عاقبته وآخرته، وآخر القوم كالخاتم" (^٣).
"هذه هي المعاني اللغوية لفعل "الختم" واسم فاعله "خاتم" كما أوردها أعلام اللغة في مصنفاتهم عن العرب، وهي مع تعددها وتعدد ألفاظها المعبرة عنها والتي هي: الطبع على الشيء وإنهاؤه وتغطيته وآخر القوم وعاقبة الأمر، هي مع ذلك كله تتمشى مع دلالة قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ على أن النبوة قد طبع عليها فلا تفتح، وأنها قد انتهت وسُدَّت بمحمد ﷺ، وأنه آخر الأنبياء وشرعه آخر الشرائع وعاقبتها" (^٤).
ب - معنى ختم النبوة:
تقدم معرفة معنى الختم في اللغة، وتقدم أيضا معرفة معنى النبوة في المبحث الثاني من هذا الفصل.
_________________
(١) المحكم (٥/ ٢٦).
(٢) المفردات (ص ١٤٢ - ١٤٣).
(٣) القاموس (٢/ ١٥) بترتيب الزاوي.
(٤) كتاب عقيدة ختم النبوة، للدكتور أحمد بن سعد الغامدي (ص ١٣).
[ ١٠٧ ]
"فإذا ما ركِّبا في جملة واحدة هي "ختم النبوة" فإنه يكون معناها: "انتهاء إنباء الله للناس وانقطاع وحي السماء" (^١).
* * *
_________________
(١) كتاب عقيدة ختم النبوة (ص ١٦).
[ ١٠٨ ]
المطلب الثاني: الأدلة من القرآن الكريم على ختم النبوة
أ - آية الختم:
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
والآية نص صريح واضح على ختم النبوة بمحمد ﷺ وكونه خاتم الأنبياء وآخرهم مبعثًا فلا نبي بعده ولا رسول.
وقد سبق الربط بين دلالة الآية والمعنى اللغوي لكلمة "ختم".
وتتميمًا للفائدة سأعرض بعض ما ذكره علماء التفسير عند تفسير هذه الآية.
قال ابن جرير الطبري ﵀: "يقول تعالى ذكره: ما كان أيها الناس محمد أبا زيد بن حارثة (^١) ولا أبا أحد من رجالكم، الذين لم يلده محمد، فيحرم عليه نكاح زوجته بعد فراقه إياها، ولكنه رسول الله وخاتم النبيين الذي ختم النبوة فطبع عليها فلا تفتح لأحد من بعده إلى قيام الساعة، وكان الله بكل شيء من أعمالكم ومقالكم وغير ذلك ذا علم لا يخفى عليه شيء" (^٢).
_________________
(١) زيد بن حارثة بن شراحيل الكعبي، تبناه النبي ﷺ، وكان يدعى زيد بن محمد حتى نزلت الآية: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾، شهد بدرًا وما بعدها واستشهد في غزوة مؤتة. الإصابة (١/ ٥٤٥ - ٥٤٦).
(٢) تفسير الطبري (٢٢/ ١٦).
[ ١٠٩ ]
وقال ابن كثير ﵀: "فهذه الآية نص في أنه لا نبي بعده، وإذا كان لا نبي بعده فلا رسول بالطريق الأولى والأحرى، لأن مقام الرسالة أخص من مقام النبوة فكل رسول نبي ولا ينعكس، بذلك وردت الأحاديث المتواترة عن رسول الله ﷺ من حديث جماعة من الصحابة ﵃ … إلى أن قال: فمن رحمة الله بالعباد إرسال محمد ﷺ، ثم من تشريفه لهم ختم الأنبياء والمرسلين به، وإكمال الدين الحنيف له.
وقد أخبر الله ﵎ في كتابه ورسوله ﷺ في السنة المتواترة عنه أنه لا نبي بعده، ليعلموا أن كل من ادعى هذا المقام بعده فهو كذاب أفاك دجال ضال مضل" (^١).
وأقوال المفسرين عمومًا متفقة على أن المراد من الآية هو ختم النبوة وأن رسول الله ﷺ هو آخر الأنبياء مبعثًا، ولم ينقل عن أحد من أهل التفسير خلاف ذلك.
وقد تعرض أهل التفسير للقراءات الواردة في قوله "خاتم" من هذه الآية فذكروا أن فيها قرائتين:
الأولى: قراءة الكسر "خاتِم":
وهي الأشهر عند أهل اللغة والتفسير الذين أجمعوا أن قراءة الكسر هي قراءة الجمهور وعامة قراء الأمصار (^٢) وعلى هذه القراءة: ﴿وخاتم النبيين﴾ يكون المعنى أنه: "ختم النبيين" لأنه ختم به النبيون فهو خاتمهم.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٩٤).
(٢) تفسير الطبري (٢٢/ ١٦)، وتفسير البغوي (٦/ ٥٦٥) وتفسير القرطبي (١٤/ ١٩٦).
[ ١١٠ ]
الثانية: قراءة الفتح "خاتَم":
وهي الأقل استعمالًا بين القراء، ولهذا فإن المفسرين لا يعزونها إلا إلى أفراد القراء كعاصم (^١) وابن عامر (^٢) وغيرهما.
فعلى هذه القراءة ﴿وخاتم النبيين﴾ يكون المعنى؛ أي آخر النبيين مبعثًا فبه انتهت النبوة.
وبالرغم من ورود القرائتين في الآية إلا أن المفسرين لا يرون أن في ذلك تأثيرًا على المعنى، وهو انقطاع النبوة بعد نبينا محمد ﷺ.
ب - الآيات الدالة ضمنًا على ختم النبوة:
في القرآن الكريم آيات كثيرة دلت ضمنا على ختم النبوة والرسالة بنبينا محمد ﷺ.
ومن هذه الآيات آيات عموم الرسالة وعالميتها والتي تقدم ذكرها في المبحث الثالث، حيث إن عموم الرسالة من الناحيتين الزمانية والمكانية يدل على كونها خاتمة الرسالات؛ لأن البشرية على هذا الحال لاتحتاج إلى دين جديد ما دام هذا الدين قد خاطبهم جميعًا على اختلاف أجناسهم وأماكنهم وأزمانهم. ومن الأدلة كذلك الإخبار بإكمال هذا الدين وإتمامه:
قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ فالآية تؤكد أن الأمة لم تعد تحتاج إلى نبي يكمل لها دينها أو يتم عليها نعمة ربها، لأن الله ﷾ قد أكمله على يد
_________________
(١) عاصم بن أبي النجود الضرير الكوفي: أحد القراء السبعة، توفي سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل غير ذلك. تهذيب التهذيب (٥/ ٣٨ - ٤٠).
(٢) عبد الله بن عامر اليحصبي: أحد القراء السبعة، كان قاضي دمشق في أيام الوليد بن عبد الملك وإمام مسجد دمشق وتوفي بها سنة ثماني عشرة ومائة. تهذيب التهذيب (٥/ ٢٧٤، ٢٧٥).
[ ١١١ ]
رسوله ﷺ، ثم رضيه له ربها؛ لأن الله ﷾ قد أكمله على يد رسوله ﷺ، ثم رضيه له ولأمته دينًا يعبدون الله به إلى يوم القيامة (^١).
قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: "هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن … " (^٢).
* * *
_________________
(١) كتاب عقيدة ختم النبوة (ص ٢٧ - ٢٨).
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ١٢).
[ ١١٢ ]
المطلب الثالث: الأدلة من السُّنَّة على ختم النبوة
إلى جانب ما ورد في القرآن من أدلة على كون النبي ﷺ خاتم النبيين ورسالته هي خاتمة الرسالات، فقد ورد في السنة كذلك أحاديث كثيرة أكدت هذا الأمر وبينته ونبهت عليه.
وقد وردت هذه الأحاديث بعبارات متعددة متنوعة لكنها جميعًا أكدت على مدلول واحد، هو انقطاع الوحي بعد النبي ﷺ وختم النبوة به. وقد بلغ بعض هذه الأحاديث حد التواتر، كما أنها في جملتها متواترة تواترا قطعيا. ونظرا لتنوع ألفاظ تلك الأحاديث واختلاف صورها في الدلالة على هذا المعنى وتأكيده، فإن من المناسب أن أعرضها لك على النحو التالي:
أ - الأحاديث التي ورد فيها التصريح بأنه ﷺ خاتم النبيين، ومنها:
أ - عن أبي هريرة ﵁ قال: "أُتي رسول الله ﷺ بلحم، فرفع إليه الذراع - وكانت تعجبه - فنهس (^١) منها نهسة ثم قال "أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون مما ذلك؟ "، ثم ذكر ﷺ يوم القيامة وما يحدث فيه من استشفاع الناس بالأنبياء للحساب حتى يصلوا إليه ﷺ، فذكر ﷺ
_________________
(١) النهس: أخذ اللحم بأطراف الأسنان، والنهش: الأخذ بجميعها. النهاية (٥/ ١٣٦).
[ ١١٣ ]
أنهم يقولون: "أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، تشفع لنا إلى ربك … " الحديث (^١).
٢ - عن ثوبان (^٢) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زُوي لي منها، وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض (^٣) وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، ولا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم (^٤) وإن ربي قال لي يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولا أهلكهم بسنة بعامة، ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها - أو قال بأقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضًا، وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق".
قال ابن عيسى: "ظاهرين"، ثم اتفقا: "لا يضرهم من خالفهم
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير: باب ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾. انظر فتح الباري (٨/ ٣٩٥، ٣٩٦) ح ٤٧١٢، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب أدنى الجنة منزلة فيها (١/ ١٢٧).
(٢) ثوبان: مولى رسول الله ﷺ صحابي مشهور، اشتراه ثم أعتقه رسول الله ﷺ فخدمه إلى أن مات. ثم تحول إلى الرملة ثم حمص، ومات بها سنة ٥٤ هـ. الإصابة (١/ ٢٠٥) رقم ٩٦٧.
(٣) أي: الذهب والفضة. النهاية (١/ ٤٣٨).
(٤) أي: مجتمعهم، وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم. النهاية (١/ ١٧٢).
[ ١١٤ ]
حتى يأتي أمر الله" (^١).
والشاهد من هذا الحديث هو قوله: "وأنا خاتم النبيِّين أن لا نبي بعدي" فهذا نصٌّ في كونه ﷺ هو خاتم الأنبياء.
٣ - وعن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أنا قائد المرسلين ولا فخر، وأنا خاتم النبيين ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر" (^٢).
ب - الأحاديث التي ورد فيها ضربه ﷺ الأمثال لختم النبوة ومنها:
أ - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها، إلا موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون: لولا موضع اللبنة". متفق عليه (^٣)،
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ أبو داود في السنن، كتاب الفتن والملاحم، باب ذكر الفتن ودلائلها (٢/ ٤٥٠، ٤٥٢) ح ٤٢٥٢، وأخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٧٨) وابن ماجة في السنن، كتاب الفتن، باب ما يكون من الفتن (٢/ ١٣٠٤)، وأخرجه مختصرا مسلم في صحيحه إلى قوله "يسبي بعضهم بعضًا" كتاب الفتن، باب هلاك هذه الأمة (٨/ ١٧١)، وكذلك أخرج مسلم آخره من قول " لا تزال طائفة من أمتي " كتاب الإمارة باب قوله ﷺ "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين … الخ" (٦/ ٥٢)، وأخرج الترمذي في السنن بعضه من قوله "لا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي" - إلى قوله - "لا نبي بعدي" كتاب الفتن: باب ما جاء لا تقوم الساعة حتى يخرج كذابون (٤/ ٤٩٨، ٤٩٩) ح ٢٢١٨، وقال هذا حديث حسن صحيح.
(٢) أخرجه الدارمي في السنن (١/ ٢٧) وقد اعتبره صاحب المشكاة من قسم الحسان وارتضاه الألباني المحقق (٣/ ١٢٨).
(٣) البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب خاتم النبيين ﷺ. انظر: فتح الباري (٦/ ٥٥٨) ح ٣٥٣٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين (٧/ ٦٥).
[ ١١٥ ]
وعند مسلم بزيادة لفظ: "فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء".
٢ - وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟، قال: "فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين" (^١).
ج - الأحاديث التي ورد فيها تصريحه ﷺ بانقطاع النبوة وأنه لا نبي بعده ومنها:
١ - عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "كان بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خَلَفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون … " الحديث (^٢).
٢ - عن ابن عباس ﵄ قال: "كشف رسول الله ﷺ الستار والناس صفوف خلف أبي بكر ﵁، فقال: أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له" (^٣).
٣ - وعن سعد بن أبي وقاص (^٤) ﵁ أن رسول الله ﷺ خرج إلى
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب: باب خاتم النبيين ﷺ واللفظ له. انظر: فتح الباري (٦/ ٥٥٨) ح ٣٥٣٥، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب ذكر كونه ﷺ خاتم النبيين (٧/ ٦٤).
(٢) تقدم تخريجه (ص ٦٧).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة: باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود (٢/ ٤٨).
(٤) سعد بن أبي وقاص: واسم أبيه مالك بن أهيب وكان سابع من أسلم، وقد شهد مع رسول الله ﷺ المشاهد كلها، وأحد العشرة، وكان مجاب الدعوة وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله توفي سنة ٥٤ هـ. الإصابة (٢/ ٣٠ - ٣٢) رقم ٣١٩٤.
[ ١١٦ ]
تبوك واستخلف عليًّا (^١) فقال: أتخلفني في الصبيان والنساء؟ قال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي" (^٢).
د - الأحاديث التي ورد فيها تحذيره ﷺ من المتنبِّئين بعده ومنها:
١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول ﷺ قال: "لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة، دعوتهما واحدة، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول الله .. " (^٣)
٢ - عن جابر بن سمرة (^٤) ﵁ قال: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إن بين يدي الساعة كذابين فاحذروهم" (^٥).
_________________
(١) علي بن أبي طالب: ولد قبل البعثة بعشر سنين تربى في حجر النبي ﷺ وشهد معه المشاهد كلها ما عدا غزوة تبوك، حيث استخلفه النبي ﷺ على المدينة، وهو رابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين ومناقبه كثيرة، قتل على يد عبد الرحمن بن ملجم عام ٤٠ هـ. الإصابة (٢/ ٥٠١ - ٥٠٣) رقم ٥٦٩٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي: باب غزوة تبوك، انظر فتح الباري (٨/ ١١٢) ح ٤٤١٦، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل علي بن أبي طالب ﵁ (٧/ ١٢٠).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الفتن واللفظ له. انظر: فتح الباري (١٣/ ٨١، ٨٢) ح ٧١٢١، وأخرجه مختصرًا مسلم في صحيحه، كتاب الفتن: باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما (٨/ ١٧٠).
(٤) جابر بن سمرة بن جنادة العامري: له ولأبيه صحبة، وهو ابن أخت سعد بن أبي وقاص، توفي سنة ٧٤ هـ. الإصابة (١/ ٢١٣) رقم ١٠١٨.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب الناس تبع لقريش (٦/ ٤).
[ ١١٧ ]
هـ - الحديث الذي ورد فيه التصريح بأنه آخر الأنبياء وأن مسجده آخر المساجد وأن أمته آخر الأمم:
عن أبي هريرة ﵁ قال: "صلاة في مسجد رسول الله ﷺ أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، فإن رسول الله ﷺ آخر الأنبياء وإن مسجده آخر المساجد … ".
قال عبد الله بن إبراهيم قارظ (^١) أشهد أني سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: "فإني آخر الأنبياء وإن مسجدي آخر المساجد" (^٢).
و- دلالة بعض أسمائه ﷺ على كونه خاتم الأنبياء:
عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحى لي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب الذي ليس بعده نبي" (^٣).
والأحاديث في مسألة ختم النبوة كثيرة لا يتسع المقام هنا لإيرادها جميعها، وقد جمع هذه الأحاديث صاحب كتاب "عقيدة ختم النبوة" فمن أراد الزيادة فليرجع إليه (^٤).
* * *
_________________
(١) ويقال: إبراهيم بن عبد الله بن قارظ الكناني وهما واحد، روى عن جابر بن عبد الله وأبي هريرة وغيرهم، ذكره ابن حبان في الثقات. تهذيب التهذيب (١/ ١٣٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحج، باب فضل الصلاة بمسجدي مكة والمدينة (٤/ ١٢٤، ١٢٥).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب: باب ما جاء في أسماء رسول الله ﷺ، انظر: فتح الباري (٦/ ٥٥٤) ح ٣٥٣٢، وأخرجه مسلم، كتاب الفضائل: باب في أسمائه ﷺ، واللفظ له (٧/ ٨٩).
(٤) وهي رسالة ماجستير مطبوعة.
[ ١١٨ ]
أ - روايتهم للأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في هذا الشأن والتي بلغت حد التواتر
ب - إجماع الصحابة على قتال المتنبئين بعد وفاة رسول الله ﷺ
المطلب الرابع: ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم في تأكيد عقيدة ختم النبوة
لقد كان موقف الصحابة رضوان الله عليهم تجاه هذا الأمر متمثلا في الأمور التالية:
أ - روايتهم للأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في هذا الشأن والتي بلغت حد التواتر على تنوع عبارات تلك الأحاديث واختلاف المناسبات التي قيلت فيها، وهذا مما يدل على اعتقادهم لهذا الأمر وحرصهم على إبلاغه لهذه الأمة، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه خالف هذا الأمر، ولو كانت هناك أدنى شبهة عن أحد منهم لنقلت لنا "وقد بلغ عدد الصحابة ﵃ الذين رووا أحاديث الختم سبعة وثلاثين صحابيا" (^١).
ب - إجماع الصحابة على قتال المتنبئين بعد وفاة رسول الله ﷺ فلقد سير أبو بكر ﵁ الجيوش - والتي كان معظم جندها من الصحابة رضوان الله عليهم - وذلك لقتال مسيلمة الكذاب (^٢) وطليحة الأسدي (^٣) اللذين ادعيا النبوة.
_________________
(١) عقيدة ختم النبوة (ص ٥٥).
(٢) هو: مسيلمة بن ثمامة بن كبير الكذاب، ادعى النبوة في آخر حياة النبي ﷺ، وذلك في أواخر سنة عشر، وتوفي النبي ﷺ قبل القضاء على فتنته، فلما انتظم الأمر لأبي بكر ﵁، انتدب له خالد بن الوليد على رأس جيش قوي فقتل مسيلمة الكذاب. البداية (٥/ ٤٩ - ٥٢، ٦/ ٣٢٣ - ٣٢٧) والأعلام (٧/ ٢٢٦).
(٣) طليحة بن خويلد الأسدي: قدم على النبي ﷺ في وفد من بني أسد سنة =
[ ١١٩ ]
ج - ما ورد من الأقوال المأثورة عنهم والتي تضمنت التأكيد على ختم النبوة
ج - ما ورد من الأقوال المأثورة عنهم والتي تضمَّنت التأكيد على ختم النبوة وانقطاع الوحي بعد وفاة الرسول ﷺ، ومن تلك الأقوال: ما رُوي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: "إن أناسًا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم … " (^١).
وما روي عن ابن عباس ﵄ عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.
قال في تفسيرها: "إن الله تعالى لما حكم أنه لا نبي بعده لم يعطه ولدا ذكرا يصير رجلا" (^٢).
وعن ابن أبي أوفى (^٣) ﵁ لما سئل عن إبراهيم ولد النبي ﷺ قال: "مات صغيرًا، ولو قضى أن يكون بعد محمد ﷺ نبي عاش ابنه ولكن لا نبي بعده" (^٤).
وعن أنس ﵁ قال: "كان إبراهيم - يعني ابن النبي ﷺ قد ملأ الأرض، ولو بقي لكان نبيًّا، ولكن لم يبق إلا نبيكم آخر الأنبياء" (^٥).
_________________
(١) = (٩ هـ)، وأسلموا، ولما رجعوا ارتد طليحة، وادعى النبوة في حياة رسول الله ﷺ. سيَّر إليه أبو بكر خالد بن الوليد، فانهزم طليحة وفر إلى الشام ثم أسلم وحسن بلاؤه في الفتوح، واستشهد في نهاوند سنة ٢١ هـ. الإصابة (٢/ ٢٢٦) رقم ٤٢٩٠، والأعلام (٣/ ٢٣٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كناب الشهادات، باب الشهداء العدول. انظر: فتح الباري (٥/ ٢٥١) ح ٢٦٤١.
(٣) معالم التنزيل للبغوي (٦/ ٥٦٥).
(٤) هو: عبد الله بن أبي أوفى واسمه علقمة بن خالد الأسلمي: له ولأبيه صحبة، شهد الحديبية، وروى أحاديث شهيرة نزل الكوفة، ومات بها سنة ثمانين. الإصابة (٢/ ٢٧١) رقم ٤٥٥٥.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب: باب من سمى بأسماء الأنبياء. انظر: فتح الباري (١٠/ ٥٧٧).
(٦) أخرجه أحمد في المسند (٣/ ١٣٣).
[ ١٢٠ ]
المطلب الخامس: إجماع الأمة
تلقت الأمة النصوص الواردة في الكتاب والسنة بشأن ختم النبوة بالقبول التام فحصل بهذا إجماعها على كون النبي ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين فلا نبي ولا رسول بعده، ورسالته هي خاتمة الرسالات وآخرها.
وقد نقل هذا الإجماع غير واحد من العلماء، أذكر على سبيل المثال قول بعض منهم:
قال ابن عطية (^١) في معرض كلامه على آية الختم: "وهذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفًا وسلفًا متلقاة على العموم التام مقتضية نصًّا أنه لا نبي بعده ﷺ" (^٢).
وقال القاضي عياض (^٣): "أخبر ﷺ أنه خاتم النبيين لا نبي بعده، وأخبر عن الله تعالى أنه خاتم النبيين، وأنه أرسل كافة لله للناس وأجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ظاهره، وأن مفهومه المراد منه دون
_________________
(١) واسمه عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي الغرناطي: مفسر فقيه، عارف بالأحكام والحديث، توفي سنة ٥٤١ هـ. طبقات المفسرين للداودي (١/ ٢٦٥) والأعلام (٣/ ٢٨٢).
(٢) تفسير القرطبي (١٤/ ١٩٦).
(٣) عياض بن موسى بن عياض السبتي، أبو الفضل: عالم المغرب وإمام أهل الحديث في وقته، توفي عام ٥٤٤ هـ. الأعلام (٤/ ٩٩).
[ ١٢١ ]
تأويل ولا تخصيص" (^١).
قال الألوسى (^٢): "وكونه ﷺ خاتم النبيين مما نطق به الكتاب، وصدعت به السُّنَّة، وأجمعت عليه الأمة، فيكفر مدَّعي خلافه ويقتل إن أصرَّ" (^٣).
ولقد تكلم علماء الأمة على تقرير هذه المسألة وأقوالهم محفوظة في ذلك، فإن شئت فارجع إلى كتب التفسير عند تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وارجع كذلك إلى كتب العقيدة فقلَّ أن يخلو كتاب من الحديث في هذا الأمر وتقريره بما ورد في الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ومن بعدهم من علماء الأمة.
وبما تقدم من أدلة على تقرير ختم النبوة فإنه يجب على كل من يؤمن بالله ورسوله أن يؤمن بهذا الأمر ويعتقده.
* * *
_________________
(١) الشفا (٢/ ١٠٧١).
(٢) محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي: مفسر محدث، أديب وهو صاحب كتاب روح المعاني، توفي سنة ١٢٧٠ هـ، الأعلام (٧/ ١٧٦).
(٣) روح المعاني (٢٢/ ٣٢، ٣٩).
[ ١٢٢ ]
المبحث الخامس: وجوب الإيمان بأن النبي ﷺ قد بلَّغ الرسالة وأكملها
[ ١٢٣ ]
المبحث الخامس: وجوب الإيمان بأن النبي ﷺ قد بلَّغ الرسالة وأكملها
من تمام نعمة الله ﷾ على هذه الأمة أن أكمل لهم دينهم فلا ينقصه أبدًا، ولا يحتاج إلى زيادة أبدًا، واقترن هذا الإكمال برضاه سبحانه بأن يكون هذا الدين الكامل دينا نتعبده به، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾.
وهذه الآية دليل على كمال الدين وحيًا من الله، وتبليغًا من رسوله ﷺ، ولقد نزلت هذه الآية الكريمة والنبي ﷺ واقف بعرفات في حجة الوداع، وعاش النبي ﷺ بعد نزولها إحدى وثمانين ليلة.
وهي شهادة من الله تعالى لنبيه ﷺ على تبليغه لما أرسله به أتم تبليغ وأكمله وبذلك جعله الله خاتم النبيين، لأن الخلق بعد هذا لن يحتاجوا إلى نبي غير نبيهم ﷺ ليكمل لهم دينهم، كما أنهم لا يحتاجون إلى دين آخر وذلك لكمال دينهم.
ووجه الدلالة من الآية على ذلك: "أن الله أخبر في هذه الآية بأنه قد أكمل الدين، وإنما كمل بما بلغه، إذ الدين لم يعرف إلا بتبليغه، فعلم من ذلك أنه ﷺ قد بلغ جميع الدين الذي شرعه الله لعباده" (^١).
وما كان من النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية الكريمة إلا أن استشهد الناس على ذلك في نفس المناسبة التي نزلت فيها الآية.
فعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "تركت فيكم
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٥، ١٥٦) بتصرف.
[ ١٢٥ ]
ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ ". قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فقال بأصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس: "اللهم اشهد اللهم اشهد ثلاث مرات … " الحديث (^١).
فشهد له خير قرون هذه الأمة وهم صحابته رضوان الله عليهم وكانوا في ذلك الموقف نحوا من أربعين ألفًا (^٢).
ولقد أمر الله ﵎ رسوله ﷺ في مواطن متعددة من كتابه العزيز بأن يبلغ أمور هذا الدين البلاغ المبين الواضح فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ﴾.
وهذا الأمر والحث من الله لرسوله ﷺ على البلاغ لشرع الله والدين الذي أوحاه إليه نابع من كون الرسول ﷺ هو الطريق الوحيد الذي يعرف بواسطة ما شرعه من دين يدين العباد له به، فليس ثمت طريق آخر إلى معرفة شرع الله وأوامره ونواهيه إلا طريقه بها فهو المبلغ عن الله تعالى، وهذه هي سنة الله في خلقه حيث جعل طريق معرفته وعبادته عن طريق من أرسله من الرسل "فلا سبيل إلى السعادة والفلاح في الدارين إلا على أيدي الرسل، كما أنه لا سبيل إلى معرفة الطيب من الخبيث والحلال من الحرام إلا من جهتهم، ولا ينال رضى الله البتة إلا على أيديهم، فهم الميزان الراجح الذي على أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ (٤/ ٤١).
(٢) تفسير ابن كثير (٢/ ٧٧).
[ ١٢٦ ]
توزن الأقوال والأخلاق والأعمال، وبمتابعتهم يتميز أهل الهدى من أهل الضلال فالضرورة إليهم أعظم من ضرورة البدن إلى روحه، والعين إلى نورها، والروح إلى حياتها، فأي ضرورة وحاجة فرضت، فضرورة العبد وحاجته إلى الرسل فوقها بكثير" (^١) وبهذا وبغيره نلمس عظم الحاجة إلى تبليغ الرسل.
ومما لا شك فيه أن الرسول ﷺ أعظم الأنبياء بلاغًا، فقد كان ﷺ حريصًا على هداية أمته، وقد قال تعالى في حقه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وسيرته ﷺ كلها دليل على مدى حرصه على إبلاغ رسالة ربه والتفاني في إبلاغها دون أن تأخذه في الله لومة لائم. وهو ﷺ أحق الناس بالوصف الوارد في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ "فقد امتدح الله ﵎ في هذه الآية الذين يبلغون رسالته إلى خلقه ويؤدونها بأماناتها ولا يخافون أحدا سواه، فلا تمنعهم سطوة أحد إبلاغ رسالات الله، وسيد الناس في هذا المقام بل وفي كل مقام محمد رسول الله ﷺ فإنه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب وإلى جميع أنواع بني آدم، وأظهر الله كلمته ودينه وشرعه على جميع الأديان والشرائع" (^٢).
ولقد أيد الله ﵎ رسوله محمدًا ﷺ بكل ما يلزم لتبليغ وحي الله وشرعه، فأعطاه العصمة في التبليغ فقال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، فهذه الآية دليل واضح على عصمته ﷺ في كل أمر بلغه عن ربه ﵎، كما أنها شهادة
_________________
(١) زاد المعاد، لابن القيم (١/ ٦٩).
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٩٢) بتصرف.
[ ١٢٧ ]
وتزكية من الله ﵎ لنبيه ﷺ على سلامة شرعه الذي أوحاه إليه من كل ما ينقص منه.
وقال ﷺ: "إذا حدثتكم عن الله شيئًا فخذوا به فإني لن أكذب على الله" (^١) وبالإضافة إلى عصمته في أمر التبليغ فقد عصمه الله كذلك من الناس حتى يتم له أمر إبلاغ هذا الدين وإكماله قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاس﴾ فاقترن تعهد الله بعصمة رسوله من قتل الناس وإيذائهم له مع الأمر للنبي ﷺ بتبليغ ما أنزل إليه، وفى هذا الاقتران دليل جلي على أن عصمة الله تعالى وحفظه ونصره وتأييده على أعدائه قد صاحبت النبي ﷺ حتى تم له إبلاغ هذا الدين ونشره بين الناس.
ومع عصمة الله لنبيه في التبليغ، وعصمته من الناس، فكذلك عصم الله كتابه الذي أنزله إليه ليكون محفوظا من كل تحريف أو تغيير قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾.
كما تعهد كذلك بحفظ هذا الدين وإبقاء طائفة في كل زمان من الأزمنة تنصر هذا الدين وتحفظه وتبلغه، كما جاء عن النبي ﷺ، وفي الحديث: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله" (^٢). وفي هذه الأمور ضمان لاستمرار هذا الدين وإبلاغه لكل أهل زمان، لأنه شامل لكل الناس في كل وقت إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا (٧/ ٩٥).
(٢) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة: باب قوله من: "لا تزال طائفة من أمتي … " (٦/ ٥٢، ٥٣).
[ ١٢٨ ]
وقد أخبر ﷺ في مواطن متعددة بأنه قد أبلغ أمور الرسالة وأوضحها لأمته، وهو ﷺ الصادق المصدوق ومن ذلك قوله ﷺ: "قد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" (^١)
وهذا هو الحق، فقد بلَّغ وحي ربه وصدع بأمره، ونهض بأعباء الرسالة كما أراد الله منه، فأدى الأمانة ونصح لأمته وجاهد في الله حق جهاده، وما ترك لأمته من شيء يقربهم إلى الجنة إلا وقد دلهم عليه ورغبهم فيه، ولا من شيء يبعدهم عن النار إلا وقد حدثهم به وحذرهم منه، وبين لهم كل ما فيه صلاح دينهم ودنياهم وآخرتهم فهذه هي مهمته ورسالته ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾، وقد أتم ﵊ ما أوكل إليه على أتم وجه وأكمله فأبان الطريق ودل على صراط الله المستقيم وترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
ولقد شهد الصحابة رضوان الله عليهم بهذا. فهم الذين كان النبي ﷺ بين ظهرانيهم، وكانوا ملازمين له في كل أحواله وحركاته فهم أعلم بما كان. وسأورد بعض ما ورد عنهم في هذا الشأن.
فقد سئل سلمان الفارسي (^٢) ﵁ فقيل له: "أقد أعلمكم نبيكم ﷺ كل شيء حتى الخراءة؟ فقال: "أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو
_________________
(١) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦) واللفظ له، وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٧) ح ٤٩، وابن ماجة في السنن، المقدمة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (١/ ١٦) ح ٤٣، والحاكم في المستدرك (١/ ٩٦) وقال الألباني في ظلال الجنة في تخريج السنة (١/ ٢٧٠). "حديث صحيح".
(٢) سلمان أبو عبد الله الفارسي: أصله من رامهرمز، وقيل من أصبهان سمع بالنبي ﷺ قبل مبعثه فتغرب بحثًا عنه، وتسبب ذلك إلى وقوعه في الرق ومنّ الله عليه بالإسلام. أول مشاهده الخندق، وكان ﵁ خيّرًا فاضلًا حبرًا عالمًا زاهدًا، توفي عام ٣٥ هـ. الإصابة (٢/ ٦٠، ٦١) رقم ٣٣٥٧.
[ ١٢٩ ]
بول، أو أن نستجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع (^١) أو بعظم" (^٢).
وعن أبي ذر ﵁ قال: "لقد تركنا محمدًا ﷺ وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا أذكرنا منه علمًا" (^٣).
وعن عائشة (^٤) ﵂ قالت: "من حدَّثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب، والله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ " (^٥). وفى رواية "من حدثك أن النبي ﷺ كتم شيئا من الوحي فلا تصدِّقه، إن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ " (^٦).
وعن عائشة ﵂ قالت: "لو كتم رسول الله ﷺ شيئا مما أوحي إليه من كتاب الله لكتم: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ " (^٧).
_________________
(١) الرجيع: العذرة والروث، سُمي رجيعًا: لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا. النهاية (٢/ ٢٠٣).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة: باب الاستطابة (١/ ١٥٤).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ١٥٣).
(٤) هي: الصديقة أم المؤمنين، واسمها عائشة بنت أبي بكر الصديق ولدت بعد البعثة بأربع سنوات أو خمس، وتزوجها النبي ﷺ وهي بنت تسع وكانت ﵂ من أعلم الصحابة وأفقههم، وكانت أحب نساء النبي ﷺ، توفيت عام ٥٨ هـ. الإصابة (٤/ ٣٤٨ - ٣٥٠) رقم ٧٠٤٠.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير: باب تفسير قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، انظر فتح الباري (٨/ ٢٧٥) ح ٤٦١٢.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾، انظر: فتح الباري (١٣/ ٥٠٣) ح ٧٥٣١.
(٧) أخرجه الطبري في تفسيره (٢٢/ ١٣).
[ ١٣٠ ]
فمن حقه ﷺ على أمته أن يقروا له بفضله وصدقه وأمانته في تبليغ رسالة ربه التي ائتمنه عليها، وكلَّفه أن يقوم بها، فلا يكون إيمانُ للمرء إذا لم يقر للرسول ﷺ بأنه قد بلَّغ الرسالة أعظم ما يكون التبليغ، وقام بأدائها أعظم ما يكون القيام، واحتمل في سبيلها أشق ما يحتمله البشر، ومن أنكر شيئًا من ذلك أو شك في صدقه فهو كافر مارق عن الإسلام مكذب لله ولرسوله.
* * *
[ ١٣١ ]
المبحث السادس: وجوب الإيمان بعصمته ﷺ
وفيه تمهيد وثلاثة مطالب:
المطلب الأول: تعريف العصمة.
المطلب الثاني: الجوانب التي عصم فيها النبي ﷺ.
المطلب الثالث: مسألة وقوع الخطأ منه.
[ ١٣٣ ]
تمهيد:
تقدم في المبحث السابق الحديث عن وجوب الإيمان بأن النبي ﷺ قد بلغ الرسالة وأكملها، وأشرت إلى أن هذا البلاغ قد اقترن بعصمة الله لنبيه ﷺ في كل ما يبلغه عن ربه ﷿.
ولقد رأيت أن أُفرد هذا المبحث في الحديث عن عصمته ﷺ في هذا الجانب وفي الجوانب الأخرى التي عُصم فيها باعتبار أن أمر الإيمان بعصمته من الأمور الداخلة في الحقوق الواجبة له، والتي يجب على الأمة الإيمان له بها.
وقد ضمَّنت هذا المبحث ثلاثة مطالب:
[ ١٣٥ ]
المطلب الأول: تعريف العصمة
المعنى اللغوي:
العصمة وردت في اللغة لعدة معان، منها:
١ - المنع:
قال "صاحب اللسان:: "العصمة في كلام العرب: المنع، وعصمة الله عبده: أن يعصمه مما يوبقه. عَصَمه، يَعْصِمه، عَصْمًا: منعه ووقاه" (^١).
٢ - الحفظ:
قال "صاحب اللسان": "والعصمة الحفظ، يقال: عصمته فانعصم، واعتصمت بالله إذا امتنعت بلطفه من المعصية" (^٢).
٣ - القلادة:
قال "صاحب اللسان": "العصمة القلادة" (^٣)، وكذا في القاموس المحيط (^٤).
٤ - الحبل:
قال الزجّاج (^٥): "أصل العصمة: الحبل وكل ما أمسك شيئًا فقد
_________________
(١) لسان العرب (١٢/ ٤٠٣) مادة عصم.
(٢) لسان العرب (١٢/ ٤٠٤).
(٣) المصدر السابق (١٢/ ٤٠٥).
(٤) (٤/ ١٥٢، ١٥٣).
(٥) الزجّاج - بفتح الزاي والجيم المشددة - أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل =
[ ١٣٦ ]
عصمه" (^١).
٥ - السبب:
قال الطبري: "وللسبب الذي يتسبب به الرجل إلى حاجته: عاصم ومنه قول الشاعر:
إلى المرء قيس أطيل السرى … وآخذ من كل حي عصم (^٢)
يعنى بالعصم: الأسباب، أسباب الذمة والأمان" (^٣).
قلت: إذا أمعنت النظر في هذه المعاني وجدتها جميعًا ترجع إلى المعنى الأول الذي هو "المنع" فالحفظ منع للشيء من الوقوع في المكروه أو المحظور، والقلادة تمنع سقوط الخرز منها، والحبل يمنع من السقوط والتردي، والسبب يمنع صاحبه عما يكره.
المعنى الشرعي:
أما عصمة النبي ﷺ فقد عرفت بعدة تعريفات ولعل من أحسنها وأسلمها ما ذكره صاحب كتاب "نسيم الرياض" بأنها "لطف من الله تعالى يحمل النبي على فعل الخير ويزجره عن الشر مع بقاء الاختيار تحقيقًا للابتلاء" (^٤).
_________________
(١) = الزجاج النحوي: كان عالمًا أديبًا ديِّنًا صنف كتابًا في معاني القرآن، روى عن المبرد وثعلب وغيرهما، توفي في بغداد سنة ٣١١ هـ. وفيات الأعيان (١/ ٣٢).
(٢) لسان العرب (١٢/ ٤٠٥).
(٣) ديوان الأعشى (ص ٣٧) بشرح الدكتور محمد حسين.
(٤) تفسير الطبري (٤/ ٢٦).
(٥) نسيم الرياض في شرح الشفا للقاضي عياض (٤/ ٣٩).
[ ١٣٧ ]
المطلب الثاني: الجوانب التي عصم فيها النبي ﷺ
أ - العصمة في التبليغ ودعوى الرسالة:
وهذه العصمة هي التي عليها المناط، فبها يحصل المقصود من البعثة، فتبليغ شرع الله إلى الخلق هي مهمة الرسل من أولهم إلى آخرهم فهم الواسطة بين الله وبين خلقه الذين أرسلوا إليهم، فبطريقهم يهتدي البشر ويرشدون إلى دين الله إذ هم المبلغون عن الله أمره ونهيه وشرعه.
ولذلك فقد أوجب الله العصمة لأنبيائه ورسله في هذا الجانب حتى تصل الرسالة إلى العباد كاملة تامة غير منقوصة ولا محرفة، وبذلك تقوم الحجة على العباد.
ولقد دلت نصوص القرآن والسُّنَّة على عصمة نبينا محمد ﷺ في هذا الجانب، وانعقد إجماع الأمة على ذلك.
فمن القرآن:
١ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾، فالآية نص في عصمة لسانه ﷺ من كل هوى وغرض فهو لا ينطق إلا بما يوحى إليه من ربه ولا يقول إلا ما أمر به فيبلغه إلى الناس كاملًا موفورًا من غير زيادة ولا نقصان.
وهذه الآية شهادة وتزكية من الله لنبيه ورسوله محمد ﷺ في كل ما بلغه للناس من شرع الله.
[ ١٣٨ ]
٢ - وقوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾، فالآيات نصت على أن الله ﷾ لا يؤيد من يكذب عليه بل لابد أن يظهر كذبه وأن ينتقم منه.
ولو كان محمد ﷺ من هذا الجنس كما يزعم الكافرون فيما حكاه الله عنهم ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ - وحاشاه ﷺ من ذلك - لأنزل الله به من العقوبة ما ذكره في هذه الآيات، وحيث إن الرسول ﷺ لم يقع له شيء من ذلك فلم يهلكه الله ولم يعذبه، فهو على هذا لم يتقول على الله ما لم يقله ولم يفتر شيئا من عند نفسه، وبهذا تثبت عصمته في كل ما بلغه عن ربه ﷿.
قال ابن كثير بعد أن فسر هذه الآيات: "والمعنى في هذا بل هو صادق راشد لأن الله ﷿ مقر له ما يبلغه عنه ومؤيد له بالمعجزات الباهرات والدلالات القاطعات" (^١)
٣ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا، وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا، إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾. وهذه الآيات دالة على عصمة الله وتثبيته لنبيه ﷺ في تبليغ ما أوحى إليه، ومعناها مقارب لمعنى الآيات التي ذكرناها قبلها "فقد أخبر تعالى عن تأييده لرسوله صلوات الله عليه وسلامه وتثبيته وعصمته وسلامته من شر الأشرار وكيد الفجار، وأنه تعالى هو المتولي أمره ونصره، وأنه لا يكله إلى أحد من خلقه بل هو وليه وحافظه وناصره ومؤيده ومظفره ومظهر دينه على من عاداه وخالفه في مشارق الأرض ومغاربها" (^٢).
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ٤١٧).
(٢) المصدر السابق (٣/ ٥٣).
[ ١٣٩ ]
وأما الأدلة من السُّنَّة على ذلك فمنها:
١ - حديث طلحة بن عبيد الله (^١) وجاء فيه قوله ﷺ: "ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لن أكذب على الله" (^٢) والحديث نص على عصمته ﷺ من الكذب فيما يخبر به عن الله.
٢ - حديث عبد الله بن عمرو (^٣) ﵄ قال: "كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ أريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ، ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق" (^٤).
٣ - حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إني لا أقول إلا حقا"، قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول الله. قال: "إني لا أقول إلا حقا" (^٥).
_________________
(١) طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي أبو محمد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية السابقين للإسلام، توفي سنة ست وثلاثين من الهجرة. الإصابة (٢/ ٢٢٠، ٢٢٢).
(٢) تقدم تخريجه (ص ١٢٢).
(٣) عبد الله بن عمرو بن العاص: أسلم قبل أبيه وكان ﵁ فاضلا، حافظا عالما، توفي بالشام سنة ٦٥ هـ وقيل غير ذلك. الإصابة (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢/ ١٦٢، ١٩٢)، وأبو داود في سننه، كتاب العلم: باب في كتاب العلم (٤/ ٦٠) ح ٣٦٤٦، والحاكم في المستدرك (١/ ١٠٤، ١٠٥) وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٣٤٠، ٣٦٠). والترمذي في سننه، كتاب البر والصلاة: باب مما جاء في المزاح (٤/ ٣٥٧) ح ١٩٩٠ وقال: هذا حديث حسن صحيح.
[ ١٤٠ ]
دليل الإجماع:
نقل غير واحد من العلماء إجماع الأمة واتفاقها على عصمته ﷺ في تبليغ ما أوحي إليه من ربه ﷿.
قال القاضي عياض: "وأجمعت الأمة في ما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا" (^١).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه، وفي تبليغ رسالاته باتفاق الأمة ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوه والعصمة فيما يبلغونه عن الله ثابتة فلا يستقر في ذلك خطأ باتفاق المسلمين" (^٢).
ب - العصمة من الكفر والشرك:
الحديث عن عصمته ﷺ في هذا الجانب ذو شقين هما:
الأول: عصمته قبل مبعثه ﷺ.
الثاني: عصمته بعد مبعثه ﷺ.
أما الشق الأول: وهو عصمته من الشرك والكفر قبل بعثته ونزول الوحي إليه:
فقد دلت النصوص الثابتة على أن النبي ﷺ معصوم منذ نشأته من الكفر والشرك فلم يعهد عنه ﷺ أنه سجد لصنم أو استلمه أو إلى غير ذلك من أمور الشرك التي كان يفعلها قومه. فقد فطره الله على معرفته والاتجاه إليه وحده وهذا هو المعلوم من سيرته. فمن النصوص التي يستدل بها على هذا الأمر ما يلي:
-
_________________
(١) الشفا (٢/ ٧٤٦).
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٨٩، ٢٩٠).
[ ١٤١ ]
حديث أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه - يعنى ظئره (^١) - فقالوا: إن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون، قال أنس وقد كنت أرى أثر ذلك الخيط في صدره" (^٢).
فالحديث نص على إخراج جبريل لحظ الشيطان منه ﷺ وتطهيره لقلبه فلا يقدر الشيطان على إغوائه إذ لا سبيل له عليه. وهذا دليل على تنزيهه من الشرك منذ صغره ﷺ.
- وعن زيد بن حارثة ﵁ قال: كان صنم من نحاس يقال له إساف أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ فطفت معه، فلما مررت مسحت به، فقال رسول الله ﷺ: "لا تمسه، فقال زيد: فطفت فقلت في نفسي لأمسنه حتى أنظر ما يكون فمسحته، فقال رسول الله ﷺ: ألم تنه؟، قال زيد: فوالذى هو أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما استلم صنمًا حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه" (^٣).
وهذا الحديث نص في بعده ﷺ عن عبادة الأوثان التي كان عليها أهل مكة فنهيه لزيد - الذي كان ابنه بالتبني في ذلك الحين - يؤكد
_________________
(١) أي مرضعته.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ (١/ ١٠١، ١٠٢).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك (٣/ ٢١٦ - ٢١٧) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وأخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٤٥). وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٤) بتحقيق عبد المعطي قلعجي. وأورده ابن كثير في البداية والنهاية (٢/ ٢٨٨). وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٥١، ١٥٢).
[ ١٤٢ ]
نفرته ﷺ من تلك الأوثان التي كان يعكف عليها أهل مكة.
ولقد كان النبي ﷺ لا يحضر مع أهل سكة ما يقيمونه من أعياد لأصنامهم فعن ابن عباس ﵄ قال: حدثتني أم أيمن (^١) قالت: كان ببوانة صنم يحضره قريش يوما في السنة، وكان أبو طالب (^٢) يحضره مع قومه، وكان يكلم رسول الله ﷺ أن يحضر ذلك العيد مع قومه فيأبى حتى رأيت أبا طالب غضب عليه، ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب وجعلن يقلن: إنا نخاف عليك مما تصنع من اجتناب، آلهتنا وجعلن يقلن يا محمد: ما تريد أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمعًا، فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع إلينا مرعوبا فزعا فقلن عماته: ما دهاك؟ قال: "إني أخشى أن يكون بي لمم"، فقلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك فما الذي رأيت؟ قال: "إني كلما دنوت من صنم منها تمثل لي رجل أبيض طويل يصيح بي وراءك يا محمد لا تمسه" فما عاد إلى عيد لهم حتى تنبئ" (^٣).
كما عُصم ﷺ من الحلف بأسماء تلك الأصنام التي كان يعبدها قومه ويحلفون بها تعظيما لها فقد جاء في قصة بحيرى الراهب (^٤) أنه
_________________
(١) أم أيمن: مولاة النبي ﷺ وحاضنته، واسمها: بركة بنت ثعلبة، وهي أم أسامة بن زيد بن حارثة. الإصابة (٤/ ٤١٥، ٤١٦).
(٢) أبو طالب بن عبد المطلب: عم النبي ﷺ، شقيق أبيه، كفل النبي ﷺ وذبَّ عنه ونصره بعد بعثته ولم يمت على الإسلام. الإصابة (٤/ ١١٥، ١١٨).
(٣) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٤٤). وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٥١) وعزاه إلى ابن سعد وأبي نعيم وابن عساكر.
(٤) راهب من رهبان النصارى يقال: إنه كان من عبد القيس وكان اسمه: جرجيس. البداية (٢/ ٢٨٦).
[ ١٤٣ ]
استحلف النبي ﷺ باللات والعزى حينما لقيه بالشام في سفرته مع عمه أبي طالب وهو صبي لما رأى فيه علامات النبوة فقال بحيرى للنبي ﷺ: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له النبي ﷺ: "لا تسألني باللات والعزى شيئا فوالله ما أبغضت بغضهما شيئا قط" (^١).
والنصوص في مثل هذا كثيرة، وقد عني بجمعها من ألَّف في دلائل النبوة مثل الحافظ أبي نعيم الأصبهاني (^٢) فقد عقد فصلا في كتابه دلائل النبوة بعنوان: "ذكر ما خصه الله ﷿ به من العصمة وحماه من التدين بدين الجاهلية … " وقد أورد تحت هذا العنوان العديد من الأحاديث والشواهد في هذا الشأن (^٣).
وكذلك فعل البيهقي (^٤) في "دلائل النبوة" أيضًا، فعقد عنوانًا لهذا الموضوع فقال: "باب ما جاء في حفظ الله تعالى رسوله ﷺ في شبيبته عن أقذار الجاهلية ومعائبها، لما يريده به من كرامته برسالته حتى يبعث رسولا" (^٥).
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٢٥ - ١٢٨)، وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٦، ٢٧) بتحقيق عبد المعطي قلعجي. وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٤٢، ١٤٤) وعزاه للبيهقي.
(٢) أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني وأبو نعيم. حافظ مؤرخ من الثقات في الحفظ والرواية، ولد ومات بأصبهان عام ٤٣٠ هـ من مؤلفاته: حلية الأولياء ودلائل النبوة. الأعلام (١/ ١٥٧).
(٣) انظر (ص ١٤٣ - ١٤٧).
(٤) أحمد بن الحسين البيهقي: صاحب التصانيف المشهورة ومنها: السنن الكبرى، وشعب الإيمان، ودلائل النبوة، ولد سنة ٣٨٤ هـ وتوفي سنة ٤٥٨ هـ. تذكرة الحفاظ (٣/ ١١٣٢) والأعلام (١/ ١١٦).
(٥) انظر (٢/ ٣٠، ٤٢).
[ ١٤٤ ]
ومثلهما السيوطي في الخصائص الكبرى (^١) حيث قال: "باب اختصاصه ﷺ بحفظ الله إياه في شبابه عما كان فيه أهل الجاهلية" (^٢).
الإجماع:
نقل الجرجاني (^٣) إجماع الأمة على عصمة الأنبياء من الكفر والشرك قبل النبوة وبعد حيث قال: "وأما الكفر فأجمعت الأمة على عصمتهم منه قبل النبوة وبعدها ولا خلاف لأحد منهم في ذلك" (^٤).
وهذا هو الحق فالله ﷾ قد نزَّه نبيه ﷺ عن الكفر والشرك وعصمه من الوقوع فيهما وذلك داخل في باب إعداده لتحمل الرسالة، ومثل ذلك صيانة الله لنسبه الذي تناسل منه فعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "لم يلتق أبواي على سفاح، لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبًا لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما" (^٥).
وكل ذلك حتى لا يبقى لمنتقص حجة يتعلق بها لتنفير الناس من رسول الله ﷺ فمن المعلوم أن كفار قريش كانوا حريصين أشد الحرص على تجريح النبي ﷺ ووصفه بما ينقص من قدره ويحط من شأنه لتنفير الناس منه وصدهم عن دعوته. فلقد رموه واتهموه بالسحر والجنون وغير
_________________
(١) عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي: حافظ مؤرخ أديب له نحو (٦٠٠ مصنف) ولد سنة ٨٤٩ هـ وتوفي سنة ٩١١ هـ. الأعلام (٣/ ٣٠١ - ٣٠٢).
(٢) انظر: (١/ ١٤٨، ١٥٢).
(٣) هو: علي بن محمد بن علي المعروف بالشريف الجرجاني: ولد سنة ٧٤٠ هـ وتوفي سنة ٨١٦ هـ له كتاب التعريفات، وشرح المواقف وغيرهما. الأعلام (٥/ ٧).
(٤) شرح المواقف (ص ١٣٤).
(٥) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ٢٤) من عدة طرق والحديث له شواهد متعددة أوردها السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ٦٣، ٦٦).
[ ١٤٥ ]
ذلك من النقائص، ولكن لم يكن الشرك والكفر من ضمن ما رمَوه به، فسكوتهم عن ذلك دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه إذ لو كان لنقل، وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عند تحويل القبلة كما حكى الله ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
وبهذا يتبين أن النبي ﷺ لم يكن على دين قومه من عبادة الأصنام وتعظيمها، فقد عصمه الله من ذلك فلم يجعل لكفار قريش طريقًا عليه فلذلك لجؤوا إلى تلفيق التهم الباطلة المتناقضة كاتهامه بالسحر تارة وبالجنون تارة وبالكهانة تارة أخرى.
وإذا كان الله قد عصم نبيه ﷺ فيما هو دون الشرك من الأمور المنكرة التي كان عليها أهل الجاهلية ففي ذلك دليل على أن عصمته من أمور الشرك من باب أولى.
فعن جابر بن عبد الله ﵄: أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره فقال له العباس عمَّه: يا ابن أخي لو حللت إزارك فجعلته على منكبك دون الحجارة، قال فحله فجعله على منكبه فسقط مغشيا عليه فما رؤي بعد ذلك عريانًا ﷺ" (^١).
إزالة ما يوهم عدم إيمان نبينا وضلاله قبل بعثته:
وردت بعض النصوص التي قد يتوهم منها البعض أن رسول الله ﷺ كان على كفر وضلال قبل بعثته، وسوف أعرض لهذه النصوص وأبين التوجيه الصحيح لها بما يبين الحق ويصحح الفهم ويزيل ما يقع من الوهم إن شاء الله.
أ - فمن تلك النصوص قول الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة: باب كراهية التعري في الصلاة وغيرها. انظر فتح الباري (١/ ٤٧٤) ح ٣٦٤ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض: باب الاعتناء بحفظ العورة (١/ ١٨٤).
[ ١٤٦ ]
إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾.
فقد يتوهم البعض أن هذه الآية تعني انتفاء معرفة النبي للإيمان بالكلية قبل بعثته بمعنى أنه لم يكن مؤمنا.
والجواب على ذلك: أن هذه الفهم خاطئ لأن الإيمان في قوله ﴿وَلا الإِيمَانُ﴾ مصدر بمعنى المفعول فيكون المعنى المراد: أي ما يجب الإيمان به من الفرائض والأحكام الشرعية التي كلف بها علما وعملا، فالمنفي هو الإيمان التفصيلي لا الإجمالي.
فقد كان النبي ﷺ قبل نزول الوحي إليه مبغضًا للشرك وعبادة الأصنام ومتجهًا إلى الله وحده كما سبق الاستدلال على ذلك، فلما نزلت عليه الفرائض والأحكام الشرعية التي لم يكن يدري بها قبل الوحي آمن بها وطبقها. فهذا هو المعنى الصحيح للآية، كما ذكر ذلك علماء التفسير عند تفسيرها قال ابن كثير: " ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ على التفصيل الذي شرع لك في القرآن" (^١).
وقال الشوكاني (^٢): "ومعنى ﴿وَلا الإِيمَانُ﴾ أنه كان ﷺ لا يعرف تفاصيل الشرائع ولا يهتدي إلى معالمها، وخص الإيمان لأنه رأسها وأساسها" (^٣).
ب - ومن النصوص كذلك قول الله تعالى ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ فقد يتوهم البعض أن الآية تعني أن نبينا كان على ضلال قبل مبعثه وهذا فهم خاطئ وباطل ترده النصوص التي سبق إيرادها والتي نصَّت على أن النبي ﷺ كان من أول حاله إلى نزول الوحي عليه
_________________
(١) تفسير ابن كثير (٤/ ١٢٢).
(٢) محمد بن علي بن محمد الشوكاني: فقيه مجتهد، من كبار علماء اليمن له (١١٤ مؤلفًا) ولد سنة ١١٧٣ هـ وتوفي سنة ١٢٥٠ هـ. الأعلام: (٦/ ٢٩٨).
(٣) فتح القدير (٤/ ٥٣٠).
[ ١٤٧ ]
معصومًا من عبادة الأوثان وقاذورات أهل الفسق والعصيان.
وقد أشار إلى بطلان هذا الفهم القرطبي عند تفسيره لهذه الآية حيث قال: "فأما الشرك فلا يظن به" (^١).
وأما المعنى الصحيح لهذه الآية فقد أشار العلماء إلى عدة معان صحيحة لهذه الآية تشترك جميعها في تنزيه النبي ﷺ عن أن ينسب إليه شيء من الشرك أو الكفر قبل بعثته، ومن تلك المعاني ما يلي:
١ - أن يفسر الضلال هنا بمعنى الغفلة كما في قوله تعالى: ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾، وكما في قوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ والمعنى أنه وجدك غافلا عما يراد بك من أمر النبوة (^٢).
٢ - وقال بعضهم: معنى (ضالا) لم تكن تدري ما القرآن والشرائع فهداك الله إلى القرآن وشرائع الإسلام، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ وعلى هذا التفسير يكون المعنى: أي: وجدك ضالا عن شريعتك التي أوحاها إليك لا تعرفها قبل الوحي إليك، فهداك إليها (^٣).
٣ - وقال بعضهم: معنى الآية: أي: وجدك في قوم ضلال فهداهم الله بك (^٤).
٤ - وقال بعضهم: الضلال بمعنى الطلب؛ أي وجدك طالبًا للقبلة
_________________
(١) تفسير القرطبي (٢٠/ ٩٩).
(٢) تفسير القرطبي (٢٠/ ٩٦) وفتح القدير (٥/ ٤٥٨).
(٣) انظر: تفسير ابن كثير (٥/ ٥٢٣) وتفسير القرطبي (٢٠/ ٩٦، ٩٧)، وفتح القدير (٥/ ٤٥٨).
(٤) انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٩٧)، وفتح القدير (٥/ ٤٥٨).
[ ١٤٨ ]
فهداك إليها (^١) كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾.
فلقد أورد العلماء عددًا من المعاني لهذه الآية منها ما هو معنوي ومنها ما هو حسي، وهي معان كلها حسان (^٢).
ج - ومن النصوص كذلك قوله تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾.
فليس المقصود بالغفلة هنا الشرك والغواية إنما المقصود منها الغفلة عن قصة يوسف مع الله وإخوته كما يوضح ذلك سياق الآية. فهذه القصة وأمثالها لا تعلم إلا من الوحي فلهذا لا يلحقه نقص بسببها.
وهذا هو ما ذكره علماء التفسير عند هذه الآية.
قال القرطبي: "أي من الغافلين عما عرَّفناكه" (^٣). وقال الشوكاني: "والمعنى أنك من قبل إيحائنا إليك من الغافلين عن هذه القصة" (^٤).
د - ومن تلك النصوص ما رواه عثمان بن أبي شيبة (^٥) بسنده عن جابر بن عبد الله ﵄: "أن النبي ﷺ قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم، فسمع ملكين من خلفه وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلفه، فقال الآخر: كيف نقوم خلفه وإنما عهده باستلام
_________________
(١) انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٩٧) وفتح القدير (٥/ ٤٥٨).
(٢) انظر: تفسير القرطبي (٢٠/ ٩٧) بتصرف.
(٣) تفسير القرطبي (٩/ ١٢٠).
(٤) المصدر السابق (٣/ ٤).
(٥) هو: عثمان بن محمد بن أبي شيبة الكوفي العبسي، من حفاظ الحديث، وله من المصنفات: "المسند"، و"التفسير"، ولد سنة ١٥٦ هـ وتوفي سنة ٢٣٩ هـ. تاريخ بغداد (١١/ ٣٨٢).
[ ١٤٩ ]
الأصنام، فلم يعد بعد ذلك يشهد مع المشركين مشاهدهم" (^١).
والمنكر من هذا الحديث قوله عن الملك: "عهده باستلام الأصنام" والجواب عن هذا الحديث ذو شقين هما:
أولا: الكلام على سند الحديث:
تكلم العلماء على سند الحديث وأوردوا عللًا منها:
١ - أن عثمان بن أبي شيبة لم يتابع عليه (^٢).
ولكن الذهبي (^٣) أجاب عن هذا بقوله: "عثمان لا يحتاج إلى متابع ولا ينكر له أن ينفرد بأحاديث لسعة ما روى، وقد يغلط، وقد اعتمده الشيخان في صحيحيهما … " (^٤).
٢ - قال الدارقطني (^٥): "يقال إن عثمان بن أبي شيبة وهم في إسناده، وغيره يرويه عن جرير (^٦) عن سفيان بن عبد الله (^٧) بن محمد بن
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل (٤/ ١٤٤٧)، والخطيب في تاريخ بغداد (١١/ ٢٨٦). وأبو يعلى الموصلي في مسنده، والعقيلي في الضعفاء، وابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ١٦٦)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٥). وأورده الذهبي في الميزان (٣/ ٣٥) وأورده ابن حجر في لسان الميزان (٣/ ٥٣) وأورده ابن كثير في التاريخ (٢/ ٢٨٨) وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٥٢).
(٢) العلل المتناهية لابن الجوزي (١/ ١٦٧).
(٣) محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، حافظ، مؤرخ، علامة محقق له تصانيف كثيرة كبيرة تقارب المئة، منها: سير أعلام النبلاء، وتذكرة الحفاظ وغيرها، ولد سنة ٦٧٣ هـ، وتوفي سنة ٧٤٨ هـ. الأعلام (٥/ ٣٢٦).
(٤) ميزان الاعتدال (٣/ ٣٥).
(٥) علي بن عمر الدارقطني الشافعي إمام عصره في الحديث، ولد سنة ٣٠٦ هـ وتوفي سنة ٣٨٥ هوله كتاب "السنن" و"العلل". الأعلام (٤/ ٣١٤).
(٦) جرير بن عبد الحميد الضبي نزيل الري وقاضيها ثقة صحيح الكتاب مات سنة ثمان وثمانين ومائة. تهذيب التهذيب (٢/ ٧٥).
(٧) سفيان بن عبد الله بن زياد بن جدير: مجهول، لسان الميزان (٣/ ٥٣).
[ ١٥٠ ]
زياد بن جدير مرسلا وهو الصواب (^١).
ومن كلام الدارقطني نتبين لنا علتان:
أ - أن الحديث مرسل وليس متصلا.
ب - جعله لسفيان الثوري (^٢) مكان سفيان بن عبد الله وهذا وهم في السند فسفيان بن عبد الله مجهول، وأما الثوري فهو ثقة (^٣).
٣ - أن في سند عثمان بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن عقيل (^٤) وهو ضعيف عند القوم (^٥). وبهذا يتبين ضعف إسناد الحديث.
ثانيا: الكلام على متن الحديث:
بالإضافة إلى ضعف هذا الحديث الذي لا تقوم به حجة فإن ظاهر اللقظ وهو قوله إنما عهده باستلام الأصنام يخالف ما عرف عن النبي ﷺ من أنه لم يكن على شيء مما كان عليه أهل مكة من الشرك وذلك منذ ولادته إلى أن بعثه الله رسولا نبيا ليدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك ما يعبد من دونه. ولقد سبق إيراد الأدلة على ذلك فليرجع إليها.
وقد ذكر بعض العلماء: أن ظاهر الحديث ليس مرادا، فليس المقصود أنه باشر الاستلام، وإنما المقصود أنه شهد مباشرة المشركين
_________________
(١) العلل المتناهية (١/ ١٦٧).
(٢) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة حافظ فقيه، عابد إمام حجة، مات سنة إحدى وستين ومائة. تهذيب التهذيب (٤/ ١١١).
(٣) لسان الميزان (٣/ ٥٣) بتصرف.
(٤) عبد الله بن محمد بن عقيل بن أبي طالب الهاشمي، كان خيرا فاضلا موصوفا بالعبادة، ولكن لم يكن متقنا في الحديث فضعفوه. تهذيب التهذيب (٦/ ١٣ - ١٦).
(٥) العلل المتناهية (١/ ١٦٧).
[ ١٥١ ]
استلام أصنامهم (^١).
الشق الثاني: عصمته ﷺ من الكفر والشرك بعد النبوة:
بعث الله تعالى نبيه محمدا ﷺ ليدعو الناس إلى عبادة الله وحده وترك ما هم فيه من الكفر والشرك.
ولقد كان ﷺ في تطبيق ما أمر به هو المثل الأعلى الذي يحتذى به. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾.
فهو منزه عن كل ضلال وغواية كما أخبر الله بذلك في كتابه العزيز ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ فهذه شهادة للرسول ﷺ بأنه راشد تابع للحق ليس بضال ولا غاو، بل هو صلوات الله وسلامه عليه في غاية من الاستقامة والاعتدال والسداد والهداية.
وإجماع الأمة منعقد على ذلك قال الرازي (^٢): "واجتمعت الأمة على أن الأنبياء معصومون عن الكفر والبدعة" (^٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ففي الجملة كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله تعالى فهم متفقون على تنزيههم عنه" (^٤).
وقال الآمدي (^٥): "فما كان منها كفرا فلا نعرف خلافا بين أهل
_________________
(١) ميزان الاعتدال (٣/ ٣٥)، وتاريخ بغداد (١١/ ٢٨٦).
(٢) هو: محمد بن عمر الرازي الملقب بالفخر الرازي، ولد سنة ٥٤٤ هـ وتوفي سنة ٦٠٦ هـ. الأعلام (٤/ ٣١٣).
(٣) عصمة الأنبياء (ص ١٨).
(٤) منهاج السنة النبوية (١/ ١٣٠).
(٥) علي بن محمد بن سالم التغلبي أبو الحسن سيف الدين الآمدي، أصولي باحث، ولد سنة ٥٥١ هـ وتوفي سنة ٦٣١ هـ، من أشهر مؤلفاته: الإحكام في أصول الأحكام. الأعلام (٤/ ٣٣٢).
[ ١٥٢ ]
الشرائع في عصمتهم عنه" (^١).
ولم يخالف هذا الإجماع إلا من لا يعتد بخلافهم (^٢).
والمعلوم من خلال سيرته ﷺ أنه كان حربًا على الكفر والشرك علااختلاف صوره وألوانه، فلم يدع طريقا أو سبيلا لهدم الشرك والكفر إلا وقد سلكه مستخدما في ذلك لسانه وسنانه، وهذا كله يؤكد عصمته ﷺ من الكفر والشرك وهذا أمر مشتهر وأعظم من أن يحتاج إلى دليل يؤكده.
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٢٨).
(٢) الذين خالفوا في هذه المسألة هم: أ - الأزارقة: وهم فرقة من فرق الخوارج وقد نقل عنهم أنهم قالوا بجواز بعثة نبي علم الله أنه يكفر بعد نبوته. انظر الإحكام في أصول الأحكام (١/ ١٢٨)، والمواقف للإيجي (٣٥٨، ٣٥٩). ب - والفضيلية: رهم من فرق الخوارج، ويقولون بجواز الكفر على الأنبياء من جهة كونهم يعتقدون جواز صدور الذنوب عن الأنبياء وكل ذنب هو كفر - على حسب اعتقادهم - فمن هذا الباب جوزوا صدور الكفر عنهم. انظر: عصمة الأنبياء للرازي (ص ١٨) والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٢٨). ج - الرافضة: فقد جوزوا على الأنبياء إظهار الكفر على سبيل التقية عند خوف الهلاك، بل نقل عنهم أنهم أوجبوه. ويعللون ذلك بقولهم: إن إظهار الإسلام إن كان مفضيا إلى القتل كان إلقاء للنفس في التهلكة، وإلقاء النفس في التهلكة حرام لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة﴾، وإذا كان إظهار الإسلام حراما كان إظهار الكفر واجبا. انظر: عصمة الأنبياء للرازي (ص ١٨). د - ذكر ابن حزم في كتابه الفِصَل (٤/ ٢): "أنه رأى في كتاب أبي جعفر السمناني قاضي الموصل صاحب الباقلاني أنه كان يقول: كل ذنب دق أو جل فإنه جائز على الرسل حاشا الكذب في التبليغ فقط، قال: وجائز عليهم أن يكفروا".
[ ١٥٣ ]
ج - عصمته من الكذب في غير الوحي والتبليغ:
من المعروف عن سيرته ﷺ قبل البعثة وبعدها أنه متصف بكل خلق فاضل من صدق وأمانة وبر وصلة رحم وإحسان وجود إلى غير ذلك من محاسن الأخلاق التي جبله الله عليها منذ نشأته، وحري به ﷺ أن يكون كذلك فقد اختاره الله لحمل الأمانة العظمى التي هي أداء الرسالة وتبليغها إلى الناس كافة، فكان لابد من إعداده لهذه المهمة، ولذا فقد فطره الله على كل خلق فاضل كريم وقد جمع الله له خصال الخير كلها، فلم يكن يدعى إلا بالأمين، ومن الأدلة التي يستدل بها على اتصافه بالصدق قبل بعثته ما يلي:
١ - قول خديجة بنت خويلد (^١) ﵂ حينما أتاها النبي ﷺ خائفا بعد أن لقيه جبريل في غار حراء وقال لها: "إني قد خشيت على نفسي"، فقالت له: "كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق" (^٢).
٢ - إجماع قريش على الإقرار بصدقه حينما جمعها ليصدع بالدعوة جهرا فعن ابن عباس ﵄ قال: "لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صعد النبي ﷺ على الصفا فجعل ينادي: "يا بني فهريا بني عدي" - لبطون قريش - حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن
_________________
(١) خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشية الأسدية: زوج النبي ﷺ وأول من صدقت ببعثته مطلقا، توفيت بعد خروج بني هاشم من الشعب. الإصابة (٤/ ٢٧٣ - ٢٧٦).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير. انظر: فتح الباري (٨/ ٧١٥) ح ٤٩٥٣.
[ ١٥٤ ]
يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب (^١) وقريش، فقال: "أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدِّقي". قالوا: ما جربنا عليك إلا صدقًا.
قال: "فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد … " الحديث (^٢).
فالشاهد من الحديث قولهم "ما جربنا عليك إلا صدقا" فالنبي ﷺ انتزع منهم هذه الشهادة الجماعية بصدقه وانتفاء الكذب عنه، لعلمه بما قد سيقع من تكذيبهم له عند إخبارهم بأمر الرسالة.
٣ - على تكذيب قريش للنبي ﷺ في دعوة النبوة إلا أن أحدا منهم لم يجرؤ على وصفه بالكذب في سواها فقد قال أبو جهل (^٣) للنبي ﷺ: إنا لا نكذبك، ولكن نكذب الذي جئت به (^٤) فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾.
وكذلك عندما سأل الأخنس بن شريق (^٥) أبا جهل بعد ما خلا به يوم بدر فقال: "يا أبا الحكم، أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليمر ههنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا، فقال أبو جهل: ويحك، والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن
_________________
(١) اسمه عبد العزى بن عبد المطلب، وكنيته أبو عتبة: وهو أحد أعمام الرسول ﷺ، كان كثير الأذية لرسول الله ﷺ والبغضة له ولدينه. تفسير ابن كثير (٤/ ٥٦٤).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التفسير: باب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾، انظر: فتح الباري (١٨/ ٥٠١) ح ٤٧٧٠، واللفظ له.
(٣) اسمه عمرو بن هشام، وكان من أشد الناس عداوة للنبي ﷺ قتل يوم بدر. ابن الأثير (١/ ٢٣ - ٤٧).
(٤) انظر: تفسير الطبري (٧/ ١٨٢).
(٥) الأخنس بن شريق الثقفي: كان من المؤلفة، وشهد حنينًا، ومات في أول خلافة عمر. الإصابة (١/ ٣٩ - ٤٠).
[ ١٥٥ ]
إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوة، فماذا يكون لسائر قريش؟ " (^١).
٤ - ومما يستدل به كذلك جواب أبي سفيان (^٢) لهرقل (^٣) عندما سأله عن النبي ﷺ، عندما أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله ﷺ هادن فيها أبا سفيان وكفار قريش، فكان مما سأله عنه: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال أبو سفيان: لا. فقال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله (^٤).
وبعد؛ فهذه نماذج على صدقه ﷺ وعصمته من الكذب قبل بعثته.
وكذا الحال بعد بعثته ﷺ فهذه أخبار نبينا محمد ﷺ وآثاره وسيره وشمائله معتنى بها مستوفاة تفاصيلها لم يرد في شيء منها تداركه ﷺ لخبر صدر منه رجوعا عن كذبة كذبها، أو اعترافًا بخلف في خبر أخبر به ولو وقع شيء من ذلك لنقل إلينا.
ومن المعلوم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق النبي ﷺ في جميع أقواله والثقة بجميع إخباره في أي باب كانت وعن أي شيء وقعت دون توقف أو تردد في شيء منها أو استثبات عن حاله
_________________
(١) أخرجه الطبري في تفسيره (٧/ ١٨٢)، وأورده ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٣٠).
(٢) اسمه صخر بن حرب بن أمية أبو سفيان القرشي الأموي، مشهور باسمه وكنيته، أسلم عام الفتح وشهد حنينا والطائف وكان من المؤلفة، توفي في آخر خلافة عثمان. الإصابة (٢/ ١٧٢، ١٧٣).
(٣) هَرَقل: هو ملك الروم، وهرقل اسمه - وهو بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف - ولقبه قيصر، كما يلقب ملك الفرس كسرى ونحوه. فتح الباري (١/ ٣٣).
(٤) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي. انظر: فتح الباري (١/ ٣١) ح ٧.
[ ١٥٦ ]
تلك هل وقع فيها سهوًا أم لا" (^١).
وهذا كله يؤكد عصمته ﷺ من الكذب بأي حال من الأحوال.
قال القاضي عياض: "وأما أقواله الدنيوية من إحباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو فعله فقد قدمنا أن الخلف فيها ممتنع عليه في كل حال وعلى أي وجه من عمد أو سهو، أو صحة أو مرض، أو رضا أو غضب وأنه معصوم منه ﷺ.
هذا فيما طريقه الخبر المحض مما يدخله الصدق والكذب، فأما المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في الأمور الدنيوية لا سيما لقصد المصلحة كتوريته عن وجه مغازيه لئلا يأخذ العدو حذره.
وكما روي من ممازحته ودعابته لبسط أمته وتطييب قلوب المؤمنين من صحابته، وتأكيدا في تحببهم ومسرة نفوسهم، كقوله: "إني حاملك على ولد الناقة" (^٢)، وقوله للمرأة التي سألته عن زوجها: "أهو الذي بعينه بياض" (^٣) وهذا كله صدق لأن كل جمل ابن ناقة، وكل إنسان بعينه بياض، وقد قال ﷺ: "إني أمزح ولا أقول إلا حقا" (^٤).
_________________
(١) الشفا (٢/ ٧٦٨ - ٧٦٩).
(٢) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الأدب، باب ما جاء في المزاح (٥/ ٢٧٠ - ٢٧١) ح ٤٩٩٨، وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب البر والصلة: باب ما جاء في المزاح (٤/ ٣٥٧) ح ١٩٨٩، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٣) عزاه السيوطي إلى ابن أبي الدنيا. انظر: مناهل الصفا (ص ٢٣٣) ح رقم ١٢٧٠.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٢/ ٣٤٠)، وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب البر والصلة: باب ما جاء في المزاح (٤/ ٣٥٧) وقال: حديث حسن صحيح. وأخرجه الطبراني في الصغير والأوسط والكبير عن ابن عمر كما في المجمع (٨/ ٨٩)، وقال الهيثمي: "وفيه من لم أعرفه" والطبراني في الأوسط عن =
[ ١٥٧ ]
د - عصمته ﷺ من الكبائر التي دون الشرك:
جبل الله نبيه محمدًا ﷺ على كل خلق فاضل كريم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فخلَّقه بأكرم السجايا، وجميل الأخلاق، وحسن الطوية وصفات الخير جميعها، كما نزهه عن كل ما يحط من قدره وينقص من منزلته، قال تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾، فهو ﷺ منزه من كل ضلال وغواية، وقد كان من صيانة الله وحفظه له أن حماه من أقذار الجاهلية قبل مبعثه ونزول الوحي إليه، فهو معصوم عن كل ما يحط من قدره ويدق في شخصه ومما ورد في هذا الشأن من الأحاديث ما يلي:
- حديث جابر بن عبد الله ﵄: "أن رسول الله ﷺ كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إزاره، فقال له العباس عمه (^١): يا ابن أخي لو حللت إزارك، فجعلته على منكبك دون الحجارة، قال: فحلَّه على منكبه فسقط مغشيا عليه فما رؤي بعد عريانا ﷺ" (^٢).
- وعن علي بن أبي طالب ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمُّون به من النساء إلا ليلتين كلتاهما عصمني الله منهما، قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلنا، فقلت لصاحبي: أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الفتيان، فقال: بلى، فدخلت حتى إذا جئت أول دار مكة
_________________
(١) = أبي هريرة كما في المجمع (٩/ ١٧) وقال الهيثمي: إسناده حسن. وانظر: الشفا (٢/ ٨٧٧، ٨٧٨).
(٢) العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي: عم الرسول ﷺ، ولد قبل الرسول ﷺ بسنتين يقال إنه أسلم وكتم إسلامه، هاجر إلى المدينة قبل الفتح بقليل، وشهد الفتح وثبت يوم حنين، مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين. الإصابة (٢/ ٢٦٣).
(٣) تقدم تخريجه (ص ١٤٦).
[ ١٥٨ ]
سمعت عزفًا بالغرابيل والمزامير، قلت: ما هذا؟ فقيل: تزوج فلان فلانة، فجلست أنظر وضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟، قلت: ما فعلت شيئا، ثم أخبرته بالذي رأيت، ثم قلت له ليلة أخرى: أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة، ففعل فدخلت فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة فجلست أنظر وضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال: ما فعلت؟، قلت: لا شيء ثم أخبرته الخبر، فوالله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك حتى أكرمني الله بنبوته" (^١).
وعن علي ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ: هل عبدت وثنا قط؟، قال: "لا".
قالوا: فهل شربت خمرا قط؟
قال: "لا وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان" (^٢).
فهذا عن عصمته قبل مبعثه فما بالك بعد مبعثه والأمر لا يتعلق بنفسه فقط بل يتعداه لغيره بكونه هو القدوة ومعلم الناس وهاديهم ومرشدهم بل إن كل قول من أقواله وكل فعل من أفعاله يعد تشريعًا تأخذ به أمته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فأمر عصمته ﷺ من
_________________
(١) أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة (ص ١٤٣)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٣، ٣٤)، وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٤٩، ١٥٠)، وعزاه لابن راهويه في مسنده وابن إسحاق والبزار والبيهقي وأبي نعيم وابن عساكر وقال: قال ابن حجر: إسناده حسن متصل ورجاله ثقات. وأورده ابن كثير في البداية (٢/ ٢٨٧).
(٢) أورده السيوطي في الخصائص الكبرى (١/ ١٥٠) وعزاه لأبي نعيم وابن عساكر.
[ ١٥٩ ]
الكبائر أمر دلت عليه النصوص من القرآن والسنة ويكفي المسلم أن يقرأ في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ فهذه تزكية من الله لرسوله ﷺ توجب سلامته من كل ما يحط من منزلته ويقدح في نبوته بما في ذلك الكبائر.
وكذلك قوله ﷺ: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له" الحديث (^١) ومما يندرج تحت هذه الخشية والتقوى، بُعده عن كل ما يسخط الرب ﷿ ومن ضمن ما يسخطه ارتكاب الكبائر، فهو ﷺ أبعد الناس عنها لكمال خشيته وتقواه لربه ﷿، فلقد زكاه الله وطهر نفسه ولم يجعل للشيطان عليه من سبيل، وقد تقدم إيراد الحديث الذي جاء فيه أن جبريل شق قلب النبي ﷺ وهو صغير فاستخرج منه علقة وقال: هذا حظ الشيطان منك (^٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح: باب الترغيب في النكاح. انظر: فتح الباري (٩/ ١٠٤) ح ٥٠٦٣، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النكاح: باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه. (٤/ ١٢٨).
(٢) انظر: تخريجه (ص ١٤٢).
[ ١٦٠ ]
المطلب الثالث: مسألة وقوع الخطأ منه
تقدم ذكر الأمور التي عُصم فيها ﷺ، وبقي أن نعلم هل يقع الخطأ منه في غير ما تقدم؟، والجواب على هذا: أن القول الذي عليه أكثر علماء الإسلام (^١) والذي دلت عليه نصوص القرآن والسنة أن الخطأ يقع منه ﷺ في غير ما تقدم ذكره ولكنهم يعتقدون الأمور التالية:
١ - أن الله لا يقره على هذا الخطأ الذي وقع منه ﷺ، بل يوجهه الله للحق وقد يحصل له العتاب على ذلك.
٢ - أن الخطأ يقع منه ﷺ على سبيل الاجتهاد من غير أن يتعمده ولذلك لا تسمَّى "معصية" فهذه العبارة تعد إساءة أدب معه ﷺ ولا يصح إطلاقها في حقه ﷺ.
٣ - أن ما يقع منه من هذا القبيل ليس مما يقدح في حقه أو ينقص من منزلته وقدره، ولقد سبق بيان الأمور التي عصم فيها ﷺ وتلك الأمور هي التي في حالة وقوعها تقدح في حقه ومنزلته، وقد عصم فيها.
٤ - أن التوبة حاصلة منه عن هذا الخطأ، وهذا مما يرفع من قدره ويعلي منزلته (^٢) كما أن الله قد وعده بالمغفرة بقوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾.
وأما النصوص التي يستدل بها على هذا القول فمنها:
قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٣١٩).
(٢) المرجع السابق (١٠/ ٢٩٣).
[ ١٦١ ]
يَزَّكَّى﴾. فهذه الآيات نزلت عتابًا من الله تعالى لنبيه ﷺ (^١) فقد ذكر غير واحد من المفسرين أن رسول الله ﷺ كان يوما يخاطب بعض عظماء قريش وقد طمع في إسلامه فبينما هو يخاطبه ويناجيه إذ أقبل ابن أم مكتوم (^٢) وكان ممن أسلم قديما فجعل يسأل رسول الله ﷺ من شيء ويلح عليه وود النبي ﷺ أن لو كف ساعته ليتمكن من مخاطبة ذلك الرجل طمعا ورغبة في هدايته، وعبس في وجه ابن أم مكتوم وأعرض عنه وأقبل على الآخر فأنزل الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣)﴾ (^٣).
وكذلك قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾.
قال قتادة: "ثنتان فعلهما النبي ﷺ ولم يؤمر بهما، إذنه لطائفة من المنافقين في التخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئا إلا بوحي، وأخذه من الأسارى الفدية، فعاتبه الله كما تسمعون" (^٤).
وأما ما يقع من الخطأ منه في جانب الأمور الدنيوية فمن الأدلة على ذلك حديث رافع بن خديج (^٥) ﵁ قال: "قدم نبي الله ﷺ المدينة
_________________
(١) تفسير القرطبي (١٩/ ٢١٢).
(٢) ابن أم مكتوم اختلف في اسمه، فقيل: عمرو، وقيل: عبد الله، وعمرو أكثر، وهو ابن قيس بن زائدة القرشي، أسلم قديمًا بمكة وكان من المهاجرين الأولين، قيل: استشهد بالقادسية وقيل مات بالمدينة. الإصابة (٢/ ٥١٦ - ٥١٧).
(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٤٧٠).
(٤) تفسير القرطبي (٨/ ١٥٤، ١٥٥).
(٥) رافع بن خديج بن رافع الأنصاري الأوسي، عرض على النبي ﷺ يوم بدر =
[ ١٦٢ ]
وهم يؤبِّرون النخل، يقولون: يلقحون النخل، فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا. فتركوه، فنقصت قال: فذكروا ذلك له، فقال: "إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر" (^١).
وفى رواية أنس: "أنتم أعلم بأمر دنياكم" (^٢)، وفي رواية طلحة: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لا أكذب على الله ﷿" (^٣)، وكما حكى ابن إسحاق (^٤) أنه ﷺ لما نزل بأدنى مياه بدر قال له الحباب بن المنذر (^٥): أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "لا بل هو الرأي والحرب والمكيدة"، قال: فإنه ليس بمنزل، انهض حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه من القُلُب، فنشرب ولا يشربون، فقال: "أشرت بالرأي"، وفعل ما قاله (^٦).
_________________
(١) = فاستصغره وأجازه يوم أحد فخرج بها وشهد ما بعدها، مات في زمن معاوية. الإصابة (١/ ٤٨٣، ٤٨٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل: باب وجوب امتثال ما قاله شرعًا دون ما ذكره ﷺ من معايش الدنيا على سبيل الرأي (٧/ ٩٥).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه (٧/ ٩٥).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه (٧/ ٩٥).
(٥) محمد بن إسحاق بن يسار المدني المطلبي، مولاهم، نزيل العراق، إمام المغازي، مات سنة ١٥٠ هـ. تهذيب التهذيب (٩/ ٣٨).
(٦) الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري الخزرجي، شهد بدرا، مات في خلافة عمر. الإصابة (١/ ٣٠٢).
(٧) الشفا للقاضي عياض (٢/ ٨٧١، ٨٧٢) وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٣١ - ٣٥)، وعزاه السيوطي في مناهل الصفا (ص ٨٠) لابن إسحاق والبيهقي عن عروة والزهري وجماعة.
[ ١٦٣ ]
قال القاضي عياض: "فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها بعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها، يجوز عليه فيه ما ذكرنا (^١) إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها، وجعلها همه وشغل نفسه بها، والنبي ﷺ مشحون القلب بمعرفة الربوبية ملآن الجوانح بعلوم الشريعة، مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية، ولكن هذا (^٢) إنما يكون في بعض الأمور، ويجوز في النادر فيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها، لا في الكثير المؤذن بالبله والغفلة" (^٣).
وكذلك الأمر بالنسبة لأحكام البشر الجارية على يديه وقضاياهم، ومعرفة المحق من المبطل، وعلم المصلح من المفسد، فهذه أمور اجتهادية يجتهد فيها برأيه فقد قال ﷺ: "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحوما أسمع منه فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له به قطعة من النار" (^٤).
قال القاضي عياض: "وتجرى أحكامه ﷺ على الظاهر وموجب غلبات الظن بشهادة الشاهد، ويمين الحالف، ومراعاة الأشبه، ومعرفة العفاص والوكاء مع مقتضى حكمة الله في ذلك" (^٥).
فاقتضت حكمته تعالى أن لا يكون معصومًا في هذا الجانب
_________________
(١) أي من وقوع الخطأ.
(٢) أي الخطأ.
(٣) الشفا (٢/ ٨٧٢، ٨٧٣).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الشهادات، باب من أقام البينة مع اليمين. انظر: فتح الباري (٥/ ٢٨٨) ح ٢٦٨٠. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية: باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة، واللفظ له (٥/ ١٢٨، ١٢٩).
(٥) الشفا (٢/ ٨٧٥).
[ ١٦٤ ]
وذلك حتى تقتدي به الأمة من بعده في النظر في القضايا والأحكام على ما كان يقضي به بين الناس، لأنه قد استوى في ذلك هو وغيره من الناس.
وكذا الأمور بالنسبة لما يقع عليه من الأسقام والأمراض فهو ﷺ بشر من البشر يقع عليه مثل ما يقع على غيره من البشر.
وهذا هو الحق الذي دلت وأرشدت عليه النصوص الثابتة في القرآن والسنة. وهذا هو القول الوسط بين أهل الإفراط وأهل التفريط في هذه المسألة. فمن قال بالعصمة المطلقة وهم الرافضة (^١) وبعض المعتزلة (^٢) وبعض المتأخرين (^٣) فهؤلاء قد خالفوا نصوص القرآن والسنة وتعسفوا في دفعها وتأويلها بتأويلات هي من جنس تأويلات الجهمية (^٤)
_________________
(١) الرافضة: عبارة تطلق على الشيعة الغلاة، وهم عدة فرق من أشهرها: الإمامية الاثنا عشرية، ولهم مخالفات كثيرة في الاعتقاد من أشهرها: مسائل الإمامة، والصحابة، والغلو في آل البيت وأصل تسميتهم بالرافضة مأخوذ من قول زيد بن علي بن الحسين عندما سُئل عن أبي بكر وعمر فترحم عليهما، فرفضه جماعة من أتباعه فقال: رفضتموني فسموا رافضة. مقالات الإسلاميين (١/ ٨٨، ٨٩، ١٤٤)، والملل والنحل، (١/ ١٧٣ - ١٧٤).
(٢) أتباع واصل بن العطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري، ولهم مخالفات كثيرة في مسائل الاعتقاد، منها أنهم يقولون بنفي الصفات، والمنزلة بين المنزلتين. ميزان الاعتدال (٣/ ٢٧٤) والفرق بين الفرق (٢٠، ٢١)، والملل والنحل (١/ ٤٩).
(٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٢٠).
(٤) الجهمية: فرقة من الفِرَق التي ظهرت في بداية القرن الثاني وانتحلت مذهب الجهم بن صفوان في مسائله المدونة في كتب المقالات ومن أشهرها نفي الأسماء والصفات والقول بالجبر، وفناء الجنة والنار. الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد (ص ٦٥). تاريخ الجهمية والمعتزلة (ص ٥٩، ٦٠).
[ ١٦٥ ]
والباطنية (^١) ومن تدبر تلك التأويلات تبين له فسادها، وعرف أنها من باب تحريف الكلم عن مواضعه (^٢).
وأما من نفى عنه العصمة من الذنوب وأجاز عليه الإقدام على الكبائر والصغائر وهم الكرَّامية (^٣) والأزارقة (^٤) والفضيلية (^٥) وغيرهم (^٦) فهؤلاء قوم فرطوا في حق النبي ﷺ، فذكروا عنه ما دل القرآن والسنة على براءته منه، وأضافوا إليه ذنوبا نزهه الله منها فقولهم هذا مخالف للقرآن والسنة وواضح البطلان.
* * *
_________________
(١) عبارة تطلق على عدة فرقٍ من أشهرها: الإسماعيلية، القرامطة، والنصيرية، وهم الذين يجعلون لكل ظاهر من الكتاب باطنًا. ولكل تنزيل تأويلا. الملل والنحل (١/ ٤٢٦ - ٤٤٧) والفَرْق بين الفِرَق (ص ١٦٩).
(٢) مجموع الفتاوى (١٠/ ٣١١ - ٣١٤) بتصرف.
(٣) أتباع محمد بن كرَّام السجستاني المتوفى سنة ٢٥٥ هـ، لهم عدد من المخالفات في مسائل العقيدة، منها: التشبيه في الصفات، والإرجاء في الإيمان. الملل والنحل (١/ ١٨٠، ١٩٣)، والفرق بين الفرق (٣٠، ١٣٧).
(٤) إحدى فرق الخوارج، وهم أتباع نافع بن الأزرق، كانت أكثر فرق الخوارج عددا وأشدهم شوكة. الفَرْق بين الفِرَق (ص ٨٣).
(٥) من الخوارج، ذكرهم الأشعري في المقالات (ص ١١٨).
(٦) الفصل (٤/ ٢)، وعصمة الأنبياء للرازي (ص ١٨)، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ١٢٨).
[ ١٦٦ ]