التوحيد يقتضي من الموحد المؤمن بالله - جل وعلا - أن يعظم الله وألا يجعل مخلوقا في منزلة الله سبحانه فيما يختص به، لأنه قد يجعل المخلوق في منزلة الله لشبهة وصف قام به، ككون القاضي هو رئيس القضاة أو أعلم، فيجعل في اللفظ والتسمية قاضيا للقضاة؛ فلهذا ينبه العلماء على أن التسمي بالأسماء التي معناها إنما هو لله ﷻ: لا يجوز، والتوحيد يقتضي ألا يوصف بها إلا الله وألا يسمى بها إلا الله وحده فتسمية غير الله بتلك الأسماء التي ستأتي لا تجوز ومحرم، بل هي أخنع الأسماء وأوضع تلك الأسماء وأبغض الأسماء إلى الله - ﷻ.
حكم التسمي بقاضي القضاة ونحوه
٩٠ - وَمَنْ تَسَمَّى قَاضِيَ الْقُضَاةِ … أَوْ نَحْوَهُ مِنَ الْمُسَمَّيَاتِ
٩١ - يَنْفِي كَمَالَ الذُّلِّ وَالتَّوْحِيدِ … وَأَخْنَعُ الأَسْمَاءِ لِلْعَبِيدِ
عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «أَخْنَى (وفي رواية: أخْنَعُ) الأَسْمَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ» متفق عليه وزاد مسلم فِي رِوَايَة «لَا مَالِكَ إِلَّا اللهُ ﷿» " أخنع " يعني: أوضع، وأحقر
" تَسَمَّى " يشمل ما إذا سمى نفسه، أو سماه غيره به فرضي، أما إذا سماه غيره به فلم يرض، فإنه لا يدخل في الذم؛ لعدم الرضا، فيلحق الوعيد المسمي، ومن رضي بذلك الاسم. أَوْ نَحْوَهُ: نحو قاضي القضاة مثل: ملك الأملاك، وشاهان شاه، ونحو ذلك، وقاضي القضاة: هو الذي يقضي بين القضاة، تقول: قاضي المسلمين، يعني: الذي يقضي بين المسلمين، وقاضي الرياض، يعني: الذي يقضي
[ ١٧٩ ]
في الخصومات التي بين أهل الرياض، فقاضي القضاة لفظٌ حقيقة معناه: الذي يقضي بين القضاة، وهذا إنما هو لله سبحانه فهو الذي يقضي بين العباد، وبين القضاة وبين العبيد، فهو قاضي القضاة على الحقيقة ﷾ فيخبر عنه بذلك، لأن " قاضي القضاة " ليست من أسماء البشر، فالذي يقضي بين القضاة هو الله سبحانه. والذين أطلقوا هذه التسمية على كبير القضاة، أو على كبير العلماء، لا يعنون بها أن ذاك يقضي بين القضاة، وإنما يعنون بها أنه وصل إلى مرتبة في القضاء أو في العلم أعلى من درجة القاضي، فصار قاضي القضاة، وقد انتشر في بلاد المسلمين التسمية بقاضي القضاة ونحوه، منذ القرن الرابع الهجري إلى أوقات متأخرة قريبة من هذا الزمان، والواجب على العبد ألا يجعل هذه التسمية جارية على لسانه، ولا أن يرضى بها. وكذلك مالك الأملاك، أو شاهان شاه، يعني: ملك الأملاك، لأن فيه تسمية البشر بما يختص بالله، فإن ملك الأملاك هو الله جل وعلا، والأملاك واسعة، والإنسان إنما يطلق عليه أنه مالك للشيء المعين، وليس مالكا لكل شيء، فالذي يملك كل شيء هو الله وحده، والبشر يملكون بالإضافة بعض الأشياء.
وكذلك المُلك - بالضم - وهو: نفاذ الأمر والسيطرة، فإنه يكون في بعض الأرض وليس في كل الأرض، فالذي يملك يقال له: مالك إذا كان يملك ملكا، أو ملك إذا كان يملك ملكا، بمعنى: نفاذ الأمر، ويضاف إلى بقعته فيقال: ملك المملكة العربية السعودية، وملك الأردن، ونحو ذلك. وأما الإطلاق العام ملك الأملاك، أو شاهان شاه، فإن الأملاك منها ما هو على الأرض ومنها غير ذلك وهذا إنما هو لله - جل وعلا -، فالتوحيد يوجب ألا يتسمى بذلك أحد، وألا يرضى بتسمية أحد بذلك، حتى لو وجد في بعض الكتب لا ينقل كما هو، وقد
[ ١٨٠ ]
يغلط بعض الباحثين وبعض طلبة العلم فينقل قولا عن بعض أهل العلم المتقدمين، ممن يتجوزون في مثل هذه الألفاظ وفيه: " وقال: قاضي القضاة كذا "، " وكان قاضي القضاة كذا "، ولا يغيره، والواجب أن يغيره تعظيما لله - جل وعلا -، وأمانة النقل التي يدعون هي في مرتبة دون توحيد الله - جل وعلا - بكثير كثير، فالواجب تغيير ذلك، وهذا من توحيد الله وتغيير اشتراك الخلق مع الله - جل وعلا - في حقه فيما يزعمه بعض الخلق ا. هـ "مستفاد من كتاب التمهيد لشرح كتاب التوحيد"
٩٢ - قَدْ غَيَّرَ الْنَّبِيُّ مِنْ أَبِي الْحَكَمْ … وَكُلُّ مَا عُبِّدَ لِلْخَلْقِ حَرُمْ
دليله في سنن أبي داود عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ هَانِئٍ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ؟» فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- «مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟» قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: «فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟» قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: «فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» وفي الحديث الإرشاد إلى الأدب الذي يجب أن يصدر من قلب الموحد ومن لسانه، مع اللهﷻ، ومع أسمائه، وصفاته، فلا يسمي أحدا بأسماء الله- جل وعلا- ويغير الاسم لأجل هذا، فأسماء الله- جل وعلا- يجب احترامها، وتعظيمها، ومن احترامها أن يجعل ما لا يصلح إلا لله منها لله وحده، وألا يسمى به البشر. وهذا الاحترام قد يكون مستحبا من جهة الأدب، وقد يكون واجبا، فأسماء الله تعالى يجب احترامها، بمعنى يجب ألا تمتهن، ويستحب احترامها أيضا فيما كان من الأدب ألا يوصف به غير الرب جل وعلا.
[ ١٨١ ]
حكم ما عبد لغير الله من الأسماء
وَكُلُّ مَا عُبِّدَ لِلْخَلْقِ حَرُمْ: التعبيد لغير الله لا يجوز، فلا يجوز أن يقال:
عبد النبي ولا عبد الرسول ولا عبد علي، ولا عبد الحسين ولا عبد المسيح وقد نقل ابن حزم -﵀- اتفاق العلماء على ذلك إلا "عبد المطلب" فليس في تحريمه اتفاق قال ابن عثيمين -﵀-: قال بعض أهل العلم: لا يمكن أن نقول بالتحريم والرسول -ﷺ- قال: أنا النبي لا كذب … أنا ابن عبد المطلب. فالنبي -ﷺ- لا يفعل حراما؛ فيجوز أن يعَبَّدَ للمطلب إلا إذا وجد ناسخ، وهذا تقرير ابن حزم -﵀-، ولكن الصواب تحريم التعبيد للمطلب؛ فلا يجوز لأحد أن يسمي ابنه عبد المطلب، وأما قوله -ﷺ-: " أنا ابن عبد المطلب" فهو من باب الإخبار وليس من باب الإنشاء، فالنبي -ﷺ- أخبر أن له جدا اسمه عبد المطلب، ولم يرد عنه -ﷺ- أنه سمى عبد المطلب، أو أنه أذن لأحد صحابته بذلك، ولا أنه أقر أحدا على تسميته عبد المطلب ا. هـ
٩٣ - وَرَبُّنَا الْعَظِيمُ وَالسَّلامُ … فَلا تَقُلْ عَلَى اللَّهِ السَّلامُ
فيه التنبيه على ترك قول: السلام على الله، وهو من تعظيم الأسماء الحسنى، ومن العلم بها، ذلك أن السلام هو اللهﷻ-، والسلام من أسمائه ﷾، فهو المتصف بالسلامة الكاملة من كل نقص وعيب، وهو المنزه والمبعد عن كل آفة ونقص وعيب، فله الكمال المطلق في ذاته، وصفاته الذاتية، وصفاته الفعلية- جل وعلا-، ودليله ما في الصحيحين عن عَبْد اللَّهِ بن مسعود -﵁- قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الصَّلَاةِ، قُلْنَا:
[ ١٨٢ ]
السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: " لَا تَقُولُوا السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، … ".
والسلام في أسماء الله معناه أيضا: الذي يعطي السلامة ويرزقها، وأثر هذا الاسم في ملكوت الله أن كل سلامة في ملكوت الله من كل شر يؤذي الخلق، فإنها من آثار هذا الاسم، فإنه لكون الله- جل وعلا- هو السلام فإنه يفيض السلامة على العباد. فإذا كان كذلك فاللهﷻ- هو الذي يفيض السلام، وليس العباد هم الذين يعطون الله السلامة، فإن الله- جل وعلا- هو الغني عن خلقه بالذات، والعباد فقراء بالذات، ولهذا كان من الأدب الواجب في جناب الربوبية وأسماء الله وصفاته أن لا يقال: السلام على الله، بل أن يقال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على فلان وفلان، السلام عليك يا فلان، ونحو ذلك، فتدعو له بأن يبارك باسم الله السلام أو أن تحل عليه السلامة.
قول اللهم اغفر لي إن شئت
٩٤ - وَلا يُقَالُ اغْفِرْ لِي إِنْ أَرَدتَّا … سُبْحَانَهُ وَاَعْزِمْ إِذَا سَأَلْتَا
في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: " لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إِنْ شِئْتَ، لِيَعْزِمِ المَسْأَلَةَ، فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ "
وفي رواية: " إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ "
فقول القائل: «اللهم اغفر لي إن شئت» يفهم منه أنه مستغن عن أن يغفر له، كما يأتي العزيز أو المتكبر من الناس فيقول لآخر لا يريد أن يتذلل له: افعل هذا
[ ١٨٣ ]
إن شئت، يعني: إن فعلت ذلك فحسن، وإن لم تفعل فلست بملح عليك، ولست بذي إكرام، فهذا القول مناف لحاجة الذي قالها إلى الآخر ولهذا كان فيه عدم تحقيق للتوحيد، ومنافاة لما يجب على العبد في جناب ربويية الله- جل وعلا- من أن يظهر فاقته وحاجته لربه، وأنه لا غنى به عن مغفرة الله، وعن غنى الله، وعن عفوه، وكرمه وإفضاله، ونعمه طرفة عين، فقول القائل: «اللهم اغفر لي إن شئت» كأنه يقول: لست محتاجا، إن شئت فاغفر، وإن لم تشأ فلست بمحتاج، وهذا فعل أهل التكبر، وأهل الإعراض عن الله- جل وعلا-، ولهذا حرم هذا اللفظ، وهو أن يقول أحد: «اللهم اغفر لي إن شئت» وقوله: «ليعزم المسألة»: يعني: ليسأل سؤال عازم، سؤال محتاج، سؤال متذلل، لا سؤال مستغن مستكبر، فليعزم المسألة، وليسأل سؤال جاد محتاج متذلل فقير يحتاج إلى أن يعطى ذلك، والذي سأل سأل أعظم المسائل، وهي المغفرة والرحمة من الله- جل وعلا- فيجب عليه أن يعظم هذه المسألة، ويعظم الرغبة وأن يعزم المسألة.
حكم قول عبدي وأمتي
٩٥ - وَلا تَقُلْ عَبْدِي لِمَنْ مَلَكْتَهُ … وَلا تَقُلْ رَبِّي لِمَنْ خَدَمْتَهُ
في الصحيحين عن أبي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أنهُ قَالَ «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمُ اسْقِ رَبَّكَ، أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ رَبِّي، وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلَايَ، وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ عَبْدِي أَمَتِي، وَلْيَقُلْ فَتَايَ فَتَاتِي غُلَامِي»
هذه الألفاظ: قول العبد لسيده (ربي) ووقول السيد لمولاه (عبدي) من الألفاظ التي يكون فيها إساءة أدب مع ربوبية الله- جل وعلا-، أو مع أسماء الله- جل
[ ١٨٤ ]
وعلا- وصفاته، لأن عبودية البشر لله - جل وعلا - عبودية حقيقة، وإذا قيل: هذا عبد الله، فهو عبد لله إما قهرا أو اختيارا، فكل من في السماوات والأرض عبد لله- جل وعلا- كما قال- جل وعلا- ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٣ - ٩٥]، فعبودية الخلق لله- جل وعلا- ظاهرة؛ لأنه هو الرب، وهو المتصرف، وهو خالق الخلق، وهو المدبر لشئونهم، فالله- جل وعلا- هو المتفرد بذلك سبحانه، فإذا قال الرجل لرقيقه: هذا عبدي، وهذه أمتي، كان فيه نسبة عبودية أولئك له، وهذا فيه منافاة لكمال الأدب الواجب مع الله- جل وعلا-؛ ولهذا كان هذا اللفظ غير جائز عند كثير من أهل العلم، ومكروه عند طوائف آخرين. وسبب النهي عن لفظ: «عبدي وأمتي» وجوب تعظيم الربوبية، وعدم انتقاص عبودية الخلق لله جل وعلا.
وهذا النهي في هذا الحديث اختلف فيه أهل العلم على قولين: الأول: أنه للتحريم، لأن النهي الأصل فيه للتحريم إلا إذا صرفه عن ذلك الأصل صارف.
وقال آخرون: النهي هنا للكراهة، وذلك لأنه من جهة الأدب، ولأنه جاء في القرآن قول يوسف -﵍- ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] ولأن الربويية هنا المقصود بها ما يناسب البشر، فرب الدار، ورب العبد هو الذي يملك أمره في هذه الدنيا؛ فلهذا قالوا: النهي للكراهة وليس للتحريم، مع ما جاء في بعض الأحاديث من تجويز إطلاق
بعض تلك الألفاظ. وقوله: «وليقل: سيدي ومولاي» السيادة مع كون الله جل وعلا هو السيد، لكن السيادة بالإضافة لا بأس بها؛ لأن للبشر سيادة تناسبه.
[ ١٨٥ ]
ذلك؛ لأن المراد بالسيادة هنا سيادة تناسب البشر، وكذلك قول: مولاي مراد به ما يناسب البشر من ذلك، فليس اللفظان في مقام الربوبية المطلقة؛ لأنها أعظم درجة، ولأن العبودية لا تكون إلا لله- جل وعلا- وإطلاق ذلك على البشر لا يجوز. فتحصل من ذلك: أن هذه الألفاظ يجب أن يحترز فيها، وأن يتجنب ما ينافي الأدب مع مقام ربوبية الله- جل وعلا- وأسمائه ﷾، وعليه فلا يكون جائزا أن يقول: عبدي وأمتي، أو أن يقول: أطعم ربك، وضئ ربك، ونحو ذلك. وهذا كله مختص بالتعبيد أو الربوبية للمكلفين، أما إضافة الربوبية إلى غير المكلف فلا بأس بها؛ لأن حقيقة العبودية لا تتصور فيها، كأن تقول: رب الدار، ورب المنزل، ورب المال، ونحو ذلك، فإن الدار، والمنزل، والمال، ليست بأشياء مكلفة بالأمر والنهي فلهذا لا تنصرف الأذهان أو يذهب القلب إلى أن ثمت نوعا من عبودية هذه الأشياء لمن أضيفت إليه، بل إن ذلك معروف أنه إضافة ملك؛ لأنها ليست مخاطبة بالأمر والنهي وليس يحصل منها خضوع أو تذلل.
[مستفاد من التمهيد لشرح كتاب التوحيد]
حكم السؤال بالله
٩٦ - وَلا يُرَدُّ بِاللهِ السُّؤَّالُ … بِوَجْهِهِ فِي الْجَنَّةِ السُّؤَالُ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ» رواه أبو داود والنسائي. السؤال بالله مثل أن يقول: أسألك بالله. قال الشيخ ابن عثيمين:
[ ١٨٦ ]
وحكم رد من سأل بالله الكراهة أو التحريم حسب حال المسئول والسائل، وهنا عدة مسائل: المسألة الأولى: هل يجوز للإنسان أن يسأل بالله أم لا؟ … أولا: السؤال من حيث هو مكروه ولا ينبغي للإنسان أن يسأل أحدا شيئا إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولهذا كان مما بايع النبي -ﷺ- أصحابه أن لا يسألوا الناس شيئا، حتى إن عصا أحدهم ليسقط منه وهو على راحلته؛ فلا، يقول لأحد: ناولنيه، بل ينزل ويأخذه. والمعنى يقتضيه؛ لأنك إذا أعززت نفسك ولم تذلها لسؤال الناس بقيت محترما عند الناس، وصار لك منعة من أن تذل وجهك لأحد؛ لأن من أذل وجهه لأحد؛ فإنه ربما يحتاجه ذلك الأحد لأمر يكره أن يعطيه إياه، ولكنه إذا سأله اضطر إلى أن يجيبه، ولهذا روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: " ازهد فيما عند الناس يحبك الناس " فالسؤال أصلا مكروه أو محرم إلا لحاجة أو ضرورة. فسؤال المال محرم، فلا يجوز أن يسأل من أحد مالا إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، وقال الفقهاء ﵏ في باب الزكاة: "إن من أبيح له أخذ شيء أبيح له سؤاله"، ولكن فيما قالوه نظر؛ فإن الرسول -ﷺ- حذر من السؤال، وقال: "إن الإنسان لا يزال يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وما في وجهه مزعة لحم "، وهذا يدل على التحريم إلا للضرورة. وأما سؤال المعونة بالجاه أو المعونة بالبدن؛ فهذه مكروهة، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
وأما إجابة السائل؛ فلا يخلو السائل من أحد أمرين:
الأول: أن يسأل سؤالا مجردا؛ كأن يقول مثلا: يا فلان! أعطني كذا وكذا، فإن كان مما أباحه الشارع له فإنك تعطيه؛ كالفقير يسأل شيئا من الزكاة.
[ ١٨٧ ]
الثاني: أن يسأل بالله؛ فهذا تجيبه وإن لم يكن مستحقا؛ لأنه سأل بعظيم، فإجابته من تعظيم هذا العظيم، لكن لو سأل إثما، أو كان في إجابته ضرر على المسئول؛ فإنه لا يجاب.
مثال الأول: أن يسألك بالله نقودا؛ ليشتري بها محرما كالخمر. ومثال الثاني: أن يسألك بالله أن تخبره عما في سرك، وما تفعله مع أهلك؛ فهذا لا يجاب لأن في الأول إعانة على الإثم، وإجابته في الثاني ضرر على المسئول.
وقوله: -ﷺ- " من سأل بالله فأعطوه ": الأمر هنا للوجوب ما لم يتضمن السؤال إثما أو ضررا على المسئول؛ لأن في إعطائه إجابة لحاجته، وتعظيما لله ﷿ الذي سأل به. ولا يشترط أن يكون سؤاله بلفظ الجلالة بل بكل اسم يختص بالله، كما قال الملك الذي جاء إلى الأبرص والأقرع والأعمى: " أسألك بالذي أعطاك كذا وكذا ".
وقوله: " ومن استعاذ بالله فأعيذوه " أي قال: أعوذ بالله منك؛ فإنه يجب عليك أن تعيذه؛ لأنه استعاذ بعظيم، … لكن يستثنى من ذلك لو استعاذ من أمر واجب عليه؛ فلا تعذه، مثل أن تلزمه بصلاة الجماعة، فقال: أعوذ بالله منك. وكذلك لو ألزمته بالإقلاع عن أمر محرم، فاستعاذ بالله منك؛ فلا تعذه لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، ولأن الله لا يعيذ عاصيا، بل العاصي يستحق العقوبة لا الانتصار له وإعاذته … إلخ
[ ١٨٨ ]
حكم السؤال بوجه الله
بِوَجْهِهِ فِي الْجَنَّةِ السُّؤَالُ: أي لا يسأل بوجه الله إلا المطالب العظيمة التي أعلاها الجنة لأن هذا من تعظيم أسماء الله وصفاته واحترامها. لحديثِ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ، إِلَّا الْجَنَّةُ» رواه أبو داود بسند ضعيف
وروى الطبراني عن أَبِي مُوسَى -﵁- أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ ﷿، وَمَلْعُونٌ مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللَّهِ ﷿ ثُمَّ مَنَعَ سَائِلَهُ مَا لَمْ يُسْأَلْ هُجْرًا» وسنده ضعيف أيضا (^١).
قال ابن منده في الرد على الجهمية -بعد أن ذكر حديث جابر-: وَفِي هَذَا الْبَابِ أَحَادِيثُ مِنْهَا: مَنْ سَأَلَكُمْ بِوَجْهِ اللَّهِ فَأَعْطُوهُ. وَمِنْهَا حَدِيثُ، مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ، وَلَا يَثْبُتُ مِنْ جِهَةِ الرُّوَاةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ، وَاسْتَعَاذَ بِوَجْهِ اللَّهِ وَأَمَرَ مَنْ يَسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ أَنْ يُعْطَى، مِنْ وُجُوهٍ مَشْهُورَةٍ بِأَسَانِيدَ جِيَادٍ، وَرَوَاهَا الْأَئِمَّةُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي أُسَامَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَغَيْرِهِمْ ا. هـ
_________________
(١) في سنده عبد الله بن عياش القتباني قال أبو حاتم: ليس بالمتين، صدوق، يكتب حديثه، وهو قريب من ابن لهيعة. وقال أبو داود، والنسائى: ضعيف.
[ ١٨٩ ]
قال الشيخ ابن باز -﵀-: الحديث -يعني حديث جابر- في سنده بعض الضعف ولكن ترجمة المؤلف اجتهادًا منه من باب الحيطة والكمال وإلا فقد جاءت أحاديث في السؤال بوجه الله غير الجنة ا. هـ يعني أن ذلك جائز.
وقال الشيخ الألباني -﵀-: لوصح الحديث لم يدل على ما ذهب إليه من رأى عدم الجواز، لأن المتبادر منه النهي عن السؤال به تعالى شيئًا من حطام الدنيا، أما أن يسأل به الهداية إلى الحق الذي يوصل إلى الجنة فلا يبدو لي أن الحديث يتناوله بالنهي ويؤيدني في هذا ما قاله الحافظ العراقي: وذكر الجنة إنما هو للتنبيه به على الأمور العظام لا للتخصيص، فلا يسأل الله بوجهه في الأمور الدنيئة، بخلاف الأمور العظام تحصيلًا أو دفعًا كما يشير إليه استعاذة النبي -ﷺ- قاله المناوي وأقره ا. هـ
وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀- واختلف في المراد بذلك على قولين:
القول الأول: أن المراد: لا تسألوا أحدا من المخلوقين بوجه الله، فإذا أردت أن تسأل أحدا من المخلوقين؛ فلا تسأله بوجه الله؛ لأنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، والخلق لا يقدرون على إعطاء الجنة، فإذا لا يسألون بوجه الله مطلقا، …
القول الثاني: أنك إذا سألت الله، فإن سألت الجنة وما يستلزم دخولها؛ فلا حرج أن تسأل بوجه الله، وإن سألت شيئا من أمور الدنيا؛ فلا تسأله بوجه الله؛ لأن وجه الله أعظم من أن يسأل به لشيء من أمور الدنيا. فأمور الآخرة تسأل بوجه الله؛ كقولك مثلا: أسألك بوجهك أن تنجيني من النار، …
ولو قيل: إنه يشمل المعنيين جميعا، لكان له وجه ا. هـ
[ ١٩٠ ]
[الخاتمة]
٩٧ - فَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَا يَسَّرَهْ … وَالْلَّهَ أَسْأَلُ رَّاجِيًا أَنْ يَنْشُرَهْ
٩٨ - وَأَنْ يَكُونَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ … وَنَافِعًا مُخْتَصَرًا فِي وَجْهِهِ
٩٩ - وَأَفْضَلُ الصَّلاةِ وَالتَّسْلِيمِ … عَلَىَ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى الْكَرِيمِ
١٠٠ - مُحَمَّدٍ وَآَلِهِ وَصَحْبِهِ … وَكُلِّ تَابِعٍ وَمُؤْمِنٍ بِهِ
ختم منظومته بالحمد كما بدأها به وتضرع إلى الله تعالى أن يبارك فيها بنشرها بين الناس ليعم النفع بها فهي مشتملة على جملة من الحق المنتقى من كتاب الله تعالى وسنة رسوله -ﷺ- وعلى فهم السلف الصالح.
وقوله (مختصرا في وجهه) أي مختصرا في أبواب التوحيد
وقد تم ههنا الشرح والتعليق بحسب ما يسره المولى جل وعلا والحمد لله رب العالمين.
تم بحمد الله
١٣ ربيع أول ١٤٣٤ هـ
(ثم تمت مراجعته في ٣ جمادى الثانية ١٤٣٨ هـ)
[ ١٩١ ]