كان من حكمة الله تعالى في رسالة محمد - خاتم النبيين المرسل رحمة للعالمين ومصلحًا للناس أجمعين - أن أعدَّ لها في المرتبة الأولى الأمة العربية الأمية [الموصوفة] (١) باستقلال الفكر وقوة الإرادة وذكاء القريحة، وارتقاء اللغة، والسلامة مما منيت به أمم الحضارة من الاستذلال والاستعباد للملوك والأمراء ورؤساء الدين.
ثم كان من حكمته تعالى أن عادى هذه الدعوة والقائم بها كبراء قومه قريش، كبرًا وبغيًا وعلوًا واستكبارًا عن الإعتراف بضلالهم وضلال آبائهم وأجدادهم في شركهم، لئلا يكون في ظهورها بالحق، شبهة يظن بها أنها إنما قامت بعصبية قريش.
وكان له ﷺ بضعة أعمام لم يؤمن به منهم في السابقين إلا حمزة ﵁ أخوه في الرضاع وقريبه من جهة الأم، فإن أمه ابنة عم آمنة أم النبي ﷺ وقد آمن في السنة الثانية من بعثته.
وكان أبو لهب عمه الكبير الغني أول من صارحه العداوة فقال لقريش: (خذوا على يديه، قبل أن تجتمع العرب عليه)، وحسبك
_________________
(١) ما بين المعكوفتين زيادة مني، إذ أن السياق بدونها -أو ما يشبهها من عبارات- غير واضح ولا مستقيم؛ فهذا هو السياق في صورته الأصلية: «كان من حكمة الله تعالى في رسالة محمد خاتم النبيين المرسل رحمة للعالمين ومصلحًا للناس أجمعين، أن أعدلها في المرتبة الأولى الأمة العربية الأمية باستقلال الفكر وقوة الإرادة وذكاء القريحة، وارتقاء اللغة، والسلامة مما منيت به أمم الحضارة من الاستذلال والاستعباد للملوك والأمراء ورؤساء الدين» .
[ ٢ / ٥٨ ]
ما أنزل الله فيه وفي امرأته حمالة الحطب.
وكان عمه أبو طالب هو الذي كفله بعد وفاة جده شيبة الحمد عبد المطلب، وإنما كان يحميه ويدافع عنه لعصبية القرابة والتربية.
وكان لزوجه أم المؤمنين خديجة ﵂ مقام كبير في قريش كان له تأثير سلبي كبير في تقليل إيذائه ﷺ، وقد توفيت هي وأبو طالب في أسبوع واحد، فاشتد إيذاء قريش بعدهما، حتى أجمعوا على قتله قتلة تشترك فيها جميع قبائل قريش بأن يأخذوا من كل قبيلة شابًا نهدا قويًا يعطونه سيفًا فيحمل عليه هؤلاء الشبان ويتعذر على بني هاشم الأخذ بثأره - على حسب عادة العرب - فيرضون بالدية، عند هذا أمره الله تعالى بالهجرة إلى يثرب التي صار اسمها المدينة المنورة بهجرته إليها، وكان قد آمن به وبايعه من أهلها الأنصار في الموسم مَنْ جعلهم الله تعالى مقدمةً لإيمان غيرهم من الأنصار الكرام.
لم يكاشف النبي ﷺ بهجرته أحدًا غير صاحبه الأول
[ ٢ / ٥٩ ]
سياق حديث الهجرة في صحيح البخاري عن عائشة ﵂
أبي بكر الصديق الذي كان أول من آمن به ممن دعاهم إلى الإسلام بعد أهل بيته وهم: زوجه خديجة، وعتيقه زيد بن حارثة، وربيبه علي وكان دون البلوغ.
وهؤلاء قد علموا بنبوته (ﷺ) وصدقوه قبل أن يأمره الله بالدعوة.
فكان أبو بكر صاحبه الملازم ومستشاره الدائم، ووزيره الأكبر وموضع سره، وإنما كان رضي الله تعالى عنه أول من أسلم؛ لأنه كان أشد هذه الأمة استعدادًا لنور الإسلام بسلامة فطرته وطهارة نفسه، وقوة عقله، وعرفانه بفضائل النبي - ﷺ - قبل النبوة.
وقد كان صديقه من سن الشباب، وروى ابن إسحاق أنه -ﷺ- لم يعرض الإسلام على أحد إلا وكان له فيه كبوة إلا أبا بكر ﵁. (١)
وإننا نذكر أصح ما أورده نقاد المحدثين من خبر الهجرة، وأوضحه وأبسطه: ما رواه ابن أبي شيبة والإمام أحمد والبخاري وغيرهم من حديث عائشة ﵂ فنبدأ به، ونقفي عليه بأحاديث أخرى من الجامع الصحيح غير ناظرين إلى روايتها في غيره، ثم نشير إلى غيرها.
قال البخاري في كتاب الهجرة من صحيحه [برقم: ٣٩٠٥]: (حدثنا
_________________
(١) انظر: السيرة النبوية لأبي شهبة (١/٢٨٤) .
[ ٢ / ٦٠ ]
يحيي بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل قال ابن شهاب: فأخبرني عروة ابن الزبير أن عائشة ﵂ زوج النبي (ﷺ) قالت: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلى المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة، حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة (١) فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي.
قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على
_________________
(١) برك الغماد: موضع على خمس ليال من مكة بطريق اليمن وقيل أقصى هجر، وقيل أقصى اليمن. وكان يضرب به المثل في البعد أو المشقة، كما يفهم من كلام بعض الأنصار في قصة بدر. وقيل إنه كان يشبه بجهنم، وبرك بفتح فسكون والغماد بالكسر على الأشهر، وضم الغين بعضهم، والدغنة بضم الدالالمهملة عند أهل اللغة وبفتح أوله وكسر ثانيه عند الرواة وتخفيف النون، وشددها بعضهم والقارة قبيلة مشهورة كان يضرب بهم المثل في قوة الرمي بالسهام. (ر)
[ ٢ / ٦١ ]
نوائب الحق (١) فأنا لك جارٌ، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟
فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مُر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فأنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا. (٢)
فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن
_________________
(١) هذه الصفات هي التي وصفت بها خديجة النبي (ﷺ) في حديث البعثة، فأما أن تكون قد اشتهرت عنها فصار يوصف بها أفضل الناس، وإما أن تكون مأثورة من قبل خديجة عن بعض بلغاء العرب، ويحتمل أنتكون من توارد الخواطر، وحسب أبي بكر شرفًا وصفه بها. (ر)
(٢) أي يحولهم عن دينهم إلى دينه بتأثير قراءته للقرآن وخشوعه وبكائه فيها. (ر)
[ ٢ / ٦٢ ]
فيتقذف عليه (١) نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن.
وأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك، فسله أن يرد إليك ذمتك فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.
قالت عائشة: فأتى ابنُ الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له.
فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله ﷿.
_________________
(١) أي يتدافعون ويزدحمون فيقذف بعضهم بعضًا من التقذيف وفي رواية: فينقذف بالنون، ويروي: يتقصف وينقصف عليه. (ر)
[ ٢ / ٦٣ ]
والنبي ﷺ يومئذ بمكة، فقال النبي ﷺ للمسلمين: «إني أُرِيتُ دارَ هجرتكم ذات نخل بين لابتين» وهما الحرتان فهاجر من هاجر قبل المدينة (١) ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة، وتجهز أبو بكر قِبَلَ المدينة، فقال له رسول الله ﷺ «على رسلك (٢)؛ فإني أرجو أن يؤذن لي» فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك بأبي أنت؟
قال: «نعم» .
فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله ﷺ ليصحبه، وعَلَفَ راحلتينِ كانتا عنده ورقَ السمر - وهو الخبط (٣) - أربعة أشهر.
قال ابن شهاب (٤): قال عروة: قالت عائشة: فبينما نحن يومًا
_________________
(١) الحرة بالفتح وتشديد الراء الحجارة السوداء، وقبل المدينة جهتها وهو (بوزن عنب) . (ر)
(٢) الرسل بالكسر المهل. (ر)
(٣) السمر: واحدته سمرة بضم الميم فيهما شجرة تسمى أم غيلان والخبط بالفتح ما يخبط بالعصا من ورق الشجر ليقع وهي تسمية بالمصدر. وهذا التفسير للزهري راوي الحديث. (ر)
(٤) أي قال بالاسناد السابق، فهو ليس تعليقًا. (ر)
[ ٢ / ٦٤ ]
جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة (١) قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ مقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر.
قالت: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي ﷺ لأبي بكر: «أخرج من عندك» .
فقال أبو بكر: إنما هم أهلك (٢) بأبي أنت يا رسول الله.
قال: «فإني قد أُذن لي في الخروج» .
فقال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول الله؟
قال رسول الله: «نعم» .
قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين.
قال رسول الله ﷺ: «بالثمن» . (٣)
قالت عائشة:
_________________
(١) أي أول الزوال. (ر)
(٢) يعني (﵁) أن أهله كأهل الرسول (ﷺ) في الإخلاص له وكتمان سره، وإنما كان عنده وقتئذ أسماء وعائشة. ففي رواية موسى بن عقبة: (لا عين عليك إنما هما ابنتاي) وكذا في سيرة ابن هشام عن عروة. (ر)
(٣) سئل بعضهم عن سبب ذلك مع العلم بأن أبا بكر أنفق ماله كله عليه (ﷺ) في سبيل الله ومنه زاد السفر في الهجرة. فأجاب أنه (ﷺ) أحب أن تكون هجرته من مال نفسه لما فيه من الأجر العظيم. (ر)
[ ٢ / ٦٥ ]
فجهزناهما أحسن الجهاز، وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بينت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فبذلك سميت ذات النطاق.
قالت: ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، فيدلج من عندها بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمرًا يُكْتادان به (١) إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما عامر ابن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما حين يذهب ساعة من العشاء فيبيتان في رسل، وهو لبن منحتهما ورضيفهما (٢)
_________________
(١) الثَّقِف بوزن كتف: الحاذق في إدراك الشيء وفعله الذي يأخذه أو يحذقه في أسرع وقت وأقصره، واللَّقِن بوزن كتف: السريع الفهم، والإدلاج: السير في آخر الليل، وقوله: (يكتادان به) أي يتكلف المشركون أن يكيدوهما به. (ر)
(٢) المراد بالمنحة: الشاة، والرسل بالكسر: اللبن الطرى، والرضيف: اللبن توضع فيه الحجارة المحماة لنيعقد ويجمدوتذهب وخامته، وقولها: (ينعق بها) أي: يصيح بالغنم لتسرح من جانب الغار قبل طلوع النهار. (ر)
[ ٢ / ٦٦ ]
حتى ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس (١)، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله (ﷺ) وأبو بكر رجلًا من بنى الديل وهو من بني عبد بن عدى هاديا خريتًا - والخريت الماهر بالهداية - قد غمس حلفا في آل العاص بن وائل السهمي وهو على دين كفار قريش، فأمناه، فدفعا إليه راحليتهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحليتهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهير والدليل فأخذ بهم طريق السواحل.
(قال ابن شهاب: وأخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي - وهو ابن أخي سراقة بن مالك بن جعشم -: أن أباه أخبره أنه سمع سراقة ابن جعشم يقول: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما من قتله أو أسره، فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة إني قد رأيت آنفًا أسودة بالساحل أراها محمدًا وأصحابه.
قال سراقة: فعرفت أنهم هم، فقلت له: إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا انطلقوا بأعيننا، ثم لبثت في المجلس ساعة ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي وهي من وراء
_________________
(١) الغَلَس: هو ظلمة آخر الليل. فتح الباري ٢ / ٤٢.
[ ٢ / ٦٧ ]
أكمة فتحبسها علي، وأخذت رمحي فخرجت به من ظهر البيت، فخططت بزجه الأرض وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها فرفعتها تقرب بي (١) حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي فخررت عنها، فقمت فأهويت يدي إلى كنانتى فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها: أضرهم أم لا فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام (٢)
تُقَرِّبُ بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت،
_________________
(١) رفعتها: أسرعت بها السير، والتقريب فوق السير المعتاد ودون العدو، وقيل في صفته: أن تضع الفرس يديها معًا وترفعهما معا. (ر)
(٢) الأزلام جمع زلم كقلم لفظًا ومعنى، وتسمي السهام والقداح جمع قدح بالكسر، وهي من الخشب على أحدها: "نعم"، وعلى الثاني "لا"، والثالث غفل، يستعملونها للاستخارة التي يسمونها الاستقسام أي معرفة القسمة والحظ كما تقدم في أوائل سورة المائدة. وقوله: (خرج الذي أكره) يريد أنه خرج السهم الذي فيه النهي عن إضرارهم فعصاه لشدة حرصه على أخذ الجعل من قريش وهو مائتان من الإبل. (ر)
[ ٢ / ٦٨ ]
فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذ لأثر يديها عثان (١) ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية.
وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني (٢) ولم يسألاني إلا أن قال: «أخفِ عنا» فسألته أن يكتب لي كتاب أمن، فأمر عامر بن فهيرة فكتب في رقعة من أديم ثم مضى رسول الله ﷺ.
(قال ابن شهاب: فأخبرني عروة بن الزبير: أن رسول الله ﷺ لقي الزُّبيرَ في ركب من المسلمين كانوا تجارًا قافلين من الشام فكسا الزبيرُ رسولَ الله ﷺ وأبا بكر ثياب بياض، وسمع المسلمون بالمدينة فخرج رسول الله ﷺ من مكة فكانوا يغدون كل غداة إلى الحرة. فينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة.
فانقلبوا
_________________
(١) العثان بالضم: الدخان من غير نار. (ر)
(٢) أي: لم ينقصاني بأخذ شيء مما معي. (ر)
[ ٢ / ٦٩ ]
يوما بعد ما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر برسول الله ﷺ وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معاشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون.
فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله ﷺ بظهر الحرة فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله ﷺ صامتا فطفق من جاء من الأنصار ممن لم يرَ رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك فلبث رسول الله ﷺ في بني عمرو بن عوف
[ ٢ / ٧٠ ]
بضع عشرة ليلة، وأسس المسجد الذي أسس على التقوى وصلى فيه رسول الله ﷺ، ثم ركب راحلته فسار يمشي معه الناس حتى بركت عند مسجد الرسول ﷺ بالمدينة، وهو يصلي فيه يومئذ رجال من المسلمين، وكان مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة.
فقال رسول الله ﷺ حين بركت به راحلته: «هذا إن شاء الله المنزل» .
ثم دعا رسول الله ﷺ الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله.
فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما ثم بناه مسجدا وطفق رسول الله ﷺ ينقل معهم اللبن في بنيانه ويقول وهو ينقل اللبن:
«هذا الحمال لا حمال خيبر. . هذا أبر ربنا وأطهر»
ويقول:
«اللهم إن الأجر أجر الآخرة. . فارحم الأنصار والمهاجرة»
فتمثل بشعر رجل من المسلمين لم يسم لي.
قال ابن شهاب:
[ ٢ / ٧١ ]
ولم يبلغنا في الأحاديث أن رسول الله ﷺ تمثل ببيت شعر تام غير هذا البيت) .
حدثنا عبد الله بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام عن أبيه وفاطمة عن أسماء ﵂: صنعتُ سفرة للنبي ﷺ وأبي بكر حين أرادا المدينة، فقلت لأبي ما أجد شيئا أربطه إلا نطاقي، قال: فشقيه، ففعلت فسميت ذات النطاقين.
قال ابن عباس: (أسماء ذات النطاق) .
حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء ﵁ قال: (لما أقبل النبي ﷺ إلى المدينة تبعه سراقة بن مالك بن جعشم، فدعا عليه النبي ﷺ، فساخت به فرسه (١)، قال: ادع الله لي ولا أضرك. فدعا له.
قال: فعطش رسول الله ﷺ فمر براعٍ.
قال أبو بكر: فأخذت قدحا فحلبت فيه كثبة (٢) من لبن، فأتيته فشرب حتى رضيت) . اهـ
_________________
(١) في حديث أنس وهو مما تركته اختصارًا أنه قال في دعائه: «اللهم اصرعه» فصرعه الفرس حالًا. (ر)
(٢) الكثبة بالضم: القليل من اللبن أو الماء. (ر)
[ ٢ / ٧٢ ]
نقل من شرح الحافظ لحديث عائشة رضي الله من فتح الباري
(أقول) هذا ما اخترت نقله من صحيح البخاري من خبر الهجرة، وفيه أحاديث أخرى تُراجع في صحيح البخاري وغيره من الصحاح والسنن والسير، وفيها عبر كثيرة، وإنني أُقفي عليه بوصف الغار الذي شرفه الله بإيوائه إليه إتماما للفائدة.
وقد ورد في كتب الحديث والسير أخبار وآثار كثيرة في قصة الهجرة ودخول الغار، فيها كرامات وخوارق يتساهلون بقبول مثلها في المناقب، وإن لم تصح بطرق متصلة يحتج بمثلها في الأحكام العملية، ولا في المسائل الاعتقادية بالأولى.
قال الحافظ في شرح حديث عائشة من الفتح [٧ / ١٦٨]: «إن الإمام أحمد [١ / ٣٤٨ ط: الميمنية] روى بإسناد حسن (١) من حديث ابن عباس في قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا..﴾ الآية. قال تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق - يريدون النبي ﷺ -، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه.
فأطلع الله نبيه على ذلك، فبات علي على فراش رسول الله ﷺ تلك الليلة وخرج النبي ﷺ حتى لحق بالغار وبات المشركون يحرسون
_________________
(١) إسناد الإمام أحمد فيه عثمان بن أبي عمرو بن أبي ساج الجزري وقد ضعفه النسائي والعقيلي وقال الحافظ في التقريب: «فيه ضعف» .
[ ٢ / ٧٣ ]
عليا يحسبونه النبي ﷺ - يعني ينتظرونه حتى يقوم فيفعلون به ما اتفقوا عليه.
فلما أصبحوا ورأو عليا رد الله مكرهم فقالوا أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري.
فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال» . اهـ
وذكر الحافظ روايات بهذا المعنى من مراسيل الزهري والحسن في بعض السير وغيرها، ونقل عن دلائل النبوة للبيهقي [٢ / ٤٧٧] من مرسل محمد بن سيرين: «أن أبا بكر ليلة انطلق مع رسول الله ﷺ إلى الغار كان يمشي بين يديه ساعة ومن خلفه ساعة فسأله (أي عن سبب ذلك) فقال: أذكر الطلب فأمشي خلفك واذكر الرصد فأمشي أمامك، فقال: «لو كان شيء أحببت أن تقتل دوني؟» قال: أي والذي بعثك بالحق. (١)
فلما انتهى إلى الغار قال: مكانك يا رسول الله حتى استبرئ لك الغار، فاستبرأه. وذكر أبو القاسم البغوي من مرسل ابن أبي مليكه
_________________
(١) فيه انقطاع بين ابن سيرين وبين عمر بن الخطاب ﵁، إلا أنه قد أورده البيهقي في الدلائل وكذلك الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق (٢/٦٧٣) عن ضبة بن محصن عن عمر بن الخطاب ﵁ ثم قال - أعني ابن كثير -: «إسناده غريب من هذا الوجه ولكن له شواهد كثيرة من وجوه أخر» .
[ ٢ / ٧٤ ]
نحوه (١)، وذكر ابن هشام [ص٤٨٦ - ٤٨٧] من زياداته عن الحسن البصري بلاغا نحوه» . اهـ
أقول: فهذه مراسيل عن كبار علماء التابعين يؤيد بعضها بعضا. وفي الموضوع روايات أخرى. منها أن حمامتين عششتا على بابه، وفي بعض الروايات أن أبا بكر سد جحر كان في الغار بقطع من ثوبه، وهذا مراده من استبرائه.
وقال الحافظ قبل ذلك في شرح قول عائشة: «ثم لحق رسول الله ﷺ وأبو بكر بغار في جبل ثور»:
«ذكر الواقدي أنهما خرجا من خوخة في ظهر بيت أبي بكر، وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن خروجه ﷺ كان يوم الاثنين ودخوله المدنية كان يوم الاثنين، إلا أن محمد بن موسى الخوارزمي قال: إنه خرج من مكة يوم الخميس.
قلت: يجمع بينهما بأن خروجه من مكة كان يوم الخميس وخروجه من الغار كان ليلة الاثنين؛ لأنه أقام فيه ثلاث ليال ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد وخرج في أثناء ليلة الاثنين» . اهـ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (١ / ٧٤ رقم: ٢٢) بسند صحيح إلى ابن أبي مليكة وهو تابعي فقيه ثقة رأى ثمانين من الصحابة.
[ ٢ / ٧٥ ]
(الأولى)
***