الشرك نوعان كما تقدم: شرك أكبر، وشرك أصغر.
فالنوع الأول: الشرك الأكبر وهو دعوة غير الله معه وهو كل شرك أطلقه الشارع وكان متضمنًا لخروج الإنسان عن دينه. مثل أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله بأن يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله، أو ينذر لغير الله، أو أن يدعو غير الله تعالى مثل أن يدعو صاحب قبر، أو يدعو غائبًا لإنقاذه من أمر لا يقدر عليه إلا الحاضر، وأنواعه كثيرة.
النوع الثاني: الشرك الأصغر وهو كل عمل قولي أو فعلي أطلق عليه الشرع وصف الشرك ولكنه لا يخرج عن الملة. مثل الحلف بغير الله ومثل الرياء. وقد يصل الرياء إلى الشرك الأكبر، وقد مثل ابن القيم ﵀ للشرك الأصغر بيسير الرياء وهذا يدل على أن كثير الرياء قد يصل إلى الشرك الأكبر.
ويفترق الشرك الأكبر عن الأصغر بعدة أمور:
أولًا: الشرك الأكبر محبط لجميع الأعمال إذا مات صاحبه ولم يتب لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، وأما الأصغر فلا يحبط إلا العمل الذي قارنه.
ثانيًا: أن الشرك الأكبر مخرج من الملة الإسلامية وأما الأصغر فلا يخرج من الملة.
ثالثًا: أن الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار. أما الأصغر فهو كغيره من الذنوب ولكنه أعظم من الكبائر وقيل لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة.
[ ١٧٢ ]
٨٦ - وَالدِّينُ مَبْنَاهُ عَلَى الإِخْلاصِ … وَضِدُّهُ الْشِّرْكُ بِلا مَنَاصِ
٨٧ - مِثْلُ صَلاةِ ذَلِكَ الْمُرَائِي … يُطِيلُ حُسْنَهَا لأَجْلِ الرَّائِي
٨٨ - وَمِثْلُ إِقْسَامٍ بِغَيْرِ الْلَّهِ … وَقَوْلِ "لَوْلا الْكَلَبُ" وَالأَشْبَاهِ
٨٩ - وَقَوْلُ "شَاءَ الْلَّهُ ثُمَّ شِئْتَا" … تَجُوزُ لا كَالْوَاوِ إِذْ رَتَّبْتَا
الإخلاص هو حقيقة الدين، ومفتاح الرسل ﵈، قال تعالى:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- " قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ " رواه مسلم والإخلاص في اللغة: تخليص الشيء وتجريده من غيره، فالشيء يسمى خالصا إذا صفا عن شوبه وخلص عنه، ويسمى الفعل المصفى المخلص من الشوائب إخلاصا. وتعريفه في الاصطلاح على هذا المعنى: تصفية ما يراد به ثواب الله وتجريده من كل شائبة تكدر صفاءه وخلوصه له سبحانه. وقيل الإخلاص هو: إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة. والمخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كلُّ قدرٍ له في قلوب الناس، من أجل صلاح قلبه مع الله ﷿، ولا يحبُّ أن يطلع الناس على مثاقل الذر من عمله. والإخلاص ينافيه الرياء وحب الدنيا والشهرة، والسمعة.
قال الشيخ ابن عثيمين: والمراد بالرياء هنا أن يتعبد الإنسان لربه ﷿ ولكن يحسن العبادة من أجل أن يراه الناس فيقولون ما أعبده ما أحسن عبادته وما أشبه ذلك فهو يريد من الناس أن يمدحوه في عبادته لا يريد أن يتقرب إليهم بالعبادة
[ ١٧٣ ]
لأنه لو فعل هذا لكان شركا أكبر لكنه يريد أن يمدحوه في عبادة الله فيقولون فلان عابد فلان كثير الصوم فلان كثير الصدقة وما أشبه ذلك فهو لا يخلص لله في عمله لكن يريد أن يمدحه الناس على ذلك فهو يرائي الناس والرياء يسيره من الشرك الأصغر وكثيره من الشرك الأكبر ا. هـ
ومن أمثلة الشرك الأصغر الرياء:
ودليله حديث مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- قَالَ: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ " قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: " الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ ﷿ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً " رواه أحمد
وفي رواية: خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَشِرْكَ السَّرَائِرِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: «يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ» رواه ابن خزيمة
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ -﵁- قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟» قَالَ: قُلْنَا: بَلَى، فَقَالَ: «الشِّرْكُ الْخَفِيُّ، أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ، لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ» رواه ابن ماجه.
ومن الشرك الأصغر: الحلف بغير الله:
ودليله حديث ابْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّهُ سَمِعَ، رَجُلًا يَحْلِفُ: ويقول: لا وَالْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ»
[ ١٧٤ ]
رواه أبو داود وفيه عَنِ بُرَيْدَةَ بن الحصيب -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا»
وفي الصحيحين عن ابْنَ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بِاللهِ»، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: «لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ»
وفي رواية: عَنْ عَبْدِ اللهِ بن عمر -﵄- عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- فِي رَكْبٍ، وَعُمَرُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ، فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَلَا إِنَّ اللهَ ﷿ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»
قال شيخنا أبو إبراهيم محمد بن عبد الوهاب الوصابي -﵀- في كتابه "القول المفيد في أدلة التوحيد":
ومن هذه الأدلة النبوية الصحيحة يتبين تحريم الحلف بغير الله كالأمانة، والعيش والملح، والشرف، والأب، والجد، والكعبة، والنبي، والأخوة، والصداقة، والزمالة، والشرف العسكري، والطلاق، وغير ذلك من دون الله، وأن الحلف لا يجوز أن يكون إلا بالله وحده لا شريك له. فإن قال قائل: فالله ﷾ قد أقسم في كتابه العزيز بكثير من مخلوقاته كالشمس، والقمر، والليل، والنهار، والسماء، والأرض إلى غير ذلك. فيرد عليه بأن الله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣]. وقد نهانا الرسول -ﷺ- عن الحلف بغير الله كما في هذه الأحاديث السابقة. والحلف بغير الله يعتبر شركًا أصغر، فإن قام بقلبه تعظيم لمن حلف به من المخلوقات مثل تعظيم الله فهو شرك أكبر ا. هـ
وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: والقسم بغير الله إن اعتقد الحالف أن المقسم به بمنزلة الله في العظمة؛ فهو شرك أكبر، وإلا؛ فهو شرك أصغر ا. هـ
[ ١٧٥ ]
ومن أمثلة الشرك الأصغر قولهم لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص:
وهو ما أشار إليه الناظم بقوله: "وَقَوْلُ لَوْلا الْكَلَبُ وَالأَشْبَاهِ" مثل قول بعضهم: لولا كليبة هذا؛ لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار؛ لأتى اللصوص. قال الشيخ ابن عثيمين: يكون فيه شرك إذا نظر إلى السبب دون المسبِّب، وهو الله ﷿ أما الاعتماد على السبب الشرعي، أو الحسي المعلوم؛ فقد تقدم أنه لا بأس به، وأن النبي -ﷺ- قال: " لولا أنا؛ لكان في الدرك الأسفل من النار "، لكن قد يقع في قلب الإنسان إذا قال: لولا كذا لحصل كذا أو ما كان كذا، قد يقع في قلبه شيء من الشرك؛ بالاعتماد على السبب بدون نظر إلى المسبب، وهو الله ﷿. وقوله: "لولا البط في الدار لأتى اللصوص": البط طائر معروف، وإذا دخل اللص البيت وفيه بط، فإنه يصرخ، فينتبه أهل البيت ثم يجتنبه اللصوص.
ومن الشرك الأصغر قول الإنسان: ما شاء الله وفلان
فقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت ونحو ذلك، فيه شرك؛ لأنه شَرَك غير الله مع الله بالواو، فإن اعتقد أنه يساوي الله ﷿ في التدبير والمشيئة؛ فهو شرك أكبر، وإن لم يعتقد ذلك واعتقد أن الله ﷾ فوق كل شيء؛ فهو شرك أصغر،
ومن الشرك الأصغر قول لولا الله وفلان
وكذلك قوله: "لولا الله وفلان". فهو شرك أكبر أو أصغر حسب ما يكون في قلب الشخص من نوع هذا التشريك.
[ ١٧٦ ]
وفي المسند وسنن النسائي الكبرى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أَنَّ رَجُلًا، أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَكَلَّمَهُ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ، فَقَالَ: مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: " أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ عَدْلًا؟ قُلْ: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ "
وفي سنن ابن ماجه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁- قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ وَلَكِنْ لِيَقُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ
وفي سنن النسائي عَنْ قُتَيْلَةَ امْرَأَةٍ مِنْ جُهَيْنَةَ -﵂- أَنَّ يَهُودِيًّا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّكُمْ تُنَدِّدُونَ، وَإِنَّكُمْ تُشْرِكُونَ تَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وَتَقُولُونَ: وَالْكَعْبَةِ، " فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْلِفُوا أَنْ يَقُولُوا: وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، وَيَقُولُونَ: مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شِئْتَ "
وفي سنن ابن ماجه عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ -﵄- أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَأَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ لَقِيَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ نِعْمَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ لَوْلَا أَنَّكُمْ تُشْرِكُونَ تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ وَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَعْرِفُهَا لَكُمْ قُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ
وفي المسند عَنْ طُفَيْلِ بْنِ سَخْبَرَةَ -﵁- وهو أَخو عَائِشَةَ -﵄- لِأُمِّهَا- أَنَّهُ رَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، كَأَنَّهُ مَرَّ بِرَهْطٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ الْيَهُودُ، قَالَ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الْقَوْمُ، لَوْلَا أَنَّكُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللهِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: وَأَنْتُمُ الْقَوْمُ لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللهُ، وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ مَرَّ بِرَهْطٍ مِنَ النَّصَارَى، فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ النَّصَارَى، فَقَالَ: إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الْقَوْمُ، لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ، قَالُوا: وَأَنْتُمُ الْقَوْمُ، لَوْلَا أَنَّكُمْ تَقُولُونَ مَا شَاءَ اللهُ، وَمَا شَاءَ مُحَمَّدٌ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: " هَلْ أَخْبَرْتَ بِهَا أَحَدًا؟ " قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا صَلَّوْا، خَطَبَهُمْ فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " إِنَّ طُفَيْلًا رَأَى رُؤْيَا فَأَخْبَرَ بِهَا مَنْ أَخْبَرَ مِنْكُمْ، وَإِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَقُولُونَ كَلِمَةً كَانَ يَمْنُعُنِي
[ ١٧٧ ]
الْحَيَاءُ مِنْكُمْ، أَنْ أَنْهَاكُمْ عَنْهَا فلَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللهُ، وَمَا شَاءَ مُحَمَّدٌ " ورواه الحاكم ولفظه: " … فَلَا تَقُولُوا مَا شَاءَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ مُحَمَّدٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ"
الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاوِ وَثُمَّ:
أَنَّ العطف بالواو يقتضي المقارنة والتسوية، فيكون من قال: ما شاء الله وشئت، قارنًا مشيئة العبد بمشيئة الله مسويا بها، بخلاف العطف بـ "ثم" المقتضية للتبعية، فمن قال: ما شاء الله ثم شئت، فقد أقر بأن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله تعالى، لا تكون إلا بعدها، كما قال تعالى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] قال الإمام الشافعي -﵀-: وَالْمَشِيئَةُ إرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ: اللَّهُ ﷿:: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٩] فَأَعْلَمَ خَلْقَهُ أَنَّ الْمَشِيئَةَ لَهُ دُونَ خَلْقِهِ وَأَنَّ مَشِيئَتَهُمْ لَا تَكُونُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﷿ فَيُقَالُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ شِئْت، [وَلَا يقَالَ: مَا شَاءَ اللَّه وشئت]. ا. هـ (^١)
وقال الشيخ سليمان في تيسير العزيز الحميد:
الأولى قول: ما شاء الله وحده، كما يدل عليه حديث ابن عباس -﵄- وغيره ا. هـ قال الشيخ عبد الرحمن في فتح المجيد: ولا ريب أن هذا أكمل في الإخلاص وأبعد عن الشرك من أن يقولوا: "ثم شاء فلان"؛ لأن فيه التصريح بالتوحيد المنافي للتنديد في كل وجه. فالبصير يختار لنفسه أعلى مراتب الكمال في مقام التوحيد والإخلاص ا. هـ قلت: ويؤيده أن رواية "ما شاء الله وحده" أصح رواية وأما رواية "ثم شئت" أو "ثم شاء محمد" فأسانيدها لا تخلو من مقال كما حققته في "شرح سلم الوصول". والله أعلم
_________________
(١) الأم للشافعي (٢/ ٤١٦/ ط الوفاء)، وشرح السنة للبغوي (١٢/ ٣٦١) وفيه الزيادة.
[ ١٧٨ ]