مدخل
مذهب أهل السنّة والجماعة
في خلاف الأمة في العبادات
توطئة:
كَتَبَ شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا الموضوع رسالة نفيسة١، ينبغي أن تُقرأ في سبيل تَصوُّرِ منهجِ الإسلام في مثل هذا القضايا المهمة؛ فأحببت نقل خلاصةٍ لها هنا٢، نظرًا لأهميتها، ونظرًا لموافقتها لهذا الموضوع الذي أَعْرضه، وكذلك نقلت بعض المعاني من رسالته الأخرى التي عنوانها: قاعدة في توحّد الملّة وتعدّد الشرائع وتنوعّها، وتوحّد الدّين المليّ دون الشرعي٣، كما نقلت هنا في البداية شيئًا مِن أسباب الخلاف مِن رسالته الأخرى: رفْع الملام عن الأئمة الأعلام.
_________________
(١) ١ رسالة مطبوعة ضمن "مجموعة الرسائل المنيرية" ٣/١١٥-١٢٧، بعنوان: "خلاف الأمة في العبادات ومذهب أهل السنّة والجماعة" عُنيتْ بنشرها وتصحيحها للمرة الأولى سنة ١٣٤٦هـ، إدارة الطباعة المنيرية وعليها اعتمدتُ فيما نقلتُه منها، وهذه الرسالة قد كُرّرتْ في الرسالة الأخرى التي جاءت بعدها مباشرة، في الطبعة المنيرية، حيث نُقلتْ فيها هذه بكاملها بعد أربعة فصول من بدايتها. ٢ وكنتُ في الطبعة الأُولى مِن هذا الكتاب قد نقلتُ الكلام كله بنصّه. ٣ رسالة مطبوعة ضمن: "مجموعة الرسائل المنيرية" ٣/١٢٨-١٦٥، وعلى هذه الطبعة اعتمدتُ فيما نقلتُه منها، وهي كذلك مطبوعة في "مجموعة فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمة" ١٩/١٠٦-١٥٤. ولم تكرر فيها الرسالة التي قبلها، كما هو الشأن في الطبعة المنيرية.
[ ١٣٠ ]
وقد تصرّفتُ في العبارات في كثيرٍ مِن الأحيان، مع المحافظة على المعنى، وحافظتُ في أحيانٍ كثيرة أيضًا على العبارات، كما زدتُ بعض المعاني للربط أو للتوضيح فقط؛ فَجُلُّ الكلام كلامه إلا ما ندَر، وقد تصرَّفت في كلامه بالتقديم والتأخير والحذف إذا كان الكلام استطرادًا أو فيه غموضٌ على القاريء، واعتنيتُ في هذا النقل بعلامات الترقيم، والتفقير وإحالة الآيات والأحاديث، وتصويب الأخطاء المطبعية دون الانشغال أو الإشغال بالتنبيه عليها. وتبقى كلٌ مِن الرسالتين مرجعًا لمن أراد التأكد أو الاستزادة، وإن كنت قد نقلتُ جُلَّ ما فيهما. ومما دعاني إلى هذا التصرّف في عبارات الشيخ، رحمه الله تعالى، ما رأيته مِن صعوبةٍ في ترتيب كلام الشيخ، وذلك بسبب كثرة الاستطرادات، وصعوبة الأسلوب على كثيرٍ مِن القرّاء في زماننا هذا.
مدخلٌ إلى الموضوع:
حصَلَ بين الأمّة خلافٌ في صفات العبادات الظاهرة، مثل: الأذان، والجهر بالبسملة، والقنوت في الفجر، والتسليم في الصلاة، ورفع الأيدي فيها، ووضع الأكفّ فوق الأكف، ومثل التمتعِ والإفراد والقِران في الحج، ونحو ذلك.
وهذا الخلاف مبنيٌّ على الرواية أو على الرأي.
فالخلاف المبنيّ على الرواية راجعٌ إلى أسبابٍ، والخلاف المبنيّ على الرأي راجعٌ إلى أسبابٍ.
[ ١٣١ ]
وقد تحدَّث شيخ الإسلام الإمام ابن تيمية عن هذا الموضوع في رسالةٍ أخرى قيّمةٍ جديرة بالقراءة، وهي "رفْع الملام عن الأئمة الأعلام"؛ لعل مِن المناسب في هذا المدخل إيراد ما يهمنا منها؛ فمما قال فيها، محدِّدًا لأسباب الخلاف هذه، قوله:
وبعد: فيجب على المسلمين -بعد موالاة الله تعالى ورسوله ﷺ- موالاة المؤمنين، كما نطق به القرآن، خصوصًا العلماء، الذين هم ورثة الأنبياء، الذين جعلهم الله بمنزلة النجوم. يُهتدى بهم في ظلمات البر والبحر. وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم.
إذ كل أمة -قبل مبعث نبينا محمد ﷺ - فعلماؤها شرارها، إلا المسلمين، فإن علماءهم خيارهم، فإنهم خلفاء الرسول ﷺ في أمته. والمُحْيُونَ لِمَا مات من سنته. بهم قام الكتاب، وبه قاموا. وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا.
وليعلم: أنه ليس أحد من الأئمة -المقبولين عند الأمة قبولا عامًا- يتعمد مخالفة رسول الله ﷺ في شيء من سنته، دقيق ولا جليل.
فإنهم متفقون اتفاقًا يقينيًا على وجوب اتباع الرسول ﷺ، وعلى أن "كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ"، ولكن إذا وُجد لواحد منهم قولٌ قد جاء حديثٌ صحيح بخلافه، فلابد أن يكون له من عذر في تركه.
وجميع الأعذار ثلاثة أصناف:
أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله.
[ ١٣٢ ]
والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول.
والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ.
وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة -ثم ذكرها الإمام- ومنها ما يلي١:
؟- أن لا يكون الحديث قد بلغه.
- أن يكون الحديث قد بَلَغه لكنه لم يَثْبت عنده.
- اعتقاد ضعف الحديث باجتهادٍ قد خالفه فيه غيره، مع قطع النظر عن طريق آخر
- اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطًا يخالفه فيها غيره.
- أن يكون الحديث قد بلغه، وثبت عنده، لكن نسيه.
- عدم معرفته بدلالة الحديث.
- اعتقاده أن لا دلالة في الحديث.
- اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دلّ على أنها ليست مراده.
- اعتقاده أن الحديث معارَض بما يدل على ضعفه، أو نسخه، أو تأويله -إن كان قابلًا للتأويل- بما يصلح أن يكون معارِضًا بالاتفاق؛ مثل آية أو حديث آخر، أو إجماع.
وتحدّث الإمام ابن تيمية عن السبب الأول فقال:
_________________
(١) ١ تُنظر هذه الأسباب في "رفْع الملام عن الأئمة الأعلام"، لشيخ الإسلام ابن تيمية، الرسالة كلها.
[ ١٣٣ ]
السبب الأول: أن لا يكون الحديث قد بلغه. ومن لم يبلغه الحديث لم يُكلّف أن يكون عالمًا بموجبه، وإذا لم يكن قد بلغه -وقد قال في تلك القضية بموجب ظاهر آية، أو حديثٍ آخر، أو بموجب قياس، أو موجب استصحاب - فقد يوافق ذلك الحديث مرةً، ويخالفه أخرى.
وهذا السبب: هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفًا لبعض الأحاديث؛ فإن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحد من الأمة.
وقد كان النبي ﷺ يُحدِّثُ، أو يفتي، أو يقضي، أو يفعل الشيء، فيسمعه أو يراه من يكون حاضرًا، ويُبَلِّغه أولئك -أو بعضهم- لمن يبلغونه، فينتهي علم ذلك إلى من شاء الله من العلماء، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ثم في مجلس آخر: قد يحدِّث، أو يفتي، أو يقضي، أو يفعل شيئًا، ويشهده بعض من كان غائبًا عن ذلك المجلس، ويبلّغونه لمن أمكنهم.
فيكون عند هؤلاء من العلم ما ليس عند هؤلاء، وعند هؤلاء ما ليس عند هؤلاء.
وإنما يتفاضل العلماء من الصحابة ومَن بعدهم بكثرة العلم، أو جودته.
وأما إحاطةُ واحد بجميع حديث رسول الله ﷺ فهذا لا يمكن ادعاؤه قط١. وقال:
فمن اعتقد أن كل حديث صحيح قد بلغ كلَّ واحد من الأئمة، أو
_________________
(١) ١ رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية: ١٣-١٤.
[ ١٣٤ ]
إمامًا مُعَيّنًا؛ فهو مخطئ خطأً فاحشًا قبيحًا.
ولا يقولَنَّ قائل: إن الأحاديث قد دُوِّنت وجُمعت، فخفاؤها -والحال هذه- بعيد.
لأن هذه الدواوين المشهورة في السنن إنما جُمعت بعد انقراض الأئمة المتبوعين ﵏.
ومع هذا فلا يجوز أن يُدَّعى انحصار حديث رسول الله ﷺ في دواوين معينة.
ثم لو فرض انحصار حديث رسول الله ﷺ، فليس كلُّ ما في الكتب يعلمه العالم. ولا يكاد ذلك يحصل لأحد. بل قد يكون عند الرجل الدواوين الكثيرة، وهو لا يحيط بما فيها.
بل الذين كانوا قبلَ جمع هذه الدواوين كانوا أعلم بالسنة من المتأخرين بكثير. لأن كثيرًا مما بلغهم -وصحَّ عندهم- قد لا يبلغنا إلا عن مجهول، أو بإسناد منقطع، أو لا يبلغنا بالكلية.
فلقد كانت دواوينهم صدورهم التي تحوي أضعاف ما في الدواوين.
وهذا أمر لا يشك فيه من علم القضية١.
وختم هذا الموضوع بقوله:
فلا بد أن نؤمن بالكتاب كله. ونتبع ما أُنزل إلينا من ربنا جميعه، ولا نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض. ولا تلين قلوبنا لاتِّباع بعض السنة، وتَنْفِر
_________________
(١) ١ رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية:٢٢-٢٣
[ ١٣٥ ]
عن قبول بعضها بحسب العادات والأهواء؛ فإن هذا خروج عن الصراط المستقيم إلى صراط المغضوب عليهم والضالين١.
ومِن أوسعِ أبواب الخلافات بين العلماء الخلاف في فهم الرواية ومدلولها.
وفيما يلي حديثٌ عن طبيعة هذا الخلاف في العبادات الظاهرة، وبيان مؤدَّاهُ عند الأئمة، وبيان المنهج الصحيح في التعامل مع هذا الخلاف، وسيكون الحديث عن هذا وفق العناصر التالية:
- اجتماع الكلمة ومكانته في الإسلام.
- الآثار السيئة للتنازع والاختلاف.
- أنواع الفساد المترتبة على الخلاف.
- طريق العصمة من الفُرقة هو الاعتصام بالأصلين.
- الأصل الأول: الاعتصام بالجماعة.
- أمثلةٌ لتطبيق هذه القاعدة.
- الأصل الثاني: الاعتصام بالسنّة.
- أمثلةٌ على تطبيقات هذا الأصل.
- ما يجوز فيه الخلاف وما لا يجوز.
- اختلاف التنوع في الأعمال المشروعة.
- المفاضلة بين الأعمال.
_________________
(١) ١ رفع الملام عن الأئمة الأعلام، لابن تيمية: ص ١٠٦، وهنا انتهى النقل مِن هذه الرسالة.
[ ١٣٦ ]
- الاختلاف الذي أقرِّوا عليه وساغ لهم العمل به.
[ ١٣٧ ]
*
اجتماع الكلمة ومكانته في الاسلم
*
مثل قوله: "عليكم بالجماعة، فإن يد الله على الجماعة" ١.
وقوله: "فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد" ٢.
وقوله: "من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه؛ فإن من فارق الجماعة قِيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه" ٣.
وقوله: "ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ "، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة. لا أقول تَحْلق الشَّعْر ولكن تَحْلق الدين" ٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي: كتاب الفتن، ٧- باب ما جاء في لزوم الجماعة ٤/٤٦٦، حديث ابن عباس ﵄: يد الله مع الجماعة، وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه، وقال: وتفسير الجماعة عند أهل العلم: هم أهل الفقه والعلم والحديث. ٢ عليكم بالجماعة وإياكم والفُرقة، فإن الشيطان إلخ الحديث أخرجه الترمذي: كتاب الفتن، ٧- باب ما جاء في لزوم الجماعة ٤/٤٦٥-٤٦٦، وقال هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه. ٣ أخرجه البخاري: ٩٢- كتاب الفتن، ٢- باب قول النبي ﷺ: "سترون بعدي أمورًا تنكرونها"، الفتح: ١٣/٥، لكن بلفظٍ فيه: فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية، وكرره في ٩٣- كتاب الأحكام، ٤- باب السمع والطاعة للإمام، ما لم تكن معصية، الفتح ١٣/١٢١. وأخرجه مسلم بلفظ البخاري في: ٣٣- كتاب الإمارة، ح ٥٥،٥٦، ط. محمد فؤاد عبد الباقي ٣/١٤٧٧-١٤٧٨. ٤ أخرجه بهذا اللفظ الترمذي، صفة القيامة، ٥٦- باب سوء ذات البين هي الحالقة، ٤/٦٦٣-٦٦٤. وأخرجه أبو داود إلى قوله: "هي الحالقة" في كتاب الأدب ٥٨-بابٌ في إصلاح ذات البين: ٥/٢١٨.
[ ١٣٨ ]
وقوله: "من جاءكم وأَمْركم على رجل واحد منكم، يريد أن يُفرّق جماعتكم فاضربوا عنقه بالسيف كائنًا مَنْ كان" ١.
وقوله: "يُصلّون لكم، فإن أصابوا فلكم، وإن أَخطؤوا فلكم وعليهم" ٢.
وقوله: "ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فِرقة، منها واحدة ناجية، واثنتان وسبعون في النار" -قيل: ومَن الفِرقة الناجية؟ قال: "هي الجماعة، يد الله على الجماعة" ٣.
وباب الفساد الذي وقع في هذه الأمة، بل وفي غيرها، هو: التفرق والاختلاف فإنه وقع بين أمرائها وعلمائها من ملوكها ومشايخها وغيرهم من ذلك ما الله به عليم، وإنْ كان بعض ذلك مغفورًا لصاحبه، لاجتهاده الذي يُغْفر فيه خطؤه، أو لحسناته الماحية، أو توبته، أو لغير ذلك.
لكن يُعْلم أنّ رعايته من أعظم أصول الإسلام. ولهذا كان امتياز أهل
_________________
(١) ١ أخرجه بنحوه مسلم في: ٣٣-الإمارة ح٥٩ و٦٠ ط/ محمد فؤاد: ٣/١٤٧٩-١٤٨٠، وغيره. ٢ أخرجه البخاري في: ١٠-الأذان، ٥٥-باب إذا لم يُتِمّ الإمام وأتم مَنْ خلفه. الفتح: ٢/١٨٧. وغيره. ٣ يُنْظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة" للألباني: ١/٣٥٦-٣٦٧ و٣/٤٨٠، والمستدرك للحاكم: ١/١٢٨، وقد رواه أيضًا أحمد في المسند: ٣/١٢٠ و١٤٥، وأبو داود في سننه: الباب الأول من كتاب السنّة، والترمذي في: الإيمان، باب افتراق هذه الأمة، وابن ماجه في: الفتن، باب افتراق الأمم. وغيرهم، وانظر الحاشية رقم ٩٠-٩١.
[ ١٣٩ ]
النجاة عن أهل العذاب من هذه الأمة بالسنة والجماعة، ويذكرون في كثير من السنن والآثار في ذلك ما يطول ذكره.
وكان الأصل الثالث بعد الكتاب والسنة الذي يجب تقديم العمل به هو: "الإجماع" فإن الله لا يَجْمع هذه الأمة على ضلالة.
ومِن الناس مَن يُخالف أهل السنّة والجماعة وهدْي هذا الدين؛ متعللًا بما ورد عنهم مِن الخلاف في تلك المسائل، كالروافض والمعتزلة، ونحوهم، ممن ينتحل القياس والعقل، ويَطعن في كثير مما ينقله أهل السنّة والجماعة، ويعللون ذلك بما ذُكِر من الاختلاف ونحوه، وربما جَعل ذلك بعضُ أرباب الملة من أسباب الطعن فيها وفي أهلها، فيكون بعض هؤلاء المتعصبين ببعض هذه الأمور الصغار ساعيًا في هدم قواعد الإسلام الكبار.
وبهذا يتبين مكانة اجتماع الكلمة على الهدى والدين مِن خلال نصوص الدين ومقاصده، ويتبين أن مادّة الاجتماع هي التي جاء بها هذا الدين، لا الافتراق؛ وأيُّ شيء يَجمع الكلمة أعظم مِن هذا الذي جاء به الإسلام، وأمرَ به: إذا كان الله تعالى:
- قد أمرنا بطاعته، وطاعة رسوله، وأولي الأمر منّا.
- وأمرنا عند التنازع في شيء أن نرده إلى الله وإلى الرسول.
- وأمرنا بالاجتماع والائتلاف.
- ونهانا عن التفرق، والاختلاف.
[ ١٤٠ ]
- وأمرنا أن نستغفر لمن سبقنا بالإيمان.
- وسمّانا المسلمين.
- وأمرنا أن ندوم عليه إلى الممات.
فهذه النصوص، وما كان في معناها، توجب علينا الاجتماع في الدين، كاجتماع الأنبياء قبلنا في الدين. وولاةُ الأمور فينا هم خلفاء الرسول.
قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي قام نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء، ويكثرون"، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: "أوفوا بيعة الأول فالأول، وأَدّوا لهم الذي لهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم" ١.
وقال أيضًا: "العلماء ورثة الأنبياء" ٢.
ورُوي عنه أنه قال: "وددت أني قد رأيت خلفائي". قالوا: ومن خلفاؤك؟ قال: "الذين يحيون سنتي، يعلمونها الناس" ٣؛ فهؤلاء هم ولاة
_________________
(١) ١ البخاري: ٦٠-الأنبياء، ٥٠-باب ما ذكر عن بني إسرائيل. الفتح: ٦/٤٩٥. ٢ جزء مِن حديثِ: "مَن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا"، أخرجه الترمذي، ٢٦٨٢، العلم، وأبو داود، ٣٦٤١، العلم. وقال ابن حجر عنه: "طرف من حديث أبي داود والترمذي وابن حبان والحاكم مصححًا، من حديث أبي الدرداء، وحسّنه حمزة الكناني وضعّفه باضطرابٍ في سنده، لكن له شواهد يتقوى بها". الفتح: ١/١٦٠. ٣ ذكْره له بصيغة التمريض يوحي بضعفه عنده، ولكن الحديث موضوع، ولفظه: عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "اللهم ارحم خلفائي". قلنا: يا رسول الله، ومن خلفاؤك؟ قال "الذين يأتون من بعدي يروون أحاديثي ويعلمونها الناس". = رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أحمد بن عيسى بن عبد الله الهاشمي، قال الدارقطني: كذاب. مجمع الزوائد: ١/١٢٦، وقال الذهبي عن حديثه هذا بعد أن أورده في "الميزان" ١/١٢٦-١٢٧: وهذا باطل؛ فالحديث موضوعٌ مِن هذا الوجْه، ويُنظر "الضعفاء والمتروكين" للدارقطني، رقم ٥٣. وليس في أحمد هذا غير قول الدارقطني؛ ولذلك يؤخذ به، حسب قواعد الجرح والتعديل. وقد رُوي الحديث عن غيره لكن لا تقوم بهم حجة. يُنظر: "سلسلة الأحاديث الضعيفة"، برقم ٨٥٤. وكأن الإمام ابن تيمية-رحمه الله تعالى-ساق الحديث مِن حفظه؛ فسبقت ذاكرته إليه بدلًا مِن غيره من الأحاديث التي وردت على هذه الصيغة من الأحاديث الثابتة؛ فحصل الخطأ عندئذٍ في لفظ الحديث وفي تصوِّر درجته. وفي صحيح مسلم: ٢-الطهارة، ح:٣٩ "وددت أَنّا قد رأينا إخواننا " الحديث، وفي آخره: "أُناديهم: ألا هلمّ! فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك. فأقول: سحقًا سحقًا"!!.
[ ١٤١ ]
الأمر بعده، وهم الأمراء والعلماء وبذلك فسّرها السلف ومَنْ تبعهم من الأئمة، كالإمام أحمد وغيره، وهو ظاهرٌ، قد قررناه في غير هذا الموضع.
[ ١٤٢ ]
الآثار السيئة للتنازع والاختلاف:
كانت الخلافات الفقهية بين الأئمة مبنيةً على أدلةٍ ترجع إلى الرواية أو الرأي، وعلى قواعد وأصولٍ علمية في الاستدلال. وجميعهم متفقون على طلب الحق بدليله، والحفاظ على كيان الإسلام وأهله، وهُمْ-بهذه الرغبة، وهذه الغاية-متفقون غير مختلفين؛ لأنّ غايتهم واحدة على أيّ حالٍ، سواء اتفقوا في الرأي الفقهيّ أو اختلفوا.
وعلى الرغم مِن هذا إلا أنّ مَن جاء بعدهم، ممن خفيت عليه هذه الحقيقة مِن أتباعهم قد خالف هذا المنهج، بسبب تعصّبه لمتبوعه، وغلوّه فيه، واتخاذه
[ ١٤٢ ]
مقياسًا له دائما في تمييز الحق والصواب.
وبهذا المسلك استحكمت في بعض الناس ظاهرة التعصب والغلوّ، وأصبح بعض الناس يتعامل مع ظاهرة الخلافات الفقهية تعاملًا غير فقيه، وأصبح بعضهم يتجاوز الحق إذا جاء على لسان المخالف له؛ وحصلت-بسبب هذا التنازع والخلاف في العبادات الظاهرة والشعائر-أنواعٌ مِن الفساد الذي يكرهه الله ورسوله وعباده المؤمنون.
[ ١٤٣ ]
أنواع الفساد المترتبة على الخلاف:
وأهم أنواع الفساد المترتبة على هذا الخلاف ما يلي:
أحدها: جهْل كثير من الناس أو أكثرهم بالأمر المشروع المسنون، الذي يحبه الله ورسوله، والذي سنّه رسول الله ﷺ لأمّته، والذي أمرهم باتباعه.
الثاني: ظلْم كثير من الأمة أو أكثرهم بعضهم لبعض، وبغيهم عليهم:
تارة بنهْيهم عمّا لم ينه الله عنه.
وبغْضهم على ما لم يبغضهم الله عليه.
وتارة بترك ما أوجب الله من حقوقهم وصلتهم، لعدم موافقتهم لهم على الوجه الذي يؤثرونه، حتى إنهم يُقَدِّمون في الموالاة والمحبة وإعطاء الأموال والولايات مَنْ يكون مؤخَّرًا عند الله، ورسوله، ويَتْركون من يكون مقدَّمًا عند الله ورسوله لذلك١.
_________________
(١) ١ وهذا مشاهَدٌ اليوم لدى كثيرٍ مِن المختلفين مِن المسلمين، للأسف، وأمثلته تتكرر على الناس.
[ ١٤٣ ]
الثالث: اتّباع الظن وما تهوى النفس، حتى يصير كثير منهم متديِّنًا باتّباع الأهواء في هذه الأمور المشروعة، وحتى يصير في كثير من المتفقهة والمتعبدة من الأهواء من جنس ما في أهل الأهواء الخارجين عن أهل السنّة والجماعة، كالخوارج والروافض والمعتزلة ونحوهم.
وقد قال تعالى في كتابه: ﴿وَلاَ تَتَّبِع الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِين يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ ١.
وقال في كتابه: ﴿وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ ٢.
الرابع: التفرّق والاختلاف المخالف للاجتماع والائتلاف، حتى يصير بعضهم يبغض بعضًا ويعاديه، ويحب بعضًا ويواليه على غير ذات الله، وحتى يفضي الأمر ببعضهم إلى الطعن واللعن والهمز واللمز، وببعضهم إلى الاقتتال بالأيدي والسلاح، وببعضهم إلى المهاجرة والمقاطعة حتى لا يصلي بعضهم خلف بعض٣.
وهذا كله من أعظم الأمور التي حرّمها الله ورسوله.
وكثير من هؤلاء يصير من أهل البدعة بخروجه عن السنّة التي شرعها
_________________
(١) ١ ٢٦: سورة ص: ٣٨. ٢ ٧٧: المائدة: ٥. ٣ وهذا أمرٌ مشاهدٌ في الناس اليوم يَشهد بصدْق ما قاله هذا الإمام الموفَّق، رحمه الله تعالى.
[ ١٤٤ ]
رسول الله ﷺ لأمته، ومِنْ أهل الفُرْقة بالفُرْقة المخالفة للجماعة التي أمر الله بها رسوله، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُم وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ في شَيءٍ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ٢.
وقال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَة، وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَوةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ ٤.
وقال تعالى: ﴿وَآتَيناهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ ٥.
وقال تعالى: ﴿فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم يَومَ الْقِيَامَة﴾ ٦.
_________________
(١) ١ ١٥٩: الأنعام: ٦. ٢ ٢١٣: البقرة: ٢. ٣ ٤،٥: البينة: ٩٨. ٤ ١٩: آل عمران: ٣. ٥ ١٧: الجاثية: ٤٥. ٦ ٩٣: يونس: ١٠.
[ ١٤٥ ]
النوع الخامس: هو شكُّ كثير من الناس وطعْنهم في كثير مما أهلُ السنّة والجماعة عليه متفقون، بل وفي بعض ما عليه أهل الإسلام، بل وبعض ما عليه سائر أهل الملل متفقون، وذلك:
- من جهة نقلهم وروايتهم تارة.
- ومن جهة تنازعهم ورأيهم أخرى.
أما الذي مِن جهة النقل والرواية: فقد عُلِم أن الله حفظ هذا الدين، كما قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظَون﴾ ١؛ فحفظ الله الذكر الذي أنزله على رسوله.
وأَمرَ أزواجَ نبيه بذكْره، أي بأن يَذكرنَهُ، حيث يقول: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَة﴾ ٢. وحَفِظه من أن يقع فيه من التحريف ما وقع فيما أَنزل قبله.
كما عصم هذه الأمة أن تجتمع على ضلالة.
فعصم حروف التنزيل أن تُغَيَّر.
وحفظ تأويله أن يَضِلّ فيه أهل الهدى المتمسكون بالسنّة والجماعة.
وحفظ أيضًا سنّة رسول الله ﷺ عما ليس فيها، من الكذب عمدًا أو خطأ، بما أقامه من علماء أهل الحديث وحفّاظه الذين فحصوا عنها وعن
_________________
(١) ١ ٩: الحجر: ١٥. ٢ ٣٤: الأحزاب: ٣٣.
[ ١٤٦ ]
نَقَلَتِها ورواتها، وعلموا من ذلك ما لا يعلم غيرهم، حتى صاروا مجتمعين على ما تلقوه بالقبول منها إجماعًا معصومًا من الخطأ، لأسباب يطول وصفها في هذا الموضع، وعلموا، هم خصوصًا، وسائر علماء الأمة، بل وعامتها، عمومًا ما صانوا به الدّين عن أن يزاد فيه أو ينقص منه مثلما علموا أنه لم يفرض عليهم في اليوم والليلة إلا الصلوات الخمس، وأن مقادير ركعاتها ما بين الثنائي، والثلاثي، والرباعي، وأنه لم يفرض عليهم من الصوم إلا شهر رمضان، ومن الحج إلا حج البيت العتيق، ومن الزكاة إلا فرائضها المعروفة، إلى نحو ذلك.
وعلموا كَذِبَ أهل الجهل والضلالة فيما قد يأثرونه عن النبي ﷺ لعلْمهم بكذب من يَنْقل عنه نقلًا واضح الكذب؛ إمّا لمعارضته للأمر المنقول الصحيح عنه ﷺ، أو لكونه مما تتوافر الدواعي لتواتر نقْله عنه، لو كان صحيحًا١.
_________________
(١) ١ هنا ذَكَر شيخ الإسلام ابن تيمية أمثلةً مِن المنقولات المكذوبة على الرسول ﷺ، التي عَلِم كَذِبَها أئمة الحديث، فقال: - زعْم الرافضة أن النبي ﷺ نصّ على عليّ بالخلافة نصًا قاطعًا جليًا. - وزعْم آخرين أنه نص على العباس. - أكاذيب الرافضة والناصبة التي يأثرونها، مثل: - الغزوات التي يروونها عن عليّ وليس لها حقيقة، كما يرويها المُكِدُّون الطرقية مثل: أكاذيبهم الزائدة في سيرة عنترة والبطال، حيث علموا مجموع مغازي رسول الله ﷺ، وأن القتال فيها كان في تسعِ مغازٍ فقط، ولم يكن عِدّةُ المسلمين، ولا العدوّ، في شيء من مغازي القتال عشرين ألفًا. - ومثل الفضائل المرويّة ليزيد بن معاوية ونحوه. - والأحاديث التي يرويها كثير من الكرّامية في الإرجاء ونحوه.=والأحاديث التي يرويها كثير من النسّاك في صلوات أيام الأسبوع، وفي صلوات أيام الأشهر الثلاثة. - والأحاديث التي يروونها في استماع النبي ﷺ هو وأصحابه وتواجده، وسقوط البردة عن ردائه، وتمزيقه الثوب، وأخذ جبريل لبعضه وصعوده به إلى السماء. - وقتال أهل الصُفّة مع الكفار. - واستماعهم لمناجاته ليلة الإسراء. - والأحاديث المأثورة في نزول الرب إلى الأرض يوم عرفة وصبيحة مزدلفة، ورؤية النبي ﷺ له في الأرض بعين رأسه. - وأمثال هذه الأحايث المكذوبة التي يطول وصفها. فإن المكذوب من ذلك لا يحصيه أحد إلاّ الله تعالى؛ لأن الكذب يحدث شيئًا فشيئًا، ليس بمنزلة الصدق الموروث عن النبي ﷺ الذي لا يحدث بعده، وإنما يكون موجودًا في زمنه ﷺ، وهو محفوظ محروس بنقل خلفاء الرسول وورثة الأنبياء.
[ ١٤٧ ]
طريق العصمة مِن الفُرقة هو: الاعتصام بالأصلين: السنّة والجماعة
مدخل
طريق العصمة مِن الفُرقة هو: الاعتصام بالأصلين: السنّة والجماعة:
إذا تَبَيّنَ بعضُ ما حصل في هذا الاختلاف والتفرق من الفساد، فنحن نذكر طريق زوال ذلك، ونذكر ما هو الواجب في الدين في هذه المنازعات.
وذلك ببيان الأصلين اللذين هما: السنّة والجماعة. المدلول عليهما بكتاب الله فإنه إذا اتُّبِعَ كتاب الله، وما تضمنه من اتّباع رسوله، والاعتصام بحبله جميعًا، حصل الهدى والفلاح وزال الضلال والشقاء.
[ ١٤٨ ]
الأصل الأوّل: الاعتصام بالجماعة:
أمّا الأصل الأول وهو الجماعة -وبدأنا به لأنه أعرف عند عموم الخلق؛ ولهذا يجب عليهم تقديم الإجماع على ما يظنونه من معاني الكتاب والسنّة- فنقول:
[ ١٤٨ ]
يتبيَّنُ هذا الأصل بتطبيق القواعد التالية:
- القاعدة الأُولى: غالبُ الخلاف إنما هو في أمور مستحبة ومكروهة:
عامة هذه التنازعات إنما هي في أمور مستحبات ومكروهات، لا في واجبات ومحرمات. فهذه قاعدة بها يتوصّل الباحث عن طريق النجاة في هذا الأمر إلى فهْم حقيقة الخلاف الوارد عن الأئمة في أبواب الفقه.
أمثلةٌ لتطبيق هذه القاعدة:
المثال الأول:
الرجل إذا حج متمتعًا أو مفردًا أو قارنًا كان حجه مُجْزئًا عند عامة علماء المسلمين. وإن تنازعوا في الأفضل من ذلك١.
المثال الثاني:
الأذان، سواء رجّع فيه أو لم يرجّع، فإنه أذان صحيح عند جميع سلف الأمة وعامة خلفها، وسواء ربّع التكبير في أوله أو ثنّاه، وإنما يُخالِف في ذلك بعض شواذ المتفقهة، كما خالف فيه بعض الشيعة فأوجب له الحيعلة بـ:"حي على خير العمل".
المثال الثالث:
الإقامة يصح فيها الإفراد والتثنية، بأيتها أقام صحت إقامته عند عامة
_________________
(١) ١ ولكن بعض الخارجين عن الجماعة يوجب، أو يمنع، ذلك، فمن الشيعة من يوجب المتعة، أي التمتع في الحج، ويحرِّم ما عداها، ومن الناصبة من يحرّم المتعة ولا يبيحها بحال..
[ ١٤٩ ]
علماء الإسلام، إلا ما تنازع فيه شذوذ الناس.
المثال الرابع:
الجهر بالبسملة والمخافتة كلاهما جائز، لا يبطل الصلاة، وإن كان من العلماء من يستحب أحدهما، أو يكره الآخر، أو يختار أن لا يقرأ بها.
فالمنازعة بينهم في المستحب، وإلا فالصلاة بأحدهما جائزة عند عامة العلماء، فإنهم وإن تنازعوا بالجهر والمخافتة في موضعهما: هل هما واجبان أم لا؟ وفيه نزاع معروف في مذهب مالك وأحمد وغيرهما، فهذا في الجهر الطويل بالقدر الكثير، مثل المخافتة بقرآن الفجر والجهر بقراءة صلاة الظهر.
فأما الجهر بالشيء اليسير أو المخافتة به فمما لا ينبغي لأحد أن يبطل الصلاة بذلك، وما أعلم أحدًا قال به، فقد ثبت في الصحيحين١ عن النبي ﷺ أنه كان في صلاة المخافتة يُسمعهم الآية أحيانًا٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في: ١٠-الأذان، ٩٧-باب القراءة في العصر، عن أبي قتادة الفتح: ٢/٢٤٦ وأخرجه في مواضع أُخر. ومسلم في ٤-الصلاة ح١٥٥ ١/٣٣٣. ٢ ذَكَر الإمام ابن تيمية هنا أدلةً أخرى على هذا الأمر، فقال: وفي صحيح البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي قال: كنا نصلي وراء النبي ﷺ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده. قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه. فلما انصرف قال: "من المتكلم؟ ". قال: أنا. قال: "رأيتُ بضعة وثلاثين مَلَكًا يبتدرونها أيهم يكتبها أولُ". ومعلومٌ أنه لولا جهره بها لما سمعه النبي ﷺ، ولا الراوي، ومعلومٌ أن المستحب للمأموم المخافتة بمثل ذلك. البخاري في: ١٠-الأذان، باب رقم ١٢٦ الفتح: ٢/٢٨٤. وكذلك ثبت في الصحيح: عن عمر أنه كان يجهر بدعاء الاستفتاح: "سبحانك اللهم = وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك"، وهذا فعله بين المهاجرين والأنصار، والسنّة الراتبة فيه: المخافتة. صحيح الإمام مسلم: ٤-كتاب الصلاة، ١٣-باب حجة من قال: لا يجهر بالبسملة، ح٥٢. وكذلك كان من الصحابة من يجهر بالاستعاذة. وفي الصحيح عن ابن عباس أنه جهر بقراءة الفاتحة على الجنازة، وقال: لتعلموا أنها السنّة. ولهذا نظائر. البخاري: ٢٣-الجنائز، ٦٥-باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة، "الفتح: ٣/٢٠٣".
[ ١٥٠ ]
وأيضًا فلا نزاع أنه كان من الصحابة من يجهر بالبسملة كابن الزبير ونحوه، ومنهم من لم يكن يجهر بها كابن مسعود وغيره، وتكلم الصحابة في ذلك ولم يُبطِل أحدٌ منهم صلاةَ أحدٍ في ذلك، وهذا مما لم أعلم فيه نزاعًا، وإن تنازعوا في وجوب قراءتها، فتلك مسألة أخرى.
المثال الخامس:
القنوت في الفجر، إنما النزاع بينهم في استحبابه، أو كراهيته وسجودِ السهو لتركه، أو فعله، وإلا فعامتهم متفقون على صحة صلاة مَنْ ترك القنوت، وأنه ليس بواجب، وكذلك مَنْ فَعلَه إذْ هو تطويل يسير للاعتدال ودعاء الله في هذا الموضع، ولو فعل ذلك في غير الفجر لم تبطل صلاته باتفاق العلماء فيما أعلم.
المثال السادس:
القنوت في الوتر هل هو في جميع الحول أو النصف الآخر من رمضان؟ إنما هو في الاستحباب، إذ لا نزاع أنه لا يجب القنوت، ولا تبطل الصلاة به،
[ ١٥١ ]
وكذلك كونه قبل الركوع أو بعده.
المثال السابع:
تكبيرات العيد الزوائد، إنما النزاع في المستحب منها، وإلاّ فلا نزاع في أنه يجزئ ذلك كله.
المثال الثامن:
أنواع الألفاظ في التشهد كلها جائز، ما أعلم في ذلك خلافًا، إلاّ خلافًا شاذًّا، وإنما النزاع في المستحب.
المثال التاسع:
أنواع الاستفتاح في الصلاة. وأصل الاستفتاح، إنما النزاع في استحبابه، وفي أي الأنواع أفضل، والخلاف في وجوبه خلافٌ قليلٌ.
- القاعدة الثانية: إذا كان خلافهم إنما هو في الاستحباب عُلِم اجتماعهم على الجواز:
وإذا كان النزاع إنما هو في الاستحباب عُلِم الاجتماع على جواز ذلك وإجزائه، ويكون ذلك بمنزلة القراءات في القرآن، فإن جميعها جائز، وإن كان من الناس من يختار بعض القراءات على بعض.
وبهذا يزول الفساد المتقدم فإنه إذا عُلِم أن ذلك جميعه جائز مجزئ في العبادة، لم يكن النزاع في الاختيار ضارًا، بل قد يكون النوعان سواء، وإن رجح بعض الناس بعضها.
[ ١٥٢ ]
ولو كان أحدهما أفضل لم يجز أن يُظْلم مَنْ يختار المفضول، ولا يُذَمّ، ولا يُعاب، بإجماع المسلمين. بل المجتهد المخطئ لا يجوز ذمه بإجماع المسلمين.
- القاعدة الثالثة: لا يجوز أن يُعْطَى الحُكم الفرعيّ فوق حقه، ولا أن يُنْقَصَ عنه:
ولا يجوز التفرّق بذلك بين الأمة.
ولا أن يُعطى المستحب فوق حقه، فإنه قد يكون مَنْ أتى بغير ذلك المستحب من أمورٍ أخرى واجبة ومستحبة أفضلَ بكثير.
ولا يجوز أن تُجعل المستحبات بمنزلة الواجبات، بحيث يمتنع الرجل مِنْ تركها، وَيَرى أنه قد خرج من دينه، أو عصى الله ورسوله، بل قد يكون تَرْك المستحبات لمعارضٍ راجح أفضلَ من فعلها، بل الواجبات كذلك.
- القاعدة الرابعة: مراعاة ائتلاف القلوب يُقَدَّم على بعض المستحبات:
ومعلوم أن ائتلاف قلوب الأمة أعظم في الدين من بعض هذه المستحبات، فلو تركها المرء لائتلاف القلوب كان ذلك حسنًا، وذلك أفضل إذا كان مصلحة ائتلاف القلوب دون مصلحة ذلك المستحب.
وقد أخرجا في الصحيحين١ عن عائشة أن النبي ﷺ قال لها: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، لنقضت الكعبة، ولألصقتها بالأرض، ولجعلت
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في: ٣-العلم، ٤٨-باب من ترك بعض الاختيار مخافةَ أن يَقْصُرَ فهم بعض الناس عنه فيقعوا في أشد منه الفتح: ١/٢٢٤. ومسلم في: ١٥-الحج، ح:٣٩٨، فما بعده ٢/٩٦٨-٩٧٢.
[ ١٥٣ ]
لها بابًا يدخل الناس منه وبابًا يخرجون منه". وقد احتج بهذا الحديث البخاري وغيره على أن الإمام قد يَتْرك بعض الأمور المختارة لأجل تأليف القلوب ودفعًا لنفرتها. ولهذا نصّ الإمام أحمد على أنه يجهر بالبسملة عند المعارض الراجح، فقال: يجهر بها إذا كان بالمدينة. قال القاضي لأن أهلها إذْ ذاك كانوا يجهرون فيجهر بها للتأليف وليعْلِمَهم أنه يُقرأ بها، وقال غيره: بل لأنهم كانوا لا يقرءونها بحال فيجهر بها ليعْلِمَهم أنه يُقْرأ بها، وأن قراءتها سنّة، كما جهر ابن عباس بقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة.
فهذا أصل عظيم ينبغي مراعاته، وبهذا يزول الشك والطعن، فإن الاتفاق إذا حصل على جواز الجميع وإجزائه عُلِم أنه داخل في المشروع، فالتنازع في الرجحان لا يضر، كالتنازع في رجحان بعض القراءات، وبعض العبادات، وبعض العلماء ونحو ذلك، بل قد أمر النبي ﷺ كُلًاّ من القرّاء أن يقرأ كما يعلم، ونهاهم عن الاختلاف في ذلك، فمَنْ خالف في ذلك كان ممن ذمّه الله ورسوله، فأما أهل الجماعة فلا يختلفون في ذلك.
[ ١٥٤ ]
الأصل الثاني: الاعتصام بالسنّة:
وأما الأصل الثاني: فنقول: السنّة المحفوظة عن النبي ﷺ فيها من السعة والخير ما يزول به الحرج، وإنما وقعت الشبهة لإشكال بعض ذلك على بعض الناس.
[ ١٥٤ ]
أمثلة على تطبيقات هذا الأصل:
المثال الأول:
الأذان فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي ﷺ سنّ في الإقامة الإيتار والشفع، ففي الصحيحين١: أنه أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. وفي صحيح مسلم٢: أنه علّم أبا محذورة الإقامة مثنى مثنى، مثل الأذان، فإذا كان كل واحد من مؤذني رسول الله ﷺ قد أمره النبي ﷺ بأحد النوعين، صار ذلك مثل تعليمه القرآن لعمر بحرف ولهشام بن حكيم بحرف آخر، وكلاهما قرآن أَذِنَ الله أن يُقْرأ به.
وكذلك الترجيع في الأذان هو ثابت في أذان أبي محذورة، وهو محذوف من أذان بلال الذي رووه في السنن.
المثال الثاني:
الجهر بالبسملة والمخافتة بها، صح الجهر بها عن طائفة من الصحابة وصحت المخافتة بها عن أكثرهم، وعن بعضهم الأمران جميعًا.
وأما المأثور عن النبي ﷺ فالذي في الصحاح والسنن يقتضي أنه لم يكن يجهرُ بها، كما عليه عمل أكثر الصحابة وأمته.
_________________
(١) ١ البخاري: ١٠-الأذان، ٢-باب الأذان مثنى مثنى الفتح: ٣/٨٢، ومسلم: ٤-الصلاة، ح:٢-٥ ١/٢٨٦. ٢ يُنْظر الحديث في ذلك عند مسلم: ٤-الصلاة، ح:٦ ١/٢٨٧.
[ ١٥٥ ]
ففي الصحيح١ حديث أنس وعائشة وأبي هريرة يدل على ذلك دلالة بيّنة لا شبهة فيها.
وفي السنن أحاديث أُخَرُ مثل حديث ابن مغفَّل وغيره.
وليس في الصحاح والسنن حديثٌ فيه ذكْرُ جهْرِهِ بها.
والأحاديث المصرِّحة بالجهر عنه كلها ضعيفة عند أهل العلم بالحديث، ولهذا لم يخرِّجوا في أمهات الدواوين منها شيئًا.
ولكن في الصحاح والسنن أحاديث محتملة، وقد روى الطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس، أن النبي ﷺ كان يجهر بها إذ كان بمكة، وأنه لما هاجر إلى المدينة ترك الجهر بها حتى مات، ورواه أبو داود في الناسخ والمنسوخ، وهذا يناسب الواقع، فإن الغالب على أهل مكة كان الجهرَ بها، وأما أهل المدينة والشام والكوفة فلم يكونوا يجهرون بها، وكذلك أكثر البصريين، وبعضهم كان يجهر بها، ولهذا سألوا أنسًا عن ذلك.
ولعلّ النبي ﷺ كان يجهر بها بعض الأحيان أو جهرًا خفيفًا، إذا كان ذلك محفوظًا، وإذا كان في كتب الحديث نفسها أنه فعل هذا مرة وهذا مرة زالت الشبهة.
_________________
(١) ١ يُنْظر: البخاري: ١٠-الأذان، ٨٩-باب ما يقول بعد التكبير، الفتح: ٢/٢٢٦، ومسلم: ٤- الصلاة، ح:٥٠-٥٢ ١/٢٩٩.
[ ١٥٦ ]
المثال الثالث:
القنوت، وأمْره بيّنٌ لا شبهة فيه عند التأمل التام.
فإنه قد ثبت في الصحاح١ عن النبي ﷺ أنه قنت في الفجر مرة يدعو على رُعَل وذَكْوان وعُصَيّة ثم تركه، ولم يكن ترْكه نسخًا له، لأنه ثبت عنه في الصحاح أنه قنت بعد ذلك يدعو للمسلمين: مثل الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام والمستضعفين من المؤمنين، ويدعو على مضر٢. وثبت عنه أنه قنت أيضًا في المغرب والعشاء، وسائر الصلوات، قنوت استنصار.
فهذا في الجملة منقول ثابت عنه، لكن اعتقد بعض العلماء من الكوفيين أنه تَرَكَه تَرْكَ نسخٍ، فاعتقد أن القنوت منسوخ، واعتقد بعضهم من المكيين أنه مازال يقنت في الفجر القنوت المتنازع فيه حتى فارق الدنيا.
والذي عليه أهل المعرفة بالحديث أنه قَنَتَ لسبب، وَتَرَكَه لزوال السبب، فالقنوت من السنن العوارض لا الرواتب، لأنه ثبت أنه تركه لَمّا زال العارض، وثبت في الصحاح أنه لم يقنت بعد الركوع إلا شهرًا، هكذا ثبت عن أنس وغيره، ولم ينقل أحد قط عنه أنه قنت القنوت المتنازع فيه -وهو القنوت الدائم في الصبح- لا قبل الركوع ولا بعده، ولا في كتب الصحاح والسنن شيء من ذلك، بل قد أنكر ذلك الصحابة كابن عمر وأبي مالك
_________________
(١) ١ يُنْظر صحيح البخاري: ١٤-الوتر، ٧- باب القنوت قبل الركوع وبعده الفتح: ٢/٤٨٩. ٢ البخاري: ١٥-الاستسقاء، ٢-باب دعاء النبي ﷺ: "اجْعلها عليهم سنين كسِنِيِّ يوسف" الفتح: ٢/٤٩٢.
[ ١٥٧ ]
الأشجعي وغيرهما.
ومن المعلوم قطعًا أن الرسول ﷺ لو كان كل يوم يقنت قنوتًا يجهر به لكان له فيه دعاء ينقله بعض الصحابة؛ فإنهم نقلوا ما كان يقوله في القنوت العارض، وقنوت الوتر؛ فالقنوت الراتب أولى أن يُنْقل دعاؤه فيه، فإذا كان الذي يستحبه إنما يدعو فيه لقنوت الوتر، عُلِم أنه ليس فيه شيء عن النبي ﷺ.
وهذا مما يُعْلم باليقين القطعي كما يُعْلم عدم النص على هذا وأمثاله، فإنه من الممتنع أن يكون الصحابة كلهم أهملوا نَقْلَ ذلك، فإنه مما يُعْلم بطلانه قطعًا.
ولذلك المأثور عن الصحابة مثل عمر وعليّ وغيرهما هو القنوت العارض، قنوت النوازل، ودعاء عمر فيه، وهو قوله: اللهم عذّب كفرة أهل الكتاب إلخ، يقتضي أنه دعا به عند قتاله للنصارى، وكذلك دعاء عليّ عند قتاله لبعض أهل القبلة، والحديث الذي فيه عن أنس أنه لم يَزَلْ يَقْنُت حتى فارق الدنيا مع ضعف في إسناده، وأنه ليس في السنن إنما فيه القنوت قبل الركوع.
وفي الصحاح عن أنس أنه قال: لم يقنت رسول الله ﷺ بعد الركوع إلا شهرًا.
والقنوت قبل الركوع هو القيام الطويل، إذْ لفظ القنوت معناه دوام الطاعة، فتارة يكون في السجود، وتارة يكون في القيام.
[ ١٥٨ ]
المثال الرابع:
كيفيّة حجّة الوداع، فإنها وإن اشتبهت على كثير من الناس، فإنما أُتوا من جهة الألفاظ المشتركة، حيث سمعوا بعض الصحابة يقول: إنه تمتع بالعمرة إلى الحج وهؤلاء أيضًا يقولون: إنه أفرد الحج، ويقول بعضهم: إنه قرن العمرة إلى الحج. ولا خلاف في ذلك؛ فإنهم لم يختلفوا أن النبي ﷺ لم يحل من إحرامه، وأنه كان قد ساق الهدي، ونحره يوم النحر، وأنه لم يعتمر بعد الحجة في ذلك العام، لا هو ولا أحد من أصحابه، إلا عائشة أمر أخاها أن يُعْمِرها من التنعيم أدنى الحِلّ.
وكذلك الأحاديث الصحيحة عنه، فيها أنه لم يَطُفْ بالصفا والمروة إلا مرة واحدة مع طوافه الأول.
فالذين نقلوا أنه أفرد الحج صدقوا لأنه أفرد أعمال الحج، لم يَقْرِن بها عمل العمرة كما يَتَوهم مَنْ يقول: إن القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين، ولم يتمتع تمتعًا حَلّ به من إحرامه كما يفعله المتمتع الذي لم يسق الهدي، بل قد أمر جميع أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يحلوا من إحرامهم ويجعلوها عمرة، ويُهِلوا بالحج بعد قضاء عمرتهم".
[ ١٥٩ ]
ما يجوز فيه الخلاف وما لا يجوز:
يختلف الخلاف بحسب المسائل التي فيها الخلاف:
أ- فالأصول الثابتة بالكتاب والسنّة والإجماع هي بمنزلة الدين المشترك بين الأنبياء ليس لأحد خروج عنها، ومن دخل فيها كان من أهل الإسلام
[ ١٥٩ ]
المحض، وهم أهل السنّة والجماعة.
ب- وما تنوّعوا فيه من الأعمال والأقوال المشروعة، فهو بمنزلة ما تنوّعت فيه الأنبياء.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُم مِنَ اللهِ نُوْرٌ وَكِتَابٌ مُبينٌ، يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ ٢.
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ ٣.
_________________
(١) ١ ٦٩: العنكبوت: ٢٩. ٢ ١٥،١٦: المائدة: ٥. ٣ ٢٠٨: البقرة: ٢.
[ ١٦٠ ]
اختلاف التنوُّع في الأعمال المشروعة:
والتنوع قد يكون في الوجوب تارة، وفي الاستحباب أخرى.
أمثلةُ التنوُّع في الواجبات:
فتنوُّعهم في الواجبات مثل: وجوب الجهاد على قومٍ، وعلى قومٍ الزكاة، وعلى قومٍ تعليم العلم. وهذا يقع في فروض الأعيان، وفي فروض الكفايات.
أمثلةٌ لاختلاف التنوّع في فروض الأعيان:
ومِن ذلك:
- ما يجب على كل رجل إقامة الجماعة، والجمعة، في مكانه مع أهل بقعته.
[ ١٦٠ ]
- ويجب عليه زكاة نوعِ ماله، بصرفه إلى مستحقه لجيران ماله.
- ويجب عليه استقبال الكعبة من ناحيته.
- والحج إلى بيت الله من طريقه.
- ويجب عليه بِرُّ والديه، وصِلَته ذوي رحمه.
- والإحسان إلى جيرانه، وأصحابه، وممالكيه، ورعيته.
- ونحو ذلك من الأمور التي تتنوع فيها أعيان الوجوب، وإن اشتركت الأمة في جنس الوجوب.
وتارة تتنوّع بالقُدْرة والعجز: كتنوّع صلاة المقيم والمسافر، والصحيح والمريض، والآمن والخائف.
أمثلةٌ لاختلاف التنوّع في فروض الكفايات:
وفروض الكفايات تتنوّع بتنوّع فروض الأعيان، ولها تنوّع يخصّها وهو أنها تتعيّن على من لم يَقُمْ بها غيرُهُ، فقد تتعين في وقتٍ ومكانٍ، وعلى شخص، أو طائفة، وفي وقت آخر، أو مكان آخر، على شخص آخر، أو طائفة أخرى، كما يقع مثل ذلك في الولايات، والجهاد، والفتيا، والقضاء، وغير ذلك.
وأما اختلاف التنوّع في الاستحباب فهو أبلغ، فإن كل تنوّع يقع في الوجوب، فإنه يقع مثله في المستحب، ويزداد المستحب بأنّ كل شخص إنما يُستحب له من الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى- التي يقول الله فيها: "وما
[ ١٦١ ]
يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه" ١- ما يَقْدر عليه، ويفعله وينتفع به، والأفضل له من الأعمال ما كان أنفع له، وهذا يتنّوع تنوّعًا عظيمًا.
فأكثر الخلق يكون المستحب لهم ما ليس هو الأفضل مطلقًا، إذ أكثرهم لا يقدرون على الأفضل، ولا يصبرون عليه إذا قدروا عليه، وقد لا ينتفعون به بل قد يتضررون إذا طلبوه، مثل:
- من لا يمكنه فهم العلم الدقيق، إذا طلب ذلك فإنه قد يُفْسد عقله ودينه.
- أو من لا يمكنه الصبر على مرارة الفقر.
- أو لا يمكنه الصبر على حلاوة الغنى.
- أو لا يقدر على دفع فتنة الولاية عن نفسه، والصبر على حقوقها.
ولهذا قال النبي ﷺ فيما يروي عن ربه ﷿: "إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك" ٢.
_________________
(١) ١ البخاري: ٨١-الرقائق، ٣٨-باب التواضع الفتح: ١١/٣٤٠. ٢ " إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر " هذا جزء مِن حديثٍ ذكره في "كنز العمال " في حديث طويل في: ١/٢٣٠-٢٣١، حديث رقم ١١٦٠، وعزاه إلى: "ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء، والحكيم، وابن مردويه، ، وابن عساكر، عن أنس". وذكره بنحو معناه في حديثٍ طويل أيضًا في: ١/٢٣٢، برقم ١١٦١، وفيه: "وربما سألني ولِيِّي المؤمن الغنى فأصرفه إلى الفقر، ولو صرفته إلى الغنى لكان شرًا له "، وعزاه إلى الطبراني عن ابن عباس. وفي "مجمع الزوائد: ١٠/٢٨٥، عن رافع ابن خديج قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا، كما يَظَلُّ أحدُكم يحمي سقيمَهُ الماءَ" وقال: رواه الطبراني، وإسناده حسن، ثم ذكره بلفظ آخر بنحوه عن عقبة بن رافع، وقال: رواه أبو يعلى، وإسناده حسن. وفي المسند: ٥/٤٢٧: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا أبو سعيد، حدثنا سليمان، عن عمرو أبي عمرو، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله ﷿ ليحمي عبده المؤمن من الدنيا، وهو يحبه، كما تحمون مريضكم من الطعام والشراب تخافونه عليه "، وساقه في المسند بسند آخر في: ٥/٤٢٨.
[ ١٦٢ ]
وقال النبي ﷺ لأبي ذر لَمّا سأله الإمارة: "يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمّرنّ على اثنين ولا تَوَلّين مال يتيم" ١.
وروي عنه أنه قال للعباس عمه: "نفس تنجيها خير من إمارة لا تحصيها" ٢.
_________________
(١) ١مسلم: ٣٣-إمارة ح:١٧. ٢ المصنّف، لابن أبي شيبة: ١٣/٢٩٦، الطبعة الهندية.
[ ١٦٣ ]
المفاضلة بين الأعمال:
ولهذا إذا قلنا: هذا العمل أفضل، فهذا قول مُطْلَقٌ، ثم المفضول يكون أفضل في مكانه، ويكون أفضل لمن لا يَصْلح له الأفضل ٣. وهذه قاعدة عامّة ينبغي أن تحكَّمَ في باب المفاضلة بين الأعمال.
أمثلة على قاعدة المفاضلة هذه:
مِن الأمثلة على هذه القاعدة ما يلي:
أ- المفاضلة بين الذكْر وقراءة القرآن:
_________________
(١) ٣ يُنْظر كلامٌ نفيسٌ للإمام ابن تيمية ﵀، في المفاضلة بين الأعمال، في مجموع الفتاوى: ١١/٣٩٩-٤٠٠، ٦٦٠.
[ ١٦٣ ]
فقراءة القرآن أفضل من الذّكْر، بالنص والإجماع والاعتبار.
أما دلالة النص على أنه أفضل فقوله ﷺ: "أفضل الكلام بعد القرآن أربع "وهي من القرآن" سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" ١.
وقوله ﷺ: "فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه" ٢.
وقوله عن الله: "مَنْ شغله قراءة القرآن عن ذِكْري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين" ٣.
وقوله: "ما تَقَرَّب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه" ٤.
وقول الأعرابي له: إني لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن فعلمني ما يجزيني في صلاتي فقال: "قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر" ٥.
_________________
(١) ١ البخاري: ٨٣-الأيمان والنذور، باب رقم ١٩ الفتح: ١١/٥٦٦. ٢ أخرجه الترمذي -بلفظ جمع بين هذه العبارة والعبارة الآتية، في: ٤٦-فضائل القرآن، باب رقم ٢٤، ح٢٩٢٦، وقال: هذا حديث حسن غريب. والدارمي في: فضائل القرآن، حديث: ٣٣٥٦، و٣٣٥٧. وقد عَقَد الإمام البخاري في صحيحه بابًا بعنوان: فضل القرآن على سائر الكلام، ورقمُهُ: ١٧، مِن ٦٦-كتاب فضائل القرآن. ويُنظر تخريج ابن حجر له في الفتح: ٩/٦٦، وخلاصة القول أن كلَّ طُرقه لا تخلو مِن مقالٍ، ونَقَل عن البخاري أنه أشار في "خَلْق أفعال العباد" إلى أنه لا يصح مرفوعًا، وإنما هو مِن قول أبي عبد الرحمن السُّلَمِي". ٣ هذا جزء من الحديث السابق عند الترمذي برقم: ٢٩٢٦، وعند الدارمي برقم: ٣٣٥٦. ٤ أخرجه أحمد في المسند: ٥/٢٦٨، والترمذي في "فضائل القرآن"، باب رقم ١٧ ٥/١٧٦، ويُنْظر ما قاله في سنده. ٥ أخرجه أحمد في المسند: ٤/٣٥٣و٣٥٦، والنسائي في سننه: ١١-الافتتاح، باب رقم ٣٢: = "ما يجزئ من القراءة لمن لا يحسن القرآن" ٢/١١٠ ط. البابي الحلبي.
[ ١٦٤ ]
وأما دلالة الإجماع على أنّ قراءة القرآن أفضل مِن الذكْر، فقد حكاه طائفة، ولا عبرة بخلاف جهال المتعبّدة.
وأما دلالة الاعتبار على أنّ قراءة القرآن أفضل مِن الذكْر: فإن الصلاة يجب فيها القراءة، فإنْ عجز عنها انتقل إلى الذكر، ولا يجزيه الذِّكرُ مع القدرة على القراءة، والمبدَل منه أفضلُ من البدل الذي لا يجوز إلا عند العجز عن المبدَّل.
وأيضًا فالقراءة يشترط لها الطهارة الكبرى، كما يشترط للصلاة الطهارتان، والذِّكْر لا يشترط له الكبرى ولا الصغرى؛ فعُلِم أن أعلى أنواع ذكر الله هو الصلاة، ثم القراءة، ثم الذِّكْر المطْلَق، ثم الذِّكر في الركوعِ والسجودِ أفضل بالنص والإجماع من قراءة القرآن.
وكذلك كثير من العُبّاد١ قد يَنْتفع بالذكر في الابتداء ما لا يَنْتفع بالقراءة؛ إذ الذكر يعطيه إيمانًا، والقرآن يُعْطيه العلم، وقد لا يفهمه، ويكون إلى الإيمان أحوج منه، لكونه في الابتداء. والقرآن مع الفهم لأهل الإيمان أفضل بالاتفاق.
فهذا وأمثاله يُشْبه تنوع شرائع الأنبياء فإنهم متفقون على أن الله أمر كلًا
_________________
(١) ١ في المطبوع "العبادات"، والصواب ما أثبتُّ، وقد نبّهني، مشكورًا، إلى هذا أخي وشقيقي: د. عطا الله.
[ ١٦٥ ]
منهم بالدين الجامع وإن تَعَبّدَهُ١ بتلك الشِّرْعة والمنهاج، كما أن الأمة الإسلامية متفقة على أن الله أمر كلَّ مسلم من شريعة القرآن بما هو مأمور به، إما إيجابًا وإما استحبابًا، وإن تنوعت الأفعال في حق أصناف الأمة فلم يختلف اعتقادهم ولا معبودهم، ولا أخطأ أحد منهم، بل كلهم متفقون على ذلك يُصدِّق بعضهم بعضًا.
الاختلاف الذي أُقرِّوا عليه وساغ لهم العمل به:
وأما ما يشبه اختلاف التنوّع السابق ذكْره من وجه دون وجه٢، فهو ما تنازعوا فيه مما أُقِرُّوا عليه، وساغ لهم العمل به من اجتهاد العلماء والمشايخ والأمراء والملوك-فلم تُفرِّق بينهم تلك الخلافات-:
١- كاجتهاد الصحابة في قطع النية وتركها.
٢- واجتهادهم في صلاة العصر لَمَّا بعثهم النبي ﷺ إلى بني قريظة، وأمرهم أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة فصلى قوم في الطريق في الوقت، وقالوا: إنما أراد التعجل لا تفويت الصلاة، وأَخّرها قوم إلى أن وصلوا
_________________
(١) ١ في المطبوع: "وأن نعبده" والصواب ما أثبتّه، وقد نبّهني إلى هذا أخٌ يَعمل عضوًا في هيئة التدريس بجامعة العين، وقد غاب عنّي اسمه الذي كنت أحتفظ به مع رسالته. ٢ هذا هو النوع الثاني من الاختلاف، وذلك لأن الخلاف يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أنواع: الأول: هو ما سبق ذكره مِن الخلاف، وهو الخلاف السائغ الذي أحد الطرفين فيه مصيب، والطرف الآخر غير مصيب، وإن كان مأجورًا معفوًّا عن خطئه. الثاني: اختلاف التنوّع في الأعمال المشروعة. الثالث: هو هذا، وهو ما تنازعوا فيه مما أُقرّوا عليه وساغ لهم العمل به.
[ ١٦٦ ]
وصلّوها بعد الوقت، تمسكًا بظاهر لفظ العموم. فلم يُعَنِّف النبي ﷺ واحدة من الطائفتين، وقال ﷺ: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" ١.
٣- وقد اتفق الصحابة -في مسائل تنازعوا فيها- على إقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم. كمسائل في العبادات، والمناكح، والمواريث والعطاء، والسياسة، وغير ذلك.
٤- وحَكَمَ عمر أول عام في الفريضة الحِماريّةِ٢ بعدم التشريك، وفي العام الثاني بالتشريك في واقعةٍ مثل الأولى، ولَمَّا سئل عن ذلك قال: تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي.
وهم الأئمة الذين ثبت بالنصوص أنهم لا يجتمعون على باطل، ولا ضلالة، ودلّ الكتاب والسنّة على وجوب متابعتهم٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري: ٩٦-الاعتصام بالكتاب والسنة، ٢١-باب أجر الحاكم إذا اجتهد " الفتح: ١٣/٣١٨، ومسلم: ٣٠-الأقضية ح:١٥ ٣/١٣٤٢. ٢ الحماريّة مسألة من مسائل الفرائض، وهي أن يجتمِع: الزوج، والأم، والإخوة مِن أُمّ، والإخوة لأبٍ وأُمّ. وكذلك كل مسألةٍ يجتمع فيها: زوجٌ، وأمٌّ أو جدة، واثنان فصاعدًا مِن ولدِ الأُم، وعصبةٌ مِن ولد الأبوين. والمسألة الحمارية هذه تسمّى أيضًا المُشَرَّكة. يُنظر: المغني، لابن قدامة: ٩/٢٤. ٣ أي في أصول المنهج، وفي أصل الاتّباع، لا في كل جزئيّةٍ مِن جزئيات الآراء والأقوال؛ وإلا فقد ثبت بالكتاب والسنّة أنهم في أفرادهم غير معصومين، ولكنّ العصمة في إجماعهم، ﵃.
[ ١٦٧ ]
٥- وتنازعوا في مسائل عِلْمية اعتقاديّة:
- كسماع الميت صوت الحي.
- وتعذيب الميت ببكاء أهله.
- ورؤية محمد ﷺ ربه قبل الموت.
وكان هذا الخلاف بينهم مع بقاء الجماعة والألفة!. وهو الأمر الذي يَغيب عن كثيرٍ مِن المختلفين فيما بينهم مِن المسلمين في زماننا هذا، ولكن نَعِيب زماننا والعيب فينا، نسأل الله أن يَهدينا!.
وهذه المسائل التي اختلفوا فيها:
أ - منها ما أحدُ القولين خطأ قطعًا.
ب- ومنها ما المصيب في نفس الأمر واحد عند الجمهور -أتباع السلف-، والآخر مؤدٍّ لما وجب عليه بحسب قوة إدراكه، وهل يُقال له مصيب أو مخطئ؟ فيه نزاع.
جـ- ومن الناس من يجعل الجميع مصيبين ولا حكم في نفس الأمر.
د- ومذهب أهل السنّة والجماعة أنه لا إثم على من اجتهد وإن أخطأ، فهذا النوع-أي مِن اختلاف العلماء والأمراء مِن أهل السنّة والجماعة الاختلاف السائغ- يشبه النوع الأول-أي الأنبياء في شرائعهم- من وجه دون وجه.
[ ١٦٨ ]
أما وجه المخالفة: فلأن الأنبياء ﵈ معصومون من١ الإقرار على الخطأ، بخلاف الواحد من العلماء والأمراء، فإنه ليس معصومًا من ذلك؛ ولهذا يسوغ، بل يجب، أن نبين الحق الذي يجب اتِّباعُهُ، وإن كان فيه بيان خطأِ مَنْ أخطأ من العلماء والأمراء.
وأما الأنبياء فلا يُبَيِّنُ أحدُهما ما يُظْهر به خطأَ الآخر.
وأما المشابهة: فلأن كلًا مِن المجتهدين المختلفين مأمور باتباع ما بَانَ له من الحق بالدليل الشرعي كأمْر النبي ﷺ باتباع ما أوحي إليه، وليس لأحدهما أن يوجب على الآخر طاعته، كما ليس ذلك لأحد النبيين مع الآخر، وقد يظهر للمجتهد من الدليل ما كان خافيًا عليه، فيكون انتقاله بالاجتهاد عن الاجتهاد، ويشبه النسخ في حق النبي، لكن هذا في حق المجتهد رفعٌ للاعتقاد، وذاك في حقِّ النبيّ رفعٌ للحكم حقيقةً، وعلى الأتباع اتّباع مَنْ وُلِّي أمرهم من الأمراء والعلماء فيما ساغ له اتّباعه وأُمر فيه باتّباع اجتهاده، كما على الأمة اتّباع أي نبيٍّ بُعث إليهم، وإن خالف شرعُه شرعَ الأول، لكنّ تَنَوّعَ الشروعِ لهؤلاء، وانتقاله، لم يكن لتنوّع نفس الأمر النازل على الرسول، ولكن لتنوّعِ أحوالهم، وهو إدراكُ هذا لما بلغه من الوحي سمعًا وعقلًا، وعجْز الآخر عن إدراك ذلك البلاغ، إما سمعًا لعدم تمكنه من سماع ذلك النص، وإما عقلًا لعدم فهمه لما فهمه الأول من النص، وإذا كان
_________________
(١) ١ في المطبوع: "عن". والصواب ما أثبتّه. لأن الفعل "عَصَمَ" يُعَدَّى بـ"من" وليس بـ"عن"، وعلى هذا الاستعمال جاء الأسلوب في القرآن الكريم. وقد نبّهني إلى هذا مشكورًا الأخ المذكور في الحاشية ٢٠٤.
[ ١٦٩ ]
عاجزًا سقط عنه الإثم فيما عجز عنه، وقد يتبين لأحدهما عجز الآخر وخطؤه ويعذره في ذلك، وقد لا يتبين له عجزه، وقد لا يتبين لكل منهما أيهما الذي أدرك الحق وأصابه؛ ولهذا امتنع مَن امتنع من تسمية مثل هذا خطأً؛ قال لأن التكليف مشروط بالقدرة؛ فما عُجِزَ عنه من العلم لم يكن حُكْمَ الله في حقّه، فلا يقال: أخطأه.
وأما الجمهور فَيقولون: أخطأ، كما دلت عليه السنّة والإجماع، لكن خطؤه معذور فيه، وهو معنى قوله: عجز عن إدراكه وعلمه. لكن هذا لا يمنع أن يكون ذاك هو مراد الله ومأموره -فإنّ عجْز الإنسان عن فهم كلام العالم لا يمنع أن يكون قد أراد بكلامه ذلك المعنى- وأن يكون الذي فهمه هو المصيب الذي له الأجران.
ولهذا تنازعَ أصحابنا فيمن لم يُصِب الحكم الباطن، هل يقال: إنه مصيب في الظاهر لكونه أدى الواجب المقدور عليه من اجتهاده واقتصاده١، أوْ لا يطلق عليه اسم الإصابة بحالٍ، وإن كان له أجرٌ على اجتهاده وقصده الحق؟. على قولين: هما روايتان عن أحمد؛ وذلك لأنه لم يُصِب الحكم الباطن، ولكن قَصَدَ الحق، وهل اجتهد الاجتهاد المأمور به؟.
التحقيق أنه اجتهد الاجتهاد المقدور عليه، فهو مصيب من هذا الوجه، من جهة المأمور المقدور، وإن لم يكن مصيبًا من جهة إدراك المطلوب وفعل المأمور المطلق.
_________________
(١) ١ في المطبوع: "واقتصاره".
[ ١٧٠ ]
يوضح ذلك أن السلطان نوعان:
١- سلطان الحجة والعلم، وهو أكثر ما سمي في القرآن سلطانًا، حتى روي عن ابن عباس، أن كل سلطان في القرآن فهو الحجة.
٢- الثاني: سلطان القدرة.
والعمل الصالح لا يقوم إلا بالسلطانين، فإذا ضَعُف سلطان الحجة كان الأمر بقدْرِه، وإذا ضَعُفَ سلطان القدرة كان الأمر بحَسَبِه،، والأمر مشروط بالقدرة على السلطانين، فالإثم ينتفي عن الأمر بالعجز عن كل منهما، وسلطان الله في العلم هو الرسالة، وهو حجة الله على خلقه، كما قال تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ١.
وقال تعالى: ﴿إنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ٢.
وقال: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ ٣، ونظائره متعددة:
أمثلةٌ ونظائر لهذا الاتفاق وهذا الاختلاف:
ومِن أمثلة هذا ما يلي:
أ - اختلاف المذاهب والطرائق.
_________________
(١) ١ ١٦٥: النساء: ٤. ٢ ٢٣: النجم: ٥٣. ٣ ٣٥: الروم: ٣٠.
[ ١٧١ ]
ب - اختلاف العبادات والتوجهات.
جـ - اختلاف المسالك العلمية.
أ - اختلاف المذاهب والطرائق:
فالمذاهب والطرائق والسياسات للعلماء والمشايخ والأمراء، إذا قصدوا بها وجْه الله تعالى، دون الأهواء؛ ليكونوا مستمسكين بالملة والدين الجامع، الذي هو عبادة الله وحده لا شريك له، واتبعوا ما أُنزل إليهم من ربهم من الكتاب والسنّة بحسب الإمكان، بعد الاجتهاد التام، هي لهم من بعض الوجوه بمنزلة الشرع والمناهج للأنبياء، وهم مثابون على ابتغائهم وجه الله وعبادته وحده لا شريك له، وهو الدين الأصلي الجامع، كما يثاب الأنبياء على عبادتهم الله وحده لا شريك له، ويثابون على طاعة الله ورسوله فيما تمسكوا به لأنه من شرعة رسوله ومنهاجه، كما يثاب كل نبي على طاعة الله في شرعه ومنهاجه، ويتنوّع شرعهم ومنهاجهم مثل أن يَبْلُغَ أحدَهم الأحاديثُ بألفاظ غير الألفاظ التي بلغت الآخر، وتُفَسّر له بعض آيات القرآن بتفسير يخالف لفظُه لفظَ التفسير الآخر، ويتصرف في الجمع بين النصوص واستخراج الأحكام منها بنوع من الترتيب والتوفيق ليس هو النوع الذي سلكه غيره.
ب - اختلاف العبادات والتوجهات:
وكذلك في عباداته وتوجهاته قد يتمسك هذا بآية أو حديث، وهذا بحديث أو آية أخرى.
[ ١٧٢ ]
جـ - اختلاف المسالك العلمية:
وكذلك في العلم: من العلماء من يسلك بالاتباع طريقة ذلك العالِم، فتكون هي شرعهم، حتى يسمعوا كلام غيره ويروا طريقته، فيرجح الراجح منهما، فتتنوّع في حقهم الأقوال والأفعال السالفة لهم من هذا الوجه.
وهم مأمورون بأن يقيموا الدين، ولا يتفرقوا فيه، كما أمرت الرسل بذلك، ومأمورون بأن لا يفرقوا بين الأمة، بل هي أمة واحدة، كما أُمِرَتِ الرسل بذلك، وهؤلاء آكد؛ فإن هؤلاء تجمعهم الشريعة الواحدة والكتاب الواحد، وأما القدْر الذي تنازعوا فيه فلا يقال: إن الله أمر كلًا منهم باطنًا وظاهرًا بالتمسك بما هو عليه، كما أمر بذلك الأنبياء -وإن كان هذا قول طائفة من أهل الكلام- فإنما يقال: إن الله أمر كلًا منهم أن يطلب الحق بقدْر وسعه وإمكانه، فإن أصابه وإلا فلا يكلّف الله نفسًا إلاّ وسعها، وقد قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ ١.
وقال الله: قد فعلت٢.
وقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيْمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ ٣:
- فمَنْ ذَمَّهم ولامهم على ما لم يؤاخذهم الله عليه فقد اعتدى.
- ومن أراد أن يجعل أقوالهم وأفعالهم بمنزلة قول المعصوم وفعله،
_________________
(١) ١ ٢٨٦: البقرة: ٢. ٢ يُنْظر: صحيح مسلم: ١-الإيمان ح: ١١٩، ١/١١٥-١١٦. ٣ ٥: الأحزاب: ٣٣. وفي المطبوع: ﴿ولا جناح عليكم ﴾ وهو خطأ.
[ ١٧٣ ]
وينتصر لها بغير هدى مِن الله؛ فقد اعتدى واتبع هواه بغير هدى من الله.
- ومن فعل ما أُمر به بحسب حاله مِن اجتهاد يَقْدِر عليه، أو تقليدٍ، إذا لم يقدر على الاجتهاد، وسلك في تقليده مسلك العدل فهو مقتصد؛ إذِ الأمر مشروط بالقدرة: ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ١.
فعلى المسلم في كل موطنٍ أن يُسْلِم وجهه لله، وهو محسن ويدوم على هذا الإسلام.
فإسلام وجهه: إخلاصه لله.
وإحسانُ فِعْلِه: فِعْلُهُ الحسن.
فتدبرْ هذا فإنه أصلٌ جامعٌ نافعٌ عظيمٌ.
انتهى هنا كلام الإمام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، ولعله يكون نبراسًا لكل مسلم راغبٍ في معرفة الحق واتّباعه في هذه القضية المهمّة، لاسيما في زماننا هذا الذي أطلّت فيه- منذ سنين- على المسلمين فِتَنٌ آخذٌ آخرها بأولها، وكأنها لا أولَ لها ولا آخر، نسأل الله أن يُسلّمنا وإياهم منها، وأن يَردّنا إلى هدْي ديننا، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه!.
_________________
(١) ١ ٢٨٦: البقرة: ٢.
[ ١٧٤ ]
أبرز المعاني التي تناولها هذا البحث
أُوجِزُ بعض المعاني البارزة التي أكَّد عليها هذا الموضوع في النقاط الآتية:
ضرورة العناية بسنّة المصطفى ﷺ، والغيرة عليها وعدم التهوين من شأنها، فهي من الدين، وقد أمر الله ورسوله بالأخذ بها.
تأكيد الدعوة إلى السنّة بصورة مؤكَّدة تتناول اتّباع السنة شكلًا ومضمونًا ومنهجًا وأسلوبًا، والاهتداء بهدي السنّة في تطبيقها والدعوة إليها.
دعوة الداعي إلى السنّة لمراجعة منهجه وأسلوبه في دعوته وتطبيقه لها مُحْتَكِمًا في ذلك إلى الفقه المطلوب في الدين.
تأكيد الدعوة، من حيث المنهج، إلى الأخذ بالسنن كلها وعدم الدعوة إلى الاقتصار على بعضها وإهمال بعضٍ آخر، أو عدم حصر الاقتداء في بعض السنن دون بعضٍ آخر.
لا ينبغي التركيز على السنن الظاهرة ونسيان غيرها من السنن.
تحتاج السنّة إلى فِقْهين لابدّ منهما للاهتداء بهديها، ولا يُغني أحدهما عن الآخر، هما:
١- الفقه العلميّ.
٢- الفقه العمليّ.
دعوة الناس إلى حب السنّة وتعظيمها ينبغي أن يَسبق دعوتهم إلى
[ ١٧٥ ]
التمسك بها، أو محاسبتهم عليها.
إذا لم يُحْسن الإنسان الدعوة إلى السنّة بالحكمة فعليه أن يَكُفّ عن الإساءة إليها؛ بأن لا يرتكب أساليب في الدعوة إليها منفِّرة عنها.
على الداعي إلى السنّة أن يبتعد عن الحرص على إصدار الأحكام على الآخرين، تجاه عقائدهم ومدى اتّباعهم للسنّة، وكثرة التبديع.
لاتّباع السنّة علامات ينبغي أن تتوافر في الداعي إليها ومن يريد امتثالها والتأسّي بها.
لا ينبغي للإنسان أن يتعصب لمتبوعه الذي لم يكتب الله له العصمة من الخطأ.
ينبغي أن لا يَصْرف المسلمَ عن السنّة خطأُ الداعي إليها أو سوء تصرّفه.
ينبغي للداعي إلى السنّة أن يتعرّف على الأخطاء في فهم السنّة والدعوة إليها ليبتعد عنها، ولن يتعرّف على ذلك إلا بتمحيصٍ ودراسةٍ نقديّةٍ ومحاسبةٍ دقيقةٍ لنفسه في سلوكه وتصرفاته وفَهْمه في ضوء نصوص الكتاب والسنة والمنهج السديد لفهمهما.
أهمية فصْل الكتاب والسنّة عن أخطائنا، وإبرائهما مِن ذلك، واعترافنا بأخطائنا، ورجوعنا عنها إلى الكتاب والسنّة.
أهمية التفريق بين نقْد أخطائنا وبين نقد السلف، وعدم حمْل أي نقْدٍ يُوَجَّهُ لنا على أنه نقْدٌ للسلف.
[ ١٧٦ ]
إنّ السماحة في الدعوة، والرفق، والتدرّج، وتقديمَ الأهم على المهم، ودفع المفسدتين بأخفّهما، وتَرْك الأَوْلى لمصلحة شرعية، والأخذ بالرخص الشرعية، كل ذلك من السنّة.
إنّ الشدّة والغِلظة في الدعوة خطأٌ يأباه هذا الدين، ويَرُدُّه سيرة سيد المرسلين ﷺ؛ وأنّ الرفق واللين قد جاء الأمر بهما أمرًا عامًّا، وجاء الثناء عليهما ثناءً عامًَّا، ليس في ذلك حالةٌ مستثناةٌ مِن هذا الأمر وهذا الثناء؛ بخلاف الشدة والغِلظة؛ فإنّ ما جاء مِن النصوص التي يمكن أن يُستدَل بها عليهما، لا تَدُل على ذلك صراحةً، ثم لم يأتِ ذلك في صورة الدعوة العامّة إليهما، وإنما في حالاتٍ استثنائيةٍ قد تقتضي ذلك.
إنّ في سيرة الرسول ﷺ التطبيقات العملية للسنن وسائر الأحكام الشرعية، فعلى الداعية أن يلتمس المُثُلَ العليا والأسوة الحسنة في سيرة المصطفى الثابتة عنه ﷺ، على أن يفقهها الفقه الصحيح.
ينبغي أن لا نَضيق بالخلاف في المسائل الفقهية الاجتهادية؛ لأنه هو مقتضى الاجتهاد الذي أَمَرَنا الله تعالى به، إلا أن اجتهاد المجتهد يجب أن يكون منضبطًا بضوابط الاجتهاد الشرعية.
ينبغي أن نفتح آذاننا وقلوبنا لرأي المخالِف ونَسْمع منه فلربما يكون الحق معه، فيَلْزَمُنَا اتّباعه.
ينبغي أن يكون قَصْدنا عندما ندخل في نقاش أو مناظرة مع الطرف المقابل هو محاولة استكشاف الحق في أيّ الجانبين هو لنتّبعه، لا قصْد
[ ١٧٧ ]
إقناع الطرف المقابل فقط، لأنه هو الذي على الباطل!.
ينبغي أن نفرّق بين صحة الدليل وبين فقه الدليل.
لا ينبغي في المسائل الخلافية أن نستدل بصلاح صاحب الرأي فنستغني به عن التحقق من إصابته في رأيه واجتهاده.
هذا إلى غير ذلك من المعاني التي وردت في هذا الموضوع مما لا تغني عنها هذه النقاط.
[ ١٧٨ ]
الخاتمة
وبعدُ -وقد انتهى الموضوع- فلعلّ مِن المناسب هنا التأكيد على الغاية مِن هذا العرض له، والسمة التي حُرِص على أن يكون عليها هذا العرض.
فأمّا الغاية فالنصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامّتهم؛ وأيُّ غايةٍ أخرى فهي ساقطةٌ مِن الحساب-يعْلم الله-ولا باقي إلا الباقي سبحانه وما تعلّقَ به.
وأمّا السّمَةُ فهي ما رآه القاريء الكريم، مِن بُعْدٍ عن التسميات للأشخاص والهيئات، وإنما هو تتبُّعُ الأخطاء مجرّدةً عن أصحابها؛ لأن الغاية النصيحة، لا الفضيحة، والغاية إسقاط الخطأ، لا إسقاط المخطيء، ونعوذ بالله أن يكون في نفوسنا حقدٌ أو حسدٌ لأحدٍ مِن المسلمين.
على أنّ بعض الأخطاء تكشف صاحبها شئنا أم أبينا، ولا بدَّ مِن ذكْرها ومعالجتها على أساس الاعتراف بها أنها أخطاء ومشكلات تنتظر الحل وإعادة النظر؛ فحينئذٍ نكون مضطرين معذورين، إن شاء الله تعالى، وعُذْرنا-إضافةً إلى ذلك هو أننا ليس في غايتنا شيء آخر غير النصح والإصلاح؛ فالمرجوّ أن لا يُعادينا-والحالة هذه- مَن فيه صلاح.
وأعتذر للأخ القارئ إن زلّ القلم أو ندّ اللسان بنوع إساءة، فإنما
أردت الخير.
والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[ ١٧٨ ]