الإيمان قول وعمل واعتقاد، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأهل السنة لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، ولا يسلبون الفاسق اسم الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار كما تقول المعتزلة، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، والفاسق يدخل في اسم الإيمان العام ولا يدخل في اسم الإيمان المطلق، بل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته.
[ ١٢ / ١ ]
كيفية تلقي العلم عن المشايخ وأهمية ذلك
في الدرس الماضي تحدثنا عن مسائل الإيمان والكفر، وتحدثنا عن حقيقة الإيمان ومفهومه، وعن زيادة الإيمان ونقصانه، وأيضًا تحدثنا عن تأثير المعاصي، وأنها تنقص الإيمان، ولا تزيله بالكلية إلا الأمور الشركية والكفرية، فإن الكفر الأكبر يزيل الإيمان، كما أن الشرك الأكبر يزيل الإيمان، أما المعاصي والذنوب فإنها لا تزيل الإيمان بالكلية، وإنما تنقصه.
والأمور الكفرية والشركية لها ضوابطها ولها أصولها عند أهل العلم، ومن أبرز الأمور الكفرية: تكذيب الرسول، أو تكذيب رب العالمين، أو السب أو اللعن، أو الشتم أو الاستهزاء، أو عبادة غير الله ﷾، أو عدم الإيمان بنبوة النبي ﷺ، أو تحكيم غير شريعة الله ﷾، وذلك بالإتيان بشريعة أخرى بدلًا عنها، ونحو ذلك مما يسميه أهل العلم نواقض الإيمان.
واليوم إن شاء الله سنستعرض ما يتعلق بموضوع الإيمان في الكتب المقررة الثلاثة: وهي (حائية ابن أبي داود) و(لمعة الاعتقاد) و(الواسطية) وسنعلق إن شاء الله على الأحاديث والآيات التي سترد علينا إن شاء الله.
وقبل ذلك نقرأ قليلًا في كتاب (حلية طالب العلم)، وقد توصلنا في الدرس الماضي إلى الكلام على تلقي طالب العلم، وأنه ينبغي عليه يبدأ الطالب بأصول العلم قبل فروعه، وأن يشتغل بضبط قواعد العلوم الشرعية، سواء في العقيدة أو في الفقه أو في أي علم من العلوم التي تكون مساندة للعلوم الشرعية، ثم بعد ذلك ينتقل إلى ما هو أعلى، ثم إلى ما هو أعلى، حتى يستطيع أن يقرأ المطولات وأن يستفيد منها، دون أن يشوش على نفسه.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الأدب السابع عشر: تلقي العلم عن الأشياخ.
الأصل في الطلب أن يكون بطريق التلقين والتلقي عن الأساتيذ، والمثافنة للأشياخ، والأخذ من أفواه الرجال لا من الصحف وبطون الكتب، والأول من باب أخذ النسيب عن النسيب الناطق وهو المعلم.
أما الثاني عن الكتاب، فهو جماد، فأنى له اتصال النسب؟].
يعني: التلقي عن المشايخ لطلب العلم له أهمية؛ لأن الشيخ المتقن يكون قد سبق هذا الطالب في دراسة هذا العلم وعرف قواعده، وعرف أصوله، وعرف ما يتعلق به من ضبط لنصوصه، ونحو ذلك.
فالإنسان يستفيد من الشيخ فيما يتعلق بضبط المنقولات، مثل: الآيات، أو الأحاديث، أو المنظومة، أو المتن الذي يقرأ على هذا الشيخ إذا كان متنًا منثورًا، ونحو ذلك، بحيث إن هذا الشيخ يعلم الطالب النصوص الصحيحة بصورتها الصحيحة، هذا بالإضافة إلى الفهم الصحيح لهذه النصوص ومقاصد أهل العلم في كلامهم، فإن الإنسان إذا اعتمد على القراءة المجردة، فإن القراءة المجردة لا تكفيه في معرفة المقاصد الدقيقة لكلام أهل العلم، فأهل التخصص وأهل الدراية وأهل المعرفة لاشك أنهم أعرف بمقصود صاحب الكتاب، أو بمقصود العلم من غيره، ولهذا ينبغي على الإنسان أن يحرص على التلقي عن أهل العلم، فهم يختصرون له مشوارًا طويلًا، هذا بالإضافة إلى أن أهل العلم قد سبقوا في معرفة أطراف هذا العلم؛ لأن الإنسان إذا اعتمد على نفسه قد يأخذ من العلم الشرعي بطرف واحد، ثم يظن أن هذا الطرف هو الأساس، ويظن أنه قد جاء بالعلم كله بينما هو في الحقيقة لم يكتشف إلا جزءًا يسيرًا من هذا العلم، ولهذا ينبغي أن يتلقى الإنسان عن المشايخ.
قال: [وقد قيل: من دخل في العلم وحده خرج وحده، أي: من دخل في طلب العلم بلا شيخ؛ خرج منه بلا علم، إذ العلم صنعة، وكل صنعة تحتاج إلى صانع، فلا بد إذًا لتعلمها من معلمها الحاذق.
وهذا يكاد يكون محل إجماع كلمة من أهل العلم؛ إلا من شذ مثل: علي بن رضوان المصري الطبيب المتوفى سنة (٤٥٣) هـ، وقد رد عليه علماء عصره ومن بعدهم.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في ترجمته له: ولم يكن له شيخ، بل اشتغل بالأخذ عن الكتب، وصنف كتابًا في تحصيل الصناعة من الكتب، وأنها أوفق من المعلمين، وهذا غلط، انتهى.
وقد بسط الصفدي في (الوافي) الرد عليه، وعند الزبيدي في شرح الإحياء عن عدد من العلماء معللين له بعدة علل؛ منها ما قاله ابن بطلان في الرد عليه: السادسة: يوجد في الكتاب أشياء تصد عن العلم، وهى معدومة عند المعلم، وهى التصحيف العارض من اشتباه الحروف مع عدم اللفظ، والغلط بزوغان البصر، وقلة الخبرة بالإعراب، أو فساد الموجود منه، وإصلاح الكتاب، وكتابة ما لا يقرأ، وقراءة ما لا يكتب، ومذهب صاحب الكتاب، وسقم النسخ، ورداءة النقل، وإدماج القارئ مواضع المقاطع، وخلط مبادئ التعليم، وذكر ألفاظ مصطلح عليها في تلك الصناعة، وألفاظ يونانية لم يخرجها الناقل من اللغة، كالنورس، فهذه كلها معوقة عن العلم، وقد استراح المتعلم من تكلفها عند قراءته على المعلم، وإذا كان الأمر على هذه الصورة، فالقراءة على العلماء أجدى وأفضل من قراءة الإنسان لنفسه، وهو ما أردنا بيانه.
قال الصفدي: ولهذا قال العلماء: لا تأخذ العلم من صُحفي ولا مصحفي.
يعنى: لا تقرأ الق
[ ١٢ / ٢ ]
حقيقة الإيمان ومعناه ولوازمه في الحائية
[ ١٢ / ٣ ]
التحذير من التكفير وبيان أنواعه
نبدأ أولًا (بحائية ابن أبي داود) قال: [ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا فكلهم يعصي وذو العرش يصفح] وقوله: (ولا تكفرن أهل الصلاة) يعني: أنه لا يجوز للإنسان أن يكفر أهل القبلة الذين يصلون، فإن المصلي ومن يظهر الإسلام لا يجوز للإنسان أن يكفره إلا ببينة وبيقين، فالتكفير حكم شرعي لا يجوز للإنسان أن يستعجل فيه، ولا يجوز للإنسان أن يطلقه في غير محله، وهناك قضايا ينبغي أن ندركها فيما يتعلق بالتكفير: أولًا: أن التكفير -كما قلت- حكم شرعي، ولا يجوز للإنسان أن يتكلم فيه إلا بعلم؛ لأنه جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما) يعني: إما أن تقع على هذا الإنسان الذي قيل له: يا كافر، وإما أن ترجع إلى صاحبها فتقع عليه والعياذ بالله.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يحتاط لدينه، وأن يبتعد عن تكفير الناس بغير بينة، وألا يكون شغله الشاغل هو الكلام في التكفير.
الأمر الثاني: أن يحرص الإنسان على تعلم الأحكام الشرعية، وأن يشتغل بطلب العلم بدل أن يشتغل بتكفير الناس، فإن تكفير الناس ليس فيه مصلحة ولا فائدة، إلا إذا وقع الكفر في حياة الناس، فإنه يجب التحذير من هذا الكفر، ويجب إصلاح المجتمع، أما الحكم على الأفراد، فهذا يختلف من فرد إلى فرد ومن حالة إلى حالة، ولسنا مطالبين بالحكم على الأشخاص، وفي يوم القيامة لن يحاسبك الله على أنك لم تحكم على فلان بأنه كافر، إلا إذا كان قد وقع في الكفر حقيقة وحكمت أنت بإسلامه؛ لأنه ليس مطلوبًا من الإنسان أن يستعرض الناس شخصًا شخصًا ثم يطلق ويقول: هذا مسلم وهذا كافر وهذا منافق وهذا ضال، وهذا كذا، ليس هذا مطلوبًا من الإنسان، وليس هو من الأحكام التكليفية أصلًا بالنسبة للأفراد، ولهذا ينبغي أن يكون الإنسان حريصًا على دينه، ويبتعد عن هذه القضايا.
الأمر الثالث: من القواعد المتعلقة بالتكفير أن الإنسان لا يجوز له أن يكفر من ثبت إسلامه بيقين، ما دام أن هناك محملًا يمكن أن يحمل عليه كلامه، فمثلًا: موضوع مثل موضوع التعاون مع الكفار على المسلمين كفر بدون شك، لكن هل يعني هذا أن كل من وقع منه ذلك يكون كافرًا خارجًا عن الإسلام؟ لا، ليس بالضرورة؛ لأن في بعض الأحيان يكون الفرد الواحد مع ألوف مؤلفة من الجنود والعساكر ونحو ذلك، وقد يقع في هذا المنكر؛ لكنه لم يتبين ولم يفهم هذا الحكم، فلا ينزل عليه حكم التكفير مباشرة، وقد يقع التعاون مع الكفار على المسلمين من مائة ألف شخص، فيكفر مجموعة منهم، ومجموعة لا يكفرون، ولهذا لا يعني إذا وقع الإنسان في أمر من الأمور التي تعتبر كفرًا أنه يكون كافرًا مباشرة، ولهذا قسم أهل العلم أهل التكفير إلى نوعين: كفر النوع، وكفر العين.
كفر النوع: أن يقال: هذا القول كفر، هذا العمل كفر، هذا الاعتقاد كفر، لكن المعين عندما يفعل شيئًا من الأمور الكفرية؛ فإنه لابد فيه من وجود الشروط وانتفاء الموانع، وأحوال الناس تختلف، فأحيانًا قد يشترك عشرة في عمل واحد حكمه في الشرع أنه كفر، ولا يكفر منهم إلا واحد أو اثنان؛ لأنه قد يكون عند فلان مانع من الموانع لا يقع منه الكفر، إما أن يكون جاهلًا، أو غير متصور الأمر، أو ضلل، أو كذبوا عليه، أو أفتاه شخص بالباطل، أو نحو ذلك، وهذا لا يعني أنه معذور، فقد وقع في كبيرة من كبائر الذنوب والعياذ بالله، لكن التكفير أمره أكبر وأصعب.
ولهذا ينبغي للإنسان أن يكون حريصًا على دينه، وأن يبتعد عن التكفير الذي يكون بالجملة، عندما يكفر الإنسان بلدًا بأكمله، أو يكفر مجموعة بأكملها، أو يكفر جيشًا بأكمله، هذا غير صحيح، وهذا من الغلو، ولا يعني هذا أن فعلهم وتصرفهم صحيح، فإنهم وقعوا كما قلت في كبيرة من كبائر الذنوب، لكن قد لا يكفر شخص وتكون عليه آثام عظيمة، وفلان من الناس الذي عرف حقيقة الأمر قد يكفر، مع أنه اشترك هو وشخص آخر في عمل واحد.
إذًا: ما دام هناك مجال أن يتأول الإنسان لشخص من الأشخاص، فإنه ينبغي للإنسان ألا يكفر؛ لأن هناك قاعدة ذهبية عظيمة وهي: أن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، عندما تخطئ أنت فتقول: إن فلانًا مسلم؛ لأن الأصل أنه نطق الشهادتين وصلى وصام وحج، فخطؤك هنا أخف من خطئك عندما تكفره، ولهذا ينبغي للإنسان أن يحرص على البعد عن تكفير المعينين، وأن ينظر إلى كلام أهل العلم، وأن يستفيد من أهل العلم، فقوله: (ولا تكفرن أهل الصلاة) يعني: أهل القبلة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا، فهو المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا)، فإذا كان الإنسان من أهل القبلة فالأصل فيه أنه من المسلمين، وإذا كان يقول: لا إله إلا الله، ويعمل بأعمال الإسلام بشكل عام، فالأصل فيه أنه من المسلمين، وإذا ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام فإنه ينظر في حاله، فإن كان له معذرة، فإنه يعذر ويحذر أشد التحذير من هذا العمل.
[ ١٢ / ٤ ]
تعريف أهل السنة للإيمان
[ولا تعتقد رأي الخوارج إنه مقال لمن يهواه يردي ويفضح ولا تك مرجيًا لعوبًا بدينه ألا إنما المرجي بالدين يمزح وقل إنما الإيمان قول ونية وفعل على قول النبي مصرح وينقص طورًا بالمعاصي وتارة بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح].
هذه الأبيات تتعلق بموضوع الإيمان، وهي مشتملة على موضوعات متعددة سبق أن أشرنا إليها، منها تعريف الإيمان، ولهذا قال: (وقل إنما الإيمان قول ونية وفعل على قول النبي مصرح).
يعني: أنه عرف الإيمان بأنه قول ونية وفعل، وقلنا: هذا أحد التعريفات التي عرف بها السلف الإيمان، فإن هناك تعريفات متعددة للسلف في باب الإيمان.
قال بعضهم: إن الإيمان قول وعمل.
وقال بعضهم: الإيمان: قول وعمل ونية، وقصدوا بالنية عمل القلب.
وقال بعضهم: هو قول وعمل ونية واتباع للسنة.
وقال بعضهم: هو قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان وكل هذه التعريفات صحيحة، فهي تعبر عن حقيقة واحدة، فمن قال: إن الإيمان قول وعمل، قصد قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح.
ومن قال: إن الإيمان قول وعمل ونية، خشي أن يفهم بعض الناس من قوله: عمل، عمل الجوارح، ويغفل عن عمل القلب فأفردها، وقال: قول وعمل ونية.
والذي قال: الإيمان قول وعمل ونية واتباع للسنة وزاد: اتباع السنة، أراد أن ينبه إلى أن القول بدون اتباع السنة لا يكون مقبولًا، والعمل كذلك، والنية كذلك إذا كانت غير موافقة للسنة لا تكون مقبولة.
ومن عرف الإيمان بأنه قول باللسان وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، نظر إلى تعريف الإيمان باعتبار جوارح الإنسان، فمنه ما يتعلق بلسانه، ومنه ما يتعلق بقلبه، ومنه ما يتعلق بجوارحه، فهذه التعريفات كلها صحيحة، والمعنى واحد وهو: أن الإيمان لابد فيه من قول اللسان، ومن تصديق القلب، ومن عمل القلب مثل: الخشية، والتوكل، والمحبة والرجاء ونحو ذلك، وعمل الجوارح أيضًا.
ونبه إلى زيادة الإيمان ونقصانه فقال: (وينقص طورًا بالمعاصي وتارةً بطاعته ينمي وفي الوزن يرجح) يعني: الإيمان ينقص بالمعاصي وينمو بالطاعة، فهو يزيد وينقص على نحو ما سبق وبيناه، لكن المعاصي لا تزيل الإيمان بالكلية، وهذا من الفوارق بين عقيدة أهل السنة والخوارج، فالخوارج يرون أن كبائر الذنوب إذا اقترفها الإنسان يكون كافرًا، فهم يكفرون من فعل الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، ويرون أنه يكفر بمجرد النقص في العمل؛ بينما أهل السنة يرون أن عمل الجوارح وعمل القلوب واسع، منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب، ومنه ما هو أصل في الإيمان، يزول الإيمان بزواله، فليس كله نوعًا واحدًا، ولهذا قال عن أصحاب المعاصي: (ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا فكلهم يعصي وذو العرش يصفح) يعني: أصحاب المعاصي عندنا مؤمنون بإيمانهم، فساق بمعاصيهم، ولهذا يسميهم بعض أهل العلم: الفاسق الملي، يعني: أن الشخص في ملة الإسلام، لكنه فسق بمعصيته، هذا هو معتقد أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالذنوب والمعاصي، إلا نواقض الإيمان، فنواقض الإيمان ليست مثل الزنا، وليست مثل شرب الخمر، وليست مثل السرقة، نواقض الإيمان تخرج الإنسان عن دائرة الإسلام، مثل: الشرك بالله، ومثل: الاستهزاء بالدين، ومثل: سب الله أو سب الرسول ﷺ، أو بغضهم أو بغض بعض ما جاء به الرسول ﷺ، أو التحاكم إلى شريعة أخرى غير شريعة الإسلام، أو نحو ذلك، فكل ذلك من الشرك الذي ينقل عن دائرة الإسلام إلى الكفر والعياذ بالله.
فهناك فرق بين نواقض الإيمان وبين الذنوب والمعاصي، فنواقض الإيمان حتى لو ارتكبها شخص من أهل القبلة فإنه بفعله هذا ينقض إيمانه؛ لأن نواقض الإيمان تزيل الإيمان بالكلية، إلا إذا كان له عذر، كأن يكون جاهلًا أو متأولًا، أو غافلًا أو ناسيًا، أو أيًا من الأعذار التي تمنع التكليف عن الإنسان، فإنه يكون معذورًا بهذه، ويكون قد ارتكب بفعله هذا كبيرة من كبائر الذنوب، ويحذر من هذا الفعل الخطير الذي هو ناقض من نواقض الإيمان.
[ ١٢ / ٥ ]
فساد عقيدة المرجئة والخوارج في الإيمان والكفر
لقد بين المؤلف رأيين فاسدين في الإيمان والكفر: الرأي الأول: رأي الخوارج، والرأي الثاني: رأي المرجئة.
فأما الخوارج فهم متشددون في باب الإيمان وهم من الغلاة، فإنهم غلوا في باب الإيمان وكفروا أصحاب الكبائر، وقالوا: إن أصحاب الكبائر كفار، إذا زنى الزاني عندهم يكون كافرًا، وإذا سرق السارق يكفرونه، وإذا قتل القاتل يكفرونه، ونحو ذلك من الكبائر، وهذا غلو وإسراف، فأصحاب الكبائر ليسوا كفارًا وإن كان إيمانهم ناقصًا، ولهذا شرع الله العقوبات والحدود، فلو كانت هذه الأعمال تخرج عن دائرة الإسلام لما كان للحدود معنى، لماذا يجلد الزاني إذا كان شابًا عزبًا ويرجم إذا كان محصنًا؟ لأن هذه الحدود تطهر أصحابها، وهذا يدل على أنها وقعت على أشخاص عقوبة مع بقائهم على الإسلام.
وكذلك القتل، ولهذا قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨] فلو كان القاتل يخرج عن الإسلام لما جاز العفو عنه، مع أنه يجوز العفو عنه وأخذ الدية حتى لو كان قاتلًا، هذا في حالة القاتل قتل العمد، أما في حالة القاتل قتل الخطأ فإن فيه الدية كما هو معلوم، فرأي الخوارج خطير؛ لأنهم يكفرون المسلمين، ولهذا سماهم النبي ﷺ: كلاب أهل النار، ولهذا فالتشدد والغلو ليس فيه خير، والواجب الالتزام بسنة الرسول ﷺ دون غلو مثل غلو الخوارج، ودون تفريط مثل تفريط المرجئة كما سيأتي.
فالخوارج غلوا فكفروا المسلمين، فالنبي ﷺ تكلم عن الخوارج في أحاديث وردت عنه، وذلك عندما اعترض عليه الرجل الذي جاءه يوم حنين وقال: (اعدل يا محمد! قال: ويلك فمن يعدل إن لم أعدل، فلما ولى قال النبي ﷺ: يخرج من ضئضئ هذا -يعني: من ظهره- أقوام تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، وهذا يدل على خطورة عقيدة الخوارج، ولهذا ينبغي للإنسان أن ينضبط في سنة النبي ﷺ، بعيدًا عن الغلو الذي أوصل الخوارج إلى أن أصبحوا كلاب أهل النار.
والخوارج قاتلهم علي بن أبي طالب والصحابة رضوان الله عليهم، وأخبر النبي ﷺ أنهم يخرجون على حين فرقة من الناس، وأنهم إذا خرجوا فإن أولى الطائفتين بالحق تقاتلهم، فقاتلهم علي بن أبي طالب ﵁، وفرح الصحابة بقتالهم؛ لأن النبي ﷺ أخبر أن من يقاتلهم فإنهم من خير الناس في زمانهم، وقد قال النبي ﷺ: (إن لقيتهم لأقتلنهم قتل عاد) وهذا يدل على خطورتهم، مع أنهم عباد يصلون وفي وجوههم مثل ركب المعزى من السجود، وهم من أهل التهجد والصيام، ومع ذلك خالفوا أصل دين المسلمين وكفروا المسلمين.
وذكر النبي ﷺ من أوصافهم: أنهم يقتلون أهل الإسلام ويعذرون أهل الأوثان، يعني: هم أهل حمق، لأنهم يعذرون أهل الأوثان، فهم يعذرون أهل الذمة ونحو ذلك، لكن إذا وجدوا أحد المسلمين قتلوه، فقد قاتلوا الصحابة، وقالوا: قتال الصحابة أولى من قتال الروم، وهذا من جهلهم وضلالهم وانحرافهم.
وأيضًا: هناك طائفة أخرى ضد هذه الطائفة تمامًا وهم المرجئة، والمرجئة عكس هؤلاء، فالخوارج كفروا المسلمين بالكبائر، هؤلاء المرجئة يرون أن من دخل في نواقض الإيمان فإنه لا يكفر، يعني: لو أن شخصًا جعل يسب الله ويسب الرسول لا يكفرونه، فنقول: لماذا لا تكفرونه؟ قال: لعله مصدق بقلبه، نقول: كيف يكون مصدقًا بقلبه وهو يسب الله ويسب الرسول؟! فهؤلاء المرجئة قالوا: لا تكونوا متشددين تكفرون الناس.
فهؤلاء المرجئة عكس الخوارج تمامًا، يقع الواحد من الناس في الشركيات كأن يطوف حول القبر، ويذبح لغير الله، وينذر لغير الله، ويسب الله ﷿، أو يسب الرسول، أو يكفر أصحاب النبي ﷺ جميعًا، أو يتحاكم إلى ملة غير ملة الإسلام، ومع هذا يعذرونه ولا يكفرونه، فهؤلاء عكسهم، وكلتا الطائفتين من أهل البدع والضلالة، ولهذا قال: (ولا تعتقد رأي الخوارج إنه مقال لمن يهواه يردي ويفضح ولا تك مرجيًا لعوبًا بدينه ألا إنما المرجي بالدين يمزح)
[ ١٢ / ٦ ]
حقيقة الإيمان وأدلة زيادته ونقصانه في لمعة الاعتقاد
قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله تعالى: [فصل: والإيمان قول باللسان وعمل بالأركان وعقد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالعصيان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]].
يعني: ما هو الدين؟ أولًا: أن يعبدوا الله مخلصين له الدين.
ثانيًا: أن يقيموا الصلاة.
ثالثًا: أن يؤتوا الزكاة، وهذه كلها من الأعمال، وهذا يدل على أن الإيمان كما أنه مشتمل على التصديق فهو أيضًا مشتمل على العمل.
قال: [فجعل عبادة الله تعالى، وإخلاص القلب، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، كله من الدين].
يعني: لو رجعنا مثلًا إلى كتاب الإيمان في صحيح البخاري سنجد أنه يذكر أصنافًا متعددة من الإيمان، منها: الفرار من الفتن إلى الإيمان، ثم يسوق حديث النبي ﷺ: (يوشك أن يكون خير مال العبد غنيمات يتتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتن) هنا موطن الشاهد: (يفر بدينه من الفتن).
وهذا يدل على أن الفرار من الفتن من الدين ومن الإيمان، سواء فتن الشهوات، أو فتن الشبهات، فتن الشهوات مثل صور النساء، الأفلام السيئة، وفتن الشبهات مثل العقائد الفاسدة الضالة.
قال: [وقال رسول الله ﷺ: (الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) فجعل القول والعمل من الإيمان].
قوله: (أعلاها لا إله إلا الله) هذا قول، وقوله: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) هذا عمل.
قال: [وقال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤]، وقال: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح:٤]].
هذا دليل صريح على أن الإيمان يزيد.
قال: [وقال رسول الله ﷺ: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال برة، أو خردلة، أو ذرة من إيمان) فجعله متفاضلًا].
قوله: (فجعله متفاضلًا) يعني: يزيد كما قال تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة:١٢٤].
والإيمان ينقص أيضًا حتى يصبح مقدار خردلة من إيمان، أو حبة من إيمان، فهذا يدل على أنه يزيد وينقص أيضًا، فزيادته تكون بالطاعة، ونقصانه يكون بالمعاصي، وهذا يدل على أن المعاصي تنقص الإيمان، لكن لا يذهب الإيمان إلا نواقضه.
[ ١٢ / ٧ ]
الفرق بين قول القلب وعمل القلب
ننتقل إلى العقيدة الواسطية في باب الإيمان، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: [ومن أصول أهل السنة والجماعة: أن الدين والإيمان قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح].
قوله: (أن الإيمان قول وعمل) سبق أن بينا أن هذا تعريف من تعريفات الإيمان، وهناك تعريفات أخرى.
وقوله: (قول القلب واللسان) هذا تفصيل للتعريف وشرح له، وسبق أن قلنا: إن قول القلب هو تصديق القلب بما جاء في القرآن، وتصديق القلب بالرسول ﷺ، وتصديق القلب بوجود الله وربوبيته وألوهيته واستحقاقه للعبادة، وتصديق القلب بأخبار النبي ﷺ الماضية والمستقبلية أيضًا، هذا كله قول القلب.
وقوله: (واللسان) قول اللسان مثل شهادة أن لا إله إلا الله، والذكر، والدعوة إلى الله، والإصلاح ونحو ذلك.
وقوله: (وعمل القلب) ما هو الفرق بين تصديق القلب وعمله؟ التصديق هو مجرد أن يعتقد أن هذا الكلام صدق وأنه كلام الله، ويعتقد أن كلام النبي ﷺ صدق، لكن عمل القلب قدر زائد على الصدق، وهذا القدر الزائد هو محبة الله، الخوف منه، التوكل عليه، ولهذا نلاحظ أن المحبة والخوف والتوكل والخشية فيها حركة نحو الله ﷿.
والحقيقة أن التفصيل بين قول القلب وعمل القلب لم يكن موجودًا بهذه الدقة في زمن النبي ﷺ والصحابة، فقد كانوا يعتقدون أن ما في القلب هو الإيمان، مثل: محبة الله والإخلاص له، ويشمل ذلك التصديق والإخلاص والإنابة والخشوع ونحو ذلك، لكن مع تقدم العلم عبروا عن هذه المعاني بتفصيلات علمية، فمثله مثل علم النحو، فالعرب قديمًا كانوا يتكلمون باللغة العربية الفصحى بالسليقة بدون تكلف، ولا يعرفون الفاعل ولا المفعول به، ولا المفعول لأجله، ولا المصدر، ولا الحال، ولا الصرف، لكن كانوا يرفعون الفاعل وينصبون المفعول به والحال، فلما دخلت العجمة في الناس أصبح الناس يقعون في أخطاء لغوية، فقام أهل العلم بوضع علم النحو، ثم بدءوا بالتفصيلات العلمية الدقيقة، هذه التفصيلات العلمية كانت العرب تمارسها دون معرفة لهذه المصطلحات.
وأيضًا ما يتعلق بموضوع الإيمان، كان الصحابة رضوان الله عليهم يمارسون الإيمان ويعرفون أن في القلب إيمانًا، وأن في الإيمان خشية وخوفًا وتوكلًا، لكن التفصيل بين قول القلب وعمل القلب بهذه الدقة جاء بعد ذلك، لأجل التعليم والتفصيل وإفهام الناس، ولأجل وجود الضلال عند المرجئة، حيث فرقوا بين قول القلب وعمله، فأخرجوا العمل من الإيمان، وجعلوا الإيمان هو تصديق القلب فقط.
قال: [وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج].
يعني: لا يكفرون بمطلق المعاصي، لكن يكفرون بنواقض الإيمان، أي: يمكن أن نقسم المعاصي إلى قسمين: الأول مطلق المعاصي مثل الكبائر، ومثل مخالفة أوامر الرسول ﷺ، فهذه لا يكفر الإنسان بها.
القسم الثاني: نواقض الإيمان، ومبطلات الإيمان، مثل: الشرك، والكفر ونحو ذلك من الأمثلة التي سبق أن ذكرناها، فنواقض الإيمان ومبطلات الإيمان تزيل الإيمان، ويصبح الإنسان كافرًا، وأما بقية المعاصي فإنها لا تزيل الإيمان.
قال: [بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨]].
يعني: اعتبر القاتل أخًا للمقتول، ولو كان كافرًا لانتفت عنه الأخوة الإيمانية.
قال: [وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩]].
قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات:٩] يعني: مع أنهم اقتتلوا وصفهم بالإيمان، فوجود الاقتتال لم ينف أصل الإيمان عندهم.
قال: [وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠].
ولا يسلبون الفاسق الملي الإسلام بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقول المعتزلة].
يعني: المعتزلة اتفقوا مع الخوارج في أن الفاسق أو صاحب الكبيرة مخلد يوم القيامة في النار لا يخرج منها، ولا يدخل الجنة، يعني: الخوارج اختلفوا مع أهل السنة في الفاسق الملي في قضايا متعددة من ضمنها: أنهم يكفرونه في الدنيا، ويقيمون عليه أحكام الكفر مثل: أنه لا يرث كذلك ما يتعلق بالأحوال الشخصية: فزوجته لا تبقى حلالًا له، وأيضًا: يرتبون عليه أنه في الآخرة يكون مخلدًا، والمعتزلة اتفقوا معهم في أنه في
[ ١٢ / ٨ ]