نقد المسالك المخطئة في باب التمسك بالسنة والدعوة إليها
نظرات نقدية لمناهج وأساليب شائعة
نظرات نقديّة١ لمناهج وأساليب شائعة
تَهْدي النصوصُ السابقة كلُّها -وسواها كثير-إلى وجوب الأخذ بالكتاب والسنّة على بصيرةٍ وفقْهٍ صحيح. وكما توجب هذه النصوص الشرعية اتّباع السنّة فإنها توجب كذلك فِقْه السنّة الفقه السليم، ولهذا جاء الأمر بالتعلّم والتعليم، والأمر لمن لا يَعْلم أن يسأل من يَعْلم، وليس المقصود بالعلم الحفظ مجرّدًا من الفقْه، فقد قال ﷺ: "مَنْ يُرِد الله به خيرًا يفقّهه في الدين".
ووقوفًا عند معاني النصوص السابقة وما في معناها أَودُّ أن أستعرض فيما يأتي بعض النظرات النقدية لأخطاء بعض الناس في المنهج والأسلوب في الدعوة إلى السنّة، وفي تطبيقهم السلوكي لها، وما ينبغي تُجاهها.
قواعدُ بين يدي النقد:
قبل إيراد الانتقادات في هذا الباب أودُّ أن أُقَدِّم بعض القواعد والمنطلقات الموجزة في الأسطر التالية:
_________________
(١) ١ هذه النظرات النقدية الآتية آراء للكاتب، كتبها في ضوء فقهه للكتاب والسنّة. ورأيُهُ عنده صواب يحتمل الخطأ. والله الموفق.
[ ٦٠ ]
قواعد بين يدي النقد
مبدأ الدعوة إلى السنة في تطبيق السنة
١- مبدأ الدعوة إلى السنّة في تطبيق السنّة:
١- ينبغي أن نتّفق أَوّلًا على مبدأِ الدعوة إلى السنّة في تطبيق السنّة، والدعوة إلى اتّباع السنّة في الدعوة إلى تطبيق السنّة.
[ ٦٠ ]
أي أنه ينبغي لنا أن نتَّفق أوّلًا على أمرين:
أوَّلهما: وجوب اتّباع السّنّة في تطبيقنا لها.
ثانيهما: وجوب اتّباع السّنّة في دعوتنا إلى تطبيق السّنّة أيضًا.
[ ٦١ ]
٢- أهميّة مراجعة منهجنا وأُسلوبنا في الدعوة:
الحاجة ضروريّة لمراجعة منهجنا وأسلوبنا الدعويّين اللذين نتّبعهما في الدعوة إلى السنّة والعقيدة، وعند المراجعة سيتضح لنا أنَ أهم ما نحتاجه الآن في ذلك الحكمةُ والاستفادةُ من سِيَرِ السلف الصالح وتجاربهم، والاهتداء بالهَدْي النبويّ في منهج الدعوة وأسلوبها، بَيْد أنه لابدّ من اتّهام النفس ومراجعتها والتواضع في هذا الطريق.
يجب أن نتّجه في هذه الفترة إلى الدعوة إلى السنّة في تطبيق السنّة؛ لنبتعد عن الإفراط والتفريط اللذين ضلت بهما فئات من الناس، نسأل الله التوفيق والهداية، فـ"من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين".
[ ٦١ ]
٣- دعوة الداعي إلى السنّة لا تَمنع مِن نقْده نقدًا بنّاءً:
يُنْكِر بعضُ الناس أن يُنْتقد رأيه أو أن ينبّه إلى خطئه؛ لحجةٍ غريبةٍ واهيةٍ، وهي أنه يدعو إلى الكتاب والسنّة، لذلك لا يصح نقده!! وهذه مغالطة وتعامٍ عن الواقع، وإلا فكيف لا يُفرّق الإنسان بين منهجه وأسلوبه وبين الكتاب والسنة؟ كيف يرى منهجه وأسلوبه البشريّين معصومَيْن، لأنه يدعو للوحي المعصوم؟!.
[ ٦١ ]
٤- انتقاد الداعي إلى الخير في أخطائه لا يَصُدُّ عن الخير:
وبعض الناس يرفض أن تُنْتقد أخطاؤه في منهجه وأسلوبه في الدعوة إلى السنّة، كما أنه يرفض أن يُنْتقد غيره من الداعين لها بحجةِ أنّ إيجابيةً ظهرتْ في المجتمعات الإسلامية -بسبب التركيز على الدعوة إلى السنّة- وهي اتجاه الناس، بسبب هذه الدعوة، إلى الاهتمام بالسنّة مع ما اشتملت عليه من قصور، وفي هذا خطأ ومغالطة للنفس وللآخرين.
إنّ نقدنا لمنهج الدعوة إلى السنّة والأسلوب المتّبع في ذلك لا يعني إنكار الإيجابيّات، ووجود الإيجابيات لا يعني إنكار السلبيات والتغافلَ عنها أو تجاهلها بل العكس هو الصحيح، فينبغي أن يدفعنا حصول بعض الإيجابيات في منهجنا وأسلوبنا إلى الاهتمامِ بالنقد، والتعرفِ على ما يرافِق هذه الإيجابيات من سلبياتٍ، محافظةً على النتائج الطيبة في المنهج والأسلوب، وفي ذلك زيادة للإيجابيات، وتقليل للسلبيات.
[ ٦٢ ]
٥- أهمية كلٍّ مِن الفقه العلميّ والفقه العمليّ:
وهما أمران متلازمان، ولكن لا يُدْرِكهما جميعًا بعضُ الناس، فقد يُحَقِّقُ شيئًا من فقهها علميًا بَيْد أن الأمر يَفْلت منه في العمل فيطبّقها تطبيقًا لا يدل على فقهٍ بها، لأنه لا يُراعي هديَ السنّة في تطبيق السنّة أو لا يُراعي هديَ السنّة في الدعوة إلى السنّة، فيتخذ أساليب عملية منفّرة عنها، فهذا لم يفقه السنّة فقهًا عمليًّا، ولاشك في أنها مهمّة صعبة شريفة محبّبة للنفس، أن تسعى في فقْه السنّة بَيْد أنك تحتاج إلى صبر وطُولِ مِرانٍ.
[ ٦٢ ]
وكثير من الناس من يَنْشط للأمر الأول أعني فقهها علميًّا، وينسى فقه العمل.. ولكنّ الموفق من يوفقه الله للأمرين معًا١.
_________________
(١) ١ تُنظر أمثلة هذا الآتية قريبًا.
[ ٦٣ ]
٦- لاتّباع السنّة علامات:
لاتّباع السنّة علامات، منها:
أ - حبّها حبًّا صادقًا وتعظيمها.
ب- محاولة الاستمساك بها كلها والبدء بما هو أولى.
جـ- عدم مزاحمتها بغيرها في الظاهر والباطن، وتقديهما على ما عداها عند التعارض.
د - الحرص على تعلّمها ومعرفتها.
هـ- الدعوة إليها، بالأسلوب الحسن اللائق بها.
وعدم فتنة الناس عليها.
ز - كَفُّ التطاول عليها، بالأسلوب المتعيّن في إنكار المنكر.
حـ- حبّ المتمسّكين بها الداعين إليها وَفْق هديها.
[ ٦٣ ]
٧- لا يصْرِفُ عن السنّة خطأُ الداعي إليها:
لا يَصرِفْك -يا أخي- عن السنّة خطأ الداعي إليها، أو سوء تصرّفه، أو سوء فِقْهه، فتكون بذلك ممن يصرفه الباطل عن الحق والخطأ عن الصواب،
[ ٦٣ ]
بل اتّبع الحق ممن جاءك لأنه الحق، لا لأنه دعاك إليه فلان أو فلان، وهذا مِنْ أوضح الأدلة على معرفتك لقدْر الحق وقيمته، ومن أوضح الأدلة على فقهك، وإلا تَسْلُكْ هذا المسلك الصحيح تكن ممن لا يرضى بالحق إلاّ بشرط عصمة الداعي إليه، وهذا الشرط لا يتوافر في غير النبي ﷺ.
[ ٦٤ ]
٨- الموقف مِن خطأِ الداعي إلى السنّة:
أ- إذا ساءك تصرفّ ممن يدعوك إلى السنة فلا تَقِفْ مِنْه موقف العدوّ ولا من السنّة، ولكن اقْبَلْ السنّة واشكر له دعوته إياك لها، واعْذره في خطئه واعْلم أنّ فيه شيئًا من الخير ولولا ذلك -غالبًا- لَمَا دعاك لها، وأمّا خطؤه فلأنه ليس بمعصوم، وليس ناصحًا لنفسه من لا يقبل الخير إلا من معصوم عن الخطأ.
ب- إذا أخطأ من يدعوك للسنّة أو العقيدة في طريقته أو فَهْمه فلا يكن جوابك ردّ فعل بارتكاب خطأ آخر، بل ينبغي أن يَحْمِلَك ذلك على الغيرة على العقيدة والسنّة بِالتماس الطريق الصحيح في فَهْمهما والدعوة إليهما، وإنما خطؤه داعٍ يدعوك لذلك، إنْ كنتَ مُحِبًّا لهذه العقيدة والسنّة اللتين أكرمك الله بهما، وقد يكون هذا المخطئ ليس لديه الأهلية للقيام بواجب الدعوة إليهما، وكأنه يقول لك بخطئه هذا: أنا راغب في الدعوة إليهما ولكني غير قادرٍ فَقُمْ أنت يا أخي بهذا الواجب فلعلك من القادرين عليه المتعيّن عليهم أداؤه!!.
[ ٦٤ ]
٩- خطأُ التعصب وخطرُهُ:
يطول تعجّبي من شدة تَعَصُّب الناس لمتبوعيهم الذين لم يكتب الله لهم
[ ٦٤ ]
العصمة، وأتساءل كثيرًا وأُحار: كيف يَتَعَصّبُ الإنسان لمتبوعه الذي ليس بمعصوم ويَغْلو فيه، ويقلّده في الصواب والخطأ؟! وكيف يُصْبح الإنسان -في مِثْلِ هذه الحال- عدوًّا لنفسه، وعدوًّا لمتبوعه، وعدوًّا للناس، وعدوًّا للحق، في حين أنه قد لا يريد هذه المعاني كلها ولا واحدًا منها؟! ولكنّه الخطأ المنهجي الذي يجرّ إلى هذه الأخطاء كلها.
ولو أنه منذ البداية اقتدى برسول الله ﷺوهو نبيّ الله ورسوله المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وَحْيٌ يُوْحَى- لكان خيرًا له وللناس وللحق!.
على أنّ الإنسان ينبغي له أن يُفَرِّق بين التعصب والاتِّباع، والحدُّ الفاصل بينهما هو: قبول الحق إذا بان له، أو عدم قبوله؛ فمتى كان مُوَطِّنًا نفسه على قبول الحق؛ ثم يَخْضع له متى ما تبيّن له؛ فهو ليس بمتعصِّب، ولا مانع في هذه الحال من أن يقتدي بمن يَصْلح للقدوة مِن العلماء، ما دام على هذا الشرط. أمّا إذا كان متَّبِعًا لمتبوعه على أي حال، بغضِّ النظر عن الدليل؛ فهذا هو المتعصِّب والمقّلِّد على غير دليل. وللحديث عن هذا الموضوع مجال أوسع غير هذا المجال.
[ ٦٥ ]
١٠- التعصب واتّباع السنّة:
إذا رأيتُ تعصُّبَ بعض الناس لمتبوعيهم سِوى رسول الله ﷺ، وغُلوَّهم فيهم وفي تقليدهم لهم في الخطأ والصواب، استشعر قلبي ضرورةَ تعصُّبي لرسول الله ﷺ وسنّته وَفْق سنّته، من غير غلوّ ولا تفريط.
[ ٦٥ ]
١١- اشتراط الأهلية في الدعوة إلى السنّة:
إذا لم يُحْسن الإنسان الدعوة إلى السنّة ولم يستطع استيعاب هدْي الإسلام في الدعوة فَخَيْرٌ له وللسنّة وللناس أن يتركهم، فيكفّ بذلك شرّه عن السنّة وعن الناس؛ لأن المسألة درجات:
أ - صَدٌّ عن السنّة -بأي أسلوب كان، ولو باسم الدعوة إليها-.
ب- وإمساك عن الصدّ عنها.
جـ- ودعوة إليها بأسلوب محبَّب.
ولاشك أن الخير في الدعوة إليها بالأسلوب الحسن، لكن إذا لم يستطع الإنسان ذلك أو تَرَدَّد فِعْله بين الدعوة إلى السنّة والصدّ عنها فَكَفُّ شَرِّه أَوْلى وأَوْجَب، وهو في هذه الحال ليس من القادرين على الدعوة إليها، فالواجب عليه دعوة نفْسه إليها وتمسُّكها بها.
ومعلوم أنّ من له مال وتحامَقَ في الإنفاق منه -ولو في بعض أوجه الخير والكرم مثلًا بحيث يَضُرُّ بنفسه، أو غيره ممن تجب عليه نفقتهم، أَوْ لهم عليه حقوق -حُكْمَهُ في الإسلام الحجْرُ عليه، ومنْعُه من التصرف في ماله. والسنّة أهم من حُطَام الدنيا، ومَنْ يكون حاله في الدعوة إليها كحال مَنْ أَشرتُ إلى حاله في ماله فهو أولى بالحجر عليه مِنْ صاحب المال ذاك، أعني مَنْعه عن الدعوة المغلوطة إلى السنّة.
[ ٦٦ ]
١٢- أخطاء مسلكيّة:
يتبيّن مما سبق أَنّ مِن الأخطاء المسلكيّة التي يرتكبها بعض الناس تجاه
[ ٦٦ ]
السنّة ما يلي:
- الانصراف عن اتباع الحق بسبب خطأ الداعي إليه.
- جعل المتبوعين دليلًا على الحق.
- اشتراط عصمة الداعي لقبول الحق الذي جاء به.
- عدم قبول الحق إلا من أشخاص بأعيانهم بسبب الإعجاب بهم والغلو فيهم، وازدراء مَنْ سواهم.
[ ٦٧ ]
النظرات النقدية
العجب والغرور
النظرات النقديّة:
الانتقادات في هذا الباب وفي غيره كثيرة، ولكنّ المهم أن نتنبَّه لها جميعًا، المخطيء وغير المخطيء على حدٍّ سواء؛ لكي نتحاشاها ونبتعدَ عنها لوجه الله تعالى، وهذه الانتقادات التي سأُوردها هنا هي مما وقفتُ عليه واستغربتُه أن يَصْدر من بعض مَن ينتسب إلى السنّة أو إلى المنهج الشرعي أو إلى طلب العلم الشرعيّ؛ ومِن ثمَّ كانت العناية بهذه الأخطاء لاجتنابها وللتنبيه عليها.
فمِن ذلك:
١ - العُجْب والغرور:
فترى بعض الناس يدعو الآخرين إلى العقيدة أو السنّة متلبسًا بشيء من العُجْب الذي يصدّ الآخرين عن قبول الدعوة، مَثَلُهُ في ذلك مَثَلُ الذي يدعو غيره؛ لِيُكْرمه في داره؛ فيقدم له الضيافة بشيء من الفخر والاعتزاز بأنه أكرمه أو أنه هو الذي صنع هذه الأنواع من الطعام؛ فتنقبض نفسه عن كَرَمِهِ وضيافته؛ ويتمنّى لو أنه لم يكن قد دَخَلَ في ساحته.
[ ٦٧ ]
وقد روى أبو ذر ﵁ عن النبي ﷺ: "ثلاثة لا يُكَلِّمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم". قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات. قال أبو ذر: خابوا وخسروا، مَنْ هم يا رسول الله؟ قال: "المُسبِلُ والمنّان والمنفِق سلعته بالحَلِفِ الكاذب" ١.
وفي رواية: "المنَّان الذي لا يعطي شيئًا إلاّ مَنّه" ٢، وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاهُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ٣.
والمنّ مذموم بأيّ صورة كان، سواء أكان في المال أم في غيره.
قال القرطبي: المنّ غالبًا يقع من البخيل والمُعْجَبِ، فالبخيل تَعْظم في نفسه العطيّة وإن كانت حقيرة في نفسها، والمعجَب يحمله العُجب على النظر لنفسه بعين العظمة وأنه منعم بماله على المعطَى وإن كان أفضل منه في نفس الأمر، وموجب ذلك كله الجهل ونسيان نعمة الله تعالى فيما أنعم به عليه، ولو نظر مصيره لعَلِمَ أنّ المنّة للآخذ؛ لما يترتب له من الفوائد٤.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم: ١- الإيمان، ح ١٧١، ١/١٠٢. ٢ أخرجه مسلم: ١- الإيمان، ح١٧١، ١/١٠٢. ٣ ٢٦٢: البقرة: ٢. ويُنظَر: الآيات بعدها. ٤ نَقَلَه عنه ابن حجر في الفتح: ٣/٢٩٩، ويُنْظر لزامًا ما ذكره الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية وما بعدها في تفسيره: ٢/٣٠٦-٣١٧ فهو كلامٌ نفيس.
[ ٦٨ ]
٢ - الظاهرية في الفهم:
مِن الناس مَن تَخْدعُهُ الظاهرية في الفهم؛ فيقع في أنماطٍ متعدِّدةٍ مِن هذه الظاهرية تجاه الأخذ بالسنّة، ومِن ذلك:
أ- أَنْ ترى بعض الناس عنده ظاهرية في فهم السنة، إذ لا يفهمها إلاّ أنها في الأعمال الظاهرة، ولعلّ أهمَّها في نظره اللحيةُ١ وتقصيرُ الثوب٢. وإذا نظر إلى مَنْ أتى بهذه فوجده متحليًا بها قال: إنه متّبع للسنّة في حياته، ونسي ما وراء ذلك!! كأنه لا يعلم أن السنّة المتصلة بالمظهر إنما يجب أن تكون دلالات صادقةً على السنن المتصلة بالقلب، وكأنه لا يعلم أن مِنَ
_________________
(١) ١ ولسنا في حاجة إلى التذكير، أو تأكيد أهمية السنّة الثابتة عنه ﷺ، فاللحية سنّة مؤكَّدة، وإعفاؤها واجب، وقد صح بها الأمر منه ﷺ في غير ما حديث، ولكن الكلام هنا ليس عن هذا الموضوع، وإنما هو عن مسألة التطبيق. ٢ الغلوّ في تقصير الثوب ليس سنّةً، وإنْ زعَمَه مَن زعَمَهُ، وإنْ حَرِص عليه مَن حَرِص باسم السنّة، وللشيخ بكر أبو زيد رسالةٌ قَيّمةٌ في هذا الموضوع، عنوانها: حَدُّ الثّوب والأُزرة وتحريم الإسبال ولباس الشُّهرة، انتهى فيها إلى التفريق بين حدِّ الثوب وحدِّ الإزار، بجامع المحافظة على ستْر العورة الواجب سترها؛ فلا تُقام سنَّةٌ مع تضييع واجب. وبَنَى الأمر على الأحاديث وفقْهها؛ فقرر بأنّ السنّة في حدّ الثوب مِن تحت نصف الساق إلى الكعبين، وأن كلّ ذلك سنّةٌ في الثوب، وأن التقصير أكثر مِن ذلك ليس عليه دليل، ويترتب عليه انكشاف العورة، وأنّ ما ورد مِن الأحاديث في حدّ ذلك إلى عضلة الساق-أي فوق منتصف الساق بقليل-إنما هو بالنسبة للإزار لا الثوب. قلت: على أنّ الأمرَ في هذا جوازيّ إلى الكعبين؛ فلماذا الامتناع مِن ذلك؟! ولماذا الإنكار على مَن فعلَ ما يجوز له بنصّ الأحاديث الثابتة عن الرسول ﷺ؟!. ولا أدري ما الفرق بين مخالفة المخالِف للشرع في هذا الأمر بتشميرٍ أو بإسبال؟!.
[ ٦٩ ]
السنّة هذه الأعمال الخاصة بالمظهر بالإضافة إلى أعمال أخرى خاصة بالمَخْبَر، فمن أتى بهذه وهذه هو المتّبع للسنّة، ولعلّ السنن الظاهرة ليست بأولى في أهميتها من السنن الأخرى كأعمال القلوب من حُبٍّ وبُغْض وتواضع وحلم وخوف ورجاء، وعفّة، وذِكْر، ورحمة إلى آخر هذه الأعمال القلبية. ولعل هذا النوع من السنن أكثر من السنن الظاهرة.
والسنّة-إلى هذا وذاك-منهجٌ يَسِيرُ عليه المرء في حياته ومواقفه مما يَعْرض له سواء أتسنَّى أن يَظْهر ذلك منه أم لم يظهر.
ب- ومن الظاهرية في فهم السنّة أن يَظنّ بعضُ الناس أنك لا تكون متمسكًا بالكتاب والسنّة إلا إذا تكلمت في موضوعٍ ما أوردتَ الآيات والأحاديث بمناسبة وبغير مناسبة؛ فذلك عنوان تمسكك بالكتاب والسنّة!! إنه لا يَفْهم التمسّك بالكتاب والسنّة على أنه الاهتداء بهديهما والاحتكام إليهما في شئون الحياة ولو لم ينطق لسانك بالآيات والأحاديث، لأنه ظاهريٌّ في فهمه لمبدأ التمسك بهما. وهذا جنايةٌ على الكتاب والسنّة.
أَمْرٌ طيّب -ولاشك- أن يستدل المسلم على ما يراه بالآيات والأحاديث ولكن ليس شرطًا أن يذكر الدليل النصيّ دائمًا حتى في البدهيات وفي غير مناسبة، بل قد يكون في هذا ما فيه من العُجْب والرّياء أحيانًا وغير ذلك من المحاذير. ولَكمْ ردد بعض الكتّاب بإكبار خبرَ امرأة آلت على نفسها ألا تتكلم إلا بالقرآن حتى في الإجابة عن أسئلة عاديّة تُوَجّه إليها فإذا ما أجابت بآية من القرآن أَلْبَسَتْ وكلّفت نفسها شططًا.
[ ٧٠ ]
جـ- ومِن ذلك الغفلة عن أنّ دعوة الناس إلى فعل السنن الخاصة بالمظهر ينبغي أن يقارنها دعوتُهم إلى السنن الأخرى الخاصة بالباطن، ومِنْ ذلك تحقيق النيّة الخالصة لله تعالى في كلِّ سنّة من السنن الظاهرة:
- فإعفاء اللحية مثلًا سنّة من سنن المظهر تفتقر إلى تحقيق النيّة الخالصة لله تعالى في فعلها، وما لم يتحقق هذا المعنى فلن يتحقق اتّباع السنّة بمجرد إعفائها، فقد يُعْفي المرء لحيته ولكن لا يريد بذلك وجه الله واتّباع رسول الله ﷺ والاقتداء به، فهل نقول لكل من أعفى لحيته: إنه اتّبع السنّة؟! أم تُرانا نقول: إن من خَدَع الناس بإعفائها، دون أن تَخْلص نِيّته، لعله يكون أبلغ ضررًا بالدين!.
- والسلام -في ظاهره- سنّة ظاهرة للناس، لكنه لا يكون سنّة حتى يفعله الإنسان لله تعالى وتأسّيًا برسول الله ﷺ، لا يفعله تزلّفًا لأحد، وتظاهرًا لأحد، ولا رجاءً لأحدٍ، غيرِ الله تعالى، ولا لمجرد عادة لا يستشعر من ورائها العبادة.
وهكذا لعله يبدو لك جليًّا أن السنَّة في العمل والتطبيق الظاهر مِن لازِمها الإتيان بالسنّة في القلب والضمير، وأَن هذه مفتقِرَة إلى تلك؛ فلا تكون سنّةً إلا بوجودها، ولا يمكن أن يُحْكم باتباع السنّة لمن يأتي بهذه السنّة الظاهرة لمجرد ذلك حتى يأتي بتلك السنّة الأخرى التي هي مِن لازِمها، إلا أن يكون حُكْمنا مِنْ باب حُسْن الظن الواجب في حق المسلم ورجاء أن يكون قد أتى بتلك بدليل هذه.
[ ٧١ ]
٣ - القصور في الفِقْه العمليّ:
ومن الأمثلة التي توضح هذا الأمر أن تَجِد من يُحَقِّقُ -مِنْ الجانب العلميّ النظريّ- أن من السنّة مُصَاقَبَةَ الأقدام في الصلاة بمعنى أن لا يدع المرء فُرْجة بينه وبين مَنْ على جانِبَيْه. وهذا حق وفِقْهٌ صحيح، لكنه يفتقر إلى تطبيق عمليّ صحيح بمعنى اتّباع السنّة في تطبيق السنّة، لكنك تجده في الناحية العمليّة يجانب السنّة، وليت الأمر يقف عند هذا الحدّ، بل يَظُن أنه في تلك الحال على السنّة، فهو بتطبيقه العمليّ يسيء إلى السنّة باسم تطبيق السنّة، فتراه يُؤذي مَنْ على يمينه في الصلاة ومَنْ على يساره؛ لأنه يضايقهم بكثرة التصاقه بكلٍ منهما ويُضيِّق عليهما، وقد لا تُسْعفه الحال فتراه يَمُطُّ رجله اليمنى نحو اليمين ما استطاع، ويَمُطُّ رجله اليسرى نحو اليسار ما استطاع، فيأخذ من مساحة المسجد أكثر مما يستحق، ويؤذي أكثر من واحد ممن يجاوره في الصلاة، وتراه يتكلّف في تطبيق هذه السنّة تكلّفًا لا يليق بالسنّة، وقد ينشغل ويُشْغل بها عمّا هو أولى منها من أفعال الصلاة، وقد يُحدث إيذاؤه لجاره في الصلاة ردّة فِعْل غير محمودة شرعًا.
وإن مما يعجب له المرء، ما نراه من بعض المصلين، الذين يفرّج أحدهم ما بين رجليه في الصلاة بشيء من المبالغة تعبّدًا لله تعالى، فإذا سجد اضطر إلى ترك فراغ بينه وبين جاره في الصف، لأنه لابد أن يعود إلى وضعه الطبيعي في السجود، فإذا قام رجع إلى تلك الحالة الشاذة في الوقوف للصلاة حيث يَخْرج عن الأدب في ذلك، ويؤذي جاره، وقد يشغله ذلك عن الخشوع في
[ ٧٢ ]
الصلاة. يفعل بعضهم هذا في الصلاة بغير دليل، إذْ لم يقم على هذا دليل من كتاب أو سنة -فيما أعلم- وهذا الكتاب والسنة بيننا فمن وجد فيهما دليلًا على هذا العمل فليأت به، على أنه ينبغي التنبيه إلى أن هذا شيء والأمر بالتحام الصفوف وتسويتها وعدم ترك فرجة في الصف، كما جاء في الأحاديث الصحيحة، شيء آخر، والعَجَبُ أن يَفْعل المسلم هذا الفعل حرصًا على السنّة بغير دليل من السنّة ولكنه التقليد والإغراق في التزام بعض المظاهر التي يُظَنُّ أنها من الدِّين وهي ليست منه في شيء.
بل قد تجد بعضهم لا يكتفي بإلصاق قدمه بقدم جاره في الصلاة بصورة طبيعية، بل تجده لا يرضيه في ذلك إلا مزاحمة جاره والضغط على رجل جاره برجله، وكلّما ابتعد عنه قليلًا برجله لَحِقَهُ وهكذا، وترى بعضهم لا يكتفي بإلزاق القدم بالقدم بصورة طبيعية بل يلوي اتجاه رجله اليمنى نحو اليسار، ورجله اليسرى نحو اليمين، لتُلاصِق رِجْله رِجْل جاره الذي عن يمينه وجاره الذي عن يساره بما في ذلك الكعبان لأنه يظن أنَّ هذه هي السنّة، في حين أن السنّة إلصاق القدم بالقدم بصورة طبيعية دون تفريج ودون ضَغْط على قدم من بجانبك، ودون تكلّف أو إيذاء. وفي تلك الصورة المتكلفة مخالفة لما رواه أبو حميد الساعدي ﵁ في صفة صلاة النبي ﷺ، إذْ قال: واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ١، والله هو الموفق والهادي،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، نسخة الفتح: ١٠- كتاب الأذان، ١٤٥- باب سنّة الجلوس في التشهد، الفتح: ٢/٣٠٥.
[ ٧٣ ]
فالإخلاص وحده لا يكفي حتى يَنْضمّ إليه الصواب.
ومن الأمثلة كذلك التي توضح هذا الأمر: أن تَجِد مَنْ يُدرِك علميًا أن إعفاء اللحية من السنّة، لكنه من الناحية العملية تراه يأتي بالسنّة بطريقة تسيء إلى السنّة حيث يعفي لحيته لكنه مثلًا لا يعتني بنظافتها، ولسان حاله يقول هذه هي السنّة، بل هو يدعو إلى إعفاء اللحية، وإذا سئل يقول هي سنّة أو أعفيتها لأنها سنّة، فَيَنْظُرُ عامّة الناس إلى تطبيقه لهذه السنّة على معنى أنه قُدْوة في هذه السنّة التي يدعو إليها، فَيَرَوْن حاله، وقد لا يَقْبلون الاقتداء به في هذه السنّة نظرًا لما لابَسَها في التطبيق العمليّ من تصرف يسيء إليها!! وإن أَنْكَرتَ عليه ربما قال لك: "البذاذة١ من الإيمان"٢ وربما ظنه: البذاءة من الإيمان!. وربما قال لك: "نُهِينا عن التكلف"٣. وما عَلِم أن
_________________
(١) ١ البذاذة: رثاثة الهيئة. قال ابن الأثير: البذاذة رثاثة الهيئة. يقال: بذُّ الهيئة، وباذُّ الهيئة، أي رثُّ اللبسة. أراد التواضع في اللباس وترْك التبجّح به. النهاية في غريب الحديث: ١/١١٠. ٢ رُوي بطرق لا تخلو من كلام، لكن قد يَجْبر بعضُها بعضًا، وذكره الألباني في: سلسلة الأحاديث الصحيحة ١/٦٠١ برقم ٣٤١. ٣ قاله عمر بن الخطاب ﵁، أخرجه البخاري، ٩٦-الاعتصام بالكتاب والسنة، باب رقم ٣، الفتح١٣/٢٦٤. وقد قال الله تعالى آمرًا رسوله أن يقول: ﴿وما أَنَا مِن المتكلِّفِيْنَ﴾؛ فهذا مبدأٌ من مباديء الإسلام في حياة الإنسان وفي هدْي الدين، ولكنّ الخطأ هنا في أمرين: الأول: وضْع هذا النص في غير موضعه. الثاني: التكلف في تطبيق السنن. فلا هذا صحيح ولا ذاك. ومِن تطبيقات هذا التكلف في فهم السنن، الاستنباط للسنن مِن أفعال الرسول ﷺ، لا مِن أقواله، في حين أن دلالة الفعل على درجة المشروعية ليست مما يُستنبط مِن الفعل وحده، بل لابدّ مِن القول الذي يُحدِّد درجة الطلب في الشرع؛ وبهذا يتبين خطأ بعض الناس الذين بمجرد أن وَقفوا-أو وُقِّفوا- على رواية عن الرسول ﷺ، بأنّ أحد الصحابة شاهده مفتوحٌ إزرار جيبه، أي فتحة ثوبه على صدره، بمجرد هذه الرواية جعل ذلك سنّةً!. والقاعدة أن الفعل وحده لا يدلّ على الوجوب.
[ ٧٤ ]
التكلف إنما هو في تحمّل الوسخ وعدم النظافة!!.
ولعل بعض الناس يفهم من مثل هذا الأمرَ بعدم الاهتمام بالمظهر، أو بالنظافة، أو جواز إهمال النظافة، متغافلًا عن النصوص الشرعية الأخرى الواردة في الأمر بالنظافة والتطيب، وكأنه بهذا الفهم قد انقلب عليه في الحديث لفظ "البذاذة"؛ فظن أنّ الذال الثانية همزةً!.
وقد جاء في الحديث: "من كان له شعر فليكرمه" أخرجه أبو داود وغيره١.
ثم لعل شأن النظافة في الإسلام بمختلف صورها: الحسّيّة والمعنويّة، الشخصية والاجتماعية، في الثوب والبدن والقلب والمسكن والشارع، كل ذلك من الأمور المعلومة التي لا تحتاج إلى بيان أو تأكيدِ أهميتها في هذا الدين الحنيف، دين الطهر والنظافة من الرذائل والأوساخ الحسيّة والمعنوية، وهذا من أهم مزايا هذا الدين، ولذلك اهتم بوسائل النظافة: من السواك والطيب والاغتسال، في عدة مناسبات ما بين فرض وواجب ومستحب، حتى لقد جعل النبي ﷺ اغتسال المسلم يوم الجمعة حقًا لله على كل مسلم، فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "لِلَّهِ تعالى على كل مسلم حق أن يغتسل في
_________________
(١) ١ يُنظَر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني: ١/٨١٩.
[ ٧٥ ]
كل سبعة أيام يومًا" ١.
وحديث أبي سعيد: أشهد على رسول الله ﷺ قال: "الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وأن يَسْتنّ أي يستاك وأن يمسّ طيبًا إن وجد" ٢.
فهذه أحكام في نظافة المسلم ليست من قبيل المستحبات ولكنها من قبيل الواجبات.
_________________
(١) ١أخرجه البخاري: ١١- الجمعة، ١٢- باب هل على مَنْ لم يَشْهد الجمعة غُسْل؟، الفتح: ١/٣٨٢. ٢ أخرجه البخاري: ١١- الجمعة، ٣- باب الطيب للجمعة، الفتح: ٢/٣٦٤.
[ ٧٦ ]
٤- التلبس بما يسيء إلى السنّة مع الدعوة إليها:
فقد تَرَى في تطبيق بعض الناس للسنّة فِقْهًا لها واصطباغًا بمعناها وتأثّرًا يدعو الآخرين لحُبّ السنّة والتمسّك بها. وقد ترى في تطبيق بعضٍ آخرين لها عدم فِقْه لها ولا تأثرٍ بها، فيأتي تطبيقه للسنّة دعوةً عمليةً لِتَرْكها؛ لأنه يُطَبِّقها أمام غيره تطبيقًا سيئًا ليس فيه معنى الاهتداء بهذه السنّة التي يدعو الناس إليها.
وقد ترى بعضهم في دعوته بلسانه للسنّة ليس مُتّبعًا لها ولا مُهْتديًا بهديها، ويبدو لك كأنه لم يعرف من السنّة سوى جزئية ويتحمس لها على غير هَدْي السنّة، فدعوته بلسانه وألفاظه دعوة إلى السنّة -فيما يبدو له- بَيْد أنها في فَهْم الناس أنه يدعو إلى تَرْكها، وذلك نظرًا لمردود كلامه في الناس، إذْ ليس هو المردود الإيجابي، إنما هو المردود السلبي، إنه يدعو إلى السنّة
[ ٧٦ ]
ولكن بطرق تخالف السنّة، فيؤدي ذلك إلى عكس ما يريد.
[ ٧٧ ]
٥- التصوّر بأنه هو الوصيّ الوحيد على السنّة:
قد تَشْعر من بعض الناس وهو يدعوك للسنّة أنه من خلال دعوته هذه يَتصور أنه هو الوصي الوحيد على السنّة، وهو المسئول عنها، وهو العالِم بها، أمّا الآخرون، وأمّا المدعوون، فهم أعداء للسنّة أو يكرهونها، أو ليسوا حريصين عليها، أو ليسوا مسئولين عنها أو "جهّال"!! وهذا الإحساس لديه -وهو الداعي إلى السنّة- يَصُدّ الناس عنها، فإنّ إدراك المدعوين لهذا المعنى عنده يقودهم لكراهيته وعدم قبول الدعوة منه، ولو كان ما يدعو إليه حقًا، فيكون بهذا فتنة للناس وداعية لهم لترْك السنّة، وإن قال لهم بلسانه: اتّبعوا السنّة، فإن دعوة الحال أقوى من دعوة المقال.
وهذا باب واسع من أبواب الغرور لدى هذا الإنسان، وباب واسع من أبواب الرياء وغيرهما من أنواع الشرّ المحبط للعمل.
أمَا عَلِمَ هذا الصِّنْف مِن الناس أنّ الغالب أَن الأساليب الهادئة في الدعوة هي الأساليب الهادية، أو أنّ الأساليب الهادية هي الأساليب الهادئة!.
[ ٧٧ ]
٦- التقصير في العناية بسلفيّة السلوك والتطبيق:
قد تجد بعض الناس سلفيًّا في فكره-هذا إنْ أصابَهُ-ولكنّه في سلوكه وتصرفاته بعيدٌ عن ذلك، فبيْنا هو يدعو الناس للسلفية بلسانه تراه يصدّهم عنها بتصرفاته، وكان الواجب أن يهتدي ويَهْدِي بالهديين: هدْي القول، وهدْي العمل، وأن يُؤَيِّد هَدْي المضمون بهَدْي الأسلوب، وعندها سيكون ذا أثر طيب
[ ٧٧ ]
بالغ في الناس!.
[ ٧٨ ]
٧- البعد عن فقْه الدعوة إلى السنّة:
ينبغي أن يَسْبق دعوة الناس إلى السنّة تربيتُهم على حبّها وتعظيمها ومعرفةِ قَدْرها، أو ينبغي أن تُقدِّم بذلك للدعوة إلى الالتزام بالسنّة والتمسّك بها؛ وذلك:
أ - لأن الناس -غالبًا- لا يأخذون بشيء لم يعرفوا قيمته وقدره.
ب- ولأن تَرْك الناس للسنّة قد يكون إنما حصل بسبب عدم معرفتهم لقدرها وضرورةِ أَخْذهم بها.
جـ- ولأن الذي يَحْمل الناس على الفعل والترك إنما هو فعل القلْب وإيمانه.
د- ولأن التمسك بالسنّة ليس له وَزْن عند الله ما لم يكن مبنيًّا على الحبّ والتقدير والتوقير للسنّة وصاحب السنّة عليه صلوات الله وسلامه.
إننا نرى صورًا لأساليب بعض الناس في الدعوة إلى السنّة ليست في صالح السنّة نفسها، فقد ترى بعضهم يخاصم الآخرين على مخالفتهم للسنّة من غير أن يعرف خلفياتهم عن مكانة السنّة لديهم، وهو يظنّ أنه بهذا يدعوهم إليها والواقع أنه يخاصمهم، ويظن أنه يُقَرِّبهم والواقع أنه يُبْعدهم، وهذا مِنْ عَدَمِ البصيرة والحكمة، وإذا أرشدتَهُ إلى الطريق الصحيح للدعوة إليها قد يظن بك الظنون التي من أخطرها أنك لا تُحِبُّ السنّة وأنك إنما تعترض عليه لأنه يدعو إليها!!.
[ ٧٨ ]
٨ - التسرّع إلى إصدار الأحكام على الناس:
إنّ للأحكام السريعة التي يُعْنى بها بعض الناس تُجاه غيرهم، بشأن عقائدهم، أو مدى اتّباعهم للسنّة إن لهذه الأحكام السريعة التي يَنْظر فيها أصحابها إلى مجرد المظاهر والأقوال، ضررًا بالغًا على العقيدة وعلى السنّة، لأنه ينتج عن هذه الأحكام إخراج أناس من العقيدة والسنّة ظلمًا وجهلًا، وقد يترتب على هذا أن يَخْسرهم الصف الإسلامي، وكذلك إدخال أُناسٍ بهذه الأحكام السريعة وحقُهم أن لا يدخلوا.
وترتّب على هذه الصورة التي تحصل أحيانًا من قبل بعض محبي العقيدة والسنّة أَنْ وُجِدَ بعضُ النفاق من قبل من لم يَقْتنع بالعقيدة والسنّة، يُشجّعه عليه ما يراه من عناية هؤلاء بالظاهر فقط، فيرى من السهل عليه أن يخدعهم بفعل ما يريدون، فيُردّد الكلام الذي يريدون ويُعفي لحيته ويقصّر ثوبه -ولو بشيء من الغلوّ- فيظفر بتزكيتهم وينال ما يطلبه من عاجلٍ عندهم أو عند غيرهم.
وبالمقابل هناك صِنْف من الناس عنده إخلاصٌ وتثبّتُ فيبتعد عن المتاجرة الظاهرة لدى أولئك لمكانة عقيدته عنده ولا يَعْتني عنايتهم بإصدار تلك الأحكام السريعة على الناس، فيكُون جزاؤه أن يَحْكموا عليه بالضعف أو الانحراف في عقيدته أو في اتّباعه للسنّة.
وقد يترتب على هذا ردود فعل عنيفة ومفاسد عظيمة ولكن لا يُدرِكُها صاحب العاطفة الجاهلة غير المبصرة.
[ ٧٩ ]
فانظر يا أخي كيف تُؤتى السنّة ومِن أين تؤتى!! ولا حول ولا قوة إلاّ بالله. إن هذا الصِّنْف منّا قد يَسأل غيره للاختبار، ليُصْدِر عليه أحكامه السريعة تلك، فيقول له: ما هي عقيدتك؟ فيقول: عقيدتي كذا وكذا. ويصرف له مما يريد؛ فيُصْدِر حكمه عند ذلك. الحمد لله سلفي العقيدة!! وما عهدنا سلفيّة العقيدة هكذا إلا في هذا العصر. إن الفقه في الدين نعمة كبرى إذا فُقِدَتْ لم يعوّضها شيء.
وليس الكلام هنا عن أهمية العقيدة ومشروعيّة السؤال عنها بالأسلوب المناسب الذي تتحقق به غاية شرعية، كما في حديث الجارية، فذلك أمر واضح ينبغي أن لا يَخْتلف عليه مسلمان، إنما الكلام عن سوء التطبيق لهذين الأمرين:
أ- الاهتمام بالعقيدة. ب- السؤال عنها.
ومِنْ هذا ما يفهمه بعض الناس من سؤال النبي ﷺ للجارية: "أين الله؟ " ١: أن ذلك في منزلة الأمر منه ﷺ أن نسأله نحن المسلمين في عموم الأحوال، حتى مع من نَعْلم أنه مسلم يصلي معنا ويصوم، وهذا خطأ في فهم الحديث من جهة، وغَضٌّ من قيمةِ المعنى الذي اشتمل عليه الحديث من جهة أخرى، وهو إفادته التلازم بين الإيمان بالله واعتقاد صفاته سبحانه ومن ذلك صفة العلوّ، وأنه في السماء كما جاءت به الآيات والأحاديث، فلا ينبغي أن يُفْترض في المسلم عدم إيمانه بهذه الصفة من صفات الله سبحانه على ما يليق به ﷿!.
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم عن معاوية بن الحكم السلمي، ٥٣٧، المساجد ومواضع الصلاة، وأخرجه غيره.
[ ٨٠ ]
ويبقى السؤال مشروعًا بصفة عامة في حدود الحكمة والغرض الشرعي الذي لا يترتب عليه مفسدة يأباها الشرع، سواء أكان المسئول مسلمًا أم غير مسلم، لكن لا بدّ من التأكيد على أن هذه المشروعية مرتبطة بالغرض الشرعي والحكمة المأمور بها شرعًا.
[ ٨١ ]
٩- إهمال النظافة الشخصية:
نظافة الداعي إلى السنّة وحُسن مظهره وذوقه الرفيع جزءٌ أساسٌ مِن واجبه في الدعوة إلى السنّة. وقد رأينا في الناس مَنْ يَعْرض بضاعته الجيدة في مكان ليس حَسَنًا لا تَرُوجُ فيه بضاعته -على جودتها- لأنه أساء إليها بوضعها في المكان غير المناسب.
وليت شعري هل يُدْرِك هؤلاء الذين يَدْعون الناس إلى السنّة وهم مُتلبّسون بعدم النظافة أو حسن المظهر أو الذوق الطيب الرفيع، هل يُدْرك هؤلاء كم يسيئون للسنّة بعملهم هذا؟!، ألا يعلمون أن الناس إذا رأوا الداعي إلى السنّة المتصدّي لذلك أَحسنوا به الظن حتى يتصوروا أن كل ما يأتيه فهو من السنّة، وأنّ الناس إذا دُعُوا إلى شيءٍ نَظَروا له في شخص الداعي إليه؟! ومِنْ هنا تأتي أهمية القدوة العملية والأسوة الحسنة.
إن هذا الصِّنْف من الناس يَحْملون في آن واحد بعضَ ما يَنْفع الآخرين وبعض ما يؤذيهم: يَحْملون للناس شيئًا يَهْديهم وهو السنّة-هذا إنْ أصابوا فهمها- ويَحْملون شيئًا آخر ينفّرهم من تلك الهداية، أو يدعوهم إلى الضلالة، وهو سلوكهم وأخلاقهم وأفهامهم، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله،
[ ٨١ ]
نسأل الله تعالى أن لا يجعلنا فتنة للكافرين؛ فضلًا عن أن نكون فتنة للمسلمين.
[ ٨٢ ]
١٠- الخلل في مفهوم الولاء والبراء:
لقد حَدَثَ عند بعض الناس خلل في لازم مفهوم الولاء، الذي هو بُغْض البدعة والكفر، وبُغْض المبتدع والكافر، فظننّا أن لازم الولاء أنْ يكون في مقابلِهِ الحقد، وأن ذلك الحقد يتعين علينا حتى في حق المجتهد المخطئ، الذي ربما يكون -في واقع الأمر- هو المصيب ونحن المخطئون.
[ ٨٢ ]
١١- الخلل في مفهوم الاتباع والابتداع:
لقد حَدَثَ عند بعض الناس خلل في مفهوم الاتباع والابتداع: فمن الناس من يرى أن الاتباع للكتاب والسنّة إلغاء العقل وَقَفْلُ باب الاجتهاد!! وهذا في مقابل خطأ آخر يرى فتح باب الاجتهاد لكل من شاء ولو لم يكن من أهله، حتى تَجَرَّأَ أو جَرّأَ على ذلك بعض صغار الطلبة!.
[ ٨٢ ]
بعض المظاهر المخالِفة للسنّة
هناك مظاهر عديدة لمخالفة السنّة، سواء في جانب التطبيق العملي لها، أو في أسلوب الدعوة إليها، أودّ الإشارة إلى بعضها، فمِنْ ذلك ثلاثة مسالك هي:
- الخطأ في منهجية فقه السنة ومعرفتها.
- الشدة في الدعوة إلى السنة.
- عدم التوازن في الأخذ بالسنة والدعوة إليها.
ومن مظاهر هذه المسالك ما يلي:
١- الإنكار والتشدد في الأمور الخلافية في مجال السنن.
٢- تتبع شواذ المسائل الخلافية، وإثارتها في الناس على الرغم من أنها أمور اجتهادية قد يُعذر فيها المخالف١.
٣- الغلوّ في السنّة وفي تطبيقها.
٤- الغلوّ في الدعوة إلى بعض السنن على حساب غيرها من الأحكام الشرعية.
٥- شدة اللهجة في الدعوة إلى السنّة، والابتداء بالشدة في إنكار المنكر.
٦- عدم مراعاة الحكمة في الدعوة إلى السنّة وتطبيقها.
٧- عدم التفريق بين تَرْك السنّة وتَرْك كمالها.
_________________
(١) ١ ومعلومٌ أن هذا شيء، والتناصح الواجب بين المسلمين بالأسلوب الصحيح شيء آخر، سواء أكان التناصح في المسائل الاجتهادية أم في سِواها.
[ ٨٣ ]
٨- التمسّك بالدعوة إلى السنّة في بعض المواقف على حساب أمور أكثر أهمية، مثل جَمْع الكلمة ووحدة الصفّ، في حين أن الإسلام في هذه الحال يَحْرص على وحدة الصفّ، وإرجاءِ الدعوة إلى السنّة إلى وقت آخر أنسب لا يترتب عليه مفسدة أكبر من مفسدة تَرْكها، كتفريق الكملة واختلاف الصفّ.
٩- التركيز على بعض السنن الخاصة بالمظهر وعدم الاهتمام بالسنن الأخرى.
١٠- التركيز على الأخذ بالسنن أكثر من التركيز على بعض الأحكام الشرعية الأهم، كالفرائض والواجبات المؤكّدة.
١١- الموالاة والمعاداة على بعض السّنن الفرعية.
١٢- الدفاع عن خطأ النفس باسم الدفاع عن السنّة، وعدم التفريق بين هذا وهذا، وذلك نتيجة الغفلة وحُسْن الظن بالنفس، وسوء الظن بالناس.
١٣- التسرع بالتبديع لكل ما لا يدركه عقله في مجال فقه النصوص الشرعية، مع أن كثرة التبديع بدعة.
١٤- الغلوّ في تبجيل بعض العلماء الصالحين الداعين إلى السنّة، والدفاع عن أخطائهم، وعدم الاستعداد لسماع نَقْدهم، وسببُ هذا هو عدم التفريق بين القناعة بالأشخاص، وحدودها الشرعية، والقناعة بالمنهج ونِسْيان أنْ ليس هناك معصوم من البشر إلا من كان نبيًا أو رسولًا.
١٥- الجمود على النص وعدم فقهه فقهًا صحيحًا؛ وفي ذلك مخالفةٌ لقوله تعالى: ﴿والذِينَ إِذَا ذُكِّروا بِآياتِ رَبِهِمْ لَمْ يَخِرِّوا عَلَيْهَا صُمًَّا
[ ٨٤ ]
وعُمْيَانًا﴾ ١.
١٦- عدم التفريق بين ما يكون من السنّة بنصّ ظاهر، وبين ما يَرَى أنه من السنن عن طريق اجتهاده في فهم النص.
١٧- عدم التفريق بين السنّة المؤكدة وبين السنّة الإرشادية للاستحباب والأَولى.
١٨- التسرُّع في اتهام المخالفين واستباحة الكلام فيهم والطعن فيهم محتجًا لنفسه في هذا أنهم مخالفون للسنّة، بل ربما قال أعداء للدين.
١٩- الاعتساف في حمل النصوص الشرعية على مَدْحِه أو مَدْح طائفته وإخراج الطوائف الأخرى من المسلمين، من غير أدلة شرعية واضحة على هذا، والتعجّل في تفسير بعض النصوص دون الرجوع إلى قواعد الاستنباط وجَمْعها مع النصوص الأخرى المتصلة بالموضوع.
ومن الأمثلة على ذلك ما يتجشمه بعضهم من تفسير أحاديث فيها إخبار عما سيكون فيفسرها بتنزيلها على الواقع الذي يعيشه على سبيل الحصر كما يفعله بعضهم من تفسير حديث: " وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة" ٢،
_________________
(١) ١ ٧٣: الفرقان: ٢٥. ٢ أخرجه أبو داود والدارمي وأحمد وغيرهم، يُنظَر: سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني: ١/٣٥٨، رقم ٢٠٣،٢٠٤، والعواصم والقواصم، لابن الوزير، ١/١٨٦، والصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم ، ليوسف القرضاوي، ص٤٣-٥٥، ويُنظَر: الأحاديث الآتية في الموضوع فيما نقلته عن ابن تيمية رحمه الله تعالى.
[ ٨٥ ]
فيدّعي بعضهم أنه من هذه الواحدة أو أن فئته هي هذه الواحدة وباقي الناس في النار والعياذ بالله. وهذا على الرغم مما في صحة هذا الحديث مِن كلام، لاسيما زيادة: "كلها في النار إلا واحدة" ١.
والنقد هنا موجَّه إلى مسلك تزكية النفس والجماعة بهذا الأسلوب، وذلك لما في هذا من محاذير متعددة، أهمها:
١- تزكية النفس أو الجماعة أو المجموعة المعيَّنة.
٢- التجاسر على تفسير مثل هذه الأحاديث في الإخبار عن أمور غيبيّة وتنزيلها على أشخاص معينين أو زمان معيَّن.
٣- التجاسر على الحُكْم بإخراج أشخاص آخرين أو طوائف من المسلمين من دائرة جماعة المسلمين، أو الشهادة لهم بالنار، مع ما في ذلك من التجاوز لحدود الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه، إذ أن الحكم على شخص أو أشخاص بأعيانهم أمر غيبيّ لا يجوز لأحد من الناس أن يفعله إلا بشهادة الله تعالى أو شهادة رسول الله ﷺ لأولئك المعيّنين بالجنة أو النار.
٤- المخالفة لنصّ الحديث في تحديد الناجين، حيث جاء ذلك بالوصف
_________________
(١) ١ الحديث في صحته خلاف، ويُنظر الكلام على صحته في: سلسلة الأحاديث الصحيحة، للألباني: ١/٣٥٨، رقم ٢٠٣،٢٠٤، والعواصم والقواصم، لابن الوزير، ١/١٨٦، وفصْل: تفرق الأمة ليس قدرًا لازمًا ولا دائمًا، ص ٤٣-٥٥. مِن "الصحوة الإسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم "، ليوسف القرضاوي، وتفسير القرآن العظيم، لابن كثير: ٢/٤٦٥.
[ ٨٦ ]
ولفْظ العموم؛ ليَشْمَل كلّ من تَحَقَّقَ فيه الوصف: " من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي".
وأما تزكية المنهج -ضِمْنَ حدوده الشرعية- فهو يَخْتلف عن تزكية النفس والأشخاص؛ إِذْ ينبغي -مثلًا- أن يكون واضحًا من غير شك أنَّ اتَّباع الكتاب والسنّة وَفْق المنهج الذي كان عليه النبي ﷺ وأصحابه، هو منهج الناجين من عذاب الله، وهذا هو منهج أهل السنة والجماعة.
[ ٨٧ ]
أمثلة عجيبة غريبة تحصل بسبب تلك الأخطاء:
بعض المنتسبين إلى طلب العلم الشرعيّ يُلْقون بكتب التفسير والحديث في الزبالة بحجةِ أنّ فيها بدعًا وضلالات وأخطاء في العقيدة. ومشهورٌ ما قام به بعضهم مِن إحراقٍ لكتاب: "فتح الباري بشرح صحيح الإمام البخاري"، للإمام ابن حجر أمير المؤمنين في الحديث، رحمه الله تعالى، وكتاب: "نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار"، للإمام الشوكانيّ، وكتاب: "سبل السلام شرح بلوغ المرام"، للإمام الصنعانيّ؛ بالحجة ذاتها!. وقد بَلَغَني أن أحدهم ألقى كتابًا من كتب تفسير القرآن في الزبالة نظرًا لما فيه من الأخطاء. وما أدري هل نسي أن فيه اسم الله وآيات الله أيضًا؟! أم أنه ولو كان كذلك فهذا حكمه عنده؟!.
دَعَسَ أحدهم على كتاب، فقلت له: لا يجوز يا أخي، فإن فيه اسم الله. فقال لي: وإن كان كذلك فما الدليل أنه لا يجوز؟ فقلت: لا دليل، إذا كان احترام اسم الله تعالى يحتاج إلى دليل، فما الذي عساه لا يحتاج إلى دليل!!.
[ ٨٧ ]
فَعَلَ أحدهم معروفًا في شخص فقال له: شكرًا. فقال: لا أريدها. يريده أن يقول له: جزاك الله خيرًا بهذه الصيغة فقط!.
وهذه مسألةٌ ذات ارتباطٍ بالناحية الذوقية والناحية الشرعية؛ ومعلومٌ أنه لاشيء مِن ذلك يَمْنع مِن شكْر صانعِ المعروف بأيّ أسلوبٍ مقبولٍ فِطْرةً، وإنْ وَرَد في الحديث عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: "مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ؛ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا. فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاء"١. لكن ليس في الحديث ما يَمْنع مِن الشكر بغير ذلك. ومعلومٌ أن المقصود الشرعيّ إنما هو حفْظ المعروف وشكْر صاحبهِ؛ والواجب في فقْه الدين وأحكامه أنْ تُرْبط الأحكام وما جاء فيها مِن نصوصٍ شرعيّةٍ بمقاصدها؛ لكي تُحْفظ هذه المقاصد وتراعى، ولا تُتَنكّبَ بشيءٍ مِن الفهم أو السلوك بظاهريةٍ بعيدةِ عن المراد بالنص أو الحكم.
نظر رجلٌ في كتابٍ ما؛ فلما رأى أول صفحةٍ منه، فلم يَرَ البدْء بخطبة الحاجة، طرحه وقال: لقد عرفتُ منذ البداية أن المؤلف ليس حريصًا على السّنَّة!. هذا على الرغم مِن أنه يجوز أن يبدأ بخطبة الحاجة، وأن يبدأَ بخطبةٍ سِواها يحمد فيها الله تعالى.
كان رجلٌ يُصلِّي في المسجد، وكان في أثناء السجود يرفع أصابع رجليه عن الأرض؛ فشاهده أحدهم؛ فقام إليه وهو في الصلاة؛ فضغط على
_________________
(١) ١ الترمذيّ، برقم: ٢٠٣٥، البر والصلة.
[ ٨٨ ]
رجليه ليُنزِلها على الأرض؛ فارتاع المصلِّي ووجِلَ؛ فلما قضى صلاته عرَفَ السبب؛ فقال: هلاّ انتظرتني حتى أقضي صلاتي؛ فتخبرني؛ فأُصلِّي بدلًا مِن الركعتين عشرًا!!.
رأيتُ رجلًا نصحْتُه في غُلوِّه في تقصير ثوبه ومبالغته فيه، فقال لي: إلى منتصف الساق، فقلت له: لكنك قد رفعته إلى أكثر من منتصف الساق. فقال لي: هذا فيما يبدو لك، ولكن نظرك ليس أصدق من المتر، لقد قستُ ساقي بالمتر، فحددت نصف الساق بالمتر!!. قلت في نفسي: لقد قال النبي ﷺ لعديِّ بن حاتم حينما فهم أن الخيط في الآية هو الحبل حقيقة، في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر﴾ ١؛ فأخذ حبلين: أسود وأبيض، فجعل يأكل وينظر إليهما حتى تبينا له فأمسك، قال له النبي ﷺ: "إنك لعريض الوساد".
فماذا يقال عن فهم صاحب المتر هذا؟!.
وهل هذا القياس بالمتر سنة؟!.
أخذ أحد الناس شريطًا لأحد الدعاة إلى الله تعالى، وداس عليه برجله؛ لأنه ليس في الخطّ الدعويّ ضمْن الفهم الضيّق الذي هو عليه، فعل هذا على الرغم مما في الشريط من اسم الله تعالى والآيات والأحاديث!!.
قيل لبعضهم في معرض النقاش حول قضية مهمّة وقع فيها خلاف
_________________
(١) ١ ١٨٧: البقرة: ٢.
[ ٨٩ ]
بين فريقين من المسلمين: إن شريط "الفديو" موجود وقد صوّرنا فيه هذا؛ فلْتشاهدوا الشريط؛ للتثبت والعدل في الحُكْم بين الطرفين. فقالوا: نحن لا نشاهد "الفديو".
نعم: لا يشاهد "الفديو" حتى في مثل هذا المباح. ولا يشاهد "الفديو" حتى في مثل هذه القضية الواجب فيها التثبت، ولا يشاهد "الفديو" مع أنه يفجر في الخصومة، ولا يلتزم الصدق، ويكفِّر بعض المسلمين بل العلماء المجاهدين محدَّدين بأسمائهم!! فأي ورعٍ هذا؟! وأي فهمٍ هذا؟!.
قال خطيبٌ في خطبةِ الجمعة في مسجدٍ من المساجد: أُفٍ لإسلامٍ فيه أناشيد إسلامية!!.
أَحدُ الناس إذا وَجَدَ شريطًا فيه أناشيد إسلامية، فإنه يدوس عليه بقدمه؛ ولا يراعي حتى ما فيه من اسم الله تعالى!!.
قال بعض الناس لشخصٍ: هل فلان من جماعةِ كذا-وسمّى جماعةً يعاديها-؟. قيل له: ولماذا السؤال؟. قال: لأني رأيته واقفًا يومًا مع فلان، وهو مِن هذه الجماعة!!.
وهذا مِن أغرب ما يُمْكِن سماعُهُ مِن المقاييس؛ فهل إذا وقفَ شخصٌ مع يهوديّ يُصْبح يهوديًّا، وهل إذا وقف كافر مع مسلم يصبح مسلمًا، وهل إذا وقف إنسانٌ مع سلفيّ يصبح سلفيًّا، وهل إذا وقف إنسان مع شافعيٍّ يصبح شافعيًّا!!.
سأل أحد الناس شيخه عن الدليل على: أن منهجهم وأسلوبهم في الدعوة هو المنهج الصحيح. فقال: الذي يدل على هذه الحقيقة، هو أننا ندعو
[ ٩٠ ]
للكتاب والسنّة، وماذا بعد الكتاب والسنّة؟!.
ولا أدري كيف يَصْدر مثلُ هذا الجواب، لولا الغفلة ولولا الخطأ البشري، الذي قد يُعْذر فيه الإنسان بَيْد أن ذلك لا يُسوِّغ للإنسان الاستمرارَ في خطئه أو التمادي فيه.
إنّ منهج اتّباع الكتاب والسنّة لا يُسوِّغ لصاحبه الخلط بين نصوص الوحي الإلهيّ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والاجتهاد البشري الذي قد يخطئ وقد يصيب عند فهم تلك النصوص أو عند تطبيقها.
ولاشك في أن الورع، والفقه في الدين، والغيرة على الدين، كل هذه تدعو الإنسان لإدراك هذا المعنى نظريًّا وعمليًّا، وما سيرةُ أئمة السلف من هذه الأمة عنّا ببعيد، وفّقنا الله تعالى وإخواننا المسلمين لذلك، ووقانا شرّ أنفسنا وسيئات أعمالنا!.
[ ٩١ ]