[ ١ / ٨٧ ]
المجلس السادس (^١)
الشعبة الأولى من شعب الإيمان: الإيمان بالله
تعداد العلماء لشعب الإيمان:
مرَّ معنا حديث أبي هريرة -﵁- وأرضاه أنَّ النبي -ﷺ- قال: «الْإِيَمانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ» وهذا لفظ البخاري ولفظ مسلم: «بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً». ورواه مسلم أيضًا بلفظ: «الْإِيَمانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أو بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» (^٢).
وهذا الحديث ساق الكثيرَ من العلماء إلى أن يجتهدوا في تعداد هذه الشعب.
وقد تقدم معنا أنَّ العلماء ذكروا أنه لا يشترط تعدادها والوقوف عليها على جهة التفصيل، وأنَّ من اجتهد من العلماء، فعدَّها، وذكرها فإنما ذلك مبني عن اجتهاد منه، والواجب على المسلم هو أن يؤمن بالله -﷾- وأن يجتهد في الأعمال الصالحات، وأن يعلم أنَّ الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.
وسنسير على ترتيب الإمام البيهقي في كتابه، وقد ذَكَرَ في أول شعب الإيمان: شعبة الإيمان بالله -جل وعلا-.
الشعبة الأولى الإيمان بالله:
وهذه الشعبة هي أعلى شعب الإيمان، وهي داخلة في قول النبي -ﷺ- في الحديث:
«فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ» وجاء في رواية: «أَعْلَاها شَهَادةُ أن لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ» (^٣).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة -﵁- أنَّ النبي -ﷺ- سُئِل: أيُّ الأعمال أفضل؟
فقال: «إيمانٌ باللهِ ورسولِهِ» (^٤).
_________________
(١) كان في يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من شهر شعبان ١٤٤١ هـ.
(٢) تقدم تخريج هذا الحديث برواياته المختلفة في المجلس الأول.
(٣) ابن حبان (١٩١).
(٤) البخاري (١٥١٩) واللفظ له، ومسلم (٨٣).
[ ١ / ٨٩ ]
وعن أبي ذر -﵁- أن النبي -ﷺ- سأله رجل، فقال أيُّ العمل أفضل؟ قال: «إِيمَانٌ بِاللهِ وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِه» متفق عليه (^١). والأحاديث في هذا الباب كثيرة.
ولما جاء وفد عبد القيس إلى النبي -ﷺ- قال لهم: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الإِيمَانِ بِاللَّهِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَأَنْ تُؤَدُّوا إِلَيَّ خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ …» (^٢) الحديث.
فهذه الأدلة تدل على أن أرفعَ شعب الإيمان: الإيمانُ بالله -﷾-.
وقد ذكر الحافظ البيهقي -رحمه الله تعالى-، عن شيخه الحليمي -﵀-: أن الإيمان بالله يتضمن عدة أمور (^٣)، ونحن نلخصها إن شاء الله من شروحات العلامة ابن عثيمين -﵀- فإنه لخَّص هذا الباب تلخيصًا حسنًا.
الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور
الأمر الأول: الإيمان بوجود الله.
والأمر الثاني: الإيمان بربوبية الله.
والأمر الثالث: الإيمان بألوهية الله.
والأمر الرابع: الإيمان بأسماء الله وصفاته.
فقولك: "آمنت بالله" يقتضي هذه الأمور الأربعة، وقد دلَّ عليها كتاب الله -﷾-.
الأمر الأول: الإيمان بوجود الله
وقد ذكرنا لكم فيما مضى أوَّلَ أمر في القرآن، وأوَّلَ نداء في القرآن وهو في قول الله -﷾-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة] ثم قال -﷾-: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة].
وهذه الآيات إذا تأملناها فإنها في تحقيق هذا الأصل العظيم، وهو الإيمان بالله.
بدأ بماذا؟ بدأ بتحقيق الإيمان بوجود الله -﷾- فإن هذه الآيات فيها إقامة البراهين
_________________
(١) البخاري (٢٥١٨)، ومسلم (٨٤).
(٢) البخاري (٥٢٣)، ومسلم (١٧) من حديث ابن عباس -﵄-.
(٣) انظر في ذلك شعب الإيمان، شرح الحديث (٨٨).
[ ١ / ٩٠ ]
بخلقهم، وخلق السماوات والأرض والمطر والنبات.
وقد تكرر في القرآن ذكرُ المخلوقات والتنبيه على الاعتبار في الأرض، وفي السماوات، والحيوان، والنبات، والرياح، والأمطار، والشمس، والقمر، والليل، والنهار. كل ذلك للإفادة والإشارة إلى العقل بأن يعلم أنه إذا تفكر قاده ذلك إلى أنَّ الله موجود؛ لأن الصنعة دليل على الصانع لا محالة. فالله -﷾- يدعونا إلى التفكر، وإلى التأمل، وإلى التدبر في هذا الكون الفسيح: مَنْ خَلَقَه؟ ومَن أوجده؟ ومَن مَلَكه؟ ومَن سيَّره ودبَّره؟
فلا يبقى لملحدٍ حجة، لا يبقى لأهل الإلحاد حجة في ذلك.
وهنا جاءت الآيات ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ لم يقل: يا أيها الذين ءامنوا. وإنما هو نداء عام: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ يقول أهل التفسير في هذا النداء: لما قال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ دخل في ذلك أصناف الناس كلهم: فهو نداء لمن لا يؤمن بالله أن يؤمن بالله، ونداء للجاحد أن يعترف بوجود الله -﷾-، وهو نداء للمشرك أن يُوحِّد الله، وهو نداء للمؤمن أن يطيع الله؛ ولهذا جاءت الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ بنداء عام.
ولما كان النداء عامًّا جاءت فيه الأدلة والبراهين على توحيد الله رب العالمين -﷾-.
الأدلة على الأمر الأول: الإيمان بوجود الله
فمن هذه الأدلة: أنَّ الله هو الخالق، وأن الله -﷾- هو الذي بسط هذه الأرض، وجعلها قرارًا، وأن الله هو الذي رفع السماء بلا عمد، وجعلها بناء، وأن الله صوَّركم وأحسن صوركم، وأن الله هو الرزاق -﷾-. ولهذا قال في الآية بعدها: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة]
فلاحظوا أن هذه الآيات وسياق هذه الآيات جاء أوَّلًا للتنبيه على أمر يؤمن به كلُّ الناس، وهو أنَّ الله هو الخالق، وأنَّ الله هو الرازق، وأنَّ الله هو المحيٍ، وأنَّ الله هو المميت، وقد تقدم معنا في مجلس سابق ذِكْرُ كثيرٍ من الأدلة الدالة على أن الذين بُعِثَ إليهم النبي -ﷺ- كانوا يُقِرُّون بوجود الله وبأنه الخالق والرازق، فلم يكونوا ينكرون شيئًا من ذلك، وإنما كانوا يُقِرُّون به؛ فجاء القرآن ليبين لهم أن إقراركم بهذه الأمور يُوجِب عليكم
[ ١ / ٩١ ]
أن تؤمنوا بالله وحده لا شريك له (^١).
وتأملوا في قول الله -﷾- في بيان ما كان عليه أهل الشرك، قال الله مخاطبًا لهم:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ٣١] فيا من تنكر وجود الله، من الذي يرزقك؟ ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]
إنَّ الله -جل وعلا- يأمرنا ويعلمنا كيف يُناقَش ويُجادَل الملحدُ الذي لا يؤمن بوجود الله بأن يقال له: انظر إلى هذا الكون الفسيح، وإلى انتظامه: شمسٌ وقمر، وليل ونهار، سماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج، تسير على نظام واحد، هل يعقل أن تكون بلا إله؟!.
ولذلك قال الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- عند هذه الآية: "وهذه الآية دالة على توحيده تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، وقد استدل به كثير من المفسرين كالرازي وغيره على وجود الصانع، فقال: وهي دالة على ذلك بطريق الأولى؛ فإنَّ من تأمل هذه الموجودات السفلية والعلوية، واختلاف أشكالها، وألوانها، وطباعها، ومنافعها، ووضعها في مواضع النفع بها محكمة، عَلِمَ قدرة خالقها وحكمته، وعلمه، وإتقانه، وعظيم سلطانه" (^٢).
يجادل كثير من هؤلاء الملاحدة ويكثرون الجدال، ويا للأسف فإن الإلحاد غزا بلاد المسلمين، فبعض أولادنا وأهلينا بسبب بُعدِهم عن الله وبُعدِهم عن طاعته، وعن الصلاة والاستقامة، والانشغال الكثير بالفضاء الإلكتروني، والاختلاط بأناس ذوي أفكار شتى من أنحاء العالم وَصَلَ بهم الأمر إلى الإلحاد، فوُجِد في بعض بيوتنا الملحد، نعم وُجِد في بيوت بعض المسلمين ملحدٌ ينكر وجود الله -﷾-.
_________________
(١) انظر: المجلس الثالث (إقرار المشركين بتوحيد الربوبية) وانظر ما سيأتي قريبا.
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ١٩٧).
[ ١ / ٩٢ ]
من دعوة الخليل إبراهيم -﵇- لقومه:
وتأملوا كلمة إبراهيم -﵍- لقومه: قال الله -جل وعلا- في سورة العنكبوت: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٦) إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾ ثم قال -﵍-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ [العنكبوت: ١٦ - ١٧]
أيْ هؤلاء الذين تعبدونهم، هذه الأصنام والأوثان هل ترزقكم؟
الجواب: لا. من الذي يرزقكم؟ إنه الله؛ لهذا قال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ [العنكبوت]، فتأملوا كيف استدل بمسألة رزق الله -جل وعلا- على أنه خالقٌ مستحِقٌّ للعبادة. ولهذا فإن هذه الآية في سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]-وكلمة ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ أي: وحِّدوُا الله -جل وعلا-. ذكر عن ابن عباس -﵁- أنه قال: «كل عبادة في القرآن فهي توحيد» (^١). فإذا قرأت: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٧٢، و١١٧]، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات] فالمقصود بذلك التوحيد؛ لأن: العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تسمى صلاة إلا مع الطهارة. فلا بد من توحيد الله -﷾-، فمعنى قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: وحدوا الله ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة].
وحاصل المعنى: أن إيمانكم بالله -جل وعلا- وبربوبيته مستلزمٌ لأن تؤمنوا بالله، وتوحِّدوه، فلا إله غيره ولا ربَّ سواه.
من أدلة الإمام أبي حنيفة العقلية على وجود الله:
وقد ذكر ههنا العلامة الرازي -﵀-: أنَّ الإمام أبا حنيفة -﵀- كان سيفًا على الدهرية، وكانوا ينتهزون الفرصة ليقتلوه. فبينما هو يومًا في مسجده قاعد، إذ هجم عليه جماعة بسيوف مسلولة وهمُّوا بقتله فقال لهم: أجيبوني عن مسألة ثم افعلوا ما شئتم. فقالوا له
_________________
(١) ذكره عن ابن عباس -﵁-: القرطبي في تفسيره = الجامع لأحكام القرآن» (١٨/ ١٩٣) وقبله أبو منصور الماتريدي في تفسيره = تأويلات أهل السنة (١/ ٣٦٣) وأبو الليث السمرقندي في تفسيره بحر العلوم (١/ ٣٠١) وهو مسند -بمعناه- في تفسير الطبري جامع البيان ط هجر (١/ ٣٨٥).
[ ١ / ٩٣ ]
هات، فقال: ما تقولون في رجل يقول لكم: إني رأيت سفينة تجري مستوية ليس لها ملَّاح يجريها ولا متعهِّد يدفعها، هل يجوز ذلك في العقل؟ قالوا: لا، هذا شيء لا يقبله العقل؟ فقال الإمام أبو حنيفة -﵀-: يا سبحان الله! إذا لم يجز في العقل سفينة تجري في البحر مستوية من غير متعهد ولا مُجْرٍ فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها وتغير أعمالها وسعة أطرافها وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ؟! فبكوا جميعًا، وقالوا: صدقت وأغمدوا سيوفهم وتابوا.
من أدلة الإمام مالك العقلية على وجود الله:
وذكر الرازي -﵀- أيضا: أنَّ الخليفة الرشيد سأل الإمام مالكًا عن وجود الصانع، فاستدلَّ له الإمام مالك باختلاف الأصوات وتردد النغمات وتفاوت اللغات. يشير إلى قول الله -﷾-: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ [الروم] وقُرِئ ﴿للعَالَمِينَ﴾ (^١). فتأمَّل هذه اللغات المختلفة! تأمل كلَّ واحدة منها! تجد اللغة الواحدة تتضمن لهجات لا تُعَد ولا تحصى، ناهيك عن الأصوات والنغمات، والله -جل وعلا- يعلم كلَّ ذلك، ويدعوه الناسُ بلغات شتى، فيجيب دعوة كل هؤلاء الناس بلغاتهم لا تختلف عليه الألسنة بل هو - سبحانه - يعلم السر وأخفى لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]. يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه المسائل. ولا يتبرم بإلحاح الملحين.
من أدلة الإمام الشافعي العقلية على وجود الله:
وذُكِرَ للإمام الشافعي -﵀- مسألة وجود الصانع -جل وعلا- فقال: هذا ورق التوت: طعمه واحد، تأكله الدود، فيخرج منه الإبريسم، وتأكله النحل فيخرج منه العسل، وتأكله الشاة والبعير والأنعام فتلقيه بعرًا وروثًا، وتأكله الظباء فيخرج منها المسك، وهو شيء واحد!. وكأنه يشير إلى قول الله -﷾- في فاتحة سورة الرعد: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ
_________________
(١) قرأ العشرة سوى حفص ﴿للعَالَمِينَ﴾ بفتح اللام انظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري (٤/ ٢٥٤٣/ ط د. أيمن رشدي)
[ ١ / ٩٤ ]
وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤] فهي زروع مختلفة، قال فيها الله -﷾-: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ [الرعد: ٤] ثمار مختلفة، بزراعة واحدة وطريقة واحدة، وماء واحد، وتختلف الزروع في طعومها وألوانها وروائحها: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد: ٤] (^١).
قال الحافظ ابن كثير: فَهَذَا فِي غَايَةِ الْحَلَاوَةِ وَذَا فِي غَايَةِ الْحُمُوضَةِ، وَذَا فِي غَايَةِ الْمَرَارَةِ وَذَا عَفِص، وَهَذَا عَذْبٌ وَهَذَا جَمَعَ هَذَا وَهَذَا، ثُمَّ يَسْتَحِيلُ إِلَى طَعْمٍ آخَرَ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى. وَهَذَا أَصْفَرُ وَهَذَا أَحْمَرُ، وَهَذَا أَبْيَضُ وَهَذَا أَسْوَدُ وَهَذَا أَزْرَقُ. وَكَذَلِكَ الزُّهُورَاتُ مَعَ أَنَّ كُلَّهَا يُسْتَمَدُّ مِنْ طَبِيعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُوَ الْمَاءُ، مَعَ هَذَا الِاخْتِلَافِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا يَنْحَصِرُ وَلَا يَنْضَبِطُ، فَفِي ذَلِكَ آيَاتٌ لِمَنْ كَانَ وَاعِيًا، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الدَّلَالَاتِ عَلَى الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، الَّذِي بِقُدْرَتِهِ فَاوَتَ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ وَخَلَقَهَا عَلَى مَا يُرِيدُ؛ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد: ٤] ا. هـ (^٢)
من أدلة الإمام أحمد العقلية على وجود الله:
وسُئِل الإمام أحمد -﵀- عن ذلك، فقال: هاهنا حصن حصين أملس، ليس له باب ولا منفذ، ظاهرُهُ كالفضة بيضاء، وباطنه كالذهب إبريز، فبينما هو كذلك إذ انصدع جدار، فخرج منه حيوان سميع بصير، ذو شكل حسن وصوت مليح. يعني بذلك البيضة
_________________
(١) ومن الاستنباطات الجميلة في تفسير الآية ما رواه الطبري في تفسيره (١٣/ ٤٢٦/ ط هجر) عَنِ الْحَسَنِ -وهو البصري-، قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِقُلُوبِ بَنِي آدَمَ، كَانَتِ الْأَرْضُ فِي يَدِ الرَّحْمَنِ طِينَةً وَاحِدَةً، فَسَطَحَهَا وَبَطَحَهَا، فَصَارَتِ الْأَرْضُ قِطَعًا مُتَجَاوِرَاتٍ، فَيَنْزِلُ عَلَيْهَا الْمَاءُ مِنَ السَّمَاءِ، فَتُخْرِجُ هَذِهِ زَهْرَتَهَا، وَثَمَرَهَا، وَشَجَرَهَا، وَتُخْرِجُ نَبَاتَهَا، وَتُحْيِي مَوَاتَهَا، وَتُخْرِجُ هَذِهِ سَبَخَهَا، وَمِلْحَهَا، وَخَبَثَهَا، وَكِلْتَاهُمَا تُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ، فَلَوْ كَانَ الْمَاءُ مَالِحًا قِيلَ: إِنَّمَا اسْتَسْبَخَتْ هَذِهِ مِنْ قِبَلِ الْمَاءِ، كَذَلِكَ النَّاسُ خُلِقُوا مِنْ آدَمَ، فَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ تَذْكِرَةً، فَتَرِقُّ قُلُوبٌ فَتَخْشَعُ وَتَخْضَعُ، وَتَقْسُو قُلُوبٌ فَتَلْهُو وَتَسْهُو وَتَجْفُو ". قَالَ الْحَسَنُ: وَاللَّهِ مَا جَالَسَ الْقُرْآنَ أَحَدٌ إِلَّا قَامَ مِنْ عِنْدِهِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، قَالَ اللَّهُ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء].
(٢) تفسير ابن كثير ت سلامة (٤/ ٤٣٢).
[ ١ / ٩٥ ]
إذا خرج منها الفرخ. فهذه عند التفكر والتأمل ليست عبثًا، بل إنَّ لها موجدًا، وهو الله -﷾-. وسئل أبو نُوَاس الشاعر المعروف فأنشد:
تأمَّلْ في نباتِ الأرضِ وانظر … إلى آثار ما صَنَعَ المليكُ
عيونٌ من لُجَينٍ شاخصاتٌ … بأحداقٍ هي الذهبُ السبيكُ
على قُضُبِ الزَّبَرْجَدِ شاهداتٌ … بأنَّ اللهَ ليس له شريكُ (^١)
هذا النبات وهذا الكون كله يشهد بوجود الله -﷾-.
وذكر ابن المعتز عن أبي العتاهية أنه كتب:
أيا عجبَا كيف يُعصَى الإلـ … ـهُ أم كيف يجحدُهُ الجاحدُ!؟
ولله في كلِّ تحريكةٍ … وتسكينةٍ أبدًا شاهدُ
وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ … تدُلُّ على أنه واحدُ
فرأى هذه الأبيات أبو نواس فكتب:
سبحانَ منْ خَلَقَ الخَلْـ … ـــقَ مِنْ ضعيفٍ مَهينِ
فساقه مِنْ قرارٍ … إلى قرارٍ مَكينِ
يحول شيئًا فشيئًا … في الحجب دون العُيون (^٢)
التأمل في خلق الإنسان:
وتأمل في خلقكِ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: ١١].
قال ابن عباس -﵄-: "خُلِقوا في أصلاب الرجال، وصُوِّرُوا في أرحام النساء" (^٣).
فخلقك يحتاج إلى تأمل وإلى تفكر كما قال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات].
وقرأ عبد الرحمن بْنُ زَيْدٍ -﵀-: هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ
_________________
(١) انظر قصة الإمام مالك وما بعدها في مفاتيح الغيب (٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤)، وتفسير ابن كثير (١/ ١٩٨، ١٩٧).
(٢) انظر الأبيات في طبقات الشعراء لابن المعتز، ص ٢٠٨، ٢٠٧، وأورد نحوها البيهقي في الشعب (١٠٥).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٨٢٣٢) والحاكم (٣٢٤٢) -وعنه البيهقي في شعب الإيمان (١٠٦) - وصححه على شرطهما والصواب أنه صحيح فقط.
[ ١ / ٩٦ ]
خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ [الروم] ثم قال:
«فِينَا آيَاتٌ كَثِيرَةٌ، هَذَا السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَاللِّسَانُ وَالْقَلْبُ، لَا يَدْرِي أَحَدٌ مَا هُوَ أَسْوَدُ أَوْ أَحْمَرُ، وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي يَتَلَجْلَجُ بِهِ، وَهَذَا الْقَلْبُ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ، إِنَّمَا هُوَ مُضْغَةٌ فِي جَوْفِهِ، يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ الْعَقْلَ، أَفَيَدْرِي أَحَدٌ مَا ذَاكَ الْعَقْلُ، وَمَا صِفَتُهُ، وَكَيْفَ هُوَ؟» (^١)
وقال الطبري -﵀-: مَعْنَى ذَلِكَ: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أَيْضًا أَيُّهَا النَّاسُ آيَاتٌ وَعِبَرٌ تَدُلُّكُمْ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ صَانِعِكُمْ، وَأَنَّهُ لَا إِلَهَ لَكُمْ سِوَاهُ، إِذْ كَانَ لَا شَيْءَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَ خَلْقِهِ إِيَّاكُمْ ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] يَقُولُ: أَفَلَا تَنْظُرُونَ فِي ذَلِكَ فَتَتَفَكَّرُوا فِيهِ، فَتَعْلَمُوا حَقِيقَةَ وَحْدَانِيَّةِ خَالِقِكُمْ. (^٢)
وقرأ عبد الله بن الزبير -﵄- هذه الآية فقال: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ «سبيل الخلاء والبول» (^٣)
فلينظر الإنسان إلى طعامه:
وعن ابن الزبير -﵁- أيضا- أنه قرأ قول الله -جل وعلا-: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ [عبس] فقال: إلى مدخله ومخرجه. (^٤)
وروي عَنْ ابْن عَبَّاس -﵄- أنه قال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ أَي: إِلَى مَا يخرج مِنْهُ كَيفَ انْقَلب من الطّيب إِلَى الْخَبيث (^٥).
وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ -﵄-: مَا بَالُ أَحَدِنَا إِذَا قَضَى حَاجَتَهُ نَظَرَ إِلَيْهَا إِذَا قَامَ عَنْهَا؟ فَقَالَ: إِنَّ المَلَكَ يَقُولُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا بَخِلْتَ بِهِ إِلَى مَا صَارَ. (^٦)
_________________
(١) تفسير الطبري "جامع البيان" ط هجر (٢١/ ٥٢٠).
(٢) تفسير الطبري "جامع البيان" ط هجر (٢١/ ٥٢١).
(٣) شعب الإيمان (١١٠، ٧٨٥٩) وهو في تفسير عبد الرزاق (٢٩٨٧) وتفسير الطبري "جامع البيان" ط هجر (٢١/ ٥١٩) ورواه ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (٢١٢) وفي الجوع (١٦٩) وسنده صحيح.
(٤) رواه ابن المنذر كما في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٨/ ٤٢٠)
(٥) تفسير السمعاني (٦/ ١٦٠) وفي التواضع والخمول لابن أبي الدنيا (٢١٣) من طريق الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «إِلَى خُرْئِهِ».
(٦) رواه ابن خزيمة في صحيحه (٢/ ١٨٩ رقم ١٣٧٥/ ط. التأصيل) - ومن طريقه الضياء المقدسي في المختارة (١٣/ ١٤٦) - وفي سنده ضعف.
[ ١ / ٩٧ ]
وعَنِ الْحَسَنِ -﵀- قال: مَلَكٌ يُثْنِي رَقَبَةَ ابْنِ آدَمَ إِذَا جَلَسَ عَلَى الْخَلاءِ لَيَنْظُرَ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ (^١). قال الماوردي -﵀-: ويحتمل إغراؤه بالنظر إلى وجهين: أحدهما: ليعلم أنه محل الأقذار فلا يطغى. الثاني: ليستدل على استحالة الأجسام فلا ينسى ا. هـ (^٢)
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ -﵀- قَالَ: كَانَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ كَثِيرًا مَا يَقُولُ: انْطَلِقُوا حَتَّى أُرِيَكُمُ الدُّنْيَا. قَالَ: فَيَجِيءُ بِهِمْ إِلَى السُّوقِ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مَزْبَلَةٌ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلَى دَجَاجِهِمْ، وَبَطِّهِمْ، وَثِمَارِهِمْ. (^٣)
وعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِنَّ مَطْعَمَ ابْنِ آدَمَ جُعِلَ مَثَلًا لِلدُّنْيَا، وَإِنْ قَزَّحَهُ، وَمَلَّحَهُ فَانْظُرُوا إِلَى مَا يَصِيرُ» (^٤)
قال المنذري -﵀-: قوله: (قَزَّحه) بتشديد الزاي أي: وضع فيه (القِزْح)، وهو التابل. و(مَلَحه) بتخفيف اللام، معروف ا. هـ (^٥)
وقال القرطبي -﵀-: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾: أَيْ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ طَعَامَهُ. وَهَذَا النَّظَرُ نَظَرُ الْقَلْبِ بِالْفِكْرِ، أَيْ لِيَتَدَبَّرْ كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ طَعَامَهُ الَّذِي هُوَ قِوَامُ حَيَاتِهِ، وَكَيْفَ هَيَّأَ لَهُ أَسْبَابَ الْمَعَاشِ، لِيَسْتَعِدَّ بِهَا لِلْمَعَادِ. ا. هـ (^٦)
وقال الحافظ ابن كثير -﵀-: فِيهِ امْتِنَانٌ، وَفِيهِ اسْتِدْلَالٌ بِإِحْيَاءِ النَّبَاتِ مِنَ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ عَلَى إِحْيَاءِ الْأَجْسَامِ بَعْدَمَا كَانَتْ عَظَاما بَالِيَةً وَتُرَابًا مُتَمَزِّقًا ا. هـ (^٧)
فيا سبحان الله! يدعو ربنا -جل وعلا- الناسَ في كتابه إلى النظر وإلى التأمل والتفكر؛ وذلك يقود كلَّ من تأمل وكل من شكَّ وألحد إلى وجود الله سبحانه.
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم كما في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٨/ ٤٢٠)
(٢) انظر: تفسير الماوردي = النكت والعيون (٦/ ٢٠٧)
(٣) رواه ابن أبي الدنيا في الزهد رقم (١٥٢) وفي قصر الأمل (٢٩٩) وفي ذم الدنيا (٦٢) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (١٠/ ٣٢٤)
(٤) أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند (٢١٢٣٩) وصححه ابن حبان (٧٠٢). وهو في الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين (٢٦٥٧) لشيخنا العلامة الوادعي وقال: هذا حديث حسن ا. هـ وصححه الشيخ الألباني في الصحيحة (٣٨٢).
(٥) انظر: صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٥٠٦) رقم (٢١٥٠).
(٦) تفسير القرطبي (٢٢/ ٨٢).
(٧) تفسير ابن كثير ت سلامة (٨/ ٣٢٣)
[ ١ / ٩٨ ]
التأمل في الكون الفسيح:
قال ابن كثير -﵀-: "وقال آخرون: من تأمل هذه السماوات في ارتفاعها، واتساعها، وما فيها من الكواكب الكبار والصغار المنيرة من السيارة ومن الثوابت، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة، ولها في أنفسها سير يخُصُّها، ونظر إلى البحار الملتفَّة للأرض من كل جانب، والجبال الموضوعة في الأرض لتَقَرَّ، ويسكن ساكنوها مع اختلاف أشكالها وألوانها كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٧ - ٢٨] وكذلك هذه الأنهار السارحة من قطر إلى قطر لمنافع العباد، وما ذرأ في الأرض من الحيوانات المتنوعة، والنبات المختلف الطعوم والأراييح والأشكال والألوان مع اتحاد طبيعة التربة والماء، عَلِمَ وجود الصانع، وقدرتَه العظيمة، وحكمتَه، ورحمتَه، بخلقه ولطفَه بهم، وإحسانَه إليهم، وبِرَّه بهم، لا إله غيره ولا رب سواه، عليه توكلت وإليه أنيب" (^١).
التفكر والتأمل في الآيات الكونية والشرعية:
والقرآن يدعونا إلى التفكر والتأمل في آيات الله الكونية والشرعية.
الآيات الكونية المشاهدة من خلق السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر. كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية]
والآيات الشرعية وهي تأمل وتدبر الكتاب العزيز الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت] كما قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد]، وهذا التفكر يزيد الإيمان ويقوي اليقين في القلب.
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ١٩٨).
[ ١ / ٩٩ ]
تفكر رسولنا -ﷺ- وتأمله:
وقد روى أبو حاتم ابن حبان في صحيحه عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ لِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَزُورَنَا، فقَالَ: أَقُولُ يَا أُمَّهْ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا، قَالَ: فَقَالَتْ: دَعُونَا مِنْ رَطَانَتِكُمْ هَذِهِ، قَالَ ابْنُ عُمَيْرٍ: أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: فَسَكَتَتْ ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي، قَالَ: «يَا عَائِشَةُ ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي» قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ، قَالَتْ: فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟، قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ، وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ [آل عمران] الْآيَةَ كُلَّهَا» (^١)
وفي الصحيح عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ -ﷺ-: «اقْرَأْ عَلَيَّ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آقْرَأُ عَلَيْكَ، وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ، قَالَ: «نَعَمْ» فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء]، قَالَ: «حَسْبُكَ الآنَ» فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ، فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. (^٢)
وفي السنن عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ
_________________
(١) أخرجه ابن حبان (٦٢٠). ورواه عبد بن حميد في تفسيره وابن أبي الدنيا في كتاب التفكر والاعتبار -كما في تفسير ابن كثير (٢/ ١٨٩) -، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٤٦١٨) والخرائطي مختصرا في اعتلال القلوب (٦١٠) وأبو الشيخ الأصبهاني في أخلاق النبي (٥٤٤، ٥٦٨) وأبو الليث السمرقندي في تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين (٩١٨) وفي تفسيره بحر العلوم (١/ ٢٧٤) وابن مردويه في تفسيره -كما في تفسير ابن كثير (٢/ ١٨٩) - ومن طريقه وطريق غيره أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب (٦٦٦، ١٩٥١) -، وأبو العباس المستغفري في فضائل القرآن (٤٩١). وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (١٤٦٨) وفي السلسلة الصحيحة (٦٨) وحسنه شيخنا الوادعي في «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين» (٣٩٧٤)
(٢) أخرجه البخاري (٥٠٥٠) ومسلم (٨٠٠)
[ ١ / ١٠٠ ]
كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ الْبُكَاءِ» (^١)
فهذا نموذج من تدبر النبي -ﷺ- وخشوعه فإن البكاء علامة التدبر.
من سير السلف في التأمل والتفكر:
وفي الزهد لوكيع عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ أَمَّ الدَّرْدَاءِ: مَا كَانَ أَفْضَلَ عِبَادَةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁-؟ قَالَتْ: «التَّفَكُّرُ وَالِاعْتِبَارُ» (^٢)
وفي الزهد لابن المبارك عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قِيلِ لَهَا: مَا كَانَ أَكْثَرُ عَمَلِ أَبِي الدَّرْدَاءِ؟ قَالَتْ: «التَّفَكُّرُ»، قَالَتْ: نَظَرَ يَوْمًا إِلَى ثَوْرَيْنِ يَخُدَّانِ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقِلَّيْنِ بِعَمَلِهِمَا إِذْ عَنَتَ أَحَدُهُمَا، فَقَامَ الْآخَرُ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: «فِي هُنَا تَفَكُّرٌ، اسْتَقَلَّا بِعَمَلِهِمَا وَاجْتَمَعَا، فَلَمَّا عَنَتَ أَحَدُهُمَا قَامَ الْآخَرُ، كَذَلِكَ الْمُتَعَاوِنَانِ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ -﷿-» (^٣)
وقال أبو الدرداء -﵁-: «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ». (^٤)
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٩٠٤) والنسائي (١٢١٤) والترمذي في الشمائل (٣٢٣) وصححه ابن خزيمة (٩٠٠) وابن حبان (٦٦٥، ٧٥٣) والحاكم (٩٧١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ا. هـ وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٨٣٩) وشيخنا الوادعي في الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين (٩٦٤) وقالا: حديث صحيح رجاله رجال مسلم. وهذه العبارة أصح من قول الحاكم على شرط مسلم فإنه رواه عن الحسن بن مكرم عن يزيد بن هارون بسنده عن مطرف. ويزيد ومن فوقه على شرط مسلم، لكن ابن مكرم وهو في طبقة شيوخ مسلم وهو ثقة وليس من رجال الكتب الستة.
(٢) الزهد لوكيع (٢٢٤) -ومن طريقه أحمد في الزهد (٧٢٠) وابن عساكر في تاريخه (٤٧/ ١٤٩) - قال: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، وَالْمَسْعُودِيُّ، عَنْ عَوْنِ به. ورواه ابن سعد في الطبقات (٥٦٢٥) وأبو داود في الزهد (٢٠٥) وأبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٤/ ٢٥٣) من طريق مالك بن مغول به. ورواه ابن المبارك في الزهد والرقائق (٢٨٦) - ومن طريقه النسائي في السنن الكبرى (١١٨٥٠) وابن عساكر في تاريخه (٤٧/ ١٤٩) - عن محمد بن عجلان عن عون به. ورواه ابن المبارك (٨٧٢) وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٤٦) وابن عساكر في تاريخه (٤٧/ ١٤٩) من طريق المسعودي عن عون به. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٤٥٨٦) وهناد في الزهد (٢/ ٤٦٨) وابن سعد في الطبقات (٥٦٢٥) وأبو داود في الزهد (١٩٨، ١٩٩) وأبو الشيخ في العظمة (٤٥) وأبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (١/ ٢٠٨) والبيهقي في شعب الإيمان (١١٨) من طريق سالم بن أبي الجعد عن أم الدرداء.
(٣) الزهد والرقائق (٨٧٢) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (٤٧/ ١٤٩) - ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب التفكر -كما في فتح الباري لابن رجب (٣/ ٣١٣) -
(٤) أخرجه ابن المبارك في الزهد والرقائق (٩٤٩) وأحمد في الزهد (٧٤٦) وهناد في الزهد (٢/ ٤٦٨) وأبو داود في الزهد (١٩٩) وأبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (١/ ٢٠٨) والبيهقي في شعب الإيمان (١١٧)
[ ١ / ١٠١ ]
وعن الحسن البصري مثله. (^١)
وقال الْفُضَيْلُ، قَالَ الْحَسَنُ: «التَّفَكُّرُ مِرْآةٌ تُرِيكَ حَسَنَاتِكَ وَسَيِّئَاتِكَ» (^٢)
وقال أبو الشيخ الأصبهاني -﵀-: فَإِذَا تَفَكَّرَ الْعَبْدُ فِيِ ذَلِكَ اسْتَنَارَتْ لَهُ آيَاتُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَسَطَعَتْ لَهُ أَنْوَارُ الْيَقِينِ، وَاضْمَحَلَّتْ عَنْهُ غَمَرَاتُ الشَّكِّ، وَظُلْمَةُ الرَّيْبِ، وَذَلِكَ إِذَا نَظَرَ إِلَى نَفْسِهِ وَجَدَهَا مُكَوَّنَةً مَكْنُونَةً مَجْمُوعَةً مُؤَلَّفَةً مَجْزَأَةً مُنَضَّدَةً مُصَوَّرَةً مُتَرَكِّبَةً بَعْضُهَا فِي بَعْضٍ، فَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ مُدَبَّرٌ إِلَّا بِمُدَبِّرٍ، وَلَا مُكَوَّنٌ إِلَّا بِمُكَوِّنٍ ا. هـ (^٣)
ذم من لا يعتبر ويتفكر بمخلوقات الله:
قال الحافظ ابن كثير -﵀-: وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَا يَعْتَبِرُ بِمَخْلُوقَاتِهِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدْرِهِ وَآيَاتِهِ، فَقَالَ: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ [يوسف] وَمَدَحَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قَائِلِينَ ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ أَيْ: مَا خَلَقْتَ هَذَا الْخَلْقَ عَبَثًا، بَلْ بالحق لتجزي الذين أساؤوا بِمَا عَمِلُوا، وَتَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى. ثُمَّ نَزَّهُوهُ عَنِ الْعَبَثِ وَخَلْقِ الْبَاطِلِ فَقَالُوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أَيْ: عَنْ أَنْ تَخْلُقَ شَيْئًا بَاطِلًا ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ [آل عمران] أَيْ: يَا مَنْ خَلَق الْخَلْقَ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ يَا مَنْ هُوَ مُنزه عَنِ النَّقَائِصِ وَالْعَيْبِ وَالْعَبَثِ، قِنَا مِنْ عَذَابِ النَّارِ بِحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ وَقيضْنَا لِأَعْمَالٍ تَرْضَى بِهَا عَنَّا، وَوَفِّقْنَا لِعَمَلٍ صَالِحٍ تَهْدِينَا بِهِ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَتُجِيرُنَا بِهِ مِنْ عَذَابِكَ الْأَلِيمِ ا. هـ (^٤)
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٢٢٣) وأحمد في الزهد (٧٤٦) وأبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٦/ ٢٧١)
(٢) أخرجه أبو الشيخ في العظمة (١٣)
(٣) كتاب العظمة (١/ ٢٧١) وانظر: مفتاح دار السعادة لابن القيم (١/ ٥١٩ ط عطاءات العلم)
(٤) تفسير ابن كثير - ت السلامة (٢/ ١٨).
[ ١ / ١٠٢ ]
تفكروا في آلاء الله ولا تفكروا في ذات الله:
وقال نُعَيْمُ بْنِ حَمَّادٍ -﵀-: حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ أَنْ يُؤْمِنَ بِجَمِيعِ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ وَيَتْرُكَ التَّفَكُّرَ فِي الرَّبِّ ﵎ وَيَتْبَعَ حَدِيثَ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ». ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ ا. هـ (^١)
وقال الإمام البربهاري -﵀-: والفكرة في الله ﵎ بدعة؛ لقول رسول الله -ﷺ-: «تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الله». فإن الفكرة في الرب تقدح الشك في القلب ا. هـ (^٢)
وقوله: (والفكرة في الله): أي في ذات الله -﷿-، فإنها لا تجوز لأنَّ العبد إذا فكَّر، فإنّما يفكر بما يتصوره عقله، وبما يخطر على ذهنه، من مرئياتٍ، ومسموعاتٍ، ومعلومات، والله سبحانه تعالى فوق ذلك كلِّه فلا ينبغي لأحدٍ أن يفكر في ذاته تعالى، لأنَّه كلَّما تصور شيئًا، فالله -﷿- بخلافه، ويكفينا أن نفكر في خلق الله. والحديث المذكور له طرق كلها ضعيفة (^٣). ومن أمثلها ما رواه محمد بن عثمان بن أبي شيبة عَنْ
_________________
(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٣/ ٥٨٢).
(٢) شرح السنة (ص ٦٨) وانظر: «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (٢/ ٢٣ ت الفقي)
(٣) رواه هناد بن السري في الزهد (٢/ ٤٦٩) قال: حدثنا محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة قال: مر النبي -ﷺ- على قوم يتفكرون فقال: «تَفَكَّرُوا فِي الْخَلْقِ وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ» وهذا مرسل أو معضل، فعمرو من صغار التابعين. وأخرجه حرب الكرماني في مسائله -ت فايز حابس- (٣/ ١١٥٤) من طريق محمد بن عبيد به. وأخرجه أبو القاسم الأصبهاني قوام السنة في الترغيب والترهيب (٦٧٢) من طريق أبي أسامة عن الأعمش به. ووصله أبو الشيخ في العظمة (٥) قال: حدثنا محمد بن أبي يعلى - (وهو محمد بن إسحاق بن إبراهيم شاذان، من رجال الطبراني وهو مجهول يروي هنا عن أبيه) -، أنا إسحاق بن إبراهيم (الملقب شاذان ويروي هنا عن جده)، أنا سعد بن الصلت -وهو في ثقات ابن حبان وقال ربما أغرب-، أنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن رجل، حدثه عن ابن عباس -﵄-، قال: مر النبي -ﷺ- على قوم يتفكرون في الله، فقال: «تفكروا في الخلق، ولا تفكروا في الخالق، فإنكم لا تقدرون قدره». وهذا إسناد ضعيف. ورواه أبو القاسم إسماعيل التيمي في الترغيب والترهيب (٦٧٠) عن عبد الحميد بن يحيى الحماني -وهو ضعيف-، ثنا الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن ابن عباس -﵄- به. ورواه أبو الشيخ (٤/ ١٤٨٩) عن مقاتل، عن عكرمة، عن ابن عباس، -﵄- قال: دخل علينا رسول الله -ﷺ- ونحن في المسجد حَلَق حَلَق، فقال لنا رسول الله -ﷺ-: «فِيمَ أَنْتُمْ؟»، قُلْنَا نَتَفَكَّرُ فِي الشَّمْسِ كَيْفَ طَلَعَتْ؟ وَكَيْفَ غَرَبَتْ؟ قَالَ: «أَحْسَنْتُمْ، كُونُوا هَكَذَا، تَفَكَّرُوا فِي الْمَخْلُوقِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الْخَالِقِ، فَإِنَّ اللَّهَ -﷿- خَلَقَ مَا شَاءَ لَمَّا شَاءَ»، … وذكر حديث طويلا. وإسناده مسلسل بالمجاهيل. وروى عَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- مرفوعًا: «تَفَكَّرُوا فِي آلَاءِ اللَّهِ، وَلَا تَتَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ» أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (١٢١١١) والطبراني في المعجم الأوسط (٦٣١٩) وابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (٨/ ٣٨٥) والبيهقي في شعب الإيمان (١١٩) وغيرهم. وقال البيهقي: في إسناده نظر ا. هـ وهو كما قال. فالحديث من رواية الوازع بن نافع عن سالم بن عبد الله عن أبيه. والوازع ضعيف جدا. انظر: لسان الميزان ت أبي غدة (٨٣٢٣). وروى أبو عبد الرحمن السلمي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ، وَلا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ» وسنده ضعيف جدا. رواه أبو الفضل الرازي في أحاديث في ذم الكلام وأهله (ص ٧٦) عن السلمي. وسنده رجاله ثقات، لكن السلمي مختلف فيه -وهو: من شيوخ الحاكم والبيهقي واسمه: محمد بن الحسين السلمي النيسابوري -وقد اتهم بالوضع. وله طريق أخرى رواها ابن عساكر وابن المحب عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: «تفكروا في آلاء اللَّه ولا تتفكروا في اللَّه، فإنكم لن تدركوه إلا بالتصديق» وسنده ضعيف جدا. أخرجه ابن عساكر في المجلس (١٣٩) من " الأمالي " (٥٠/ ١) -كما في السلسلة الصحيحة-، وابن المحب الصامت في صفات رب العالمين (١/ ٦٩٥ بترقيم الشاملة) بسند مسلسل بالمجاهيل عن بشر بن الوليد عن عبد العزيز بن سلمة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وهذا سند غريب منكر. ورواه الثعلبي والبغوي في تفسيريهما عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي قَوْلِهِ: "وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى"، قَالَ: «لَا فِكْرَةَ فِي الرَّبِّ» وسنده ضعيف جدا. أخرجه أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره "الكشف والبيان عن تفسير القرآن" ط دار التفسير (٢٥/ ١٦٢) ومن طريقه محي الدين البغوي في تفسيره ط طيبة (٧/ ٤١٧) عن أبي جعفر الرازي، عن أبيه عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبي بن كعب به. وإسناده ضعيف، أبو جعفر صدوق سيء الحفظ؛ ووالده لم أجد له ترجمة والظاهر أن في الإسناد خطأً وصوابه (عن ابن أبي جعفر عن أبيه، كما نقله الحافظ ابن كثير في تفسيره). ومن دون أبي جعفر جماعة لا يعرفون. وروي عن أبي أمامة ذكره في أطراف الغرائب والأفراد (٥/ ١٦) رقم (٤٥٣١) عنه قال قال رسول الله -ﷺ-: «تَفَكَّرُوا فِي خلق الله -﷿- وَلَا تَفَكَّرُوا فِي الله». وقال: تفرد به عَليّ بن زيد الصدائي عَنْ أبي سعيد الشَّامي عَنْ مكحول عن أبي أمامة -﵁-. وعلي بن زيد ضعيف والشامي مجهول. وروي عن أبي ذر -﵁-. رواه أبو الشيخ في العظمة (٤) من طريق سيف ابن أخت سفيان، وهو كذاب بسنده عن أبي ذر مرفوعا «تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ فَتَهْلِكُوا».
[ ١ / ١٠٣ ]
عَطَاء بن السائبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قال: «فكروا فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ، فَإِنَّ بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ إِلَى كُرْسِيِّهِ أَلْفَ نُورٍ، وَهُوَ فَوْقَ ذَلِكَ» وهذا موقوف وسنده ضعيف (^١).
_________________
(١) كتاب العرش وما روي فيه (١٦) ورواه أبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٢، ٣، ٢٢) وابن بطة في الإبانة الكبرى (٧/ ١٥٠) رقم (١٠٨)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦١٨، ٨٨٧) من طرق عن عطاء به. وعطاء مختلط، والرواة عنه هنا ممن روى عنه بعد الاختلاط. وقال ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٣٨٣): موقوف وسنده جيد ا. هـ
[ ١ / ١٠٤ ]
وعن عبد الله بن سلام -﵁- قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَصْحَابِهِ، وَهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ اللَّهِ فَقَالَ: «فِيمَ تُفَكِّرُونَ؟» قَالُوا: نَتَفَكَّرُ فِي خَلْقِ اللَّهِ، قَالَ: «لَا تُفَكِّرُوا فِي اللَّهِ، وَلَكِنْ تَفَكَّرُوا فِيمَا خَلَقَ اللَّهُ» وسنده ضعيف (^١)
علاج الوسواس في ذات الله:
وهذه الأحاديث فيها علاج للوسوسة فإن من كيد الشيطان: وَسْوَسَتَهُ للمسلم في عقيدته ويقول له من خلق الله؟. وهي وإن كانت ضعيفة إلا أن معناها صحيح.
ويغني عنها ما ثبت في الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولَ: مَنْ خَلَقَ كَذَا وَكَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ لَهُ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ وَلْيَنْتَهِ» متفق عليه (^٢)
ولابن السني: «فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْهُ وَمِنْ فِتْنَتِهِ» (^٣)
وفي رواية لمسلم: «… فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ» (^٤)
ولمسلم وأحمد «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ -﷿-، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَإِذَا أَحَسَّ أَحَدُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ» (^٥)
ولأبي داود: «فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ فَقُولُوا: اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم في تفسيره (٤٦٥٩) وأبو الشيخ الأصبهاني في العظمة (٢١) وأبو نعيم في حلية الأولياء (٦/ ٦٦) من طريق عبد الجليل بن عطية القيسي عن شهر بن حوشب عن عبد الله بن سلام. وإسناده حسن في الشواهد. فعبد الجليل وشهر صدوقان سيئا الحفظ، وسائر الرجال ثقات. قاله الألباني في السلسلة الصحيحة (٤/ ٣٩٦). وشهر لم يلق عبد الله بن سلام كما في جامع التحصيل.
(٢) رواه البخاري (٣٢٧٦) ومسلم (١٣٤).
(٣) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٢٥) عن شيخه النسائي وساق سنده عن أبي هريرة به. وعزاها المنذري في الترغيب للنسائي وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ٢٦٩): لم أجدها عنده ا. هـ فتبين أنها لابن السني يرويها عن النسائي فلعله لهذا عزاها المنذري للنسائي والله أعلم.
(٤) صحيح مسلم (١٣٤).
(٥) صحيح مسلم (١٣٤). ومسند أحمد ط الرسالة (١٤/ ١٠٩/ رقم: ٨٣٧٦) واللفظ له.
[ ١ / ١٠٥ ]
لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ثُمَّ لِيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَسْتَعِذْ مِنَ الشَّيْطَانِ» (^١)
وللبيهقي في الأسماء والصفات: «فَإِنْ سُئِلْتُمْ فَقُولُوا: اللَّهُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ كَائِنٌ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ» (^٢)
وفي سنن أبي داود قال أَبُو زُمَيْلٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ -﵄- فَقُلْتُ: مَا شَيْءٌ أَجِدُهُ فِي صَدْرِي؟ قَالَ: «مَا هُوَ؟» قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَتَكَلَّمُ بِهِ، قَالَ: فَقَالَ لِي: «أَشَيْءٌ مِنْ شَكٍّ؟» قَالَ: وَضَحِكَ، قَالَ: «مَا نَجَا مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ»، قَالَ: حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ -﷿- ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] الْآيَةَ، قَالَ: فَقَالَ لِي: «إِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِكَ شَيْئًا فَقُلْ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد]» (^٣)
وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟»
قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «ذَاكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ» (^٤)
وفيه عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁-، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنِ الْوَسْوَسَةِ، قَالَ: «تِلْكَ مَحْضُ الْإِيمَانِ» (^٥)
قال النووي -﵀-: مَعْنَاهُ اسْتِعْظَامُكُمُ الْكَلَامَ بِهِ هُوَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ فَإِنَّ اسْتِعْظَامَ هَذَا وَشِدَّةَ الْخَوْفِ مِنْهُ وَمِنَ النُّطْقِ بِهِ فَضْلًا عَنِ اعْتِقَادِهِ إِنَّمَا يَكُونُ لِمَنِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ اسْتِكْمَالًا مُحَقَّقًا وَانْتَفَتْ عَنْهُ الرِّيبَةُ وَالشُّكُوكُ وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ وَإِنْ لَمْ
_________________
(١) سنن أبي داود (٤٧٢٢) والسنن الكبرى للنسائي (٩/ ٢٤٥) (١٠٤٢٢). وإسناده حسن. وانظر: السلسلة الصحيحة (١/ ٢٣٥/ ١١٨)
(٢) الأسماء والصفات (١٤). وإسناده فيه مبهم.
(٣) سنن أبي داود (٥١١٠) وحسن إسناده الألباني
(٤) صحيح مسلم (١٣٢).
(٥) صحيح مسلم (١٣٣).
[ ١ / ١٠٦ ]
يَكُنْ فِيهَا ذِكْرُ الِاسْتِعْظَامِ فَهُوَ مُرَادٌ وَهِيَ مُخْتَصَرَةٌ مِنَ الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَلِهَذَا قَدَّمَ مُسْلِمٌ -﵀- الرِّوَايَةَ الْأُولَى وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الشَّيْطَانَ إِنَّمَا يُوَسْوِسُ لِمَنْ أَيِسَ مِنْ إِغْوَائِهِ فَيُنَكِّدُ عَلَيْهِ بِالْوَسْوَسَةِ لِعَجْزِهِ عَنْ إِغْوَائِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَإِنَّهُ يَأْتِيهِ مِنْ حَيْثُ شَاءَ وَلَا يَقْتَصِرُ فِي حَقِّهِ عَلَى الْوَسْوَسَةِ بَلْ يَتَلَاعَبُ بِهِ كَيْفَ أَرَادَ فَعَلَى هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ سَبَبُ الْوَسْوَسَةِ مَحْضُ الْإِيمَانِ أَوِ الْوَسْوَسَةُ عَلَامَةُ مَحْضِ الْإِيمَانِ وَهَذَا الْقَوْلُ اخْتِيَارُ القاضي عياض ا. هـ (^١)
وفي سنن أبي داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَحَدَنَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ، يُعَرِّضُ بِالشَّيْءِ، لَأَنْ يَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ»
وفي رواية له: «رَدَّ أَمْرَهُ» مَكَانَ «رَدَّ كَيْدَهُ» (^٢)
قال السندي -﵀-: أي: كيد الشيطان إلى الوسوسة التي لا يؤاخذ بها المرء ولم يمكنه من غير الوسوسة وإلا لسعى فيه كما يسعى في الوسوسة بل جعل ذلك في يد الإنسان، فلذلك امتنع من التكلم ا. هـ (^٣)
_________________
(١) شرح مسلم (٢/ ١٥٤).
(٢) رواه أبو داود (٥١١٢) والنسائي في "الكبرى" (١٠٤٣٥) و(١٠٤٣٦) وهو في مسند أحمد (٢٠٩٧)، وصحيح ابن حبان (١٤٧).
(٣) حاشية المسند (٢/ ٣٥٨)
[ ١ / ١٠٧ ]
المجلس السابع (^١)
من أدلة الإيمان بوجود الله:
تقدم معنا أن الإيمان بالله -﷾- يتضمن أربعة أمور:
الأمر الأول: الإيمان بوجود الله. والأمر الثاني: الإيمان بربوبية الله. والأمر الثالث: الإيمان بألوهية الله. والأمر الرابع: الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا.
وتكلمنا عن الإيمان بوجود الله، -وهو باب عظيم ومهم-، وانظر ما عليه كثير من الناس اليوم في كثير من بقاع الأرض من الإلحاد. فإنَّ كثيرًا من الناس اليوم مع التقنيات الحديثة ومع الفتن المدلهمة قد اتجهوا إلى الإلحاد، وهو إنكار وجود الله -﷾-.
وقد ذكرنا سابقًا طرفًا من أدلة وجود الله -﷾-.
والإيمان بوجود الله -سبحانه- له أدلة كثيرة، فقد دلَّ عليه: العقل، والحس، والفطرة، والشرع.
قد تجد إنسانًا ملحدًا لا يؤمن بوجود الله، ولا يؤمن بالقرآن ولا يؤمن بالسنة، فلا يمكن أن يُحتَجَّ عليه بالنصوص؛ لأنه بداهة لا يؤمن بهذا الدين. فيقال: إن الأدلة على وجود الله -﷾- كثيرة منها: دلالة العقل، والحس، والفطرة، والشرع.
دلالة العقل على وجود الله:
أما الدليل العقلي على وجود الله-سبحانه- فهو ما نبَّهْنا عليه في الدرس الماضي: وهو: أن هذا الكون الذي أمامنا، ونشاهده على هذا النظام البديع الذي لا يمكن أن يضطرب، ولا يتصادم، ولا يُسقِطَ بعضُه بعضًا، بل هو في غاية ما يكون من النظام كما قال ربنا سبحانه: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس]. فهو نظام بديع إذا تأملت رأيت عجبًا. فهل يعقل كما ذكرنا عن أبي حنيفة -رحمه الله تعالى- أن يكون هذا الكون البديع والفسيح بهذا النظام
_________________
(١) كان في يوم الأربعاء التاسع والعشرين من شهر شعبان ١٤٤١ هـ.
[ ١ / ١٠٨ ]
البديع لا خالق ولا موجد له؟! والآيات في هذا كثيرة، منها:
قول ربنا -﷾-: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾ [الأنبياء].
وذكر البيهقي -﵀- في شعب الإيمان: أنه قيل لأم الدرداء: ما كان أفضلُ أعمالِ أبي الدرداء -﵁-؟ قالت: «التَّفَكُّرُ» (^١).
وهذا التفكر يدعونا إليه القرآن، ويحتاج إليه جميع الناس.
فالمسلم في حاجة إلى أن يتفكر ويتأمل ليحصن نفسه وليكون داعية إلى الله -﷾- فقد تواجه هؤلاء الملاحدة إما مواجهة حقيقية وإما أن تواجههم على صفحات الإنترنت؛ فليكن لديك حصيلة دينية تستطيع أن تدعو بها إلى الله -جل وعلا- و«لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ» (^٢).
ويقول ربنا -﷾-: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد]
وقد ذكرنا هذا الدليل في الدرس الماضي عن الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-.
ولهذا لما سُئِل أعرابي عن ذلك قال: "يا سبحان الله! إن البعرة لَتَدُلُّ على البعير، وإن أثر الأقدام لَتَدُلُّ على المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج؟
_________________
(١) تقدم في المجلس السابق.
(٢) أخرجه البخاري (٢٩٤٢) واللفظ له، ومسلم (٢٤٠٦) من حديث سهل بن سعد -﵁-.
[ ١ / ١٠٩ ]
ألا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟! " (^١).
هذا هو إعمال التفكر والتأمل في هذا الكون وفي هذه الآيات العظيمة.
وربنا -جل وعلا- يدعونا إلى أن ننظر في أنفسنا: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات].
ويقول الله -﷾-: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾. ويقول بعد ذلك: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ مَنْ الذي يستطيع أن يحيِيَ هذه الأشياء؟! ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾ [الواقعة].
كل هذه الآيات خطاب: يعني أخبروني عن هذه الأشياء كيف هي؟
وفي سورة عبس يقول ربنا -﷾-: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤)﴾ [عبس] أي: تفكَّرْ وتأمَّلْ في طعامك.
قال الطبري -﵀-: أي: فَلْيَنْظُرْ هَذَا الْإِنْسَانُ الْكَافِرُ الْمُنْكِرُ تَوْحِيدَ اللَّهِ إِلَى طَعَامِهِ كَيْفَ دَبَّرَهُ؟ (^٢)
﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧)﴾ [عبس] الآيات ..
إذًا هذه كلُّها أدلة لو تفكر الإنسان فيها بعقله وتأمل لعرف أنَّ الله -﷾- موجود.
وانظر إلى خطابات القرآن:
﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾ [الأنعام]
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٦٩)﴾ [النمل]
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾ [العنكبوت]
_________________
(١) تفسير ابن كثير (١/ ١٩٧) وانظر: مفيد العلوم ومبيد الهموم للخوارزمي (ص ٢٥)
(٢) تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (٢٤/ ١١٥)
[ ١ / ١١٠ ]
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ [الروم]
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ [السجدة]
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ في سبعة مواضع من كتاب الله [يونس: ٣، هود: ٢٤ و٣٠، النحل: ١٧، المؤمنون: ٨٥، الصافات: ١٥٥، الجاثية ٢٣]
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾ في موضعين [الأنعام: ٨٠، السجدة: ٤]،
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة]،
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ [يس]،
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠)﴾ [الأنعام]،
وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾ [غافر]
وقال تعالى في موضعين من كتابه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢، محمد: ٢٤]،
وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية]
وقال ربنا سبحانه: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ [يونس]
وقال تعالى في مواضع: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾ [النحل: ٧٩، النمل: ٨٦، العنكبوت: ٢٤، الروم: ٣٧، الزمر: ٥٢]
وقال سبحانه في موضعين من كتابه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [يونس:، ٦٧، الروم: ٢٣]
وقال تعالى في موضع ثالث: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٦٥)﴾ [النحل: ٦٥]
وقال تعالى في مواضع من كتابه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾ [الرعد:
[ ١ / ١١١ ]
٣، الروم: ٢١، الزمر: ٤٢، الجاثية: ١٣]
وقال في موضعين من سورة النحل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾ [النحل: ١١، و٦٩]
وقال تعالى في مواضع: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ [الرعد: ٤، النحل: ١٢، الروم: ٢٤]
وقال سبحانه في سورة النحل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٦٧)﴾
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ [العنكبوت]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾ [الأنفال]
وقال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة]
فهذه نحو أربعة وأربعين موضعا من القرآن -وغيرها كثير- وكلها داعية إلى التفكر والتأمل والذم لمن ترك ذلك.
دلالة الحس:
وهناك أيضًا دليل حسي على وجود الله -سبحانه- وهو ما نشاهده من إجابة الدعاء؛ فالإنسان يدعو الله ويقول: "يا الله" فيجيب الله دعاءه، ويكشف عنه ما هو فيه، ويحصل له المطلوب، فدل هذا على أن هناك ربًّا سمع دعاءه وأجابه.
وفي كتاب الله أنه سبحانه استجاب لأنبيائه:
﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء: ٧٦]،
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ [الأنبياء]
[ ١ / ١١٢ ]
ولاحظوا أن الآيات تأتي معقَّبة بالفاء قال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أي: جاءت الإجابة سريعة. إذًا هذا دليل حسي على وجود الله -﷾-.
دلالة الفطرة:
وهناك أيضًا دليل الفطرة؛ فالإنسان بطبيعته إذا أصابه الضر قال: يا الله.
قال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: "حُدِّثنا أن بعض الكفار الموجودين الملحدين إذا أصابه الشيء المهلك بغتة يقول على فلتات لسانه: "يا الله" من غير أن يشعر؛ لأنَّ فطرة الإنسان تدله على وجود الرب -جل وعلا- " (^١).
ويقول -﷾-: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]. وهذا أَخْذُ ربنا -﷾- للميثاق على الكفار وعلى جميع نسمات بني آدم أنَّ الله -﷾- هو الخالق وأنه -سبحانه- هو الإله المعبود بحق.
دلالة الشرع:
ثم هناك الأدلة الشرعية، وهي كثيرة جدًّا في كتاب الله -﷾-.
إذًا هناك أدلة كثيرة يمكن للمسلم من خلالها أن يزداد إيمانًا، ويزداد يقينًا بمعرفة ربه -﷾-.
وأعود فأقول: تأملوا كتاب الله، وتدبروا القرآن، قِفُوا عند الآيات، واقرؤوا تفسير السلف فيها، وليكن عندكم تفسيرٌ معتمدٌ من تفاسير السلف؛ لأنها تُعِين على فهم القرآن وتأمُّلِ الآيات البيِّنات كتفسير الإمام الطبري والحافظ ابن كثير والبغوي ومثل تفسير السعدي من المعاصرين.
الإيمان بربوبية الله:
الأمر الثاني مما يتضمنه الإيمان بالله -﷾-: الإيمان بربوبية الله، ويعبر عنه العلماء بتوحيد الربوبية. فما معنى ذلك؟
معنى "الرب":
يقول العلماء -﵏-: الرب هو الخالق والمالك والمدبر.
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (٣/ ١٤٩).
[ ١ / ١١٣ ]
هذه كلمات يفسر بها العلماء كلمة الرب. يقول الإمام الجوهري -﵀- وهو من أئمة اللغة: "ربُّ كل شيء: مالكه، والربُّ: اسم من أسماء الله -جل وعلا-، ولا يقال في غيره إلا بالإضافة" (^١).
وفي الشرع، في كتاب الله وفي سنة رسول الله -ﷺ- تأتي الآيات للدلالة على أن الله-سبحانه-هو المالك الخالق المدبر كما قال ربنا سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة]، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ [المؤمنون].
يقول الإمام الطبري -﵀-: "ربنا جلَّ ثناؤه: السيد الذي لا شبه له، ولا مثل في سؤدده، والمصلِحُ أمْرَ خلقِه بما أسبغ عليهم من نعمه، والمالك الذي له الخلق والأمر" (^٢).
ومن السنة نجد مثلًا قول النبي -ﷺ-: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (^٣).
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: "الرب هو الذي يربي عبده، فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها" (^٤).
ويقول أيضًا: "الرب سبحانه هو المالك، المدبر، المعطي، المانع، الضار، النافع، الخافض، الرافع، المعز، المذل" (^٥).
ويضيف بعض العلماء إلى ذلك المحيي المميت، فهو -﷾- الذي بيده هذه الأمور.
ويقول شمس الدين ابن القيم -﵀-: "والرب هو السيد، والمالك، والمنعم، والمربي، والمصلح. والله تعالى هو الربُّ بهذه الاعتبارات كلها" (^٦).
ويقول الحافظ ابن كثير -﵀-: "الرب: هو المالك المتصرف" (^٧).
_________________
(١) الصحاح، مادة (ربب).
(٢) تفسير الطبري (١/ ١٤٢).
(٣) مسلم (٣٤)، والترمذي (٢٦٢٣) من حديث العباس بن عبد المطلب -﵁-.
(٤) قاعدة جامعة في توحيد الله وإخلاص الوجه والعمل له عبادةً واستعانةً ص ٣٢.
(٥) مجموع الفتاوى (١/ ٩٢).
(٦) بدائع الفوائد (٤/ ١٣٢).
(٧) تفسير ابن كثير (١/ ١٣١).
[ ١ / ١١٤ ]
ويقول علامة القصيم في زمانه الشيخ عبد الرحمن السعدي -﵀-: "والرب: هو المربي جميعَ عبادِه بالتدبير وأصناف النِّعَم، وأخصُّ من هذا تربيتُه لأصفيائه بإصلاح قلوبهم وأرواحهم وأخلاقهم" (^١).
أقسام الربوبية:
ولهذا يقول العلماء: الربوبية تنقسم إلى قسمين:
ربوبية عامة: وهي ربوبية الله -جل وعلا- لجميع خلقه، فهو ربُّ الخلائق أجمعين، ربُّ العالمين بما خلقهم ويرزقهم-سبحانه-ويدبر أمورهم.
وهناك ربوبية خاصة وهي لأوليائه، يصطفي فيها من يشاء -﷾- فيخصهم بالحفظ والرعاية والتأييد، ويكلؤهم بحفظه -﷾-.
والإله هو المعبود بحق، ولا يكون إلهًا حتى يكون متَّصِفًا بهذه الصفات التي بيَّنها العلماء -﵏-.
من معاني توحيد الربوبية:
ويُعبِّر العلماء -﵏- أيضًا عن توحيد الربوبية بأنه إفراد الله في أفعاله، وأفعالُه منها هذه الأشياء التي ذكرناها كالإحياء والإماتة والملك والتدبير والنفع والضر، وعلم الغيب، فهذه كلُّها من أفعال الله سبحانه. ومعنى إفراد الله في أفعاله: أن تؤمن بأن الله هو الخالق، وأن الله هو الرازق، وهو المحيي وهو المميت، وهو المعطي المانع، وهو النافع الضار، وهو الذي بيده الأمر -﷾-؛ تؤمن بذلك كله.
إقرار المشركين بالربوبية لله:
وقد نبَّهْنا في الدرس الماضي أن العلماء -﵏- يقولون: إنَّ الخلائق جمعيًا أثبتَتْ هذا لله -﷾- والأدلة من القرآن كثيرة على ذلك مثل الآيات في سورة المؤمنون، إذ يقول ربنا -﷾-: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن (٣٤٥).
[ ١ / ١١٥ ]
تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون].
توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية:
وقد ذكر الله -﷾- في كتابه براهينَ ألوهيتِه واستحقاقِه العبادة، فمن هذه البراهين ما دلَّ عليه توحيدُ الربوبية، ولنتأمل في ذلك فاتحة سورة الفرقان: حيث يقول ربنا -﷾-:
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾، ثم وَصَفَ اللهُ-تعالى-نفسه، فقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. إذًا هذا الأمر الأول وهو ملك السماوات والأرض، هل من مالك غير الله؟، هل يملك أحدٌ شيئًا غير الله تعالى، ملكًا تامًّا من هذه المعبودات؟ ولهذا قال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، فهذا من ربوبيته سبحانه ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾، لا أحد يملك مع الله شيئًا ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾، إذًا، ذكر لنفسه -﷾- من الصفات العلا أنه المالك الخالق المدبر لا يملك أحد مع الله شيئا. ثم قال -﷾-: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ يعني اتخذوا من دون الله آلهة، ما صفاتُها؟ قال الله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ [الفرقان: ٣]. وهذا معروف أنهم لا يملكون. لماذا؟ لأنَّ المالك هو الله -﷾- أي: المالك على الحقيقية لهذه الأشياء، المالك للخلق والملك والتدبير هو الله -﷾-. ولهذا يقول ربنا -جل وعلا- في سورة الزمر: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني أخبروني عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ فالنفع والضر بيد الله -﷾- عقيدةً صحيحةً ثابتةً لا بُدَّ للمسلم أن يؤمن بها.
ويقول ربنا -جل وعلا-: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧) وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام].
[ ١ / ١١٦ ]
ويقول ربنا -﷾- في خاتمة سورة يونس: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٠٧)﴾.
الآية التي قطعت عروق الشرك:
وهناك آية يقول عنها العلماء كابن القيم وغيره من أهل العلم: "إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب" (^١) يعني أنها تَرُدُّ على كل شبه المشركين الذين تجد عندهم اعترافًا ضمنيًّا بأن الله هو الخالق، الرازق، المحيي، المالك، المدبر، ثم يشركون معه غيره، فما هي هذه الآية التي تقطع عروق الشرك؟
هي قول الله-سبحانه-في سورة سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾.
﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ كل ما يُدعَى ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، انظر ماذا يقول ربنا -سبحانه- فيهم: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ وهذا هو الأمر الأول أنهم لا يملكون شيئًا! إذًا لا يستحقون العبادة، لماذا؟ لأنَّ المالك هو الله.
الأمر الثاني: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ إذا أقر بعض الناس بأن المالك هو الله -﷾-، وقد ينازع بعضهم فيقول: هؤلاء لهم شيء مثل ما يقول بعض المؤمنين بالأقطاب والأولياء ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ ولا جزء بسيط.
والأمر الثالث: قال الله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ يعني ليس لله وزير ولا معاون، ولا يحتاج إلى أحد -﷾- فهو الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.
_________________
(١) انظر: كلام شيخ الإسلام في التسعينية (٢/ ٥٢٦) المسائل والأجوبة (ص: ١١٧) واقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (٢/ ٢٢٦) والإخنائية أو الرد على الإخنائي ت العنزي (ص: ٩٩) وسيأتي كلام ابن القيم وانظر: القول السديد للسعدي (٦٧)، ومجموع فتاوى ابن عثيمين (٩/ ٣١٤).
[ ١ / ١١٧ ]
والأمر الرابع: قال الله سبحانه بعد هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣]
إذًا هذه قطعت كلَّ الوسائل التي يتشبث بها أهل الشرك بالله -﷾-؛ فهم لا يملكون شيئا استقلالا، ولا يملكون قسطا من الملك، ولا يعاونون الله لغناه عن جميع خلقه، ثم إنهم بعد ذلك لا يملكون الشفاعة إلا بإذنه لمن ارتضى. وحيث إن المَلِكَ من ملوك الدنيا -ولله المثل الأعلى- تجد من يشاركه، وتجد من يعاونه، وتجد من يكون ظهيرًا ووزيرًا له، وربما من يحبه، فيمكن أن يشفع عنده بلا إذنه؛ لكن الله -﷾- بيَّنَ في هذه الآية أن هذه المعبودات لا تملك شيئًا؛ لأنَّ الرب على الحقيقة هو الله -﷾-.
قال شمس الدين ابن القيم -﵀-: فَتَأَمَّلْ كَيْفَ أَخَذَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَجَامِعَ الطُّرُقِ الَّتِي دَخَلُوا مِنْهَا إِلَى الشِّرْكِ وَسُدَّ بِهَا عَلَيْهِمْ أَبْلَغَ سَدٍّ وَأَحْكَمَهُ، فَإِنَّ الْعَابِدَ إِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْبُودِ لِمَا يَرْجُو مِنْ نَفْعِهِ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ لَا يَرْجُو مَنْفَعَةً لَمْ يَتَعَلَّقْ قَلْبُهُ بِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْمَعْبُودُ مَالِكًا لِلْأَسْبَابِ الَّتِي يَنْفَعُ بِهَا عَابِدَهُ، أَوْ شَرِيكًا لِمَالِكِهَا، أَوْ ظَهِيرًا أَوْ وَزِيرًا أَوْ مُعَاوِنًا لَهُ أَوْ وَجِيهًا ذَا حُرْمَةٍ وَقَدْرٍ يَشْفَعُ عِنْدَهُ، فَإِذَا انْتَفَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ انْتَفَتْ أَسْبَابُ الشِّرْكِ وَانْقَطَعَتْ مَوَادُّهُ، فَنَفَى سُبْحَانَهُ عَنْ آلِهَتِهِمْ أَنْ تَمْلِكَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، فَقَدْ يَقُولُ الْمُشْرِكُ: هِيَ شَرِيكَةُ الْمَالِكِ الْحَقِّ، فَنَفَى شِرْكَهَا لَهُ، فَيَقُولُ الْمُشْرِكُ: قَدْ يَكُونُ ظَهِيرًا أَوْ وَزِيرًا أَوْ مُعَاوِنًا فَقَالَ: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّفَاعَةُ فَنَفَاهَا عَنْ آلِهَتِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَشْفَعُ أَحَدٌ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لِلشَّافِعِ لَمْ يَتَقَدَّمْ بِالشَّفَاعَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، كَمَا يَكُونُ فِي حَقِّ الْمَخْلُوقِينَ، فَإِنَّ الْمَشْفُوعَ عِنْدَهُ يَحْتَاجُ إِلَى الشَّافِعِ وَمُعَاوَنَتِهِ لَهُ، فَيَقْبَلُ شَفَاعَتَهُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهَا، وَأَمَّا مَنْ كُلُّ مَا سِوَاهُ فَقِيرٌ إِلَيْهِ بِذَاتِهِ، فَهُوَ الْغِنِيُّ بِذَاتِهِ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ، فَكَيْفَ يَشْفَعُ عِنْدَهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ؟ ا. هـ (^١)
وقال شيخ الإسلام -﵀-: نَفَى بِذَلِكَ جَمِيعَ وُجُوهِ الشِّرْكِ، فَإِنَّ مَا يُشْرَكُ بِهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مُلْكٌ أَوْ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ، أَوْ يَكُونَ مُعِينًا، فَإِذَا انْتَفَتِ الثَّلَاثَةُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا الشَّفَاعَةُ الَّتِي هِيَ دُعَاءٌ لَكَ وَمَسْأَلَةٌ وَتِلْكَ لَا تَنْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا
_________________
(١) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ص: ٨٣)
[ ١ / ١١٨ ]
أَنَّهُ لَا رَازِقَ يَرْزُقُ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا اللَّهُ دَلَّ بِهَذَا وَهَذَا عَلَى التَّوْحِيدِ … إلخ ا. هـ (^١)
إذًا، توحيد الربوبية: هو إفراد الله في أفعاله من الملك، والخلق، والتدبير، والرزق، والإحياء، والإماتة. وقد نبَّه النبي -﵊- على ذلك، فقال لابن عباس -﵄-: «يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ» (^٢).
لا يعلم الغيب إلا الله:
ومن أفعال الله العلمُ بالغيب، فلا يعلم الغيب إلا الله -﷾- ومن أوضح الأدلة في ذلك: قول الله-سبحانه-: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥]. آية واضحة؛ فإنه لا يعلم الغيب إلا الله،
وقد أمَرَ الله نبيه -ﷺ- أن يقول: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨] فإذا كان نبيُّنا -ﷺ- يقول: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ يعني أنا لا أعلم من الغيب إلا ما أعلمني اللهُ إيَّاه من الوحي كما قال سبحانه: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: ٢٦ - ٢٧] يعني فيوحي الله -جل وعلا- إليه بما شاء -﷾-. فلا يعلم الغيب إلا الله، وهذا من الإيمان بربوبيته سبحانه، فالذين يعتقدون أنَّ الجن أو أنَّ الأولياء أو أنَّ بعض الناس أو أنَّ السحرة والمشعوذين والكُهَّان يعلمون شيئًا من الغيب فهؤلاء ما حقَّقُوا توحيدَ الربِّ -﷾-.
وقوع الشرك في الربوبية:
وقولُ العلماء: "لم يُنكِر توحيدَ الربوبيةِ أحدٌ" يقصدون به: أن الخلائق قد أقرَّت
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٣/ ١٥٤)
(٢) أحمد (٢٦٦٩)، والترمذي (٢٥١٦) واللفظ له، من حديث ابن عباس -﵂-.
[ ١ / ١١٩ ]
بوجود الله، وبأنَّه هو الخالق والربُّ بنص القرآن، وليس معناه أنه لم يقع لهم شرك في الربوبية. فمن الناس من يعتقد في القبور والأضرحة والأولياء نفعًا أو دفعَ ضُرٍّ، فهذا من شركهم في الربوبية، وإلا فالشيطان لما خاطب ربه -﷾- قال: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ ناداه باسم الربوبية؛ فهو يقر بأن الله -﷾- ربٌّ له. يقول ربنا -جل وعلا- عن إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (٣٦)﴾ [الحجر]. وقال أيضًا: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ [الحجر]. والمقصود أنه خاطب ربه -﷾- باسم الربوبية.
وكذا فرعون الذي أنكر وجود الله -﷾- لمَّا وقع له ما وقع وجاءه الغرق: ﴿قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ [يونس] وقد كان من قبلُ يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات].
فالمنكرون للربِّ -﷾- ولوجوده -جل وعلا- إنما أنكروا ذلك إنكارَ جحودٍ وعنادٍ كما قال ربنا -﷾-: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]
إذًا يوجد من أشرك في توحيد الربوبية بادعاء أن أحدًا يعلم الغيب أو أن أحدًا يملك نفعًا أو دفعَ ضُرٍّ أو غير ذلك، لكنَّ الخلائق قد أجمعت على إثبات وجود الله -﷾-.
[ ١ / ١٢٠ ]
المجلس الثامن (^١)
الإيمان بألوهية الله:
لا يتم إيمان امرئ مسلم حتى يوحد الله في ألوهيته. والإيمان بألوهية الله: هو أن يؤمن الإنسان بأن الله هو الإله الحق لا يشاركه سبحانه أحد في ذلك لا مَلَكٌ مقرب ولا نبي مرسل، وهذا هو معنى قول: "لا إله إلا الله"؛
فشهادة التوحيد تلك الشهادة العظيمة التي لا يدخل أحد في الإسلام إلا بها تتضمن معنى توحيد الألوهية، فيؤمن الإنسان بأن الله هو الإله الحق، وأنَّ ما عُبِدَ من دونه إنما يُعبَد بباطل ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج]
إذا قلت: "أشهد أن لا إله إلا الله" فأنت تُقِرُّ بأنه لا معبود بحق إلا الله وما تقدَّمَ من توحيد الربوبية والإيمان بوجود الله. وكلُّ ذلك إذا استقر عند امرئ فإنه يستلزم منه أن يُوحِّد الله في العبادة، ويفرده -جل وعلا-.
يقول ابن القيم -﵀-: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له":
• كلمةٌ قامت بها الأرض والسماوات،
• وخُلِقت لأجلها جميع المخلوقات،
• وبها أرسل الله-تعالى-رسله، وأنزل كتبه، وشرع شرائعه،
• ولأجلها نُصِبت الموازين، ووُضِعت الدواوين، وقام سوق الجنة والنار،
• وبها انقسمت الخليقة إلى المؤمنين والكفار، والأبرار والفجار،
• فهي منشأ الخلق والأمر والثواب والعقاب،
• وهي الحق الذي خُلِقت له الخليقة،
• وعنها وعن حقوقها السؤال والحساب، وعليها يقع الثواب والعقاب،
_________________
(١) كان في يوم الخميس الثلاثين من شهر شعبان ١٤٤١ هـ.
[ ١ / ١٢١ ]
• وعليها نُصِبت القبلة، وعليها أُسِّست الملة، ولأجلها جُرِّدت سيوف الجهاد،
• وهي حقُّ الله على جميع العباد،
• فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام،
• وعنها يُسأَل الأولون والآخِرون،
فلا تزول قَدَمَا العبدِ بين يدي الله حتى يُسأَل عن مسألتين:
• ماذا كنتم تعبدون؟
• وماذا أجبتم المرسلين؟
فجواب الأولى بتحقيق "لا إله إلا الله " معرفةً وإقرارًا وعملًا.
وجواب الثانية بتحقيق "أن محمدًا رسول الله " معرفةً وإقرارًا وانقيادًا وطاعةً" (^١).
الحكمة من خلق الثقلين:
توحيد الألوهية: هو إفراد الله -جل وعلا- بالعبادة، وهو الذي خلقك الله -جل وعلا- لأجله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات] أي إلا ليوحدوا الله -جل وعلا- ولا يكون الإنسان موحدًا لله، ومؤمنًا بالله حتى يفرد الله -جل وعلا- بالعبادة؛
ولهذا قال العلماء: بُعِثَ جميع الأنبياء من أولهم إلى آخرهم إلى الدعوة إلى هذا الأمر أي: إفراد الله -جل وعلا- بالعبادة، يقول ربنا -﷾-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] الآية. فتأمل ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ ما من أمة من الأمم إلا وبعث الله إليها رسولًا دعوتُه قائمةٌ على توحيد العبادة.
توحيد الألوهية يسمى توحيد العبادة:
والعلماء يسمُّون توحيد الألوهية توحيد العبادة، ويُعرِّفونه فيقولون: توحيد الألوهية أو توحيد العبادة هو إفراد الله في أفعال العباد، فلا تُصرَف أي عبادة من العبادات إلا لله -جل وعلا-. فالصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، والصدقة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبِرُّكَ لوالديك، وصلتك لأرحامك، وتبسُّمك في وجه أخيك، كلُّ أنواع العبادة
_________________
(١) زاد المعاد (١/ ٣٦).
[ ١ / ١٢٢ ]
الواجبة والمستحبة، كلُّ ما تعبد به الله -﷾- فإنه يجب أن تُخلِصَه لله، وأن تُفرِد الله -جل وعلا- به.
تعريف العبادة:
والعبادة عرفها شيخ الإسلام -﵀- فقال: هِيَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ: مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ فَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَالصِّيَامُ وَالْحَجُّ وَصِدْقُ الْحَدِيثِ وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ؛ وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَصِلَةُ الْأَرْحَامِ وَالْوَفَاءُ بِالْعُهُودِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ. وَالْجِهَادُ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْإِحْسَانُ إلَى الْجَارِ وَالْيَتِيمِ وَالْمِسْكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالْمَمْلُوكِ مِنْ الْآدَمِيِّينَ وَالْبَهَائِمِ وَالدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَأَمْثَالِ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَةِ. وَكَذَلِكَ حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَخَشْيَةُ اللَّهِ وَالْإِنَابَةُ إلَيْهِ. وَإِخْلَاصُ الدِّينِ لَهُ وَالصَّبْرُ لِحُكْمِهِ وَالشُّكْرُ لِنِعَمِهِ وَالرِّضَا بِقَضَائِهِ؛ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ وَالرَّجَاءُ لِرَحْمَتِهِ وَالْخَوْفُ لِعَذَابِهِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ هِيَ مِنْ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ. وَذَلِكَ أَنَّ الْعِبَادَةَ لِلَّهِ هِيَ الْغَايَةُ الْمَحْبُوبَةُ لَهُ وَالْمَرْضِيَّةُ لَهُ الَّتِي خَلَقَ الْخَلْقَ لَهَا … إلخ» (^١). وهي-كما يقول العلماء-قائمةٌ على التعظيم والتذلل لله -﷾-. (^٢)
توحيد الألوهية هو دعوة الأنبياء:
فالأنبياء جميعًا بعثهم الله-سبحانه-لتحقيق هذا الأمر ﴿أَنِ اعْبُدُوا﴾ وقد ذكرنا عن ابن عباس -﵄- (^٣) وغيره من المفسرين أنَّ كلمة "اعبدوا" أو كلمة "العبادة" في القرآن يقصد بها الأمر بالتوحيد. فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] أي: وحِّدوا ربكم. وهنا قال: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: وحِّدوا الله، والمقصودُ بالتوحيد هو توحيد الله في العبادة أي: في ألوهيته سبحانه؛ لأن توحيد الربوبية -كما تقدم معنا- تُقِرُّ به الخليقة ولا ينكره إلا معاند، ولكنَّ الذي بعث الله به الأنبياء هو دعوةُ الناس إلى عبادة رب العباد سبحانه. فالأنبياء لم يأتوا إلى الناس ليقولوا: إن الله هو الخالق، إن الله هو الرزاق، إن الله هو المحيي؛ فهذه أمور يُقِرُّون بها، ويؤمنون بها -كما تقدم معنا-؛ وإنما بعثهم سبحانه لتحقيق الأصل العظيم وهو إفراد الله -جل وعلا- بالعبادة. وقد تقدم معنا قولُ اللهِ -سبحانه-: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ
_________________
(١) مجموع الفتاوى (١٠/ ١٤٩)
(٢) المرجع السابق (١٠/ ١٥٢)
(٣) تقدم تخريجه في المجلس السابع.
[ ١ / ١٢٣ ]
يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ [يونس] فإذًا هم يقِرُّون.
إذًا ما الذي كذَّبُوا الأنبياءَ فيه؟ هو أنهم دعوا إلى إفراد الله -جل وعلا- في العبادة. كما قال ربنا -﷾-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأنبياء]. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]
واختلفت عبارات العلماء في بيان معنى الطاغوت -وهي متفقة المعنى-:
تفسير الطاغوت:
فعَنْ حَسَّانَ بْنِ فَائِدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-: " الطَّاغُوتُ: الشَّيْطَانُ" (^١)
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵄-: وَسُئِلَ عَنِ الطَّوَاغِيتِ الَّتِي كَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: «كَانَ فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ، وَهِيَ كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهَا الشَّيْطَانُ» (^٢)
وقال ابن وهب: قال لي مالك: الطاغوت ما يعبد من دون الله. (^٣)
_________________
(١) علقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم، ووصله سعيد بن منصور (٢٥٣٤) والطبري (٩٧٦٦/ ط شاكر) بسند صحيح عن أبي إسحاق، عن حسان به. وجاء تصريح أبي إسحاق بالسماع في بعض طرقه، وممن رواه عنه شعبة أيضا، وهو لا يروي عن أبي إسحاق إلا ما لم يدلسه. وحسان بن فائد روى عنه أبو إسحق السبيعي وحده وقال أبو حاتم: "شيخ"، وقال البخاري يعد في الكوفيين. وذكره ابن حبان في ثقات التابعين. وقال الحافظ في الإصابة له إدراك. وقال في الفتح: إسناده قوي وقد وقع التصريح بسماع أبي إسحاق له من حسان، وسماع حسان من عمر في رواية رسته ا. هـ يعني عبد الرحمن بن عمر الملقب رسته في "كتاب الإيمان".
(٢) علقه البخاري في صحيحه بصيغة الجزم ووصله الطبري (٤/ ٥٥٨/ ط هجر) قال حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: فذكره. وشيخ الطبري القاسم هو القاسم بن الحسن، قال الشيخ أكرم زيادة في "معجم شيوخ الطبري": من الحادية عشرة، لم أعرفه، ولم أجد له ترجمة، ولم يعرفه الشيخ شاكر قبلي ا. هـ وشيخه الحسين هو ابن داود الملقب سنيد، وهو ضعيف. والأثر رواه ابن أبي حاتم (٥٤٥٢) قال: حَدَّثَنَا أَبِي، ثنا إِسْحَاقُ بْنُ الضَّيْفِ، ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الطَّوَاغِيتِ، قَالَ: هُمْ كُهَّانٌ تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ شَيَاطِينُ. وهذا إسناد حسن، إسحاق بن الضيف قال أبو حاتم صدوق، وباقي رجاله ثقات.
(٣) الجامع لابن وهب (٣/ ٣٦٣/ ط دار البر).
[ ١ / ١٢٤ ]
قال القاضي أبو محمد بن عطية -﵀-: وهذه تسمية صحيحة في كل معبود يرضى ذلك كفرعون ونمرود ونحوه، وأما من لا يرضى ذلك كعزير وعيسى -﵉- ومن لا يعقل كالأوثان فسميت طاغوتا في حق العبدة، وذلك مجاز. إذ هي بسبب الطاغوت الذي يأمر بذلك ويحسنه وهو الشيطان ا. هـ (^١)
ولذا قال العلماء: كلُّ ما عُبِد من دون الله وهو راضٍ فهو طاغوت (^٢).
وقال الطبري -﵀-: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي الطَّاغُوتِ أَنَّهُ كُلُّ ذِي طُغْيَانٍ عَلَى اللَّهِ فَعُبِدَ مِنْ دُونِهِ، إِمَّا بِقَهْرٍ مِنْهُ لِمَنْ عَبَدَهُ، وَإِمَّا بِطَاعَةٍ مِمَّنْ عَبَدَهُ لَهُ، وَإِنَسَانًا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْبُودُ، أَوْ شَيْطَانًا، أَوْ وَثنا، أَوْ صَنَمًا، أَوْ كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ. ا. هـ (^٣)
وقال شمس الدين ابن القيم -﵀-: والطاغوت: كُل ما تجاوز به العبدُ حدَّه من معبود أو متبوع أو مُطَاعٍ؛ فطاغوتُ كل قوم مَنْ يتحاكمون إليه غير اللَّه ورسوله، أو يعبدونه من دون اللَّه، أو يتبعونه على غير بصيرة من اللَّه، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة للَّه؛ فهذه طواغيت العالم … إلخ (^٤)
فإذا تأملت ما ذكره ابن القيم -﵀- في تعريف الطاغوت عرفت أن الطواغيتَ كثيرونَ؛ وذلك أن كل من تجاوز حده في الشرع صار بخروجه منه وتجاوزه طاغوتًا
لكن قال العلماء: رؤوسُهُمْ خمَسةٌ: أولهم: إبليسُ لعنَهُ اللهُ، والثاني: مَنْ عُبِدَ وهو راضٍ، والثالث: مَنْ دعا الناسَ إلى عبادَةِ نفسِهِ، يعني ممن يقر الغلو والتعظيم بغير حق كفرعون ومشايخ الضلال الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد واتخاذهم أربابًا والإشراك بهم مما يحصل في مغيبهم وفي مماتهم. والرابع: مَنِ ادَّعى شيئًا مِنْ عِلمِ الغيْبِ، كالمنجمين والعرافين والسحرة والمشعوذين. والخامس: مَنْ حكمَ بغيِر مَا أنزلَ اللهُ، فهؤلاء الطواغيت، أمرنا الله باجتنابهم فقال: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.
إذا هذه هي دعوة جميع الأنبياء، فكلهم دعوا إلى هذه الكلمة ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا
_________________
(١) تفسير ابن عطية = المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١/ ٣٤٤)
(٢) المرجع السابق وانظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص ٣١) و«الدرر السنية في الأجوبة النجدية» (١/ ١٦٣)
(٣) تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (٤/ ٥٥٨)
(٤) إعلام الموقعين عن رب العالمين ت مشهور (٢/ ٩٢)
[ ١ / ١٢٥ ]
فَاعْبُدُونِ﴾ ولهذا لو قيل لك: ما معنى لا إله إلا الله؟ فالجواب الصحيح أنَّ معناها: لا معبود بحق إلا الله.
الخطأ في تفسير كلمة التوحيد:
ومن الناس من يقول: "لا إله إلا الله" ويفسرها بأنه: لا خالق إلا الله، أو لا مدبر إلا الله، أو لا موجود إلا الله، وهذا كله غير صحيح. فإن دعوة الأنبياء قائمة على: إثبات العبادة لله ونفي استحقاق العبادة عما سوى الله كما في الآية السابقة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] فالله تعالى ابتعث الرسل بهاتين الكلمتين: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. ففي قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إثبات، وفي قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ نفي، وهذا هو معنى التوحيد المشتمل على إثبات ونفي، والنفي فيه اجتناب الطاغوت ونفي الشرك، والإثبات فيه: إثبات العبادة لله وحده دون ما سواه.
فضل كلمة التوحيد:
وإنما معنى هذه الكلمة العظيمة التي دعا إليها جميع الأنبياء: لا معبود بحق إلا الله -﷾-؛ ولهذا جاء في القرآن الإشادة بهذا التوحيد.
كلمة التوحيد هي العروة الوثقى:
فكلمة التوحيد: هي العروة الوثقى التي ذكرها الله -﷾- في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ [البقرة]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لقمان]. قال سعيد بن جبير قوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ﴾ هي لا إله إلا الله" (^١).
_________________
(١) رواه الطبري (٥٨٧٦) قال: حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد؛ ورواه الطبراني في الدعاء: (١٥٦٦) حَدَّثَنَا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي، حَدَّثَنَا وكيع؛ كلاهما (أبو أحمد، ووكيع) قالا: حدثنا سفيان، عن أبي السوداء، عن جعفر يعني ابن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير به. وإسناده صحيح. ورواه الطبري (٥٨٧٧) قال: حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن أبي السوداء النهدي، عن سعيد بن جبير. فأسقط من سنده جعفر بن أبي المغيرة. ورواه في (٢٨٣٧٧) - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثنا أبي، عن سفيان، عن أبي السوداء، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وابن وكيع ضعيف. ورواه الطبراني في الدعاء (١٥٦٧) قال: حَدَّثَنَا ابن أبي مريم، حَدَّثَنَا الفريابي، حَدَّثَنَا قيس بن الربيع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير. وسنده ضعيف.
[ ١ / ١٢٦ ]
هي الكلمة العليا
وهي الكلمة العليا التي ذكر الله-تعالى-في كتابه إذ قال: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -﵄-: "هي لا إله إلا الله" (^١).
هي الكلمة الحق:
وهي الكلمة الحق التي ذكر الله -جل وعلا- إذ يقول: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -﵄-: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]. يقول "شهادة أن لا إله إلا الله" (^٢). وقال البغوي والقرطبي وغير واحد من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ [الزخرف]: قالوا: لا تشفع الملائكة إلا لمن شهد أن لا إله إلا الله وهم يعلمون (^٣).
هي الكلمة الطيبة:
وهي الكلمة الطيبة المضروبة مثلًا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤)﴾ [إبراهيم] قال ابن أبي
_________________
(١) أخرجه ابن أبي حاتم (١٠٠٥٢) وابن جرير (١٦٨١٢) في تفسيريهما، والطبراني في الدعاء (١٥٤٠) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٦). قال الحافظ في كتابه (العجاب في بيان الأسباب): وعلي صدوق، ولم يلق ابن عباس -﵄- لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه، فلذلك كان البخاري وأبو حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة ا. هـ وقال في الفتح: وهذه النسخة كانت عند أبي صالح كاتب الليث رواها عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وهي عند البخاري عن أبي صالح وقد اعتمد عليها في صحيحه هذا كثيرا على ما بيناه في أماكنه وهي عند الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر بوسائط بينهم وبين أبي صالح ا. هـ وقال السيوطي في الإتقان (وقال قوم لم يسمع ابن أبي طلحة من ابن عباس التفسير؛ وإنما أخذه عن مجاهد أو سعيد بن جبير؛ قال ابن حجر: بعد أن عرفت الواسطة وهو ثقة فلا ضير في ذلك ا. هـ
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري (٢٠٣٧١) والطبراني في الدعاء (١٥٨٢) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٦) في أثناء حديث طويل. وله طرق أخرى عندهم عن ابن عباس -﵄-.
(٣) انظر تفسير البغوي (٧/ ٢٢٤)، وتفسير القرطبي (١٦/ ١٢٢)،
[ ١ / ١٢٧ ]
طلحة عن ابن عباس: " ﴿كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ شهادة أن لا إله إلا الله ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ وهو المؤمن ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ﴾ يقول: لا إله إلا الله، ثابت في قلب المؤمن ﴿وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ يقول: يُرْفَعُ بِهَا عَمَلُ الْمُؤْمِنِ إِلَى السَّمَاءِ " (^١).
هي القول الثابت:
وقال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]. قال العلماء: القول الثابت هو قول: "لا إله إلا الله". وفي الصحيحين عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -﵄-، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: " ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ " قَالَ: " نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ -ﷺ-، فَذَلِكَ قَوْلُهُ -جل وعلا-: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (^٢)
هي العهد:
وهذه الكلمة هي العهد الذي ذكره الله -﷾- في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مريم]. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -﵄-: " العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، والبراءة من الحول والقوة إلا بالله وألا يرجو إلا الله -جل وعلا- " (^٣)
هي أعظم الحسنات:
وهذه الكلمة هي أعظم الحسنات المنجية لأهلها من فزع يوم القيامة. قَالَ أَبو ذَرٍّ -﵁-: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ -ﷺ-: «إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَأَتْبِعْهَا حَسَنَةً تَمْحُهَا». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنَ الْحَسَنَاتِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ قَالَ: «هِيَ أَفْضَلُ الْحَسَنَاتِ» (^٤).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبري (٢٠٧٦٥) والطبراني في الدعاء (١٥٩٨) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٦) في أثناء حديث طويل.
(٢) البخاري (١٣٦٩، ٤٦٩٩) ومسلم (٢٨٧١) واللفظ له.
(٣) أخرجه الطبري في التفسير (٢٤١٣٠) والطبراني في الدعاء (١٥٧٠) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٦) في أثناء حديث طويل؛ من طرق عن عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة به. وعزاه في الدر المنثور إلى: ابن المنذر، وَابن أبي حاتم أيضا.
(٤) أخرجه أحمد (٢١٤٨٧) عن شمر بن عطية، عن أشياخه، عن أبي ذر فذكره. قال الألباني في الصحيحة (١٣٧٣) وهذا إسناد حسن، رجاله ثقات غير أشياخ شمر، فلم يسموا، لكنهم جمع ينجبر الضعف بعددهم، كما قال السخاوي في غير هذا الحديث ا. هـ ويشهد للجملة الثانية منه: حديث جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ -﵄-، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الحَمْدُ لِلَّهِ» رواه الترمذي وقال «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ» ورواه ابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم وحسنه الألباني.
[ ١ / ١٢٨ ]
وقال ابن مسعود -﵁- في قول الله -جل وعلا-: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾ [النمل] قال: "من جاء بـ (لا إله إلا الله) " (^١).
وكذلك جاء عن أبي هريرة -﵁- (^٢) وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -﵃- (^٣).
وقال ابن جرير: " ﴿مَنْ جَاءَ﴾ الله بتوحيده والإيمان به، وقول لا إله إلا الله موقنًا به قلبُه ﴿فَلَهُ﴾ من هذه الحسنة عند الله ﴿خَيْرٌ﴾ يوم القيامة، وذلك الخير أن يثيبه الله ﴿مِنْهَا﴾ الجنة، ويؤمِّنَه ﴿مِنْ فَزَعٍ﴾ الصيحة الكبرى، وهي النفخ في الصور" (^٤).
هي النعمة العظيمة:
قال العلماء أيضًا: وهي النعمة العظيمة التي امتنَّ الله بها على عباده في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]. وقرئ: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعْمَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (^٥). قال مجاهد في تفسيرها: "لا
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبري (١٤٣٣١، ١٤٣٣٢، ١٤٣٣٣) وابن أبي حاتم (٨١٦٥، ١٦٦٤٤، ١٧١٨٩). والطبراني في الدعاء (١٥٠٢، ١٥٠٣) وأبو نعيم في الحلية (ترجمة عبد الرحمن بن مهدي) والحاكم في المستدرك (٣٥٢٨)، وعنه البيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٣) وقال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه". ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق (٤٦٩) بسند حسن عن سعيد بن جبير عن ابن مسعود وهو منقطع.
(٢) أخرجه الطبراني في الدعاء (١٥٠٧) قال: حَدَّثَنَا فضيل بن محمد الملطي، حَدَّثَنَا أبو نعيم، حَدَّثَنَا يحيى بن أيوب البجلي، حَدَّثَنَا أبو زرعة بن عمرو بن جرير عن أبي هريرة به. ورجاله ثقات سوى شيخ الطبراني: ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا. لكن تابعه إسحاق بن راهويه فرواه في مسنده (١٩٢) عن أبي نعيم به. ورواه الحسين المحاملي في أماليه (٤٥٨) قال: ثنا علي بن سهل بن المغيرة حدثنا أبو نعيم به.
(٣) أخرجه الطبري (١٤٣٤٩). والطبراني في الدعاء (١٥٠٥) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٦)
(٤) تفسير الطبري (١٩/ ٥٠٧).
(٥) ﴿نِعَمَه﴾ قرأها نافع وأبو عمرو وحفص وأبو جعفر بفتح العين وهاء مضمومة غير منونة، جمع ﴿نِعْمة﴾ كسِدْرة، والباقون بسكون العين وتاء منونة، اسم جنس يراد الجمع، انظر: إتحاف فضلاء البشر (ص ٤٤٨).
[ ١ / ١٢٩ ]
إله إلا الله" (^١).
هي كلمة التقوى:
وقال العلماء في قول الله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦]: كلمة التقوى هي "لا إله إلا الله" قاله ابن أبي طلحة عن ابن عباس (^٢) ومجاهد (^٣) وغير واحد من المفسرين (^٤).
هي الكلمة الباقية:
وهي الكلمة الباقية التي ذكر الله -تعالى- عن إبراهيم -﵍- في قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ [الزخرف]
قال قتادة: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ "شهادة أن لا إله إلا الله، والتوحيد لم يزل في ذريته من يقولها من بعده: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨)﴾ ". قال: يتوبون أو يذكرون" (^٥).
هي الحسنى:
وهي الحسنى التي ذكرها الله في قوله: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ [الليل] قاله أبو عبد الرحمن السلمي (^٦) وروي عن ابن عباس -﵄- والضحاك أيضا (^٧).
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس -﵄- في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى
_________________
(١) أخرجه ابن جرير الطبري (٢٨٣٧١، ٢٨٣٧٢، ٢٨٣٧٢) والطبراني في الدعاء (١٥٨٥) والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٧) من طرق عن مجاهد
(٢) أخرجه ابن جرير الطبري (٢٠٣٧١) والطبراني في الدعاء (١٦١١) والبيهقي في الأسماء والصفات (١٩٩).
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري (٢٠٣٧١)
(٤) المرجع السابق (٢٢/ ٢٥٤).
(٥) أخرجه ابن جرير الطبري (٣١٠٧٦). والبيهقي في الأسماء والصفات (٢٠٩) من طرق عنه
(٦) أخرجه الطبري في التفسير (٣٧٧٩٢) بسند صحيح عنه وعزاه السيوطي في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٨/ ٥٣٥) إلى الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم أيضا.
(٧) تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (٢٤/ ٤٦٤) وسنده ضعيف.
[ ١ / ١٣٠ ]
وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]: " يقول للذين شهدوا (أنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) الجنة" (^١).
وجاء تفسير الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله الكريم -﷾- (^٢).
هي كلمة الإخلاص المنجية من عذاب الله:
وهي كلمة الإخلاص المنجية من عذاب الله. فعن عثمان بن عفان -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا عَبْدٌ حَقًّا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حُرِّمَ عَلَى النَّارِ» [فَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- وَلَمْ يُخْبِرْنَاهَا]، فقال له عمر بن الخطاب -﵁-: أنا أحدِّثُك ما هي، هي كلمة الإخلاص التي ألزمها الله -﵎- محمدًا -ﷺ- وأصحابه، وهي كلمة التقوى التي أَلَاصَ عليها (^٣) نبي الله -ﷺ- عمَّه أبا طالب عند الموت: شهادة أن لا إله إلا الله" (^٤)
هي دعوة الأنبياء:
وبعث الله الأنبياء بهذه الكلمة العظيمة التي تدل على التوحيد وإفراد العبادة لله وحده، فلا معبود بحق إلا الله؛ وهو المستحق لجميع أنواع العبادة، وغيره إن عُبِد فإنما عُبِد بباطل، فما سوى الله من سائر المعبودات ليس بإله حق بل إنه باطل.
ولهذا لما قال النبي -﵊- للكفار: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، تُفْلِحُوا» (^٥) فهموا مراده من هذا الكلام. أما اليوم فبعض الناس يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ثم تجده يطوف حول القبور والأضرحة يدعوهم من دون الله. أما الكفار الذين بعث فيهم النبي -ﷺ- فإنهم عرفوا مراد رسول الله -ﷺ-، فقالوا: ﴿أَجَعَلَ
_________________
(١) الأسماء والصفات للبيهقي (٢٠٦)، وأخرجه ابن مردويه أيضًا كما في الدر المنثور (٤/ ٣٥٨).
(٢) انظر: صحيح مسلم (١٨١)، وانظر تفسير عبد الرزاق (١١٥٢)، ومصنف ابن أبي شيبة (٣٤٩٦٥)، والدارمي في الرد على الجهمية (١٩١) والسنة لعبد الله بن أحمد (١١٤٥)، وقال البخاري في تفسير هذه الآية من صحيحه: "وقال غيره [يقصد غير مجاهد]: النظر إلى وجهه " (٢/ ١٧٦).
(٣) ألاصَ عليها أي: أراده عليها، وراوده فيها.
(٤) إسناده صحيح. رواه أحمد (١/ ٦٣/ ٤٤٧) وابن حبان (٢٠٤) والحاكم (١/ ٣٥١) والزيادة له.
(٥) حديث صحيح. رواه البخاري في خلق أفعال العباد (١٩٣) وابن خزيمة (١٥٩) وابن حبان (٦٥٦٢) والحاكم (٢/ ٦١١ - ٦١٢) وصححه من حديث طارق بن عبد الله المحاربي -﵁-. ورواه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٣٤١) وابنه عَبْد الله بن أحمد في زوائده على المسند (٣/ ٤٩٢) من حديث ربيعة بن عباد الديلي -﵁-. ورواه أحمد (٤/ ٦٣ و٥/ ٣٧٦) عن شيخ من بني مالك ابن كنانة -﵁- قال: رأيت رسول الله -ﷺ- بسوق ذي المجاز يتخللها يقول: فذكره.
[ ١ / ١٣١ ]
الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ [ص: ٥] ففهموا من هذه الكلمة أنها: تُبطِلُ عبادةَ الطواغيت كلِّها وتَخصُّ العبادة لله وحده. ومثل هذا قول قوم هود -﵍- لما دعاهم إلى قول لا إله إلا الله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [الأعراف: ٧٠]. وهذا هو معنى "لا إله إلا الله" فإذا قال العبد: "لا إله إلا الله" فقد أعلن وجوب إفراد الله بالعبادة وبطلان عبادة ما سواه من الأصنام والقبور والأولياء وغيرها.
أركان كلمة التوحيد:
يقول العلماء هذه الكلمة لها ركنان عظيمان: ركن فيه نفي، وركن فيه إثبات.
فـ"لا إله" نفيُ استحقاقِ العبادة عن كل ما سوى الله، و"إلا الله" إثباتُ استحقاق العبادة لله -جل وعلا- وحده فلا شريك له في عبادته كما أنه ليس له شريك في ملكه -﷾-.
ولا ينتفع الإنسان بقول: "لا إله إلا الله" إلا إذا حقَّقَ أركانها وشروطها، ومات على ذلك دون أن يرتكب ناقضًا من نواقضها. وبذلك يزول الوهمُ الذي تعلق به بعض الناس، وهو أن مجرد التلفظ بهذه الكلمة يكفي أخذًا بظاهر هذه النصوص. فيجب على الإنسان أن يقولها بلسانه، وكذلك يجب أن يعتقدها بقلبه، وأن يحقق ما دلت عليه هذه الكلمة العظيمة المباركة، وهي أن صاحبها لا بد أن يحقق التوحيد لله -﷾-، وسيأتي-إن شاء الله تعالى-في مجلس قادم ذكرُ ما يتعلق بشروط لا إله إلا الله.
قال العلامة ابن عثيمين -﵀-: "لو أنَّ أحدًا آمن بوجود الله، وآمن بربوبية الله، ولكنه يعبد مع الله غيرَه فلا يكون مؤمنًا بالله حتى يُفرِده-سبحانه-بالألوهية" (^١).
هذا يدل على أنه لا بُدَّ من تحقيق ركن الإيمان بالله، فهذه الشعبة العليا من شعب الإيمان لا تتحقق إلا بهذه الأمور العظيمة: إثبات وجود الله، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته -﷾-.
العبادة لا تصرف إلا لله:
إذا عرف الإنسان هذا الباب وعرفَ أن دعوة الأنبياء جاءت لتحقيق هذا الأصل العظيم وفَقِهَ معنى التوحيد حقًّا عرف أنه لا يجوز أن يُصرَف أي نوع من أنواع العبادة إلا لله. وانظر إلى قول الله -﷾-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢)
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (٣/ ١٥٣).
[ ١ / ١٣٢ ]
لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام]. فالله يأمر نبيه أن يخبر هؤلاء المشركين بأنه مخالف لهم في دينهم فإن صلاته وذبحه بل حياتُه كلُّها والممات، لله ربِّ العالمين ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ في شيء من ذلك لأنه لا ينبغي أن يكون ذلك إلا خالصا لوجهه الكريم. قال تعالى: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾. يعني من هذه الأمة؛
قال الطبري -﵀-: يَقُولُ: وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ أَقَرَّ وَأَذْعَنَ وَخَضَعَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ لِرَبِّهِ، بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ا. هـ (^١)
إنها آية عظيمة تدل على أن الإنسان يجب أن يعبد الله وحده لا شريك له.
وتأمل أيضًا قولَ الله -﷾- في أنبيائه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر].
لاحظ هنا أنه قدَّمَ ما حقُّه التأخير ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ فما قال: فاعبد الله، بل قال: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ وتقديم المفعول به على عامله يدل على الاختصاص أي: لا تعبد إلا الله، وذلك مثل قوله سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة].
فوا عجبَا لمن يصلي كلَّ يوم خمس مرات ويقرأ في كل ركعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومعناها هو معنى لا إله إلا الله أي: لا نعبد إلا إياك يا رب ولا نستعين إلا بك، ثم يخالف فيقع في الشرك الأكبر!
نعوذ بالله من ذلك، ونسأله -﷾- أن يُفقِّهنا في الدين، وأن يشرح صدورنا لهذا الدين العظيم، وأن يجعلنا مؤمنين موحدين، نحيا على الإسلام، ونموت على الإيمان، اللهم زيِّنَّا بزينة الإيمان.
_________________
(١) تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (١٠/ ٤٦)
[ ١ / ١٣٣ ]
المجلس التاسع (^١)
الإيمان بأسماء الله وصفاته:
تقدم معنا أن الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجود الله، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته. وقد وقف بنا الحديث عند الأمر الرابع، وهو: الإيمان بأسماء الله وصفاته، بأسمائه الحسنى وصفاته العلا.
معنى الإيمان بأسماء الله وصفاته:
ومعنى الإيمان بالأسماء والصفات: أن نؤمن بكل اسمٍ سمَّى الله -جل وعلا- نفسه به في كتابه أو سمَّاه به رسوله -ﷺ- في سُنَّته، وأن نؤمن بصفات الله التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة. نؤمن بها، ونثبتها من غير تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه؛ فعقيدة أهل السنة والجماعة أن كل ما سمَّى أو وصف اللهُ به نفسه في كتابه أو سمَّاه أو وصفه به أعلمُ الخلقِ به رسولُه محمد -ﷺ- فإن أهل السنة والجماعة يُثبِتونه ويُثبِتون ما تضمَّنه من المعاني، لا يُحرِّفون شيئًا من ذلك على خلاف ما عليه أهلُ الباطل الذين يُحرِّفون معانيَ الكتابِ والسنةِ، ويُسمُّون تحريفهم تأويلًا.
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة إثباتًا ونفيًا. فهم يسمون الله ويصفونه بما سمى أو وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله -ﷺ-، لا يزيدون على ذلك ولا ينقصون منه. ومن غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. وهم أيضا: ينفون عن الله ما نفاه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله محمد -ﷺ-، مع اعتقاد أن الله موصوف بكمال ضد ذلك الأمر المنفي.
معاني الأسماء والصفات ودلالتها:
وأهل السنة يؤمنون بأن أسماء الله الحسنى وصفاته العلا دالة على معاني في غاية الكمال، وأسماؤه -جل وعلا- أعلام وأوصاف، وليست جامدة. وكل اسم يدل على معنى من
_________________
(١) كان في يوم الأحد الثالث من شهر رمضان ١٤٤١ هـ.
[ ١ / ١٣٤ ]
صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر، فأسماء الله مشتقة من صفاته وليست جامدة كما يزعم المعتزلة ومن وافقهم الذين ادَّعوا أنها أعلام جامدة لا معاني لها، فقالوا: سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وعزيز بلا عزة، فسلبوا بذلك عن أسماء الله معانيها. فالرب تعالى يشتق له من أوصافه وأفعاله أسماء ولا يشتق له من مخلوقاته، وكل اسم من أسمائه فهو مشتق من صفة من صفاته أو فعل قائم به.
قال شيخ الإسلام -﵀-: فَأَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا مُتَّفِقَةٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى نَفْسِهِ الْمُقَدَّسَةِ ثُمَّ كُلُّ اسْمٍ يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى مِنْ صِفَاتِهِ. لَيْسَ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْمُ الْآخَرُ؛ فَالْعَزِيزُ يَدُلُّ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ عِزَّتِهِ وَالْخَالِقُ يَدُلُّ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ خَلْقِهِ وَالرَّحِيمُ يَدُلُّ عَلَى نَفْسِهِ مَعَ رَحْمَتِهِ وَنَفْسُهُ تَسْتَلْزِمُ جَمِيعَ صِفَاتِهِ فَصَارَ كُلُّ اسْمٍ يَدُلُّ عَلَى ذَاتِهِ وَالصِّفَةِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ بِطَرِيقِ الْمُطَابَقَةِ وَعَلَى أَحَدِهِمَا بِطَرِيقِ التَّضَمُّنِ وَعَلَى الصِّفَةِ الْأُخْرَى بِطَرِيقِ اللُّزُومِ. ا. هـ (^١)
وقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: فالاسم له أنواع ثلاثة في الدلالة: دلالة مطابقة، ودلالة تضمن، ودلالة التزام:
١. فدلالة المطابقة: دلالة اللفظ على جميع مدلوله، وعلى هذا، فكل اسم دال على المسمى به، وهو الله، وعلى الصفة المشتق منها هذا الاسم.
٢. ودلالة التضمن: دلالة اللفظ على بعض مدلوله، وعلى هذا، فدلالة الاسم على الذات وحدها أو على الصفة وحدها من دلالة التضمن.
٣. ودلالة الالتزام: دلالته على شيء يفهم لا من لفظ الاسم لكن من لازمه ولهذا سميناه: دلالة الالتزام.
مثل كلمة الخالق: اسم يدل على ذات الله ويدل على صفة الخلق.
فباعتبار دلالته على الأمرين يسمى دلالة مطابقة، لأن اللفظ دل على جميع مدلوله، ولا شك أنك إذا قلت: الخالق، فإنك تفهم خالقًا وخلقًا. وباعتبار دلالته على الخالق وحده أو على الخلق وحده يسمى دلالة تضمن، لأنه دل على بعض معناه، وباعتبار دلالته على العلم والقدرة يسمى دلالة التزام، إذ لا يمكن خلق إلا بعلم وقدرة، فدلالته على القدرة والعلم دلالة التزام. وحينئذ، يتبين أن الإنسان إذا أنكر واحدًا من هذه الدلالة،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٧/ ١٨٥).
[ ١ / ١٣٥ ]
فهو ملحد في الأسماء ا. هـ (^١)
معنى التحريف:
والتحريف في باب الأسماء والصفات: هو تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها. فهو إما تحريف للفظ أو تحريف للمعنى.
مثال تحريف اللفظ:
تحريف إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء] فإنه يُروى أن عمرو بن عبيد المعتزلي (^٢) قال لأبي عمرو بن العلاء (^٣) أُحبُّ أن تقرأ هذا الحرف ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ ليكون موسى -﵍- هو الذي كلم الله ولا يكون في الكلام دلالة على أن الله كلم أحدًا -يعني يحوله من الرفع إلى النصب فيقرأ (وكلم اللهَ)، أي موسى كلم الله، ولم يكلمه الله، -، فقال له وكيف تصنع بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف ١٤٣]، -يعني هذا لا يمكن تحريفه (^٤).
مثال تحريف المعنى:
قول المعطلة في معنى استوى: استولى: في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه]. قال ابن القيم -﵀-: وَأَمَّا ادِّعَاؤُهُمُ الْمَجَازَ فِي الِاسْتِوَاءِ وَقَوْلُهُمْ فِي تَأْوِيلِ اسْتَوَى: اسْتَوْلَى فَلَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ فِي اللُّغَةِ وَمَعْنَى الِاسْتِيلَاءِ فِي اللُّغَةِ الْمُغَالَبَةُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَا يُغَالِبُهُ وَلَا يَعْلُوهُ أَحَدٌ، وَهُوَ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ … وَالِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ فِي اللُّغَةِ مَفْهُومٌ، وَهُوَ: الْعُلُوُّ وَالِارْتِفَاعُ عَلَى الشَّيْءِ وَالِاسْتِقْرَارُ وَالتَّمَكُّنُ فِيهِ، … إلخ (^٥).
_________________
(١) شرح العقيدة الواسطية (١/ ١٢٢)
(٢) قال الإمام أحمد: ليس بأهل أن يحدث عنه، مات سنة ثمان وأربعين ومائة. وقال: كان عمرو بن عبيد رأس المعتزلة، وأولهم في الاعتزال ا. هـ انظر: بحر الدم (ص: ١١٨)
(٣) شيخ القراء والعربية وكان متبعا للأثر، قال أبو منصور الأزهري في " التهذيب ": كان من أعلم الناس بوجوه القراءات وألفاظ العرب ونوادر كلامهم وفصيح أشعارهم.
(٤) انظر: القصة في بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (٣/ ٣٠٣) لشيخ الإسلام، والصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (٣/ ١٠٣٧) لتلميذه ابن القيم. وشرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي. ت الأرناؤوط (١/ ١٧٧)
(٥) اجتماع الجيوش الإسلامية (٢/ ١٤٤).
[ ١ / ١٣٦ ]
معنى التعطيل:
والمراد بالتعطيل: إنكار ما أثبت الله لنفسه من الأسماء والصفات، سواء كان كليًا أو جزئيًا، وسواء كان ذلك بتحريف أو بجحود، هذا كله يسمى تعطيلًا.
والتعطيل لغة بمعنى التخلية والترك. فأهل السنة والجماعة لا يعطلون أي اسم من أسماء الله، أو أي صفة من صفات الله ولا يجحدونها، بل يقرون بها إقرارًا كاملًا.
معنى التكييف:
والتكييف: حكاية كيفية الصفة؛ كقول القائل: كيفية يد الله، أو نزوله إلى السماء الدنيا كذا وكذا. وصفات الله تعالى لها كيفية لكنَّ علمَ ذلك محجوبٌ عنا فلا نعلم كيفية صفاته كما أننا لا نعرف كنه ذاته سبحانه.
وقال شيخ الإسلام -﵀-: وَالْأَئِمَّةُ يَنْفُونَ عِلْمَ الْعِبَادِ بِكَيْفِيَّةِ صِفَاتِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ اللَّهُ إلَّا اللَّهُ فَلَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إلَّا هُوَ. ا. هـ (^١)
وقال ابن القيم -﵀-: الْعَقْل قَدْ يَئِسَ مِنْ تَعَرُّفِ كُنْهِ الصِّفَةِ وَكَيْفِيَّتِهَا، فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ اللَّهُ إِلَّا اللَّهُ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ السَّلَفِ بِـ (لَا كَيْفٍ) أَيْ بِلَا كَيْفٍ يَعْقِلُهُ الْبَشَرُ، فَإِنَّ مَنْ لَا تُعْلَمُ حَقِيقَةُ ذَاتِهِ وَمَاهِيَّتُهُ، كَيْفَ تُعْرَفُ كَيْفِيَّةُ نُعُوتِهِ وَصِفَاتِهِ؟ ا. هـ (^٢)
معنى التمثيل والتشبيه:
والتمثيل: إثبات مثيل للشيء. والتشبيه: إثبات مشابه له. فالتمثيل يقتضي المماثلة، وهي المساواة من كل وجه، والتشبيه يقتضي المشابهة، وهي المساواة في أكثر الصفات، وقد يطلق أحدهما على الآخر.
الفرق بين التشبيه والتمثيل والتكييف:
قال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: والفرق بينهما وبين التكييف من وجهين:
أحدهما: أن التكييف أن يحكي كيفية الشيء سواء كانت مطلقة أم مقيدة بشبيه، وأما التّمثيل والتّشبيه فيدلان على كيفية مقيّدة بالمماثل والمشابه. ومن هذا الوجه يكون التكييف أعم؛ لأن كل ممثِّل مكيّف، ولا عكس.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٣/ ٥٨).
(٢) «مدارج السالكين» (٤/ ٣١٤ ط عطاءات العلم)
[ ١ / ١٣٧ ]
ثانيهما: أن التكييف يختص بالصفات، أما التمثيل فيكون في القَدْر والصفة والذات، ومن هذا الوجه يكون التمثيلُ أعم؛ لتعلقه بالذات والصفات والقدر ا. هـ (^١)
السلامة في ألا يتجاوز القرآن والسنة:
فإيمانك -أخي المسلم- بأسماء الله وصفاته قائم على التوقيف والاتباع لما ورد في الكتاب والسنة.
قال الإمام الْأَوْزَاعِيَّ -﵀-: «نَدُورُ مَعَ السُّنَّةِ حَيْثُ دَارَتْ» (^٢)
وقال شيخ الإسلام -﵀-: الْقَوْلُ الشَّامِلُ فِي جَمِيعِ هَذَا الْبَابِ: أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ السَّابِقُونَ؛ الْأَوَّلُونَ لَا يَتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد -﵁-: «لَا يُوصَفُ اللَّهُ إلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ -ﷺ- لَا يَتَجَاوَزُ الْقُرْآنَ وَالْحَدِيثَ» (^٣). وَمَذْهَبُ السَّلَفِ: أَنَّهُمْ يَصِفُونَ اللَّهَ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ ا. هـ (^٤)
فالواجب نحو نصوص الكتاب والسنة في أسماء الله وصفاته إبقاءُ دلالتها على ظاهرها من غير تغيير ولا تبديل؛ لأن الله سبحانه أنزل القرآن بلسان عربي مبين والنبي -ﷺ- يتكلم بلسان عربي مبين، فيجب على المؤمن وهو يقرأ أسماء الله وصفاته أن يُثبِتَها
_________________
(١) فتح رب البرية بتلخيص الحموية (ص: ١٩). وانظر: معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات (ص: ٦٣) لشيخنا محمد بن خليفة التميمي.
(٢) رواه ابن عدي في الكامل (١/ ١٧٤) ومن طريقه اللالكائي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٧١) وابن عساكر في تاريخ دمشق (٣٥/ ٢٠٠) - وسقط شيخ ابن عدي من سند اللالكائي- فليستدرك.
(٣) روى كلمة الإمام أحمد هذه الخلال -كما في ذم التأويل لابن قدامة (٣٣)، والتسعينية لابن تيمية (١/ ٣١٦) -، وابن بطة في الإبانة الكبرى (٧/ ٣٢٦) (٢٥٢) ولفظه -كما في ذم التأويل-: قَالَ أَبُو عبد الله: … وَلَا يُوصف الله تَعَالَى بِأَكْثَرَ مِمَّا وصف بِهِ نَفسه أَوْ وَصفه بِهِ رَسُوله بِلَا حد وَلَا غَايَة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١]، وَلَا يبلغ الواصفون صفته وَصِفَاته مِنْهُ وَلَا نتعدى الْقُرْآن والْحَدِيث فَنَقُول كَمَا قَالَ وَنصفه كَمَا وصف نَفسه وَلَا نتعدى ذَلِك نؤمن بِالْقُرْآنِ كُله محكمه ومتشابهه وَلَا نزيل عَنهُ صفة من صِفَاته لشناعة شُنِّعَتْ ا. هـ
(٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٢٦)
[ ١ / ١٣٨ ]
كما أثبتها الله لنفسه.
فإذا قرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ [الحج] علم أن الله سبحانه سميع ذو سمع، وبصير ذو بصر، فيثبت ذلك لله إثباتًا يليق بجلاله وعظمته من غير تشبيه فلا تقول: سمعه كسمع الناس وبصره كبصر الناس، ومن غير تكييف أي من غير أن تعتقد كيفية لصفة من صفات الله؛ لأن هذا مما حُجِب عنَّا.
وهكذا: اسم الله ﴿الرَّحْمَنُ﴾. فنؤمن بأنه اسم من أسماء الله -تعالى- دالٌّ على صفة عظيمة، وهي: صفة الرحمة الواسعة، ولا نشبِّه الله بخلقه بل نقول: إن الله -جل وعلا- رحيم رحمةً تليق بجلاله وعظمته.
فنؤمن بما ورد في الكتاب والسنة على طريقة السلف الصالح دون الخوض في كيفية الصفات؛ فإنها مما حجب عنا علمه. كما تقدم.
قال الإمام الشافعي -﵀- في مقدمة الرسالة: ولا يبلغ الواصفون كُنه عظمته. الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه ا. هـ (^١)
وقال ابن أبي زيد القيرواني -﵀-: لا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون ا. هـ (^٢)
ونقل ابن بطال إجماع الأمة على أن الله تعالى لا يبلغ كنهه الواصفون ولا ينتهى إلى صفاته المقرظون ا. هـ (^٣) أي المادحون. والتّقريظ: المدح وشدة تزيينه.
وقال الرّبيع بن سُلَيْمَان سَأَلت الشَّافِعِي -﵁- عَنْ صِفَات من صِفَات الله تَعَالَى فَقَالَ: حرَام على الْعُقُول أَنْ تمثل الله تَعَالَى وعَلى الأوهام أَنْ تحده وعَلى الظنون أَنْ تقطع وعَلى النُّفُوس أَنْ تفكر وعَلى الضمائر أَنْ تعمق وعَلى الخواطر أَنْ تحيط وعَلى الْعُقُول أَنْ تعقل إِلَّا مَا وصف بِهِ نَفسه فِي كِتَابه أَوْ على لِسَان نبيه -ﷺ- ا. هـ (^٤)
_________________
(١) الرسالة للشافعي (١/ ٨)
(٢) الرسالة (ص ٥)
(٣) شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ١٤١)
(٤) ذم التأويل لان قدامة (ص ٢٣)
[ ١ / ١٣٩ ]
وقال الإمام أبو محمد البغوي -﵀-: والواجب … الإيمان بما جاء في الحديث، والتسليم، وترك التصرف فيه بالعقل، … وعلى العبد أن يعتقد أن الله عظيم له عظمة، كبير له كبرياء، عزيز له عزة، حي له حياة، باق له بقاء، عالم وله علم، ومتكلم وله كلام، قوي له قوة، وقادر وله قدرة، وسميع وله سمع، بصير له بصر … ولا يزال موصوفا بما وصف به نفسه، ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيء عليم ا. هـ (^١)
وَعَنْ سُفْيَانَ بنِ عُيينةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] كَيْفَ اسْتَوَى؟ فَقَالَ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ. وَمِنَ اللَّهِ الرِّسَالَةُ وَعَلَى الرَّسُولِ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا التَّصْدِيقُ ا. هـ (^٢)
وقال يَحْيَى بْنَ يَحْيَى: كُنَّا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ -﵀- فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] فَكَيْفَ اسْتَوَى؟ قَالَ: فَأَطْرَقَ مَالِكٌ بِرَأْسِهِ حَتَّى عَلَاهُ الرُّحَضَاءُ ثُمَّ قَالَ: الِاسْتِوَاءُ غَيْرُ مَجْهُولٍ، وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْقُولٍ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ، وَمَا أَرَاكَ إِلَّا مُبْتَدِعًا. فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُخْرَجَ ا. هـ (^٣)
_________________
(١) شرح السنة (١/ ١٧٧ - ١٨٠) باختصار.
(٢) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٤٤١/ رقم ٦٦٥) -ومن طريقه ابن قدامة في إثبات صفة العلو (٧٤) - وعزاه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٥/ ٤٠): للخلال وقال بإسناد كلهم ثقات عن سفيان بن عيينة. ورواه الذهبي في العلوّ من طريق النجَّاد قال: حدّثنا معاذ بن المثنى حدّثني محمد بن بشر حدّثنا سفيان -وهو الثوري-، قال: (كنت عند ربيعة بن أبي عبد الرحمن …) فذكره، قال الألباني: (وهو صحيح). وقال شيخنا عبد الرزاق العباد في رسالته في تخريج الأثر: … ورواه البيهقي في الأسماء والصفات من طريق عبد الله بن صالح بن مسلم قال: سئل ربيعة الرأي … فقال: (الكيف مجهول، والاستواء غير معقول، …). هكذا لفظه: (الكيف مجهول، والاستواء غير معقول)، وهو مخالف للفظ السابق في الطريقين المتقدِّمين، وفي إسناده عبد الله بن صالح بن مسلم وهو أبو صالح المصري كاتب الليث، قال الحافظ في التقريب: (صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة) ا. هـ ثم هو أيضًا لم يدرك ربيعة، فقد كان مولده سنة سبع وثلاثين ومائة كما في ترجمته في تهذيب الكمال، وكانت وفاة ربيعة على الصحيح -كما في التقريب-: سنة ست وثلاثين ومائة.
(٣) أخرجه أبو الشيخ الأصبهاني -كما في الفتوى الحموية (١٦٧/ ت الشيخ دغش) - ومن طريقه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٦٧) وفي الاعتقاد (ص: ١١٦) وسنده صحيح.
[ ١ / ١٤٠ ]
وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ: كُنَّا عِنْدَ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ … -فذكر نحوه- وفي آخره: قال مالك: كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ، وَلَا يُقَالُ: كَيْفَ، وَكَيْفٌ عَنْهُ مَرْفُوعٌ، وَأَنْتَ رَجُلُ سُوءٍ صَاحِبُ بِدْعَةٍ، أَخْرِجُوهُ. قَالَ: فَأُخْرِجَ الرَّجُلُ ا. هـ (^١)
وقال شيخ الإسلام: فَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ مَعْلُومٌ وَأَنَّ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ مَجْهُولٌ، وَمِثْلُ هَذَا يُوجَدُ كَثِيرًا فِي كَلَامِ السَّلَفِ، وَالْأَئِمَّةُ يَنْفُونَ عِلْمَ الْعِبَادِ بِكَيْفِيَّةِ صِفَاتِ اللَّهِ وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَيْفَ اللَّهُ إلَّا اللَّهُ فَلَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إلَّا هُوَ. ا. هـ (^٢)
الحذر من التحريف:
واحذروا من أولئك الذين يحرفون المعاني ويُؤَوِّلون صفاتِ الله -جل وعلا- فيصرفونها عن معانيها التي دلت عليه. وتجد هذا عند بعض الشراح للمتون العلمية في الفقه والحديث والنحو والبلاغة وغير ذلك، يذكرون مثلًا في شرح البسملة: اسم الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ أو ﴿الرَّحِيمِ﴾ فيقولون: يدل على إرادة الإنعام، ويزعمون أن الله منزه عن صفة الرحمة، لأنهم يرون ذلك تشبيها لله، فكما قيل: "أرادوا التنزيه فوقعوا في التعطيل". يزعمون أنَّ نصوص الأسماء والصفات تدل بظاهرها على تشبيه الله بخلقه فأرادوا أن يفروا من هذا التشبيه الذي وقعوا فيه لسوء فهمهم فوقعوا في التعطيل.
الأسماء الحسنى أعلام وصفات:
والحق أن كلُّ اسم من أسماء الله يدل على صفة: فاسمُه السميع يدل على صفة السمع، والبصيرُ يدل على صفة البصير، والرحمن الرحيم يَدُلَّان على صفة الرحمة، والعليُّ يدل على علوه. وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] يدل على أن الله -جل وعلا- استوى على العرش استواءً يليق بجلاله وعظمته من غير تكييف ولا تعطيل ولا تحريف. وهكذا في قوله سبحانه: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ [الفجر] فالآية صريحة في مجيء
_________________
(١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٨٦٦) من طريق أبي الربيع بن أخي رشدين بن سعد، قال: سمعت عبد الله بن وهب وذكره. وأبو الربيع هو سليمان بن داود بن حماد بن سعد المَهْري، وجدّه حماد بن سعد أخو رِشْدين بن سعد. وهو ثقة. كما في التهذيب. وصحح إسناده الذهبي. كما في العلو (ص: ١٣٨). وجود إسناده ابن حجر: في الفتح (١٣/ ٤١٧).
(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٥٨).
[ ١ / ١٤١ ]
الله -﷾-. فقول بعض الناس: "إن المعنى: وجاء أمر الله أو وجاءت ملائكة الله" فهذا تحريف للنصوص. وهكذا في قول النبي -ﷺ-: «يَنْزِلُ رَبُّنَا -﵎- كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ» (^١) يقول بعضهم: "ينزل أي: تنزل رحمته أو ينزل أمره أو ملائكته" وهذا تحريف للمعنى الصحيح، بل إن في هذا الحديث إثباتَ نزولِ الله إثباتًا يليق بجلاله وعظمته.
قاعدة أهل السنة في هذا الباب:
والقاعدة في باب الأسماء والصفات كما تقدم تجري على ما أمر الله -جل وعلا- في قوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى]. فعلى هذا يسير أهل السنة والجماعة من لدن الصحابة والتابعين لهم بإحسان كالأئمة الأربعة: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، وغيرهم من أئمة الإسلام في القرون الثلاثة المفضلة.
والمقصود أنَّ من الإيمان بالله الإيمانَ بأسمائه وصفاته إيمانًا صحيحًا يجري على وَفْقِ ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان دون الدخول في شقشقات علماء الكلام وغيرهم من الذين حرَّفوا الكلم عن مواضعه.
قصة لعبد الرحمن بن مهدي في رفع الشبهة في باب الأسماء والصفات:
وقد روى اللالكائي وأبو نعيم عنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ الْأَصْبَهَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ مَهْدِيٍّ، يَقُولُ: لِفَتًى مِنْ وَلَدِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْهَاشِمِيِّ: «مَكَانَكَ». فَقَعَدَ حَتَّى تَفَرَّقَ النَّاسُ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: «يَا بُنَيَّ، تَعْرِفُ مَا فِي هَذِهِ الْكُورَةِ مِنَ الْأَهْوَاءِ، وَالِاخْتِلَافِ وَكُلُّ ذَلِكَ يَجْرِي مِنْكَ عَلَى بَالٍ رَخِيٍّ إِلَّا أَمْرَكَ، وَمَا بَلَغَنِي؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ لَا يَزَالُ هَيِّنًا مَا لَمْ يصَلْ إِلَيْكُمْ، يَعْنِي السُّلْطَانَ، فَإِذَا صَارَ إِلَيْكُمْ جَلَّ وَعَظُمَ»، قَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، وَمَا ذَاكَ قَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّكَ تَتَكَلَّمُ فِي الرَّبِّ وَتَصِفُهُ وَتُشَبِّهُه»، قَالَ: الْغُلَامُ: نَعَمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ، نَظَرْنَا فَلَمْ نَرَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ شَيْئًا أَحْسَنَ وَلَا أَوْلَى مِنَ الْإِنْسَانِ، فَأَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي الصِّفَةِ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: رُوَيْدَكَ يَا بُنَيَّ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوَّلَ شَيْءٍ فِي الْمَخْلُوقِ، فَإِنْ عَجَزْنَا عَنِ الْمَخْلُوقِ فَنَحْنُ عَنِ الْخَالِقِ أَعْجَزُ، أَخْبِرْنِي عَنْ حَدِيثٍ حَدَّثَنِيهِ شُعْبَةُ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: (سَمِعْتُ
_________________
(١) البخاري (٧٤٩٤) واللفظ له، ومسلم (٧٥٨) عن أبي هريرة -﵁-.
[ ١ / ١٤٢ ]
زِرًّا) (^١) قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم] قَالَ: «رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتِّمِائَةِ جَنَاحٍ» (^٢)، فَبَقِيَ الْغُلَامُ يَنْظُرُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: يَا بُنَيَّ، فَإِنِّي أُهَوِّنُ عَلَيْكَ الْمَسْأَلَةَ، وَأَضَعُ عَنْكَ خَمْسَمِائَةٍ وَسَبْعًا وَتِسْعِينَ جَنَاحًا. صِفْ لِي خَلْقًا بِثَلَاثَةِ أَجْنِحَةٍ، رُكِّبَ الْجَنَاحُ الثَّالِثُ مِنْهُ مَوْضِعًا غَيْرَ الْمَوْضِعَيْنِ اللَّذَيْنِ رَكَّبَهُمَا اللَّهُ -﷿- حَتَّى أَعْلَمَ. فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدِ، قَدْ عَجَزْنَا عَنْ صِفَةِ الْمَخْلُوقِ وَنَحْنُ عَنْ صِفَةِ الْخَالِقِ أَعْجَزُ؛ فَأشْهِدُكَ أَنِّي قَدْ رَجَعْتُ، عَنْ ذَاكَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ا. هـ (^٣)
قصة الشافعي مع تلميذه المزني:
وقَالَ الْمُزَنِيُّ: لَمَّا وَافَى الشَّافِعِيُّ مِصْرَ قُلْتُ فِي نَفْسِي إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُخْرِجُ مَا فِي ضَمِيرِي وَتَعَلَّقَ بِهِ خَاطِرِي مِنْ أَمْرِ التَّوْحِيدِ فَهُوَ -يعني الشافعي-. قال: فَصِرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي مَسْجِدِ مِصْرَ فَلَمَّا جَثَوْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ لَهُ إِنَّه قد هجسَ فِي ضميري مسألة فِي التَّوْحِيدِ فَعَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا لَا يَعْلَمُ عِلْمَكَ فَمَا الَّذِي عِنْدَكَ؟؛ فَغَضِبَ؛ ثُمَّ قَالَ لِي: أَتَدْرِي أَيْنَ أَنْتَ جَالِسٌ؟ قُلْتُ نَعَمْ، أَنَا جَالِسٌ بِفُسَطَاطِ مِصْرَ فِي مَسْجِدِهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي عَبْد اللَّهِ مُحَمَّد بن إِدْرِيس الشَّافِعِيِّ. قَالَ: هَيْهَاتَ، إِنَّكَ بِتارَانَ وَجَنْبَلان -وهما مَوضِعانِ عندَ البحْر-، يَضْرِبُكَ تَيَّارُهُ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ وَهَذَا هُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي غَرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ. ثم قال له: أَبَلَغَكَ أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ بِالسُّؤَالِ عَنْ ذَلِكَ قال: فَقُلْتُ لَا. فَقَالَ هَلْ تَكَلَّمَ فِيهِ الصَّحَابَةُ فَقُلْتُ لَا، فَقَالَ لِي تَدْرِي كَمْ نَجْمٌ فِي السَّمَاءِ فَقُلْتُ لَا، قَالَ فَكَوْكَبٌ مِنْ هَذِهِ الْكَوَاكِبُ الَّذِي تَرَاهُ تَعْرِفُ جِنْسَيَّتَهُ طُلُوعَهُ وَأُفُولَهُ مِمَّا خَلَقَ؟ قُلْتُ لَا، قَالَ: فَشَيْءٌ تَرَاهُ
_________________
(١) في الحلية لأبي نعيم (سمعت سعيد بن جبير) والمثبت من السنة للالكائي. ولم أقف على رواية للحديث من طريق سعيد بن جبير عن ابن مسعود -﵁-، بل إن سعيد بن جبير لم يلق ابن مسعود، فقد قتل فى شعبان سنة خمس وتسعين، وهو ابن تسع وأربعين سنة؛ وابن مسعود توفي سنة ٣٢ هـ. وانظر: (سير أعلام النبلاء ط الرسالة (٤/ ٣٢١)
(٢) رواه من طريق ابن مهدي ابن خزيمة في التوحيد (٢/ ٥٠٢). والحديث في الصحيحين البخاري (٣٢٣٢، ٤٨٥٦، ٤٨٥٧) ومسلم (١٧٤) وغيرهما من طرق -عن شعبة وغيره- عن الشيباني عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود -﵁-،
(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٩٣٢)، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٩/ ٨)
[ ١ / ١٤٣ ]
بِعَيْنِكَ خَلْقٌ ضَعِيفٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ لَسْتَ تَعْرِفُهُ تَتَكَلَّمُ فِي عِلْمِ خَالِقِهِ!. ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْ مسألة فِي الْوُضُوءِ فَأَخْطَأْتُ فِيهَا فَفَرَّعَهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ فَلَمْ أُصِبْ فِي شَيْءٍ مِنْهِ ثُمَّ قَالَ لِي شَيْءٌ تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِرَارًا خَمْسَةً تَدَعُ تَعَلُّمَهُ ا. هـ (^١)
قال البيهقي: "تاران" في بحر القلزم يقال: فيها غرق فرعون وقومه، فشبه الشافعي المزني فيما أورد عليه بعضُ أهل الإلحاد ولم يكن عنده جواب، بمن ركب البحر في الموضع الذي أغرق الله فيه فرعونَ وقومه وأشرف على الهلاك. ثم علّمه جواب ما أُورد عليه حتى زالت عنه تلك الشبهة، وفي تلك دلالة على حسن معرفته بذلك، وأنه يجب الكشف عن تمويهات أهل الإلحاد عند الحاجة إليه، وأراد بالكلام: ما وقع فيه أهل الإلحاد من الإلحاد، وأهل البدع من البدع. والله أعلم ا. هـ (^٢)
منزلة الإيمان بأسماء الله وصفاته:
وهذا الباب باب عظيم. ويدل على ذلك ما جاء في كتاب الله -﷾- من إشارة وأمر ربِّ العالمين -﷾- بالعناية بهذا الباب العظيم، وهو باب الأسماء والصفات.
فانظر وأنت تقرأ القرآن إلى:
قول الله -﷾-: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ [البقرة].
وقول الله -﷾-: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة]
وقال -جل وعلا-: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [البقرة].
وقال -﷾-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)﴾ [البقرة].
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٢، ٣١) والقصة رواها ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري) (ص: ٣٤٢) وتاريخ دمشق (٥١/ ٣٨١). وقال الذهبي في تاريخ الإسلام (١٤/ ٣١٩): مدارُها عَلَى أَبِي عليّ بْن حَمَكان، وهو ضعيف ا. هـ ورواها -مختصرة- الإمام البيهقي في مناقب الشافعي (١/ ٤٥٨) - بإسناد آخر- عن المزني قال: دار بيني وبين رجل مناظرة فسألني عن كلام كاد أن يشكِّكَني في ديني؛ فجئت إلى الشافعي، فقلت له: كان من الأمر كيت وكيت. قال: فقال لي: أين أنت؟ فقلت: أنا في المسجد، فقال لي: أنت في مثل "تاران" تلطمك أمواجه. هذه مسألة الملحدين والجواب فيها كيت وكيت، ولَأَن يبتلى العبد بكل ما خلق الله من مضارّه خير له من أن يبتلى بالكلام.
(٢) مناقب الشافعي (١/ ٤٥٨)
[ ١ / ١٤٤ ]
وقال -جل وعلا-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)﴾ [البقرة].
وقال -﷾-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)﴾ [البقرة].
وقال -جل وعلا-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)﴾ [البقرة].
وقال -جل وعلا-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾ [البقرة].
وهذه الآيات كلها في سورة البقرة، وفي غيرها من السُّور آياتٌ أخرى:
كقول الله -جل وعلا-: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ [المائدة]
وقوله -جل وعلا-: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة].
وقوله -جل وعلا-: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٥)﴾ [الأنفال]
وقال -جل وعلا-: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٤٠)﴾ [الأنفال]
وقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦، ١٢٣]
وقال سبحانه: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٤)﴾ [هود]
وقال -جل وعلا-: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد].
وقال -﷿-: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد]
وقال -جل وعلا-: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق].
فهذه الآيات كلُّها فيها توجيه وأمر وإرشاد من الله -سبحانه- لعباده أن يتعرفوا على أسمائه وصفاته.
والقرآن العظيم مليء بالآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته وهي من أعظم الآيات.
[ ١ / ١٤٥ ]
الآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته، أعظمُ قدرا من آيات المعاد:
قال شيخ الإسلام -﵀-: "الآياتُ المتضمِّنة لذكر أسماء الله وصفاته، أعظمُ قدرًا من آيات المعاد، فأعظمُ آيةٍ في القرآن آيةُ الكرسي المتضمِّنة لذلك: كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم عن النبي -ﷺ- أنه قال لأُبيِّ بن كعب -﵁-: «أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ في كِتَابِ اللهِ أَعْظَمُ؟» قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فضرب بيده في صدره، وقال: «لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المنْذِرِ» (^١). وأفضل سورةٍ: سورةُ أم القرآن: كما ثبت ذلك في حديث أبي سعيد بن المعلى في الصحيح، قال له النبي -ﷺ-: «إِنَّهُ لم يُنزَّلْ فِي التَّوْرَاة وَلا الإِنجِيلِ ولا في الزَّبُور ولا في القُرْآن مِثْلُها، وَهِيَ السَّبْعُ المثَانِي والقرآنُ العظيمُ الذي أُوتِيتُه» (^٢) وفيها من ذكر أسماء الله وصفاته أعظمُ مما فيها من ذكر المعاد. وقد ثبت في الصحيح عنه -ﷺ- من غير وجه: «أنَّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ تعدل ثلث القرآن» (^٣). وثبت في الصحيح: أنه بشر الذي كان يقرؤها ويقول: إني لأحبها لأنها صفة الرحمن: بأن الله يحبه (^٤). فبيَّنَ أن الله يحب من يحب ذِكْرَ صفاته -﷾- وهذا باب واسع" (^٥).
_________________
(١) مسلم (٨١٠).
(٢) الحديث بهذا اللفظ مأخوذ من حديثي أبي سعيد بن المعلى -﵁- عند البخاري (٤٤٧٤) وهو بلفظ «الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته»، ومن حديث أبي هريرة -﵁- عند الترمذي (٢٨٧٥) بلفظ «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الفُرْقَانِ مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ المَثَانِي وَالقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ» وقال الترمذي: حسن صحيح.
(٣) صحيح البخاري (٥٠١٣، ٥٠١٥، ٦٦٤٣، ٧٣٧٤) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-. ورواه البخاري معلقا (٥٠١٤، ٧٣٧٤، ١٠٤٦٩) ووصله النسائي في السنن الكبرى (٧٩٧٥) وأبو يعلى (١٥٤٨) والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢١٨) من حديث أبي سعيد عن أخيه قتادة بن النعمان -﵄- ورواه مسلم (٨١١) من حديث أبي الدرداء -﵁-، ومن (٨١٢) حديث أبي هريرة -﵁-. وفي الباب عن جماعة آخرين من الصحابة -﵃-: منهم: أبو مسعود البدري الأنصاري، عند ابن ماجه (٣٧٨٩) والنسائي في "الكبرى" (١٠٥٢٩) وأحمد (٤/ ١٢٢) وفي سنده اختلاف؛ وعن ابن عباس عند الترمذي (٢٨٩٤) وعن أنس بن مالك عند الترمذي (٢٨٩٥) وابن ماجه (٣٧٨٨) وعن أبي أيوب عند الترمذي (٢٨٩٦) والنسائي (٩٩٦) وعن أبي بن كعب عند النسائي في "الكبرى" (١٠٥٢١)، ومسند أحمد (٥/ ١٤١) وعن أم كلثوم بنت عقبة، عند النسائي في "الكبرى" (١٠٤٦٤) والمسند (٦/ ٤٠٣، ٤٠٤) وعن ابن مسعود عند النسائي في "الكبرى" (١٠٥٠٩) وابن حبان (٢٥٧٦).
(٤) البخاري (٧٣٧٥)، ومسلم (٨١٣) من حديث أم المؤمنين عائشة -﵂-.
(٥) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٣١٠ - ٣١٢).
[ ١ / ١٤٦ ]
أسماء الله وصفاته في سورة الفاتحة:
وهذه السورة المباركة التي تُتلى في كل ركعة من ركعات الصلاة اشتملت من أسماء لله وصفاته على: أسمائه ﴿اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾ [الفاتحة].
فاسم الجلالة (^١): ﴿الله﴾ هو اسم للرب الإله الحق؛ وهو الاسم الذي تتبعه جميع الأسماء الحسنى والصفات العلى؛ وهو الاسم الجامع لمعانيها.
قال ابن كثير -﵀-: وَهُوَ اسْمٌ لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ -﵎- ا. هـ (^٢).
وهو اسم عربي، وأصله الإله كما قال سيبويه وغيره، فهو مشتق من (أَلَهَ يَأْلَهُ أُلوهَةً وإِلاهَةً وأُلوهِيةً) بِمَعْنَى: عبدَ عِبَادةً. فَهُوَ إلهٌ؛ بِمَعْنَى مأْلوهٍ؛ أَيْ: مَعْبُودٍ (^٣).
وقد روي عن عبد الله بْنِ عَبَّاسٍ -﵄- أنه قال: «اللهُ ذُو الإلهيةِ والعُبوديةُ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمَعِينَ» (^٤). والألوهية التعبد بحب وتعظيم. فاسم الجلالة: ﴿الله﴾ دال على صفةٍ له -تعالى-، وهي الإلهية؛ فهو المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له، بما فيه من المعنى الموضوع له وهو عَلَمِيتَّه على ذي الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين …
واسمه ﴿الرَّحْمَنِ﴾؛ هو وصف له تعالى بأنه اتصف بغاية الرحمة ومنتهاها. ومَنْ هذا وصفه وهذا رحمته فقصْدُ غيره وعبادةُ سواه ورجاؤه من أضل الضلال وأبطل الباطل وأسفه السفه، …
واسمه ﴿الرَّحِيمِ﴾؛ معناه: الذي أوصل ويوصل إلى عباده غاية الرحمة ومنتهاها، وكل ما في الموجودات من أنواع النعم والهداية والخيرات فمن رحمته وفضله وإحسانه. فمن هذا فعله بعبيده، وهذه رحمته لهم هو الذي يستحق ويجب أن يعبد ويقصد ويرجى ويناب إليه، والعدول إلى غيره ضلال بعيد، وجهل عظيم، وشرك وخيم.
_________________
(١) ربما قال بعضنا (لفظ الجلالة) واستعمال (اسم الجلالة) أفضل فتأمل؟.
(٢) تفسير ابن كثير ت سلامة (١/ ١٢٣).
(٣) انظر: تفسير ابن كثير ت سلامة (١/ ١٢٣) وبدائع الفوائد ط عالم الفوائد (١/ ٣٩)
(٤) تفسير ابن جرير (١/ ٥٤/ ١٤١، ١٤٨) وسنده ضعيف.
[ ١ / ١٤٧ ]
سورة الإخلاص:
وقول النبي -ﷺ-: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ». معناه كما قال شيخ الإسلام -﵀-: القرآن باعتبار معانيه ثلاث أثلاث: ثلث توحيد، وثلث قصص، وثلث أمر ونهي؛ لأن القرآن كلام الله. والكلام: إما إنشاء، وإما إخبار، والإخبار: إما عن الخالق، وإما عن المخلوق. والإنشاء: أمر ونهي وإباحة. فـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها ثلث التوحيد، الذي هو خبر عن الخالق، وقد قال -ﷺ-: «﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن» وعَدل الشيء -بالفتح- يكون: ما سواه، من غير جنسه، … وذلك يقتضي: أن له من الثواب ما يساوي الثلث في القدر، ولا يكون مثله في الصفة، كمن معه ألف دينار وآخر معه ما يعدلها من الفضة والنحاس وغيرهما. ولهذا يحتاج إلى سائر القرآن، ولا تغني عنه هذه السورة مطلقا، كما يحتاج من معه نوع من المال إلى سائر الأنواع، إذ كان العبد محتاجا إلى الأمر والنهي والقصص. وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها التوحيد القولي العملي، الذي تدل عليه الأسماء والصفات، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ [الإخلاص: ١ - ٢] ا. هـ (^١)
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ -﵀-: اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى اسْمَيْنِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَضَمَّنَانِ جَمِيعَ أَصْنَافِ الْكَمَالِ لَمْ يُوجَدَا فِي غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ وَهُمَا «الْأَحَدُ الصَّمَدُ» لِأَنَّهُمَا يَدُلَّانِ عَلَى أَحَدِيَّةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ وَبَيَانُ ذَلِكَ: أَنَّ الْأَحَدَ يُشْعِرُ بِوُجُودِهِ الْخَاصِّ الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ وَالصَّمَدُ يُشْعِرُ بِجَمِيعِ أَوْصَافِ الْكَمَالِ لِأَنَّهُ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ سُؤْدُدُهُ فَكَانَ مَرْجِعُ الطَّلَبِ مِنْهُ وَإِلَيْهِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّحْقِيقِ إِلَّا لِمَنْ حَازَ جَمِيعَ خِصَالِ الْكَمَالِ وَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى فَلَمَّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى مَعْرِفَةِ الذَّاتِ الْمُقَدَّسَةِ كَانَتْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى تَمام الْمعرفَة بِصِفَات الذَّات وصفات الْفِعْل ثناءا ا. هـ (^٢)
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (٢/ ٣٩٤).
(٢) انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم لأبي العباس القرطبي (٢/ ٤٤٢/ ط ابن كثير).
[ ١ / ١٤٨ ]
وقال الحافظ شمس الدين ابن القيم -﵀-: فَسُورَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: مُتَضَمِّنَةٌ لِتَوْحِيدِ الِاعْتِقَادِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَمَا يَجِبُ إِثْبَاتُهُ لِلرَّبِّ تَعَالَى مِنَ:
• الْأَحَدِيَّةِ الْمُنَافِيَةِ لِمُطْلَقِ الْمُشَارَكَةِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ،
• وَالصَّمَدِيَّةِ الْمُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي لَا يَلْحَقُهَا نَقْصٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ،
• وَنَفْيِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ الَّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الصَّمَدِيَّةِ، وَغِنَاهُ وَأَحَدِيَّتِهِ،
• وَنَفْيِ الْكُفْءِ الْمُتَضَمِّنِ لِنَفْيِ التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَالتَّنْظِيرِ،
فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ السُّورَةُ:
• إِثْبَاتَ كُلِّ كَمَالٍ لَهُ، وَنَفْيَ كُلِّ نَقْصٍ عَنْهُ،
• وَنَفْيَ إِثْبَاتِ شَبِيهٍ أَوْ مَثِيلٍ لَهُ فِي كَمَالِهِ، وَنَفْيَ مُطْلَقِ الشَّرِيكِ عَنْهُ،
وَهَذِهِ الْأُصُولُ هِيَ مَجَامِعُ التَّوْحِيدِ الْعِلْمِيِّ الِاعْتِقَادِيِّ الَّذِي يُبَايِنُ صَاحِبُهُ جَمِيعَ فِرَقِ الضَّلَالِ وَالشِّرْكِ، وَلِذَلِكَ كَانَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ:
فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَدَارُهُ عَلَى الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ،
وَالْإِنْشَاءُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ، وَنَهْيٌ، وَإِبَاحَةٌ.
وَالْخَبَرُ نَوْعَانِ: خَبَرٌ عَنِ الْخَالِقِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَحْكَامِهِ، وَخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ.
فَأَخْلَصَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الْخَبَرَ عَنْهُ، وَعَنْ أَسْمَائِهِ، وَصِفَاتِهِ، فَعَدَلَتْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، وَخَلَّصَتْ قَارِئَهَا الْمُؤْمِنَ بِهَا مِنَ الشِّرْكِ الْعِلْمِيِّ، كَمَا خَلَّصَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ مِنَ الشِّرْكِ الْعَمَلِيِّ الْإِرَادِيِّ الْقَصْدِيِّ.
وَلَمَّا كَانَ الْعِلْمُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَهُوَ إِمَامُهُ وَقَائِدُهُ وَسَائِقُهُ، وَالْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَمُنْزِلُهُ مَنَازِلَهُ، كَانَتْ سُورَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ. وَالْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ تَكَادُ تَبْلُغُ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ ا. هـ (^١)
_________________
(١) زاد المعاد في هدي خير العباد (١/ ٣٠٦)
[ ١ / ١٤٩ ]
وقال الحافظ ابن حجر -﵀-: وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ الْمِثْلِيَّةَ عَلَى تَحْصِيلِ الثَّوَابِ فَقَالَ مَعْنَى كَوْنِهَا ثُلُثَ الْقُرْآنِ أَنَّ ثَوَابَ قِرَاءَتِهَا يَحْصُلُ لِلْقَارِئِ مِثْلَ ثَوَابِ مَنْ قَرَأَ ثُلُثَ الْقُرْآنِ … وَقِيلَ الْمُرَادُ: مَنْ عَمِلَ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ من الْإِخْلَاص والتوحيد كَانَ كمن قرأ ثلث الْقُرْآنِ … وَقَالَ ابن عَبْدِ الْبَرِّ: مَنْ لَمْ يَتَأَوَّلْ هَذَا الْحَدِيثَ أَخْلَصُ مِمَّنْ أَجَابَ فِيهِ بِالرَّأْيِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّهَا تُضَاهِي كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْجُمَلِ الْمُثْبِتَةِ وَالنَّافِيَةِ مَعَ زِيَادَةِ تَعْلِيلٍ؛ وَمَعْنَى النَّفْيِ فِيهَا: أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّزَّاقُ الْمَعْبُودُ لِأَنَّهُ لَيْسَ فَوْقَهُ مَنْ يَمْنَعُهُ كَالْوَالِدِ وَلَا مَنْ يُسَاوِيهِ فِي ذَلِكَ كَالْكُفْءِ وَلَا مَنْ يُعِينُهُ عَلَى ذَلِكَ كَالْوَلَدِ ا. هـ (^١)
من التأمل في أسماء الله الحسنى وصفاته العلى:
فهذا كله يدلنا على أهمية العناية بتعلم أسماء الله وصفاته والتدبر والتفكر فيها؛ فهذا يعود على المسلم بالإيمان الصحيح. ويعود عليه بقوة الإيمان، فيزداد إيمانًا.
الغني الحميد:
فحينما يتأمل في أسماء الله -جل وعلا- وفي صفاته، ويعلم مثلا: أن الله -﷾- ﴿غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾، فإنه يزداد ثقةً بربه -جل وعلا-. فلله الغنى التام والحمدُ التام. والغنى صفة كمال لله والحمد كذلك واجتماع الغنى مع الحمد كمال آخر فله ثناء سبحانه من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما (^٢)، ومن غناه تعالى، أن أغنى الخلق في الدنيا والآخرة، وهو الحميد في ذاته، وأسمائه، لأنها حسنى، وأوصافه، لكونها عليا، وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه، وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه الغني في حمده. (^٣)
الحميد المجيد:
وتأمل مثلًا في اسمه -﷾- ﴿الْحَمِيدُ﴾ و﴿الْمَجِيدُ﴾:
قال ابن القيم -﵀-: فاسمه الحميد المجيد يمنع ترك الإنسان سدًى مهملًا معطَّلًا، لا يؤمر ولا ينهى ولا يثاب ولا يعاقب. وكذلك اسمه الحكيم يأبى ذلك، وكذلك اسمه
_________________
(١) فتح الباري (٩/ ٦١)
(٢) ينظر: بدائع الفوائد - ط عطاءات العلم (١/ ٢٨٣)
(٣) ينظر: تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص ٦٨٧)
[ ١ / ١٥٠ ]
الملك … وهو سبحانه الحميد المجيد، وحمده ومجده يقتضيان آثارهما، ومن آثارهما: مغفرة الزلّات، وإقالة العثرات، والعفو عن السيِّئات، والمسامحة على الجنايات، مع كمال القدرة على استيفاء الحقِّ والعلمِ منه سبحانه بالجناية ومقدار عقوبتها، فحِلمُه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزّته وحكمته، كما قال المسيح ــ صلى الله على نبينا وعليه وسلم ــ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ [المائدة: ١١٨]، أي فمغفرتك عن كمال قدرتك وحكمتك، ليستْ كمن يغفر عجزًا ويسامح جهلًا بقدر الحقِّ، بل أنت عليمٌ بحقِّك، قادرٌ على استيفائه، حكيمٌ في الأخذ به. فمن تأمّل سريان آثار الأسماء والصِّفات في العالَم وفي الأمر، تبيَّن له أنَّ مصدر قضاءِ هذه الجنايات من العبيد وتقديرها هو من كمال الأسماء والصِّفات والأفعال، وغاياتُها أيضًا مقتضى حمده ومجده، كما هو مقتضى ربوبيَّته وإلهيَّته ا. هـ (^١)
الحكيم:
وكذلك تأمَّلْ في اسمه ﴿الْحَكِيمُ﴾ فإنك تعرف بذلك أنَّ الله -جل وعلا- له حكمة عظيمة في خلقه، وفي أمره، وفي شرعه، لم يخلق شيئًا هملًا، ولم يترك شيئًا سدًى -﷾-.
السميع البصير العليم المحيط:
وإذا علم العبد أنَّ ربَّه -﷾- ﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾
وأنه سبحانه ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران: ٥]
وأنه سبحانه: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣]
وأنه سبحانه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]
وأنه سبحانه ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان: ٦]
وأنه سبحانه ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩]
﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢]
_________________
(١) مدارج السالكين (٢/ ٣٤ ط عطاءات العلم)
[ ١ / ١٥١ ]
﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]
فمَن عَلِمَ باطلاع الله عليه ورؤيته له وإحاطته به فإنَّ ذلك يُثمِر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات القلب عن كل ما لا يُرضِي الله.
وتأمل قول الله سبحانه: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤)﴾ [العلق].
فمن وضع هذه الآية نُصْبَ عينيه؛ حجز نفسه عن الغفلة ولزم المراقبة لله. لأنَّ العلم بأسماء الله وصفاته، يمنع المؤمنَ الصادقَ الموفقَ من الوقوع فيما حرَّم الله.
وتأمل قوله سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ [الحجرات].
ففي ذكر الاسمين الكريمين؛ بعد الأمر بتقواه، حث على الامتثال للأمر، وترهيب عن عدم الامتثال.
وتأملوا قوله سبحانه: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ [فصلت]
فإن في قوله تعالى ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ تهديدًا ووعيدًا لأعدائه ويؤكده ختم الآية ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤٠)﴾ فالله مطَّلِع على أعمالكم من خير أو شر.
الغني الكريم البر الرحيم:
وهكذا إذا علم العبد بأن الله: ﴿غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠]،
وأنه ﴿الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور: ٢٨] الذي شمل الكائنات بأسرها ببِرِّه ومَنِّهِ وعطائه؛
فهو مغني النعم؛ وهو واسع الإحسان، وأنه -﵎- مع غناه عن عباده فهو محسن إليهم، رحيم بهم، يريد بهم الخير، ويكشف عنهم الضر، لا لجلب منفعة إليه من العبد، ولا دفع مضرة بل رحمة منه وإحسانًا، فهو سبحانه لم يخلق خلقه ليتكثر بهم من قلة ولا ليعتز بهم من ذلة ولا ليرزقوه ولا لينفعوه ولا يدفعوا عنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات].
الحق المبين:
وهكذا حين تعلم ﴿أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ [النور]
فتسأل نفسك: ما معنى اسم الله -جل وعلا- الحق؟ وما معنى المبين؟
[ ١ / ١٥٢ ]
فالحق هو الذي لا شكَّ فيه ولا ريب، لا في ذاته، ولا في أسمائه وصفاته، ولا في ألوهيته؛ فأوصافه العظيمة حق، وأفعاله هي الحق، وعبادته هي الحق، ولقاؤه حق، ووعده ووعيده، وحكمه الديني والجزائي حق، ورسله حق. وهو لا يظلم أحدا مثقال ذرة. فكل هذا، يعينك على فهم أسماء الله الحسنى ويعينك على التدبر والتفكر والتأمل.
فإذا علم العبد ذلك أحبَّ ربه -سبحانه- وأقبل على ربه -جل وعلا- بكُلِّيَّته متعبِّدًا ذاكرًا لربه بلسانه، ومطيعًا لربه بجوارحه.
إذا علم العبد ذلك أثمر عنده قوةَ رجاءٍ بالله، وأثمر عنده الطمعَ فيما عند الله وإنزالَ جميع حوائجه به وإظهارَ افتقاره إليه كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
كذلك إذا تأمل العبد في عدل الله وانتقامه، وغضبه، سبحانه وسخطه، وعقوبته، أثمر عنده الخشية، والخوف، والحذر، والبُعد عن مساخط الربِّ -جل وعلا-.
ولهذا يقول ربنا -﷾-: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر].
إن التأمل في ذلك يدعوك -أيها المؤمن- إلى أن تعيش بين الخوف والرجاء.
ويقول سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة].
وقال سبحانه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة].
وقال -جل وعلا-: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ [البقرة].
وهكذا كلَّما تأمل الإنسان في أسماء الله وصفاته زاده ذلك إيمانًا، وزاده ذلك رفعة وقربًا من الله -جل وعلا-.
[ ١ / ١٥٣ ]
قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله تعالى-: راود رجل امرأة في فلاة ليلًا، فأَبَتْ، فقال لها: ما يرانا إلا الكواكب. قالت: فأين مكوكبها؟! (^١).
أي: أين الله؟! ألا يرانا؟!
فمنعها هذا العلم من اقتراف الذنب والوقوع في الخطيئة.
وكذلك جاء في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار: قال -ﷺ- «فَبَيْنَمَا هُمْ فِيهِ إِذْ وَقَعَ حَجَرٌ مِنَ الْجَبَلِ مِمَّا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ -جل وعلا-» (^٢)، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذا العمل إلا أن تسألوا الله -جل وعلا- بصالح أعمالكم. فاستحضارهم:
• أن الله مطلع عليهم،
• وأن الله -جل وعلا- لن يخذلهم
• وأن الله لطيف بعباده،
• وأنه سبحانه رؤوف رحيم
هو الذي جعلهم يستحضرون أعمالهم الصالحة؛ ليتوسلوا بها إلى ربهم -جل وعلا-.
وفي نبأ هؤلاء الثلاثة: أن أحدهم ذكر أنه راود ابنة عم له على الزنا بها على أن يعطيها مائة دينار أو مائة وعشرين، وأنها ألمَّت بها سنة من السنين ثم إنها وافقت، فلما جلس منها مجلسَ الرجل من امرأته، قالت: له: «اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ» (^٣). فتذكرَ عظمة الله -جل وعلا- وتذكرَ اطلاع الله -جل وعلا- عليه، فمنعه ذلك من الوقوع فيما حرَّم الله -جل وعلا-.
_________________
(١) كلمة الإخلاص وتحقيق معناها (٤٩).
(٢) هذه الرواية رواها الطبراني في المعجم الكبير من جـ ٢١ (٢١/ ١٢٩/ ط سعد الحميد) من حديث النعمان بن بشير -﵄- وهو في كتاب الدعاء أيضا للطبراني (١٨٩) وقال الهيثمي في المجمع: رجاله رجال الصحيح. وصححه شيخنا الوادعي في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين (١١٥٢).
(٣) انظر القصة في صحيح البخاري (٢٢١٥)، ومسلم (٢٧٤٣) عن ابن عمر -﵄-. وفي مسند أحمد (١٢٤٥٤) عن أنس -﵁- وفي مسند البزار (٩٤٩٨، ٩٥٥٦) وصحيح ابن حبان (٩٧١) عن أبي هريرة -﵁- وفي الدعاء للطبراني (١٩٥) ومستخرج أبي عوانة (٥٥٨٧) عن عقبة بن عامر الجهني -﵁-، وفي مسند البزار (١٨٦٧)، وكتاب الدعاء للطبراني (١٨٧) عن علي -﵁-، وفي كتاب الدعاء (٢٠١) والمعجم الأوسط (٦٦٧١) عن عبد الله بن عمرو -﵄-. وفي كتاب الدعاء (١٩٦) عن عبد الله بن أبي أوفى -﵄-.
[ ١ / ١٥٤ ]
أسماء الله كلها حسنى وصفاته كلها صفات عليا وكلها كمال:
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن: "أَسْمَاءَ الله سُبْحَانَهُ كُلَّهَا حُسْنَى؛ وَأَفْعَالَهُ كُلَّهَا جَمِيْلَةٌ، وخَيْرٌ (^١)، وَحِكْمَة، ومَصْلَحَة، وَإِحْسَانٌ، وَصِدْقٌ، وَعدْلٌ، وَرَحْمَة؛
وَصِفَاتُهُ: كُلُّهَا كَمَالٌ؛ وكلُّها صفاتُ مدْحٍ، ليْسَ فيهَا نَقْصٌ بوجْهٍ مِنْ الوجُوه " (^٢)
وقولنا: "حسنى: أي: بالغة في الحسن غايته؛ لأنها متضمنة لصفات كاملة لا نقص فيها بوجه من الوجوه.
قال ابن القيم -﵀-: وهى مشتقة من صفاته، وأفعاله دالة عليها فهو المحبوب المحمود لذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه ا هـ (^٣).
فإذا تأملت في اسم الله -جل وعلا- ﴿الحي﴾ عرفت أنه دالٌّ على صفة الحياة لله -جل وعلا- وأنها صفة كاملة لم تُسبَق بعدم، ولا يلحقها نقص بخلاف الصفة للإنسان؛ فالإنسان يُوصَف بأنه "حي" لكنَّ حياتَه حياةٌ تليق بضعفه وعجزه وفقره؛ فإنها حياة سبقها عَدَمٌ كما قال -جل وعلا-: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١)﴾ [الإنسان] وحياة يعقبها موت؛ فالله -جل وعلا- يقول: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزمر] ويقول -﷾-: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران]. وأما ربنا -جل وعلا- فهو الحيُّ ﴿الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨]-﷾- (^٤).
_________________
(١) قال ابن القيم -﵀-: أفعاله كلها خيرات محض لا شر فيها لأنه لو فعل الشر لاشتق له منه اسم ولم تكن أسماؤه كلها حسنى وهذا باطل فالشر ليس إليه فكما يدخل في صفاته ولا يلحق ذاته لا يدخل في أفعاله فالشر ليس إليه لا يضاف إليه فعلا ولا وصفا وإنما يدخل في مفعولاته. وفرق بين الفعل والمفعول فالشر قائم بمفعوله المباين له لا بفعله الذي هو فعله فتأمل هذا فإنه خفي على كثير من المتكلمين وزلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام وهدى الله أهل الحق لما اختلفوا فيه بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ا. هـ من بدائع الفوائد ط عالم الفوائد (١/ ٢٨٨)
(٢) انظر: أحكام أهل الذمة (١/ ٤١٧) وكتاب الروح (ص: ٢٦٢) والفوائد (ص: ١٨٢) وروضة المحبين ونزهة المشتاقين (ص: ٤١٩) وزاد المعاد في هدي خير العباد (٣/ ٢١١) وطريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: ٩٣)
(٣) انظر: طريق الهجرتين وباب السعادتين (ص: ٣١٨).
(٤) انظر: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ٧) للعلامة ابن عثيمين -﵀-.
[ ١ / ١٥٥ ]
قال شيخ الإسلام -﵀-: … الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى يستحقه بنفسه المقدسة، وثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه؛ فثبوت الحياة يستلزم نفي الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وإن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك … وثبوت معنى الكمال قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة، دالة على معاني متضمنة لهذا المعنى، فما في القرآن من إثبات الحمد له، وتفصيل محامده، وأن له المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه، ونحو ذلك، كله دال على هذا المعنى … ولم يعلم أحد من الأمة نازع في هذا المعنى، بل هذا المعنى مستقر في فطر الناس، بل هم مفطورون عليه، فإنهم كما أنهم مفطورون على الإقرار بالخالق، فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر، وأعلى وأعلم وأعظم وأكمل من كل شيء ا. هـ (^١)
أسماء الله غير محصورة بعدد:
ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن أسماء الله -جل وعلا- غيرُ محصورة بعدد كما ورد في الحديث المشهور: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ» (^٢).
قال الخطابي -﵀-: فَهَذا يَدُلُّكَ على أن لله أسماء لم يُنَزِّلْهَا في كِتَابِهِ، حَجَبَهَا عَنْ خَلْقِهِ، وَلم يُظْهِرْهَا لَهُمْ ا. هـ (^٣). وثبت في الصحيح أن النبي -ﷺ- كان يقول في سجوده: «اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي
_________________
(١) الرسالة الأكملية فيما يجب لله من صفات الكمال (ص: ٩)
(٢) حديث حسن. أخرجه أحمد (١/ ٣٩١، ٤٥٢) وغيره من طريق الفضيل بن مرزوق عن أبي سلمة الجهني عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده. والحديث صححه ابن حبان (٩٧٢) والحاكم في المستدرك (١/ ٦٩٠) وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ إِنْ سَلِمَ مِنْ إِرْسَالِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ فَإِنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي سَمَاعِهِ عَنْ أَبِيهِ " ا. هـ وخرجه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٩) وتكلم عليه وأجاب عما علل به بما لا مزيد عليه.
(٣) شأن الدعاء (١/ ٢٥)
[ ١ / ١٥٦ ]
ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (^١)
قال شيخ الإسلام -﵀-: فأخبر أنه لا يحصي ثناء عليه ولو أحصى جميع أسمائه لأحصى صفاته كلها فكان يحصي الثناء عليه لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمائه (^٢).
فنؤمن بما ورد في الكتاب والسنة، وبما استأثر الله -جل وعلا- بعلمه عنا مما لا يمكن حصره ولا الإحاطة به.
وأما قوله -ﷺ-: «إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إلَّا واحِدًا، مَنْ أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» (^٣). فقوله: «مَنْ أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» صفة لا خبر مستقل، أي له أسماء متعددة موصوفة بأن «مَنْ أحْصاها دَخَلَ الجَنَّةَ» وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها؛ كما تقول لفلان مائة عبد أعدهم للتجارة ومائة فرس أعدها للجهاد فهذا لا ينفي أن يكون له سواهم معدون لغير الجهاد؛ وهذا قول الجمهور؛ (^٤) وخالفهم: ابن حزم فزعم أن أسماءه تنحصر في هذا العدد. (^٥)
أسماء الله وصفاته توقيفية:
ثم اعلموا أن أسماء الله لا تثبت بالعقل، وكذلك صفاته، وإنما تثبت بالوحي، فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة، فلا يزاد فيها ولا ينقص، لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء والصفات، فوجب الوقوف في ذلك على النص، فإذا أثبت المسلم لله اسمًا أو صفةً فيجب أن يكون على ذلك دليلٌ من كتاب الله أو من سنة رسول الله -ﷺ-. (^٦)
_________________
(١) صحيح مسلم (٤٨٦) من حديث عائشة -﵂-.
(٢) درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٣٣٢)
(٣) البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧) عن أبي هريرة -﵁-.
(٤) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٢٢٣) وبدائع الفوائد (١/ ١٦٧) وشفاء العليل (ص: ٢٧٧).
(٥) انظر: المحلى (١/ ٥٠)، والفصل (٢/ ١٢٦)
(٦) انظر: شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: ٢٧٠) لابن القيم؛ والقواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى (ص: ١٣) لابن عثيمين.
[ ١ / ١٥٧ ]
بعض الكتب النافعة في هذا الباب:
وأدلكم على بعض الكتب النافعة في هذا الباب ومنها:
"كتاب القواعد المثلى" للشيخ العلامة ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-،
وهو كتاب نافع جدًّا وسهل في فهم هذا الباب.
وكذلك كتابُ شيخنا وابن شيخنا: الدكتور عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر "فقه الأسماء الحسنى"
فهو من الكتب العظيمة النافعة التي أحُثُّ إخواني وأحُثُّ السامعين على مراجعتها والعيش معها؛ فإنه تكلم فيه عن أسماء الله -جل وعلا- وصفاته، فذكر الأسماء اسمًا اسمًا، وتكلم عمَّا فيها من المعاني، بأسلوب سهل واضح.
وهذا يعيننا على التفكر والتأمل والتدبر.
والخلاصة: أنَّ الشعبة الأولى من شعب الإيمان هي شعبة الإيمان بالله -سبحانه- وهي أعظم الشعب، والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:
الإيمان بوجود الله. وبربوبيته. وبألوهيته. وبأسمائه وصفاته.
وهذا الباب باب عظيم واسع، لكن نقتصر منه على ما تيسر ذكره في هذه المجالس. والله أعلم
انتهى الجزء الأول
ويليه الجزء الثاني:
الإيمان بالرسل الكرام -﵈-
[ ١ / ١٥٨ ]
سلسلةُ: ريِّ الظَّمْآن بِمَجالِس شُعَبِ الإيمَانِ (٢)
الإِيْمَانُ بالرسلِ
-﵈-
تأليف
أبي حمزة غازي بن سالم أفلح
عفا الله عنه وعن والديه ومشايخه وجميع المسلمين
تقديم
الدكتور عزيز بن فرحان العنزي الدكتور رشاد بن حمود الحزمي
الشيخ عبد العزيز بن يحيى البرعي الشيخ محمد بن عبد الله باموسى
الشيخ نعمان بن عبد الكريم الوتر
[ ٢ / ٣ ]
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى لمكتبة دروس الدار
١٤٤٤ هـ - ٢٠٢٢ م
(مزيدة ومنقحة)
رقم الفسح الإعلامي في دولة الإمارات العربية المتحدة دبي
MC-٠١ - ٠١ - ٧٥٤٩١٤٢
Date-٢٠٢٢ - ٠٤ - ١٩
الترقيم الدولي
ISBN: -٩٧٨ - ٩٩٤٨ - ٠٤ - ٥٧٢ - ٤
التصنيف العمري: E
تم تصنيف وتحديد الفئة العمرية التي تلائم محتوى الكتب وفقا لنظام التصنيف العمري الصادر عن وزارة الثقافة والشباب
للتواصل مع المؤلف: ghazi.salem@hotmail.com
الإمارات العربية المتحدة - الشارقة
البريد الإلكتروني: droosaldar@gmail.com
للتواصل: ٠٠٩٧١٥٠٣٦٦٧٠٧٧
تويتر: @ DroosAldar
[ ٢ / ٤ ]