مدخل
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله وسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
"من عبد العزيز بن محمد بن سعود"
إلى من يراه من العلماء، والقضاة، في الحرمين، والشام، ومصر، والعراق، وسائر علماء المشرق، والمغرب.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أما بعد، فإن الله ﷿ شأنه، وتعالى سلطانه لم يخلق الخلق عبثًا، ولا تركهم سدى وإنما خلقهم لعبادته، فأمرهم بطاعته وحذرهم مخالفته، وأخبرهم تعالى أن الجزاء واقع لا محالة، أما في ناره بعدله، أو في جنته بفضله ورحمته، قد أخبر ﷿ بذلك في كل كتاب أنزله، وعلى لسان كل رسول أرسله، كما نطقت بذلك الآيات القرآنية، وأخبرتنا به الأحاديث النبوية.
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١)
وقال سبحانه:
_________________
(١) سورة الذاريات آية ٥٦.
[ ١٣ ]
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١)
فالعبادة اسم جامع لكل مايحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، مختصة بجلاله وعظمته، فهي الغاية المحبوبة له والمرضية عنده، وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وكذلك قال هود، وصالح، وشعيب، وغيرهم من الرسل كل قال لقومه ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢)
وذلك أن الآله يطلق على كل معبود بحق أو بباطل.
والآله الحق هو الله.
قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣)
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤)
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥)
_________________
(١) سورة الإسراء آية ٢٣.
(٢) سورة الأعراف من آية ٥٩ إلى آية ٨٥.
(٣) سورة محمد آية ١٩.
(٤) سورة النحل آية ٣٦.
(٥) سورة الأنبياء آية ٢٥.
[ ١٤ ]
فصل: معنى لا إله إلا الله
فصل
فنحن لما علمنا وفهمنا من كلام الله وسنة رسوله وكلام الأئمة الأعلام ﵃ كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد وغيرهم من أئمة السلف.
أن "لا إله إلا الله" معناها ترك كل معبود سوى الله واخلاص الالهية له تعالى وحده.
وأن توحيد العبادة هو افراد العباد ربهم بأفعالهم التي أمرهم بها في كتابه، وعلى لسان رسوله فإذا جعلت لغيره تعالى صار ذلك تأليهًا للغير مع الله. وإن لم يعتقد الفاعل ذلك. فالمشرك مشرك شاء أم أبى وليس التوحيد خاصًا بافراد الله بأفعاله تعالى وتقدس، كخلقه السموات والأرض والليل والنهار، ورزق العباد وتدبيره أمورهم، لأن هذا قد أقر به المشركون ولم يدخلهم في الإسلام ويسمى توحيد الربوبية.
"العبادة لغة وشرعًا"
معناها: لغة الذل والخضوع.
وشرعًا: ما أمر به من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي من أفعال العباد وأقوالهم المختصة بجلال الله وعظمته، كدعائه تعالى بما لا يقدر عليه إلا هو من جلب نفع أو دفع ضر أو رجائه فيه والتوكل عليه، وذبح النسك والنذر والإنابة
[ ١٥ ]
والخضوع كل ذلك مختص بجلال الله كالسجود والتسبيح والتهليل، فكل ذلك مما قدمناه هو معنى قول "لا إله إلا الله".
ولا يغني أحد التوحيدين عن الآخر، بل صحة احدهما مرتبطة بوجود الآخر.
لما فهمنا ذلك وعلمنا به قام علينا أهل الأهواء فخرجونا وبدعونا وجعلوا اليهود والنصارى أخف منا شرًا ومن اتباعنا، ولم ننازع المخالف في سائر المعاصي بأنواعها ولا المسائل الاجتهادية، ولم يجر الاختلاف بيننا وبينهم في ذلك، بل في العبادة بأنواعها، والشرك بأنواعه.
[ ١٦ ]
فصل: فنحن نقول ليس للخلق من دون الله ولي ولا نصير
فصل
فنحن نقول ليس للخلق من دون الله ولي ولا نصير. وجميع الشفعاء سيدهم وأفضلهم محمد ﷺ فمن دونه -لا يشفعون لأحد إلا بإذنه ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (١) ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ (٢) ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ (٣)
_________________
(١) سورة البقرة آية ٢٥٥.
(٢) سورة الكهف آية ١٠٢.
(٣) سورة الأنبياء آية٢٨.
[ ١٦ ]
﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ (١) ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ (٢)
وإذا كان كذلك فحقيقة الشفاعة كلها لله، ولا تسأل في هذه الدار إلا منه ﷾.
فجميع الأنبياء والأولياء لا يجعلون وسائل ولا وسائط بين الله وبين الخلق لجلب الخير أو دفع الشر، ولا يجعل لهم من حقه شيء، لأن حقه تعالى وتقدس غير جنس حقهم.
فإن حقه عبادته بأنواعها بما شرع في كتابه، وعلى لسان رسوله وحق أنبيائه ﵈ الإيمان بهم وبما جاؤوا به، وموالاتهم، وتوقيرهم، واتباع النور الذي أنزل معهم، وتقديم محبتهم على النفس والمال والبنين والناس أجمعين.
وعلامة الصدق في ذلك اتباع هديهم والإيمان بما جاؤوا به من عند ربهم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣)
والإيمان بمعجزاتهم، وأنهم بلغوا رسالات ربهم، وأدوا الأمانة، ونصحوا الأمة، وأن محمدًا صلى الله خاتمهم وأفضلهم، واثبات شفاعتهم التي أثبتها الله في كتابه، وهي من بعد اذنه
_________________
(١) سورة الزمر آية ٤٤.
(٢) سورة النجم آية٢٦.
(٣) سورة آل عمران آية ٣١.
[ ١٧ ]
لمن رضي عنه من أهل التوحيد.
وأما المقام المحمود الذي ذكر الله في كتابه وعظم شأنه فهو لنبينا محمد صلى عليه وسلم. وكذلك حق أوليائه محبتهم، والترضي عنهم، والإيمان بكراماتهم، لا دعاؤهم ليجلبوا لمن دعاهم خيرًا لا يقدر على جلبه إلا الله تعالى، أو ليدفعوا عنهم سوءً لا يقدر على دفعه إلا هو ﷿، فإن ذلك عبادة مختصة بجلاله تعالى وتقدس.
هذا إذا تحققت الولاية رجيت لشخص معين كظهور اتباع سنة، وعمل بتقوى في جميع أحواله، وإلا فقد صار الولي في هذا الزمان من أطال سبحته، ووسع كمه، وأسبل ازاره، ومد يده للتقبيل، وليس شكلًا مخصوصًا، وجمع الطبول والبيارق، وأكل أموال عباد الله ظلمًا وادعاءًا ورغب عن سنة المصطفى وأحكام شرعه. فنحن إنما ندعو إلى العمل بالقرآن العظيم، والذكر الحكيم، الذي فيه الكفاية لمن اعتبر وتدبر وبعين بصيرته نظر وفكر، فإنه حجة الله وعهده، ووعده، ووعيده، فمن اتبعه عاملًا بما فيه جد جده، وبان سعده، ومن خالفه واتبع هواه فقد ضل ضلالًا مبينًا.
والتوحيد ليس هو محل الاجتهاد، فلا تقليد فيه ولا عناد. ولا نكفر إلا من أنكر أمرنا هذا ونهينا، فلم يعمل بما أنزل الله من التوحيد، بل عمل بضده الذي هو الشرك الأكبر، والذنب الذي لا يغفر، كما سنذكر أنواعه، وجعله
[ ١٨ ]
دينًا، وسماه وسيلة عنادًا وبغيًا، ووالى أهله وظاهرهم علينا، ولم يقم باركان الدين وامتنع من قبول دعوتنا، وأمر بقتالنا وارجاعنا عن دين الله الحق إلى ما هم عليه من الشرك، والعمل بسائر مالا يرضي رب العباد، ويأبي الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
وما حجتهم علينا إلا أن المدعو يكون شفيعًا ووسيلة. ونحن نقول أن هؤلاء الداعين الهاتفين بذكر الأموات والأحياء الغائبين يطلبون كشف شدتهم، وتفريج كربتهم وإبراء مريضهم، ومعافاة سقيمهم، وتكثير رزقهم وإيجاده من العدم، ونصرهم على عدوهم برًا وبحرًا، ولم يكفهم الاقتصار على مسألة الشفاعة والوسيلة /وحقيقة قولنا أن الشفاعة وإن كانت حقًا في الآخرة، فلها أنواع مذكورة في محلها.
ويجب على كل مسلم الإيمان بشفاعته صلي الله وعليه وسلم بل وغيره من الشفعاء، فهي ثابتة بالوصف لا بالشخص ماعدا الشفاعة العظمى فإنها لأهل الموقف عامة وليس منها ما يقصدون. فالوصف من مات لايشرك بالله شيئًا.
كما في البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي صلي الله وعليه وسلم أنه قال: "لكل نبي دعوة مستجابة، واني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وهي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا يشرك بالله شيئًا".
[ ١٩ ]
وحديث أنس بن مالك الذي في الشفاعة بطوله. وحديث الذراع الذي رواه أبو هريرة المتفق عليه.
وإذا كانت بالوصف فرجاؤه أن يشفع فيه نبيه هو المطلوب.
[ ٢٠ ]
فصل: فالمتعين على كل مسلم صرف همته وعزائم أمره إلى ربه ﵎
فصل
فالمتعين على كل مسلم صرف همته وعزائم أمره إلى ربه ﵎، بالإقبال إليه والإتكال عليه، والقيام بحق العبودية لله ﷿، فإذا مات موحدًا شفع الله فيه نبيه.
بخلاف من أهمل ذلك وتركه، وارتكب ضده من الإقبال إلى غير الله بالتوكل عليه، ورجائه فيما لا يمكن وجوده إلا من عند الله، والالتجاء إلى ذلك الغير، مقبلًا على شفاعته متوكلًا عليها، طالبًا لها من النبي ﷺ أو غيره، راغبًا إليه فيها، تاركًا ما هو المطلوب المتعين عليه، من اخلاص للعبادة لله وطلب الشفاعة منه، فهذا بعينه فعل المشركين واعتقادهم، ولم تنشأ فتنة في الوجود إلا بهذا الاعتقاد.
ولهذا حسم جل وعلا مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذنه وحده، فلا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، لا ملك ولا نبي ولا غيرهما، لأن من شفع عند غيره بغير إذنه فهو شريك له في حصول ذلك المطلوب لتأثيره فيه بشفاعته، ولاسيما ان كانت من غير اذنه، فجعله يفعل ما طلب منه، والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه، وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه، والله تعالى وتر لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه، ولهذا قال عز من قائل: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾
[ ٢١ ]
وقال: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (١) فمن طلبها من غير الله، فقد زعم أنها مشروعة بغير إذن الله ورضاه عن المشفوع له.
والله يقول: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٣) والعبرة في النصوص بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، مع ملاحظته وعدم الاقتصار عليه-
_________________
(١) سورة الأنعام آية ٩٤.
(٢) سورة السجدة آية ٤.
(٣) سورة الأنعام آية ٥١.
[ ٢٢ ]
فصل
وأما دعاء الله ﷿ للغير، فقد مضت السنة أن الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه.
ودعوة المسلمين بعضهم لبعض مستحبة، قد وردت بها الآثار الصحيحة في مسلم وغيره، فإن كانت للميت فهي آكد. وكان النبي ﷺ يقف على القبر بعد الدفن فيقول: "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يُسأل".
فالميت أحوج بعد الدفن إلى الدعاء، فإذا قام المسلمون على جنازته دعوا الله له، وشفعوا له بالصلاة عليه دون أن يدعوه. فبدل أهل الشرك والبدع الدعاء له بدعائه، والاستغاثة به والهتف باسمه عند حلول الشدة، وتركوا من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه.
كما بدلوا الزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ احسانًا إلى الميت، وتذكيرًا بالآخرة، بسؤال الميت وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وحضور القلب وخشوعه عندها، أعظم منه في الصلاة والمساجد وإذا كان الدعاء مشروعًا لسائر المؤمنين، فالنبي ﷺ أحق الناس بأن يصلى ويسلم عليه ويدعى له بالوسيلة.
كما في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي فإنه من صلى علي مرة
[ ٢٣ ]
صلى الله عليه بها عشرًا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي يوم القيامة".
واستشفاع العبد في الدنيا إنما هو فعل للسبب لحصول شفاعته له يوم القيامة طبق ما جاء به قولًا واعتقادًا.
وإنما سئلت له الوسيلة مع تحققها تنويهًا بقدره، ورفعًا لذكره، ويعود ثواب ذلك إلينا. فهذا هو الدعاء المأثور وهو فارق بين الدعاء الذي أحبه والذي نهى عنه.
ولم يذكر أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم من أئمة السلف فيما نعلمه أن النبي ﷺ يسئل بعد الموت الاستغفار ولا غيره.
قال الإمام مالك ﵀ فيما ذكره اسماعيل بن أسحق في المبسوط عنه، والقاضي عياض في الشفاء والمشارق، وغيرهما من أصحاب مالك عنه: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو ولكن يسلم ويمضي، وقال أيضًا في المبسوط عن مالك لا بأس لمن قدم من السفر أو خرج إليه يقف عند قبر النبي ﷺ ويصلي ويسلم عليه ويدعو له، ولأبي بكر، وعمر، فقيل له إن ناسًا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه، وهم يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر يأتون عند القبر
[ ٢٤ ]
فيسلمون عليه ويدعون ساعة فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه في بلدنا لا من الصحابة ولا غيرهم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه في بلدنا لا من الصحابة ولا غيرهم، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها انهم كانوا يفعلون ذلك: يكررون المجيء إلى القبر، بل كانوا يكرهونه إلا لمن جاء من سفر وأراده انتهى.
وتلاوة الآية في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (١) الآية والاستغفار بحضرة القبر، وإن قال به جماعة من متأخري الفقهاء فهم لم يقولوا يدعى صاحب القبر، بل المحفوظ عنهم أن الميت والغائب لا يسئل منه شيء لا استغفار ولا غيره. وحياته في قبره برزخية لا تقتضي دعاءه، وأصحابه أعلم بها منا، ولم يأت أحدهم إلى القبر فيسأله ويستغيث به.
وقد ثبت النهي منه ﵊ أن يتخذ قبره عيدًا. قال أبو يعلى الموصلي في مسنده عن علي بن الحسين ﵄ قال أحدثكم حديثًا سمعته عن أبي عن جدي ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا
_________________
(١) سورة النساء آية ٦٤.
[ ٢٥ ]
ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم" رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاراته.
وروى سعيد بن منصور في السنن عن أبي سعيد مولى المهرى قال: قال رسول الله ﷺ "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" وروى هذا الحديث أبو داود عن أبي هريرة. ورواه سعيد أيضًا من حديث الحسن بن الحسن بن علي ﵁ وهذان الحديثان، وإن كانا مرسلين فهما يقويهما حديث أبي هريرة المرفوع في الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا" وهو حديث ثابت باتفاق أهل العلم يتلقى بالقبول عنهم، وهو إن كان معناه لا تشدوا الرحال إلى مسجد من المساجد إلا إلى الثلاثة التي قد ذكرت، فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة إنما هو للصلاة فيها والدعاء والذكر وقراءة القرآن، والاعتكاف الذي هو من الأعمال الصالحة. وما سوى هذه المساجد لا يشرع السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتى مسجد قباء يستحب قصده من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرحل إليه من بعيد، ولذلك كان النبي ﷺ يأتي إليه كل سبت ماشيًا وراكبًا، وكان ابن عمر يفعله كما في
[ ٢٦ ]
الصحيح.
وكما أنه أسس على التقوى، فمسجده ﷺ أعظم في تأسيسه على التقوى، كما ثبت في الصحيح عنه، ﷺ أنه سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال: "مسجدي هذا" فكلا المسجدين أسس على التقوى، ولكن اختص مسجده بأنه أكمل في هذا الوصف من غيره، فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويأتي لمسجد قباء يوم السبت.
وإذا كان السفر إلى مسجد غير الثلاثة ممنوعًا شرعًا مع أن قصده لأهل مصره يجب تارة، ويستحب أخرى، وقد جاء في قصد المساجد من الفضل مالا يحصى، فالسفر إلى مجرد القبور أولى بالمنع. ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة التي أحدثها الملوك وأشباههم.
تنبيه:
الأحاديث التي رواها الدارقطني في زيارة ﵊، كلها مكذوبة موضوعة باتفاق غالب أهل المعرفة، منهم ابن الصلاح، وابن الجوزي، وابن عبد البر، وأبو القاسم السهيلي، وشيخه ابن العربي المالكي والشيخ تقي الدين بن تيمية وغيرهم. ولم يجعلها في درجة الضعيف إلا القليل، وكذلك تفرد بها الدارقطني عن بقية أهل السنن، والأئمة كلهم يرون بخلافهم.
[ ٢٧ ]
وأجل حديث روي في هذا حديث أبي بكر البزار، ومحمد بن عساكر، حكاه أهل المعرفة بمصطلح الحديث كالقشيري والشيخ تقي الدين وغيرهما.
وإنما رخص ﷺ في زيارة القبور مطلقًا بعد أن نهى عنها. كما ثبت في الصحيح، لكن بلا شد رحل وسفر إليها، للأحاديث الواردة في النهي عن ذلك كما تقدم.
[ ٢٨ ]
فصل: وإذا كان السفر المشروع لقصد مسجد النبي ﷺ للصلاة فيه دخلت زيارة القبر تبعا لأنها غير مقصودة استقلالا
فصل
وإذا كان السفر المشروع لقصد مسجد النبي ﷺ للصلاة فيه دخلت زيارة القبر تبعًا لأنها غير مقصودة استقلالًا، وحينئذ فالزيارة مشروعة مجمع على استحبابها بشرط عدم فعل محذور عند القبر، كما تقدم عن مالك.
وما حكاه الغزالي ﵀ ومن وافقه من متأخري الفقهاء من السفر لأجل زيارة القبر فمرادهم السفر المجرد عن فعل العبادة من الصلاة والدعاء عنده، بل يصلي ويسلم عليه ويسأل له الوسيلة، ثم يسلم على أبي بكر، ثم عمر.
ولا يقصد الصلاة عند القبر للعنه ﷺ المتخذين قبور أنبيائهم مساجد، واللعنة في كلام الله، وكلام رسوله لا تجامع إلا الحرمة والإثم لا مجرد الكراهة ولقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قال ابن حجر ﵀ في "الامداد الموسوم بشرح " " ينوي الزائر المتقرب السفر إلى مسجده ﷺ وشد الرحل إليه، لتكون زيارة القبر تابعة، انتهى.
واتخاذ قبور الأنباء والصالحين مساجد هو الموقع لكثير من الأمم، إما في الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك الأصغر، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم الصالحين،
[ ٢٩ ]
كوَدّ، وسواع، ويغوث، وتماثيل طلاسم الكواكب ونحو ذلك يزعمون أنها تخاطبهم وتشفع لهم.
والشرك بقبر النبي ﷺ أو الرجل المعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أوبحجر. ولهذا تجد أهل الشرك كثيرًا ما يتضرعون ويخشعون عندها مالا يخشعون لله في الصلاة، ويعبدون أصحابها بدعائهم ورجائهم، والاستغاثة بهم، وسؤال النصر على الأعداء وتكثير الرزق، وإيجاده، والعافية، وقضاء الديون، ويبذلون لهم النذور لجلب ما أملوه، أو دفع ما خافوه، مع اتخاذهم أعيادًا، والطواف بقبورهم، وتقبيلها واستلامها وتعفير الخدود على تربتها، وغير ذلك من أنواع العبادات، والطلبات التي كان عليها عباد الأوثان يسألون أوثانهم ليشفعوا لهم عند مليكهم، فهؤلاء يسأل كل منهم حاجته وتفريج كربته، ويهتفون عند الشدائد باسمه كما يهتف المضطر بالفرد الصمد، ويعتقدون أن زيارته موجبة للغفران، والنجاة من النيران وانها تجب ما قبلها من الآثام، بل قد وجد هذا الاعتقاد في الأشجار والغيران، يهتفون باسمها، واسم من ينسبونها إليه من المعتقدين بما لا يقدر عليه إلا رب العالمين، وأكثر ما يكون ذلك عند الشدائد.
[ ٣٠ ]
فصل: والله تعالى عز شأنه، قد فسر هذا الدعاء في مواضع أخرى بأنه عبادة محضة
فصل
والله تعالى عز شأنه، قد فسر هذا الدعاء في مواضع أخرى بأنه عبادة محضة، كقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (١)
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٢) والأنبياء والملائكة والصالحون كل معبود من هؤلاء داخل في عموم قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٣) كما هو سبب النزول.
وقوله عز شأنه: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (٤) فدعاؤهم آلهتهم هو عبادتهم لها، ولأنهم كانوا إذا جاءتهم
_________________
(١) سورة الشعراء آية ٩٣،٩٢.
(٢) سورة الأنبياء آية ٩٨.
(٣) سورة الأنبياء آية ١٠١.
(٤) سورة الكافرون آية ٢.
[ ٣١ ]
الشدائد دعو الله وحده وتركوها، ومع هذا فهم يسألونها بعض حوائجهم بواسطة قربهم من الله ويطلبونها منهم بشفاعتهم لهم. فأمر الله العباد بإخلاص تلك العبادة له وحده، فلا يدعونهم ولا يسألونهم الشفاعة، فإن ذلك دين المشركين.
قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير ٍوَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (٢) وإنما ذكر الله تعالى ذلك عنهم لأنهم يدعون الملائكة والأنبياء ويصورون صورهم ليشفعوا لهم فيما دعوهم فيه وذلك بطرق مختلفة "ففرقة" قالت ليس لنا أهلية مباشرة دعاء الله ورجائه، بلا واسطة تقربنا إليه وتشفع لنا لعظمته.
_________________
(١) سورة سبأ آية ٢٣،٢٢.
(٢) سورة الإسراء آية ٥٧،٥٦.
[ ٣٢ ]
"وفرقة" قالت الأنبياء والملائكة لهم وجاهة ومنزلة عند الله فاتخذوا صورهم من أجل حبهم لهم ليقربوهم إلى الله زلفى. "وفرقة" جعلتهم قبلة في دعائهم وعبادتهم.
"وفرقة" اعتقدت أن لكل صورة مصورة على صورة الملائكة والأنبياء وكيلًا موكلًا بأمر الله، فمن أقبل على دعائه ورجائه وتبتل إليه، قضى ذلك الوكيل ما طلب منه بأمر الله، وإلا أصابته نكبة بأمر الله تعالى.
فالمشرك إنما يدعوا غير الله بما لا يقدر عليه إلا هو تعالى ويلتجئ إليه فيه ويرجوه منه بما يحصل له في زعمه من النفع، وهو لا يكون إلا فيمن وجدت فيه خصلة من أربع:
اما أن يكون مالكًا لما يريد منه داعيه، فإن لم يكن مالكًا كان شريكًا، فإن لم يكن شريكًا كان ظهيرًا، فإن لم يكن كان شفيعًا. فنفى الله ﷾ هذه المراتب الأربع عن غيره، الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة التي لأجلها وقعت العداوة والمخاصمة بالآية المتقدمة وبقوله: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ (١) وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ (٢)
_________________
(١) سورة الإسراء آية ١١١.
(٢) سورة آل عمران آية ٢٦.
[ ٣٣ ]
وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (١) وقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (٢) وقوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣) وقوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا، يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ (٤) وأثبت ﷾ مالا نصيب فيه لمشرك البتة، وهي الشفاعة بإذنه لمن رضي عنه وهو سبحانه يعلم السر وأخفى ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
لهذا لما قالت الصحابة ﵃: أربنا قريب فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه؟ أنزل الله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٦)
_________________
(١) سورة غافر آية ١٦.
(٢) سورة الانفطار آية ١٩.
(٣) سورة الفاتحة آية ٤.
(٤) سورة طه آية ١٠٩،١٠٨.
(٥) سورة البقرة آية ١٨٦.
(٦) سورة الزمر آية ٤٣.
[ ٣٤ ]
فصل: الموحد من اجتمع قلبه ولسانه على الله مخلصا له تعالى الألوهية
فصل
الموحد من اجتمع قلبه ولسانه على الله مخلصًا له تعالى الألوهية المقتضية لعبادته في محبته وخوفه ورجائه ودعائه والاستعانة به، والتوكل عليه، وحصر الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله وحده، والموالاة في ذلك، والمعاداة فيه، وأمثال هذا ناظرًا إلى حق الخالق والمخلوق من الأنبياء والأولياء مميزًا بين الحقين.
وذلك واجب في علم القلب، وشهادته، وذكره، ومعرفته، ومحبته، وموالاته وطاعته وهذا من تحقيق"لا إله إلا الله" لأن معنى "الا له" عند الأولين ماتألهه القلوب بالمحبة، والتعظيم، والخضوع ونحو ذلك مما لا يكون إلا الله. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ (١) ﴿تاللهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢) وهم ماسووهم به لا في الصفات، ولا في الذات، ولا في الأفعال، كما حكى الله عنهم في الآيات، والشاهد لله بأنه
_________________
(١) سورة البقرة آية ١٦٥.
(٢) سورة الشعراء آية ٩٨،٩٧.
[ ٣٥ ]
لا إله إلا هو، وقائلها نافيا قلبه ولسانه لألوهية كل ما سواه من الخلق، ومثبتا به الإلوهية لمستحقها وهو الله المعبود بالحق، فيكون معرضًا عن الوهية جميع المخلوقات لا يتألههم بما لا يقدر عليه إلا الله، مقبلًا على عبادة رب الأرض والسموات وذلك يتضمن اجتماع القلب في عبادته ومعاملته على الله ومفارقته في ذلك كل ما سواه فيكون مفرقا في عمله، وقصده، وشهادته، وإرادته، ومعرفته، ومحبته بين الخالق والمخلوق، بحيث يكون عالما بالله، ذاكرًا له، عارفًا به، وانه تعالى مباين لخلقه، منفرد عنهم بعبادته، وأفعاله، وصفاته، فيكون محبا فيه مستعينا به لا بغيره، متوكلا عليه لا على غيره.
وهذا المقام هو المعني في ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) وهو من خصائص الألوهية التي يشهد له بها تعالى عباده المؤمنون. كما أن رحمته لعبيده، وهدايته إياهم وخلقه للسموات والأرض وما بينهما وما فيهما من الآيات، من خصائص الربوبية التي يشترك في معرفتها المؤمن والكافر، والبر والفاجر، حتى ابليس عليه اللعنة معترف بها في قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٢)
_________________
(١) سورة الفاتحة آية ٥.
(٢) سورة ص آية ٧٩.
[ ٣٦ ]
وقوله: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١) وأمثال هذا الخطاب الذي يعترف فيه بأنه ربه وخالقه ومليكه، وأن ملكوت كل شيء في يده تعالى وتقدس، وإنما كفر بعناده وتكبره عن الحق وطعنه فيه وزعمه انه فيما ادعاه وقاله محق. وكذلك المشركون الأولون يعرفون ربوبيته تعالى، وهم له بها يعترفون، قال تعالى: ﴿قلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٤) فمن دعا غيره تعالى لم يكن مخلصًا، وقال تعالى:
_________________
(١) سورة الحجر آية ٣٩.
(٢) سورة المؤمنون آية ٨٤، ٨٥.
(٣) سورة المؤمنون آية ٦١.
(٤) سورة العنكبوت آية ٦٥.
[ ٣٧ ]
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ (٢) والآيات في هذا الباب كثيرة جدًا.
وروى الإمام أحمد في مسنده والترمذي من حديث حصين ابن عبيد أن رسول الله ﷺ قال: "يا حصين كم تعبد؟ قال ستة في الأرض وواحدًا في السماء. قال: فمن ذا الذي تعد لرغبتك؟ قال الذي في السماء. فقال له رسول الله ﷺ: "أسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن" فأسلم فقال له قل: "اللهم الهمني رشدي وقني شر نفسي".
فمجرد معرفتهم بربوبيته تعالى واعترافهم بها لم تنفعهم ولم تدخلهم في الإسلام لما جعلوا مع الله آلهة أخرى يدعونها ويرجونها لتقربهم إلى الله زلفى وتشفع لهم عنده، فبذلك
_________________
(١) سورة المؤمنون آية ٨١.٨٨.
(٢) سورة الشعراء من آية ٦٩ إلى ٧٤.
[ ٣٨ ]
كانوا مشركين في عبادته ومعاملته. ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.
والمقصود
من الأدلة السابقة، ومما يأتي أن يفهم القارئ أن الدعاء هو العبادة روى النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الدعاء هو العبادة" -وفي رواية- "مخ العبادة" ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (١) رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه أيضًا النسائي، وابن ماجه والحاكم والإمام أحمد وابن أبي شيبة بهذا اللفظ.
وهذه الصيغة تفيد حصر الدعاء على العبادة فلا يخرج عنها لأنها من الصفات اللازمة التي ليس لها مفهوم يخالف الظاهر كقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ (٢)
إذ كل مدعو فهو اله قصد الداعي أن يكون مدعوه إلهًا أم لا، اتخذه المشركون الأولون أم لا، وليس ثم دعاء اله آخر له برهان.
_________________
(١) سورة غافر آية ٦٠.
(٢) سورة المؤنون آية ١١٧.
[ ٣٩ ]
فصل يوضح ما قدمنا أن الله ﷾ وصف دين المشركين
فصل
وضح ما قدمنا أن الله ﷾ وصف دين المشركين بقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (١) الآية: فبين في هذه الآية أن قصدهم الشفاعة.
وفي صحيح البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال سألت رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك"، قال: فقلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "ان تزاني بحليلة جارك" فأنزل الله تصديقها ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ (٢)
فبين النبي ﷺ أن أعظم الذنوب الشرك بالله الذي هو جعل الانداد واتخاذهم من خلقه ليقربوهم وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم".
فدين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه.
_________________
(١) سورة الزمر آية ٣.
(٢) سورة الفرقان آية ٦٨.
[ ٤٠ ]
فصل
والشرك شركان:
أكبر وله أنواع، ومنه الذي تقدم بيانه آنفًا.
وشرك أصغر كالرياء والسمعة، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه".
ومنه الحلف بغير الله لما روى ابن عمر ﵄ عن رسول الله ﷺ: "من حلف بغير الله فقد أشرك" أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه ابن حبان.
وقال ﷺ: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت" أخرجه الشيخان وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال له رجل ما شاء الله وشئت قال: "أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده" والشرك الأصغر لا يخرج عن الملة، وتجب التوبة منه ومن كل ذنب.
[ ٤١ ]
فصل: فلم يبق إلا التوسل بالأعمال الصالحة كتوسل المؤمنين بإيمانهم
فصل:
فلم يبق إلا التوسل بالأعمال الصالحة كتوسل المؤمنين بإيمانهم في قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ (١) وكتوسل أصحاب الصخرة المنطبقة عليهم وهم ثلاثة نفر توسلوا إلى الله بالأعمال الصالحة. والحديث في صحيح البخاري.
والله سبحانه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله.
وكسؤال الله بأسمائه الحسنى قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢)
وكالأدعية المأثورة في السنن "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام" وأمثال ذلك، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (٣)
_________________
(١) سورة آل عمران آية ١٩٣.
(٢) سورة الأعراف آية ١٨٠.
(٣) سورة المائدة آية ٣٥.
[ ٤٢ ]
والوسيلة القرب التي يتقرب بها إلى الله وتقرب فاعلها منه، وهي الأعمال الصالحة لما روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله من عاد لي وليًا فقد آذنته بالحرب وما تقرب لي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه" الحديث.
ولهذا كان رسول الله ﷺ إذا أهمه أمر فزع إلى الصلاة لأنها أعظم القرب إلى الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ (١)
وأما التوسل بمخلوق وجعله واسطة بين الله وبين عبده، فهو عين ما نهى الله عنه في الآيات وأنزل بقبحه الكتب وأرسل الرسل: ومنه ما قالت بنو إسرائيل لموسى: "اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة" وكان قصدهم يتقربون به.
_________________
(١) سورة البقرة ٤٥.
[ ٤٣ ]
فصل: وأما الاقسام على الله بمخلوق فهو منهي عنه باتفاق العلماء
فصل
وأما الاقسام على الله بمخلوق فهو منهي عنه باتفاق العلماء، وهل هو منهي عنه نهي تنزيه أو تحريم؟ على قولين "أصحهما" أنه كراهة تحريم، واختاره العز بن عبد السلام في فتاويه. قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف يقول: قال أبو حنيفة رحمهما الله لا ينبغي لأحد أن يدعوا الله إلا به، وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك، أو بحق خلقك، وهو قول أبي يوسف. قال أبو يوسف بمعاقد العز من عرشك هو الله فلا أكره هذا، وأكره بحق فلان، وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت الحرام، والمشعر الحرام.
قال القدوري ﵀: المسألة بحق المخلوق لا تجوز لهذا فلا يقول: أسألك بفلان وبملائكتك وأنبيائك ونحو ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، انتهى.
وأما قوله "وبحق السائلين عليك" ففيه عطية العوفي وفيه ضعف، ومع صحته فمعناه بأعمالهم لأن حقه تعالى عليهم طاعته وحقهم عليه الثواب والإجابة، وهو تعالى وعد أن يستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله.
وإذا والى العبد ربه وحده أقام الله له وليًا من الشفعاء، وهي الموالاة بينه وبين عباده المؤمنين فصاروا أولياءه في الله
[ ٤٤ ]
بخلاف من اتخذ مخلوقًا من دون الله أو معه، فهذا نوع وذلك نوع آخر.
كما أن الشفاعة الشركية الباطلة نوع، والشفاعة الحق الثابتة التي تنال بالتوحيد نوع آخر.
[ ٤٥ ]
فصل: ومما استدل به علينا الخصم وزعم أن دعوة غير الله وسيلة قوله: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ"
فصل
ومما استدل به علينا الخصم وزعم أن دعوة غير الله وسيلة قوله: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة، يامحمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى، اللهم شفعه فيَّ" رواه الترمذي والحاكم وابن ماجة عن عثمان بن حنيف فجوابه من وجوه.
" الأول " أنه في غير محل النزاع إذ ليس فيه سؤال النبي ﷺ نفسه، وإنما فيه سؤال الله وحده أن يشفع فيه نبيه.
فأين هذا من عمارة القبور وإلقاء الستور عليها وتسريجها الذي وردت النصوص الصريحة الصحيحة في تحريمه كما في السنن أنه ﷺ لعن زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج، وهذه كلها كبائر كما قال أهل العلم حتى ابن حجر الهيتمي وغيره حددوها بأنها ما أتبع بلعنة أو غضب أو نار.
والأحاديث في تحريم عمارة القبور كثيرة في الصحيحين وغيرهما وارتكاب الكبائر والبناء على القبور ونحوه جنى على الأمة أعظم البلاء من دعاء أصحابها ورجاءهم، والالتجاء إليهم، والنذر لهم، وكتب الرقاع لهم، وخطابهم يا سيدي افعل كذا وكذا، وبهذا عبدت اللات والعزى، والويل كل الويل عندهم لمن عاب وأنكر عليهم.
[ ٤٦ ]
ومن قارن بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وزيارتها، وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه الناس اليوم رأى أحدهما مضادًا للآخر، مناقضًا له. فإنا لله وإنا إليه راجعون. وإذا كان سبب قول الله ﷿: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) مجيء حبر من اليهود إلى رسول الله ﷺ والمسلمين، وقوله: نعم القوم أنتم لولا أنكم تجعلون لله أندادًا فتقولون: ما شاء الله وشاء فلان فقال رسول الله ﷺ: "أما إنه قد قال حقًا" وأنزل الله ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وممن اخرج الحديث جلال الدين السيوطي في الدر المنثور في تفسيره.
وهؤلاء يجب أحدهم معتقده أكثر من حب الله، وان زعم أنه لا يحبه كحبه، فشواهد الحال تشهد عليه بذلك، فإنه يعظم القبر أعظم من بيت الله، ويحلف بالله كاذبًا ولا يحلف بمعتقده. فلا جامع بين ما استدلوا به علينا وبين ما نهيناهم عنه.
" الثاني " ان الحديث دليل لنا أنه لا يدعي غير الله ﷿، فإن قوله: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد ﷺ نبي الرحمة" سؤال الله ﷿ لا للمخلوق. وتوجه إليه بدعاء نبيه بدليل ما يأتي بعد. وقوله: "يا محمد إني
_________________
(١) سورة البقرة آية ٢٢.
[ ٤٧ ]
أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضي. اللهم شفعه في" معناه: أتوجه إليك بدعاء نبيك وشفاعته التي معناها في هذه الدار الدعاء. ولهذا قال في تمام الحديث: "اللهم شفعه في" أي استجب دعاءه وهذا متفق على جوازه، إذ الحي يطلب منه سائر ما يقدر عليه.
أما الغائب والميت فلا يستغاث به، ولا يطلب منه مالا يقدر عليه قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ (١)
إنما غايته طلب الدعاء من الحي، وقبول شفاعته عند الله ﷿، وهو صلي الله عليه وسلم انتقل من هذه الدار إلى دار القرار بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة. ولهذا استسقي أصحابه بعمه العباس بن عبد المطلب، وطلبوا منه أن يدعوا لهم في الاستسقاء عام القحط، أخرجه البخاري عن أنس ابن مالك ﵁، ولم يأتوا إلى قبره ولا وقفوا عنده مع أن حياته ﷺ في قبره برزخية، والدعاء عنده مبناها على التوقيف والاتباع. ولو كان هذا من العبادات لسنه الرسول، ولكان أصحابه أعلم بذلك وأتبع. ولهذا لم يفعله أحد من الصاحبة ولا التابعين مع شدة
_________________
(١) سورة آل عمران آية ١٥٤
[ ٤٨ ]
احتياجهم وكثرة مدلهماتهم. وهم أعلم بمعاني كتاب الله وسنة رسوله وأحرص على اتباع ملته من غيرهم، بل كانوا ينهون عنه وعن الوقوف عند القبر للدعاء عنده وهم خير القرون التي نص عليها النبي ﷺ في قوله: "خيركم قرني ثم الذين يلونهم" قال عمران: لا أدري أذكر اثنين أو ثلاثا بعد قرنه. أخرجه البخاري في صحيحه.
" الثالث " أنهم زعموا أنه دليل للوسيلة إلى الله بغير محمد ﷺ وخرجوا عن محل النزاع إلى شيء آخر، وهو التوسل بغير رسول الله ﷺ ولا دليل فيه أصلًا، لأنهم صرحوا بأنه لا يقاس مع الفارق. فلا يجوز لنا أن نقول: اللهم إنا نسألك ونتوجه إليك برسولك نوح، يا رسول الله يا نوح.
ولا لنا أن نقول: إنا نسألك ونتوجه إليك بخليلك إبراهيم ولا بكليمك موسى، ولا بروحك عيسى، مع أن الجامع في نوح ﵇ الرسالة، وفي ابراهيم ﵇ الخلة مع الرسالة، وفي موسى روح الله وكلمته مع الرسالة، فليس لنا أن نقول هذا لأنه لم يرد، ولا حاجة لنا إلى فعل شيء لم يرد. والقياس إنما يباح عند من يقول به للحاجة في حكم لا يوجد فيه نص. فإذا وجد النص فلا يحل القياس عند من يقول به ولا حاجة لنا إلى قول مخترع يجر إلى الشرك، خصوصًا مع ماورد فيه، وأنه في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل وأن هذه
[ ٤٩ ]
الأمة افترقت على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، فالناجية من اتبع ما كان عليه ﷺ وأصحابه.
" الرابع " أن الوسيلة ليست هي أن ينادي العبد غير الله، ويطلب حاجته التي لا يقدر على وجودها إلا الرب ﵎ ممن لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، وأن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه.
[ ٥٠ ]
فصل: ومما استدل به علينا في جواز دعوة غير الله في المهمات قوله ﷺ: "إذا انفلتت دابة أحدكم في أرض فلاة فلينادي يا عباد الله احبسوا"
فصل
ومما استدل به علينا في جواز دعوة غير الله في المهمات قوله ﷺ في الحديث الذي رواه ابن مسعود: "إذا انفلتت دابة أحدكم في أرض فلاة فلينادي يا عباد الله احبسوا".
وفي رواية "إذا أعيت فلينادي يا عباد الله أعينوا" وهذا من جملة الجهل والضلال، وإخراج المعاني عن مقاصدها من وجوه.
" الأول " أن هذه ليست بوسيلة أصلًا، إذ معنى الوسيلة ما يتقرب به من الأعمال إلى الله ﷿ وهذا ليس بقربة.
" الثاني " أن الحديثين غير صحيحين.
أما الأول فرواه الطبراني في الكبير بسند منقطع عن عقبة ﵁، وحديث انفلات الدابة عزاه النووي ﵀ لابن السني وفي اسناده معروف بن حسان، قال بن عدى هو منكر الحديث ولا دليل في هذين الحديثين مع ضعفهما ولا في الحديث المتقدم قبلهما على دعاء أصحاب القبور كعبد القادر الجيلاني من قطر شاسع، بل ولا ينادي غيره لا الأنبياء، ولا الأولياء، إنما غايته أن الله ﷿ جعل من عباده من لا يعلمهم إلا هو سبحانه ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ وإذا نادى شخصًا باسمه معينًا فقد كذب على رسول الله صلى الله وعليه وسلم " " من لا يؤمر بندائه، وليس معنى الحديث في كل حركة
[ ٥١ ]
وسكون وقيام وقعود، وإنما أبيح له ذلك إن أراد عونًا على حمل متاعه أو انفلتت دابته، هذا مع تقدير صحة الحديث.
" الثالث " إن الله تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا﴾ (١) فبعد أن أكمله بفضله ورحمته. لا يحل أن نخترع فيه ما ليس منه ونقيس مالا قياس عليه.
" الرابع " ان الحديث الصحيح إذا شذ عن قواعد الشرع لا يعمل به، فإنهم قالوا ان الحديث الصحيح الذي يعمل به إذا رواه العدل الضابط عن مثله من غير شذوذ ولا علة، فكيف العمل بالحديث المتكلم فيه بما يدل عليه دلالة مطابقة، ولا تضمن، ولا التزام، فهذا هو البهتان.
" الخامس " انهم دعموا إجابتهم بذكر من يعتقدون ونسبوا الأفعال إليهم، وكل أحد يذكر ما وقع له من الاستغاثة بفلان وانه أنجده، وكشف شدته.
فإذا قال أحد سبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، سبحانك هذا بهتان عظيم قاموا عليه وخرجوه وبدعوه، وقالوا معلوم أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فإذا قال نعم ولكن ليس لأحد منهم ملكوت " " والله
_________________
(١) سورة المائدة آية ٣.
[ ٥٢ ]
يقول: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ (١) يكون جواب من يدعي العلم والإنصاف أن هذه الآية نزلت في عبادة الأصنام فيقال له: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".
ومن المكابرة أن يعمل شخص كعمل المشركين أو أشد ثم يقول أنا لست بمشرك، فلم يبق لهذا الزاعم ما يتشبث به إلا قوله بأن الأمة مطبقة على هذا، والأمة لا تجمع على ضلالة. فيلزم تضليل الأمة وتسفيه الآباء.
وجوابه أن هذا كذب على الأمة، وهذه كتب الحديث والتفسير كلها تنص على أن لا يجوز أن يدعي غير الله ﷿ بما لا يقدر عليه إلا هو ولا يباح، بل الآيات البينات والأحاديث وأقوال العلماء ترشد أن هذا شرك محقق والله تعالى يقول لرسوله ﷺ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (٢)
_________________
(١) سورة فاطر آية ١٤،١٣.
(٢) سورة الأنعام آية ١٥١.
[ ٥٣ ]
ويقول: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١) والأحاديث ونصوص العلماء لا تخالف الكتاب.
" السادس " أنهم اختلفوا في التوسل إليه بشيء من مخلوقاته تعالى وتقدس هل هو مكروه أو حرام، والأشهر الحرمة كما قال به أبو محمد العز بن عبد السلام في فتاويه أنه لا يجوز التوسل إليه بشيء من مخلوقاته لا الأنبياء ولا غيرهم، وتوقف في حق نبينا محمد ﷺ هل فيه الحرمة أو الكراهة، وتقدم قول أبي حنيفة وأصحابه ﵏.
" السابع " أنهم يشترون أولادهم ممن يعتقدون فيه السر والبركة ويعبدونهم لهم ويبنون لهم الزوايا ويعمرونها بآلات الطرب واللهو ومطارق الحديد يضربون بها أنفسهم، ومن ألئك جماعة يعرفون بالعلوانية، والقادرية والرفاعية وأشباههم، وهذه أسماء ما أنزل الله بها من سلطان. والله قد سمانا المسلمين. قال الله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ (٢)
_________________
(١) سورة الإسراء آية ٢٣.
(٢) سورة الحج أية ٧٨.
[ ٥٤ ]
فاستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
وإذا مرض هذا المشتري من المعتقد نذر أهله له النذور، ولم يزل يستغيث به أن يشفي سقمه، ويكشف شدته، وهذا الأمر سرى في العلماء والجهال، فهم قد غلبت عليهم العوائد وسلبت عقولهم عن تفهم المراد والمقاصد، من الكتاب والسنة، وكلام الأئمة إلا من شاء الله.
[ ٥٥ ]
فصل: فبهذا تتبين أن الشيطان اللعين خدع أهل البدعة والجهل فنصبوا قبورا يعظمونها ويعبدونها من دون الله
فصل
فبهذا يتبين أن الشيطان اللعين خدع أهل البدعة والجهل فنصبوا قبورا يعظمونها ويعبدونها من دون الله، ثم أوحى إلى أوليائه أن من نهى عن عبادتها واتخاذها أعيادا فقد انقصها حقها، فيسعى الجاهلون المشركون في قتالهم وعقوبتهم. وما ذنبهم عند هؤلاء إلا أنهم أمروهم بإخلاص التوحيد، ونهوهم عن الشرك بأنواعه وقالوا بتبطيله، فعند ذلك غضب أولئك المشركون، واشمأزت قلوبهم. وقالوا قد انتقصوا أهل المقامات والرتب، فاستحقوا الويل والعتب، وزعموا أنا لا نحترم الصالحين ولا نحبهم حتى سرى ذلك في نفوس الجهال والطغام وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، وبسبب ذلك عادونا ورمونا بالعظائم والجرائم، ونسبوا كل قبيح إلينا ونفروا الناس عنا وعما ندعو إليه ووالوا أهل الشرك وظاهروهم علينا، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله وكتابه ويأبي الله ذلك، فما كانوا أولياءه أن أولياؤه إلا المتقون، الموافقون له، العارفون به، وبما جاء به، والعاملون به، والداعون إليه لا المتشبعون بما لم يعطوا، اللابسون ثياب الزور، الذين يصدون الناس عن دين نبيهم وهديه وسنته ويبغونها عوجا وهم يحسبون أهم يحسنون صنعًا.
[ ٥٦ ]
وتعظيم الأنبياء والأولياء واحترامهم ومحبتهم متابعتهم فيما يحبون ويأمرون به، وتجنب ما يكرهونه وما ينهون عنه قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّه﴾ (١) فأهل التوحيد أين كانوا أولى بهم وبمحبتهم ونصرة طريقهم وسنتهم وهديهم ومناهجهم، وأولى بالحق قولًا وعملًا من هؤلاء المبتدعة الذين كانوا هم أعصى الناس لهم وأبعدهم عن هديهم ومتابعتهم. وصنيعهم معهم كصنيع النصارى مع المسيح، وكاليهود مع موسى، والرافضة مع علي. ومن أصغى إلى كلام الله بكلية قلبه وتدبره وتفهمه أغناه عن اتباع الشياطين وشركهم الذي يصد عن ذكر الله وعن الصلاة وينبت النفاق في القلب.
وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول واجتهد في اقتباس الهدي والعلم منهما أغنياه عن البدع والشرك والآراء والترخصات والشطحات والخيالات التي هي وساوس الشيطان.
وكذلك من عمر قلبه بمحبة الله وبخشيته والتوكل عليه أغناه أيضًا عن عشق الصور، وإذا خلا عن ذلك صار عبد هواه أي شيء استحسنه ملكه واستعبده
_________________
(١) سورة آل عمران آية ٣١.
[ ٥٧ ]
فالمعرض عن التوحيد عابد للشيطان مشرك شاء أم أبى. كما في صحيح مسلم عن أبي الهياج الأسدي واسمه حيان بن حصين قال: قال لي علي بن أبي طالب ﵁: ألا أبعثك على مابعثني عليه رسول الله صلى الله وسلم أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته.
وفي الصحيح أيضا عن ثمامة بن شفى الهمداني قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفى صاحب لنا فأمر فضالة بقبره فسوى فقال سمعت رسول الله عليه وسلم يأمر بتسويتها. وقد أمر به وفعله الصحابة والتابعون والأئمة المجتهدون.
قال الشافعي في "الأم" ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم مايبنون على القبور. ويؤيد الهدم قوله"ولا قبرا مشرفا إلا سويته" وحديث جابر الذي في صحيح مسلم نهى ﷺ عن البناء على القبور ولأنها أسست على معصية الرسول لنهيه عن البناء عليها وأمره بتسويتها فبناء أسس على معصية الرسول ومخالفته بناء غير محترم وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعًا، وأولى من هدم مسجد الضرار المأمور بهدمه شرعًا إذ المفسدة أعظم حماية للتوحيد والله المستعان وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على أفضل المرسلين سيدنا ونبينا وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
[ ٥٨ ]