*
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟ فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ وَدِينَهُ وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ.
ــ
وأما حكم الشرك الأكبر مخرج من الملة. وقد حرم الله الجنة على صاحبه؛ إذ ليس معه شيء من التوحيد، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١.
وأما الأصغر فلا يخرج من الملة، لكنه وسيلة إلى الأكبر، وصاحبه على خطر عظيم، فعلى العبد أن يحذر الشرك مطلقًا، فإن بعض العلماء يرى أن الآية المذكورة عامة في الشرك الأصغر والأكبر وأن قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، أي: ما هو أقل من الشرك، والله أعلم٢.
ثم انتقل المصنف ﵀ إلى تفصيل ما أجمل من الأصول الثلاثة، وهي: معرفة العبد ربه ودينه ونبيه ﷺ، وأما ما تقدم من الكلام فهو من باب التوطئة والتمهيد لما سيأتي أو يكون –كما قال بعض الشراح- مما ألحقه بعض تلاميذ الشيخ بهذه الأصول مستفادًا من كلامه في موضع آخر، وعلى أي حال فإن ما تقدم يعتبر من الأسس الطيبة النافعة التي يستفاد منها في تقرير الأصول الثلاثة.
يقول الشيخ ﵀: "فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلاثَةُ التِي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟ فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ وَدِينَهُ وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ" طريقة
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ٤٨، ١١٦. ٢ انظر: "مجموع الفتاوى": "١١/٦٦٣"، و"جامع الرسائل": "٢/٢٥٤"، و"القول المفيد": "١/١١٠".
[ ٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) السؤال والجواب طريقة سلكها الشيخ ﵀ في كثير من رسائله وهي نافعة في تقرير المعلومات وسرعة فهمها، والطالب يدرك المعاني ويفهمها إذا ألقيت عليه بطريقة السؤال والجواب؛ لأن المخاطب إذا طرح عليه السؤال استعد وتهيأ لفهم الجواب وهذه تسمى عند علماء التربية وطرق التدريس بالطريقة الحوارية، وهم ينسبونها إلى من ألف في ذلك من الغربيين وغيرهم، ونسوا أن الطريقة الحوارية كان يسلكها النبي ﷺ أحيانًا مع أصحابه فكان يطرح عليهم السؤال لأجل أن تتهيأ أذهانهم للجواب كما تقدم ولهذا نقول: إن وسائل الإيضاح التي تستعمل في طرق التدريس وإن جاءت عن طريق الغربيين لكنها بضاعتنا ردت إلينا. وهي طريقة نافعة في التعليم لاسيما في المراحل الأول من التعليم ليستفيد الطلاب وتتهيأ أذهانهم؛ لأن المدرس إذا ألقى عليهم السؤال استعدوا لتلقي الجواب فتمكن من الأذهان، وحتى في الدروس العامة والمحاضرات ينبغي أن تسلك هذه الطريقة؛ لأن الإلقاء المستمر قد يكون مملًا لاسيما إذا طال الوقت. فالشيخ ﵀ ذكر هذه المسألة بصيغة السؤال والجواب لأجل أن ينتبه لها الإنسان لأنها مسألة عظيمة فإن هذه الأصول الثلاثة هي التي يسأل عنها العبد في قبره، وهذا يدلك على أهميتها وقيمتها وأن الإنسان يعرف معناها أولًا ويعمل بمقتضاها ثانيًا، لعل الله تعالى أن يوفقه للجواب الصحيح في القبر إذا ما قال له الملكان من ربك؟ فيقول: ربي الله،
[ ٥٣ ]
*
الأصل الأول: معرفة العبد ربه
*
فإن قِيلَ لَكَ مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ الذي رباني وربى جميع العالمين بنعمته،
ــ
ما دينك؟ ديني الإسلام، ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ هو محمد عبد الله ورسوله إلخ.
فمن عرف هذه الأصول الثلاثة وعمل بمقتضاها فهو أهل لأن يوفقه الله تعالى في جوابه كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ١، وقد ذكر الأصول الثلاثة ثم بدأ في تفصيلها وهذه أيضًا من الطرق العلمية الجيدة؛ لأن النفوس إذا عرفت الشيء إجمالًا تطلعت إلى معرفة تفصيلًا، والتفصيل بعد الإجمال من مقاصد البلغاء كما في علم المعاني
قوله: "فإن قيل لك من ربك؟ " هذا هو الأصل الأول. والجواب "فقل: ربي الله الذي رباني" وأصل الرب في اللغة بمعنى: المربي، ومن هذه الكلمة تشعبت معان أخرى لكلمة الرب من المالك والمدبر والمتصرف والمتعهد. والمصنف يريد المعنى الأول؛ لأنه قال: "الذي رباني"، فانتقل إلى المعنى الأساسي للكلمة الذي هو التربية، ومعنى رباني، أي: خلقني وأوجدني ثم رباني بنعمه الظاهرة والباطنة.
وقوله: "وربى جميع العالمين" هذا تعميم، أي: رباني أنا وربى جميع العالمين، وقوله: "بنعمته"، أي: ابتداء من الغذاء الذي يصل إلي
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم، الآية: ٢٧.
[ ٥٤ ]
وهو معبودي، ليس لي معبود سواه.
ــ
وأنا في بطن أمي إلى أن يجري علي الأرزاق بعد خروجي منه. كما ورد في الحديث الصحيح في الملك الذي يؤمر بأربع بالنسبة للجنين ومنها "بكتب رزقه"١ فالله جل وعلا ينعم على العبد منذ أن يخلقه الإنعام الذي يصل إليه في بطن أمه بدون حول منه ولا قوة، والإنعام الذي يحصل له بعد خروجه إلى الدنيا عندما يكبر ويكدح ويعيش فيجري الله ﷾ له من الأرزاق بالأسباب ما قضاه وقدره له.
وقوله: "وهو معبودي، ليس لي معبود سواه" هذا مرتب على الكلام السابق، يعني: إذا كان هو الذي رباني لا غيره وربى جميع العالمين لا غيره فيترتب على هذا أن يكون هو المستحق للعبادة ولهذا قال: "وهو معبودي، ليس لي معبود سواه"؛ لأن الذي يستحق أن يكون معبودًا هو القادر على الخلق، ومن لا يقدر على الخلق لا يستحق أن يكون معبودًا، ولهذا ذكر الله تعالى أوصاف الآلهة التي لا تصلح للعبادة في سورة الفرقان في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ ٢، فذكر الله سبحانه سبعة أوصاف كلها نقص تدل على أن هذه الأوصاف التي وجدت في الآلهة لا تصلح أن تكون الآلهة معها معبودة؛ لأن المعبود هو الذي يخلق ويرزق ويحيي ويميت، ولهذا قال تعالى:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "رقم٣٢٠٨"، ومسلم: "رقم٢٦٤٣". ٢ سورة الفرقان، الآية: ٣.
[ ٥٥ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وكل ما سِوَى اللهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ العالم.
ــ
﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ ١.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٢" هذا الدليل على أن الله تعالى هو المستحق للعبادة لكونه ﷾ مربيًا لجميع العالمين، والحمد: هو الاعتراف للمحمود بصفات الكمال مع محبته وتعظيمه، وهذا قيد أساسي، فلو اعترف بالمحامد والأوصاف وذكرها، ولكن بدون محبة ولا تعظيم فإنه لا يسمى حامدًا، وقوله: "الله" اللام هذه تسمى لام الاستحقاق، وقوله: "رب العالمين" مر أن المعنى: خالقهم ومدبر شؤونهم المتصرف بأحوالهم وأرزاقهم، قال تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ٣، وقوله: "وكل ما سوى الله عالم" فيقال: عالم الإنسان وعالم الحيوان وعالم النبات، وسمي العالم عالمًا؛ لأنه علامة على خالقه وموجده ومالكه.. "وأنا واحد من ذلك العالم"، أي: أنا أيها الإنسان المتكلم بهذا الكلام الذي أقول: "ربي الله الذي رباني" "واحد من ذلك العالم" فأنا مربوب لله تعالى؛ لأن الله تعالى هو ربي، ومعنى "مربوب"، أي: مخلوق لله تعالى، وهو الذي رباني ﷾.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ١٩١. ٢ سورة الفاتحة، الآية: ١. ٣ سورة الأعراف، الآية ٥٤.
[ ٥٦ ]
آيات الله نوعان
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ؟ فَقُلْ: بآياته ومخلوقاته،
ــ
قوله: "فإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ " هذا السؤال الثاني بعد السؤال الأول: من ربك؟ أي: بم استدللت على معرفتك ربك؟ "فقل: بآياته ومخلوقاته" فهذا هو الدليل على أنه هو الذي خلقني وهو الذي رزقني وهو معبودي ليس لي معبود سواه. والآية في اللغة لها معان كثيرة، منها: البرهان والدليل. وآيات الله نوعان:
١- آيات شرعية، ويراد بها: الوحي الذي جاءت به الرسل فهو آية من آيات الله، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ١، فإن قيل: كيف كان الوحي دليلًا وبرهانًا على الله تعالى؟ فالجواب:
أولًا: أن هذا الوحي الذي جاءت به الرسل جاء وحيًا متكاملًا منتظمًا لا تناقض فيه ولا اضطراب، قال تعالى عن القرآن: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ ٢، فالقرآن الكريم دليل على وجود الرب العظيم، وهو دليل من الآيات الشرعية.
ثانيًا: أن هذه الآيات الشرعية قامت بمصالح العباد، وهي كفيلة بسعادتهم في دينهم ودنياهم. وأوضح مثال شريعة محمد ﷺ، فإن الله جل وعلا قد شرع لنا في هذا القرآن الكريم وعلى لسان رسوله ﷺ ما هو كفيل بمصالحنا. وما من مشكلة أو معضلة إلا في الشريعة حل لها سواء كان عن طريق الكليات أو عن طريق الجنايات.
_________________
(١) ١ سورة الحديد، الآية: ٩. ٢ سورة النساء، الآية: ٨٢.
[ ٥٧ ]
وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مخلوقاته السموات السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا.
_________________
(١) آيات كونية: والآيات الكونية هي المخلوقات، مثل: السماوات والأرض والإنسان والحيوان والنبات وغير ذلك. والمصنف ﵀ يقول: "فقل: بآياته ومخلوقاته" فإذا فسرنا الآيات: بالآيات الشرعية والكونية؛ فإنه يدخل قوله "ومخلوقاته" تحت قوله "بآياته"؛ لأن المخلوقات هي الآيات الكونية، فيكون كلام المصنف ﵀ من باب عطف الخاص على العام على سبيل الاهتمام بالخاص، فإنه أفرد المخلوقات مع أنها داخلة في الآيات للاهتمام بها؛ لأنها مرئية يدركها العالم وغير العالم. أما إذا فسرنا الآيات بالآيات الشرعية فقط فإننا نفسر المخلوقات بالآيات الكونية ويصير من باب عطف المغاير. وظاهر كلام الشيخ ﵀ يدل على أنه ما قصد الآيات الشرعية بل أراد بالآيات والمخلوقات: الكونية منها بدليل أنه قال: "وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ، وَمِنْ مخلوقاته السموات السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا" ويكون خص الآيات الكونية بالذكر؛ لأن دلالتها يشترك فيها العالم والجاهل كما تقدم. قوله: "ومن آياته الليل والنهار"، أي: ومن الأدلة والبراهين على وجود الباري تعالى وتفرده بالربوبية والإلهية وجود الليل والنهار. وذلك من وجوه: أولًا: تعاقبهما، فهذا يذهب، وهذا يأتي بعده بانتظام كامل وتنساق بديع.
[ ٥٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) ثانيًا: اختلافهما بالطول والقصر، فإن هذا من آيات الله. ولو فرض أن الليل ما يزيد أبدًا والنهار ما يزيد أبدًا من آيات الله أيضًا، ولكن كون الليل يزيد في الشتاء ويقصر النهار، والنهار يزيد في الصيف ويقصر الليل، هذا أيضًاَ من آيات ﷾. والليل والنهار من نعم الباري على عباده، فلو كان الليل سرمدًا لتعطلت مصالح العباد ولو كان في أنوار؛ لأن جهد الإنسان يصل إلى درجة قليلة في الليل، فلا تتحقق مصالح العباد ولا تقوم إلا بالنهار، ولو لم يوجد ليل لمات كثير ممن انهمكوا في الدنيا؛ لأنه لا يوجد ليل يطرحهم فينامون. لكن هذا الليل نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على العباد؛ لأن الناس يأوون إلى منازلهم وينامون ويستريحون فإذا قاموا من الغد قاموا إلى نهار جديد وبجهد جديد. والحاصل أن هذه آيات عظيمة من آيات الله تعالى، ولكن الإنسان غافل عن تدبرها، ولهذا فإن الله قدر كرر هذه الآيات في سور من القرآن الكريم يذكر الليل والنهار والشمس والقمر وخلق السموات والأرض؛ لأجل أن الإنسان يصطحب الذكر فلا يغفل ولا ينسى والله المستعان. قوله: "والشمس والقمر"، أي: ومن آيات الله الدالة على وجوده سبحانه تفرده بالربوبية والإلهية: الشمس والقمر، وذلك من وجوه: أولًا: جريانهما باستمرار منذ أن خلق تعالى الشمس والقمر إلى أن يأذن الله تعالى بخراب هذا الكون، والشمس والقمر يجريان باستمرار كما
[ ٥٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا﴾ ١، وفي قراءة ﴿لا مستقر لها﴾ ٢، أي: أن الشمس ليس لها مستقر إنما هي دائمًا تسير إلى أن يأذن الله تعالى بخراب الدنيا ولهذا إذا غربت على أناس طلعت على آخرين، وهذا لا ينافي ما ورد في الحديث الصحيح أن الرسول ﷺ قال: " إن هذه تجري حتى تنتهي إلى مستقر تحت العرش فتخر ساجدة الحديث" ٣؛ لأنه يمكن أنها إذا غربت عن أناس تسجد تحت العرش بالنسبة لغروبها عنهم وهي مستمرة في جريانها٤.
ثانيًا: الانتظام البديع، فالشمس تسير في فلكها في مدة سنة، وهي في كل يوم تطلع وتغرب بسير سخرها له خالقها لا تتعداه ولا تقصر عنه.
والقمر يبديه الله كالخيط ثم يتزايد نوره ويتكامل حتى ينتهي إلى إبداره، وكماله ثم يأخذ في النقصان حتى يعود إلى حالته الأولى، قال تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ ٥، أي: لا يمكن أن توجد الشمس في الليل فتدرك القمر،
_________________
(١) ١ سورة يس، الآيتان: ٣٧، ٣٨. ٢ انظر: "تفسير ابن كثير": "٦/٥٦٢". ٣ أخرجه البخاري: "٨/٥٤١-فتح"، ومسلم: "رقم١٥٩". ٤ انظر: "شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري" للشيخ عبد الله الغنيمان: "١/٤٠٨". وانظر: "شرح السنة" للبغوي: ١٥/٩٥". ٥ سورة يس، الآية: ٤٠.
[ ٦٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولا الليل سابق النهار فيدخل عليه قبل انقضاء سلطانه، ﴿وَكُلٌّ﴾ من الشمس والقمر والنجوم ﴿فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، أي: يترددون على الدوام فهذا دليل على عظمة الخالق وقدرته وحكمته.
ثالثًا: ما فيهما من المنافع العظيمة، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ ١، وفي الشمس منافع عظيمة للعلويات: فإن القمر يستمد نوره من الشمس، وللسفليات: من الإنسان والحيوان والنبات والبحار وغير ذلك، ولولا طلوع الشمس وغروبها لما عرف الليل والنهار ولأطبق الظلام على العالم أو الضياء. وفي سير القمر تظهر مواقيت العباد في معاشهم وعبادتهم ومناسكهم. فتميزت به الأشهر والسنون وقام حساب العالم مع ما في ذلك من الحكم والآيات التي لا يحصيها إلا الله تعالى٢.
قوله: "ومن مخلوقاته السموات السبع"، أي: ومن أعظم مخلوقات الله تعالى الدالة على عظمته ووحدانيته: السموات السبع، وعلوها وسعتها واستدارتها، وعظم حلقها وبناؤها.
قوله: "والأرضون"، أي: ومن مخلوقاته العظيمة الأرضون السبع. فإن الله تعالى جعل الأرض فراشًا ومهادًا وذللها لعباده، وجعل فيها سبلًا، وجعل فيها أرزاقهم ومعايشهم. وقد أكثر الله تعالى من ذكر
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية: ٥. ٢ انظر: "مفتاح دار السعادة" لابن قيم: "١/٢٠٧، وما بعدها".
[ ٦١ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ .
ــ
السموات والأرض في كتابه الكريم، ودعا عباده إلى النظر إليهما والتفكر في خلقها. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.
قوله: "وما فيهن"، أي: من المخلوقات العظيمة التي لا يعلمها إلا الله خالقها ﷾ "وما بينهما" أيضًا من المخلوقات العظيمة.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ٣"، يعني: وإن كان الشمس والقمر من المخلوقات العظيمة فإن هذا لا يقتضي أن يسجد لهما؛ لأنهما مخلوقان مدبران مسخران ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾، أي: اعبدوه وحده؛ لأنه الخالق العظيم. ودعوة عبادة ما سواه من المخلوقات وإن كبر جرمها وكثرت مصالحها، فإن ذلك ليس منها وإنما هو من خالقها ﵎: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ فخصوه بالعبادة وإخلاص الدين له٤.
_________________
(١) ١ سورة الجاثية، الآية: ٣. ٢ سورة غافر، الآية: ٥٧. ٣ سورة فصلت، الآية: ٣٧. ٤ "تفسير ابن سعدي": "٤/٤٠٠".
[ ٦٢ ]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ
ــ
قوله: "وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ ١" هذا فيه إخبار من الله تعالى بأنه خلق هذا العالم سماواته وأرضه وما بين ذلك في ستة أيام. أولها: الأحد، وآخرها الجمعة٢.
منها أربعة أيام للأرض ويومان للسماء، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ثُمَّ
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ٥٤. ٢ أما حديث أبي هريرة ﵁ قال: "أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال: "خلق الله التربة يوم السبت، وخلق الجبال فيها يوم الأحد، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة، أخر الخلق في آخر ساعة من الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" فهذا حديث أخرجه مسلم: "رقم٢٧٨٩"، والنسائي في "الكبرى": "رقم ١١٠١"، وأحمد: "١٤/٨٢"، وهو حديث معلول قدح فيه أئمة الحديث كالبخاري وغيره. وقال البخاري: الصحيح أنه موقوف على كعب الأحبار. اهـ. وهو مخالف للقرآن حيث دل على أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام. وقد ذكر الألباني في "الصحيحة": "رقم١٨٣٣" هذا الحديث وبين أنه صحيح وأنه غير مخالف للقرآن وأن الأيام السبعة فيه غير الستة في القرآن، وأن الحديث يتحدث عن شيء من التفصيل الذي أجراه الله على الأرض فهو يزيد على القرآن ولا يخالفه. وقد دل على هذا الجمع حديث أخرجه النسائي في "الكبرى": "٦/٤٢٧" من طريق الأخضر بن عجلان وقد وثقه ابن معين والبخاري والنسائي وابن حيان وغيرهم. فراجع هذا الحديث وانظر: "مختصر العلو" للألباني: "ص١١١"، و"المشكاة": "رقم٥٧٣٤". وفي مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية [جامعة الكويت] العدد التاسع عشر مقال جيد عن حديث "التربة" فراجعه.
[ ٦٣ ]
ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا
ــ
اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ ١ ويكون معنى قوله سبحانه: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾، أي في تتمة أربعة أيام لا أنها أربعة أيام مستقلة عن اليومين الأولين وإلا لكانت الأيام ثمانية٢.
والظاهر أن هذه الأيام التي نعرف؛ لأن الله تعالى ذكرها منكرة. فتحمل على ما كان معروفًا. ولو شاء تعالى لخلقها في لحظة، ولكنه ربط المسببات بأسبابها كما تقتضيه حكمته سبحانه وتعالى٣.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، أي: علا وارتفع. والعرش هو ذلك السقف المحيط بالمخلوقات. وفي الآية إثبات استواء الله على عرشه على ما يليق بجلاله وعظمته. وأدلة علو الله على خلقه واستوائه على عرشه أكثر من أن تحصر. وأجمع المسلمون على ذلك.
وقوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، أي: يغطي كل واحد منهما الآخر فيذهب ظلام هذا بضياء هذا، وضياء هذا بظلام هذا وكل منهما يطلب الآخر طلبًا ﴿حَثِيثًا﴾، أي: سريعًا لا يتأخر عنه بل إذا ذهب جاء هذا. وإذا جاء هذا ذهب هذا.
_________________
(١) ١ سورة فصلت، الآيات: ٩-١٢. ٢ انظر: "التوحيد" لابن منده: ١/١٨٦"، و"تفسير ابن كثير": "٧/١٥٥" و"أضواء البيان": "٧/١١٦". ٣ انظر: "تفسير ابن كثير": "٣/٤٢٢"، و"شرح ثلاثة الأصول" لابن عثيمين: "ص٤٤".
[ ٦٤ ]
وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ .
وَالرَّبُ هُوَ الْمَعْبُودُ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
ــ
وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ ١ هذا معطوف على ﴿السَّمَاوَاتِ﴾، يعني: خلق السموات والأرض وخلق الشمس والقمر حالة كونها مسخرات، ومعنى ﴿مُسَخَّرَاتٍ﴾، أي: مذلالات جارية في مجاريها بتسخير الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، يعني: أن الله جل وعلا متفرد بالخلق ومتفرد بالأمر، فله الخلق الذي صدرت عنه جميع المخلوقات، وله الأمر، المتضمن للشرائع والنبوات، فالخلق يتضمن أحكامه الكونية القدرية، والأمر يتضمن أحكامه الدينية الشرعية ثم أحكام الجزاء في الدار الآخرة، قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: عظم وتعالى. وكثر خيره وإحسانه، فتبارك في نفسه لعظمة أوصافه وكمالها وبارك في غيره بإحلال الخير الجزيل والبر الكثير فكل بركة في الكون فمن آثار رحمته ﷾.
قوله: "وَالرَّبُ هُوَ الْمَعْبُودُ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٢" معنى
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية:٥٤. ٢ سورة البقرة، الآية: ٢١.
[ ٦٥ ]
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاء بِنَاء
_________________
(١) "المعبود"، أي: المستحق لأن يعبد دون سواه، وليس المراد أن من معاني الرب: المعبود وإلا لزم منه أن كل ما عبد من دون الله فهو رب وهذا ليس بصحيح. والمصنف ﵀ لم يقصد أن من معاني "الرب": المعبود، وإنما قصد أن الرب هو المستحق لأن يعبد؛ لأنه بعد أن ساق الآية من سورة البقرة ذكر كلامًا لابن كثير ﵀ وهو قوله: "الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة". والدليل على أن الرب هو المستحق للعبادة قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾، فـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ هذا خطاب لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم. وقوله: ﴿اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ﴾، أي: أطيعوا ربكم بالإيمان والامتثال للأوامر والنواهي مع المحبة والتعظيم. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، أي: أوجدكم من العدم بتقدير عظيم وصنع بديع، ورباكم بأصناف النعم وخلق الذين من قبلكم ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أي: من أجل أن تحصلوا على التقوى، والتقوى: اتخاذ وقاية تحفظكم من عذاب الله باتباع الأوامر واجتناب النواهي. وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾، أي: بساطًا مهيئًا تستقرون عليها وتنتفعون بالأبنية والزراعة والسلوك من مكان إلى مكان وغير ذلك من وجوه الانتفاع. وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاء بِنَاء﴾، أي: وجعل السماء بناءً لمسكنكم وأودع فيها من المنافع ما هو من ضروراتكم وحاجاتكم كالشمس والقمر والنجوم.
[ ٦٦ ]
وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
ــ
وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ المراد بالسماء: السحاب كما ذكره المفسرون وأطلق عليه سماه لأنه فوق، وكل ما علا وارتفع فهو سماء. والماء: هو المطر النازل من السماء هو مادة الحياة للأحياء في الأرض جميعًا، سواء أنبت الزرع مباشرة أو كون الأنهار والبحيرات العذبة، أو انساخ في طبقات الأرض فتتألف منه المياه الجوفية، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ ٢.
وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ جمع ثمرة، والثمرة هو ما تخرجه الأرض من حبوب وخضار، وما تخرجه الأشجار من فواكه ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا﴾، أي: أشباهًا ونظراء تصرفون لهم العبادة أو شيئًا منها ﴿وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: تعلمون أن هذه الأنداد ليست مماثلة لله تعالى، وتعلمون أيضًا أن الله ﷾ هو المستحق للعبادة.
فجمعت هذه الآية بين الأمر بعبادة الله وحده والنهي عن عبادة ما سواه. وقد ورد عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا﴾ قال: الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية: ٣٠. ٢ سورة المؤمنون، الآية: ١٨.
[ ٦٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلانة، وحياتي. ويقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلان فإن هذا كله به شرك١.
فدل تفسير ابن عباس ﵄ على وجوب تجنب الألفاظ الشركية ولو لم يقصد الإنسان. وأن الشرك الأصغر خفي جدًا، وفل من يتنبه له. ولما قال الصحابة ﵃ للنبي ﷺ كيف نتقيه؟ قال: قولوا: "اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه" ٢.
وقوله: "وهذا كله شرك"، أي: أصفر أو أكبر حسب ما يكون في قلب المتكلم بمثل هذه الألفاظ٣.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن حاتم في "تفسيره": "١/٦٢"، قال في "تيسير العزيز الحميد" "ص٥٨٧": "سنده جيد" اهـ. وقوله: "لا تجعل فيها فلان" لعله جاء على لغة ربيعة الذين يقفون على المنصوب بالسكون. ٢ أخرجه أحمد: "٤/٤٠٣"، والطبراني في "الأوسط" و"الكبير" كما في "المجمع": "١٠/٢٢٣" من طريق أبي علي الكاهلي عن أبي موسى ﵁ قال المنذري "١/٧٦": "ورواته إلى أبي علي محتج بهم في "الصحيح". وأبو على وثقه ابن حبان ولم أر أحدًا جرحه" اهـ. ومثله في "مجمع الزوائد". ٣ انظر: "القول المفيد": "٢/٣٢٣".
[ ٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذه الآية هي أحد البراهين العقلية التي أبطل الله بها اتخاذ المشركين للآلهة، فإن القرآن الكريم ذكر برهانين عقليين على إبطال الشرك والتنديد بالمشركين الذين عبدوا مع الله غيره.
البرهان الأول: إذا كنتم تقرون بأن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت المدبر لهذا الكون فيلزمكم أن تعترفوا بوحدانيته. فإن من كانت هذه صفته فهو الإله المستحق للعبادة وما عداه هو مربوب مألوه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعًا ولا ضرًا، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ١، وهذا من التناقض الذي وقع فيه المشركون إذ كانوا يعترفون بأن هذه الأمور من خصائص الله تعالى، وهذا يعني أن يقروا بالعبادة؛ لأن غيره مما عبد معه ليست لهم هذه الخصائص.
البرهان الثاني: أن هذه الآلهة المعبودة من دون الله تعالى ليس لها ما يخولها لأن تعبد فإنها كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا﴾ ٢، وقد تقدم شيء من ذلك.
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية: ٣١. ٢ سورة الفرقان، الآية: ٣. وانظر: "تفسير ابن سعدي": "١/٤٣"، "ونبذة في العقيدة الإسلامية": "ص٢١".
[ ٦٩ ]
قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: الخَالِقُ لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة.
ــ
قوله: "قال ابن كثير رحمه الله تعالى" ابن كثير هو العلامة الحافظ المحدث المفسر المؤرخ إسماعيل بن عمر بن كثير، أبو الفداء، ولد سنة ٧٠٠هـ أو بعدها بيسير في دمشق ونشأ يتيمًا، ورزق حافظة نادرة، فاشتغل بالحديث ودرس الفقه، وألف فيه، وأخذ عن شيخ الإسلام ابن تيمية وأحبه وأثنى عليه١. له كتاب التفسير المشهور و"البداية والنهاية" في التاريخ، و"جامع المسانيد والسنن"، و"إرشاد الفقيه إلى معرفة أدلة التنبيه"، وكلها مطبوعة. مات ﵀ سنة ٧٧٤هـ٢.
قوله: "الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة"، أي: قال ابن كثير ﵀ هذه العبارة عند تفسير الآية السابقة ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، ولفظ ابن كثير في "تفسيره" مغاير لما ذكره الشيخ ﵀ والمعنى واحد. وهو أن الآيات المذكورة دلت على أن الذي يستحق أن يعبد وحده ولا يشرك به غيره؛ لأن كل من سواه تعالى وتقدس مخلوق، مربوب، متصرف فيه.
_________________
(١) ١ انظر: "البداية والنهاية": "١٤/١٣٥، وما بعدها". ٢ انظر: "البداية والنهاية": "١٤/٣١"، وانظر: "فهرس البداية والنهاية" تأليف محمد الأشقر: "ص٥٢"، و"البدر الطالع": "١/١٥٣".
[ ٧٠ ]
أنواع العبادة التي أمر الله بها
وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا، مِثْلُ الإِسْلامِ وَالإِيمَانِ وَالإِحْسَانِ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشْيَةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ، وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، وَالنَّذْرُ، وَغَيْرُ ذَلَكَ مِنْ العبادة التي أمر الله بها،
_________________
(١) لما بين المؤلف ﵀ وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة. وذكر الأدلة على ذلك شرع في بيان أنواع العبادة التي شرع الله لعباده القيام بها. وسياق الأدلة عليها وقد تقدم معنى العبادة. قوله: "وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ اللهُ بِهَا، مِثْلُ الإسلام والإيمان والإحسان" هذه الأنواع هي أعظم مراتب الدين وأعظم أنواع العبادة كما ورد في حديث عمر ﵁ الآتي إن شاء الله. وقد ذكرها المصنف إجمالًا ولما بدأ بالتفصيل لم يشر إليها؛ لأنه سيذكرها فيما بعد. قوله: "وَمِنْهُ الدُّعَاءُ، وَالْخَوْفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوَكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْخَشْيَةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ، وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، والنذر، وغير ذلك من العبادة التي أمر الله بها"، أي: ومما أمر الله به الدعاء والخوف إلخ. وقوله: "وغير ذلك من أنواع العبادة" إشارة إلى أن أنواع العبادة غير محصورة بهذه الأنواع بل هي كثيرة جدًا؛ لأن كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فهو عبادة. فالعبادة تشمل الدين كله. والحياة كلها بهذا المعنى.
[ ٧١ ]
كلها لله، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مشرك كافر.
ــ
وقوله: "كلها لله، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ١"، أي: كل أنواع العبادة مما ذكر وغيره لله وحده لا شريك له. ثم ذكر الدليل، وقد ذكرنا فيما مضى تفسير هذه الآية، وقلنا: إن المراد بالمساجد أماكن الطاعة والعبادة، أي: المساجد المعروفة، وروي عن بعض السلف أنها أعضاء السجود التي خلقها الله تعالى ليسجد عليها العبد، وعلى أي حال فالآية دليل على وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة لقوله سبحانه: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ .
قوله: "فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مشرك كافر"، أي: فمن صرف شيئًا من أنواع العبادة التي ذكر المصنف ﵀ مثل أن دعاء غير الله تعالى من الأموات والغائبين أو رجاهم أو خافهم أو سألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات أو غير ذلك فهو مشرك الشرك الأكبر؛ لأنه أشرك مع الله غيره. وكافر؛ لأنه جحد حقًا لله تعالى فصرفه لغيره. فالشرك والكفر قد يجتمعان فيمن لا إيمان له، فيقال: إنه مشرك كافر. وقد ينفرد الشرك بقصد الأوثان من قبور وغيرها. وإن كان يعترف بالله تعالى فلا يطلق عليه كافرًا؛ لأن الكفر معناه الجحد والإنكار، لكنه مشرك كافر إذا صرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله منكرًا أن الله ﷾ مستحق لهذه الأنواع ولهذا قال الشيخ ﵀ "فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللهِ فَهُوَ مشرك كافر".
_________________
(١) ١ سورة الجن، الآية: ١٨.
[ ٧٢ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ .
ــ
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ١"، أي: والدليل على أن من دعا مع الله غيره فهو مشرك كافر هذه الآية فإن الله تعالى سماهم كافرين لدعائهم مع الله غيره. والبرهان هو الدليل الذي لا يترك في الحق لبسًا وهو أقوى الأدلة؛ لأنه لا يترك التباسًا عند السامع، ولهذا يطلق عليه برهان، فهو أقوى من الحجة وأقوى من الدليل؛ لأن الدليل قد يكون ظنيًا لا قطعيًا، أما البرهان فهو أمر قطعي. فقوله سبحانه: ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾، يعني: ليس له دليل ولا حجة على هذا. ولا يمكن لأحد أن يدعو مع الله غيره ويكون له برهان بحيث يكون الذم متوجهًا إلى من دعا مع الله غيره وليس معه برهان؛ لأنه يستحيل وجود برهان على عبادة إله آخر مع الله تعالى. فهذا الوصف ﴿لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ جاء –والله أعلم- لموافقة الواقع، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق بحيث يقال: من عبد مع الله غيره وله برهان فلا مانع، ومعنى "موافقة الواقع" أنه وصف مطابق للواقع لأنهم يدعون مع الله غيره بلا برهان.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، يعني: حساب هذا الذي دعا مع الله غيره عند ربه. وهو حساب لا فلاح معه لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، ونفي الفلاح يدل على هلاكه وأنه من أهل النار.
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون، الآية:١١٧.
[ ٧٣ ]
في الحديث: "الدعاء مخ العبادة".
ــ
والشاهد من الآية هو أن الله جل وعلا سمى من دعا معه غيره كافرًا وهذا لا منازعة فيه مهما كان هذا المدعو سواء كان ملكًا أو نبيًا أو من هو دون ذلك.
قوله: "في الحديث: "الدعاء مخ العبادة" بدأ المصنف ﵀ بالاستدلال على كل نوع من أنواع العبادة التي ذكرها. والمصنف ﵀ سرد أنواع العبادة كما تقدم. وسنتكلم إن شاء الله على كل نوع منها بما بيسر من تعريف أو تقسيم أو سياق لبعض الأدلة زيادة على ما ذكر الشيخ ﵀ من الأدلة. فبدأ بالنوع الأول وهو الدعاء؛ لأنه أهم أنواع العبادة لما ورد في حديث النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: "الدعاء هو العبادة" ١، فدل على أن الدعاء أهم أنواع العبادات من وجهين:
الأول: أن النبي ﷺ أتى بضمير الفصل "هو" وضمير الفصل يفيد التوكيد.
الثاني: أنه أتى باللام في قوله "العبادة" فكأنه قال: "الدعاء هو العبادة لا غيرها".
والدعاء في القرآن الكريم يتناول معنيين:
الأول: دعاء العبادة هو دعاء الله امتثالًا لأمره فإنه سبحانه أمر عباده بالدعاء. فمتى دعوت الله ﷾ ممتثلًا أمره فإن دعاءك عبادة قال
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي: "٥/٤٢٦"، وأبو داود: "رقم١٤٧٩"، وابن ماجه: "رقم٣٨٢٨"، وأحمد: "٤/٢٦٧"، والبخاري في "الأدب المفرد": "رقم٧١٤"، والحاكم: "١/٤٩١"، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ١ فإذا دعوته امتثلت أمره وإذا امتثلت أمره تكون عبدته.
الثاني: دعاء المسألة وهو دعاؤه ﷾ بجلب المنفعة ودفع المضرة، فكلا النوعين عبادة لله ﷾ فمن دعا الله ﷾ طالبًا جلب النفع ودفع الضر وهو في حال دعائه ممتثلًا أمره ﷾ فإنه يكون قد اجتمع في حقه دعاء العبادة ودعاء المسألة.
أما الحديث الذي ذكره المصنف ﵀ "الدعاء مخ العبادة" فمخ الشيء لبه وخلاصته وما يقوم به ومعناه: أن العبادة لا تقوم إلا بالدعاء كما أن الإنسان لا يقوم إلا بالمخ؛ لدلاته على الإقبال على الله تعالى والإعراض عما سواه. وهذا الحديث يدل على منزلة الدعاء من بين أنواع العبادة وهو حديث ضعيف٢ لكن معناه صحيح. ويشهد له الحديث الذي ذكرته آنفًا وهو حديث النعمان بن بشير ﵁.
_________________
(١) ١ سورة غافر، الآية: ٦٠. ٢ أخرجه الترمذي: "٥/٤٢٥" عن أنس ﵁ وقال: هذا حديث غريب من هذا لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. اهـ. قال في "التقريب": "خلط بعد احتراق كتبه ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما وله في مسلم بعض شيء مقرون". وذكره الحافظ في "طبقات المدلسين"، وقال ابن حبان في "المجروحين": كان صالحًا ولكنه كان يدلس عن الضعفاء. اهـ. وفيه عنعنة الوليد بن مسلم وهو قبيح التدليس. والحديث ضعفه المنذري في "الترغيب": "٢/٤٨٢" حيث صدره بـ"روي" كما هو اصطلاحه كما في المقدمة. وانظر: "النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد": "ص٨٣".
[ ٧٥ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ .
وَدَلِيلُ الْخَوْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
ــ
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ " وجه الدلالة من الآية أن الله جل وعلا سمى الدعاء عبادة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، أي: حقيرين ذليلين صاغرين جزاء لهم على استكبارهم. فهذه الآية فيها أن الله تعالى أمر بالدعاء ووعد بالإجابة فدل على أن الدعاء عبادة بل هو من أجل العبادات.
قوله: "وَدَلِيلُ الْخَوْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١ الخوف هو انفعال يحصل بتوقع ما فيه ضرر أو هلاك، والخوف أنواع:
الأول: الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو أو سبع أو حية فهذا ليس بعبادة، ولا ينافي الإيمان؛ لأنه قد يوجد في المؤمن كما قال تعالى عن موسى ﵇ ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ ٢ هذا الخوف لا يلام عليه الإنسان إذا انعقدت أسبابه أما إذا كان وهميًا أوله سبب ضعيف فهو مذموم لأن صاحبه جبان.
النوع الثاني: خوف "السر"، وهو أن يخاف من غير الله من وثن أو
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية: ١٧٥. ٢ سورة القصص، الآية: ١٨.
[ ٧٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ولي من الأولياء بعيدًا عنه أن يصيب بمكروه وهذا الخوف هو الواقع بين عباد القبور والمتعلقين بالأولياء، قال تعالى عن قوم هود: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ فهم يتصورون أن الآلهة يخاف منها لأنها قد تعتري الإنسان بسوء، ومعنى هذا في نظرهم أنها إذا كانت تنفع فإنه يتصور أنها تضر فهذا يطلق عليه خوف السر.
النوع الثالث: أن يترك الإنسان ما يجب خوفًا من الناس كأن يترك الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر خوفًا من الناس فهذا خوف محرم ومذموم.
النوع الرابع: خوف تعبد وتعلق هو أن يخاف أحدًا يتعبد بالخوف له فيدعوه الخوف لطاعته، وهذا النوع هو خوف التعبد والتأله الذي يحمل على الطاعة والبعد عن المعصية وهذا خاص بالله تعالى. وتعلقه به من أعظم واجبات الدين ومقتضيات الإيمان، وتعلقه بغير الله تعالى من الشرك الأكبر؛ لأن الخوف من أعظم واجبات القلب١.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "الإنسان إذا لم يخف من الله اتبع هواه ولاسيما إذا كان طالبًا ما لم يحصل له، فإن نفسه تبقى طالبة لما تستريح به، وتدفع به الغم والحزن عنها، وليس عندها من ذكر الله وعبادته ما تستريح إليه وبه، فيستريح إلى المحرمات من فعل الفواحش وشرب المحرمات وقول الزور "٢.
_________________
(١) ١ انظر: "التيسير العزيز الحميد" للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: "ص٤٨٤". ٢ "مجموع الفتاوى": "١/٥٤، ٥٥".
[ ٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والآية التي ساقها المؤلف دليل على أن الخوف عبادة لله تعالى بدليل أن الله جعل الخوف شرطًا لصحة الإيمان فقال تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وهذه الآية أولها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾، ومعنى "يخوف أولياءه"، أي: يخوفكم أولياءه ويعظمهم في صدوركم؛ لأجل أن تموت معنوياتكم فتخافوهم فتحصل الهزيمة. قال الأنباري: "والذي نختاره في الآية: يخوفكم أولياءه. تقول العرب: أعطيت الأموال، أي: أعطيت القوم الأموال. فيحذفون المفعول الأول"١. وقوله تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ﴾ فيه بيان أنه لا يجوز للمؤمن أن يخاف أولياء الشيطان، ولا يخاف الناس كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ٢، فخوف الله أمر به. وخوف أولياء الشيطان نهى عنه٣. والشاهد في الآية أن الإنسان إذا خاف غير الله سبحانه خوف تعبد وتأله مستقر بالقلب يحمل على الطاعة والبعد عن المعصية فإن هذا الخوف من أنواع الشرك؛ لأن الله جل وعلا جعله من مقتضيات الإيمان، فمن صرف هذا لغير الله تعالى فليس بمؤمن. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ معنى بديعًا من معاني الخوف كما نقله عنه ابن القيم ﵀ في "مدارج السالكين"٤. يقول شيخ الإسلام: "الخوف
_________________
(١) ١ "مجموع الفتاوى": "١/٥٦". ٢ سورة المائدة، الآية: ٤٤. ٣ "مجموع الفتاوى": "١/٥٧". ٤ "١/٥١٤".
[ ٧٨ ]
ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ .
ــ
المحمود ما حجزك عن محارم الله". وقال بعض السلف: "لا يعد خائفًا من لم يكن للذنوب تاركًا"١.
والخشية بمعنى الخوف، لكن الخشية أخص من الخوف؛ لأن الخشية مقرونة بمعرفة الله تعالى، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٢، فالخشية خوف مقرون بمعرفة الله، ولهذا قال النبي ﷺ: "أما والله، إني لأخشاكم لله وأتقاكم له" ٣.
قوله: "ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ ٤" أصل الرجاء هو الطمع أو انتظار الشيء المحبوب، والرجاء يتضمن التذلل والخضوع، فلا يكون إلا لله ﷾، وتعليق الرجاء بغير الله شرك، وإن كان الله تعالى قد جعل لها أسبابًا، فالسبب لا يستقل بنفسه بل لابد له من معاون، ولابد من انتفاء الموانع، وهو لا يحصل ولا يبقى إلا بمشيئة الله تعالى٥.
_________________
(١) ١ "المفردات في غريب القرآن": "ص١٦٢". ٢ سورة فاطر، الآية: ٢٨. ٣ "مدارج السالكين": "١/٥١٢"، والحديث أخرجه البخاري: "رقم٥٠٦٣"، "ومسلم": "١١٠٨". ٤ سورة الكهف، الآية: ١١٠. ٥ "مجموع الفتاوى": "١٠/٢٥٦".
[ ٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والرجاء نوعان:
١- رجاء محمود: وهو رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله فهو راج لثوابه، ورجل أذنب ذنوبًا ثم تاب منها، فهو راج لمغفرة الله تعالى وعفوه وإحسانه وجوده وحلمه وكرمه.
٢- رجاء مذموم: وهو رجاء رجل متمادٍ في التفريط والخطايا يرجو رحمة الله بلا عمل فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب.
والفرق بين الرجاء والتمني: أن الرجاء يكون مع بذل الجهد وحسن التوكل. والتمني يكون مع الكسل. قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ وابتغاء الوسيلة إليه: طلب القرب بالمحبة والعبودية بالطاعة وأنواع القربات١.
ومعنى قول تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا﴾، أي: يعمل ويطلب وينتظر. وقوله ﴿لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ المراد باللقاء أو اللقى هنا المعاينة، والمراد بها الملاقاة الخاصة؛ لأن اللقاء يوم القيامة نوعان:
١- نوع خاص: وهذا للمؤمنين، وهو لقاء الرضا والنعيم من الله ﷾.
٢- لقاء عام: لجميع الناس، وقد دل على اللقاء العام قوله تعالى في سورة الانشقاق ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ
_________________
(١) ١ راجع "مدارج السالكين": "٢/٣٥-٣٦".
[ ٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَسْرُورًا وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا.. الآية﴾ ١، فدل قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ ﴾، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ ﴾ على أن اللقاء في قوله: ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ لقاء عام، أما في هذه الآية التي معنا فمعناها: فمن كان ينتظر ويطلب ويترقب لقاء الله ﷾ الذي هو لقاء رضا ونعيم، فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بربه أحدا؛ لأن الذي يرجو ثواب الله ويخاف من عقابه يعمل عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا، والعمل الصالح كما فسره أهل هو الخالص من الياء الموافق لشرع الله من واجب أو مستحب. وقوله: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾، يعني: لا يشرك في العبادة مع الله غيره كائنًا من كان، لا ملكًا مقربًا ولا نبيًا ولا وليًا ولا أحدًا من الصالحين. وفي قوله سبحانه: ﴿بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ إشارة إلى علة النهي عن الشرك، أي: فكما أنه ربك الذي خلقك ورباك ولم يشاركه أحد في خلقك فيجب أن تكون العبادة له وحده لا شريك له٢.
فالواجب على العبد أن يتحقق رجاءه فلا يعلقه إلا بالله تعالى، لا يعلقه بقوته ولا بعمله ولا يعلقه بمخلوق. ومن المأثور عن علي ﵁ أنه قال: "لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه"٣.
عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ دخل على شاب وهو في
_________________
(١) ١ سورة الانشقاق، الآيات: ٦-١١. ٢ "القول المفيد": "٢/٢٣٠". ٣ حلية الأولياء "١/٧٥-٧٦".
[ ٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الموت فقال: "كيف تجدك؟ " قال: أرجو الله يا رسول الله، وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله ﷺ: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف" ١.
وعلى الإنسان أنه كلما قوي رجاؤه، وطمعه في فضل الله تعالى ورحمته وتيسير أموره، ودفع ضرورته؛ قويت عبوديته لربه، وحريته مما سواه. وإن رجا مخلوقًا، أو تعلق به؛ انصرف قلبه عن العبودية لله تعالى، وصار عبدًا لغيره بقدر ما قام في قلبه من التعلق والرجاء؛ فذل لغير الله وخضع٢.
ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام نفيس في هذا الموضوع أنقله ليستفيد منه القارئ، يقول ﵀: "اعلم أن محركات القلوب إلى الله ﷿ ثلاثة: المحبة، والخوف، والرجاء. وأقواها المحبة، وهي مقصودة تراد لذاتها؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة، بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة. قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣، والخوف المقصود منه: الزجر والمنع من الخروج عن الطريق. فالمحبة تلقي العبد في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفها وقوتها يكون سيره إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب،
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي: "رقم ٩٨٣"، وابن ماجه: "رقم٤٢٦١".، وحسنه الألباني: في صحيح ابن ماجه "٢/٤٢٠". ٢ انظر: "مجموع الفتاوى": "١٠/٢٥٦-٢٥٧". ٣ سورة يونس، الآية: ٦٢.
[ ٨٢ ]
َودَلِيلُ التَّوَكُلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ .
ــ
والرجاء يقوده. فهذا أصل عظيم، يجب على كل عبد أن ينتبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبدًا لله لا لغيره.
فإن قيل: فالعبد في بعض الأحيان قد لا يكون عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه. فأي شيء يحرك القلوب. قلنا: يحركها شيئان:
أحدهما: كثرة الذكر للمحبوب؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلوب به.
الثاني: مطالعة آلائه ونعمائه فإذا ذكر العبد ما أنعم الله به عليه من تسخير السماء والأرض وما فيها من الأشجار والحيوان وما أسبغ عليه من النعم الباطنة من الإيمان وغيره فلا بد أن يثير عنده باعثًا. وكذلك الخوف تحركه مطالعة آيات الوعيد والزجر والعرض والحساب ونحوه.
وكذلك الرجاء يحركه مطالعة الكرم والحلم والعفو"١.
قوله: "َودَلِيلُ التَّوَكُلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ " أصل التوكل: الاعتماد. تقول: توكلت على الله توكلًا، أي: اعتمدت عليه، هذا معنى التوكل. وحقيقة التوكل: أن يعتمد العبد على الله ﷾ اعتمادًا صادقًا في مصالح دينه ودنياه مع فعل الأسباب المأذون فيها. فالتوكل: اعتقاد، واعتماد، وعمل. أما الاعتقاد فهو: أن يعلم العبد أن الأمر كله لله، فإن ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن. والله جل وعلا هو: النافع، الضار، المعطي، المانع. ثم بعد هذا
_________________
(١) ١ "مجموع الفتاوى": "١/٩٥-٩٦".
[ ٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الاعتقاد يعتقد بقلبه على ربه سبحانه، ويثق به غاية الوثوق، ثم بعد هذا يأتي الأمر الثالث وهو: أن يفعل الأسباب المأذون فيها شرعًا.
والتوكل على الله تعالى نوعان:
أحدهما: توكل عليه في تحصيل حظ العبد من الرزق والعافية وغيرهما.
وثانيهما: توكل عليه في تحصيل مرضاته.
فأما النوع الأول فغايته المطلوبة وإن لم تكن عبادة؛ لأنها محض حظ العبد، فالتوكل على الله في حصوله عبادة، فهو منشأ لمصلحة دينه ودنياه.
وأما النوع الثاني: فغايته عبادة، وهو في نفسه عبادة، فلا علة فيه بوجه فإنه استعانة بالله على ما يرضيه. فصاحبه متحقق بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ١.
وأما التوكل على غير الله تعالى فأنواع:
النوع الأول: التوكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله من جلب المنافع ودفع المضار، وهذا شرك أكبر لأنه إذا كان التوكل على الله من تمام الإيمان، فالتوكل على غير الله فيما لا يقدر عليه غير الله من الشرك الأكبر، وهذا النوع هو المراد بقوله تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٢، وقال تعالى:
_________________
(١) ١ "طريق الهجرتين": "ص٣٣٦"، والآية من سورة الفاتحة، رقم: ٥. ٢ سورة هود، الآية: ١٢٣.
[ ٨٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ ١.
النوع الثاني: أن يتوكل على حي حاضر من ملك أو وزير أو مسؤول فيما أقدره الله عليه من زرق أو دفع أذى، وهذا شرك أصغر، بسبب قوة تعلق القلب بهذا الإنسان واعتماده عليه. أما إذا اعتقد أن هذا الإنسان سبب، وأن الله تعالى هو الذي أقدره على هذا الشيء وأجراه على يديه فهذا لا بأس به إذا كان لهذا الإنسان أثر صحيح في حصول المراد. لكن كثيرًا من الناس قد لا يمر على باله هذا المعنى، ويكاد يعتمد على هذا الإنسان في حصول مراده.
النوع الثالث: الاعتماد على الغير في فعل ما يقدر عليه نيابة عنه فهذا جائز دل عليه الكتاب والسنة والإجماع. لكن لا يعتمد عليه في حصول ما وكل فيه بل يتوكل على الله ﷾ في تيسير أمره الذي يطلبه إما بنفسه أو بنائبه ولهذا لا تقول: توكلت على فلان إنما تقول: وكلت فلانًا،
وقد وكل النبي ﷺ عليًا في ذبح بقية بدنه في حجة الوداع٢، ووكل أبا هريرة ﵁ على الصدقة٣، ووكل عروة بن الجعد أن
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآيات: ٢-٤. ٢ انظر: "تيسير العزيز الحميد": "ص٤٩٧".، وتوكيله ﷺ عليًا أخرجه مسلم من حديث جابر ﷺ: "رقم١٢١٨". ٣ أخرجه البخاري: "٤/٤٨٧-فتح".
[ ٨٥ ]
﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ .
ــ
يشتري له أضحية١.
أما الآية وهي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فقوله: ﴿وَعَلَى اللَّهِ﴾، أي: لا على غيره، وهذا يفيد الحصر؛ لأن من طرق القصر عند البلاغيين تقدم ما حقه التأخير، والأصل: توكلوا على الله، وقوله: ﴿فَتَوَكَّلُوا﴾ هذا أمر يدل على وجوب التوكل، أي: اعتمدوا على الله جل وعلا، وفوضوا أموركم إليه. فدلت الآية على وجوب التوكل، وأنه من العبادات. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، أي: إن كنتم مؤمنين بالله جل وعلا فعليه توكلوا. قال ابن القيم: "فجعل التوكل على الله شرطًا في الإيمان فدل على انتفاء الإيمان عند انتفائه فمن لا توكل له لا إيمان له"٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٣ ساق المؤلف آيتين في التوكل، والغالب أنه لا يسوق إلا دليلًا واحدًا وكأنه أراد –والله أعلم- أن الدليل الأول فيه وجوب التوكل والأمر بالتوكل، والدليل الثاني فيه جزاء من توكل على الله، هذا الذي يظهر، والله أعلم.
وقوله: ﴿فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، أي: كافيه. ومن كان الله جل وعلا كافيه تيسرت أموره، ولا مطمع لأحد فيه، وهو يدل على عظم شأن التوكل
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "٦/٦٣٢" ٢ انظر: "مدارج السالكين": "٢/١٢٩". ٣ سورة الطلاق، الآية: ٣.
[ ٨٦ ]
ودليل الرغبة والرهبة والخشوع وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ .
ــ
وفضله، حتى إنه لم يأت في أي عبادة من العبادات أن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ إلا في مقام التوكل.
ومن فضيلة التوكل –أيضًا-: أن الله تعالى جعله سببًا لنيل محبته، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ١. ومن فضيلة أنه دليل على صحة إسلام المتوكل، قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ٢.
قوله: "ودليل الرغبة والرهبة والخشوع وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٣"
هذه ثلاثة أنواع من العبادة دلت عليها آية واحدة.
الأول الرهبة. والرهبة بمعنى الخوف المثمر للهرب من المخوف. فهي خوف مقرون بعمل. قال الراغب: الرهبة والرهب: مخافة مع تحرز واضطراب٤.
والثاني: الرغبة. ومعناها السؤال والتضرع والابتهال مع محبة الوصول إلى الشيء المحبوب فإذا كان يدعو وعنده قوة لحصول مطلوبه فهذه رغبة.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية: ١٥٩. ٢ سورة يونس، الآية: ٨٤. ٣ سورة الأنبياء، الآية: ٩٠. ٤ "المفردات في غريب القران": "ص٢٠٤".
[ ٨٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والثالث: الخشوع وهو التذلل والتطامن، وهو بمعنى الخضوع إلا أن الخضوع يغلب أن يكون في البدن، والخشوع في القلب أو البصر أو الصوت. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ ٤.
والدليل على أن هذه الثلاثة عبادات: أن الله جل وعلا أثنى على الأنبياء الذين تقدم ذكرهم في هذه السورة –سورة الأنبياء- أو على زكريا ﵊ وأهل بيته فقال عنهم: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾، يعني: يبادرون في الطاعات، ويسارعون في الخيرات، ويسابقون إلى نيل القربات، وهذا يدل على أن المسلم ينبغي له المبادرة بطاعة الله جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ ٥.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ الرغب والرهب مصدران لرغب يرغب رغبًا، ورغبة بمعنى: الضراعة والمسألة، ورهب يرهب رهبًا، ورهبة، أي: خاف. والمعنى: يدعوننا رغبًا في رحمتنا ورهبًا من عقوبتنا ﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾،
_________________
(١) ١ سورة المؤمنون، الآية: ٢. ٢ سورة طه، الآية: ١٠٨. ٣ سورة المعارج، الآية: ٤٤. ٤ سورة الحديد، الآية: ١٦. ٥ سورة آل عمران، الآية: ١٣٣.
[ ٨٨ ]
ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ الآية.
ــ
أي: خاضعين متذللين، فأثنى الله تعالى عليهم ومدحهم بهذه الصفات ولا يمدح إلا من كان عابدًا لله تعالى.
وفي الآية دليل على أنه ينبغي للداعي أن يجمع بين الرغبة في رحمة الله تعالى والرهبة من عذابه. وعلى فضل الخشوع في العبادات لاسيما الصلاة والدعاء.
قوله: "ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ الآية١" تقدم أن الخشية بمعنى الخوف، ولكن الخشية أخص؛ لأنها مبنية على علم بعظمة من يخشاه. قال الراغب: "الخشية: خوف يشوبه تعظيم. وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى منه. ولذلك خص العلماء بها في قوله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ ٢.
ووجه الدلالة من الآية على أن الخشية من أجل العبادات أن الله تعالى نهي المسلمين عن خشية الكفار وأمر بخشية وحده لا شريك له. ومثلها قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ .
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "الخوف والخشية والخشوع والإخبات والوجل معانيها متقاربة، فالخوف يمنع العبد عن محارم الله، وتشاركه الخشية في ذلك، وتزيد أن الخوف مقرون بمعرفة الله. وأما الخشوع والإخبات والوجل فإنها تنشأ عن الخوف والخشية لله، فيخضع
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية: ٣. ٢ المفردات: "ص١٤٩"، والآية من سورة فاطر، رقم: ٢٨.
[ ٨٩ ]
وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الآية.
ــ
العبد لله ويخبت إلى ربه منيبًا إليه بقلبه ويحدث له له الوجل. وأما الخشوع فهو حضور القلب وقت تلبسه بطاعة الله وسكون ظاهرة وباطنة فهذا خشوع خاص. وأما الخشوع الدائم الذي هو وصف خواص المؤمنين فينشأ من كمال معرفة العبد بربه ومراقبته فيستولي ذلك على القلب كما تستولي المحبة"١.
قوله: "وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ٢". الإنابة بمعنى التوبة، ولكن قال العلماء: إنها أعلى من التوبة؛ لأن التوبة إقلاع وندم وعزم على ألا يعود، أما الإنابة ففيها المعاني الثلاثة، وتزيد معنى آخر وهو الإقبال على الله تعالى بالعبادات، فإذا أقلع الإنسان من معصية، وعزم ألا يعود، وندم على ما مضى، واستمر على ما هو عليه من عباداته، يقال: هذا تائب، لكن من معصية، وعزم ألا يعود، وندم على ما مضى، واستمر على ما هو عليه من عباداته، يقال: هذا تائب، لكن إذا تجدد له الإقبال بعد موته فهذا منيب إلى الله تعالى، وقد ذكر ابن القيم ﵀ أن الإنابة إنابتان:
١- إنابة لربوبيته: وهي إنابة المخلوقات كلها يشترك فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ ٣، فهذا عام في حق كل داع أصابه ضر كما هو الواقع. وهذه الإنابة لا تستلزم الإسلام بل تجامع الشرك والكفر، كما قال تعالى في
_________________
(١) ١ "فوائد قرآنية": "ص٩٦". ٢ سورة الزمر، الآية: ٥٤. ٣ سورة الروم، الآية: ٣٣.
[ ٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
حق هؤلاء: ﴿ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ﴾ ١.
٢- إنابة لإلهيته: وهي إنابة أوليائه، إنابة عبودية ومحبة، وتتضمن أربعة أمور: محبته، والخضوع له، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه.
فالمنيب إلى الله: المسرع إلى مرضاته الراجع إليه كل وقت المتقدم إلى محابه؛ لأن لفظ "الإنابة" فيه معنى الإسراع والرجوع والتقدم٢.
وفي الآية الكريمة ما يدل على أن الإنابة من العبادات، وأن الله جل وعلا أمر بها. ولهذا لم يذكر المصنف التوبة من أنواع العبادة، إنما اقتصر على ذكر الإنابة؛ لأن صورة العبادة بالنسبة للإنابة أوضح من صورتها بالنسبة إلى التوبة بسبب زيادة الإقبال على العبادة.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾، أي: ارجعوا إليه بالطاعة، ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾، المراد بالإسلام في الآية الكريمة هو الإسلام الشرعي، ومعناه: الاستسلام والانقياد لأحكام الشريعة، وهذا لا يكون إلا للطائعين، فالطائع مسلم إسلامًا شرعيًا؛ لأنه انقاد لأحكام الشرع، أما بالنسبة إلى الإسلام الكوني، وهو المعنى الثاني، فهذا هو الاستسلام لحكم الله الكوني، وهذا ليس خاصًا بالطائعين بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ٣، ففيه من يسلم طائعًا،
_________________
(١) ١ سورة الروم، الآيتان: ٣٣-٣٤. ٢ "مدارج السالكين": "١/٤٣٤". ٣ سورة آل عمران، الآية: ٨٣.
[ ٩١ ]
ودليل الاستعانة وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ .
ــ
وفيه من يسلم وهو كاره. ومعنى هذه الآية أن جميع من في السموات ومن في الأرض منقادون لحكم الله الكوني بمعنى أنهم منقادون لما يجريه الله تعالى ويقدره عليهم شاءوا أم أبوا فهذا إسلام كوني. أما الإسلام الشرعي الذي يمدح فاعله وهو من أنواع العبادة فهو المعنى الأول.
قوله: "ودليل الاستعانة وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ " الاستعانة طلب العون؛ لأن الألف والسين والتاء في اللغة للطلب، فإذا قيل: استعان فمعناه طلب الإعانة، وإذا قيل: استغاث، أي: طلب الغوث. وإذا قيل: استخبر، أي: طلب الخبر.
والاستعانة أنواع:
النوع الأول: الاستعانة بالله، وهي الاستعانة المتضمنة كمال الذل من العبد لربه مع الثقة به والاعتماد عليه، وهذه لا تكون إلا لله فهي تتضمن ثلاثة أشياء:
الأول: الخضوع والتذلل لله تعالى.
الثاني: الثقة بالله جل وعلا.
الثالث: الاعتماد على الله ﷾، وهذه لا تكون إلا لله، فمن استعان بغير الله محققًا هذه المعاني الثلاثة فقد أشرك مع الله غيره١.
والعبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه ودفع مضاره ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ﷿. وهذا تحقيق معنى قول:
_________________
(١) ١ انظر: "مدارج السالكين": "١/٧٤، ٧٥".
[ ٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
"لا حول ولا قوة إلا بالله"، فإن المعنى: لا تحول للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إلا بالله تعالى. وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور. وهذه في الدنيا. وكذا عند الموت وبعده من أحوال البرزخ ويوم القيامة ولا يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله ﷿. فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كله أعانه١.
النوع الثاني: الاستعانة بالمخلوق على أمر قادر عليه. ومعنى الاستعانة بالمخلوق: أن تطلب منه أن يعينك ويساعدك، وشرط ذلك أن يكون في أمر يقدر عليه، فهذه إن كانت على بر وخير فهي جائزة والمعين مثاب على لأنه إحسان، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ٢، وإن كانت على إثم فهي حرام، قال تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ .
النوع الثالث: الاستعانة بالأموات أو بالأحياء على أمر غائب لا يقدرون عليه فهذا شرك؛ لأنه إذا استعان بالميت أو بحي على أمر بعيد غائب عنه لا يقدر عليه؛ فهذا يدل على أنه يعتقد أن لهؤلاء تصرفًا في الكون وأن مع الله مدبرًا.
النوع الرابع: الاستعانة بأعمال وأحوال محبوبة شرعًا، فهذا النوع مشروع بدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ
_________________
(١) ١ انظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب: شرح الحديث "١٩". ٢ سورة المائدة، الآية: ٢.
[ ٩٣ ]
وفي الحديث: "إذا استعنت فاستعن بالله".
ــ
مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ١، فكونك تستعين بالصبر وتستعين بالصلاة على أمورك هذا أمر محبوب٢.
وقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ في هذه الآية اجتمع أمران عظيمان عليهما مدار العبودية. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تبرؤ من الشرك. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تبرؤ من الحول والقوة، وتقديم المعمول هنا يفيد الحصر –كما مر-؛ لأن المعنى لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.
يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "وتقديم العبادة على الاستعانة بمن باب تقديم العام على الخاص. واهتمامًا بقديم حقه الله تعالى على حق عبده
وذكر الاستعانة بعد العبادة مع دخولها فيها لاحتياج العبد في جميع عباداته إلى الاستعانة بالله تعالى. فإنه إن لم يعنه الله، لم يحصل له ما يريد من فعل الأوامر واجتناب النواهي"٣.
قوله: وفي الحديث: "إذا استعنت فاستعن بالله" هذا جزء من حديث ابن عباس، وهو حديث عظيم جليل القدر٤، أوله: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك"، أي: احفظ حدوده وأوامر يحفظك
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ١٥٣. ٢ انظر: "شرح الأصول الثلاثة" للشيخ محمد العثيمين: "ص٥٨". ٣ "تفسير ابن سعدي": "١/٢٨،٢٩". ٤ "جامع الترمذي": "٧/٢١٩-تحفة". وأخرجه أحمد: "١/٢٩٣" وللحافظ ابن رجب شرح وافٍ لهذا الحديث مطبوع في جزء لطيف.
[ ٩٤ ]
وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ .
ــ
حيث توجهت، "وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". والمعنى: عليك أن تحصر استعانتك وطلبك العون في الله ﷾، فمن استعان بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فهو مشرك.
قوله: "وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ١" و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ٢. الاستعاذة: هي الاعتصام والالتجاء إلى من تعتقد أنه يعيذك ويلجئك. والاستعاذة بالله تعالى هي التي تتضمن كمال الافتقار إليه سبحانه، والاعتصام به، واعتقاد كفايته وتمام حمايته من كل شر. ولا ريب أن هذه المعاني لا تكون إلا ﷾. ويدخل في الاستعاذة بالله جل وعلا: الاستعاذة بصفاته، والاستعاذة بكلماته وبعزته، ونحو هذا، كما في بعض الأوراد الصحيحة الثابتة: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق" ٣، و"أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"٤، فهذا استعاذة بالله ﷾.
أما الاستعاذة بالأموات أو بالأحياء غير الحاضرين القادرين فهذا شرك كما تقدم في الاستعانة. أما الاستعانة بمخلوق يمكن العوذ به لأنه قادر، فهذا يجوز كما لو هربت من سبع والتجأت إلى شخص آخر
_________________
(١) ١ سورة الناس، الآية: ١. ٢ سورة الفلق: الآية: ١. ٣ أخرجه مسلم: "رقم٢٧٠٨". ٤ أخرجه مسلم: "رقم٢٢٠٢".
[ ٩٥ ]
وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية.
ــ
يحميك أو هربت من عدو والتجأت إلى شخص آخر يمنعك منه. وقد يكون الالتجاء إلى أمكنة، كأن شجرة أو يدخل في مكان، فمثل هذا لا بأس به.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ هذا أمر من الله ﷾ للنبي ﷺ والأمة تبع له في هذا، ومعنى ﴿أَعُوذُ﴾، أي التجئ وأتحصن ﴿بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، الفلق: هو الصبح والمعنى –والله أعلم-: أن القادر على إزالة هذه الظلمة من العالم قادر على أن يدفع عن هذا المستعيذ ما يخافه ويخشاه. وقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، أي: خالقهم ومصلح أحوالهم.
وفي الآيتين دليل على وجوب الاستعاذة بالله تعالى من جميع شرور خلقه، وأنه ﷾ القادر على إعاذة عبده ودفع الشرور عنه. وقد ورد عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن قط؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ١".
وقوله: "وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ٢" الاستغاثة أن تطلب الغوث ممن يستطيع أن ينقذك من ضيق أو شدة.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم: "رقم٨١٤"، والترمذي: "٥/٤٥٣". ٢ سورة الأنفال، الآية: ٩.
[ ٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والفرق بين الاستغاثة والاستعاذة تطلب منه أن يعصمك وأن يمنعك وأن يحصنك، والاستغاثة تطلب منه أن يزيل ما فيك من شدة، وهذا لا يكون إلا لله ﷾ القادر على كل شيء. والاستغاثة كالاستعاذة تتضمن كمال الافتقار إلى الله ﷾ واعتقاد كفايته. قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، أي: تستجيرون ربكم وتطلبون منه الغوث فاستجاب لكم. وهذه الآية نزلت في عزوة بدر الكبرى. وكان المشركون أكثر من المسلمين ثلاث مرات، فالمسلمون بقيادة النبي ﷺ توجهوا إلى الله ﷾ بأن يمدهم بالنصر وأن يخلصهم من هذا الموقف الذي هم فيه. وقد ورد عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: لما كان يوم بدر نظر النبي ﷺ إلى أصحابه وهم ثلاث مائة ونيف ونظر إلى المشركين فإذا هم ألف وزيادة –وفي روايات أخرى: أنهم بين الألف والتسعمائة- فاستقل النبي ﷺ القبلة وعليه رداؤه وإزاره ثم قال: "اللهم أنجز لي ما عدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا، قال: فما زال يستغيث ربه ويدعوه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فرده ثم التزامه من ورائه ثم قال: يا نبي الله، كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم: "رقم ١٧٦٢"، وأحمد: "١/٣٠، ٣١".
[ ٩٧ ]
ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ .
ــ
قوله: "ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ١" المراد بالذبح هنا: ذبح القربان والضحايا والهدايا والذبح يقع على وجوه:
النوع الأول: يقع عبادة لله يقصد بها الذابح تعظيم المذبوح له، والتقرب إليه، وهذا لا يكون إلا لله ﷾، فلو تقرب بالذبح لشخص من سلطان أو غيره لوقع في المشرك. وعلامة ذلك أنه يذبح في وجهه، أي: يريق الدم ساعة حضوره. فهذا معناه التعظيم، ودليل على أنه قصد بهذا التقرب إليه. وكذا لو ذبح للأولياء أو للجن كما يفعله كثير من الجهلة في بعض الجهات فهذا من الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه من الملة والعياذة بالله٢.
النوع الثاني: وهو الذبح إكرامًا للضيف أو لوليمة عرس، فهذا مأمور به في الشرع إما وجوبًا أو استحسانًا. وقد قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف ﵁: "أولم ولو بشاة"، وفي قصة الأنصاري الذي جاء إليه النبي ﷺ ومعه أبو بكر وعمر ﵄ فإنه لما ذهب يذبح لهم قال له النبي ﷺ: "إياك والحلوب" فذبح لهم.. فأقره النبي ﵊ على ذبحه لهم٣.
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية: ١٦٢. ٢ انظر: "فتح المجيد": "ص١٤٦". ٣ أخرجه مسلم: "رقم٢٠٣٨". وانظر: "جامع الأصول": "٤/٦٩١".
[ ٩٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النوع الثالث: أن يكون الذبح للتمتع بالأكل من المذبوح أو الاتجار به فهذا على الأصل في المنافع وهو الإباحة. قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ ١فامتن الله علينا بالأكل من هذه الأنعام٢.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي﴾، أي: جميع صلواتي ﴿وَنُسُكِي﴾، أي: جميع أنساكي وهي العبادات أو الذبائح التي يتقرب بها إلى تعالى من الهدي والأضحية والعقيقة، وفي هذا إثبات توحيد العبادة. ﴿وَمَحْيَايَ﴾، أي: أمر حياتي وما أعمله فيها. ﴿وَمَمَاتِي﴾، أي: أمر موتي وما ألقاه بعد، وفي هذا إثبات لتوحيد الربوبية ﴿لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي: خالص ومختص بالله خالق ومالك ومدبر العالمين. وهم كل من سوى الله تعالى. ﴿لاَ شَرِيكَ لَهُ﴾، أي: لا مشارك له في العبادة كما أنه لا شريك له في الملك والتدبير. ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾، أي: وبذلك الإخلاص والتوحيد أمرني الله تعالى أمرًا حتمًا لا أخرج من التبعة إلا بامتثاله. ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾، أي: أسبقهم انقيادًا إلى الإسلام لكمال علمه بالله تعالى، إن كان المراد بالأولية أولية الانقياد أو أسبقهم زمنًا ويكون المراد بـ:
_________________
(١) ١ سورة يس، الآيتان: ٧١، ٧٢. ٢ انظر: "تيسير العزيز الحميد": "ص١٩٠-١٩١"، "وشرح الأصول الثلاثة" لابن عثيمين: "ص٦٢".
[ ٩٩ ]
وَمِنَ السُنَّةِ: "لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله".
ــ
﴿الْمُسْلِمِينَ﴾ مسلمي أمته. وإن كان المراد أولية الزمن. والله أعلم بمراده في كتابه١.
قال في "قرة عيون الموحدين": "والمقصود أن هذه الآية دلت على أن أقوال العبد وأعماله الباطنة والظاهرة لا يجوز أن يصرف منها شيئًا لغير الله كائنًا من كان، فمن صرف شيئًا لغير الله؛ فقد وقع فيما نفاه تعالى من الشرك بقوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ والقرآن كله في تقرير هذا التوحيد في عبادته وبيانه، ونفي الشرك والبراء منه"٢.
قوله: "وَمِنَ السُنَّةِ: "لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ الله" هذا الحديث جزء من حديث علي ﵁ قال: "حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، لعن من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثًا، لعن الله من غير منار الأرض" ٣. واللعن: هو الطرد والإبعاد من رحمة الله. وقوله: "لعن الله" هذا يحتمل أنه خبر، ويحتمل أنه إنشاء، فإن كان خبرًا فمعناه: أن الرسول ﷺ يخبرنا أن الله جل وعلا لعن من ذبح لغير الله. وإن كان إنشا فمعناه: الدعاء، أي: الرسول ﷺ يدعو على من ذبح لغير الله أن يطرده من رحمته. والخبر أبلغ لأنه يفيد وقوع اللعن بخلاف الدعاء فقد يستجاب وقد لا يستجاب٤.
_________________
(١) ١ انظر: "فتح القدير" للشوكاني: "٢/١٨٥"، "وتفسير ابن سعدي": "٢/٩٢"، "الإلمام ببعض الآيات الأحكام" للشيخ محمد بن عثيمين: [تفسير ثالث متوسط: ص٧٦] . ٢ "قرة عيون الموحدين": ص٨٥. ٣ أخرجه مسلم: "رقم١٩٧٨". ٤ "القول المفيد": "١/٢٢٣".
[ ١٠٠ ]
وَدَلِيلُ النَّذْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ .
ــ
والذبح لغير الله عام سواء كان لملك أو لنبي أو لولي أو سلطان أو جني أو غير ذلك. وسواء كان المذبوح بعيرًا أو بقرة أو شاة أو دجاجة أو غيرها.
والذبح لله من أجل الطاعات وأعظم القربات، وفي حديث ابن عمر ﵄ أقام النبي ﷺ بالمدينة عشر سنين يضحي١. وأهدى إلى البيت مائة بدنة في حجة الوداع٢.
قوله: "وَدَلِيلُ النَّذْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ ٣" النذر: أن يلزم الإنسان نفسه شيئًا غير لازم بأصل بالشرع، فيلزم نفسه بصدقة أو صيام أو صلاة أو غير ذلك، إما بتعليقة على شيء نحو: إن شفى الله مريضي لأصومن ثلاثة أيام أو أتصدق بكذا، أو يكون ابتداء نحو: لله علي أن أتصدق بكذا. والجمهور على أنه مكروه. وقالت طائفة بتحريمة؛ لإن النبي ﷺ نهى عنه وقال:"إنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل" ٤، ولكنه إذا وقع وجب الوفاء به في الجملة.
ووجه الدلالة من الآية على أن النذر عبادة: أن الله مدح الموفين بالنذر، وكل أمر مدحه الشارع، أو أثنى على من قام به فهو عبادة؛ ولهذا أمر الله تعالى بالوفاء به قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ ٥، أي:
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد: "١٣/٦٥- الفتح الرباني"، والترمذي: "٥/٩٦- تحفة" وسنده حسن. ٢ أخرجه مسلم من حديث جابر ﵁: "رقم١٢١٨"، كما تقدم. ٣ سورة الإنسان، الآية: ٠٧. ٤ أخرجه البخاري: "١١/٤٩٩"، ومسلم برقم: "١٦٣٩" واللفظ له. ٥ سورة الحج، الاية:٢٩.
[ ١٠١ ]
أعمال حجهم وسميت نذورًا؛ لأن من أحرم بالحج فقد ألزم نفسه إتمامه وقال النبي ﷺ: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" ١.
فالنذر عبادة لا يجوز للإنسان أن ينذر لغير الله تعالى. فمن نذر لصنم أو لنبي ونحوهما فهو نذر باطل يحرم الوفاء به الإجماع وعليه أن يستغفر الله من هذا العمل٢.
وقوله تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، أي: منتشرًا عامًا بين الناس إلا من أدركه رحمة الله ﷿.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "رقم٦٦٩٦". ٢ انظر: "تيسير العزيز الحميد": "ص٢٠٤".
[ ١٠٢ ]
الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة
المرتبة الأولى: الإسلام
الأصل الثاني
معرفة دين الإسلام بالأدلة.
ــ
قوله: "الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة" لما فرغ المصنف ﵀ من الكلام على الأصل الأول وهو معرفة العبد ربه وحققه تحقيقًا بديعًا، وساق عليه الأدلة الكافية انتقل إلى الأصل الثاني: وهو معرفة دين الإسلام.
والدين في اللغة: يطلق على معان عدة منها:
١- الطاعة والانقياد. يقال: دان دينًا وديانة، أي: خضع، وذل وأطاع.
٢- ما يتدين به الإنسان، يقال: دان بكذا، أي: اتخذه دينًا وتعبد به.
والمعنى الثاني يدخل في مفهومه المعنى الأول؛ لأن من دان بدين خضع لتعاليمه وانقاد لها١.
والدين الإسلامي: هو الدين الذي بعث الله به محمدًا ﷺ، جعله خاتمة الأديان، وأكمله لعباده، وأتم به عليهم النعمة. وتقدم ذكر ذلك.
وقد أشار المصنف ﵀ بقوله: "معرفة دين الإسلام بالأدلة" إلى أن معرفة الدين لابد أن تكون مقرونة بالدليل، إما من كتاب وإما من سنة.
فيجب على الإنسان أن يكون عالمًا بالدليل على ما يقوم به من عبادة الله تعالى، ليكون على بصيرة من أمر دينه؛ لأن ذلك من أسباب الثبات عند السؤال في القبر بتوفيق الله تعالى. وتقدم هذا في أول الرسالة.
_________________
(١) ١ انظر: مادة "دين" من معاجم اللغة. وانظر: "نبذة في العقيدة الإسلامية": "ص٥".
[ ١٠٣ ]
وَهُوَ الاسْتِسْلامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، والخلوص من الشرك.
ــ
قوله: "وهو"، أي: دين الإسلام، الذي بعث الله به نبيه ﷺ يقوم على ثلاثة أسس:
الأساس الأول: الاستسلام لله بالتوحيد.
الأساس الثاني: الانقياد لله تعالى بالطاعة.
الأساس الثالث: البراءة من الشرك ومن أهل الشرك.
فهذه الأمور الثلاثة هي التي ينتظمها دين الإسلام. أما الأول فهو "الاستسلام لله" بمعنى: الخضوع والذل له سبحانه؛ لأن من معاني مادة "أسلم" في اللغة: الطاعة والإذعان. وقد ورد هذا في قول الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ١، والمسلم سمي بذلك لخضوع جوارحه لطاعة بربه٢. وقوله: "بالتوحيد" هذا شامل لتوحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، والمعنى: أن يستسلم ويخضع لله ﷿ وأن يفرد بربوبيته وألوهيته.
الثاني: "والانقياد له بالطاعة" الطاعة تشتمل المأمور والمحضور. الطاعة في المأمور بالفعل، والطاعة في المحضور بالترك. الثالث: "والخلوص من الشرك"، أي: البراءة من الشرك وأهله، فلا يتم دين الإنسان إلا إذا تبرأ من المشركين وتبرأ من الشرك فلا يشاركهم في اعتقاد، ولا يشاركهم في مسكن، ولا يتشبه بهم أو يأخذ شيئًا من عادتهم أو من تقاليدهم كما مر.
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية: ٥٤. ٢ انظر: "لسان العرب": مادة "سلم".
[ ١٠٤ ]
وهو ثلاث مراتب: "الإسلام" و"الإيمان" و"الإحسان". وكل مرتبة لها أركان. فأركان الإسلام: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام.
ــ
قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ١.
قوله: "وهو ثلاث مراتب"، يعني: الدين ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان، كما في حديث عمر ﵁ وسيأتي إن شاء الله.
والمراتب: جمع مرتبة، والمرتبة والرتبة: هي المنزلة، والمكانة، ورتب الشيء ترتيبًا: أثبته وجعله في مرتبته، أي، منزلته٢.
قوله: وكل مرتبة لها أركان. فأركان الإسلام: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام".
الأركان جمع ركن، وهو جانب الشيء الأقوى الذي لا يقوم ولا يتم إلا به.
ودليل هذه الأركان الخمسة: حديث ابن عمر ﵄
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة، الآية: ٤. ٢ انظر: الوافي "معجم وسيط للغة العربية": "ص٢٢٢".
[ ١٠٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: قال رسول الله ﷺ: "بني الإسلام على خمس: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وحج البيت، وصوم رمضان" ١.
قال الحافظ ابن رجب ﵀: "المراد من هذا الحديث أن الإسلام مبني على هذه الخمس، فهي كالأركان والدعائم لبنيانه، والمقصود تمثيل الإسلام بنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان، فإذا فقد منها شيء نقص البنيان وهو قائم، لا ينقص ذلك، بخلاف نقص هذه الدعائم، فإن الإسلام يزول بفقدها جميعًا بغير إشكال وكذلك يزول بفقد الشهادتين، وإما إقام الصلاة فقد وردت أحاديث مقصودة تدل على أن من تركها فقد خرج من الإسلام وذهب إلى هذا القول جماعة من السلف والخلف وذهبت طائفة منهم إلى أن من ترك من أركان الإسلام الخمسة عمدًا أنه كافر بذلك "٢.
فالركن الأول: هو الشهادة ومعناها: الاعتقاد الجازم، والذي ينبئ عن هذا الاعتقاد هو اللسان، فالشهادة: هي الاعتقاد الجازم الذي يعبر عنه اللسان، وأطلق على الاعتقاد لفظ الشهادة؛ لبيان أنه لابد من الاعتقاد الجازم. والشهادة تكون مقرونة برؤية المشهود عليه أو بسماعه مثلًا. فلما
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "١/٤٩-فتح"، ومسلم: "رقم١٦". ٢ "جامع العلوم والحكم": شرح الحديث الثالث.
[ ١٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) أريد أن هذا الاعتقاد يكون جازمًا عبر عنه بلفظ يدل على الجزم وهو لفظ الشهادة، هذه هي الحكمة -والله أعلم- من أنه يقال: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ محمدًا رسول الله ولا يقال اعتقاد. فاختير لفظ الشهادة دون لفظ الاعتقاد من باب التوكيد والجزم حتى كأن هذا الذي تعتقده كأنك تشاهده والذي تشاهده تشهد به. هذا معنى لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله. ثم هنا مسألة أخرى وهي أنه في هذا الحديث جعلت الشهادتان ركنًا واحدًا فلم تجعل شهادة أن لا إله إلا الله ركنًا وتجعل شهادة أن محمدًا رسول الله ركنًا؛ لأن المشهود به متعدد. والجواب عن هذا السؤال من وجهين: الأول: أن هاتين الشهادتين أساس صحة الأعمال وقبولها إذ لا يقبل العمل ولا يكون صحيحًا إلا بأمرين:
(٢) الإخلاص لله سبحانه.
(٣) المتابعة للرسول ﷺ فإذا تحققت شهادة أن لا إله إلا الله، وإذا وجدت المتابعة تحققت شهادة أن محمدًا رسول الله. فإذا كانت الشهادتين هم أساس الأعمال صح أن يكون ركنًا واحدًا. الثاني: أن الرسول ﷺ مبلغ عن الله، فالشهادة له بالرسالة والعبودية من تمام أن لا إله إلا الله، فكأن الثانية تكملة للأولى. أما بقية الأركان فيأتي الكلام عليها _إن شاء الله- عند سياق المصنف أدلتها.
[ ١٠٧ ]
فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
ــ
قوله: "فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١" بدأ المصنف ﵀ بذكر الأدلة على الأركان. والآية التي ساقها دليلًا على الشهادة آية عظيمة دلت على أعظم شهادة من أجل شاهد لأعظم مشهود به، فأعظم شهادة هي شهادة التوحيد من أجل شاهد وهو ﴿اللَّهُ﴾ ﷾ ثم ﴿والْمَلائِكَةُ﴾ على أعظم مشهود به وهو أنه لا إله إلا الله، ومعنى ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، أي: حكم وأعلم وأخبر؛ لأن الشهادة تأتي بهذه المعاني: وقوله: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، المراد بالعلم هنا: العلم الشرعي الذي هو نور القلوب وحياتها. والمراد بأولي العلم: الأنبياء والعلماء. وفي قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ دليل واضح على فضل العلم وأهله؛ لأن الله جل وعلا خصهم بالذكر من دون البشر ولو كان أحد يقاربهم في هذا لذكر معهم، بل لو كان أحد أفضل منهم لذكر. والله جل وعلا خصهم بالذكر وقرن شهادتهم بشهادته وشهادة الملائكة، فيصلح أن تكون الآية من الأدلة على فضل العلم من وجهين:
الوجه الأول: أن الله تعالى خصهم بالذكر دون سائر البشر؛ لأن الله لم يذكر من البشر أحدًا إلا أولي العلم، فإنه سبحانه ذكر نفسه المقدسة ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾، وذكر الملائكة وهم ليسوا من البشر، ولم يذكر من البشر
_________________
(١) ١ سورة أل عمران، الآية ١٨.
[ ١٠٨ ]
ومعناها: لا معبود حق إلا الله وحده.
ــ
إلا أولي العلم، فلو كان من البشر من هو أفضل من أولي العلم أو مثلهم لذكر.
الوجه الثاني: أن الله تعالى قرن شهادتهم بشهادته، وهذه رفعة لهم، حيث إنهم يشهدون بألوهية الله ﷾ وإفراده بالعبادة.
وقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ القسط: هو العدل في القول والعمل والحكم. و﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ حال لازمة، أي: شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ اله إِلاَّ هُوَ حال كونه ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، ثم أعاد توحيده مرة أخرى ﷾ فقال: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
قوله: "ومعناها"، أي: شهادة أن لا إله إلا الله "لا معبود حق إلا الله" فلا إله، أي: "لا معبود"، وأصل إله بمعنى: مألوه، من أله يأله إلهة، أي: عبد يعبد عبادة، والتأله في لغة العرب معناه: التعبد. فـ"لا" هنا نافية للجنس وتسمى أيضًا في بعض كتب النحو بـ"لا التبرئة"، فإذا قال: لا إله إلا الله، تبرأ من جميع المعبودات إلا الله. و"إله" اسم "لا" والخبر محذوف، والنحويون يقدرون الخبر كلمة "موجود"، وهذا التقدير ليس بصحيح إذ لا يصح أن يقال: إله موجود إلا الله؛ لأن فيه آلهة موجودة كثيرة غير الله ﷾. مثل الأشجار والأحجار والأشخاص إلى غير ذلك، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١. فهذا التقدير لا يصلح، والصواب أن يكون
_________________
(١) ١ سورة لقمان، الآية: ٣٠.
[ ١٠٩ ]
"لا اله" نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ. "إِلا اللهُ" مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أنه ليس له شريك في ملكه.
ــ
التقدير لا إله حق أو لا إله معبود بحق. "إلا الله" ﷾، "وإلا" حصر، ولفظ الجلالة بدل من الضمير المستتر في الخبر؛ لأن خبر "لا" إذا قلنا: لا إله معبود بحق، أو قلنا: لا إله حق، فيه ضمير مستتر فيكون لفظ الجلالة بدلًا من هذا الضمير، هذا هو إعراب كلمة الإخلاص، وإنما ذكرت إعرابها لأنه قد يمر على الطالب في بعض كتب النحو تقدير الخبر بكلمة "موجود" وقد تبين فساده١.
قوله: " [لا اله] نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ. "إِلا اللهُ" مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أنه ليس له شريك في ملكه"، أي: أن هذه الكلمة العظيمة اشتملت على نفي وإثبات، فإن معناها: لا معبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده لا شريك له كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢، مع قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣، ففيها إثبات الألوهية الحقة لله تعالى، وترك عبادة ما سواه، وأن ما سوى الله ليس بإله وأن إلهية ما سواه من أبطل الباطل، قال
_________________
(١) ١ ومنهم من يرى أن الكلام تام لا يحتاج إلى تقدير خبر فـ"لا إله" مبتدأ، و"إلا الله" خبره. راجع رسالة: "التجريد في إعراب كلمة التوحيد" تأليف العلامة الشيخ علي القاري، المتوفى سنة ١٠١٤هـ. ٢ سورة الأنبياء، الآية: ٢٥. ٣ سورة النحل، الآية: ٣٦.
[ ١١٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١.
فـ"لا إله إلا الله" اشتملت على أمرين هما ركناها: النفي "لا إله"، والإثبات "إلا الله"، والنفي المحض ليس بتوحيد، وكذلك الإثبات المحض، فلا بد من الجمع بينهما.
يقول الحافظ ابن رجب ﵀:
"والإله هو الذي يطاع فلا يعصى، هيبة له وإجلالًا، ومحبة وخوفًا، ورجاءً وتوكلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله إلا الله ﷿، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهية كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قول: "لا إله إلا الله"، ونقصًا في توحيده، وكان فيه من عبوديته المخلوق بحسب ما فيه من ذلك. وهذا كله من فروع الشرك "٢.
وكما أن الله تعالى هو المتفرد في ملكه، فهو المتفرد بالعبادة؛ لأن من أظلم الظلم أن يجعل المخلوق الذي ليس شريكًا لله في الملك شريكًا معه في العبادة تعالى وتقدس. ولهذا يحتج تعالى على من أنكر ألوهيته بما أقر به من ربوبيته، فإن توحيد الربوبية هو الدليل على توحيد الإلهية، وقد تقدم ذكر ذلك.
_________________
(١) ١ سورة لقمان، الآية: ٣٠. ٢ "كلمة الإخلاص": "ص٢٣، ٢٤".
[ ١١١ ]
وَتَفْسِيرُهَا الَّذِي يُوَضِّحُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ .
ــ
قوله: "وتفسيرها الذي يوضحها"، أي: من القرآن الكريم ولم يكل في بيان معناها إلى أحد سواه "قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ١" فهذا إبراهيم خليل الرحمن يتبرأ من الآلهة التي عليها قومه، ويلزم من هذا أن يتبرأ منهم أيضًا، فإبراهيم ﵊ تبرأ من الشرك وأهله مع أنهم أقرب الناس إليه: أبوه، وقومه –أهل بابل وملكهم نمرود- وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاء﴾، أي: إنني بريء ﴿مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾، يعني: من الأصنام والأوثان. وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ يقابل قوله: "لا إله"، فمعنى: "لا إله" هو معنى ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ﴾ وهذا نفي. ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ معنى فطرني، أي: برأني وابتدأ خلقي. وهذا فيه معنى "إلا الله"، ثم قال مؤكدًا هذه العقيدة السليمة ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، السين هنا للتوكيد، ومعنى يهدين: أي: يرشدني ويوفقني إلى سلوك الصراط المستقيم. ﴿وَجَعَلَهَا﴾ الضمير يعود إلى كلمة التوحيد المأخوذ من قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فهذه الكلمة العظيمة وهي كلمة التوحيد جعلها إبراهيم ﵊ باقية في عقبه، والدليل على أنه جعلها باقية في عقبه قول الله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا
_________________
(١) ١ سورة الزخرف، الآيات: ٢٦-٢٨.
[ ١١٢ ]
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ .
ــ
إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، يعني: لعلهم يرجعون من الشرك إلى تحقيق هذه الكلمة، فإن من لم يأت بهذه الكلمة عارفًا معناها عاملًا بمقتضاها وقع في الشرك، ولهذا قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ وهذه الآية من الآيات العظيمة في العقيدة، وقد دلت على دلت على فوائد نذكر منها:
أولًا: أن الآية دليل على وجوب البراءة من الشرك والمشركين، فيصلح أن نستدل بالآية على الجزئية الثالثة التي ذكرها الشيخ قبل قليل وهي البراءة من الشرك وأهله.
ثانيًا: الآية دليل على فضيلة من يورث أولاده هدى وصلاحًا وأن الإنسان ينشئ أولاده ويربيهم ويورثهم الهدى والصلاح فإن إبراهيم ﵊ جعل هذه الكلمة باقية في عقبه وفي ذريته.
الفائدة الثالثة: أن الآية فيها دليل على أن من الكمال العقلي والإدراك السليم أن يتبع المرء الهدى ولو خالف أهله وقومه وأهل بلاده.
قوله: "وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٢" هذه الآية تدلنا على
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ١٣٢. ٢ سورة آل عمران، الآية: ٦٤.
[ ١١٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تفسير الشهادة ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ أي: هلموا وأقبلوا ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾، قال المفسرون: الكلمة السواء هي الكلمة العادلة، فكل كلمة عادلة يطلق عليها كلمة سواء ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾، أي: نحن وأنتم سواء في هذه الكلمة ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ هذا نفي أي: "لا إله"، وقوله "إلا الله" هذا إثبات ﴿وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ هذا لبيان أن العبادة لا تتم إلا بالتخلي عن الشرك؛ لأن من عبد الله وأشرك معه غيره لم يحقق المعنى المطلوب من العبادة؛ لأن المعنى المطلوب من العبادة هو إفراد الله تعالى بالعبادة كما تدل عليه كلمة الإخلاص، وقوله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هذا من مقتضيات كلمة الإخلاص، والمعنى: لا يتخذ بعضنا البعض الآخر ربًا مطاعًا من دون الله فيفرض طاعته على غيره، فإن هذا يخل بمعنى العبادة. وقد ورد عن عدي ﵁ وأرضاه أنه لما تلا عليه الرسول ﷺ قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ١، قال: يا رسول الله، لسنا نعبدهم. قال: "أليسوا يحلون ما حرم الله فتحلونه ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه، قال: بلى، قال: فتلك عبادتهم" ٢، فدل على أن من مقتضيات كلمة الإخلاص ألا يتخذ ربًا ومشرعًا إلا الله ﷾، فمن اتخذ غير الله ﷾ مشرعًا فقد عبده مع الله، وقد عطف قوله: ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية: ٣١. ٢ تقدم تخريجه.
[ ١١٤ ]
وَدِليلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
ــ
أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ على الجملة السابقة؛ لأن من مستلزمات الشهادة أن نفرد الله تعالى بالتشريع فلا حكم إلا ما شرع الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ١، وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، أي: امتنعوا وأبوا أن ينقادوا لهذه الكلمة العظيمة ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾، يعني: صرحوا لهم بأنكم مسلمون وأنكم بريئون منهم وما هم عليه.
قوله: "وَدِليلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢" هذه الآية دليل على شهادة أن محمدًا رسول الله، وفيها بيان أن الله جل وعلا امتن على هذه الأمة ببعثة هذا الرسول الكريم ووصف هذا الرسول بأنه "من أنفسهم" فهم يعرفون صدقه ونسبه ويمكنهم الجلوس معه وسماع خطابه وكلامه؛ لأنه ليس بغريب عليهم، وقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ أصل العنت بمعنى المشقة، ومعنى ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾، أي: شديد عليه كل ما فيه مشقة عليكم من آصار وأغلال؛ لأنه ﷺ بعث بالحنيفية السمحة٣، ولما تلا الرسول ﷺ على
_________________
(١) ١ سورة يوسف، الآية: ٤٠. ٢ سورة التوبة، الآية: ١٢٨. ٣ ورد ذلك من طرق، فراجع: "النهج السديد في تخريج أحاديث تيسير العزيز الحميد": "ص٣٣٣".
[ ١١٥ ]
وَمَعْنَى شَهَادَة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
ــ
الصحابة قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ١ قال الأقرع بن حابس: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت الرسول ﷺ، وسكوته رحمة لهذه الأمة؛ لأنه قال: "لو قلت نعم لوجبت"٢. فيكون الحج واجبًا كل سنة على من استطاع إليه سبيلًا، وهذا فيه من المشقة والضرر ما لا يحتمله العباد، لكن من رحمة الله تعالى بعباده أن الحج لا يجب إلا مرة واحدة في العمر. وقوله تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾، أي: على هدايتكم وإنقاذكم من النار، فالرسول ﷺ حريص أشد الحرص على هداية أمته. وقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾، يعني: أن الرأفة والرحمة خاصة بالمؤمنين، وأما هدايته فهي عامة لجميع الناس، فمن شاء الله تعالى هدايته اهتدى ومن شاء الله إضلاله ضل، وقد حرص الرسول ﷺ على هداية عمه أبي طالب، ولكن الله تعالى لم يشأ هدايته. قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٣.
قوله: "وَمَعْنَى شَهَادَة أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، واجْتِنَابُ مَا عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع" هذه أربعة أمور لا تتم شهادة أن محمدًا رسول الله إلا بها. فما أمر
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية: ٩٧. ٢ أخرجه مسلم: "رقم١٣٣٧". ٣ أخرج قصة النبي ﷺ مع عمه البخاري: "٨/٥٠٦-فتح"، ومسلم: "رقم٣٩/٢٦"، والآية من سورة القصص، رقم: ٥٦.
[ ١١٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
به رسول الله ﷺ لابد من طاعته فيه، وقد يكون الأمر أمر وجوب أو أمر استحباب. وقد دلت النصوص على أن الأمر الواجب لابد من طاعته فيه وأن الأمر المستحب الذي تدل القرائن على أنه مستحب ليس على وجه الإلزام وهي الحكمة من بعثة الرسول ﷺ قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١، وإنما يطاع الرسول ﷺ لأنه يأمر بأمر الله، فشرعه ﷺ هو شرع الله تعالى. قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ ٢، وكثير من الناس يخل بهذا الجزء من الشهادة فهو ينطق بها في صلاته وفي سماعه للأذان يشهد أن محمدًا رسول الله، لكنه يخل بتحقيق هذه الشهادة في مجال العمل والتطبيق، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ٣.
قوله: "وتصديقه فيما أخبر"، أي: فلابد من تصديق الرسول ﷺ فيما أخبر به، ومن كذب الرسول ﷺ فهو لم يحقق شهادة أن محمدًا رسول الله، وإنما وجب تصديقه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، فخبره صدق قطعًا.
قوله: "واجتناب ما عنه نهى وزجر" هذا الأساس الثالث، وقد أخل به كثير من الناس أيضًا؛ فارتكبوا ما نهى عنه رسول الله ﷺ من الأقوال والأفعال في العبادات والمعاملات والأخلاق والسلوك. وهذا دليل على
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ٦٤. ٢ سورة يوسف، الآية: ٤٠. ٣ سورة الحشر، الآية: ٧.
[ ١١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ضعف على الإيمان نسأل الله السلامة. وقد فرق الإسلام بين الأوامر والنواهي، فالأوامر حسب قدرة المكلف، وأما النواهي فلم تقيد بالقدرة مما يدل على وجوب الانتهاء، وقد دل على ذلك قوله ﷺ: "ما نهيتكم عنه فاجتنبوا وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم " ١.
قوله: "وألا يعبد الله إلا ما شرع" هذا الأمر الرابع، وهو يدل على ركن أساسي من أركان العبادة والدين، وهو: أن العبادة ليست بالأهواء ولا بالبدع ولا بالاجتهاد الذي لم يبن على دليل صحيح، وإنما العبادة مبنية على الاتباع وما جاء به الشرع، إضافة إلى أصل عظيم من أصول الدين الإسلامي، وهو: ألا نعبد إلا بما شرع، إضافة إلى الأصل الأول العظيم، وهو: ألا نعبد إلا الله، فهذا هو الإخلاص، والأول هو المتابعة. فلا يجوز لأحد أن يعبد الله تعالى إلا بما شرع، وليس لأحد أن يقول إن هذا مشروع أو مستحب إلا بدليل شرعي. ومن تعبد بعبادة ليست واجبة ولا مستحبة وهو يعتقدها واجبة أو مستحبة فهو ضال مبتدع بدعة سيئة لا بدعة حسنة باتفاق أئمة الدين، فإن الله لا يعبد إلا بما هو واجب أو مستحب٢.
وقد جاءت النصوص الشرعية تأمر بالاتباع وتنهى عن الابتداع، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ ﴾ ٣، وقال تعالى:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "١٣/٢٥١-فتح"، ومسلم: "رقم١٣٣٧". وانظر: شرح الحافظ ابن رجب على هذا الحديث في "جامع العلوم والحكم": "رقم٩". ٢ "مجموع الفتاوى": "١/١٦٠". ٣ سورة الأعراف، الآية: ١٥٧.
[ ١١٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ ٤.
وفي حديث العرباض بن سارية: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة"٥.
وطريق النجاة أن يلتزم المسلم سنة المصطفى ﷺ ويقتفي أثره. فما فعله الرسول ﷺ على وجه التعبد والطاعة فهو عبادة نتأسى به فيها؛ لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٦، وما صح من أقواله وتقريراته فهو سنة يعمل بها قال ﷺ: "صلوا كما رأيتموني أصلي" ٧. وقال في الحج: "لتأخذوا عني مناسككم" ٨.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ١٥٧. ٢ سورة آل عمران، الآية: ٣١. ٣ سورة الكهف، الآيتان: ١٠٣، ١٠٤. ٤ سورة القصص، الآية: ٥٠. ٥ أخرجه أبو داود: "رقم٦٤٠٧"، والترمذي: "رقم٢٦٧٦"، وأحمد: "٤/١٢٦"، وابن ماجه: "رقم٤٢-٤٤" وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. ٦ سورة الأحزاب، الآية: ٢١. ٧ أخرجه البخاري: "رقم٦٣١"، ومسلم: "رقم٦٧٤". ٨ أخرجه مسلم: "رقم١٢٩٧".
[ ١١٩ ]
وَدَلِيلُ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ .
ــ
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: "وأما متابعة الرسول فواجب على أمته متابعته في الاعتقادات والأقوال والأفعال.. فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله فما وافق منها قبل، وما خالف رد على فاعله كائنًا من كان، فإن شهادة أن محمدًا رسول الله تتضمن تصديقه فيما أخبر وطاعته ومتابعته في كل ما أمر به. وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى"، قيل: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى" ١
قوله: "وَدَلِيلُ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَتَفْسِيرُ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ٢" هذه الآية الكريمة كما ذكر المصنف فيها دلالة على ثلاثة أمور:
الأمر الأول: على وجوب الصلاة، وذلك من قوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ .
_________________
(١) ١ انظر: القسم الخامس من "مؤلفات الشيخ" الرسائل الشخصية: "ص١٠٦"، والحديث المذكور أخرجه البخاري، وتقدم. ٢ سورة البينة، الآية: ٥.
[ ١٢٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأمر الثاني: ﴿وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ لأن الفعل "يقيموا" معطوف على الفعل "ليعبدوا" الذي دخلت عليه لام الأمر، فالآية فيها أمر بإقامة الصلاة وأمر بإيتاء الزكاة.
الأمر الثالث: وهو تفسير التوحيد فهو من قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فهم مأمورون بإفراد الله بالعبادة وهو مستفاد من طريق القصر وهو الاستثناء بعد النفي في قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾، ويضاف إلى هذا الإخلاص هو ألا يشرك مع الله غيره فيكون قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ هو معنى "لا إله إلا الله"، أي: لا معبود بحق إلا الله، ولا يتم هذا إلا بإفراد الله تعالى بالعبادة. والضمير في قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا﴾ يعود إلى الذين كفروا في الآيات التي قبل هذه، وهي قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَةُ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ١، وهذه الآية فيها دليل كما يقول الأصوليون على أن الكفار مخاطبون بالإيمان وبأركان الإسلام؛ لأن الله جل وعلا أمرهم بإفراده بالعبادة وأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنهم وقت الأمر كفار مما يدل على أن الكافر مأمور بالإيمان كما أن الإنسان إذا دخل عليه وقت الظهر –مثلًا- وهو محدث مأمور بالصلاة حال
_________________
(١) ١ سورة البينة، الآيات: ١-٥.
[ ١٢١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحدث ولو لم يتوضأ ولا تصح الصلاة إلا بالوضوء وهكذا الكافر مأمور بالصلاة والصيام والزكاة والحج حال كفره ولكنها لا تصح منه إلا بالإيمان١. وقوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ القيمة وصف لمقدر، والتقدير –والله أعلم-: وذلك دلين الملة القيمة، ومعنى "القيمة": المستقيمة.
والصلاة هي التعبد لله تعالى بأقوال وأفعال على هيئة مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم. وفي الآية السابقة جاء لفظ بقوله: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾، وإقامة الصلاة هو التعبد لله تعالى بفعلها على وجه الاستقامة والتمام في أوقاتها وهيئاتها. فيأتي بها وافية الأركان والواجبات حريصًا على سننها القولية والفعلية. هذا هو معنى إقامة الصلاة، ولهذا نلاحظ أن الله جل وعلا لم يذكر الصلاة في القرآن إلا بإقامتها أو بالمداومة عليها أو بالمحافظة عليها، ولم يقل: يا أيها الذين آمنوا صلوا أو إن الذين يصلون أو المصلين بل قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ٢، ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ ٣، ﴿عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾ ٤، ﴿عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ٥، وهذا يدل على أن هناك أمرًا مقصودًا غير مجرد الصلاة ألا وهو إقامة الصلاة.
_________________
(١) ١ انظر كتابي: "شرح الورقات": "ص٩٧". ٢ سورة البقرة، الآية: ٨٣، وغيرها من السور. ٣ سورة النساء، الآية: ١٦٢. ٤ سورة المعارج، الآية: ٢٣. ٥ سورة المعارج، الآية: ٣٤.
[ ١٢٢ ]
َودَلِيلُ الصِّيَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
ــ
ومن ثمرات إقام الصلاة أنها صلة بين العبد وربه، فيها انشراح الصدر، وقرة العين، والهداية إلى فعل الخير، والانزجار عن الفحشاء والمنكر، قال تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ١. وقال النبي ﷺ: "جعلت قرة عيني في الصلاة" ٢.
وأما الزكاة فهي جزء واجب في مال مخصوص لطائفة مخصوصة أو جهة مخصوصة. فالطائفة مثل: "الفقراء"، والجهل مثل: "في سبيل الله".
ومن ثمرات إخراج الزكاة تطهير نفس الغني من الشح والبخل وتطهير نفس البخيل من الحسد والضغينة على الأغنياء، وسد حاجة الإسلام والمسلمين وطهرة المال، وحصول الآثار الطيبة على البلاد والعباد.
قوله: "َودَلِيلُ الصِّيَامِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣" الصيام هو الإمساك عن المفطرات تعبدًا لله تعالى من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وقلنا: "تعبدًا"؛ لأن الإنسان قد يمسك عن الأكل والشرب لمرض أو لحمية أو نحو هذا.
وفي الصيام فوائد عظيمة وفضائل جسيمة من التعبد لله: بترك شهوات
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت، الآية: ٤٥. ٢ أخرجه النسائي: "٧/٦١"، وأحمد: "٣/٢٨٥" وغيرهما، وهو حديث صحيح. ٣ سورة البقرة، الآية: ١٨٣.
[ ١٢٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
النفس وتربية الإرادة، وجهاد النفس وتعويدها على الصبر والتحمل، وإشعار الصائم بنعم الله عليه، وفي الصوم فوائد صحية، وهو أكبر عون على تقوى الله ﷿، وفيه من جزيل الأجر ما لو تصورته نفس صائمة لطارت فرحًا وتمنت أن تكون السنة كلها رمضان، وقد شبه الله جل وعلا كتابة الصيام علينا بأنها كتابة الصيام على من قبلنا فقال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وهذا تشبيه فرض لا تشبيه مفروض بمفروض بمعنى أنه كما وجب عليهم الصيام، فالصيام واجب علينا وليس الذي فرض علينا كالصيام الذي فرض عليهم ولهذا كان هذا الصيام في أول الإسلام له كيفية خاصة حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ ١. وقد دلت السنة على المعنى الذي أشرت إليه٢.
والمقصود أن صيامهم يختلف عن صيامنا، فصيام شهر بتمامه بالصفة المعروفة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس من خصائص هذه الأمة، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لعل هنا للتعليل بمعنى: لأجل أن يكون هذا الصيام وقاية لكم من عذاب الله تعالى بفعل أوامره واجتناب نواهيه، ولا ريب أن الصيام من أعظم دواعي التقوى لو كان الإنسان يصوم الصيام الشرعي المطلوب. فإذا أخل بشيء من واجبات الصوم وآدابه فقد لا يورثه تقوى وصلاحًا.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ١٨٧. ٢ انظر: "تفسير ابن كثير": "١/٣٠٦"، و"تفسير الطبري" تحقيق محمود وأحمد شاكر: "٣/٤٠٩".
[ ١٢٤ ]
ودليل الحج قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ .
ــ
وقوله: "َودَلِيلُ الْحَجِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ١" الحج هو: قصد مكة لأداء مناسك الحج في زمن مخصوص. وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾ على: للوجوب، والمراد بالناس: بنو آدم، مؤمنهم وكافرهم؛ لأن الله قال: ﴿عَلَى النَّاسِ﴾ فالحج يجب على المؤمن والكافر. وهذا من الأدلة التي تدل على أن الكفار مخاطبون بالأوامر كما تقدم. ومعنى ﴿حِجُّ الْبَيْتِ﴾، أي: قصد الكعبة لأداء مناسك الحج. ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، يعني: من أطاق الوصول إليه، والمراد بالسبيل: الطريق، فإذا استطاع الإنسان الطريق الذي يوصله إلى البيت وجب عليه الحج.
فإن الله جل وعلا "غني" عن العالمين، أي: كثير الخير لا يحتاج إلى أحد من الخلق ﷾. فمن ترك الحج ممن يجب عليه كفر. لكن إن كان تركه له إنكارًا لوجوبه فهذا كفر أكبر مخرج من الملة، وإن كان تركه للحج غير منكر لوجوبه فقد نص العلماء على أن هذا كفر أصغر لا يخرج عن الملة٢. وإطلاق كلمة "كفر" على بعض الأعمال التي لا
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية: ٩٧. ٢ هذا قول في المسألة، ويرى آخرون أن من ترك شيئًا من أركان الإسلام الخمسة عمدًا أنه كافر. وقد تقدم ذكر ذلك. راجع "جامع العلوم والحكم" لابن رجب: شرح الحديث الثالث.
[ ١٢٥ ]
"الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ":
الإِيمَانُ. وَهُوَ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً فَأَعْلاهَا قَوْلُ لا اله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الإيمان.
ــ
تخرج من الملة وارد في لسان الشرع. فقد روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، النياحة على الميت" ١، أي: هما من أعمال الكفر وأخلاق الجاهلية٢.
قول المصنف ﵀ "المرتبة الثانية"، يعني: من مراتب الدين "الإيمان" والإيمان هو التصديق الجازم بجميع ما أمر الله ورسوله بالتصديق به المتضمن للعمل الذي هو الإسلام. فالإيمان يجمع التصديق لجميع ما أمر الله ﷾ به إضافة إلى الأعمال التي هي أركان الإسلام. سأذكر –إن شاء الله- الفرق بين الإسلام والإيمان عند الكلام على حديث جبريل ﵇ لما سأل النبي ﷺ.
قوله: "وهو بضع وسبعون شعبة" البضع بكسر الباء اسم من أسماء العدد، يطلق على العدد من الثلاثة إلى التسعة.
وقوله: "وَهُوَ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً فَأَعْلاهَا قَوْلُ لا اله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" هذا لفظ
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم: "رقم١٢١". ٢ قاله النووي في "شرحه على مسلم": "٢/٤١٧". وانظر: "اقتضاء الصراط المستقيم" لشيخ الإسلام ابن تيمية: "١/٢١١" ففيه بيان الفرق بين ما ورد من لفظ الكفر. معرفًا بـ"أل" وبين ما جاء بدونها.
[ ١٢٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحديث الذي رواه مسلم في "صحيحه"، ورواه البخاري بلفظ: "بضع وستون" وقد ورد عند مسلم برواية أخرى بالشك: "بضع وستون أو بضع وسبعون"١. قال الحافظ ابن حجر ﵀: "إن المعول على المتيقن وهو الأقل وهو بضع وستون" ا. هـ٢. فإن قيل: بضع وسبعون زيادة ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة، قيل: لكنه لم يجزم بها، فنقول: إن رواية "بضع وستون" أرجح لكن قد يشكل على هذا أن مسلمًا روى الحديث على روايتين، مرة ليس فيها شك "بضع وسبعون"، ومرة فيها شك "بضع وستون أو بضع وسبعون"؛ ولهذا رجح القاضي عياض والإمام أبو عبد الله الحليمي والنووي رواية: "بضع وسبعون"، وقوله "شعبة"، أي: خصلة، وأصله من الشُّعبة، بمعنى: القطعة.
وهذا الحديث يدل على أن شعب الإيمان متفاوتة؛ لأن الرسول ﷺ ذكر أعلاها وذكر أدناها، وترك ما بين ذلك، ولم يرد في السنة نص يحدد هذه الشعب، وقد اجتهد جمع من أهل العلم في عدها وفي حصرها. فمنهم من وصل إلى هذا العدد؛ فجمع أوامر الشريعة ومكارم الأخلاق وكل ما هو من باب البر؛ فوصل إلى هذا العدد. ومنهم من قارب هذا العدد. ويكفي أن نعلم أن كل خصلة من خصال الخير فهي من شعب الإيمان٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "١/٥١-فتح"، ومسلم: "رقم٥٨/٣٥". ٢ "فتح الباري": "١/٥٢". ٣ "فتح الباري": "١/٥٢". وانظر: شرح النووي عند الرقم المذكور. وانظر: "فتح= = الباري" للحافظ ابن حجر: "١/٣٠". وقال ابن صلاح "في صيانة صحيح مسلم" "ص١٩٧": "ثم إن الكلام في تعيين هذه الشعب يتشعب ويطول. وقد صنف في ذلك مصنفات من أغزرها فوائد: كتاب "المنهاج" لأبي عبد الله الحليمي، إمام الشافعيين ببخارى، وكان من رفعاء أئمة المسلمين وحذا حذوه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي في كتابه الجليل الحفيل: "شعب الإيمان" ا. هـ. وانظر: "صحيح ابن حبان" الإحسان: "١/٣٨٧".
[ ١٢٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقوله: "فأعلاها قول لا إله إلا الله" هذه أعلى الشعب، وهي كلمة الإخلاص، وكلمة الإسلام، وهي كلمة التقوى، وهي أساس الملة، وفي هذا دليل لمن قال: إن هذه الكلمة أفضل الكلام مطلقًا، وإنها أفضل من كلمة "الحمد لله رب العالمين"، وفي المسألة خلاف بسطه وذكر أدلته الحافظ ابن عبد البر في "التمهيد"١. وقوله "أدناها"، يعني: أقل شعبة من شعب الإيمان "إماطة الأذى عن الطريق"، أي: تنحية الأذى عن الطريق من شعب الإيمان؛ فعدم وضع الأذى في الطريق –أيضًاَ- من شعب الإيمان. فلا يخرج الإنسان من بيته أشياء تؤذي المارة من رائحة أو حجر أو شوك يجرح أقدامهم إذا مشوا عليها أو تكون سببًا في أذيتهم أو نحو ذلك.
وقوله: "والحياء شعبة من الإيمان" الحياء -بالمد-: هو خلق رفيع يبعث على فعل الخير واجتناب القبيح، وهو أفضل الأخلاق وأعظمها
_________________
(١) ١ انظر: "فتح الباري" لابن حجر: "١/١٣٤"، و"التمهيد": ٦/٤٢.
[ ١٢٨ ]
وأركانه ستة: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخر وبالقدر خيره وشره.
ــ
قدرًا، وإنما كان الحياء بعضًاَ من الإيمان؛ لأن الإيمان ائتمار وانتهاء، والمستحيي ينقطع بحياته عن المعاصي.
وقد دل على ذلك قول المصطفى ﷺ: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأول إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" ١. وهذا أمر تهديد، ومعناه: الخبر، أي: من لم يستح صنع ما شاء، وقيل: إنه أمر إباحة، أي: انظر إلى الفعل الذي تريد أن تفعله، فإن كان مما لا يستحى منه فافعله، والأول أصح وهو قول الأكثرين٢.
قوله: "وأركانه ستة" لا منافاة بين أركان الإيمان وشعب الإيمان؛ لأن المقصود أن الإيمان إذا كان بمعنى الاعتقاد فهو الأركان الستة؛ لأن كل الأركان الستة اعتقاد، وأما إذا قلنا: إن الإيمان يشتمل على الأعمال وأنواعها وأجناسها فهو بضع وسبعون. فحديث الأركان مراد به الأمور الاعتقادية، وهي الأساسيات في الإيمان، وأما حديث: "بضع وسبعون" فهذا مراد به: بيان خصال الخير التي هي الأعمال.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "٦/٥١٥"، "١٠/٥٢٧-فتح" من حديث أبي مسعود الأنصاري البدري ﵁ وقوله: "إذا لم تستحي" بإثبات الياء مكسورة الحاء ويكون الجازم حَذَفَ الياء الثانية؛ لأنه من استحيا. وقيل: "إذا لم تستح" بحذف الياء للجازم مع كسر الحاء مخففة من استحى. قاله الجرداني في "شرحه على الأربعين": "ص١٤٦". ٢ "مدارج السالكين": "٢/٢٥٩".
[ ١٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: "أن تؤمن بالله" فهذا الركن الأول. والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:
الإيمان بوجود الله تعالى، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، وقد تقدم ذلك.
والرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته، ومعناه: إثبات ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو سنة رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على ما يليق بجلاله وعظمته من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
قوله: "وملائكته" هذا الركن الثاني، وهو الإيمان بالملائكة. والملائكة: عالم غيبي خلقهم الله تعالى من نور، عابدون لله تعالى، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ولا يعلم عددهم إلا الله ﷾، قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ ٢، ومما يدل على كثرة عددهم وأنه لا يحصيهم إلا الله ﷾، وما ورد في الحديث الذي صح إسناده فيما يتعلق بالبيت المعمور أن الرسول ﷺ قال: "إن البيت المعمور في السماء السابعة حيال الكعبة يزوره كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه" ٣. وهذا دليل على أن عدد الملائكة لا يحصيهم إلا الله.
والإيمان بالملائكة لا يتم إلا إذا تحقق فيه أمور:
_________________
(١) ١ سورة الشورى، الآية: ١١. ٢ سورة المدثر، الآية: ٣١. ٣ أخرجه البخاري: "٣٠٣٦"، ومسلم: "٢٥٩/١٦٢".
[ ١٣٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الأول: الإيمان بوجودهم وأنهم مخلوقون عابدون لله قائمون بما أمروا به.
والأمر الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه باسمه ومن لم يعلم اسمه فالإيمان به إجمالًا، وقد علم من النصوص في الكتاب والسنة أسماء بعض الملائكة كجبريل: الموكل بالوحي، وميكائيل: الموكل بالقطر والنبات، وإسرافيل: الموكل بالنفخ في الصور، وملك الموت: الموكل بقبض الأرواح، فهؤلاء الملائكة نعرف أسماءهم فنؤمن بهم. أما بقية الذين لا نعرف أسماءهم فهؤلاء نؤمن بهم إجمالًا. وملك الموت يرد في بعض الآثار أنه "عزرائيل" وهذا لم يثبت، فاسمه الصحيح ملك الموت كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ ١.
الثالث: نؤمن بما علمنا من صفاتهم وهيئاتهم، ومن ذلك ما رواه الإمام أحمد في "مسنده" عن عبد الله بن مسعود قال: "رأى رسول الله ﷺ جبرئيل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما الله به عليم"٢. والمراد بالتهاويل: الأشياء المختلفة الألوان.
فهذا يدل على قدرة الخالق جل وعلا ويدل على صفة جبرئيل ﵇ وأن له ستمائة جناح، الجناح الواحد يسد الأفق. ولا يقال إن الرسول ﷺ
_________________
(١) ١ سورة السجدة، الآية: ١١. ٢ "المسند": "٥/٢٨٢" قال الشيخ أحمد شاكر: إسناد صحيح. وقال ابن كثير في "البداية والنهاية" "١/٤٤": هذا إسناد جيد قوي.
[ ١٣١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كيف يرى ستمائة جناح؟ وكيف عد الرسول ﷺ الستمائة مع أن الجناح الواحد قد سد الأفق؟ قلنا: ما دام أنه قد ورد الحديث وصحح العلماء إسناده فلا نبحث في الكيفية؛ لأن الله جل وعلا قادر على أن يري نبيه ﷺ ما لا نتصوره نحن ولا تتحمله عقولنا.
الأمر الرابع: الذي لابد منه في موضوع الإيمان الملائكة الإيمان بما علمنا من أعمالهم ووظائفهم التي دلت عليها النصوص. فجبريل ﵇ موكل بالوحي، وملك الموت موكل بوظيفة قبض الأرواح، وهناك ملك موكل بالجنين في بطن أمه، يكتب رزقه وأجله، وهناك ملائكة موكلون ببني آدم ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ١، وهناك ملائكة موكلون بكتب أسماء الناس يوم الجمعة قبل دخول الخطيب٢ إلى غير ذلك مما تدل عليه النصوص.
قول المصنف ﵀: "وكتبه" هذا الركن الثالث، وهو الإيمان بالكتب، والمراد بالكتب هي: الكتب السماوية التي أنزلها الله تعالى على رسله هداية للبشرية ورحمة بهم ليصلوا إلى سعادة الدارين.
والإيمان بالكتب لا يتم إلا بأربعة أمور:
أولًا: الإيمان بأنها منزلة من عند الله حقًا.
والثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها كالقرآن والتوراة والإنجيل والزبور، وأما ما لا نعرفه منها فنؤمن به إجمالًا.
_________________
(١) ١ سورة الرعد، الآية: ١١. ٢ أخرجه البخاري: "٢/٣٦٦"، "٦/٣٠٤-فتح".
[ ١٣٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والأمر الثالث: التصديق بما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يحرف وما لم يبدل من أخبار الكتب السابقة، مثل الرجم فإنه من الأخبار التي لم تحرف فيما حرف من التوراة.
الرابع: العمل بأحكام ما لم ينسخ، وهذا بالنسبة لكتابنا وهو القرآن، وما لم ينسخ من أخبار الكتب السماوية السابقة مثل الرجم فإن الرجم ثبت في شريعتنا وهذا دليل على أنه لم ينسخ.
والكتب السابقة كلها نسخت بالقرآن العظيم الذي تكفل الله بحفظه؛ لأنه سيبقى حجة على الخلق أجمعين إلى يوم القيامة. ويترتب على ذلك أنه لا يجوز التحاكم إلى شيء منها بحال من الأحوال كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ١.
قوله: "ورسله" هذا الركن الرابع، وهو الإيمان بالرسل، والرسل جمع رسول، وهو: من بعثه الله إلى قوم وأنزل عليه كتابًا، أو لم ينزل عليه كتابًا لكن أوحى إليه بحكم لم يكن في شريعة من قبله. وأما النبي ﷺ فهو: من أمره الله أن يدعو إلى شريعة سابقة دون أن ينزل عليه كتابًا، أو يوحي إليه بحكم جديد ناسخ أو غير ناسخ، وعلى ذلك فكل رسول نبي وليس كل العكس، وقيل هما مترادفان، والأول أصح٢. بدليل قول الله
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية: ٥٩. ٢ انظر: كتاب "النبوات" لشيخ الإسلام ابن تيمية: "ص١٧٢"، "وأضواء البيان": "٥/٧٣٥"، و"الإيمان" لشيخ الإسلام ابن تيمية: "ص٦-٧"، "ومذكرة التوحيد" للشيخ عبد الرزاق عفيفي: "ص٤٥".
[ ١٣٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ ١ فذكر الله تعالى أن أنبياء بني إسرائيل يحكمون بالتوراة مع أن التوراة أنزلت على أول نبي منهم، وهو موسى ﵊. والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من عند الله تعالى، وأنهم لا يأتون بشيء من عند أنفسهم كما قال تعالى عن نبينا محمد ﷺ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ٢.
الثاني: الإيمان بن علمنا اسمه منهم، وأن هناك رسلًا نؤمن بهم إجمالًا ولا نعرف أسمائهم؛ إلا القليل.
الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.
الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم وهو خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم٣.
قوله: "واليوم الآخر" هذا الركن الخامس، وهو الإيمان باليوم الآخر، والمراد به يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الخلق للحساب والجزاء وسمي باليوم الآخر لأنه لا يوم بعده حيث يستقر أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. والإيمان باليوم الآخر لا يتم إلا بثلاثة أمور:
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية: ٤٤. ٢ سورة النجم، الآية: ٣. ٣ انظر: "نبذة في العقيدة الإسلامية": "ص٢٧، وما بعدها".
[ ١٣٤ ]
وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ الآية.
ــ
الثاني: الإيمان بالحساب والجزاء.
الثالث: الإيمان بالجنة والنار.
وسيأتي الكلام على البعث –إن شاء الله-.
قوله: "وبالقدر خيره وشره" هذا الركن السادس، والمراد بالقدر: تقدير الله تعالى لما سيكون حسب ما سبق به علمه واقتضته حكمته ﷾. والإيمان بالقدر لا يتم إلا بأربعة أمور:
الأول: الإيمان بعلم الله تعالى وأنه عالم بما كان وما يكون وكيف يكون.
الثاني: الإيمان بالكتابة وأن الله كتب ما علم أنه كائن إلى يوم القيامة.
والثالث: الإيمان بأنه لا يحصل في هذا الكون إلا ما شاء الله.
والرابع: الإيمان بأن الله جل وعلا خلق الخلق وأعمالهم وأفعالهم. قال الناظم في هذه الأمور:
علم كتابة مولانا مشيئته
وخلقه وهو إيجاد وتكوين
قوله: "وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ١" فهذه الآية اشتملت على خمسة من
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ١٧٧.
[ ١٣٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أركان الإيمان. قال تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ يعني: ليس البر في التوجه إلى جهة المشرق أو المغرب، ولكن البر الحقيقي في الإيمان وتوابع الإيمان من الأعمال الصالحة، أما مجرد الاتجاه فهذا لا يدل على المقصود وإلا فقد ذكر العلماء أن اليهود يتجهون إلى المغرب والنصارى يتجهون إلى المشرق. ولكن الله نفى أن يكون هذا هو البر؛ لأنهم لم يحققوا الإيمان بالله والملائكة والكتاب والنبيين إلخ؛ فلهذا نفى الله تعالى عن عملهم هذا وقال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾، و"البر" بالنصب خبر مقدم لـ"ليس"، و"أن" وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسمها مؤخر، والتقدير: "ليس البر تولية وجوهكم"، والبر: اسم جامع لكل عمل من أعمال الخير من العقائد والأعمال. وقد نقل ابن كثير في "تفسيره" عن سفيان الثوري أنه قال: "هذه أنواع البر كلها". وقال ابن كثير: "من اتصف بهذه الآية فقد دخل في عرى الإسلام كلها وأخذ بمجامع الخير كله"١.
_________________
(١) ١ ورد في هذه الآية حديث أبي ذر أنه سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الإيمان؟ فتلا عليه النبي ﷺ هذه الآية. ولكن قال ابن كثير: إن هذا الحديث منقطع؛ لأنه من رواية مجاهد عن أبي ذر. ومجاهد لم يدرك أبا ذر فإنه مات قديمًا. هكذا قال الحافظ ابن كثير. أما الحافظ ابن حجر فقد ذكر الحديث في "فتح الباري" وقال: "رجاله ثقات وإنما لم يخرج البخاري؛ لأنه ليس على شرطه". وقد أشكلت علي هذه العبارة "لأنه ليس على شرطه"؛ لأن ظاهرها أن الحديث صحيح إذ لو كان الحافظ يرى أن الحديث منقطع لم يقل لأنه ليس على شرطه. وكلمة رجاله ثقات ليست دليلًا على اتصال السند ولا على صحة الحديث كما هو معروف في علم المصطلح. ثم رأيت في إتحاف المهرة "١٤/١٨٣" للحافظ ابن حجر ما يوافق كلام ابن كثير. والله أعلم.
[ ١٣٦ ]
ودليل القدر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ .
ــ
قوله: "ودليل القدر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ١"، أي: إنا خلقنا كل شيء من المخلوقات العلوية والسفلية بتقدير سابق لخلقنا له. وذلك بكتابته في اللوح المحفوظ فهو يقع كما كتب بوقته وقدره، وجميع ما اشتمل عليه من الصفات. قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ٢.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة" ٣.
وعن طاووس ﵀ قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: كل شيء بقدر، قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ: "كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس أو الكيس والعجز" ٤.
قال ابن كثير ﵀: "يستدل بهذه الآية الكريمة أئمة السنة على إثبات قدر الله السابق لخلقه، وهو علمه الأشياء قبل كونها، وكتابته لها قل برئها، وردوا بهذه الآية وبما شاكلها من الآيات، وما ورد في معناها من
_________________
(١) ١ سورة القمر، الآية: ٤٩. ٢ "تفسير ابن السعدي": "٥/١٤٥"، و"أيسر التفاسير": "٤/٣٧٠"، والآية من سورة الفرقان، رقم، ٢. ٣ أخرجه مسلم: "رقم٢٦٣٥". ٤ أخرجه مسلم: "رقم٢٦٥٥"، والكيس: ضد العجز، وهو النشاط والحذق بالأمور. معناه: أن العاجز قد قدر عجزه. والكيس قد قدر كيسه. قاله النووي ﵀.
[ ١٣٧ ]
"المرتبة الثالثة":
الإحسان ركن واحد.
ــ
الأحاديث الثابتة على الفرقة القدرية١ الذين نبغوا في آواخر عصر الصحابة ﵃ "٢.
قوله: "المرتبة الثالثة: الإحسان ركن واحد".
الإحسان في الأصل نوعان: إحسان في عبادة الخالق وهو المراد هنا، وإحسان في حقوق الخلق، وهو نوعان: إحسان واجب، وهو أن تقوم بحقوقهم الواجبة على أكمل وجه كبر الوالدين وصلة الأرحام والإنصاف في جميع المعاملات، يدخل في هذا النوع الإحسان إلى البهائم ثم الإحسان في القتل لما ورد في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" ٣.
النوع الثاني: "الإحسان المستحب وهو ما زاد على الواجب من بذل نفع بدني أو مالي أو علمي، فيساعد الإنسان من احتاج إلى مساعدته ببدنه أو
_________________
(١) ١ وهم الذين يقولون إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدر، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته فيه أثر، وهذا يرده الشرع؛ لأنه مخالف لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ . ويرده العقل فإن الكون ملك لله تعالى والإنسان من هذا الكون فهو مملوك لله تعالى. وليس للمملوك أن ينصرف في ملك المالك إلا بإذنه ومشيته. "نبذة في العقيدة الإسلامية": "ص٦٣،٦٤". ٢ "تفسير ابن كثير": "٧/٤٥٧". ٣ أخرجه مسلم: "رقم١٩٥٥".
[ ١٣٨ ]
وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
ــ
بماله أو بعلمه، فهذا كله داخل في باب الإحسان، وأجل أنواع الإحسان: الإحسان إلى من أساء إليك كما قال تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ١.
قوله: "ركن واحد وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
معنى قوله: "أن تعبد الله"، أي: تقوم بعبادة ربك من عبادة بدنية: من صلاة وصيام، أو عبادة مالية: كذبح الأضاحي والهدايا أو الصدقة. تقوم بهذه العبادة على هذه الحال "كأنك تراه"، أي: كأنك ترى معبودك وتشاهده؛ فيبعث هذا على أمرين:
الأمر الأول: الإخلاص لله ﷿ بعبادته، فلا يعبده رياء ولا سمعة ولا مدحًا وهو يعتقد أن الله يراه.
الثاني: أن يتقن العبادة ويحسن أداءها. فيصلي صلاة من يشاهده ربه وهو يرى ربه. ولا ريب أن المسلم لو تحقق هذا المعنى؛ لكان من أكبر الدواعي على إخلاص العباد وإتقانها؛ ولكان من أكبر الدواعي على عدم شرود ذهن الإنسان في صلاته وانشغاله بأفكاره أو بهواجس ترد عليه أثناء الصلاة.
_________________
(١) ١ انظر: "بهجة قلوب الأبرار" للشيخ عبد الرحمن السعدي: "ص١٥٦"، والآيتان من سورة فصلت، رقم: ٣٤، ٣٥.
[ ١٣٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وهذه الدرجة الأولى من درجات الإحسان، وهي درجة العظمى، وهي دراجة المراقبة، تليها درجة أخرى وهي قوله: "فإن لم تكن تراه فإنه يراك"، أي: إذا لم تعبده كأنك تراه وتشاهده فاعبده على مرأى منه ﷾ فإنه يرى ما تفعل ويسمع ما تقول. فهما درجتان، والدرجة الأولى هي العظمى؛ لأن الدرجة الثانية درجة عامة؛ لأن الله جل وعلا يرى جميع الخلق، لكن الدرجة الأولى لا تكون إلا لصاحب الإحسان الذي يعبد ربه كأنه يراه.
والمصنف ﵀ أخر المرتبة الثالثة وهي مرتبة الإحسان؛ لأنها أضيق المراتب الثلاث؛ لأن أصحابها هم الخلص من عباد الله الصالحين. ولهذا يقول العلماء: إذا تحقق الإحسان تحقق الإيمان والإسلام. وكل محسن مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا محسنًا١. وقد صور بعض العلماء هذه المراتب الثلاث بثلاث دوائر كل واحد داخل الأخرى. الدائرة الأولى: هي الدائرة الواسعة، دائرة الإسلام؛ لأن أهل الإسلام أكثر من أهل الإيمان، فقد يكون مسلمًا في الظاهر ولا يكون مؤمنًا. كما سنذكر بعد قليل –إن شاء الله- فأوسع دائرة هي دائرة الإسلام وفي داخلها دائرة الإيمان، وأضيق منها دائرة الإحسان، فمن وجد داخل الدوائر الثلاث فهو مسلم مؤمن محسن. وإن خرج من الدائرة الصغرى ونعني بها دائرة الإحسان فهو مؤمن مسلم. وإن خرج من الدائرة الثانية فهو مسلم في
_________________
(١) ١ انظر: كتاب "الإيمان" لشيخ الإسلام ابن تيمية: "ص٦".
[ ١٤٠ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ . وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ .
ــ
الظاهر وليس بمؤمن، ومن باب أولى لن يكون محسنًا. فأهل الإحسان هم الصفوة وهم الخلص من عبادة المؤمنين. ولهذا ورد في حقهم في القرآن ما لم يرد في حقهم في غيرهم.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ١"، فهذه الآية فيها دليل على فضل المحسنين الذين اتقوا الله جل وعلا فلم يتركوا فرائضه ولم ينتهكوا محارمه وهذه المعية معية خاصة، معية نصر وتأييد وتسديد زيادة على المعية العامة. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، أي: في طاعة ربهم وعبادته إخلاصًا في النية والقصد، وأداء على ما شرع الله وبين رسوله ﷺ.
قوله: "وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢هذه الآيات أيضًا فيها دليل على الإحسان، وهو قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ فالله جل وعلا يأمر نبيه ﷺ أن يتوكل على ربه في جميع أموره؛ لأنه ﷾ "عزيز"، أي: قوي لا يغلب، "رحيم"، أي: بالمؤمنين من عباده ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾، أي: تقوم إلى الصلاة
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآية: ١٢٨. ٢ سورة الشعراء، الآيات: ٢١٧-٢٢٠.
[ ١٤١ ]
وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية.
والدليل من السنة حديث جبريل المشهور
ــ
فتصلي متهجدًا من الليل وحدك. ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ الواو حرف عطف. "وتقلب" معطوف على الكاف، والتقدير: الذي يراك ويرى تقلبك، ومعنى "يرى تقلبك في الساجدين"، أي: يرى تقلبك مع المصلين، والمراد بالتقلب: الركوع والسجود والقيام، فهو معك يسمع ويرى، ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فيه تقرير للأمر بالتوكل؛ لأن السميع لكل صوت، والعليم بكل حركة وسكون يحق للعبد أن يتوكل عليه وأن يفوض أموره إليه.
وقوله: "وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ ١" هذه الآية أيضًا فيها دليل على الإحسان والخطاب للرسول ﷺ. ومعنى "في شأن"، أي: وما تكون في عمل من الأعمال يا محمد وما تتلو من كتاب الله تعالى "ولا تعملون"، أي: أنت وأمتك من عمل "إلا كنا عليكم شهودًا"، أي: مشاهدين لكم مراقبين لأعمالكم سامعين لأقوالكم "إذ تفيضون فيه"، أي: تأخذون في ذلك العمل.
قوله: "والدليل من السنة حديث جبريل المشهور" هذا دليل على ما تقدم من الإسلام والإيمان والإحسان، وهذا الحديث هو حديث يرويه
_________________
(١) ١ سورة يونس، الآية: ٦١.
[ ١٤٢ ]
عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: "بينما نحن جلوس عن النبي ﷺ
ــ
عمر بن الخطاب ﵁ وهو مشهور على ألسنة بعض العلماء والوعاظ بحديث جبرائيل ﵇؛ لأنه يقوم على أسئلة وجهها جبرائيل ﵇ إلى النبي ﷺ عندما جاءه على صورة رجل، وهو حديث عظيم جليل القدر بروايات متعددة وألفاظ مختلفة مع أن القصة واحدة١.
يقول ابن دقيق العيد ﵀ في "شرحه على الأربعين النووية": "هذا حديث عظيم قد اشتمل على جميع وظائف الأعمال الظاهرة والباطنة، وعلوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه لما تضمنه ن جمعه علم السنة فهو كالأم للسنة كما سميت الفاتحة أم القرآن لما تضمنته من جمعها معاني القرآن"٢.
قوله: "عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ قال: بينما نحن جلوس عن النبي ﷺ قوله: "بينما"، "بين": ظرف زمان متضمن معنى الشرط، له ثلاث استعمالات، فيستعمل بدون ألف فيقال: "بين" بباء وياء ونون، تقول: جلست بين زيد وعمرو، ويستعمل بالألف بعد النون "بينا"، والاستعمال الثالث بالألف بعد النون بزيادة ما "بينما"، و"ما" هذه زائدة كافة عن الجر؛ لأن "بين" تجر ما بعدها؛ لأنها تضاف إليه، فإذا دخلت عليها "ما" كفتها عن العمل. ولهذا وقع بعدها الضمير "نحن" وهو لا يكون في محل جر.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "١١٤١- فتح" من حديث أبي هريرة ﵁، ومسلم: "رقم٨، ٩، ١٠" من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وأبي هريرة ﵁. ٢ "شرح الأربعين" لابن دقيق العيد: "ص١١".
[ ١٤٣ ]
إذا طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ: "أَنْ تَشْهَدَ أن لا اله إلا الله وأن محمدا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلا"، قَالَ: صَدَقْتَ، فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: "أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره"، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ، قَالَ: "أَنْ تَعْبُدَ الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: "مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ"، قَالَ: أخبرني عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ:"أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ"، قَالَ: فَمَضَى فَلَبِثْنَا مَلِيَّا فَقَالَ: "يَا عُمَرُ أَتَدْرُونَ مَنِ السَّائِلِ"؟ قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يعلمكم أمر دينكم".
ــ
قوله: "إذا طلع علينا رجل شديد بياض الثياب" قال العلماء: يستفاد من هذا استحباب تحسين الهيئة والنظافة عند الدخول على العلماء والفضلاء والملوك.
قوله: "شديد سواد الشعر" عند ابن حبان: "شديد سواد اللحية"١.
_________________
(١) ١ "صحيح ابن حبان" الإحسان: "١/٣٩٠".
[ ١٤٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: "لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلا يَعْرِفُهُ منا أحد" هذا متضمن معنى التعجب، فهو غريب عليهم، لكن لا يرى عليه أثر السفر. وقد نفى عمر ﵁ أن يعرفه أحد الحاضرين، وهذا قد يشكل في ظاهره، لكن ورد رواية: "فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقالوا: ما نعرف هذا " فأفادت أن عمر حكم بذلك استنادًا لما قاله الحاضرون.
قوله: "حتى جلس إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ ركبتيه إلى ركبتيه" الضمير المجرور في قوله: "فأسند ركبتيه" يعود إلى الرجل. والضمير في قوله: "إلى ركبتيه" يعود إلى الرسول ﷺ، والمعنى: أنه جلس بين يدي النبي ﷺ كما يجلس الإنسان في الصلاة في التشهد أو في الجلوس بين السجدتين، فجلس قريبًا من النبي ﷺ.
قوله: "ووضع كفيه على فخذيه" في قوله: "على فخذيه" احتمال. فإما أن المراد: فخذا نفسه، والمعنى: وضع كفيه على فخذي نفسه، وإما أن المراد: وضع كفيه على فخذي النبي ﷺ وكأنه أراد بهذا أن يكون منتبهًا ومصغيًا إلى النبي ﷺ. وقال بعض العلماء: بل يحتمل أنه أراد زيادة التعمية في أمره، وأنه أعرابي وصل إلى هذا الحد من الجفاء فوضع يديه على ركبتي النبي ﷺ. وكثير من الشراح يرجحون أن الضمير يعود إلى النبي ﷺ لما ورد في بعض الروايات كما عند النسائي قال: "ثم وضع يده على ركبتي النبي ﷺ"١. وهذه تزيل الإشكال. ولو كانت هي الرواية
_________________
(١) ١ "سنن النسائي": "٨/١٠١".
[ ١٤٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوحيد لما صار هناك إشكال فلا مانع من أن يرد اللفظ المشكل إلى لفظ يزيل الإشكال هذا هو الظاهر إن شاء الله تعالى.
قوله: "وقال: يا محمد" ناداه باسمه مع أن نداءه ﷺ باسمه مخالف لقول الله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ ١، أي: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضًا باسمه إنما قولوا له: يا رسول الله أو نبي الله. ولهذا كان الصحابة ﵃ يمتثلون هذا الأمر وهذا التعليم من الله ﷿ فما كان الواحد منهم يقول: يا محمد إلا إن كان أعرابيًا قدم من البادية، فلعله قال ذلك مبالغة في التعمية، أو أن الملائكة غير داخلين في هذا النهي كما قال ابن علان في "شرحه على رياض الصالحين"٢. وقد ورد في حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: "يا رسول الله"٣.
ثم إن الرواية التي معنا لم يذكر فيها أنه سلم وقد ورد في بعض الروايات كما عند النسائي٤ "أنه سلم" فإما أن يكون بعض الرواة لم ينقله قال الحافظ: وهذا هو المعتمد أو أنه لم يسلم وقصد بذلك التعمية وصنع صنيع الأعراب لكن من ذكر السلام مقدم على من سكت عن ذكر السلام لأن هذه زيادة فتقبل.
_________________
(١) ١ سورة النور، الآية: ٦٣. ٢ "دليل الفاتحين": "١/٢١٦". ٣ أخرجه البخاري: "٨/٥١٣-فتح"، ومسلم: "برقم١٠". ٤ انظر: "سنن النسائي": "٨/١٠١".
[ ١٤٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: "قال: أخبرني عن الإسلام" في لفظ الترمذي: "قال: أخبرني عن الإيمان"، وورد أيضًا في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة أنه بدأ بالإيمان، وفي بعض الروايات أنه سأل عن الإحسان بين الإسلام والإيمان مع أن الحديث الذي معنا وهو لفظ مسلم ورد فيه الإحسان آخر شيء وقد أجاب الحافظ ﵀ عن هذا فقال: "إن القصة واحدة والرواة اختلفوا في تأديتها فبعضهم يقدم وبعضهم يؤخر وليس في السياق ترتيب"١.
قوله: "وقال: أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا" تقدم الكلام على هذه الأركان.
قوله: "فقال: صدقت فعجبنا له" معنى عجبنا له، أي: عجبنا منه أو لأجله.
قوله: "يسأله ويصدقه"، أي: تعجب الصحابة ﵃ من حاله؛ لأن السؤال يدل على عدم علم السائل، والتصديق يدل على علمه.
قوله: "قال: فأخبرني عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وشره. قال: صدقت" ولم يقل عمر ﵁: "فعجبنا له يسأله ويصدقه" اكتفاءً بما تقدم. وقد أجابه الرسول ﷺ عن الإيمان بأنه: "أن تؤمن بالله"، مع أنه ورد في "الصحيحين" من حديث ابن عباس في قصة وفد عبد القيس أن النبي ﷺ
_________________
(١) ١ "فتح الباري": ١/١١٧".
[ ١٤٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال: "أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شَهَادَةُ أَن لا اله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ وَإِقَامُ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس" ١.
ووجه الإشكال أنه في حديث جبريل فسر الإيمان بالاعتقادات الباطنة وفسر الإسلام بالأعمال الظاهرة، وفي هذا الحديث فسر الإيمان بما فسر به الإسلام. والجواب: أن نقول إن حديث عمر الذي معنا دليل واضح على التفريق بين الإسلام والإيمان، فالإسلام يفسر بالأعمال الظاهرة من أقوال اللسان وأعمال الجوارح، وأما الإيمان فإنه يفسر بالأعمال الباطنة من اعتقادات القلوب وأعمالها. قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ ٢. وفي قصة قوم لوط قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣، فإنه فرق بن المؤمنين والمسلمين؛ لأن البيت الذي كان هذه القرية بيت إسلامي في ظاهره؛ لأنه يشمل امرأة لوط التي خانته في دينها لأنها كافرة. والإخراج لم يكن لهذا البيت بأكمله وإنما قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، أي: ما نجا من هذا البيت المسلم إلا أهل الإيمان، فهذا يدل على أن هناك فرقًا بين الإيمان وبين الإسلام، وإلا فإن البيت
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "١/١٢٩"، ومسلم: "٢٣/١٧". ٢ سورة الحجرات، الآية: ١٤. ٣ سورة الذاريات، الآيتان: ٣٥، ٣٦.
[ ١٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
المتحدث عنه بيت واحد لكن وصف بأنه بيت إسلامي باعتبار، وبأنه بيت مؤمنين باعتبار آخر.
أما في حديث ابن عباس فإنه لم يذكر إلا قسمًا واحدًا وهو الإسلام ولا ريب أن الإسلام عند الإطلاق يشمل الدين كله. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ﴾ ١، فيدخل فيه الإيمان. وكذا إذا ذكر الإيمان مجردًا دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة كقوله في حديث "الشعب": "الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قَوْلُ لا اله إِلا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأذى عن الطريق" ٢.
قوله: "قال: فأخبرني عن الساعة، قال: مالمسؤول عنها بأعلم من السائل" الساعة بمعنى الوقت أو الزمن الحاضر، والمراد بالساعة هنا: القيامة، والمعنى: فأخبرني عن زمن الساعة. فقال النبي ﷺ: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل"، أي: ليس المسئول عن وقتها بأعلم من السائل، والمعنى: أنت لا تعلمها وأنا لا أعلمها، ويكون المراد بقوله: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" إثبات التساوي في نفي العلم بوقتها، أي: أن العلم بها منتفٍ عني وعنك على حد سواء، وليس المراد التساوي في العلم بوقتها. والباء في قوله: "بأعلم" زائدة لإفادة التوكيد؛ لأن علم الساعة من الخمس التي استأثر بعلمها كما في قوله
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية: ١٩. ٢ انظر: "الإيمان": "ص٧".
[ ١٤٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١، وقد ورد عن النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح أنه قال: "خمس لا يعلمهن إلا الله" فذكر منها قيام الساعة٢. وفي بعض الروايات أن الرسول ﷺ تلا هذه الآية في أثناء جوابه للسائل٣.
قوله: "قال: فأخبرني عن أماراتها" هذا تدرج في السؤال، يعني: إذا كنت لا تعلم متى وقت قيامها فأخبرني عن أماراتها. والأمارات جمع أمارة وهي العلامة. وقد ورد في بعض الروايات: "وسأخبرك عن أشراطها" فأماراتها وأشراطها بمعنى واحد، والمراد بالأمارات التي سيذكر له الأمارات التي تتقدم الساعة بأزمان متطاولة، وهي الأشراط الصغرى، وليس العلامات التي تظهر قرب الساعة وهي الأشراط الكبرى: كطلوع الشمس من مغربها، وظهور الدجال، ونزول عيسى ﵇، غير ذلك.
قوله: "أن تلد الأمة ربتها" هذه علامة من علامات الساعة. وقد ورد في بعض الروايات: "بعلها" ومعنى "ربتها أو بعلها": سيدها. وقد اختلف العلماء في تفسير هذه الجملة على أقوال منها أن هذا إخبار بأن السراري تكثر في آخر الزمان فيكون ولدها من سيدها بمنزلة سيدها لاسيما
_________________
(١) ١ سورة لقمان، الآية: ٣٤. ٢ راجع: "تفسير ابن كثير": "٦/٣٥٤". ٣ انظر: "فتح الباري": "١/١١٤"، و"صحيح مسلم": "رقم١٠".
[ ١٥٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) إذا كثرة الأموال وبدأ الولد يتصرف في المال فيكون هو السيد المطاع، وتكون هذه الأمة قد ولدت سيدها. وقيل: إن الحديث دليل على أن الإماء يلدن الملوك في آخر الزمان فتكون أم الملك أمة، وإذا كانت أمه أمة وتولى الملك فإنه سيكون سيدًا لأمه ولغير أمه من أفراد الرعية، والله أعلم. وقوله: "وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يتطاولون في البنيان" هذه علامة أخرى من علامات. والحفاة: جمع حاف، وهو الذي لا نعال عليه. والعراة جمع عار، وهو الذي لا ثياب عليه. والعالة: جمع عائل، والعائل هو: الفقير، كما في قول الشاعر: وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعيل أي: يفتقر. وقوله: "رعاء الشاء" بكسر الراء جمع راعٍ، ويجمع أيضًا على رعاة بضمها. والشاء جمع شاة وهو من الجموع التي يفرق بينها وبين واحدها بالهاء كشجر وشجرة. وخصهم بالذكر لأنهم أضعف الرعاء، لكن قد ورد في حديث أبي هريرة في "الصحيحين": "رعاة الإبل"، والمراد: أن أصحاب هذه الأوصاف الأربعة: الحفاة والعراة والعالة ورعاة الشاء "يتطاولون في البنيان"، والتطاول في البنيان معناه: تكثير طبقات البنيان، ويصدق أيضًا على توسيع المنازل، وتكثير مجالسها ومرافقها، وهذه ذكرها الرسول ﷺ لمن كانت حالهم أنهم حفاة وعراة.. إلخ. والمعنى: أن هؤلاء في آخر الزمان يقوى أمرهم وتكون الأموال بأيديهم، وبدل أنهم حفاة عراة لا يملكون غير الشاة يصلون إلى حال التطاول والتفاخر في البنيان، فكل
[ ١٥١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من بنى منهم بناء بدأ يتفاخر على من بنى قبله؛ لأنه أطول منه بناء أو أكبر أو أوسع فهذا يعتبر من أشراط الساعة، والله المستعان.
وقد ورد في حديث أبي هريرة في "الصحيحين" قال: "وإذا رأيت الحفاة العراة رؤوس الناس فذاك من أشراطها" ١.
ومعنى رؤوس الناس: ملوك الناس. وفي رواية لمسلم: "وإذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض فذاك من أشراطها".
قال النووي: "المراد بهم السفلة الرعاء كما قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ٢، أي: لما لم ينتفعوا بجوارهم هذه فكأنهم عدموها. هذا هو الصحيح في معنى الحديث، والله أعلم"٣.
قوله: "قال: فمضى فلبثنا مليًا" بتشديد الياء التحتية، والملي: هو الزمان، وقد ورد عند الترمذي والنسائي وغيرهما: "فلبثت ثلاثًا"٤.
قوله: "فقال: يا عمر، أتدري من السائل؟ " ظاهره أن الرسول ﷺ لم بخبر عمر إلا بعد مدة، لكن ورد في حديث أبي هريرة في "الصحيحين" قال: "ثم أدبر فقال: ردوه فلم يروا شيئًا. فقال: هذا جبريل أتى يعلم الناس دينهم" فهذه الرواية تدل على أن النبي ﷺ أخبرهم في
_________________
(١) ١ "صحيح البخاري": "٨/٥١٣-فتح"، ومسلم: "رقم٩، ١٠"، من حديث أبي هريرة ﵁. ٢ سورة البقرة، الآية: ١٨. ٣ "شرح النووي على صحيح مسلم": "٣/٢٧٩". ٤ "سنن النسائي": "٨/٩٧"، و"جامع الترمذي": "٥/٨".
[ ١٥٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحال. والظاهر من الرواية التي معنا أن الإخبار خاص بعمر حيث قال: "فقال: يا عمر" والظاهر أن عمر ﵁ قام في الحال، أي: بعد أن أدبر الرجل، ولم يحضر كلام النبي ﷺ وإنما أخبره النبي ﷺ بعد مدة.
وهذا هو الجمع بين الرواية التي معنا وهي تدل على أن إخبارهم كان متراخيًا ورواية "الصحيحين" من حديث أبي هريرة التي تدل على أن إخبارهم كان في الحال. قاله النووي، قال الحافظ: هو جمع حسن١.
قوله: "قلت: الله ورسوله أعلم"، أي: من غيرهما، ولم يقل: أعلما لأن أفعل التفضيل المجرد لا يثنى ولا يجمع بل يلزم الإفراد. وهذا فيه أدب من آداب العالم وهو أن من سئل عن شيء لا يعلمه أن يكل العلم إلى عالمه ولا يتكلف في الجواب بل يقول: الله أعلم. أما في حياته ﷺ فإن العلم يمكن أن يؤخذ منه فيقول المسؤول: الله ورسوله أعلم. لكن بعد وفاته يقول: الله أعلم.
قوله: "قَالَ: هَذَا جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُم" هذا دليل على أن ما ذكر في هذا الحديث هو الدين؛ لأنه اشتمل على أصول الدين وعقائده من الإسلام والإسلام والإحسان. والله أعلم.
_________________
(١) ١ "فتح الباري": "١/١٢٥".
[ ١٥٣ ]
الأصل الثالث: معرفة نبينا محمد ﷺ
اسمه ونسبة
الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ
وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بن عبد المطلب بن هاشم.
_________________
(١) قوله: "الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ" هذا هو الأصل الثالث من الأصول الثلاثة التي يجب على العبد معرفتها. وهذا الأصل تأتي معرفته العبد ربه ومعرفة العبد دينه؛ لأنه ﷺ هو الواسطة بيننا وبين الله ﷿. فالله هو يشرع الشرائع ويحكم الأحكام، ولا يمكن تلقي أحكام الشرع إلا عن طريق هذا النبي ديننا إلا بواسطة النبي ﷺ، بل ولا يمكن أن نقوم بعبادة الله تعالى على الوجه المطلوب إلا عن طريق النبي ﷺ. والعبادة لها ركنان: الإخلاص والمتابعة. ولا يمكن للإنسان أن يعبد الله تعالى على علم وبصيرة وتكون عبادة صحيحة مقبولة إلا عن طريق التلقي من النبي ﷺ. ومعرفة النبي ﷺ تشتمل على أمور كثيرة: الأمر الأول: معرفة نسبة. وهو قوله: "وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ المطلب بن هاشم" وقد اقتصر المصنف على جدين من أجداد النبي ﷺ. والنبي ﷺ له عدة أسماء. وقد ورد عن جبير بن مطعم ﵁ أن النبي ﷺ قال: "أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحى بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على عقبي، وأنا العاقب،
[ ١٥٥ ]
وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ، عَلَيْهِ وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.
ــ
والعاقب: الذي ليس بعده نبي"١، وله أسماء أخرى، وأشهرها: "محمد"، وقد جاء ذكره في القرآن على وجه التنويه، ومعناه الذي يحمد أكثر مما يحمد غيره.
قوله: "وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام" قريش: هو النضر بن كنانة، لما ورد عن الأشعث بن قيس ﵁ قال: أتيت رسول الله ﷺ في وفد لا يرون أني أفضلهم. فقلت: يا رسول الله، إننا نزعم أنا منكم، قال: "نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا " ٢. والمقصود بهذا: أن النبي ﷺ بعث في أكرم العرب نسبًا.
وقد ورد عن وائلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، وأصطفاني من بني هاشم". ٣
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "٦/٥٥٤"، ومسلم: "رقم٢٣٥٤"، وانظر: "فتح الباري": "٦/٥٥٥". ٢ أخرجه أحمد: "٢٠/١٧٧-الفتح الرباني"، وابن ماجه: "رقم٢٦١٢"، قال ابن كثير: "وهذا إسناد جيد قوي وهو فيصل في هذه المسألة: فلا التفات إلى قول من خالفه والله أعلم". "السيرة": "١/٨٦". قال في "الزوائد" "٢/٣٢٧": هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، ومعنى: "لا نقفوا أمنا": قال في "النهاية": "ولا نتهمها ولا نقذفها". ٣ أخرجه مسلم: "رقم٢٢٧٦"، والترمذي: "٥/٥٤٤"، وقال: حديث حسن صحيح.
[ ١٥٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقال أبو سفيان لهرقل-لما سأله: كيف نسبه فيكم؟ - قال: هو فينا ذو نسب، قال هرقل: فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها١، أي: في أكرمها نسبًا وأشرفها قبيلة.
قوله: "وهاشم من قريش" هو هاشم بن عبد مناف. قال مؤرخوه: اسمه عمرو، وغلب عليه لقبه "هاشم"؛ لأنه أول من هشم الثريد مع اللحم لقومه في مكة في سني المحل، وهو أحد الأجواد الذين ضرب بهم المثل في الكرم، وأحد من انتهت إليه السيادة في الجاهلية٢.
قوله: "وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ"، المراد بالعرب –هنا-: العرب المستعربة. فإن العرب قسمان:
١- عرب عاربة: وهم أصل العرب الباقية جميعًا ويسمون "القحطانيين"، وينتسبون إلى سبأ بن يشجب بن يعرف بن قحطان، وقد سكنوا اليمن ثم تفرقوا في بقية الجزيرة.
٢- عرب مستعربة: ويسمون "العدنانيين"، وقد نشأوا في مكة ومنها تفرقوا في جهات كثيرة من الحجاز وتهامة، وينتهي نسبهم إلى إسماعيل ﵊ كما تقدم؛ لأنه لما أصهر إلى قبيلة "جرهم" كان من نسله "عدنان" الذي تنتسب إليه العرب المستعربة٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "١/٣١-فتح"، ومسلم: "رقم١٧٧٣". ٢ انظر: "طبقات ابن سعد": "١/٧٥"، و"الأعلام" للزركلي: "٩/٤٨". ٣ "البداية والنهاية": "٢/١٥٦".
[ ١٥٧ ]
وله من العمر ثلاث وستون، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث عشرون نبيًا رسولًا.
ــ
قوله: "والعرب من ذرية إسماعيل"، أي: فيكون النبي ﷺ من أولاد إسماعيل ﵇ وليس من أولاد "إسحاق"، وأنبياء بني إسرائيل كلهم من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم. و"إسماعيل" ولد لإبراهيم ﵇ من أمته "هاجر" على كبر منه قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ ١، وهو الذي أمر إبراهيم ﵇ بذبحه كما ذكر الله تعالى في القرآن.
قوله: "وله من العمر ثلاث وستون سنة" هذا الأمر الثاني: وهو معرفة عمره ومكان ولادته. وقد ورد عن عائشة ﵂ قالت: "توفى النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وستين"٢. وأما مولده ﷺ ففي يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل٣.
قوله: "منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًا مرسلًا" هذا ورد م حديث أنس ﵁ وفيه: "أنزل عليه وهو ابن أربعين"٤. وإذا كان الرسول ﷺ مات وعمره ثلاث وستون سنة، وثبت في حديث أنس أنه بعث على رأس الأربعين، فهذا يدل دلالة قاطعة على أن مدة النبوة والرسالة كانت ثلاثًا وعشرين سنة. وقد ورد في "صحيح
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم، الآية: ٣٩. ٢ أخرجه البخاري: "٦/٥٥٩"، ومسلم: "رقم٢٣٤٩". ٣ انظر: "البداية والنهاية": "١/٢٥٩". ٤ "أخرجه البخاري": "٦/٥٦٤-فتح"
[ ١٥٨ ]
نبئ باقرأ. وأرسل بالمدثر.
ــ
البخاري" حديث أنس قال: "أنزل عليه القرآن هو ابن أربعين فلبث في مكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشر سنين"١. وظاهر هذا أن مدة النبوة والرسالة عشرون سنة، لكن الصحيح أنها ثلاث وعشرون؛ لأنه ورد عن عائشة أنه مات عن ثلاث وستين. وورد عن أنس نفسه في "الصحيحين" أن الرسول ﷺ مات وله ثلاث وستون. وقد يكون قوله: "وبالمدينة عشر سنين" من باب حذف الكسر لكن على أي حال ما اتفق عليه أولى مما اختلف فيه٢.
قوله: "وثلاث وعشرون نبيًا رسولًا. نبئ باقرأ. وأرسل بالمدثر" هذا الأمر الثالث: وهو معرفة حياته النبوية. ومعنى "نبئ"، أي: خبر؛ لأن أصل النبوة مأخوذ من النبأ وهو الخبر. قوله: "وأرسل بالمدثر"، أي: بهث لأن الإرسال معناه البعث والتوجيه.
وقوله: "باقرأ"، يعني: قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ هذا نزل عليه يوم الاثنين في رمضان وهو في غار حراء٣.
قوله: "وأرسل"، أي: بصدر السورة. وقول المصنف: "نبئ باقرأ وأرسل بالمدثر" دليل على أن هناك فرقًا بين النبي والرسول وهذا هو الصحيح المعتمد أن النبي غير الرسول، والرسول غير النبي،
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ راجع: "فتح الباري": "٦/٥٧٠"، "٨/١٥٠، ١٥١". ٣ "البداية والنهاية": "٣/٦".
[ ١٥٩ ]
وبلده مكة.
ــ
وقد تقدم ذلك، ومن الأدلة على هذا قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ ١، والعطف يقتضي المغايرة، وكذلك مجيء "لا" في قوله: "ولا نبي" فهذا يدل على أن النبي غير الرسول.
قوله: "وبلده مكة"، أي: ولد فيها، ونشأ بها إلا المدة التي أقامها عند مرضعته حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية في بادية بني سعد، ثم رجع إليها في حضانة جده عبد المطلب ثم عمه أبي طالب؛ لأن أمه آمنة بنت وهب ماتت وعمره ست سنين، وبقي في مكة ثلاث عشرة سنة بعد أن أوحى إليه.
قوله: "وهاجر إلى المدينة" الهجرة يأتي الكلام عليها إن شاء الله. والمدينة اسم غالب لمدينة الرسول ﷺ دون غيرها من المدن كالنجم للثريا. وابن عباس لعبد الله دون إخوته من أولاد العباس.
وقد روى أبو موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب" ٢!!!
وكانت هجرته ﷺ من مكة إلى المدينة –فيما يظهر- فرارًا من أذى
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية: ٥٢. ٢ أخرجه البخاري: "٦/٦٢٧"، "٧/٢٢٦-فتح"، ومسلم: "رقم٢٢٧٢"، وقوله: "وهلي" بفتح الواو والهاء، أي: ظني، وقوله: "فإذا هي المدينة يثرب" كان ذلك قبل أن يسميها ﷺ طيبة.
[ ١٦٠ ]
بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إِلَى التَّوْحِيدِ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ .
ــ
المشركين، وطلبًا للنجاة بالدين، والتماسًا لمكان تنمو فيه الدعوة، وتؤتي أكلها، حتى يقوي ساعدها ويشتد أزرها؛ وذلك بعد أن تابعته الأنصار على الإسلام وبايعوه على النصر والمؤازرة.
ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صار له شيعة وأصحاب من غيرهم في غير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، خافوا من انتشار دعوته، ومحاربته لهم فعزموا أصحابه من المهاجرين إليهم، خافوا ذلك، فخرج رسول الله ﷺ برعاية الله تعالى وحفظه، ومعه أبو بكر ﵁ وتغيبًا في غار ثور –جبل بأسفل مكة- ثم سارا إلى المدينة فوصلاها وفرحت بذلك الأنصار فرحًا عظيمًا، وكل ذلك مدون في السيرة.
قوله: "بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد" هذا الأمر الرابع مما يتعلق بمعرفة النبي ﷺ، وهو معرفة ما بعث به، وهذا أعظمها وأعلاها.
فالنبي ﷺ بعثه الله تعالى ينذر عن الشرك، ويدعو إلى توحيد الله تعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. والإنذار بمعنى: التحذير.
والمنذر: المحذر. وأصل الإنذار: الإبلاغ، ولا يكون إلا في التخويف.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ١"، أي:
_________________
(١) ١ سورة المدثر، الآيات: ١-٧.
[ ١٦١ ]
وَمَعْنَى ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ وَيَدْعُو إلى التوحيد، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ، ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا تركها وأهلها والبراءة منها وأهلها. وأخذ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَفُرِضَتْ عليه الصلوات الخمس.
ــ
الدليل على أنه ﷺ بعث بالإنذار عن الشرك، والدعوة إلى توحيد الله ﷾. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ هذه أو آية أرسل بها النبي ﷺ. وقد ثبت عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله ﷺ يحدث عن فترة الوحي فقال في حديثه: "فبينا أنا أمشي إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت بصري قبل السماء فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض، فجثثت منه حتى هويت إلى الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زملوني زملوني؛ فزملوني فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى ﴿فَاهْجُرْ﴾ قال أبو سلمة: والرجز: الأوثان: ثم حمى الوحي وتتابع١.
وهذه الآيات قد فسر الشيخ أكثرها. وسأذكر تفسيرها بعون الله تعالى.
فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾، أي: الذي قد تدثر بثيابه، أي: تغشى بها من الرعب الذي حصل له من رؤية الملك كما تقدم. وأصله: المتدثر، فأدغمت التاء في الدال لتجانسها.
" ومعنى ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾ "، أي انهض فخوف المشركين وحذرهم العذاب
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري "١/٢٧فتح" ومسلم "٢٥٥""١٦١" وقوله: "فَجُثِثْتُ" بالثاء بمعنى: فزعت، ويجوز: فجُئثت. بهمزة بعد الجيم ثم ثاء مثلثة ثم تاء. والمعنى واحد. انظر: شرحي القاضي عياض "١/٤٩" والنووي "١/٥٦٤".
[ ١٦٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إن لم يؤمنوا. بها حصل الإرسال، كما حصل بقول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ﴾ النبوة.
وقول الشيخ ﵀: "ينذر عن الشرك ويدعو إلى التوحيد" هو معنى ما تقدم فإن أشرك مع الله غيره قد عرض نفسه فهو بحاجة إلى إنذار.
﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾، أي: عظمه بالتوحيد. وصفه بالكبرياء والعظمة وأنه أكبر من أن يكون له شريك كما يقول الكفار.
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ عَنِ الشِّرْكِ. وهذا أحد تفاسير الآية. اقتصر عليه الشيخ ﵀. والقول الثاني: أن المراد بها الثياب الملبوسة. أمره الله بتطهير ثيابه وحفظها عن النجاسات. وهذا من تمام التطهير للأعمال خصوصًا في الصلاة. واختار ذلك ابن جرير الطبري، والشوكاني؛ لأن ذلك هو المعنى اللغوي للكلمة. قال ابن كثير: "وقد تشمل الآية جميع ذلك مع طهارة القلب فإن العرب تطلق الثياب عليه"١.
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قرأ حفص بضم الراء، بمعنى: الأصنام والأوثان. وهجرها: تركها والإعراض عنها والبراءة من أهلها كما قال تعالى عن الخليل ﵊: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ٢.
ويحتمل أن المراد بالرجز أعمال الشر كلها؛ فيكون أمرًا له بترك الذنوب صغارها وكبارها ظاهرها وباطنها فيدخل في هذا الشرك فما دونه.
وقرأ الباء بكسر الراء، بمعنى: العذاب٣. والقراءتان بمعنى
_________________
(١) ١ "تفسير ابن كثير" "٨/٢٨٩"، "فتح القدير": ٥/٣٢٤"، "فتح الباري": "٨/٦٧٩". ٢ سورة مريم، الآية: ٤٨. ٣ الكشف المكي "٢/٣٤٧".
[ ١٦٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
واحد؛ لأن عبادة الأوثان تؤدي إلى العذاب؛ فأمر أن يهجر ما يحل العذاب بسببه. والله أعلم.
﴿وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾ بضم الراء على أنه حال، أي: ولا تمنن حال كونك مستكثرًا ما يتحمله بسبب الغير. قاله الحسن والربيع بن أنس واختاره ابن جرير. وقيل: لا تعط العطية تلتمس أكثر منها. قاله ابن عباس وجماعة من السلف. واختاره ابن كثير١.
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾، أي: لربك وحده دون سواه فاصبر على كل ما تلقاه في سبيل الدعوة وإبلاغ الرسالة.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: "فامتثل رسول الله ﷺ لأمر ربه وبادر فيه، فأنذر الناس وأوضح لهم بالآيات البينات جميع مطالب الإلهية، وعظم الله تعالى، ودعا الخلق إلى تعظيمه، وطهر أعماله الظاهرة والباطنة من كل سوء، وهجر كل ما يعبد من دون الله، وما يعبد معه من الأصنام وأهلها، والشر وأهله، وله المنة على الناس –بعد منة الله- من غير أن يطلب عليهم بذلك جزاء ولا شكورًا. وصبر لربه أكمل صبر: فصبر على طاعة الله وعن معاصيه، وصبر على أقداره المؤلمة، حتى فاق أولى من المرسلين، صلوات الله وسلامة عليه وعليهم أجمعين"٢.
_________________
(١) ١ "تفسير ابن كثير": "٨/٢٩٠"، "فتح القدير": "٥/٣٢٤". ٢ "تفسير ابن سعدي": "٥/٣٣٢".
[ ١٦٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: "أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ يَدْعُو إِلَى التوحيد"، أي: أخذ رسول الله ﷺ عشر سنين يدعو إلى توحيد الله تعالى، ويبين الشرك ويحذر منه.
وذلك أن المقصود الأعظم من بعثة النبيين وإرسال المرسلين وإنزال الكتب هو الإنذار من الشرك والنهي عنه، والدعوة إلى توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة. وكان النداء الأول لكل رسول: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ ١، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣.
فالتوحيد هو أساس الملة الذي تبنى عليه، وبدونه لا يقوم عمل من الأعمال؛ ولهذا لم تفرض الصلاة التي هي عماد الدين وبقية الشرائع إلا بعد إرساء دعائم التوحيد وبنيان العقيدة وهذا يدل على أن التوحيد من أوجب الواجبات، وأنه يبدأ به قبل غيره. وقد قال النبي ﷺ لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله" ٤.
قوله: "وبعد العشر عرج به إلى السماء". اعلم أن الإسراء والمعراج من الأمور التي ثبتت بطريق الشرع وليس للعقل فيها مدخل، والجمهور
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية: ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥، وسورة هود، الآيتان: ٥٠، ٦١، وغيرها. ٢ سورة النحل، الآية: ٣٦. ٣ سورة الأنبياء، الآية: ٢٥. ٤ تقدم تخريجه.
[ ١٦٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
من المحدثين والفقهاء أن الإسراء والمعراج وقعا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي ﷺ وروحه؛ لأن قريشًا أكبرته وأنكرته ولو كان منامًا لم تنكره؛ لأنه لا تنكر المنامات.
والإسراء لغة: السير بالشخص ليلًا. وشرعًا: سير جبريل بالنبي ﷺ من مكة إلى بيت المقدس؛ لقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ١.
والمعراج لغة: الآلة التي يعرج بها، وهي المصعد. وشرعًا: السلم الذي عرج به رسول الله ﷺ من الأرض إلى السماء. وقد ثبت المعراج بالقرآن في قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ٢ إلى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٣.
وخلاصة ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة أن جبريل أمره الله أن يسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس على البراق٤، ثم يعرج به إلى السموات العلى سماء حتى بلغ مكانًا سمع فيه صرير الأقلام وفرض الله عليه الصلوات الخمس –كما سيأتي- واطلع على الجنة والنار، واتصل
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية: ١. ٢ سورة النجم، الآيات: ١-٣. ٣ سورة النجم، الآية: ١٨. ٤ بضم الباء دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض يضع خطوة عند أقصى طرفه "فتح الباري": "٧/٢٠١".
[ ١٦٦ ]
وصلى في مكة ثلاث سنين،
ــ
بالأنبياء الكرام، وصلى بهم إمامًا، ثم رجع إلى مكة فحدث الناس بما رأى فكذبه الكافرون وصدق به المؤمنون وتردد آخرون١.
قوله: "وفرضت عليه الصلوات الخمس"، أي: فرض الله تعالى على عبده محمد ﷺ وعلى أمته الصلوات الخمس ليلة المعراج خمسين صلاة في كل يوم وليلة، ثم لم يزل يختلف بين موسى وبين ربه ﷿ حتى وضعها الرب ﷻ –وله الحمد والمنة- إلى خمس وقال: "هي خمس وهن خمسون".
قوله: "وصلى في مكة ثلاث سنين"، أي: فيكون الإسراع قبل الهجرة بثلاث سنين، وكان يصلي الرباعية ركعتين حتى هاجر إلى المدينة، وقد دل على ذلك ما ورد عن عائشة –﵂- قالت: "فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر رسول الله ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى"٢.
ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه قالت: "فرضت صلاة السفر والحضر ركعتين، فلما أقام رسول الله ﷺ بالمدينة زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنها وتر النهار"٣.
_________________
(١) ١ انظر: "السيرة" لابن كثير: "٢/٩٣"، و"فتح الباري": "١/٤٥٨"، "٧/١٩٦، وما بعدها"، و"شرح لمعة الاعتقاد" للشيخ محمد العثيمين: "ص٥٩". ٢ أخرجه البخاري: "٧/٢٦٧- فتح" ٣ أخرجه ابن حبان: "٦/٤٤٧-إحسان"، وابن خزيمة: "١/١٥٧"، وانظر: "فتح الباري": "١م٤٦٤".
[ ١٦٧ ]
تعريف الهجرة
وَبَعْدَهَا أُمِرَ بالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَالْهِجْرَةُ: الانْتِقَالُ من بلد الشرك إلى بلد الإسلام،
ــ
قوله: "وبعدها"، أي: بعد ثلاث عشرة من بعثته ﷺ؛ لأنه صلى بعد العشر ثلاث سنين بمكة.
قوله: "أمر بالهجرة إلى المدينة"، أي: بمفارقة المشركين وأوطانهم ليتمكن ﷺ من إظهاره دينه.
والدليل على أن الهجرة بعد ثلاث عشرة سنة من البعثة حديث ابن عباس ﵄ قال: "بعث رسول لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحي إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين"١.
قوله: "وَالْهِجْرَةُ: الانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإسلام" الهجرة في اللغة معناها: الترك والخروج من بلد أو أرض إلى أخرى. وشرعًا: كما عرفها المصنف ﵀ بأنها الانْتِقَالُ مِنْ بَلَدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلَدِ الإِسْلامِ.
ومناسبة ذكر الهجرة مع الأصول الثلاثة لبيان أن الهجرة من أبرز تكاليف الولاء والبراء. وبلد الشرك: هو الذي تقام فيه شعائر الكفر، ولا تقام في شعائر الإسلام على وجه عام، وبلد الإسلام: هو البلد التي تظهر فيه شعائر الإسلام والأحكام على وجه عام. وأهم الشعائر: هي الصلاة، فإذا كانت الصلاة مظهرًا من مظاهر البلد فهو بلد إسلامي. أما إذا كانت الصلاة يقيمها أفراد أو جماعات وهي ليست من مظاهر البلد فلا يحكم على البلد
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "٧/٢٢٧-فتح".
[ ١٦٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بأنه بلد إسلامي، مثل البلاد التي فيها أقليات مسلمة يقيمون الصلاة ولكن على نطاق ضيق في حدود مجتمعهم الذي يعيشون فيه أو في حدود بيئتهم، ولكن البلد الذي يقيمون فيه أو هم من أهله لا تقام فيه الصلاة بوجه عام بحيث لا توجد عندهم المآذن ولا يسمع الأذان في جميع الأنحاء فمثل هذا لا يعتبر بلدًا إسلاميًا؛ لأنه لابد أن تكون الإقامة على وجه عام، فمثلًا: فرنسا فيها أقليات مسلمة وفيها إقامة للصلاة من قبل هؤلاء ولكن لا تعتبر مظهرًا من مظاهر البلد بحيث تنتشر المآذن ويسمع الأذان هنا وهناك ويهرع الناس إلى المساجد فهذا هو معنى قولنا: إن بلد الإسلام هو الذي تنتشر فيه الشعائر والأحكام بوجه عام. أما لو كان عن طريق أفراد أو أناس قليلين فهذا لا يطلق عليه أنه بلد إسلامي بهذا الاعتبار١.
قوله: "وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَلَدِ الشرك إلى بلد الإسلام" بين المصنف ﵀ بهذا الوجوب الهجرة وأنها فريضة وهذا دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة وأجمع المسلمون على ذلك؛ لما فيها من حفظ الدين ومفارقة المشركين، فإن المؤمن الذي يعبد ربه ويخلص في عبادته ويبغض الشرك وأهله ويعاديهم لن يتركه أهل الكفر على دينه مع القدرة عليه قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ انظر: "شرح الأصول الثلاثة" لابن عثيمين: "ض١٣٠"، "والفتاوى السعدية": "ص٩٢". ٢ سورة البقرة، الآية: ٢١١٧.
[ ١٦٩ ]
وهي باقية إلى أن تقوم الساعة.
ــ
قوله: "وهي باقية إلى أن تقوم الساعة"، أي: أن الهجرة وهي الانتقال من بلد الكفر والشرك إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة باتفاق أهل العلم، وقد ورد عن عائشة ﵂ قالت: لا هجرة اليوم، كان المؤمنون يفر أحدهم بدينه إلى الله تعالى وإلى رسوله ﷺ مخافة أن يفتتن عليه، فأما اليوم فقد أظهر الله الإسلام، واليوم يعبد ربه حيث شاء، ولكن جهاد ونية١.
قال الحافظ ابن حجر: أشارت عائشة إلى بيان مشروعية الهجرة، وأن سببها خوف الفتنة. والحكم يدور مع علته، فمقتضاه أن من قدر على عبادة الله في أي موضع اتفق لم تجب عليه الهجرة منه وإلا وجبت٢.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "أحوال البلاد كأحوال العباد، فيكون الرجل تارة مسلمًا، وتارة كافرًا، وتارة مؤمنًا، وتارة منافقًا، وتارة برًا تقيًا، وتارة فاسقًا، وتارة فاجرًا شقيًا، وهكذا المساكن بحسب سكانها فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة كتوبته من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة. وهذا أمر باق إلى يوم القيامة"٣. وأما قول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "لا هجرة بعد الفتح" ٤، فالمقصود به لا هجرة من مكة بعد فتحها؛ لأنها صارت دار إسلام. وكل بلد يفتح ويكون بلد إسلام فإن الهجرة لا تجب منه.
_________________
(١) ١ "صحيح البخاري": "٧/٢٢٦-فتح". ٢ "فتح الباري": "٧/٢٢٩". ٣ "مجموع الفتاوى": "١٨/٢٨٤". ٤ أخرجه البخاري: "٦/١٨٩"، ومسلم: "رقم١٨٦٤".
[ ١٧٠ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .
ــ
قوله: " وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ١" هذه الآيات دليل على وجوب الهجرة. والمستفاد من كلام أهل العلم كابن قدامة ﵀ وغيره أن الهجرة من بلد الكفر ثلاثة أضرب والناس ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: تجب عليه الهجرة، وهو القادر عليها مع عدم إمكان إظهار دينه، وهذا يدل عليه قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ ووجه الدلالة أن الله جل وعلا وصفهم بأنهم ظالمون لأنفسهم. فمن بقي في بلد الشرك وهو قادر على الهجرة ولا يقدر على إظهار دينه فهو ظالم لنفسه، مرتكب حرامًا بالإجماع.
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآيات: ٩٦-٩٩.
[ ١٧١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصنف الثاني: من لا هجرة عليه وهو العاجز عن الهجرة إما لمرض أو إكراه على الإقامة فلم يستطع الخروج أو ضعف من النساء والولدان وشبههم فهؤلاء لا هجرة عليهم؛ لأن جل وعلا قال: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ عليه أن يعتزل الكفار ما استطاع ويظهر دينه ويصبر على أذاهم.
الصنف الثالث: من تستحب له الهجرة ولا تجب عليه كما تجب على الصنف الأول، وهذا في حق من يقدر على الهجرة لكنه متمكن من إظهار دينه، فهذا تستحب له الهجرة لأجل أن يتمكن من جهاد الكفار وتكثير المسلمين والتخلص من الكفار ومخالطتهم فهذه ثلاثة أصناف هي أصناف الناس بالنسبة للهجرة١. أما الآية التي ساقها المصنف فمعناها بإيجاز ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ﴾ المراد بالملائكة إما ملك الموت وأعوانه، وإما ملك الموت وحده؛ لأن العرب تخاطب الواحد على بلفظ الجمع. وقوله تعالى: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ هذا دليل على وجوب الهجرة كما تقدم. والمعنى: أنهم ظالمون لأنفسهم بتركهم الهجرة. ﴿قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ﴾ هذا استفهام توبيخ وتقريع لهم، والمعنى: في أي فريق كنتم؟ ﴿قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ﴾ يعني: عاجزين لا نستطيع الخروج ﴿قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا﴾ يعني بإمكانكم أن تخرجوا إلى أرض الله الواسعة، والمراد بها في ذلك الزمن: المدينة ﴿فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ
_________________
(١) ١ انظر: "المغني": "١٣/١٥١"، و"فتح الباري": "٦/١٩٠".
[ ١٧٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مَصِيرًا﴾ هذا وعيد يدل على أن القادر على الهجرة الذي لا يتمكن من إظهار دينه ولم يهاجر أنه قدر ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأنه لا يتوعد بمثل هذا الوعيد إلا على ترك أمر واجب وهو الهجرة، فتركها كبيرة من كبائر الذنوب، قال تعالى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ﴾ هؤلاء هم الذين لا يستطيعون الخروج ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ يعني: لا يقدرون على حيلة، لا على خروج، ولا على نفقة، ولا على من يهيئ أمرهم ﴿وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ يعني: لا يعرفون الطريق، ولا يستطيعون أن يسيروا وحدهم، قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، أي: عسى الله أن يتجاوز عنهم وهم المعذورون بتركهم الهجرة. والآية دليل على وجوب الهجرة وعلى آكديتها. يقول ابن كثير ﵀ في تفسيره عند هذه الآية: "نزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنًا من إقامة الدين فهو ظالم لنفسه مرتكب حرامًا بالإجماع وبنص هذه الآية "١.
فلا بد من شرطين: القدرة على الهجرة، وعدم التمكن من إظهار الدين. فمن لم يفعل فهو ظالم لنفسه. يقول الشوكاني ﵀: "استدل بهذه الآية على أن الهجرة واجبة على من كان بدار الشرك أو بدار يعمل فيها بمعاصي الله جهارًا ولم يكن من المستضعفين"٢ا. هـ.
_________________
(١) ١ "تفسير ابن كثير": "٢/٣٤٣". ٢ "فترح القدير": "١/٥٠٥".
[ ١٧٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) وإذا كان الإنسان مأمورًا بالهجرة من بلاد الكفر دل على أن الأصل تحريم السفر إلى بلاد الكفر استنادًا إلى هذه النصوص لكن لو وجد حاجة تدعو إلى السفر إلى بلاد الكفر أو الإقامة فيها كطلب علم لا يوجد في بلده أو علاج أو للدعوة فإن هذا يجوز نظرًا للمصلحة المترتبة على هذه الإقامة؛ لأن الأصل هو عدم السفر ويفهم من كلام العلماء أنه لا يجوز السفر لبلاد الكفر إلا بثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكون عنده علم يمنعه مما يرد عليه من الشبهات التي قد تعرض له في تلك البلاد. فإن لم يكن عنده علم فهو على خطر عظيم، فقد ينحرف في عقيدته وينخدع بما هم عليه. فلابد أن يكون المسافر على علم يمنعه مما يرد عليه من الشبهات والإشكالات. الشرط الثاني: أن يكون عنده دين يمنعه مما يرد عليه من الشهوات؛ لأن تلك البلاد بلاد مغرية، بلاد الشهوات واللذات التي تقف على قدم وساق دون تفريق بين ما أحل الله وما حرم الله. والذي لا دين عنده يمنعه من الوقوع في هذه المحرمات يكون عرضة للانحراف ومجاراة القوم فيما هم عليه من الذنوب والمعاصي غائبًا عن باله عاقبة الأمر. ومن وسائل السلامة –بإذن الله تعالى- أن يكون المسافر متزوجًا وأن تكون زوجته معه ليعف نفسه ويتحصن من الحرام، إذا كان يريد الإقامة للدعوة أو للدراسة مثلًا. الشرط الثالث: أن يتمكن من إظهار دينه والقيام بعبادة ربه كما أمر الله
[ ١٧٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
جل وعلا ووعليه أن يحذر كل الحذر من موالاة المشركين؛ لأن موالاتهم –كما مر معنا- تنافي الإيمان١.
أما السفر لبلاد الكفر لمجرد السياحة فالقول بالمنع أظهر؛ لأن الله تعالى أوجب على الإنسان العمل بالتوحيد، وفرض عليه عداوة المشركين فما كان ذريعة وسببًا إلى إسقاط ذلك فإنه لا يجوز٢. وقد ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "أنا بريء ممن يقيم بين أظهر المشركين لا تراءى نارهما" ٣.
ومعنى: "لا تراءى نارهما"، أي: لا ترى نار المسلم نار المشرك، ولا نار المشرك نار المسلم، وهذا كناية عن القرب. والعرب تستعمل مثل هذا الأسلوب تقول: داري تنظر إلى داره، وداره تنظر إلى داري، إذا أرادوا شدة القرب.
فمن سافر لمجرد السياحة فهو على خطر عظيم، من وجوه:
أولًا: أنه خالف النصوص الدالة على وجوب الهجرة وتحريم
_________________
(١) ١ انظر: "شرح الأصول الثلاثة" لابن عثيمين: "ص١٢٣". ٢ انظر: "الجامع الفريد" "ص٣٨٣"، و"مجموعة رسائل حمد بن عتيق": "ص٤٩" حيث قسم المقيمين في دار الحرب إلى ثلاثة أقسام. ٣ أخرجه أبو داود: "٧/٣٠٣- عون"، والترمذي: "٤/١٣٢" من حديث جرير بن عبد الله ﵁ لكنه أعل بالإرسال. قال الترمذي وأبو داود: وقد رواه جماعة ولم يذكروا جريرًا. وأخرجه النسائي: "٨/٣٦" عن قيس بن أبي حازم مرسلًا ولم يذكر جريرًا. قال الترمذي "وسمعت محمدًا –يعني: البخاري- يقول: الصحيح حديث قيس عن النبي ﷺ مرسل". والحديث صححه الألباني في "الإرواء": "٥/٣٠"، وذكر طرقه وشواهده.
[ ١٧٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
السفر، ومنها حديث سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله" ١.
ثانيًا: فقد الغيرة عنده –وهذا شيء ملاحظ- فإن الإنسان –وإن كان عنده غيرة- إذ أقام في بلد تكثر فيه المعاصي؛ فإن غيرته تضعف أو تموت بالكلية، ويصبح مجاريًا لهم فيما هم عليه. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن مشاركة الكفار في الهدي الظاهر توجب الاختلاط الظاهر حتى يرتفع التمييز بين المهديين المرضيين وبين المغضوب عليهم والضالين. هذا إذا لم يكن الهدي الظاهر إلا مباحًا محضًا لو تجرد عن مشابهتهم، فأما إن كان من موجبات كفرهم فإنه يكون شعبة من شعب الكفر، فموافقتهم فيه موافقة في نوع من أنواع ضلالهم ومعاصيهم فهذا أصل ينبغي أن يتفطن له٢.
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود: "٧/٤٧٧-عون" وإسناده ضعيف؛ لأنه من طريق سليمان بن موسى قال: أخبرنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب: حدثني خبيب بن سليمان عن أبيه سليمان بن سمرة عن سمرة. وسليمان بن سمرة قال الحافظ: مقبول. وابنه خبيب: مجهول، وجعفر بن سعد: ليس بالقوي، وسليمان بن موسى: فيه لين. لكن له طريق أخرى يتقوى بها أخرجه الحاكم: "٢/١٤١-١٤٢"، وقد حسنه الألباني في "الصحيحة": "٥/٢٥٣". ويشهد له ما تقدم وكذا ما أخرجه النسائي: "٥/٨٢"، وابن ماجه: "رقم٢٥٣٦" من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: " كل مسلم على مسلم محرم، أخوان نصيران لا يقبل الله ﷿ من مشرك بعدما أسلم عملًا أو يفارق المشركين إلى المسلمين". قال الألباني: "وهذا إسناد حسن صححه الحاكم: "٤/٦٠٠"، ووافقه الذهبي" "الصحيحة": رقم٣٦٩". ٢ "اقتضاء الصراط المستقيم": ١"/٨٢".
[ ١٧٦ ]
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ .
قال البغوي ﵀: "سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يُهَاجِرُوا، نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ: "لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مغربها".
ــ
ثالثًا: أن هذه الأسفار لا تسلم غالبًا من الإسراف في النفقات المالية، وهذا فيه إنعاش لاقتصادهم وتقوية لهم.
رابعًا: شعور الإنسان الذي يقيم بأنه كفرد منهم له ما لهم وعليه ما عليهم. أضف إلى هذا أن أهله من النساء والأطفال –إن كانوا معه- يتأثرون بأخلاق أهل تلك البلاد؛ لأن المرأة والطفل والشاب أسرع تأثرًا وأكثر إعجابًا بما عليه الآخرون.
قوله: "وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ١. قال البغوي ﵀: "سبب نزول هذه الآية في المسلمين الذين في مكة لم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان" هذا دليل على أن الذي يترك الهجرة ليس كافرًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ولو كانوا كفارًا ما ناداهم باسم الإيمان. وقد تقدم في كلام العلماء كابن كثير والشوكاني أن تارك الهجرة يعتبر عاصيًا ظالمًا لنفسه. وكلام البغوي هذا لخصه الشيخ ﵀ مما حكاه البغوي ﵀ عن جماعة من السلف٢.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت، الآية: ٥٦. ٢ "تفسير البغوي": "٣/٣٧٢".
[ ١٧٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
والبغوي: هو الإمام الحافظ الفقيه أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، قال ابن كثير: "برع في العلوم وكان علامة زمانه فيها وكان دينًا ورعًا زاهدًا عابدًا صالحًا" ا. هـ له مؤلفات منها تفسيره "معالم التنزيل"، و"شرح السنة"، وغيرهما، مات ﵀ سنة ٥١٦هـ١.
وقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: بي وبرسولي ولقائي وأضافهم إليه خطابه لهم تشريفًا وتكريمًا ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ فإن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان، فاخرجوا فإن أرضي واسعة ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ لا تعبدوا معي غيري كما يريد منكم المشركون.
ففي الآية أمر من الله لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه إلى إقامة الدين، وأنه لا عذر لأحد في ترك عبادة الله وتوحيده فيها؛ لأنه إن منع منها في بلد وجب عليه أن يهاجر إلى بلد آخر٢.
قوله: "وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ: "لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشمس من مغربها".
معنى انقطاع التوبة: عدم قبولها، وألا فقد توجد التوبة ولكنها لا تقبل إذا طلعت الشمس من مغربها؛ لأن هذا أوان قيام الساعة. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ﴾ ٣
_________________
(١) ١ "سير أعلام النبلاء": "١٩/٤٣٩"، و"البداية والنهاية": "١٢/١٩٣". ٢ "تفسير ابن كثير": "٦/٢٩٩"، و"أيسر التفاسير": "٣/٤٦٢". ٣ سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.
[ ١٧٨ ]
فرض بقية شرائع الإسلام
فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام
ــ
والحديث الذي ذكره المصنف مروي عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه١.
وعن عبد الله بن السعدي أن النبي ﷺ قال: "لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل. فقال معاوية وعبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو بن العاص رض الله عنه: إن النبي ﷺ قال: "إن الهجرة خصلتان، إحداهما: أن تهجر السيئات، والأخرى: أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة، ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها أو من المغرب، فإذا طلعت طبع على كل قلب بما فيه وكفى الناسَ العملُ" ٢.
قول المصنف ﵀: "فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام" ذكر المصنف ﵀ ما تم من الشرائع بعد استقرار النبي ﷺ بالمدينة وقد ذكر فيما تقدم الهجرة إلى المدينة. وإنما بدأ بأحكام الهجرة وأدلتها؛ لأنها من أبرز تكاليف الولاء والبراء، والأمر بالشرائع جاء بعد بناء العقيدة؛ لأن التوحيد أساس الأعمال؛ ولهذا استمرت الدعوة في مكة في
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود: "٧/١٥٦-عون"، والنسائي في "الكبرى": "٥/٢١٧"، و"البيهقي": "٩/١٧"، وأحمد: "٤/٩٩"، وغيرهم من طريق أبي الهند البجلي عن معاوية. قال في "الإرواء" "٥/٣٣": "ورجال ثقات غير أبي هند فهو مجهول لكنه لم يتفرد به ". ٢ أخرجه أحمد: "٣/١٣٣" تحقيق شاكر. وقال: إسناده صحيح. وقال ابن كثير في "النهاية": "١م١٧٠"، وهذا إسناد قوي. وانظر: "الإرواء": "٥/٣٣، ٣٤".
[ ١٧٩ ]
مِثلِ الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذلك من شرائع الإسلام.
ــ
موضوع بناء العقيدة، ولم تأت الشرائع والتكاليف إلا بعد الهجرة إلى المدينة إلا الصلاة فإنها لعظمها شرعت في مكة كما ذكر المصنف فصلى النبي ﷺ قبل أن يهاجر ثلاث سنين.
قوله: "أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإِسْلامِ مِثلِ: الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، [وَالأَذَانِ] ١، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام" ظاهر كلام المصنف ﵀ أن الزكاة لم تفرض إلا في المدينة؛ لأنه ذكر الزكاة مع الصوم والحج والجهاد والأذان، وهي لم تشرع إلا في المدينة.
وقد ورد آيات مكية ذكرت فيها الزكاة، وفي بعضها الأمر بالزكاة، كما في قوله تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ ٢، وفي سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ٣، وفي سورة المؤمنون: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ ٤، فهذه الآيات وغيرها من الآيات المكية ورد فيها ذكر الزكاة ثم جاءت آيات مدنية ذكرت فيها الزكاة.
_________________
(١) ١ سقط لفظ "الأذان" من بعض نسخ ثلاثة الأصول واستدركته من "مؤلفات الشيخ ﵀" القسم الأول: العقيدة والآداب الإسلامية: "ص١٩٤". ٢ سورة الأنعام، الآية: ١٤١. ٣ سورة المعارج، الآيتان: ٢٤، ٢٥. ٤ سورة المؤمنون، الآية: ٤.
[ ١٨٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال ابن كثير ﵀ في تفسير آية سورة "المؤمنون" وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾: "الأكثرون على أن المراد بالزكاة هنا زكاة الأموال"١ا. هـ. وقال بعض أهل العلم: إن الزكاة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ المراد بها: تزكية النفوس وتطهيرها من الرذائل وعلى رأسها الشرك.
ولا منافاة بين الآيات المكية والمدنية في موضوع الزكاة، فإنها فرضت في مكة وبينت أنصبتها في المدينة. فالزكاة التي كانت في مكة لم تكن مقدرة بأنصبة معينة إنما كان مرجعها إلى ذاتية الشخص. فقد يجود بالكثير وقد يجود بالقليل، وهذا –والله أعلم؛ لأن الإسلام لم يقم له في مكة دولة، فلم يكن هناك معنى لأن تفرض مقادير معينة للزكاة لكن في الرسول ﷺ. ولهذا فالرسول ﷺ وهو في مكة لم يتحدث عن أنصبة الزكاة ولا بين مقاديرها. وعلى هذا فكلام المصنف ﷺ هنا في قوله: "الزكاة" "يريد" ذات الأنصبة والمقادير. والله أعلم.
قوله: "والصوم، والحج" فرض الصوم في السنة الثانية من الهجرة. ٢
والحج فرض على أرجح الأقوال في السنة التاسعة من الهجرة٣.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير "٥/٤٥٧". ٢ انظر: "البداية والنهاية": "٣/٢٥٤"، و"المجموع شرح المهذب": "٦/٢٥٠". ٣ انظر: "زاد المعاد": "٢/١٠١".
[ ١٨١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قوله: "والجهاد" هو مصدر جاهد يجاهد جهادًا؛ إذا بالغ في قتل العدو وغيره. ومادة "جهد" حيث وجدت فيها معنى المبالغة. قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ١، والمراد هنا: قتال الكفار خاصة.
والجهاد فرض بعد الهجرة كما ذكر المصنف. وقبلها لم يأذن الله للمسلمين بالجهاد في مكة ولا فرضه عليهم؛ لأنهم عاجزون ضعفاء ليس لهم شوكة يتمكنون بها من القتال. فلما هاجروا إلى المدينة وقامت الدولة الإسلامية أمروا بالجهاد قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ ٢.
قوله: "والأذان" أي: أن الأذان شرع في المدينة في السنة الأولى من الهجرة على القول الراجح، وقد وردت أدلة تدل على أن الآذان شرع في مكة قبل الهجرة. لكنها أحاديث معلولة كما قال الحافظ ابن حجر ﵀.
وقد جزم ابن المنذر ﵀ بأنه ﷺ كان يصلي في مكة بغير أذان منذ فرضت الصلاة إلى أن هاجر إلى المدينة٣.
قوله: "والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، المعروف: اسم جامع لكل ما عرف أنه من طاعة الله والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه. والمنكر: ضد ذلك. قال الراغب: "المعروف اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآية: ٧٨. ٢ سورة البقرة، الآيتان: ١٩٠، ١٩١. ٣ انظر: "زاد المعاد": "٣/٦٩"، "فتح الباري": "٢/٧٨، ٧٩".
[ ١٨٢ ]
وفاته ﷺ
أخذ على هذا عشر سنين. وتوفي، صلاة اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ، وَدِينُهُ باقٍ، وَهَذَا دِينُهُ: لا خَيْرَ إِلا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلا شَرَّ إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ. وَالْخَيْرُ الَّذِي دَلَّهَا عَلَيْهِ التَّوْحِيدُ وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، والشر الذي حذرها عنه الشرك وجميع ما يكرهه الله ويأباه.
ــ
حسنه، والمنكر ما ينكر بهما"١. قال الشوكاني: "والدليل على كون ذلك الشيء معروفًا أو منكرًا هو الكتاب والسنة"٢.
وإنما خصه الشيخ –والله أعلم- دون غيره من بقية الشرائع؛ لأنه باب عظيم به قوام الأمر وملاكه، وهو وظيفة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. وسمة من سمات الإيمان. وحق من حقوق المسلم على أخيه والأدلة على ذلك معلومة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ.
قوله: "أخذ على هذا عشر سنين"، يعني: أخذا على تبليغ الشريعة وبيانها في المدينة وغيرها عشر سنين.
قوله: "وبعدها توفي صلوات الله وسلامه عليه" قال ابن كثير ﵀: "لا خلاف أنه ﷺ توفي يوم الاثنين، والمشهور أنه الثاني عشر من ربيع الأول"٣ا. هـ.
قوله: "ودينه باق"، أي: لأنه دين عام إلى يوم القيامة للبشرية كلها. بينما الأديان السابقة كانت مؤقتة بأوقات معينة انتهت بنهايتها. ولما كان
_________________
(١) ١ "المفردات في غريب القرآن": "ص٣٣١". وانظر: "النهاية" لابن الأثير: "٣/٢١٦". ٢ "إرشاد الفحول": "ص٧١". ٣ انظر: "السيرة النبوية" لابن كثير: "٤/٥٠٥".
[ ١٨٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإسلام دينًا عامًا لجميع البشرية وجب الإيمان بالرسول ﷺ على جميع الثقلين الجن والإنس من اليهود والنصارى وغيرهم –كما سيأتي-؛ ولهذا تكفل الله ﷾ بحفظه وحفظ القرآن الكريم، وقد دخل التحريف التوراة والإنجيل، والكتب الأخرى لا وجود لها. أما القرآن فإنه منذ أنزل إلى يومنا هذا وإلى أن تقوم الساعة وهو باق لن تمتد إليه يد بتحريف ولا عبث؛ لأن الله تعالى تكفل بحفظه. قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١.
قوله ﵀: "وَهَذَا دِينُهُ لا خَيْرَ إِلا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلا شَرَّ إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ وَالْخَيْرُ الذي دلهما عَلَيْهِ "التَّوْحِيدُ" وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، والشر الذي حذر منه "الشرك" وجميع ما يكرهه الله ويأباه" هذا كلام رصين ودقيق قل أن تجده في مكان آخر.
وقد ورد على أبي ذر ﵁ قال: تركنا رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علمًا. قال: فقال رسول الله ﷺ: "ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بين لكم" ٢.
وعن المطلب بن حنطب أن النبي ﷺ قال: "ما تركت شيئًا مما أمركم
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآية: ٩. ٢ أخرجه الطبراني في "الكبير": "٢/١٥٥، رقم١٦٤٧"، وصححه الألباني ي "الصحيحة": "رقم١٨٠٣". وانظر: العلل للدارقطني "٦/٢٩٠".
[ ١٨٤ ]
بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ، الْجِنِّ وَالإِنْسِ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ . وَكَمَّلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ .
ــ
الله به وقد أمرتكم به، ولا تركت مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه " ١.
قوله: "بعثه الله إلى الناس كافة وافترض الله طَاعَتَهُ عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٢".
هذه الآية دليل على عموم رسالة النبي ﷺ؛ لأن الخطاب فيها للناس وهو لفظ شامل للعرب والعجم، وقد ورد عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار" ٣. فهذا دليل –أيضًا- على عموم رسالته ﷺ وعلى وجوب الإيمان به.
قوله: "وأكمل اللهُ بِهِ الدِّينَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
_________________
(١) ١ أخرجه الشافعي: "١/١٣- بدائع المنن"، قال الألباني: وهذا إسناد مرسل حسن فهو شاهد لما قبله ٢ سورة الأعراف، الآية: ١٥٨. ٣ أخرجه مسلم: "رقم٢٤٠/١٥٣".
[ ١٨٥ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ ١" إكمال الدين حصل بتمام النصر وتكميل الشرائع الظاهرة والباطنة العلمية والعملية. فليس في هذا الدين –ولله الحمد- زيادة لمستزيد، فلا نقص يستدعي الإكمال ولا قصور يستدعي الإضافة.
وقد ورد عَنْ عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ ﵁ أن رجلًا من اليهود قال: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا. قال: أي آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي ﷺ وهو قائم بعرفة يوم الجمعة٢.
وهذا الرجل الذي سأل عمر ﵁ هو كعب الأحبار كما جاء في رواية الطبراني، وفيها أيضًا: "نزلت في يوم الجمعة ويوم عرفة وكلاهما بحمد الله لنا عيد"٣.
وقوله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾، أي: بهذا الدين. وبهذا المنهج الشامل الكامل تمت نعمة الله ﷾ على هذه الأمة: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ هذا حث من الله ﷾ لهذه الأمة لتدرك قيمة هذا الدين ثم تحرص على الاستقامة عليه، فمن
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية: ٣. ٢ أخرجه البخاري ٣ انظر: "تفسير الطبري": "٩/٥٢٦" تحقيق شاكر.
[ ١٨٦ ]
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ ﷺ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ .
ــ
لا يرتضي هذا الدين منهجًا لحياته يسير عليه في كل صغيرة وكبيرة، فإنه يرفض ما اختاره الله تعالى وكفى بهذا قبحًا وشناعة أن يرفض هذا العبد الضعيف ما اختاره الله تعالى ورضيه. وهذه الآية دليل واضح على رعاية الله وعنايته بهذه الأمة حيث اختار لها دينًا وارتضاه وأحبه ﷾.
ومن الأدلة على إكمال الدين حديث العرباض بن سارية أن النبي ﷺ قال: "لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك" ١.
قوله: "وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ ﷺ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ ٢".
أي: والدليل من النقل المطابق للحس عَلَى مَوْتِهِ ﷺ قَوْلُهُ تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾، أي: إنك يا محمد ستموت وتنقل من هذه الدار لا محالة قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ ٣،
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجه: "٤٣"، وأحمد: "٤/١٢٦"، والحاكم: "١/٩٦"، قال الألباني: "هذا إسناد صحيح رجاله كلهم ثقات معروفون غير عبد الرحمن بن عمرو. وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عن جماعة من الثقات، وصحح له الترمذي وابن حبان والحاكم كما في "التهريب" الصحيحة: "رقم٩٣٧"، وانظر: "كتاب السنة" لابن أبي العاصم: "١/١٩". ٢ سورة الزمر، الآيتان: ٣٠، ٣١. ٣ سورة الأنبياء، الآية: ٣٤.
[ ١٨٧ ]
وَالنَّاسُ إِذَا مَاتُواْ يُبْعَثُونَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ . وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ .
ــ
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾، أي: سيموتون. وينقلون من هذه الدار لا محالة كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾، أي: يوم القيامة في ساحة فصل القضاء تختصمون إلى الله تعالى، وتحتكمون إليه فيما تنازعتم فيه؛ فيفصل بينكم بحكمه العادل. والآية شاملة لكل متنازعين في الدنيا من المؤمنين والكافرين فإنها تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة. دل على ذلك حديث الزبير ﵁ قال: لما نزلت ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ قال الزبير: يا رسول الله، أتكرر علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا؟ قال نعم، فقال: إن الأمر إذًا لشديد٢.
وهذه الآية التي ساقها الشيخ ﵀ هي أحدى الآيات التي استشهد بها الصديق ﵁ عند موت النبي ﷺ، حتى تحقق الناس موته مع قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ٣.
قوله: "والناس إذا ماتوا يبعثون" قصد بهذا ﵀ بيان وجوب
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية: ١٨٥. ٢ أخرجه الترمذي: "٥/٣٤٤"، وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي": "٣/٩٩". وانظر: "تفسير ابن كثير": "٧/٨٧". ٣ "تفسير ابن كثير": "٧/٨٧"، و"فتح الباري": "٨/١٤٦"، و"السيرة" لابن كثير: "٤/٤٧٨". والآية من سورة آل عمران، رقم: ١٤٤.
[ ١٨٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الإيمان بالبعث، وأن الإيمان به من جملة الإيمان باليوم الآخر وما فيه، والبعث معناه: إحياء الموتى حين ينفخ في الصورة النفخة الثانية.
فيقوم الناس لرب العالمين لا نعال عليهم. عراة لا كسوة عليهم، غرلًا لا ختان فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ ١.
والبعث حق ثابت دل عليه الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وهو مقتضى الحكمة، حيث تقتضي أن يجعل الله تعالى لهذه الخليقة ميعادًا يجازيهم فيه على ما شرعه لهم، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ٢.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ ٣" هذه الآية دليل على أن الله ﷿ يخرج الموتى من هذه الأرض، وذلك في قوله: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ . ومن الأدلة أيضًا قوله ﷺ: "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلًا" ٤. والحشر معناه: الجمع، يعني: جمع الخلائق يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم.
قوله: "وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ ٥"، أي: مبدأ
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية: ١٠٤. ٢ "نبذة في العقيدة الإسلامية" للشيخ محمد العثيمين: "ص٤٠"، والآية من سورة المؤمنون، رقم: ١١٥. ٣ سورة طه، الآية: ٥٥. ٤ أخرجه البخاري: "١١/٣٣٤"، ومسلم: "رقم٢٨٥٩". ٥ سورة نوح، الآية: ١٧.
[ ١٨٩ ]
وَبَعْدَ الْبَعْثِ مُحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ .
ــ
الخلق خلق آدم ﵊ من الأرض والناس ولد لآدم. وقوله: ﴿نَبَاتًا﴾ اسم مصدر نائب مناب المصدر، أي: إنباتًا. ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا﴾، يعني: يعيدكم في الأرض إذا متم ودفنتم بها ﴿وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ للحساب والجزاء.
قوله: "وبعد البعث محاسبون" ذكر المصنف أمرًا آخر يجب الإيمان به يتعلق باليوم الآخر وهو الإيمان بالحساب والجزاء. والمراد بالحساب: إيقاف الله تعالى العباد على أعمالهم التي عملوها وما كانوا عليه في الدنيا. ومشهد الحساب مشهد عظيم ينبغي لكل مسلم أن يستحضره، قال تعالى عنه: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾ ١، وحسبنا أن نعلم أن القاضي والمحاسب في هذا اليوم العظيم هو الحكم العدل قيوم السموات والأرضين.
وهل الحساب عام للمؤمن والكافر أو أنه خاص بالمؤمن. والكافر لا فائدة من محاسبته؟
أرجح الأقوال في هذه المسألة أن الحساب عام للمسلم والكافر، وفائدة الحساب للكافر مع أن مآله إلى النار ولا حسنات تنفعه في مقابل
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآيتان: ٦٩،٧٠.
[ ١٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما له من السيئات التي أعظمها سيئة الكفر. أقول: محاسبة الكافر وراءها حكم عظيمة، منها:
أولًا: إقامة الحجة على الكفار وإظهار عدل الله ﷾ فيهم.
ثانيًا: محاسبة الكفار فيها توبيخ وتقريع لهم.
ثالثًا: لأن الكفار على أرجح الأقوال مخاطبون بالأوامر والنواهي كما دلت على ذلك النصوص الشرعية.
رابعًا: لأن الكفار يتفاوتون في الكفر، والنار دركات.
ومما يدل على أن الكفار محاسبون قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ١، فهذا يدل على أنهم محاسبون ومسئولون، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ ٢، فقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ دليل على أن الكفار يحاسبون٣.
وقوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ٤"، أي: أن الله تعالى لا يظلم أحدًا فيجزي الذين
_________________
(١) ١ سورة القصص، الآية: ٦٢. ٢ سورة المؤمنون، الآيات: ١٠٣، ١٠٥. ٣ انظر: "شرح النووي على صحيح مسلم" عند الحديث "رقم ٢٨٠٨"، "مجموع الفتاوى": "٤/٣٠٥"، "فتح الباري" "٩/١٤٥". ٤ سورة النجم، الآية: ٣١.
[ ١٩١ ]
وَمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ كَفَرَ. وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ .
ــ
أساءوا بإساءتهم، وأما عملوا الحسنى فهؤلاء جزاؤهم الحسنى، فلما أحسنوا العمل أحسن الله مثوبتهم وجزاءهم. فهذه الآية من الآيات الدالة على ثبوت الحساب، والآيات التي بمعناها كثيرة كقوله تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ ١. ومن النصوص أيضًا ما ورد عن عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ يقول في بعض صلاته: "اللهم حاسبني حسابًا يسيرًا" فقالت عائشة ﵂: وما الحساب اليسير؟ قال: "أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه" ٢.
قوله: "ومن كذب بالبعث كفر"، أي: لأنه مكذب لله ورسوله حيث إن القرآن دل في آيات كثيرة على ثبوت البعث، فالذي يكذب بالبعث مكذب للقرآن، من كذب القرآن فهو مكذب لله تعالى؛ فيحكم بكفره، ومكذب أيضًا للنبي ﷺ؛ لأن النصوص ثبتت عن الرسول ﷺ بوقوع البعث وهو مخالف لإجماع المسلمين.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ ٣" أي: الدليل على أن التكذيب بالبعث كفر قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ووجه الدلالة أن الله تعالى كفرهم بإنكارهم البعث وسمى مقالتهم زعمًا؛
_________________
(١) ١ سورة طه، الآية: ١٥. ٢ أخرجه أحمد: "٦/٤٨"، قال ابن كثير في تفسيره" ٨/٣٧٩" "صحيح على شرط المسلم". ٣ سورة التغابن، الآية: ٧.
[ ١٩٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فدل ذلك على من أنكره فهو كافر، وإنما زعموا أنهم لن يبعثوا؛ لأنهم قالوا: إن البعث غير ممكن كما قال الله عنهم: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ١، ومعنى: ﴿ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾، أي: ضاعت أجسامنا وعظامنا واختلطت بالأرض وصارت رفاتًا.
وهم يزعمون أن الله تعالى لا يقدر على بعثهم بعد هذا كما قال تعالى عن بعض كفار قريش: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ ٢، وقد جاء إلى النبي ﷺ بعظم وفته في وجهه ونفخه. وقال: أتزعم يا محمد أن الله يحي هذا بعد ما أرم –يعني: بعدما فني فصار ترابًا- قال: "نعم ويدخلك النار" ٣ فهذه هي شبهة الكفار، فإنهم يقولون: إن الله تعالى غير قادر على أن يحييها ويعيدها مرة أخرى وهي على هذه الحال. وقد أكثر القرآن الكريم من ذكر البعث في آيات كثيرة وتنوعت الأساليب في القرآن في موضوع الإقناع بالبعث. وقد جاء في القرآن براهين عقلية تدل على وقوع البعث وخلاصة الأدلة على وقوع البعث كما يلي:
الدليل الأول: إخبار العليم الخبير بوقوع يوم القيامة، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وجاء هذا الإخبار في القرآن الكريم بأساليب متنوعة ليكون أوقع في النفوس وأقرب إلى القبول.
الدليل الثاني: أن القادر على الخلق الأول قادر على الخلق الثاني كما
_________________
(١) ١ سورة السجدة، الآية: ١٠. ٢ سورة يس، الآية: ٧٨. ٣ انظر "تفسير ابن كثير": "٦/٥٧٩".
[ ١٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ ١، وقد استقر في أفهام الناس وتصورهم أن الإعادة أهون من البدء فإذا كنتم تعترفون أن الله قد خلقكم ابتداء فلماذا تنكرون الإعادة مع أن الإعادة في نظركم أهون، والبدء والإعادة عند الله تعالى سواء وقد ذكر الله تعالى هذا المعنى فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢، يعني: أهون عليه في نظركم فلماذا تنكرونه؟ والحاصل أن القادر على الخلق الأول قادر على الخلق الثاني.
الدليل الثالث: أن القادر على خلق الأعظم قادر على خلق ما دونه قال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ ٣.
الدليل الرابع: قدرة الله جل وعلا على تحويل الخلق من حال إلى حال فهو يميت ويحي ويخلق ويفني وهذه الأرض تكون هامدة لا نبات فيها فينزل الله المطر هي خضراء تهتز قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤، ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآيتان: ٦٦، ٦٧. ٢ سورة الروم، الآية: ٢٧. ٣ سورة يس، الآية: ٨١. ٤ سورة فصلت، الآية: ٣٩.
[ ١٩٤ ]
وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين.
ــ
الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ ١ فتجد أن القرآن يشير إلى هذا المعنى في كثير من الآيات وهو القادر على تحويل الشيء من حال إلى حال قادر على بعث الناس.
وفي الآية التي ذكر المصنف ﵀ وهي قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ دليل على وقوع البعث كما تقد. ودليل على الحساب في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾، والمعنى: أن بعث الخليقة من قبورهم ومحاسبتهم سهل هين عليه ﷾. وهذه الآية هي إحدى الآيات الثلاث في القرآن التي أمر الله فيه نبيه ﷺ أن يقسم للمشركين بربه جل وعلا على وقوع البعث، وليس بعد قسم النبي ﷺ بربه توكيد، والآية الثانية في سورة يونس: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ ٢، والآية الثالثة في سورة سبأ: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ ٣.
قوله: "وأرسل الله جميع الرسل مبشرين ومنذرين" هذه حكمة من الحكم العظيمة لإرسال الرسل إلى البشر "مبشرين ومنذرين" والتبشير معناه: ذكر الجزاء والثواب لمن أطاع. والإنذار: تخويف العاصي والكافر من سخط الله تعالى وعقابه، وقد يأتي التبشير أحيانًا في العذاب
_________________
(١) ١ سورة فاطر، الآية: ٩. ٢ سورة يونس، الآية: ٥٣. ٣ سورة سبأ، الآية: ٣.
[ ١٩٥ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ . َوَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵇، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ .
ــ
كما في قول الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ١ والأصل أنه يطلق على ما فيه من خير والإنذار على ما فيه من شر.
قوله ﵀: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٢ هذه الآية دليل على وظيفة من وظائف الرسل وهي: أنهم يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب.
وفيها دليل على أنه لم يبق للخلق على الله حجة بعد الرسل؛ لأنهم بينوا للناس أمر دينهم، ومراضي ربهم ومساخطه، وطرق الجنة وطرق النار، فلم يبق لمعتذر عذر، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ ٣.
قوله: "َوَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵇، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٤" استدل العلماء بهذه الآية على أن أول الرسل نوح
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية: ٢١، والتوبة، الآية: ٣٤، والانشقاق، الآية: ٢٤. ٢ سورة النساء، الآية: ١٦٥. ٣ سورة طه، الآية: ١٣٤. ٤ سورة النساء، الآية: ١٦٣.
[ ١٩٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
﵊ ووجه الاستدلال من البعدية في قوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾، ولو كان هناك رسول قبل نوح لذكر. أما في السنة فهو ما ورد في الحديث الصحيح في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة؛ فيقول لهم: "ائتوا نوحًا فإنه أول رسول إلى الأرض فيأتون نوحًا فيقولون له: أنت أول رسول أرسلك الله إلى أهل الأرض"١. وهذا من أقوى الأدلة على أ، نوحًا ﵊ أول الرسل. فإن آدم ﵊ وصفه بأنه أول رسول إلى الأرض. وأما آدم ﵊ فقد جرى الخلاف في رسالته، هل هو رسول أو ليس برسول. ومن قال إنه رسول يقول: لا منافاة بين رسالته ورسالة نوح؛ لأن رسالة آدم كانت إلى زوجته وبنيه فقط، فهي لأناس محصورين ولم يكن في الأرض آنذاك أهل غيرهم. وأما نوح ﵊ فإن رسالته كانت إلى أهل الأرض. أو إن رسالة آدم كانت إلى بنيه وهم موحدون ليعلمهم شريعته، ونوح كانت رسالته إلى قوم كفار يدعوهم إلى التوحيد والله أعلم٢.
وقد ذكر بعض المؤرخين أن إدريس ﵇ جد نوح ﵇، وإذا كان جدًا لنوح فتكون رسالته متقدمة. وقال آخرون: إنه ليس جدًا لنوح
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: "رقم ٣٣٠٤"، ومسلم: "رقم١٩٤" من حديث أبي هريرة ﵁ وهو في "الصحيحين" أيضًا من حديث أنس ﵁. ٢ انظر: "فتح الباري": "٦/٣٧٢"، "١١/٤٣٣-٤٣٤"، وشرح مسلم للنووي "٣/٥٧".
[ ١٩٧ ]
وكل أمة بعث الله إليهم رسولًا من نوح إلى محمد يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطاغوت.
ــ
وإنما هو من أنبياء بني إسرائيل. وفي حديث المعراج ما يدل على أن إدريس من أنبياء بني إسرائيل وأن رسالته متأخرة. وذلك أن الرسول ﷺ لما مر على إدريس ﵇ في السماء الرابعة وسلم عليه قال له: أهلًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. قالوا: ولو كان جدًا لنوح لقال للنبي ﷺ: الابن الصالح. وإن كان الحافظ ابن حجر قال: إن هذا لا يلزم؛ لأنه قد يكون قاله من باب التواضع١ لكن على أي حال يصلح أن يتمسك به. وخلاصة المسألة أنه لم تثبت الأولية بأدلة قوية إلا لنوح ﵊، والله أعلم.
والمصنف ساق الدليل على أولية نوح ﷺ وترك الدليل على أن محمدًا آخرهم لوضوحه وهو قول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ٢.
قوله: "وكل أمة بعث الله إليهم رسولًا من نوح إلى محمد يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطاغوت"، يعني: يأمرهم بالتوحيد؛ لأن التوحيد يجمع أمرين:
الأول: عبادة الله وحده.
الثاني: النهي عن عبادة الطاغوت. فكل أمة من الأمم السابقة بعث الله إليها رسولًا يدعوهم إلى توحيد الله تعالى وترك عبادة ما سواه فمن كفر
_________________
(١) ١ "فتح الباري": "٦/٣٧٤". ٢ سورة الأحزاب، الآية: ٤٠.
[ ١٩٨ ]
وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ . وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ.
ــ
بالطاغوت وآمن بالله تعالى فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا، ولا يصح من الإنسان عمل إلا بالبراءة من عبادة كل ما يعبد من دون الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ١.
قوله: "وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢" معنى ﴿بَعَثْنَا﴾، أي: أرسلنا. ومعنى ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾، أي: في كل طائفة وقرن وجيل من الناس. وهذه الآية دليل واضح على أن الرسالة عمت كل أمة وأن دين الأنبياء واحد، كما أن الآية دليل على عظم شأن التوحيد وأنه واجب على جميع الأمم. وقد افترض اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بالله؛ لأن توحيد العبد لا يتم إلا بذلك.
قوله: "قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ معبود أو متبوع أو مطاع" هذا تعريف الطاغوت. وهذا الكلام ذكره ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين"٣. وقد عرف ابن القيم
_________________
(١) ١ سورة الأنبياء، الآية: ٢٥. ٢ سورة النحل، الآية: ٣٦. ٣ "١/٥٠".
[ ١٩٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الطاغوت أحسن تعريف. والطاغوت في الأصل مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فكل من يتجاوز الحد الذي يحد له يعتبر في اللغة طاغوتًا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ ١. وكلمة طاغوت من أبنية المبالغة مثل الجبروت والملكوت. أما تعريفه المقصود فكما قال ابن القيم ﵀: "كل ما تجاوز به العبد حده"، ومعنى كل ما تجاوز به حده، أي: تعدى به العبد قدره الذي ينبغي له في الشرع فهو طاغوت، "من معبود" يعني: سواء كان هذا التعدي بكون هذا الإنسان عبد من دون الله فصار معبودًا فمن صرف له شيء من أنواع العبادة وهو مقر بذلك وراض به فإنه طاغوت؛ لأنه تجاوز حده وقدره في الشرع؛ لأن حده في الشرع أن يكون عابدًا لله تعالى لا أن يكون معبودًا فإذا رضي أن يكون معبودًا فقد تجاوز حده، "أو متبوع" هذا يدخل فيه الكهان والسحرة الذين يتبعون فيما يقولون. كما يدخل في هذا علماء السوء الذين يدعون إلى الكفر أو الضلال أو إلى البدع أو يزينون للحكام الخروج عن شريعة الإسلام والاستعاضة عنها بالقوانين الوضعية فهؤلاء كل واحد منهم يصدق عليه أنه طاغوت؛ لأنه تجاوز حده، وهذا التجاوز في كونه متبوعًا يشرع، "أو مطاع" هذا يدخل فيه الحكام والأمراء الخارجون عن طاعة الله تعالى، الذين يحرمون ما أحل الله، أو يحلون ما حرم الله، فهم بهذا المعنى طواغيت؛ لأنهم تجاوزوا حدهم بكونهم هيأوا أنفسهم لأن يطاعوا في غير طاعة الله تعالى. هذا معنى التعريف الذي ذكره ابن القيم.
_________________
(١) ١ سورة الحاقة، الآية: ١١.
[ ٢٠٠ ]
رؤوس الطواغيت
وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُونَ، وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ راضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ الله.
ــ
قول المصنف: "والطواغيت كثيرون" يعنى: باعتبار التعريف الذي ذكره ابن القيم فإنه يتبين منه أن الطواغيت كثيرة؛ لأن كل من عبد أو اتبع أو أطيع فيصدق عليه طاغوت، وهؤلاء كثيرون، ولكن رؤوسهم بالتتبع والاستقراء خمسة وما عدا هذه الخمسة فهو متفرع عنها.
قوله: "ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله"؛ لأنه الداعي إلى عبادة غير الله تعالى فهو أول الطواغيت. قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ١، والمراد بعبادة الشيطان: طاعته؛ فيدخل في ذلك جميع أنواع الكفر والمعاصي؛ لأنها كلها طاعة للشيطان وعبادة له.
قوله: "ومن عبد وهو راضٍ" هذا الثاني، والمعنى: من علم أن الناس يعبدونه ويتوسلون به ويصرفون له شيئًا من أنواع العبادة فرضي بهذه العبادة فهو طاغوت كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ ٢.
قوله: "ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه" هذا الثالث. وهو الذي يدعو الناس إلى عبادته وتعظيمه، وهذا ينطبق على بعض مشايخ الضلال من
_________________
(١) ١ سورة يس، الآية: ٦٠. ٢ سورة الأنبياء، الآية: ٢٩.
[ ٢٠١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصوفية وغيرهم الذين يقرون بالغلو ويفرحون بتعظيم الناس لهم.
قوله: "ومن ادعى شيئًا من علم الغيب" هذا الرابع. وذلك كالمنجمين والعرافين والرمالين الذين يدعون شيئًا من علم الغيب والله جل وعلا يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ ٢ فعلم الغيب لا يكون إلا لله تعالى إلا من شاء الله تعالى من أنبيائه ورسله أن يطلعه على شيء من علم الغيب.
وقوله: "ومن حكم بغير ما أنزل الله" هذا الخامس؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ٣، وفي الآية الأخرى: ﴿هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٤، وفي الآية الثالثة: ﴿هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ٥، وهل هذه أوصاف متعددة لموصوف واحد؟ أو أنها لموصوفين مختلفين؟ من أهل العلم من قال: إنها أوصاف لموصوف واحد، يعني: أن الحاكم بغير ما أنزل الله باعتبار أنه جحود للشريعة يكون كفرًا، وباعتبار أنه مجاوزة لحق الإنسان واعتداء على حق الله تعالى في التشريع يكون
_________________
(١) ١ سورة الجن، الآيات: ٢٦، ٢٧. ٢ سورة الأنعام، الآية: ٥٩. ٣ سورة المائدة، الآية: ٤٤. ٤ سورة المائدة، الآية: ٤٥. ٥ سورة المائدة، الآية: ٤٧.
[ ٢٠٢ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ظلمًا؛ لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه. ومن حيث إنه خروج عن شرع الله تعالى يكون فسقًا؛ لأن الفسق معناه: الخروج. ولا مانع أن الأوصاف هذه تنطبق على ذات واحدة؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ١ يعني: الكافر يوصف بأنه ظالم. وقال تعالى: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ ٢ فوصفوا مع الكفر بالفسق. فقد يكون الشخص كافرًا ظالمًا فاسقًا؛ لأن الله تعالى وصف الكافرين بالظلم ووصفهم بالفسق.
ومن العلماء من قال: إن هذه الأوصاف تتنزل على موصوفين بحسب الحامل على الحكم بغير ما أنزل الله، فإذا حكم بغير ما أنزل الله معتقدًا أن حكمه أصلح أو أنه مثل حكم الله تعالى فهذا كافر كفرًا يخرج من الملة. أما إذا لم يحكم بما أنزل الله ولم يستخف به ولم يعتقد أن غير حكم الله أحسن فهذا يكون ظالمًا. أما إذا حكم بغير ما أنزل الله وهو يعتقد أن حكم الله أنفع وأصلح وأن غيره لا خير في ولكنه حكم من أجل مجاراة للمحكوم له من أجل رشوة أو نحو ذلك فهذا يكون فاسقًا. فعلى هذا القول تنزل الأوصاف على حسب الحامل لهذا الحاكم٣.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢٥٤. ٢ سورة التوبة، الآية: ٨٤. ٣ انظر: "تحكيم القوانين" للشيخ محمد بن إبراهيم ﵀، و"مدارج السالكين": "٢/٢٦٦"، و"القول المفيد": "٢/٢٦٦".
[ ٢٠٣ ]
والدليل قوله تعال: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
ــ
قوله: "والدليل قوله تعال: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ١" ساق المصنف ﵀ الدليل على أن الله تعالى افترض على العباد الكفر بالطاغوت والإيمان بالله. أما تعريف الطاغوت وذكر الطواغيت فإن المصنف لم يستدل عليه هنا وقد استدل عليه في رسائل أخرى٢. ومعنى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، أي: لظهور أدلة الدين وبراهينه فلا يكره إنسان على أن يعتنق الإسلام وإنما يعتنقه الإنسان بإرادته واختياره ولا منافاة بين هذه الآية والآيات الدالة على وجوب القتال والجهاد؛ لأن هذه الأدلة مراد بها إزالة العوائق في وجه الإسلام فإذا وقف أناس في وجه الإسلام أو قوة وقفت في وجه الإسلام فإنه يشرع القتال ويجب في هذه الحالة لإزالة هذه العوائق لكن لا يُلزم الإنسان بأن يعتنق الإسلام. وهذه الآية فيها خلاف بين المفسرين، فمنهم من ذهب إلى أنها منسوخة بآيات القتال. وضعف هذا المحققون كابن جرير وابن العربي والشوكاني وغيرهم٣. ومنهم من قال: إن هذه الآية محكمة وأنها خاصة باليهود والنصارى والمجوس. أما
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية: ٢٥٦. ٢ انظر: "مجموعة التوحيد" الرسالة السابعة: "ص٢٦٠". ٣ انظر: "تفسير ابن جرير": "٥/٤٠٧"، و"أحكام القرآن" لابن العربي: "١/٢٣٣"، و"فتح القدير": "١/٢٧٥".
[ ٢٠٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الوثنيون فإنهم يكرهون على الإسلام ويلزمون بالدخول فيه. وهو اختيار ابن جرير وجمع من المحققين. وعلى أي حال فالإنسان يعتنق الإسلام بإرادته واختياره وظهور تعاليمه وأدلته وبراهينه. وأما ما جاء في آيات القتال والجهاد فهذا لا ينافي الآية بل كل من وقف في وجه الإسلام من شخص أو من قوة فإنه يقاتل. أما أنه يلزم ويكره على اعتناق الإسلام فقد يعتنقه في الظاهر ولا يعتنقه في الباطن فيكون منافقًا.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ الرشد: هو الهدى الموصل إلى سعادة الدارين. والغي معناه: الضلال المفضي بالعبد إلى الشقاء والخسران.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ هذا هو معنى التوحيد؛ لأن التوحيد –كما ذكر الشيخ قبل قليل- لابد من الكفر بالطاغوت والإيمان بالله وهذا أول ما فرض على ابن آدم.
وصفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله وتتركها، وتبغضها وتكفر أهلها وتعاديهم.
ومعنى الإيمان بالله: أن تعتقد أن الله هو الإله المعبود وحده دون من سواه وتخلص له جميع أنواع العبادة وتنفيها عن كل معبود سواه وتحب أهل الإخلاص وتواليهم وتبغض أهل الشرك وتعاديهم. ١ ولهذا قال
_________________
(١) ١ انظر: "مجموعة التوحيد"، "الرسالة السابعة": "ص٢٦٠".
[ ٢٠٥ ]
وهذا مَعْنَى لا اله إِلا اللهُ. وَفِي الْحَدِيثِ: "رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجهاد في سبيل الله".
ــ
﵀: "وهذا معنى لا إله إلا الله"، أي: أن هذه الآية متضمنة للنفي والإثبات فتثبت جميع أنواع العبادة لله وحده لا شريك له، وتنفي جميع أنواع العبادة عن غير الله تعالى، وقد تقدم بيان ذلك. وقوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾، أي: تمسك، واستمسك أبلغ من تمسك. قال الراغب: استمسكت بالشيء: إذا تحريت الإمساك١. وقوله: ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ العروة في الأصل: موضع شد اليد. والوثقى: تأنيث الأوثق. يقال: رجل أوثق وامرأة وثقى. والوثقى، أي: القوية التي لا تنفك. والمعنى –والله أعلم- فقد استمسك بالعقد المحكم الذي لا ينفك ولا ينفصم، وفيه بيان أن الذي يكفر بالطاغوت، ويؤمن بالله أنه قد أخذ بالطريق إلى الجنة؛ لأنه استمسك بالعروة الوثقى.
قوله: "وَفِي الْحَدِيثِ: "رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ" أراد المصنف ﵀ بهذا الحديث الاستدلال على أن لكل شيء رأسًا وأن رأس الأمر الذي جاء به محمد ﷺ هو الإسلام.
وقد جاء تفسيره في رواية أخرى بالشهادتين فمن لم يقر بهما باطنًا وظاهرًا فليس من الإسلام في شيء٢.
وقوله: "وعموده الصلاة"، أي: قوام الدين الذي لا يقوم الدين إلا به
_________________
(١) ١ "المفردات في غريب القرآن": "ص٤٦٨". ٢ انظر: "جامع العلوم والحكم" شرح الحديث: رقم "٢٩".
[ ٢٠٦ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
كما يقوم الفسطاط على عموده هو الصلاة. وهذا دليل على عظم شأن الصلاة وأنها من الدين بهذا المكان العظيم. وأن مكانذها من الدين مكان العمود من الفُسطاط –وهو بيت من شعر- فهو قائم ما وجد العمود، ولو سحب العمود منه ما نفعت الأطناب وسقط البيت على الأرض. وفي هذا دليل على أن الذي يترك الصلاة لم يبق له دين ولذلك استدل الإمام أحمد ﵀ وغيره من أهل العلم الذين يقولون بأن تارك الصلاة كسلًا كافر استدلوا بهذا الحديث. ووجه الاستدلال أنه أخبر أن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة. فكما تسقط الخيمة بسقوط عمودها فكذا يذهب الإسلام بذهاب الصلاة١.
وليس في الحديث تعرض لكونه معترفًا بها أو جاهدًا لوجوبها. بل هو ظاهر في الترك مطلقًا. والله أعلم.
قوله: "وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله"، الذروة: بكسر الذال وضمها وفتحها. وذروة الشيء أعلاه. وذروة البعير سنامه وهو أعلى شيء فيه. وهذا الحديث يدل على أن الجهاد هو أعلى شيء في الدين؛ لأن الجهاد فيه بذل للنفس التي هي أغلى وأثمن شيء عند الإنسان.
وما ذكر المصنف ﵀ هو جزء من حديث معاذ بن جبل ﵁، وهو حديث طويل أوله: "قلت: يا رسول الله، أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال: لقد سألت عن عظيم.. الحديث" ٢.
_________________
(١) ١ انظر: "كتاب الصلاة" لابن القيم: "ص٤٧، ٤٨". ٢ أخرجه الترمذي: "رقم٢٦١٦"، وابن ماجه: "رقم٢٩٧٣"، وقال الترمذي: حسن صحيح. وأخرجه أحمد من طرق. وانظر كلام ابن رجب عليه [الحديث التاسع والعشرون] .
[ ٢٠٧ ]
والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
ــ
قوله: "والله أعلم" ختم الشيخ رحمه لله هذه الرسالة المفيدة كغيره برد العلم إلى الله تعالى المحيط بكل شيء علمًا.
قوله: "وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم" جملة "صلى": خبرية لفظًا، إنشائية معنى؛ لأن الشيخ لا يريد مجرد الإخبار بأن الله صلى على محمد وإنما يريد الدعاء فالمعنى: اللهم صلّ والصلاة من الله تعالى على نبيه ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، أي: عند الملائكة المقربين. كما قال ذلك أبو العالية. ورواه البخاري في "صحيحه"١. وهذا أحسن ما قيل في معنى ذلك؟
وقوله: "وآله" فيهم خلاف. والأظهر أن الآل إذا ذكروا وحدهم، فالمراد: جميع أتباعه على دينه كما هنا. أما إذا قرنت بالأتباع فقيل: آله وأتباعه، فالآل: هم المؤمنون من آل بيته ﷺ.
وقوله: "وصحبه" اسم جمع صاحب، ويجمع على أصحاب، والمراد: أصحابه، وهم كل من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنًا به، ومات على ذلك، وعطفه من باب الخاص على العام.
قوله: "وسلم" معطوف على قوله "وصلى الله". وهي خبرية لفظًا إنشائية معنى، أي: اللهم سلمه، أي: من النقائص والرذائل والآفات،
_________________
(١) ١ انظر: "فتح الباري": "٨/٥٣٢"، وانظر: "فضل الصلاة على النبي ﷺ" للقاضي إسماعيل بن إسحاق الجهضمي: "ص٨٢".
[ ٢٠٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وفي الجمع بينهما سر بديع، ففي الصلاة حصول المطلوب وهو الثناء عليه، وفي السلام زوال المرهوب١.
وإلى هنا انتهى ما أردنا كتابته على هذه النبذة المفيدة نسأل الله تعالى أن يكتب الأجر لمؤلفها ومن شرحها وقرأها عاملًا بما فيها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ. والحمد لله رب العالمين. وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
_________________
(١) ١ انظر: "شرح العقيدة الواسطية" للشيخ محمد العثيمين: "١/٤٦".
[ ٢٠٩ ]