[ ١ / ٢٥ ]
المجلس الأول (^١)
حديث شعب الإيمان
فضل العلم:
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا،
أما بعد: فهذه المجالس، من المجالس العظيمة التي يحتاجها المسلم؛ فحاجة المسلم إلى مجالس العلم والعلماء حاجة عظيمة؛ فإنه كما أُثِر عن الإمام أحمد -﵀- أنه قال: «الناس إلى العلم أحوجُ منهم إلى الطعام والشراب؛ لأنَّ الرجل يحتاج إلى الطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين، وحاجتُه إلى العلم بعدد أنفاسه» (^٢).
وقد ابتُلِينا في هذه الأيام وفي هذه الأزمان بالإعراض عن العلم وعن مجالسه، مع تيسُّر الحصول عليه وقُرب العلماء عن طريق هذه الوسائل العظيمة التي منَّ الله -جل وعلا- بها علينا من الوسائل السمعية والمرئية وغيرها مما تيسر في هذه الأزمان ولم يكن موجودًا من قبل، ومع ذلك فالعلم عند الناس قليل، والإقبال عليه ضعيف إلا من رحم الله -جل وعلا-. فنصيحتي لنفسي ولإخواني بالإقبال على طلب العلم والانتفاع به وحضور مجالس العلماء والاستفادة؛ فإن طلب العلم من العبادات العظيمة التي يتقرب بها العبد إلى ربه -جل وعلا- لا سيَّما في زمن البلاء وزمن الفتن؛ فنبينا -ﷺ- يقول: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» (^٣).
_________________
(١) المجلس الأول كان في يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر شعبان ١٤٤١ هـ.
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٤٤٠).
(٣) أخرجه مسلم (٢٩٤٨) من حديث معقل بن يسار -﵁-.
[ ١ / ٢٧ ]
ومن أعظم العبادات طلب العلم:
طلبُك للعلم وحضورك لمجالس العلم والاستفادة سماعًا، أو رؤيةً، أو قراءةً أو استفسارًا؛ فكلُّ ذلك من العلم الذي يقربك ويدنيك إلى الله. يقول -﵊-: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» (^١).
فتأمل قوله -ﷺ-: «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا»، فـ (طريقًا): نكرة في سياق الشرط تفيد العموم؛ فأيّ طريق تسلكه من الطرق المعلومة في طلب العلم، سواء الطرق الحسية وذلك بالمشي إلى حلق العلم، أو الطرق المعنوية بأن يمشي الإنسان في طريق العلم بقراءة الكتب النافعة التي ألفها من يوثق بعلمهم ودينهم، ككتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من المحققين من أهل العلم، فكل ذلك مما يشمله الحديث. وقوله -ﷺ-: «يَلْتَمِسُ» يعني يطلب ولو شيئًا يسيرًا سواء حصّله أم لم يحصله، وقوله: «عِلْمًا» نكرة في سياق الإثبات فيدخل في ذلك كل ما هو من العلم ولوكان قليلا.
والبشارة في آخر الحديث «سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» فما دام أنه سلك بنفسه هذا الطريق العظيم فإن هذا مما يدنيه من جنة عرضها السماوات والأرض.
-"جعلنا الله وإياكم من أهل الجنة"-، فأحبوا العلم من قلوبكم وأقبلوا على كتاب الله وعلى سنة رسول الله -ﷺ- يُبارَكْ لكم في أوقاتكم ويبارك لكم في أعماركم ويبارك لكم في صحتكم. -نسأل الله -جل وعلا- أن يُحبِّب إلينا العلم الشرعي-.
وقد كان من دعائه -ﷺ-: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا». تقول أمُ سَلَمَة -﵂-: كان يدعو بذلك دُبُرَ كلِّ صلاةِ فجرٍ (^٢).
وكان -ﷺ- يستعيذ بالله «مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ» (^٣). وأمره ربه -جل وعلا- بالدعاء بأن يزداد علما فقال -﷾-: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾ [طه: ١١٤].
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٢) أخرجه أحمد (٢٦٥٢١)، وابن ماجه (٩٢٥)، وصححه الألباني في «تمام المنة» (ص ٢٣٣)
(٣) مسلم (٢٧٢٢) من حديث زيد بن أرقم -﵁-.
[ ١ / ٢٨ ]
وكان من دعائه -ﷺ-: «اللهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا» (^١).
فيا عبد الله: أنقذ نفسك من الجهل بدين الله -جل وعلا-.
فإن الجهل قد يؤدي بصاحبه إلى التهلكة كما في حديث جَابِر -﵁- قال: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ، ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؛ فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، …» (^٢)، دعا عليهم النبي -ﷺ- لأنهم سئلوا فأفتوا بغير علم، وقد أدت هذه الفتوى إلى موت هذا الصحابي -﵁-.
بل قد جاء في السنة ما يدل على أن الفتوى بغير علم قد تكون سببًا لمقتل صاحبها، ففي "الصحيحين" (^٣) عن أبي سعيد الخدري -﵁-؛ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ -ﷺ- قَالَ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً …»، الحديث.
كانت هذه الفتوى المبنية على غير علم سببًا لمقتل صاحبها.
فنسأل الله -﷾- أن يُوفِّقنا وإيَّاكم إلى كل خير.
حديث شعب الإيمان:
وهو حديث أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه قال: «الْإِيَمانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ-أَوْ قَالَ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ-شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». وهذا الحديث أخرجه الشيخان في صحيحيهما وأهل السنن وأحمد في المسند وابن حبان في صحيحه وافتتح به البيهقي كتابه هذا "شعب الإيمان"، وهو مبثوث في دواوين الإسلام. وهو حديث عظيم وقد
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥٠٦١)، بسند ضعيف عن عائشة -﵂- وحسنه الحافظ في نتائج الأفكار (١/ ١١٦). وضَعَّفَه الألباني في الكَلِمِ الطَّيبِ (٤٥)، وفي "المشكاة" (١٢١٤)، وأخرجه الترمذي (٣٥٩٩)، وابن ماجة، (٢٥١) عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ -﵁- قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا» وصَحَّحَهُ الألباني في "صَحِيحُ الترمذي" (٣٥٩٩) وانظر: «السلسلة الصحيحة» (٧/ ٤٣١).
(٢) أخرجه أبو داود (٣٣٦)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود (٣٦٤).
(٣) أخرجه البخاري (٣٤٧٠) ومسلم (٢٧٦٦).
[ ١ / ٢٩ ]
اختلفت رواياته، كما سيأتي. وفي سماعه تحفيز لكل موفق أن يسعى لمعرفة هذه الشعب العظيمة للعلم والعمل بها.
فصل في ذكر روايات الحديث:
حديث أبي هريرة -﵁- في شعب الإيمان:
١ - رواه البخاري بلفظ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ»
٢ - ورواه مسلم بلفظ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»
٣ - وفي رواية لمسلم: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ - أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ - شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»
٤ - ورواه ابن ماجه بلفظ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ سَبْعُونَ بَابًا، أَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»
٥ - ورواه أبو داود بلفظ «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ: أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْعَظْمِ عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»
٦ - ورواه النسائي بلفظ «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ»
٧ - ورواه الترمذي وأحمد بلفظ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا، فَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»
٨ - وفي رواية للترمذي ولأحمد: «الإِيمَانُ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ بَابًا» زاد أحمد «أَرْفَعُهَا وَأَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ» (^١)
_________________
(١) قلت: الحديث: ١. بلفظ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، وَالحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ»، رواه البيهقي بإسناده عن أبي عمرو أحمد بن المبارك المستملي، وأبي سعيد محمد بن شاذان الأصم قالا: حدثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد، حدثنا أبو عامر العقدي، حدثنا سليمان بن بلال، عن عبد الله بن دينار، عن أبي هريرة به. ورواه ابن حبان في صحيحه (١٦٧) قال: أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي حدثنا أبو قدامة به. ورواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١٣٠٦) قال: أنا أحمد بن محمد بن غالب، قال: أنا عبيد الله بن محمد بن علي بن زياد النيسابوري، قال: نا عبد الله بن محمد شرويه، قال: نا عبيد الله بن سعيد به. ومن هذه الطريق رواه مسلم قال: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ -هو أبو قدامة- وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالَا حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ به لكن لفظه «بضع وسبعون» ٢. فالظاهر أنه لفظ عبد بن حميد فقد اجتمع ثلاثة عن أبي قدامة بلفظ «بضع وستون» ٣. ورواه البخاري: في صحيحه (٩) قال: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقَدِىُّ به بلفظ «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً». ٤. ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق ومعاليها (٣٠٧) قال: حدثنا أبو عبيد الله حماد بن الحسن بن عنبسة الوراق ثنا أبو عامر به بلفظ «بضع وستون». ٥. ورواه النسائي (٥٠١٩) قال: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ به بلفظ «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» ٦. ورواه ابن حبان (١٩٠) قال: أخبرنا حبان بن إسحاق بالبصرة قال: حدثنا الفضل بن يعقوب الرخامي قال: حدثنا أبو عامر العقدي به ولفظه «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًَا» ٧. ورواه ابن منده في الإيمان (١٤٤) قال: أخبرنا أبو عبدالله محمد بن سعيد بن إسحاق وأحمد بن محمد بن إبراهيم الوراق قالا أنبأ أحمد بن عصام بن عبد الجديد الحنفي ثنا أبو عامر العقدي به بلفظ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شعبةً»؛ والحاصل أنه جاء عن أبي عامر باللفظين: فرواه عبد بن حميد ومحمد بن عبد الله بن المبارك والرخامي وأحمد بن عصام عن أبي عامر بلفظ «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ»؛ ورواه أبو قدامة وعبد الله بن محمد وحماد بن الحسن عن أبي عامر بلفظ «بِضْعٌ وَسِتُّونَ». والرواية الأخرى لمسلم: رواها البيهقي بإسناده عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وعمرو بن زرارة الكلابي قالا: حدثنا جرير، عن سهيل بن أبي صالح، عن عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، عن أبي هريرة به. بلفظ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، أَوْ سَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَرْفَعُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ». قلت: وعن سهيل رواه جماعة منهم: ١. جرير رواه بالشك كما تقدم في رواية البيهقي وهو في صحيح مسلم (١٦٢) قال حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ به ولفظه: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ». ٢. ورواه حماد بن سلمة عن سهيل بدون شك عند أبي داود (٤٦٧٨) -ومن طريقه البيهقي في الشعب-، قال: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا حَمَّادٌ به بلفظ «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْعَظْمِ عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ». ورواه أحمد (٩٣٦١) قَالَ حَدَّثَنَا عَفَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ به بلفظ «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْعَظْمِ عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ» ٣. وتابعه سفيان الثوري عن سهيل عند أحمد (٩٧٤٨) قال: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ به بلفظ «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا فَأَدْنَاهُ إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ». ورواه الترمذي (٢٨٢٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ به بلفظ «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا فَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ». ورواه النسائي (٥٠٢٠) قال: أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ وحَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ به بلفظ: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ». ورواه ابن حبان (١٩١) قال أخبرنا الحسين بن بسطام بالأبلة قال: أخبرنا عمر بن علي قال: حدثنا حسين بن حفص قال: حدثنا سفيان الثوري به بلفظ «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق» لكن رواه ابن ماجه (٥٩) حَدَّثَنَا عَلِىُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِىُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ به بلفظ «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ أَوْ سَبْعُونَ بَابًا أَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَأَرْفَعُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ». قال ابن حبان: وَأَمَّا الشَّكُّ فِي أَحَدِ الْعَدَدَيْنِ فَهُوَ مِنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ فِي الْخَبَرِ كَذَلِكَ قَالَهُ مَعْمَرٌ عَنْ سُهَيْلٍ وَقَدْ رَوَاهُ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَرْفُوعًا وَقَالَ: "الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً» وَلَمْ يَشُكَّ ا. هـ وقال البيهقي نحوه ثم قال: وسليمان بن بلال قال: «بِضْعٌ وَسِتُّونَ». لم يشك فيه وروايته أصح عند أهل العلم بالحديث غير أن بعض الرواة عن سهيل رواه من غير شك -يعني رواية أبي داود المتقدمة- قال: «بِضْعٌ وسَبْعُونَ …» وهذا زائد فأخذ به صاحب كتاب "المنهاج" في تقسيم ذلك على سبعة وسبعين بابا بعد بيان صفة الإيمان وبالله التوفيق ا. هـ
[ ١ / ٣٠ ]
منزلة الإيمان:
وهذا الحديث المبارك، فيه جملة من الكلمات نقف عندها لبيانها.
أولها: قوله -ﷺ-: «الْإِيَمانُ». فالإيمان: لفظ شرعي، وقد جاء كثيرًا في كتاب الله وفي سنة رسول الله -ﷺ-.
والله -جل وعلا- نادى عباده وأوليائه في تسعة وثمانين موضعا من القرآن بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أولها في [سورة البقرة: ١٠٤] (^١)
وإذا تأملت كتاب الله وسنة رسول الله -ﷺ- تجد أن الله -﷾- رتَّب على هذا اللفظ أمورًا عظيمة:
فجعل الله -﷾- أهله هم أهل الفلاح، فقال -جل وعلا-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١].
وأخبر -جل وعلا- أنَّ الإيمان تُنالُ به أرفع الدرجات في الدنيا وأعلى المنازل في الآخرة. قال
_________________
(١) انظر: كتاب "نداء الرحمن لأهل الإيمان" للشيخ أبي بكر جابر الجزائري وكتاب "نداء رب العالمين لعباده المؤمنين" للشيخ محمد العرفج وكتاب "نداء المؤمنين في القرآن الكريم" للأستاذة رجاء أحمد.
[ ١ / ٣٢ ]
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٩]
والصديقون: هم أعلى الخلق درجة بعد درجة الأنبياء في الدنيا وفي منازل الآخرة.
وقال -ﷺ-: «إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ مِنَ الْأُفُقِ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ تِلْكَ مَنَازِلُ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ، قَالَ: «بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ، وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ» (^١).
والإيمان كما عليه أهل السنة والجماعة يزيد وينقص.
والإيمان له حلاوة في القلب إذا وجدها العبد أوجبت له الحياة الطيبة.
ومن أحبَّ الله ورسوله لهج بذكر الله؛ فإنَّ من أحب شيئًا أكثر من ذكره.
ومن أحبَّ الله ورسوله اجتهد في متابعة الرسول -ﷺ-، وقَدَّم متابعته على كل شيء.
معنى الإيمان:
والعلماء -﵏- قالوا في بيان حقيقة الإيمان: إن الإيمان: قول، وعمل، واعتقاد، يزيد وينقص. فهو قول باللسان، واعتقاد بالجنان -يعني بالقلب- وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بطاعة الرحمن وينقص بالعصيان.
وكان بعض علمائنا يقولون: الإيمان خمس نونات:
الأولى: اعتقاد بالجنان.
والثانية: نطق باللسان.
والثالثة: عمل بالجوارح والأركان.
والرابعة: يزيد بطاعة الرحمن.
والخامسة: وينقص بالعصيان.
فإذا عرفْتَ هذه الكلمات في تفسير الإيمان عرفْتَ أنه اسمٌ جامعٌ لشرائع الإسلام وأصول الإيمان وحقائق الإحسان. فالنبي -ﷺ- في هذا الحديث قال: «الْإِيَمانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ» أو قال: «بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً».
قَالَ أَبُو حَاتِم بن حبان -﵀-: أَشَارَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي هَذَا الْخَبَرِ إِلَى الشيء الذي هو فرض
_________________
(١) صحيح البخاري (٣٢٦٥) وصحيح مسلم (٢٨٣١) عَنْ أَبِي سعيد -﵁-.
[ ١ / ٣٣ ]
على المخاطبين في جَمِيعِ الْأَحْوَالِ فَجَعَلَهُ أَعْلَى الْإِيمَانِ ثُمَّ أَشَارَ إِلَى الشَّيْءِ الَّذِي هُوَ نَفْلٌ لِلْمُخَاطَبِينَ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ فَجَعَلَهُ أَدْنَى الْإِيمَانِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ فَرْضٌ عَلَى الْمُخَاطَبِينَ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَكُلَّ شَيْءٍ فَرْضٌ عَلَى بَعْضِ الْمُخَاطَبِينَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَكُلَّ شَيْءٍ هُوَ نَفْلٌ لِلْمُخَاطَبِينَ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ كُلُّهُ من الإيمان ا. هـ (^١)
فالأعمال الصالحة من الإيمان. الصلاة عمل صالح، وهي من الإيمان. والزكاة عمل صالح، وهي من شعب الإيمان. وكذا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبِرُّ الوالدين، وصلة الأرحام، وغير ذلك من الأعمال الطيبة المباركة التي حثَّ الإسلام عليها.
و«الإيمان» له أركان ثلاثة: القول، والعمل، والاعتقاد.
الاعتقاد من الإيمان:
وبيان ذلك أن الإنسان إذا لم يؤمن بقلبه لم يكن مؤمنًا.
ولذلك ذكر الله -جل وعلا- النفاق في القرآن، وبيَّنَ أن المنافقين نفاقًا أكبر هم أولئك الذين لا يؤمنون بالله ورسوله في باطنهم، ويُظهِرون إيمانًا ظاهرًا.
قال ربنا -﷾-: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١].
كانوا يُظهِرون الإسلام ويُبطِنون الكفر والطغيان، أسلَمَتْ ألسنتُهم، وكفرت بواطنُهم؛ فلم يقبل الله -جل وعلا- منهم إيمانًا. فدل هذا على أن اعتقاد القلب من الإيمان.
القول من الإيمان:
وكذلك نطق اللسان: فإن من صدَّق برسول الله -ﷺ- ثم امتنع عن النطق بالإسلام وبشهادة الإيمان فإنه لا يكون من المؤمنين. ولذلك قال البيهقي هنا: «بابٌ الدليل على أن التصديق بالقلب والإقرار باللسان أصل الإيمان وأن كليهما شرط في النقل عن الكفر عند عدم العجز ا. هـ
أبو طالب عم رسول الله -ﷺ-:
وتأمَّلُوا حال أبي طالب عمِّ رسول الله -ﷺ-؛ فإنه كان يعلم صدق ابن أخيه نبينا
_________________
(١) صحيح البخاري (٣٢٦٥) وصحيح مسلم (٢٨٣١) عَنْ أَبِي سعيد -﵁-.
[ ١ / ٣٤ ]
محمد بن عبد الله -ﷺ-، وكان يقول فيما ذكروا عنه:
وَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَرَفْتُ بِأَنَّهُ … مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينًا
لَوْلَا المَلَامَةُ أَوْ حِذَارِي سُبَّةً … لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا لِذَاكَ مُبِينًا (^١)
فكان يعلم صدق رسول الله -﵊- بل كان يناصره ويدفع الأذى عنه؛ ولذلك حرص النبي -ﷺ- على إسلامه فكان يقول له - حين حضرته الوفاة-: «يا عم، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ». فَقَالَ له أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ -ﷺ- يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أَمَا وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فَأَنْزَلَ اللهُ -جل وعلا-: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ [التوبة: ١١٣]، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ -ﷺ-: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦] (^٢)
ومما قاله أبوطالب أيضا: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ، يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦] (^٣)، يعني لولا أن تعيرني قريش بذلك لقلتها من أجلك.
وهذا من سوء طويته. فإنه ينبغي أن يُذعِن الإنسان بشهادة أن لا إله إلا لله قولًا بلسانه واعتقادًا بجنانه يريد بذلك وجه الله -﷾- لا إرضاءً لأحد من الناس.
ولما أبى أبو طالب أن ينطق بلا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله -ﷺ-، كان من المشركين؛ ونزلت فيه الآية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ [القصص: ٥٦]. ونُهِي النبيُّ -ﷺ- أن يستغفر له فنزل قول
_________________
(١) "سيرة ابن إسحاق" (١٥٥)، وللبيتين روايات أخرى.
(٢) صحيح البخاري (٣٨٨٤، ٤٧٧٢) وصحيح مسلم (٢٤) من حديث المسيب بن حزن -﵁-.
(٣) رواه مسلم (٢٥) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ١ / ٣٥ ]
الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة: ١١٣] كما تقدم.
العمل من الإيمان:
وهكذا أيها المسلم، كل من يقول لا إله إلا الله ويعتقد الإيمان، ولكنه لا يعمل الأعمال الصالحات، فيعرض عنها. فاعلم أن تركه الأعمال الصالحة جرمٌ عظيمٌ.
من ترك الصلاة كفر:
فمن الأعمال ما تركه كفر مخرج من الملة كما جاء في الصلاة؛ فقد قال -﵊-: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةَ؛ فَمَنْ تَركَهَا فَقَدْ كَفَرَ» (^١) وفي رواية: «… مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ» (^٢) وقال -﵊-: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» (^٣). فإذا كان بعض الناس يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله ثم يعمد إلى الصلاة فلا يصليها البتة لا في بيته ولا منفردا ولا يحضر جمعة ولا جماعة ويستمر على ذلك دهره حتى يموت فهذا قد قال فيه -﵊-: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ».
ومن الأعمال ما تركه من الفسوق، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله.
والمقصود من هذا أنَّ الإيمان أركان ثلاثة: قول، وعمل، واعتقاد.
فمن الأعمال: ما هو عمل يرجع إلى الاعتقاد.
ومن الأعمال: ما هو عمل يرجع إلى اللسان.
ومن الأعمال: ما هو عمل يرجع إلى الجوارح والأركان.
وقد أشار إليها نبيُّنا -ﷺ- في هذا الحديث كما سيأتي معنا.
فلا بُدَّ على المسلم أن يتعرف على حقيقة الإيمان بالله -جل وعلا-، وأن يعلم أنَّ الإيمان له شُعَبٌ، وأنَّ الإيمان له حلاوةٌ، وأنَّ الإيمان له طعمٌ، كما في الحديث «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٦٢١)، والنسائي (٤٦٣)، وابن ماجه (١٠٧٩)، من حديث بريدة بن الحُصَيْبِ -﵁-.
(٢) أخرجه ابن حبَّان (١٤٦٣) وصححه الألباني في التعليقات الحسان.
(٣) أخرجه مسلم (٨٢) من حديث جابر -﵁-.
[ ١ / ٣٦ ]
مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا» (^١).
معنى كلمة بِضْع:
ثم قال -﵊-: «بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» أو قال: «بِضْعٌ وَسِتُّونَ». قال العلماء «بِضْعٌ»: كلمة تدُلُّ على عدد مبهم، وهذا العدد مقيَّدٌ بما بين الثلاثة والتسعة، وهنا قال -﵊-: «الْإِيَمانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً» أي: إنه يتفرع إلى هذه الشعب.
معنى كلمة شُعْبَة:
وكلمة «شعبة» قال العلماء: معناها: خَصلة، يعني: أنَّ الإيمان ذو خصال متعددة. وجاء في بعض الروايات: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا» (^٢) أي: بضع وسبعون نوعًا. وهذا يدعو المسلم إلى أن يتعرف على شعب الإيمان.
قوله -ﷺ- سَبْعُونَ شُعْبَة:
وهذه السبعون قال العلماء: أراد بها النبي -ﷺ- الإشارة إلى التكثير، وأن الأعمال الصالحة كثيرة، وأنها ربما تبلغ إلى نحو بضع وسبعين شعبة. فإن قال قائل: هل يلزمنا أن نبحث عن معدوداتها؟، وأن ننظر في هذه المعدودات حتى نتأملها؟
فالجواب: أنَّ النبي -ﷺ- لم يأمرنا بالبحث عنها وتعدادها، وإنما أشار -ﷺ- إلى أنها ذاتُ عدد، وأنها كثيرة، وأنَّ المسلم عليه أن يعمل الأعمال الصالحات التي تقربه إلى الله -جل وعلا-. فالمقصود هو أنَّ الأعمال الصالحة تُسمَّى إيمانًا، فالصلاة إيمان، والزكاة إيمان، والحجُّ إيمان، وهكذا سيأتي معنا بيان شيء من الأعمال الصالحة التي هي من شعب الإيمان. ومع ذلك فإنَّ النبي -ﷺ- قد دلَّنا على شيء من هذه الشعب فقال: «فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ».
منزلة التوحيد:
وأفضل تلك الشعب قدرًا، ودرجةً عند الله، قول لا إله إلا الله، وهي كلمة التوحيد، يعني: كلمة لا إله إلا الله ومعها كلمة أشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله -ﷺ-؛ فهما صنوان لا
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٤)، والترمذي (٢٦٢٣) من حديث العباس بن عبد المطلب -﵁-، ولفظ الترمذي: «ومحمَّدٍ نبيًّا» وقال: "هذا حديث حسن صحيح".
(٢) الترمذي (٢٦١٤).
[ ١ / ٣٧ ]
يفترقان. فكلمة التوحيد أفضل أنواع الإيمان، كما أنَّ الإيمان أفضل أنواع العمل، كما في حديث أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- سُئِلَ: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» (^١). فأفضل شعب الإيمان: قول لا إله إلا الله.
وهنا نأتي إلى مسألة ننبِّه عليها، وهي: أنه يجب على المسلم أن يعتني بإيمانه وتوحيده، وأن يعتني بمعرفة التوحيد ومعناه وما يضاده وما يكون سببًا في ضعفه ونقصه؛ فإنَّ النبي -ﷺ- بَيَّنَ أنَّ أعلى شعب الإيمان قدرًا وأرفعَها درجةً هو توحيد الله -جل وعلا-. ولا يدخل الإنسان في هذا الدين، ويكون من المؤمنين ومن المسلمين إلَّا أن يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله.
وقد جاء القرآن مبيِّنًا وموضِّحًا أنَّ من مات على التوحيد فهو الناجي وهو الفائز، وأنَّ من مات على غيره فهو من الهالكين، قال ربنا -جل وعلا-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (٦)﴾ [البينة: ٦].
فحتى لو كانوا من أهل الكتاب الذين آمنوا بما آمنوا به وبكتابهم لكنهم سمعوا برسول الله -ﷺ- خاتم الأنبياء والمرسلين، ولم يؤمنوا بدعوته، فإنهم من أصحاب النار، بل قال الله -جل وعلا-: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾. فنسأل الله السلامة والعافية.
وبعض الناس اليوم يجادل فيقول: هؤلاء أهل كتاب، ولا ينبغي أن يقال: إنهم من أهل النار!. والقرآنُ والسنة يردَّان عليه، بل وإجماع علماء الأمة، ولكنه الجهل بدين الله، -نعوذ بالله من الضَّلال-. وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -ﷺ- عَنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» (^٢)
قال العلامة الألباني -﵀-: «يَسْمَعُ بِي»؛ أي: على حقيقته -ﷺ- بشرًا رسولًا نبيًا فمن سمع به على غير ما كان عليه -ﷺ- من الهدى والنور ومحاسن الأخلاق؛ بسبب بعض جهلة المسلمين؛ أو دعاة الضلالة من المنصرين والملحدين؛ الذين يصورونه لشعوبهم
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٦)، ومسلم (٨٣).
(٢) صحيح مسلم (١٥٣)، تفرد به عن أصحاب الكتب الستة كما في تحفة الأشراف (١٥٤٧٤).
[ ١ / ٣٨ ]
على غير حقيقته -ﷺ- المعروفة عنه؛ فأمثال هؤلاء الشعوب لم يسمعوا به، ولم تبلغهم الدعوة، فلا يشملهم الوعيد المذكور في الحديث ا. هـ (^١)
قوله -ﷺ-: «وأدناها» وفضلُ إماطةِ الأذى عن الطريق:
قال: «وَأَدْنَاهَا» أدنى شعب الإيمان يعني أقرب هذه الشعب. فالدنو بمعنى: القرب، «إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ»، فهذا من الإيمان؛ وهو من أعظم الأسباب السهلة اليسيرة التي تكون سببًا في دخول الجنة، كما قال النبيُّ -﵊-: «لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الجَنَّةِ؛ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤذِي النَّاسَ» (^٢).
منزلة الحياء من الدين:
قال -ﷺ-: «وَالحَيَاءُ شَعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ».
والحياء كما قال العلماء: مأخوذ من الحياة. قال أهل اللغة: الاستحياء من الحياة واستحيى الرجل من قوة الحياة فيه لشدة علمه بمواقع الغيب.
وقال بعض أهل العلم: الحياء حالة تتولد من رؤية الآلاء ورؤية التقصير (^٣).
وقال بعضهم: الحياء خُلُقٌ يبعث على اجتناب كلِّ ما هو قبيح، ويبعث على مراقبة الله -جل وعلا-. (^٤)
وإذا تأملنا هذا الحديث رأينا أنَّ النبي -ﷺ- أشار إلى أركان الإيمان: القول، والعمل، والاعتقاد. فالحياء من شعب الإيمان القَلْبِيَّة. وقول: «لا إله إلا الله» من شُعَب الإيمان التي تُقال باللسان. وإماطةُ الأذى عن الطريق من شعب الإيمان التي تُعمَل بالجوارح.
ولذلك فالإيمانُ: قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالجوارح والأركان، يزيد بطاعة الرحمن وينقص بالعصيان.
_________________
(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (٧/ ٢٥١)
(٢) أخرجه مسلم (١٩١٤) من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٣) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (١٠/ ١٨٠ ط الرشد) عن الجنيد قوله.
(٤) ينظر: «صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح» (ص ١٩٨)، و«رياض الصالحين للنووي ت الفحل» (ص ٢٢٠)
[ ١ / ٣٩ ]
المجلس الثاني (^١)
بيان حقيقة الإيمان
تقدم ذكر حقيقة الإيمان بالله -﷾- وأنه خمس كلمات. وأن العلماء -﵏- يقولون: الإيمان قول، وعمل، واعتقاد، يزيد وينقص. فهو قول باللسان، واعتقاد بالقلب والجنان، وعمل بالجوارح والأركان، ويزيد بطاعة الرحمن وينقص بالعصيان.
ونزيد الأمر إيضاحًا في هذا المجلس بإذن الله-تعالى-بالحديث عن هذه الأبواب الخمسة التي ذكرناها في تفسير الإيمان.
قول القلب وعمله:
أما الأمر الأول وهو أن الإيمان اعتقاد بالجنان أو اعتقاد بالقلب، فتأملوا قولَ الله -﷾-: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ في قوله -جل وعلا-: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤]
إذا تأملتَ هذه عرفتَ أن الآية تدل على أن إيمان القلب ركن لا بد منه في الإيمان، ولا بُدَّ من العناية بأعمال القلوب كالخوف، والخشية، والرجاء، والإيمان بالله، وملائكته، ورسله، واليوم الآخر؛ فاعتقاد هذه الأمور أمرٌ لا يتم إيمان المرء إلا به.
ثم تأمل -حفظك الله- قولَ الله -﷾-: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧]. تأمل قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ لتعلم أنه لا يصح الإيمان إلا بإيمان القلب، وأن إيمان القلب إذا وُجِدَ سَرَى ذلك إلى الجوارح ولا بُدّ. لأنَّ إيمان القلب ليس مجردَ العلم والمعرفة والتصديق بالله -جل وعلا- والتصديق بخبر النبي -ﷺ- وإنما هو إيمانٌ يقود صاحبه إلى الانقياد، والاستسلام، والخضوع، والإخلاص،
_________________
(١) كان في يوم الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر شعبان ١٤٤١ هـ.
[ ١ / ٤٠ ]
وغير ذلك مما يدخل تحت عمل القلب.
ولهذا نحن في هذه الأيام نعرف كثيرًا من اليهود أو النصارى ممن يُصرِّح بصدق النبي -ﷺ- وبأن الحلَّ في الإسلام، وبأنَّ الخير مع المسلمين، ونجد من الناس من يُصرِّح أنَّ الإسلام دين حق، ومع ذلك هو باقٍ على كفره، مما يدل على أنَّ مجرَّدَ المعرفةِ واعتقادِ أنَّ هذا حقٌّ ليس بكافٍ في تحقيق الإسلام والدين.
وقد جاء في الصحيح أنَّ يهوديًا جاء إلى النبي -ﷺ- فَقَالَ له: جِئْتُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «أيَنْفَعُكَ شيءٌ إنْ حَدَّثْتُكَ؟» (يعني: هل تؤمن؟) فَقَالَ: أَسْمَعُ بِأُذُنَيَّ، (يعني: لا ألتزم المتابعة، وإنما أسمع بأذني وأنظر فيما أسمع، وسيأتي أنه سيقر بصدق نبينا -ﷺ- لكنه لا يلتزم الإيمان به ومتابعته، وهذا دليل على أن مُجرَّدَ التصديق من غير التزام الشريعة، ولا دخول فيها لا ينفع؛ إذ لم يحكم له بالإسلام) فنكت رسول الله -ﷺ- بعود معه، فَقَالَ: «سَلْ» (وهذا من سعة أخلاقه وحلمه -ﷺ-، فسألَ النبيَّ -ﷺ- خمسة أسئلة، فأجابه عنها، فلما انتهى قال اليهودي لرسول الله -ﷺ-: صدقت وإنك لنبي ثم انصرف (^١). فأقرَّ بأنه نبيٌّ لكنه لم يؤمن بهذا، ولم يشهد أنه لا إله إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله وخاتمُ النبيين بعثه الله إلى الناس كافة.
فدلَّ هذا على أنَّ مجرد المعرفة والتصديق في القلب ليست كافية، بل المقصود بإيمان القلب: ذلك الإيمانُ الذي يقود إلى الانقياد، والاستسلام، والخضوع، والإخلاص.
يقول شيخ الإسلام -﵀-: «إنَّ الإيمان أصلُه الإيمانُ الذي في القلب، ولا بُدَّ فيه من شيئين: تصديق بالقلب، وإقراره ومعرفته ويقال لهذا: قول القلب. قال الجنيد بن محمد: «التوحيد: قول القلب، والتوكل: عمل القلب» (^٢)، فلا بُدَّ فيه من قول القلب، وعمله، ثم قول البدن وعمله، ولا بُدَّ فيه من عمل القلب، مثل حبِّ الله ورسوله، وخشية الله، وحبِّ ما يحبُّه الله ورسوله، وبُغضِ ما يبغضه الله ورسوله، وإخلاصِ العمل لله وحده، وتوكُّلِ القلب على الله وحده، وغير ذلك من أعمال القلوب التي أوجبها الله
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣١٥) من حديث ثوبان -﵁-.
(٢) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (١٠/ ٢٥٦) بلفظ: قال: " … وَإِنَّمَا الْيَقِينُ اسْمٌ لِلتَّوْحِيدِ إِذَا تَمَّ وَخَلُصَ، وَإِنَّ التَّوْحِيدَ إِذَا تَمَّ تَمَّتِ الْمَحَبَّةُ وَالتَّوَكُّلُ وَسُمِّيَ يَقِينًا، فَالتَّوَكُّلُ عَمَلُ الْقَلْبِ، وَالتَّوْحِيدُ قَوْلُ الْعَبْدِ (كذا)، فَإِذَا عَرَفَ الْقَلْبُ التَّوْحِيدَ وَفَعَلَ مَا عَرَفَ فَقَدْ تَمَّ" … إلخ
[ ١ / ٤١ ]
ورسوله، وجعلها من الإيمان. ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سَرَى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عمَّا يريده القلب؛ ولهذا قال النبيُّ -ﷺ- في الحديث الصحيح: «أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ» (^١). وقال أبو هريرة -﵁-: «القلب مَلِكٌ والأعضاء جنوده، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خَبُثَ الملك خبثت جنوده» (^٢)، وقولُ أبي هريرة تقريبٌ، وقولُ النبي -ﷺ- أحسنُ بيانًا؛ فإنَّ الملك وإن كان صالحًا فالجند لهم اختيار، قد يعصُون به ملكهم وبالعكس، فيكون فيهم صلاح مع فساده، أو فساد مع صلاحه، بخلاف القلب؛ فإنَّ الجسد تابع له لا يخرج عن إرادته قط، كما قال النبي -ﷺ-: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ لَهَا سَائِرُ الجَسَدِ». فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملًا قلبيًّا، لزم ضرورةً صلاحُ الجسد بالقول الظاهر، والعملُ بالإيمان المطلق» (^٣). فهذا أمر مهم.
ويقول الإمام محمد بن نصر المروزي -﵀-: «أصل الإيمان هو التصديق بالله، وما جاء من عنده، وإياه أراد النبي -ﷺ- بقوله: «الإِيمانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ» (^٤) وعنه يكون الخضوع لله؛ لأنه إذا صدَّق بالله خضع له، وإذا خضع أطاع» (^٥)
وقال الإمام أحمد -﵀-: «وَأَمَّا مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِيمَانَ الْإِقْرَارُ، فَمَا يَقُولُ فِي الْمَعْرِفَةِ؟ هَلْ يَحْتَاجُ إِلَى الْمَعْرِفَةِ مَعَ الْإِقْرَارِ؟ وَهَلْ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَكُونَ مُصَدِّقًا بِمَا أَقَرَّ؟» (^٦).
إلى غير ذلك من كلام العلماء الذي يدل على أن قولَ القلب وعملَه المقصودُ به الإيمان الجازم الذي يقود إلى العمل، إلى عمل الجوارح وإلى تصديق الجوارح.
_________________
(١) هذا اللفظ رواه البزار في مسنده (٣٢٧٦) من طريق مجالد عن الشعبي عن النعمان بن بشير -﵄-، ومجالد ليس بالقوي والحديث في صحيح البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) من طريق أخرى عن الشعبي بنحوه.
(٢) رواه بنحوه معمر في جامعه (١١/ ٢٢١) رقم (٢٠٣٧٥) ومن طريقه البيهقي في الشعب (١٠٨). وسنده حسن وروي مرفوعا بسند ضعيف انظر: السلسلة الضعيفة (٤٠٧٤).
(٣) كتاب الإيمان (ص ١٤٩)
(٤) أخرجه البخاري (٥٠) ومسلم (٩) من حديث أبي هريرة -﵁- ومسلم (١) من حديث عمر -﵁- وهو حديث جبريل المشهور.
(٥) تعظيم قدر الصلاة، (٢/ ٦٩٦).
(٦) السنة لأبي بكر بن الخلال (٤/ ٢٤) وانظر: مجموع الفتاوى، (٧/ ٣٩٣).
[ ١ / ٤٢ ]
وتأملوا قول الله -﷾- في الكافرين إذ قال -جل وعلا-: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]
وفي قوله تعالى في قوم آل فرعون: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]
فإنَّ ذلك يدل على أن معرفة القلب لا تنفع حتى يكون مع ذلك إيمان بالله، وتصديق بوعده، وإيمان برسوله -ﷺ- وعمل بشريعته.
ولذلك فإنَّ الكفار والمنافقين غالبًا ما يُقرِّون بالربوبيَّة، ويُقرِّون بالرسالة، ولكنَّ الكِبْرَ، والبُغضَ، وحُبَّ الرياسة، وحُبَّ الشهوات يصُدُّهم عن الطاعة، وعن الإخلاص، وعن المتابعة، وعن الإيمان بالله -جل وعلا- وتوحيدِه. فهذا يوضح لك -أخي في الله- ما يتعلق بالأمر الأول، وهو اعتقاد القلب، وأنه لا بُدَّ منه.
قول اللسان:
أما الأمر الثاني وهو قول اللسان أو الإقرار باللسان فإن العلماء قد ذكروا أن قول اللسان جزء من مسمَّى الإيمان، وركن من أركانه. والمقصودُ بقول اللسان: الأعمالُ التي تُؤَدَّى باللسان، كالشهادتين، والذكر وتلاوة القرآن، والصدق، والنصيحة، والدعاء، وغير ذلك مما لا يُؤَدَّى إلا باللسان، وهي أعمال صالحة كثيرة، منها: ما هو واجب، ومنها: ما هو مستحب، ومنها: ما هو شرط لصحة الإيمان.
تأمل قول الله -جل وعلا- في كتابه الكريم: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة] ثم قال بعد ذلك: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ [البقرة].
ففي هذه الآية يأمرنا الله -جل وعلا- أن نقول: ﴿آمَنَّا﴾ ثم يقول بعد ذلك: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ فأمرنا أن نقول: آمنَّا بهذا كله ونحن له مسلمون.
قال شيخ الإسلام -﵀-: «أخبر أنهم إن تولوا عن الإيمان ﴿بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ المتضمن قولكم: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ﴿فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ أي: مشاقون لله
[ ١ / ٤٣ ]
ورسوله» (^١).
فسمَّى الله -جل وعلا- قولهم مثل ذلك إيمانًا؛ لأنه قال: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ فالله أمر المؤمنين بالقول.
ثم تأمل قول الله -﷾-: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥]
هذه الآية في قوم نطقوا بالإيمان بألسنتهم، لكنهم أتوا به في غير وقته، فلم ينفعهم انتقالهم من الكفر إلى الإيمان؛ لأنهم قالوا ذلك لما رأوا بأس الله وعذابه.
وقد جاء في الصحيحين قول النبي -ﷺ-: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» (^٢) الحديث. فهذا بيان أنه لا بُدَّ في الإيمان من قول اللسان؛ فالحديث أصل في دخول الأعمال والأقوال في مسمَّى الإيمان.
وكما هو معروف من قصة أسامة بن زيد -﵄- حِبِّ رسول الله -ﷺ- وابن حبِّه- لما بعثه رسول الله -ﷺ- إلى الحرقة من جهينة، قال أسامة: فصبَّحْنا القوم، فهزمناهم، ولحقت أنا ورجلٌ من الأنصار رجلًا منهم، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فكفَّ عنه الأنصاري، وطعنته برمحي حتى قتلته، قال: فلما قدمنا بلغ ذلك النبي -ﷺ- فقال لي: «يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: قلتُ: يا رسول الله، إنما كان مُتَعَوِّذًا، قال: فقال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟» قال: فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمتُ قبل ذلك اليوم (^٣).
وعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ -﵁-، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَّارِ فَقَاتَلَنِي، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ، أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللهِ، بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ: رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا تَقْتُلْهُ» قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا، أَفَأَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «لَا
_________________
(١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٣/ ٧٧)
(٢) أخرجه البخاري (١٣٩٩)، مسلم (٢٠) من حديث أبي هريرة -﵁-. والبخاري (٢٥) ومسلم (٢٢) من حديث ابن عمر -﵁-. والبخاري (٣٩٢) عن أنس -﵁-. وهو بلفظ: «… حَتَّى يَشْهَدُوا …».
(٣) البخاري (٤٢٦٩، ٦٨٧٢)، مسلم (٩٦) من حديث أسامة -﵁-.
[ ١ / ٤٤ ]
تَقْتُلْهُ فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ» (^١) أي «لَا تَقْتُلْهُ» فإنه معصومُ الدم، مُحَرَّمٌ قتله بعد قوله: (لا إله إلا الله)، كما كنت أنت قبل أن تقتله، وإنك بعد قتله غير معصوم الدم، كما كان هو قبل قوله: (لا إله إلا الله)، لولا عُذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك. (^٢)
الشهادتان أصل قول اللسان:
ومما يجب معرفته ها هنا أنَّ الشهادتين أصلُ قولِ اللسانِ، ولا بُدَّ منهما لصحة الإيمان كما جاء في الحديث السابق. وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يؤمن بالشهادتين فهو كافر، فلا بُدَّ من النطق بالشهادتين مع القدرة، وإلا فإنه لا يكون من المسلمين. وهذا يدل على أنَّ قول اللسان من الإيمان.
قال الإمام ابن أبي العز -﵀- في شرح حديث شعب الإيمان: «هذه الشعب، منها ما يزول الإيمان بزوالها إجماعًا، كشعبة الشهادة، ومنها ما لا يزول بزوالها، كترك إماطة الأذى عن الطريق» (^٣).
وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: «من ترك الشهادتين خرج من الإسلام» (^٤).
فلا بُدَّ من النطق بالشهادتين، وهذا مما يدخل في قول العلماء -﵏- تعالى: الإيمانُ اعتقاد بالقلب، وقول باللسان … إلخ
والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة ومنها: قوله -﵊-: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ-أَوْ يَقِينًا مْنِ قَلْبِهِ-دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَلَمْ تَمَسَّهُ النَّارَ» (^٥).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ،
_________________
(١) البخاري (٤٠١٩)، مسلم (٩٥)
(٢) انظر: "شرح مسلم" للنوويّ (٢/ ١٠٦).
(٣) شرح الطحاوية، (٢/ ٤٧٦).
(٤) جامع العلوم والحكم، (١/ ١٠١).
(٥) رواه أحمد في المسند (٣٦/ ٣٨١/ ٢٢٠٦٠) من حديث جابر -﵁-. وصححه ابن حبان (٢٠٠).
[ ١ / ٤٥ ]
مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ» (^١)
وفي حديث آخر: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ صَادِقًا بِهَا دَخَلَ الجَنَّةَ» (^٢).
وفي حديث آخر: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (^٣).
وفي صحيح مسلم أنَّ النبي -ﷺ- قال لأبي هريرة -﵁-: «فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ، فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ» (^٤).
وهذا يدلنا على ماذا؟
يدل على أنه لا بُدَّ من أن يجتمع قول اللسان مع اعتقاد القلب؛ ولهذا من قال: «لا إله إلا الله» فلا بُدَّ أن يُحِّققَ فيها قولُ اللسان قولَ القلب واعتقادَ القلب؛ فإنَّ النبي -ﷺ- قال في هذه الأحاديث: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ صَادِقًا». «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ خَالِصًا» و«غَيْرَ شَاكٍّ» أو «مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ». وهذه من شروط لا إله إلا الله،
وسيأتي الحديث عنها في مجلس بعد ذلك إن شاء الله تعالى.
يقول الحافظ ابن رجب -﵀-: فأما من دخل النار من أهل الكلمة، فلِقِلَّة صدقه في قولها، فإن هذه الكلمة إذا صدقت في قولها طهَّرت القلب من كل ما سوى الله، ومتى بقي في القلب أثر لما سوى الله، فمن قلة صدقه في قولها. من صَدَق في قوله: لا إله إلا الله، لم يحبّ سواه، ولم يرج إلا إياه، ولم يخش أحدًا إلا الله، ولم يتوكل إلا عَلَى الله، ولم يبق له بقية من آثار نفسه وهواه. ومع هذا فلا تظنوا أن المراد أن المحب مطالب بالعصمة، وإنَّما هو مطالب كلما زَلَّ أن يتلافى تلك الوصمة ا. هـ (^٥)
_________________
(١) أخرجه البخاري (٩٩)
(٢) أخرجه أحمد (١٩٦٨٩). من حديث أبي موسى -﵁-.
(٣) أخرجه مسلم (٢٧). من حديث أبي هريرة -﵁-.
(٤) صحيح مسلم (٣١).
(٥) كلمة الإخلاص وتحقيق معناها (ص: ٤٥).
[ ١ / ٤٦ ]
عمل الجوارح:
ثم ننتقل إلى الأمر الثالث، وهو عمل بالجوارح والأركان. فمن أركان الإيمان أيضًا أنَّ العمل من الإيمان. فأعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان، ومن أدلة ذلك -والأدلة كثيرة-: قولُ الله -﷾-: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]
قال العلماء: معنى الإيمان في هذه الآية: الصلاة؛ فالمعنى: وما كان الله ليضيع صلاتكم. وسبب نزول هذه الآية كما في سنن أبي داود وغيره عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، قَالَ: «لَمَّا تَوَجَّهَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى الْكَعْبَةِ» قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: فَكَيْفَ الَّذِينَ مَاتُوا، وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^١) يعني: صلاتكم.
قال الإمام الحليمي -﵀-: «أجمع المفسرون على أنه أراد صلاتكم إلى بيت المقدس؛ فثبت أن الصلاة إيمان، وإذا ثبت ذلك، فكلُّ طاعة إيمان؛ إذ لم أعلم فارقًا فرَّق في هذه التسمية بين الصلاة وسائر الطاعات» (^٢).
والعلماء يؤكدون على هذا المعنى جدًّا. أتدرون لماذا؟
لأنه ظهر في القرن الأول بدعة الإرجاء، وهذه البدعة التي ظهرت في زمن التابعين وذهب أهلها مذاهب شتى، يجمعهم أنهم يقولون أنَّ العمل ليس من الإيمان، وأنه يكفي أن تقول: «لا إله إلا الله» فتكون مؤمنًا كامل الإيمان.
ومن مقالاتهم: أن الإيمان لا يتفاضل فلا يزيد ولا ينقص.
فحينها اعتنى علماء أهل السنة ببيان الحق في هذه المسألة ورعايته، وتعلمه، وتفهمه للردِّ على كلِّ من يرى أو يعتقد أنه لا حاجة إلى العمل.
إن الله -جل وعلا- يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤]
_________________
(١) سنن أبي داود (٤٦٨٠). جامع الترمذي (٣٢٠٢)
(٢) المنهاج في شعب الإيمان، (١/ ٣٧).
[ ١ / ٤٧ ]
قال الإمام البيهقي -﵀-: فأخبر أن المؤمنين هم الذين جمعوا هذه الأعمال فدل ذلك على أنها من جوامع الإيمان. قال الحليمي -رحمه الله تعالى-: إذا ثبت أن المؤمنين الموصوفين في هذه الآية إنما استوجبوا اسم المؤمنين حقا لمكان الأعمال التي وصفهم الله تعالى بها، ولم تكن الأعمال المتعبد بها هذه وحدها صح أن المراد بذكرها: هي وما في معناها من الأعمال المفروضة أو المندوب إليها "فالصلاة" إشارة إلى الطاعات التي تقام بالأبدان خاصة و"الإنفاق مما رزق الله" إشارة إلى الطاعات التي تقام بالأموال و"وجل القلب" إشارة الاستقامة من كل وجه ويدخل فيها إقامة الطاعات والانزجار عن المعاصي. قال: والآية فيمن إذا ذكر الله وجِل قلبُه وليس ارتكاب المعاصي ومخالفة الأوامر من أمارات الوجل، والآية فيمن إذا تليت عليه آيات الله زادته إيمانا، وليس التخلف عن الفرائض والقعود عن الواجبات اللوازم من زيادة الإيمان بسبيل، فصح أن الذين نفينا أن يكونوا مؤمنين حقا وأوجبنا أن يكونوا ناقصي الإيمان غير داخلين في الآية. ا. هـ (^١)
ومثل ذلك قول الله -﷾-: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]
وغير ذلك من الآيات التي تدل على أن العمل من الإيمان، وأنه لا بُدَّ من العمل.
وتأملوا قصة وفد عبد القيس الذين جاءوا إلى النبي -ﷺ- فقال لهم النبي -﵊-: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: آمُرُكُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَتُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ» (^٢). ففسَّر لهم النبي -ﷺ- الإيمان بهذه الأعمال الظاهرة والباطنة؛ فدلَّ ذلك على أن هذا من الإيمان.
وكذا قال النبي -ﷺ-: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (^٣).
والمعنى أن من ارتكب الكبائر، وترك الواجبات فإنه ينتفي عنه اسم الإيمان الواجب، فيكون مسلمًا لكنه ناقص الإيمان؛ فدلَّ ذلك على أن العمل من الإيمان.
_________________
(١) «شعب الإيمان» (١/ ١٠٠ ط الرشد)
(٢) أخرجه البخاري (٧٢٦٦)، ومسلم (١٧) من حديث ابن عباس -﵄-.
(٣) أخرجه البخاري (٢٤٧٥)، ومسلم (٥٧) عن أبي هريرة -﵁-. والبخاري (٦٧٨٢) عن ابن عباس -﵄-.
[ ١ / ٤٨ ]
وقد تقدم معنا حديثُ شُعَبِ الإيمانِ وقولُ النبي -ﷺ- عنها: «أَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ» (^١)
فقد جعل النبي -ﷺ- هذا العمل من الإيمان، فدلَّ ذلك على: أنَّ الطاعات -وهي أعمال الجوارح- تدخل في مسمَّى الإيمان، وأنَّ الإخلال والتقصير بأداء الطاعات يضُرُّ بالإيمان.
زيادة الإيمان ونقصانه:
إذا عرفنا ذلك عرفنا أنَّ الإيمان يزيد وينقص. يزيد بطاعة الله -جل وعلا- وينقص بعصيانه. والناس والمؤمنون يشاهدون ذلك ويرونه من أنفسهم.
وقد أشار -جل وعلا- إلى هذا وبيَّنه في كتابه الكريم، فقال -﷾-: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] فالآية صريحة في أنَّ الإيمان يزيد.
وقال -جل وعلا-: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢]
وقال -جل وعلا-: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]
إلى غير ذلك من الأدلة التي تدل على زيادة الإيمان.
وكلُّ شيء قَبِلَ الزيادة فهو قابل للنقصان.
وقال النبي -ﷺ- في حديث النهي عن المنكر: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» (^٢)
فهناك مؤمن قوي، وهناك مؤمن ضعيف، كما أخبر النبي -ﷺ-.
وقد جاء في الحديث: «أَكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا» (^٣).
فدَلَّ هذا على أن المؤمنين أيضًا يتفاوتون في الإيمان؛ وبعضهم يكون أكمل إيمانًا
_________________
(١) تقدم تخريجه في المجلس الأول.
(٢) مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٦٨٢) والترمذي (١١٩٦) من حديث أبي هريرة -﵁-. وصححه الألباني في الصحيحة (٢٨٤) وحسنه شيخنا الوادعي في الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين (٣٠٧).
[ ١ / ٤٩ ]
من بعض، وعلى هذا جرى عملُ السلف واعتقادُ الصحابة ومن تَبِعَهم بإحسان.
وجاء عن معاذ بن جبل -﵁- أنه كان يقول لبعض أصحابه: «اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً» (^١).
وفي المسند عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-، قَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ -﵁- إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ، يَقُولُ: تَعَالَ نُؤْمِنْ بِرَبِّنَا سَاعَةً …» الحديث (^٢).
قال العلماء: وهذا واضح الدلالة على أنَّ الإيمان يزيد، وأن المعنى: تعالوا نجلس نتذاكر؛ لنزداد إيمانًا.
وكان ابن مسعود -﵁- يقول: «اللَّهُمَّ زِدْنَا إِيمَانًا وَيَقِينًا وَفِقْهًا» (^٣).
وأُثِرَ عن كثير من السلف أنهم قالوا: الإيمان يزيد وينقص.
قال شيخ الإسلام -﵀-: «وقد ثبت لفظ الزيادة والنقصان منه عن الصحابة -﵃-، ولم يُعرَف فيه مخالِفٌ من الصحابة» (^٤).
ونختم مجلسنا هذا بكلمة عن الإيمان وردت عن الإمام البخاري -﵀- تدل على رعاية العلماء وعنايتهم بأمر الإيمان وتعريفه.
يقول -﵀-: «لقيت أكثر من ألف رجل من العلماء بالأمصار فما رأيت أحدًا يختلف في أن الإيمان قول وعمل، ويزيد وينقص» (^٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم قبل حديث (٨)، وأخرجه موصولًا ابن أبي شيبة في المصنف (٣٥٨٤٣)، وأبو عبيد القاسم بن سلام في الإيمان (٢٠) وابن بطة في الإبانة الكبرى (١١٣٥). والبيهقي في "الشعب " (٤٤) وسنده صحيح.
(٢) مسند أحمد (١٣٧٩٦) وفي سنده ضعف.
(٣) رواه عبد الله بن أحمد في السنة (٧٩٧)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٠٥/ ٨٥٤٩) والبيهقي في الشعب (٤٥)، وفي إسناده شريك النخعي، وهو صدوق يخطئ، والأثر صححه الحافظ ابن حجر في الفتح، (١/ ٤٨).
(٤) الإيمان، ص ١٧٧، ١٧٦.
(٥) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ٤٧)، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٥٦) وعزواه للَّالكائي في السنة، وصحَّحا إسناده، وهو في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي، (٥/ ٨٨٩) رقم: (١٥٩٧) بنحوه، وتاريخ دمشق لابن عساكر (٥٢/ ٥٨).
[ ١ / ٥٠ ]
فانظر كيف طاف -﵀- البلاد، فخرج من بخارى يطلب العلم ويتعلمه، وأدرك ولقي المئات من أهل العلم؛ فما لقي أحدًا منهم إلا وهو يقول: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص. وهذا يدلنا على أنَّ البخاري -﵀- كان يحرص على انتقاء شيوخه ثم هو يستفهم ويسأل مشايخه عن هذه المسألة العظيمة وغيرها من أمور الاعتقاد.
ثم تأملوا حالنا في هذه الأيام التي صار الإنسان فيها اتِّكاليًّا على قليل من العمل.
فوا عجبًا لحالنا وا عجبًا! … الواحد منا ضعيف الإيمان! … ضعيف في صلاته، وصيامه، وفي الأعمال الصالحة مع ما يرتكب من المعاصي، ومن الذنوب، ومن الآثام، مع ضعف في الخشوع، والخضوع والخوف والخشية.
ومع هذا تجده يأمن على نفسه، ويحسن الظن بها، ويرى أنه لم يفعل شيئًا يعيبها (^١)، وإذا نزلت المصائب ونزلت البلايا لم يكن عن الله راضيًا، بل تجده كثيرَ الشكوى، يرى أنه لا يستحق كلَّ ذلك، وما هذا إلا بسبب الغفلة وضعف الإيمان، نسأل الله السلامة والعافية.
وبهذا يكون قد اتضح لنا معاني هذه الكلمات الخمس التي عرَّف بها العلماء -﵏- حقيقة الإيمان بأنه: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان.
والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) يقول ابن القيم في «مدارج السالكين» (١/ ٢٦٢ ط عطاءات العلم): حسنَ الظّنِّ بالنّفس يمنع من كمال التّفتيش ويُلبِّس عليه، فيرى المساوئَ محاسنَ، والعيوبَ كمالًا، فإنَّ المحبَّ يرى مساوئ محبوبه وعيوبه كذلك … ولا يسيءُ الظّنَّ بنفسه إلّا مَنْ عرفها. ومَن أحسن ظنَّه بها فهو من أجهل النّاس بنفسه ا. هـ
[ ١ / ٥١ ]
المجلس الثالث (^١)
الأمور التي يُستَمَد منها الإيمان:
وهي الأمور التي تكون سببًا في زيادة الإيمان ورفعته عند المسلم.
الناس اليوم يتعاهدون دنياهم، ويحرصون على ذلك حرصًا كبيرًا، فالتاجر يرغب أن تزيد تجارته، وصاحب الدنيا يزداد من دنياه، وهكذا لا تجد من يعتني بما يكون سببًا في زيادة إيمانه إلا الموفَّقُون الذين وفَّقهم الله -جل وعلا- فتفاقدوا قلوبهم، وخافوا على أنفسهم.
وفي هذا المجلس-بإذن الله-سنتذاكر أمورًا وَرَدَ في الكتاب والسنة بيانُها، وأنها تكون سببًا في زيادة الإيمان.
فمن الأمور العظيمة التي ينبغي أن يشتغل بها المسلم ليحافظ على دينه وإيمانه:
تدبر معاني الأسماء الحسنى والصفات العلا:
-وهي من أعظم الأسباب التي تكون عونًا في زيادة الإيمان-، التعرفُ والتفكرُ في أسماء الله -جل وعلا- الحسنى الواردة في الكتاب والسنة، وأن يحرص المسلم على فهم معانيها والتعبد لله -جل وعلا- بها؛ تحقيقًا لما جاء في الصحيحين: عن النبي -ﷺ- أنه قال: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الجَنَّة» (^٢).
وإحصاؤها على ثلاث مراتب:
* أن تحفظها
* وأن تفهم معانيها
* وأن تتعبد الله -جل وعلا- بها.
_________________
(١) كان في يوم الخميس الثالث والعشرين من شهر شعبان ١٤٤١ هـ.
(٢) البخاري (٢٧٣٦)، ومسلم (٢٦٧٧) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ١ / ٥٢ ]
وقد جاء عن أبي رزين -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عَبْدِهِ، وَقُرْبِ غِيَرِهِ» (^١) قال: قلت: يا رسول الله، أو يضحك الربُّ -جل وعلا-؟» قال: نَعَم «قال: لن نعدم من ربٍّ يضحك خيرًا» (^٢).
فاستبشر لما عرف أن الله -﷾- يُوصَف بأنه يضحك. والسلف يثبتون لله تعالى صفة الضحك حقيقةً على ما يليق بجلاله وعظمته، بلا تكييف، ولا تعطيل مع تنزيهه -﷾- عن مشابهة المخلوقين فإنه -﷾-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى].
وهكذا ينبغي للمؤمن أن يتأمل أسماء الله الحسنى الواردة في كتاب الله وفي سنة رسول الله -ﷺ- ويقف عندها.
فلو قرأ أحدنا الفاتحة، ووقف عند أسماء الله الواردة في هذه السورة المباركة، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة] فإنه يجدها آية عظيمة، تشتمل على اسمين كريمين: اسمه الكريم "الله"، واسمه "الرب"، فيقف الإنسان متأمِّلًا عند هذين الاسمين الكريمين اللَّذين جمعَ الله -جل وعلا- فيهما بين الألوهية والربوبية؛ فالله هو الإله المعبود بحق، لا يستحق أن يُعبَد أحد سواه؛ وهو رب العالمين ورب الخلائق أجمعين، رَبَّاهم بنعمه، وأكرمهم -جل وعلا- بما يسدي إليهم من عظيم مننه.
ثم يقرأ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة] فيتأمل في هذين الاسمين الكريمين.
وهكذا يقرأ الإنسان كتاب الله، فتمر عليه الآيات، فيتفكر فيما اشتملت عليه
_________________
(١) قوله: "وقرب غِيَرِه"، ضبط بكسر معجمة، ففتح ياء: بمعنى تغير الحال، كما في "النهاية"، ونحوه في "الصحاح" وضميره: قيل هو: لجنس العبد، والمراد تغير حاله من القوة إلى الضعف، ومن الحياة إلى الموت، وهذه الأحوال مما تجلب الرحمة لا محالة في الشاهد، فكيف لا يكون أسبابًا عادية لجلبها من أرحم الراحمين. قال السندي: والضمير لله، والمعنى أنه تعالى يضحك من أن العبد يصير آيسًا من الخير بأدنى شر وقع عليه مع قرب تغييره تعالى الحال من شر إلى خير، ومن مرض إلى عافية، ومن بلاء ومحنة إلى سرور وفرحة ا. هـ انظر: «حاشية السندي على سنن ابن ماجه» (١/ ٧٧).
(٢) أحمد (١٦١٨٧)، ابن ماجه (١٨١). وهو حديث حسن لغيره كما في السلسلة الصحيحة (٢٨١٠). وصفة الضحك ثابتة لله -﷿- في السنة الصحيحة كما في صحيح البخاري (٢٨٢٦) ومسلم (١٨٩٠) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الجَنَّةَ: يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُقْتَلُ، ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى القَاتِلِ، فَيُسْتَشْهَدُ»
[ ١ / ٥٣ ]
من الأسماء الحسنى والصفات العلا.
ومما ذكر عن الأصمعي أنه قال: كنت أقرأ سورة المائدة وبجنبي أعرابي فقرأت هذه الآية - يعني قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ [المائدة]-، قال: فقلت: (نكالًا من الله والله غفور رحيم) سهوًا، فقال الأعرابي: كلامُ مَنْ هذا؟ قلت: كلام الله. قال: أعِد. فأعدت: (… والله غفور رحيم). فقال: ليس هذا كلام الله. فتنبهت وقرأت: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٣٨)﴾ فقال: أصبت، هذا كلام الله. فقلت له: أتقرأ القرآن؟ قال: لا. قلت: فمِن أين علمت أني أخطأت؟ فقال: يا هذا، عزّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم لما قطع (^١).
فعرف هذا الأعرابي بتأمله وفهمه للسياق من الآية أنها لا تختم بذلك. وهذا من التأمل في أسماء الله وصفاته.
ومما كتبه العلماء في هذا الباب، وهو كتاب سهل ويسير: "كتاب فقه الأسماء الحسنى" لشيخنا الدكتور عبد الرزاق العباد -حفظه الله تعالى-، وهو كتاب سهل وجميل، يحسن بالمسلم أن يُكثِر القراءة فيه والتأمل في تفسيره لأسماء الله وصفاته؛ فإن هذا من شأنه أن يزيد الإيمان عند المسلم.
يقول النبي: -ﷺ- «إِنَّ الْإِيمَانَ لَيَخْلَقُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ كَمَا يَخْلَقُ الثَّوْبُ الْخَلِقُ، فَاسْأَلُوا اللَّهَ أَنْ يُجَدِّدَ الْإِيمَانَ فِي قُلُوبِكُمْ» (^٢)
فالإيمان يضعف إذا لم يتعاهده المؤمن، وجلاءُ ذلك بالرجوع إلى الكتاب والسنة، والحرص على الأسباب التي تعين المسلم على زيادة إيمانه.
نحن أخذتنا الشواغل، شغلتنا الدنيا وما فيها، وَالْتَهَى الإنسان بالمال والبنين، وَالْتَهَى
_________________
(١) انظر القصة في التفسير الوسيط للواحدي (٢/ ١٨٥)، وتفسير السمعاني (٢/ ٣٧، ٣٦)، والدُّر المصون في علوم الكتاب المكنون (٣/ ٨٧)، خزانة الأدب وغاية الأرب (١/ ١٧٦).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك (٥)، والطبراني في المعجم الكبير (١٣/ ٣٦) رقم (٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄-. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (١٥٨٥) وروي مرفوعا: «إنَّ هِذِه القُلُوبَ لَتَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الحَدِيدُ». قيل: فما جلاؤها؟ قال: «تِلاوَةُ كِتَابِ الله -﷿-، وَكَثْرَةُ ذِكْرِهِ» رواه المروزي في قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر كما في مختصره للمقريزي (ص: ١٧٢) والبيهقي في الشعب (١٨٥٩) من حديث عبد الله بن عمر -﵄-. وضعفه الألباني في الضعيفة (٦٠٩٦).
[ ١ / ٥٤ ]
بحاجاته. فهذا العصر عصر الشواغل، شُغِلَ الإنسان بهاتفه وبما فيه من المواقع التي يتصفحها، ويسهل على الإنسان أن يدخل هنا، ويخرج من هنا، وكلُّ هذا من شأنه أن يزيد الإنسان غفلة، -نسأل الله السلامة والعافية-،. فأين المشمرون؟! وأين أصحاب الهمة العالية الذين يحفظون أسماء الله الحسنى ويدعون الله -جل وعلا- بها؟!
دعاء أوصانا نبينا -ﷺ- بتعلمه يذهب الله به الهم والحزن
وإن النبي -﵊- قد علَّمنا دعاء مشتملًا على الأسماء الحسنى، يُذهِب الله به الهمَّ والحزن، علمنا أن نقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، وابْنُ عَبْدِكَ، وابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ العَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَنُورَ صَدْرِي، وَجَلَاءَ حُزْنِي، وَذَهَابَ هَمِّي». وقد أخذت هذه الكلمات بمجامع قلوب أصحاب رسول الله -ﷺ-. فإنهم لما سمعوها قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات؟ قَالَ: «أَجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أَنْ يَتَعَلَّمَهُنَّ» (^١). فمهم جدًّا العناية بفهم الأسماء الحسنى، وحفظها، وتعبد الله -جل وعلا- بها، فإذا دعا اللهَ وسأله الرزق، سأله باسمه الرزَّاق، فقال: اللهمَّ، يا رزَّاق، ارزقني. وإذا سأل المغفرة توسَّل إلى الله باسمه الغفور، فيقول: يا غفور، اغفر لي.
دعاء علمه نبينا -ﷺ- لأبي بكر الصديق -﵁-:
وهكذا علَّم النبي -ﷺ- أبا بكر -﵁- لما سأله عن دعاء يدعو به في صلاته، فقال له: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ؛ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي؛ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ» (^٢).
فتأمل المقابلة في قوله: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي» مع ختام الدعاء «إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ»؛ فـ «الغَفُورُ الرَّحِيمُ» اسمان دالان على صفتي المغفرة والرحمة وهما صفتان ذُكرتا ختمًا للكلام على جهة المقابلة لِمَا قبله، فـ «الغَفُورُ» مقابل لقوله: «فَاغْفِرْ
_________________
(١) أحمد (٣٧١٢، ٤٣١٨)، وابن حبان (٩٧٢) من حديث عبدالله بن مسعود -﵁-. وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة (١٩٩).
(٢) البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥) من حديث أبي بكر -﵁-.
[ ١ / ٥٥ ]
لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ»، و«الرَّحِيمُ» مقابل لقوله: «وَارْحَمْنِي».
فهذا أمر عظيم من الأمور التي تكون سببًا في زيادة إيمان المسلم، لو اعتنى به الإنسان لصلح حاله بإذن الله تعالى.
أسماء الله الحسنى مشتملة على أنواع التوحيد الثلاثة:
وأسماء الله الحسنى مشتملة على أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية والعبادة، وتوحيد الأسماء والصفات.
فتوحيد الربوبية: إفراد الله في أفعاله. وقال بعض العلماء: هو إفراد الله في الخلق والملك والتدبير؛ فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا الله، ولا مدبر إلا الله -﷾-.
إقرار المشركين بتوحيد الربوبية:
وهذا النوع من أنواع التوحيد قد أقرَّ به الكفار في الجملة، كما قال الله -﷾- في كتابه الكريم: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس]. أخبرنا الله -جل وعلا- أنهم يؤمنون بأن الله هو الحي، وبأن الله هو المحيي، وبأنه هو المميت، وبأنه الرزَّاق، وبأنه الخالق، وبأنه يدبِّر الأمر -﷾- ثم احتجَّ عليهم -جل وعلا- بأنه يجب أن يُفرِدُوه -﷾- بالعبادة.
وقال -جل وعلا-: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ [المؤمنون]
ذكر الله -جل وعلا- في كتابه أنَّ المشركين الذي بُعِثَ إليهم النبي -ﷺ- كانوا يُقِرُّون بذلك، ولكن لم ينفعهم؛ لأنهم لم يُوحِّدوا الله، ولم يُفْرِدُوه بالعبادة؛ فالعبادة لا تصح إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تصح إلا بالطهارة.
[ ١ / ٥٦ ]
وأما توحيد الألوهية وهو توحيد العبادة: فهو إفراد الله -جل وعلا- بالعبادة؛ فلا يُدعى إلا الله، ولا يُعبَد إلا الله -﷾-
تفسير كلمة التوحيد:
وذلك هو معنى شهادة "أن لا إله إلا الله" فإنَّ معناها: أنه لا معبود بحق إلا الله -﷾-. فلا يصح إيمان امرئ حتى يُفرِد الله -﷾- بالعبادة، ويعلم أن الله -جل وعلا- هو المعبود بحق، وأنَّ ما عُبِد من دون الله فإنما عُبِد بباطل.
دعوة الأنبياء إلى توحيد الألوهية:
وقد بيَّن الله -﷾- لنا أنه ما من نبي بعثه الله إلا ودعا قومه إلى هذه العقيدة التي بعثه الله -جل وعلا- بها، يقول -﷾-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦].
﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أي: أفردوا الله بالعبادة، ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وهو الكفر بكل ما يُعبَد من دون الله -﷾-؛ فما عُبِدَ من دون الله إنما عُبِدَ بباطل. فهؤلاء الذين يعبدون الأشجار أو الأحجار، أو يعبدون الكواكب، أو يعبدون الشياطين، أو يعبدون المقبورين أو الأولياء من دون الله رب العالمين، كلُّ ما يعبدونه من الطواغيت، وكلُّها معبودات بباطل، والله -﷾- هو الإله الحق الذي لا إله غيره، ولا ربَّ سواه.
وإذا عرفتَ ذلك عرفتَ سِرَّ الجمع بين الربوبية والألوهية في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢]
فقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فيه معنى الألوهية، وأنه الإله الحق،
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فيه معنى الربوبية،
فالله -﷾- يُنبِّه العباد أنه لا معبود بحق إلا الله -جل وعلا-.
[ ١ / ٥٧ ]
أول نداء وأول أمر في القرآن:
وتأملوا في أوَّل نداء في القرآن وأوَّل أمر في كتاب الله -جل وعلا- وهو في الآية الحادية والعشرين من سورة البقرة، ففيها أولُ نداء في القرآن وأوَّلُ أمر في القرآن ما هو ذلك؟
قال -﷾-: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة] فنادى الله -جل وعلا- الناسَ أجمعين، الإنسَ والجنَّ، ناداهم وأمرهم، فقال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ أي: وحِّدوا الله -جل وعلا- قال بعض السلف: العبادة في القرآن هي التوحيد. فإذا رأيت الأمر بالعبادة فهو أمر بتوحيد الله (^١).
وتأملوا كيف جمع بين الأمر بالعبادة والوصف بالربوبية، فقال -جل وعلا-: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ لأن الناس الذين بُعِثَ إليهم النبي -ﷺ- كانوا يؤمنون بربوبية الله، وبأنه الخالق، فقال: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وأنتم تُقرِّون بذلك: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. ثم قال في الآية التي تليها: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾.
فهذه آياتٌ حين يتأمَّلُها الإنسان، ويتفكَّرُها تزيده إيمانًا وقُربًا من رب العالمين.
أثر توحيد الأسماء والصفات:
فينبغي للمؤمن أن يبذل جهده في معرفة أسماء الله وصفاته -جل وعلا- على ضوء الكتاب والسنة كما جاء عن الصحابة -﵃-، وكما جاء عن التابعين لهم بإحسان. فهذه المعرفة، معرفة عظيمة نافعة، وهي المعرفة التي لا يزال صاحبها في زيادة في إيمانه، وقوة في يقينه،
_________________
(١) قال الطبري في تفسيره -جامع البيان ط هجر (١/ ٣٨٥) -: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ -﵄- فِيمَا رُوِيَ لَنَا عَنْهُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ نَظِيرَ مَا قُلْنَا فِيهِ، غَيْرَ أَنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَعْنَى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وَحِّدُوا رَبَّكُمْ. وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ الْخُضُوعُ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ وَالتَّذَلُّلُ لَهُ بِالِاسْتِكَانَةِ. وَالَّذِي أَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ وَحِّدُوهُ: أَيْ أَفْرِدُوا الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ لِرَبِّكُمْ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ ا. هـ
[ ١ / ٥٨ ]
وطمأنينة في أحواله؛ فجرِّبُوا ذلك عباد الله، اقرؤوا القرآن، وتدبَّروه، وتأملوه.
وإن وقفنا عند أسماء الله الحسنى وعند صفاته -جل وعلا- ونظرنا إلى معانيها التي دلَّ عليها القرآن، ودلَّ عليها كلام العلماء الذين بيَّنوا ذلك، سنجد طمأنينة، ورحمة، وراحة في قلوبنا وفي حياتنا؛ لأن ذلك يزيد في إيمان المسلم، وفي يقينه، ويصرف عنه الباطل بإذن الله -جل وعلا-.
فأسأل الله -﷾- بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يشرح صدورنا للقرآن العظيم، ويُنوِّر أبصارنا وبصائرنا، وأن يُزيِّن الإيمان في قلوبنا، وأن يجعل ممن يجد اللذة مع كتاب الله وسنة الرسول -ﷺ-.
وما زادهم إلا إيمانًا وتسليمًا:
وأَختِمُ معكم هذا المجلس بالتأمل في آية من كتاب الله -جل وعلا- فيها عظة واعتبار لما نحن فيه. يقول الله -﷾- في سورة الأحزاب: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١) وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [الأحزاب].
هذه الآية فيها إخبار من الله -﷾- أنَّ المؤمنين لمّا رأوا البلاءَ الذي نزل بهم يوم الأحزاب واجتماعَ الناس على حربهم تذكَّرُوا قولَ الله -جل وعلا- لهم: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ [البقرة]. فزادت الطمأنينة في قلوبهم، وزاد الإيمان عندهم مع اشتداد البلاء بهم، وهكذا هم أهل الإيمان. (^١) وقال الحسن البصري -رحمه الله تعالى- في قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾ [الأحزاب]: "ما زادهم البلاء إلا إيمانًا بالربِّ وتسليمًا بالقضاء" (^٢).
وعن يزيد بن رومان -﵀- قال: "أي صبرًا على البلاء وتسليمًا للقضاء وتصديقًا
_________________
(١) تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (١٩/ ٥٩)
(٢) أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم كما في الدر المنثور في التفسير بالمأثور (٦/ ٥٨٥) ورواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥/ ١٠٢٣) رقم (١٧٣١) وفي سنده ضعف.
[ ١ / ٥٩ ]
بتحقيق ما كان الله وعدهم ورسوله" (^١).
هؤلاء قوم عرفوا أن الله لا يقول إلا حقًا، ولا يأتي عن الله إلا صدقا، عرفوا ذلك يقينًا، فلما رأوا البلاء عرفوا أنَّ ذلك خيرٌ لهم، فزادهم إيمانًا وتسليمًا لأمر الله وقضائه.
وبعض الناس ما زادهم البلاء إلا تسخطًا على الله -جل وعلا- وعلى شرعه وقدره.
ونحن في وقتٍ انتشر فيه البلاء، وعمَّ فيه الوباء، فنحتاج أن نتفكر، ونتأمل؛ فإنَّ الله -جل وعلا- لا يُقدِّر عليك -أيها المؤمن- إلا خيرًا.
قال النبي -ﷺ-: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْضِي لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَه» (^٢).
وقَالَ -ﷺ-: «عَجِبْتُ مِنْ قَضَاءِ اللهِ -جل وعلا- لِلمُؤْمِنِ، إِنِ أصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ رَبَّهُ وَشَكَرَ، وَإِنِ أصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَمِدَ رَبَّهُ وَصَبَرَ، الْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ» (^٣)
وفي صحيح مسلم عَنْ صُهَيْبٍ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -ﷺ-: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» (^٤) وفي رواية: «وَكُلُّ قَضَاءِ اللهِ لِلْمُسْلِمِ خَيْرٌ» (^٥)
فحين يتأمل المسلم في هذا -وهو من جملة تأمله لأسماء الله وصفاته -جل وعلا- يعرف أن هذا السبيل هو الذي أمر به الله -﷾- ولا يعارض ذلك أن يذهب ويأخذ بالأسباب، فإن هذا مما أمر الله به، لكنه يُسلِّم لأمر الله، ويرضى ويدعو، ويتقرب إلى الله -جل وعلا- فيصبح هذا الوقتُ العصيبُ فرصةً عظيمة للإقبال على الله -جل وعلا- ودعائه والتفكر والتأمل في آلائه -﷾-.
_________________
(١) تفسير الطبري (٢٠/ ٢٣٦).
(٢) أخرجه أحمد (١٢٩٠٦) من حديث أنس -﵁-.
(٣) أخرجه أحمد (١٤٨٧) من حديث سعد بن أبي وقاص -﵁-.
(٤) صحيح مسلم (٢٩٩٩)
(٥) مسند البزار (٢٠٨٨) والمعجم الكبير للطبراني (٨/ ٤٠) رقم (٧٣١٦) والمعجم الأوسط (٧٣٩٠) وشعب الإيمان للبيهقي (٩٤٧٦).
[ ١ / ٦٠ ]
المجلس الرابع (^١)
تتمة الأمور التي يُستمَد منها الإيمان:
تدبر كتاب الله -جل وعلا-:
من الأمور العظيمة التي ينبغي أن يشتغل بها المسلم ليحافظ على دينه وإيمانه: التَّدبرُ لآياتِ الله -جل وعلا- المتلوة من الكتاب العزيز، وكذلك التأمل في الآيات الكونية على اختلاف أنواعها، والحرص على معرفة الحق الذي خُلِق له العبد.
فالمتدبر يستفيد من علوم القرآن ومعارف القرآن ما يكون سببًا في زيادة إيمانه، قال ربنا -جل وعلا-: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال].
وإذا نَظَرَ إلى انتظام القرآن وإحكامه عَلِمَ أنه يُصدِّقُ بعضُه بعضًا ويوافق بعضُه بعضًا، فهو كتابٌ عظيم ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت]. ليس فيه تناقض ولا اختلاف، ولو كان من عند غير الله لوُجِدَ فيه من التناقض والاختلاف أمورٌ كثيرة، كما قال الله -﷾-: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء].
فتأمُّلُ القرآن وتدبُّرُ القرآن من أعظم مُقوِّيات الإيمان.
والمؤمن بمجرد ما يتلو آيات الله، ويعرف ما فيها من الأخبار الصادقة والأحكام الحسنة يحصل له من أمور الإيمان خيرٌ كثير.
فكيف إذا أحسن التأمل لكتاب الله، وإذا أحسن فهم مقاصده وأسراره؟!
لذلك المؤمنون الأُوَل يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: ١٩٣]. فمعرفة القرآن وتدبر كتاب الله -جل وعلا- من أعظم الطرق والوسائل الجاذبة للإيمان.
_________________
(١) كان في يوم الأحد السادس والعشرين من شهر شعبان ١٤٤١ هـ.
[ ١ / ٦١ ]
وهلُمُّوا معي-حفظكم الله ووفقنا الله وإيَّاكم للخير- إلى تأمُّلِ الآيات التي وردت في حثِّ المؤمنين على ذلك.
بركة القرآن:
القرآن مبارك وفيه بركة عظيمة كبيرة نحن عنها غافلون. فإن الله -﷾- يقول في كتابه الكريم: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩٢)﴾ [الأنعام]
وقال -جل وعلا-: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾ [الأنعام]
وقال -جل وعلا-: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾ [الأنبياء]
وقال -﷾-: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ [ص].
هذه أربعة مواضع في كتاب الله -جل وعلا- يصف الله -﷾- فيها كتابه الكريم بأنه كتاب مبارك. والبركة: الكثرة في كل ذي خير كما قاله الزجَّاج (^١).
وقال بعض أهل التفسير: المبارك كثير الفوائد وجم المنافع، والبركة الزيادة.
قال الطاهر ابن عاشور -﵀-: "والقرآن مبارك؛ لأنه يدل على الخير العظيم، فالبركة كائنة به، فكأنَّ البركة جُعِلَت في ألفاظه؛ ولأنَّ الله تعالى قد أودع فيه بركة لقارئه المشتغل به بركة في الدنيا وفي الآخرة، ولأنه مشتمل على ما في العمل به كمالُ النفس وطهارتُها بالمعارف النظرية ثم العملية؛ فكانت البركة ملازمة لقراءته وفهمه" (^٢).
وقال بعض أهل التفسير: المتمسِّكُ به يحصل له عزُّ الدنيا وسعادةُ الآخرة.
وقال الحافظ ابن كثير -﵀- في قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٥]: "فيه الدعوة إلى اتباع القرآن، ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة" (^٣).
_________________
(١) معاني القرآن وإعرابه (٤/ ٥٧).
(٢) التحرير والتنوير (٧/ ٣٧٠).
(٣) تفسير ابن كثير (٣/ ٣٦٩).
[ ١ / ٦٢ ]
آية سورة ص:
وتأملوا آية سورة ص، إذ يقول -جل وعلا-: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾. قال العلامة السعدي -﵀-: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ أي: هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود. ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: أولو العقول الصحيحة، يتذكرون بتدبرهم لها كل علم ومطلوب، فدل هذا على أنه بحسب لب الإنسان وعقله يحصل له التذكر والانتفاع بهذا الكتاب ا. هـ (^١)
وقال نظام الدين النيسابوري في تفسيره -﵀-: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ليتأملوا فيها ويستنبطوا الأسرار والحقائق منها فمن حفظ حروفه وضيع حدوده كان مثله كمثل معلق اللؤلؤ والجواهر على الخنازير ا. هـ (^٢)
وقال الشوكاني -﵀-: "وفي الآية دليلٌ على أن الله -﷾- إنما أنزل القرآن للتدبر والتفكر في معانيه، لا لمجرد التلاوة بدون تدبر" (^٣).
وقال بعض أهل التفسير: وتدبر الآيات: التفكر فيها، والتأمل الذي يؤدى إلى معرفة ما يدبر ظاهرها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة، لأن من اقتنع بظاهر المتلوّ، لم يحل منه بكثير طائل، وكان مثله كمثل من له لقحة درور لا يحلبها، ومهرة نثور لا يستولدها ا. هـ (^٤)
كلام بديع ومهم للحسن البصري:
وقال الإمام عبد الله بن المبارك -﵀-: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ الْمُخْتَارِ، عَنِ الْحَسَنِ البصري -﵀- أنه قَالَ: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ قَدْ قَرَأَهُ عَبِيدٌ وَصِبْيَانٌ [لَمْ يَأْتُوهُ مِنْ قِبَلِ
_________________
(١) تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: ٧١٢)
(٢) تفسير النيسابوري = غرائب القرآن ورغائب الفرقان (٥/ ٥٩٢)
(٣) فتح القدير (٤/ ٤٩٤).
(٤) الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (٤/ ٩٠).
[ ١ / ٦٣ ]
وَجْهِهِ] (^١) [وَ] (^٢) لَا عِلْمَ لَهُمْ بِتَأْوِيلِهِ، وَلَمْ يَتَأَوَّلُوا (^٣) الْأَمْرَ مِنْ قِبَلِ أَوَّلِهِ، وَقَالَ اللَّهُ -﷾-: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩]، وَمَا تَدَبَّرُوا آيَاتِهِ؟ اتِّبَاعَهُ -وَاللَّه- بِعِلْمِهِ (^٤)، (ففسر الآية بأن المقصود بالتدبر الاتباع والعمل) ثم قال بعد ذلك: [وَإِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِهَذَا الْقُرْآنِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَقْرَؤُهُ] (^٥) [وفي رواية: إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْقُرْآنِ مَنْ رُئِيَ فِي عَمَلِهِ،] (^٦) - ثم قال -﵀- -: أَمَا وَاللَّهِ مَا هُوَ بِحِفْظِ حُرُوفِهِ وَإِضَاعَةِ حُدُودِهِ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ: لَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فَمَا أَسْقَطْتُ مِنْهُ حَرْفًا، وَقَدْ وَاللَّهِ أَسْقَطَهُ كُلَّهُ، مَا يُرَى لَهُ الْقُرْآنُ فِي خُلُقٍ، وَلَا عَمَلٍ، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَقُولُ: إِنِّي لَأَقْرَأُ السُّورَةَ فِي نَفَسٍ (واحدٍ) (^٧)، [ثمَّ يَقُولُ أَحَدُهُمْ يَا فُلَانُ تَعَالَ أُقْارِئُكَ] (^٨) وَاللَّهِ مَا هَؤُلَاءِ بِالْقُرَّاءِ، وَلَا الْعُلَمَاءِ، وَلَا الْحُكَمَاءِ، وَلَا الْوَرَعَةِ، مَتَى كَانَتِ الْقُرَّاءُ مِثْلَ هَذَا؟ لَا كَثَّرَ اللَّهُ فِي النَّاسِ مِثْلَ هَؤُلَاءِ. (^٩)
_________________
(١) زيادة من فضائل القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام ومن اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي.
(٢) زيادة من اقتضاء العلم العمل للخطيب البغدادي.
(٣) في فضائل القرآن للفريابي: (وَلَمْ يَأْتُوا الْأَمْرَ مِنْ قِبَلِ أَوَّلِهِ)
(٤) في فضائل القرآن للفريابي: (وَمَا يَتَدَبَّرُ آيَاتِهِ إِلَّا اتِّبَاعَهُ بِعِلْمِهِ، وَاللَّهُ يَعْلَمُهُ) وفي أخلاق حملة القرآن للآجري: (وَمَا تَدَبُّرُ آيَاتِهِ إِلَّا اتِّبَاعُهُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ) ولأبي عبيد: (وَمَا تَدَبُّرُ آيَاتِهِ إِلَّا اتِّبَاعُهُ بِعِلْمِهِ) ولسعيد بن منصور في التفسير (وُإِنَّمَا تَدَبُّرُ آيَاتِهِ اتِّبَاعُهُ بِعَمَلِهِ).
(٥) زيادة من فضائل القرآن لأبي عبيد ومن اقتضاء العلم العمل للخطيب.
(٦) زيادة من التفسير لسعيد بن منصور -ومن طريقه البيهقي في الشعب-.
(٧) زيادة من "أخلاق حملة القرآن" للآجري.
(٨) زيادة من "فضائل القرآن" لأبي عبيد و"اقتضاء العلم " للخطيب. و"التفسير" لسعيد بن منصور.
(٩) حسن صحيح. رواه ابن المبارك في الزهد والرقائق (١/ ٢٧٤/ رقم ٧٩٣). -ومن طريقه: الفريابي في فضائل القرآن (١٧٧، ١٧٨)، والآجري في أخلاق حملة القرآن (٣٤) -؛ وفي سنده: يحيى بن المختار روى عنه معمر ويوسف بن يعقوب الضبعي كما في التهذيب؛ وهما ثقتان، وقال ابن الجنيد: "قلت: ليحيى بن معين: يحيى بن المختار الذي روى عنه معمر؟ قال: شيخ بصري ليس به بأس". انظر: سؤالات ابن الجنيد (رقم ٧٠٤). واختلف فيه على معمر؛ فرواه عبد الرزاق في مصنفه (٣/ ٣٦٣/ رقم ٥٩٨٤) عن معمر عَنْ أَيُّوبَ، عَمَّنْ، سَمِعَ، الْحَسَنَ يَقُولُ فذكره. وللأثر طريقان آخران: فقد رواه أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حَدَّثَنَا شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ به نحوه. -ومن طريق شجاع رواه الخطيب البغدادي في اقتضاء العلم العمل (١٠٨) -. وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات. ورواه سعيد بن منصور في التفسير من سننه (١٣٥) - ومن طريقه البيهقي في شعب الإيمان (٢٤٠٨) - قال: نا أَبُو شِهَابٍ، عَنِ الصَّلْتِ بْنِ بَهْرَامَ، عَنِ الْحَسَنِ به نحوه وإسناده حسن.
[ ١ / ٦٤ ]
هذا الأثر جاء عن الحسن البصري -﵀- وكأنه يعيش بيننا في هذه الأزمان وفي هذه الأعصار، يحكي لنا ما وقع الناس فيه تجاه كتاب الله -جل وعلا-؛ حيث انشغلوا بمثل هذه الظواهر عن حقيقة الحال من تأمل كتاب الله -جل وعلا-.
أهمية علم وفهم السلف عند تدبر كتاب الله -جل وعلا-
إخواني في الله، إنَّ التأمل في القرآن والتدبر في القرآن لا يجوز أن يكون بنظرٍ مجرَّدٍ عن علوم وفهم السلف الصالح؛ فإنَّ أعظم ما يعينك على تدبر كتاب الله -جل وعلا- النظرُ في فهم الصحابة للقرآن، وفي فهم التابعين، وفي كلمات العلماء التي فيها نورٌ وهدايةٌ للناس أجمعين. وقد ظَهَرَ من الناس اليوم من يقول: أنا أتأمل القرآن!. لكن كيف يتأملُه؟
يتأمله بفهمه وتصوره القاصر دون الرجوع إلى كتب التفسير وإنما هي خواطر تأتيه.
نقول كلا! إنه لا يتم التأمل إلا بالعلم؛ فارجع إلى كتب العلماء وإلى تفاسير أهل السنة الموثوقة، فاقرأ فيها عن معاني القرآن وآياته؛ فربما قرأ القارئ آية، فظهر له منها معنى، وهذا المعنى من أبعد ما يكون عن كتاب الله -جل وعلا-.
الحكمة من طلب الهداية في سورة الفاتحة:
ومن أمثلة التدبر للآيات والنظر في فهم العلماء:
نحن نقرأ قول الله -﷾-: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة].
والعبد يسأل الله -جل وعلا- الهداية في كلِّ ركعة من ركعات صلاته يقرأ فيها الفاتحة، ويتساءل بعض الناس فيقول: لماذا نُكثِر من سؤال الله -جل وعلا- الهدايةَ؟
هل المقصود بذلك أننا نسأل الله الثبات ودوام الهداية على هذا الأمر.
لا شكَّ أن هذا الجواب حسنٌ إلَّا أنه جواب ناقص. ومن أجوبة ذلك ما قاله الحافظ ابن رجب -﵀- قال: وَأَمَّا سُؤَالُ الْمُؤْمِنِ مِنَ اللَّهِ الْهِدَايَةَ، فَإِنَّ الْهِدَايَةَ نَوْعَانِ: هِدَايَةٌ مُجْمَلَةٌ وَهِيَ الْهِدَايَةُ لِلْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَهِيَ حَاصِلَةٌ لِلْمُؤْمِنِ، وَهِدَايَةٌ مُفَصَّلَةٌ، وَهِيَ هِدَايَةٌ إِلَى
[ ١ / ٦٥ ]
مَعْرِفَةِ تَفَاصِيلِ أَجْزَاءِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَإِعَانَتِهِ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ، وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ مُؤْمِنٍ لَيْلًا وَنَهَارًا، … إلخ (^١)
ولِتَعْلَم تفصيل هذا الجواب انظر إلى كلام العلَّامة شمس الدين محمد ابن أبي بكر المشهور بابن قيم الجوزية -رحمه الله تعالى-، فإنه وقف عند هذه المسألة وهي سؤالنا لربنا -جل وعلا- الهدايةَ في هذه الآية: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة] فقال -﵀-:
واعلم أن العبد لا يحصل له الهدى التام المطلوب إلا بعد سبعة أمور هو محتاج إليها حاجة لا غنى له عنها:
١ - الأمر الأول: معرفته في جميع ما يأتيه ويذره بكونه محبوبا للرب تعالى، مرضيًّا له فيؤثره، وكونِه مغضوبًا له مسخوطًا عليه، فيجتنبه فإن نَقَصَ من هذا العلم والمعرفة شيءٌ نَقَصَ من الهداية التامة بحسبه. - (وهذا هو الأمر الأول، وهو مرتبط بالعلم؛ فالهداية مرتبطة بالعلم بأن تعلم ما أوجب الله عليك وأحبه، فتأتيه، وما نهى الله عنه وأبغضه، فتذره؛ فبقدر علمك يكون اكتمال هدايتك، وبقدر ما ينقص عندك من العلم تنقص عندك الهداية) -.
٢ - الأمر الثاني: أن يكون مريدًا لجميع ما يحب الله منه أن يفعله، عازمًا عليه، ومريدًا لترك جميع ما نهى الله، عازمًا على تركه بعد خطوره بالبال مفصَّلًا، وعازمًا على تركه من حيث الجملة مجمَلًا، فإن نَقَصَ من إرادته لذلك شيءٌ نَقَصَ من الهدى التام بحسب ما نقص من الإرادة. - (إذًا هذا هو الأمر الثاني، وهو ارتباط الإرادة بالهداية. إرادة لماذا؟ إنها الإرادة والعزيمة على عمل كل ما يحبه الله ويرضاه، والعزيمة على ترك كل ما يبغضه الله -جل وعلا- ويأباه) -.
٣ - الأمر الثالث: أن يكون قائمًا به فعلًا وتركًا، فإن نَقَصَ من فعله شيءٌ نَقَصَ من هداه بحسبه. - (يعني أن يكون قائمًا على العمل، قائمًا على الأعمال الصالحة التي أمر الله بها، قد أتاها وعمل بها) -.
قال: فهذه ثلاثة أمور هي أصول الهداية، (فإذا تمَّت عند إنسان فإنه إذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فإنه يدعو الله أن يُكمِّل له هذه الأمور الثلاثة).
_________________
(١) «جامع العلوم والحكم» (٢/ ٤٠ ت الأرناؤوط)
[ ١ / ٦٦ ]
قال: ويتبعها ثلاثة هي من تمامها وكمالها:
٤ - أحدها: أمور هُدِيَ إليها جملة، ولم يَهْتَدِ إلى تفاصيلها؛ فهو محتاج إلى هداية التفصيل فيها. - (ومعنى ذلك: أنَّ إنسانًا هُدِيَ إلى عمل صالح مثل بِرِّ الوالدين، لكنه يحتاج أن يعرف كيف يبر والديه؟ وكيف يصل أرحامه؟ وكيف يفعل ويفعل من المعروف؟ فيحتاج إلى هذه التفاصيل؛ فيسأل الله -جل وعلا- أن يُرشِده إلى ما يُعِينه على أداء هذه الأمور التي هُدِيَ إليها) -.
٥ - الثاني: أمور هُدِيَ إليها من وجه دون وجه؛ فهو محتاج إلى تمام الهداية فيها؛ لتكمل له هدايتها.
٦ - الثالث: الأمور التي هُدِيَ إليها تفصيلًا من جميع وجوهها؛ فهو محتاج إلى الاستمرار إلى الهداية والدوام عليها؛ فهذه أصول تتعلق بما يعزم على فعله وتركه. - (فهذه أمور ستة تتعلق بقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ تحتاجها وأنت تقرأ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ كأنك تقول: يا ربي، أسألك أن تتم عليَّ العلم بما أمرتنا به، فآتيه، وبما نهيتنا عنه، فأجتنبه، وأسألك أن تعينني على عزيمة صادقة آتي بها ما تحبه، وأبتعد بها عمَّا تُبغضه، وأسألك يا ربِّ أن أكون قائمًا لك بالعمل الصالح، وفعل الخيرات وترك المنكرات وحبِّ المساكين، وأسألك يا رب أن تكمل لي الهداية، فما هديتني إليه من عمل صالح بيِّنْهُ لي، وأسألك يا رب أن تهديني إلى ما هديتني إليه هدايةً تامَّةً كاملة) وأمرٌ سابع يحتاج إليه؛ قال -﵀-:
٧ - الأمر السابع يتعلق بالماضي وهو أمور وقعت منه على غير جهة الاستقامة فهو محتاج إلى تداركها بالتوبة منها وتبديلها بغيرها … فعلم أنه ليس أعظم ضرورة منه إلى سؤال الهداية أصلها وتفصيلها علما وعملا والتثبيت عليها والدوام إلى الممات وسر ذلك أن العبد مفتقر إلى الهداية في كل نَفَسٍ في جميع ما يأتيه ويذره أصلا وتفصيلا وتثبيتا ومفتقر إلى مزيد العلم بالهدى على الدوام فليس له أنفع ولا هو إلى شيء أحوج من سؤال الهداية فنسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم وأن يثبت قلوبنا على دينه ا. هـ (^١).
_________________
(١) بدائع الفوائد (٢/ ٣٨، ٣٧).
[ ١ / ٦٧ ]
-فحينئذ المسلم وهو يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فهو يسأل ربَّه أن يهديه، وأن يتوب عليه مما أخطأ فيه وقصَّر-. فهذه أمور سبعة نبَّه عليها ابن القيم -﵀- في هذا الباب؛ ليعلم المسلم وهو يقرأ قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أنه محتاج -واللهِ- إلى تكرار هذا الأمر تكرارًا عظيمًا، وألَّا يتخاذل عن تعلم كتاب الله -جل وعلا-.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: ومن أصغى إلى كلام الله وكلام رسوله -ﷺ- بعقله، وتدبَّرَهَ بقلبه، وجد فيه من الفهم، والحلاوة، والبركة، والمنفعة ما لا يجده في شيء من الكلام لا منظومه ولا منثوره ا. هـ (^١).
حال الصحابة مع تدبر القرآن:
ونحن والله نحتاج إلى الإقبال على كتاب الله -جل وعلا- إقبالًا سلفيًّا أثريًّا كما كان أصحاب النبي -ﷺ- يفعلون؛ فإنهم كانوا يُقبِلون على كتاب الله، ويكتفون بكتاب الله وبسنة رسول الله -ﷺ- دون غيرهما.
وإنَّ بعض الناس اليوم قد تدمع عيناه لسماع نشيد، ولا تدمع عيناه لسماع القرآن، وتطرب نفسه لسماع القصائد، ولا تطرب نفسه وتخشع لذكر الله -جل وعلا-.
والمتأمل في حال الصحابة -﵃- يرى في طريقة تلقيهم للعلم: تمام الحرص على العمل بالعلم والانتفاع التام به.
قال جُنْدَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَنَحْنُ فِتْيَانٌ حَزَاوِرَةٌ (^٢) فَتَعَلَّمْنَا الإِيمَانَ قَبْلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ الْقُرْآنَ ثُمَّ تَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا». (^٣).
فتأمل قوله «فَازْدَدْنَا بِهِ إِيمَانًا».
يتبين لك ما كانوا عليه من العناية بالعمل والعلم معا وأن ذلك قد آتى ثماره بالإيمان الذي وقر في قلوبهم وهذ هو المنهج الصحيح الذي ينبغي أن نسير عليه جميعا في طلبنا للعلم. وفيه من الفائدة البدء بتعلم العقائد قبل الفقه والقرآن.
وقال ابن مسعود -﵁-: «كانَ الرجل مِنَّا إذا تعلَّم عَشْر آياتٍ لم يجاوزهُنّ حتى يعرف
_________________
(١) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٧٠).
(٢) حزاورة: جمع حَزَوَّر، وهو الغلام إذا اشتد وقوي وحزم.
(٣) صحيح، أخرجه ابن ماجه (٦١) بسند صحيح.
[ ١ / ٦٨ ]
معانيهُنَّ، والعملَ بهنَّ». (^١)
وقال تلميذه أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السلميِّ: حَدَّثَنَا مَنْ كَانَ يُقْرِئُنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، أَنَّهُمْ كَانُوا يَقْتَرِئُونَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -ﷺ- عَشْرَ آيَاتٍ، فَلَا يَأْخُذُونَ فِي الْعَشْرِ الْأُخْرَى حَتَّى يَعْلَمُوا مَا فِي هَذِهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، قَالُوا: فَعَلِمْنَا الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ. (^٢)
وقال عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ -﵄-: لَقَدْ عِشْنَا بُرْهَةً مِنْ دَهْرِنَا وَأَحَدُنَا يُؤْتَى الإِيمَانَ قَبْلَ الْقُرْآنِ، وَتَنْزِلُ السُّورَةُ عَلَى مُحَمَّدٍ -ﷺ- فَيَتَعَلَّمُ حَلَالَهَا، وَحَرَامَهَا، وَآمِرَهَا، وَزَاجِرَهَا، وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ مِنْهَا. كَمَا تَعَلَّمُونَ أَنْتُمُ الْيَوْمَ الْقُرْآنَ (^٣)، ثُمَّ لَقَدْ رَأَيْتُ الْيَوْمَ رِجَالًا يُؤْتَى أَحَدُهُمُ الْقُرْآنَ قَبْلَ الإِيمَانِ فَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ مَا يَدْرِى مَا آمِرُهُ وَلَا زَاجِرُهُ وَلَا مَا يَنْبَغِي أَنْ يَقِفَ عِنْدَهُ مِنْهُ فَيَنْثُرُهُ نَثْرَ الدَّقَلِ (^٤)
_________________
(١) صحيح، أخرجه الطبري (١/ ٨٠) من طريق الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، عن ابن مسعود -﵁-. قال العلامة أحمد شاكر: هذا إسناد صحيح. وهو موقوف على ابن مسعود -﵁-، ولكنه مرفوع معنى، لأن ابن مسعود إنما تعلم القرآن من رسول الله -ﷺ- فهو يحكي ما كان في ذلك العهد النبوي المنير ا. هـ وللأثر طريق آخر يأتي ذكره في الحاشية التالية.
(٢) صحيح، أخرجه أحمد (٥/ ٤١٠) وابن أبي شيبة ١٠/ ٤٦٠ - ٤٦١ وابن سعد ٦/ ١٧٢ والطبري ١/ ٣٦ والطحاوي في "شرح المشكل" (١٤٥١، ١٤٥٢) من طرق عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن به. وأورده الدارقطني في "العلل" ٣/ ٦٠ من طريق يحيى بن كثير أبي النضر- وهو ضعيف-، عن عطاء، عن أبي عبد الرحمن قال: حدثني الذين كانوا يقرئونا عثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب -﵃- … وقال الدارقطني عقبه: فسمى هؤلاء الثلاثة ولم يسمهم سواه، والأول أشبه ا. هـ وأخرجه الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (١٤٥٠)، والحاكم (١/ ٥٥٧) - وعنه البيهقي (٣/ ١١٩ - ١٢٠) من طريق عبد الله بن صالح، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن ابن مسعود -﵁- قال: كنا نتعلَّمُ من رسول الله -ﷺ- عشر آيات … فذكره. وعبد الله بن صالح وشريك النخعي سيِّئا الحفظ. لكن قد أخرجه الطبري من طريق الحسين بن واقد، عن الأعمش، عن شقيق ابن سلمة، عن ابن مسعود به وسنده صحيح، كما تقدم.
(٣) قال أبو جعفر ابن النحاس في القطع والائتناف (ص: ١٢): هذا الحديث يدل على أنهم كانوا يتعلمون التمام كما يتعلمون القرآن، وقول ابن عمر: لقد عشنا برهه … يدل على أن ذلك إجماع من الصحابة ا. هـ
(٤) حسن، أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٤٥٣) فقال: حَدَّثَنَا فَهْدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ، ورواه أبو جعفر النحاس في القطع والائتناف (ص: ١٢) قال: وحدثني محمد بن جعفر الأنباري حدثنا هلال بن العلاء قال: حدثنا أبي وعبد الله بن جعفر؛ ورواه ابن منده في الإيمان (٢٠٧) قال: أَنْبَأَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْرُوفٍ الْأَصْبَهَانِيُّ، ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ بْنِ خَالِدٍ، ثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ عَدِيٍّ، ورواه الحاكم (١٠١) فقال: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَلْمَانَ الْفَقِيهُ، ثنا هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ الرَّقِّيُّ، ثنا أَبِي؛ ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٥٢٩٠) - ومن طريقه ابن عساكر في تاريخه (٣١/ ١٦٠) - قال: أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْمَعْرُوفِ الْفَقِيهُ الْمِهْرَجَانِيُّ بِهَا، ثنا أَبُو سَهْلٍ بِشْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِشْرٍ، أنبأ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْقَطَّانُ، ثنا عُبَيْدُ بْنُ جَنَّادٍ الْحَلَبِيُّ، كلهم (علي بن معبد، والعلاء الرقي، وعبد الله بن جعفر وزكريا بن عدي وعبيد بن جناد) قالوا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي أُنَيْسَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ -﵄-، يَقُولُ فذكره. وقال ابن منده: «هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى رَسْمِ مُسْلِمٍ وَالْجَمَاعَةِ إِلَّا الْبُخَارِيَّ». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولا أعرف له علّة، ولم يخرجاه». والصواب أنه إسناد حسن وليس على شرطهما، فليس لزيد عن القاسم رواية في الصحيحين والقاسم من رجال مسلم وهو مختلف في حاله، وقال الحافظ صدوق يغرب. وإسناد الحاكم فيه هلال بن العلاء الرقي -وهو صدوق-، عن أبيه - وهو ضعيف-، وليسا من رجال الشيخين.
[ ١ / ٦٩ ]
وقال أبو طالب المكي -﵀-: وقد كان من أصحاب رسول اللّه -ﷺ- من لا يحفظ إلا الجزء والجزأين والسور المعدودة وسورتين وكان من يحفظ الحزب منه وهو السبع أو البقرة والأنعام عَلَمًا فيهم، وقبض رسول اللّه -ﷺ- عن عشرين ألف صحابي لم يقرؤوا القرآن غير نظر فلم يحفظ القرآن كلَّه منهم إلا ستة اختلف منهم في اثنين، وقال بعضهم: ولم يكن جمعه من الخلفاء الأربعة أحد، وختم ابن عباس -﵄- على أُبَيِّ بن كعب -﵁- وقرأ عبدُ الرحمن بن عوف على ابنِ عباس -﵄- وقرأ عثمانُ بن عفان -﵁- على زيد بن ثابت -﵁- وقرأ أهل الصفة على أبي هريرة -﵁-، وكلهم كان متبعًا لأوامره مجتنبًا لزواجره عالمًا به فقيهًا فيه ا. هـ (^١)
هكذا كان السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، تلقَّوا القرآن والسنة، وتلقَّوا ما في ذلك من العلم والعمل.
وذلكم-عبادَ اللهِ-هو التدبر الذي أمرنا الله -جل وعلا- به.
مزيد من الآيات في الحثِّ على تدبر القرآن:
ويقول ربنا -﷾-: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد].
ويقول في موضع آخر: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء].
_________________
(١) قوت القلوب (١/ ١٠٨)
[ ١ / ٧٠ ]
ويقول -﷾- في سورة المؤمنون: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾.
إخواني في الله، هذه الآيات التي يحث الله -جل وعلا- فيها على التدبر: خاطب الله بها الكفار، وخاطب بها المنافقين، وعَلِمَ -﷾- أنهم لو تدبروا القرآن لانقلب كفرهم إيمانًا ونفاقهم تقوى؛ ولهذا قال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ [المؤمنون]. والمعنى -والله أعلم- أنهم لو تدبروا كتاب الله -جل وعلا- لانقلب ما هم عليه من باطل إلى نفس مقبلة على كتاب الله. فإذا كان الله -جل وعلا- يخبرنا أنَّ الكفَّار والمنافقين لو تدبروا القرآن وتفهموا معانيَه لصار حالهُم أحسن حال. فكيف -يا عباد الله- بمن آمن بالله واليوم الآخر؟!
كلام بديع لشيخ الإسلام في بيان أهمية التدبر والعمل بالقرآن:
قال شيخ الإسلام -﵀-: … السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ وَاَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ الَّذِينَ -﵃- وَرَضُوا عَنْهُ. فَإِنَّ هَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ تَلَقَّوْا عَنْهُ الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ وَكَانُوا يَتَلَقَّوْنَ عَنْهُ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ كَمَا قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِي: … -ثم ذكر الأثر السابق- وقال: وَقَدْ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ -﵄- وَهُوَ مِنْ أَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ - فِي تَعَلُّمِ الْبَقَرَةِ ثَمَانِيَ سِنِينَ (^١) وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِأَجْلِ الْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ. وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْعَادَةَ الْمُطَّرِدَةَ الَّتِي جَبَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا بَنِي آدَمَ تُوجِبُ اعْتِنَاءَهُمْ بِالْقُرْآنِ - الْمُنَزَّلِ عَلَيْهِمْ - لَفْظًا وَمَعْنًى؛ بَلْ أَنْ يَكُونَ اعْتِنَاؤُهُمْ بِالْمَعْنَى أَوْكَدَ فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ كِتَابًا فِي الطِّبِّ أَوْ الْحِسَابِ أَوْ النَّحْوِ أَوْ الْفِقْهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ رَاغِبًا فِي فَهْمِهِ وَتَصَوُّرِ مَعَانِيهِ فَكَيْفَ بِمَنْ قَرَءُوا كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى الْمُنَزَّلَ إلَيْهِمْ الَّذِي بِهِ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَبِهِ عَرَّفَهُمْ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ وَالْخَيْرَ وَالشَّرَّ وَالْهُدَى وَالضَّلَالَ وَالرَّشَادَ وَالْغَيَّ. فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ رَغْبَتَهُمْ فِي فَهْمِهِ وَتَصَوُّرِ مَعَانِيهِ أَعْظَمُ الرَّغَبَاتِ؛ بَلْ إذَا سَمِعَ الْمُتَعَلِّمُ مِنْ الْعَالِمِ حَدِيثًا فَإِنَّهُ يَرْغَبُ فِي فَهْمِهِ؛ فَكَيْفَ بِمَنْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ مِنْ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ؛
_________________
(١) رواه الإمام مالك في الموطأ بلاغا، (٢/ ١٤٨/ ط سليم الهلالي)
[ ١ / ٧١ ]
بَلْ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ رَغْبَةَ الرَّسُولِ -ﷺ- فِي تَعْرِيفِهِمْ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ مِنْ رَغْبَتِهِ فِي تَعْرِيفِهِمْ حُرُوفَهُ فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْحُرُوفِ بِدُونِ الْمَعَانِي لَا تُحَصِّلُ الْمَقْصُودَ إذَا اللَّفْظُ إنَّمَا يُرَادُ لِلْمَعْنَى.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ -﷾- قَدْ حَضَّهُمْ عَلَى تَدَبُّرِهِ وَتَعَقُّلِهِ وَاتِّبَاعِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص: ٢٩] …
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ [المؤمنون]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء]،
فَإِذَا كَانَ قَدْ حَضَّ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ عَلَى تَدَبُّرِهِ: عُلِمَ: أَنَّ مَعَانِيَهُ مِمَّا يُمْكِنُ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ فَهْمُهَا وَمَعْرِفَتُهَا فَكَيْفَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مُمْكِنًا لِلْمُؤْمِنِينَ؛ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مَعَانِيَهُ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بَيِّنَةً لَهُمْ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾ [يوسف]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾ [الزخرف] فَبَيَّنَ أَنَّهُ أَنْزَلَهُ عَرَبِيًّا لِأَنْ يَعْقِلُوا وَالْعَقْلُ لَا يَكُونُ إلَّا مَعَ الْعِلْمِ بِمَعَانِيهِ.
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ ذَمَّ مَنْ لَا يَفْهَمُهُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ [الإسراء]
وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: ٢٥، الإسراء: ٤٦]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ [النساء]
فَلَوْ كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لَا يَفْقَهُونَهُ أَيْضًا لَكَانُوا مُشَارِكِينَ لِلْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فِيمَا ذَمَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ.
الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنَّهُ ذَمَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ حَظُّهُ مِنْ السَّمَاعِ إلَّا سَمَاعَ الصَّوْتِ دُونَ فَهْمِ
[ ١ / ٧٢ ]
الْمَعْنَى وَاتِّبَاعِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ [البقرة]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان]
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦)﴾ [محمد] وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
وَهَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ سَمِعُوا صَوْتَ الرَّسُولِ -ﷺ- وَلَمْ يَفْهَمُوا وَقَالُوا: مَاذَا قَالَ آنِفًا؟ أَيْ السَّاعَةَ؛ وَهَذَا كَلَامُ مَنْ لَمْ يَفْقَهْ قَوْلَهُ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾. فَمَنْ جَعَلَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ غَيْرَ عَالِمِينَ بِمَعَانِي الْقُرْآنِ جَعَلَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فِيمَا ذَمَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ -﵃- فَسَّرُوا لِلتَّابِعِينَ الْقُرْآنَ؛ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ: عَرَضْت الْمُصْحَفَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ أَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ مِنْهُ وَأَسْأَلُهُ عَنْهَا. (^١) وَلِهَذَا قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إذَا جَاءَك التَّفْسِيرُ عَنْ مُجَاهِدٍ فَحَسْبُك بِهِ (^٢).
وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ -﵁- يَقُولُ: لَوْ أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ الْإِبِلُ
_________________
(١) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١٥٤) رقم (٣٠٢٨٧) وأحمد في فضائل الصحابة (١٨٦٦) عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ فَاتِحَتِهِ إِلَى خَاتِمَتِهِ ثَلَاثَ عَرْضَاتٍ أَفْقَهُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ» ورواه أحمد في فضائل الصحابة (١٨٦٧) عن شَرِيكٍ: وسئل أَيُّ الرَّجُلَيْنِ كَانَ أَعْلَمَ بِالتَّفْسِيرِ مُجَاهِدٍ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ مُجَاهِدٌ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: «عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ». وفي فضائل الصحابة لأحمد أيضا (١٨٦٨) من طريق مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ يَعْنِي أَبَا سَعِيدٍ الْمُؤَدِّبَ، عَنْ خُصَيْفٍ قَالَ: قَالَ لِي مُجَاهِدٌ:، «قَرَأْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَقِفُهُ عَلَى كُلِّ آيَةٍ». ورواه الدارمي (١١٦٠) والطبري في التفسير "جامع البيان ط هجر (١/ ٨٥، و٣/ ٧٥٥) "، والطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٧٧) رقم (١١٠٩٧) - ومن طريقه الضياء في المختارة (١٣/ ٧٦) وأبو نعيم في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٣/ ٢٧٩) والحاكم في المستدرك (٣١٠٥) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: لَقَدْ عَرَضْتُ الْقُرْآنَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-، ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ أَقِفُ عِنْدَ كُلِّ آيَةٍ أَسْأَلُهُ فِيمَ أُنْزِلَتْ، وَفِيمَ كَانَتْ؟ … إلخ وعند الحاكم تصريح ابن إسحاق بالسماع.
(٢) رواه الطبري (١/ ٨٥)
[ ١ / ٧٣ ]
لَأَتَيْته (^١).
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- نُقِلَ عَنْهُ مِنْ التَّفْسِيرِ مَا لَا يُحْصِيهِ إلَّا اللَّهُ.
وَالنُّقُولُ بِذَلِكَ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ثَابِتَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَا … إلخ (^٢)
فلو كان المؤمنون لا يفقهون القرآن، ولا يحسنون قراءته لوجب عليهم أن يجتهدوا في تعلمه ليصلوا إلى مرحلة فهمه. والقرآن سهل ميسور على من يسَّره الله -جل وعلا- عليه. فأقبِلُوا: على القرآن قراءةً وتأمُّلًا، فوالله إنَّ فيه لسعادتنا، وفيه الخير لنا في أنفسنا، وفي أبنائنا، وفي أُسَرِنا، وفي بيوتنا. به تُطرَد الشياطين، ويُتقرَّب به إلى رب العالمين، وتُرفَع به الدرجات، وتُقَال به العثرات، وتُمحى به السيئات، وتُكتَب به الحسنات. وهو أعظم تجارة يأتي بها العبد عند الله -﷾-.
وقد صحَّ عند الدارمي، عن أبي هريرة -﵁- أنَّه قال: «إِنَّ الْبَيْتَ: لَيَتَّسِعُ عَلَى أَهْلِهِ وَتَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ وَتَهْجُرُهُ الشَّيَاطِينُ، وَيَكْثُرُ خَيْرُهُ أَنْ يُقْرَأَ فِيهِ الْقُرْآنُ، وَإِنَّ الْبَيْتَ: لَيَضِيقُ عَلَى أَهْلِهِ وَتَهْجُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَتَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ، وَيَقِلُّ خَيْرُهُ أَنْ لَا يُقْرَأَ فِيهِ الْقُرْآنُ» (^٣)
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠٠٢) ومسلم (٢٤٦٣)
(٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٥٦) والقاعدة المراكشية (٣٢ - ٣٧/ تحقيق الشيخ دغش العجمي)
(٣) رواه الدارمي (٣٣٥٢) قال: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي حَفْصُ بْنُ عِنَانٍ الْحَنَفِيُّ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ -﵁-، كَانَ يَقُولُ: فذكره وسنده صحيح. ورواه عبد الله بن المبارك في الزهد والرقائق (١/ ٢٧٣) رقم (٧٩٠) وابن أبي شيبة في المصنف (٦/ ١٢٧) رقم (٣٠٠٢٧) قال حَدَّثَنَا عَفَّانُ، وابن الضريس في فضائل القرآن (١٨٥) قال: أَخْبَرَنَا الْحُسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، كلهم (ابن المبارك وعفان واللفظ له، وسعيد بن سليمان) قالوا: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، قَالَ: حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ: «الْبَيْتُ إِذَا تُلِيَ فِيهِ كِتَابُ اللَّهِ [اتَّسَعَ بِأَهْلِهِ]، وَكَثُرَ خَيْرُهُ، وَحَضَرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَخَرَجَتْ مِنْهُ الشَّيَاطِينُ، وَالْبَيْتُ الَّذِي لَمْ يُتْلَ فِيهِ كِتَابُ اللَّهِ، ضَاقَ بِأَهْلِهِ، وَقَلَّ خَيْرُهُ، وَتَنَكَّبَتْ عَنْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَحَضَرَهُ الشَّيَاطِينُ» وثابت لم يسمع من أبي هريرة -﵁-.
[ ١ / ٧٤ ]
المجلس الخامس (^١)
تفسير آية الحجرات
قال الله -﷾-: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [الحجرات].
هذه الآية المباركة هي الآية الرابعة عشرة من سورة الحجرات، وفيها إشارة إلى أنَّ ثمة فرقًا بين الإسلام وبين الإيمان. يقول الحافظ أبو الفداء ابن كثير -رحمه الله تعالى-: "يقول تعالى منكرًا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادَّعَوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.
الإيمان أخص من الإسلام:
ثم قال: وقد استفيد من هذه الآية الكريمة: أن الإيمان أخصُّ من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل -﵍- حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقَّى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه.
ثم ذكر الحافظ ابن كثير -﵀- حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- المخرج في الصحيحين أنه قال: أعطى رسول الله -ﷺ- رجالًا، ولم يُعطِ رجلًا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول الله، أعطيتَ فلانًا وفلانًا ولم تُعطِ فلانًا شيئًا وهو مؤمن! فقال النبي -ﷺ-: «أَوْ مُسْلِمٌ؟» حتى أعاده سعد -﵁- ثلاثًا، والنبي -ﷺ- يقول: «أَوْ مُسْلِمٌ؟» ثم قال النبي -ﷺ-: «إِنِّي لَأُعْطِي رِجَالًا وَأَدَعُ من هو أَحَبُّ إِليّ مِنْهُمْ فَلَا أُعْطِيهِ شَيْئًا؛ مَخَافَةَ أَنْ يُكَبُّوا فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ» (^٢). وعلَّق على هذا الحديث، فقال:
_________________
(١) كان في يوم الاثنين السابع والعشرين من شهر شعبان ١٤٤١ هـ.
(٢) البخاري (٢٧)، مسلم (١٥٠).
[ ١ / ٧٥ ]
فقد فرق النبي -ﷺ- بين المسلم والمؤمن، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام … ثم قال: ودلَّ ذلك على أنَّ ذاك الرجل كان مسلمًا ليس منافقًا؛ لأنه تركه من العطاء، ووَكَلَه إلى ما هو فيه من الإسلام، فدلَّ هذا على أنَّ هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادَّعَوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه، فأُدِّبُوا في ذلك. وهذا معنى قول ابن عباس -﵄- وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأنَّ البخاري (^١) -﵀- ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يُظهِرون الإيمان وليسوا كذلك (^٢).
الدلائل على أن الأعراب الذين نزلت فيهم الآية كانوا مسلمين:
هذه الآية المباركة: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ هل نزلت في قوم كانوا مسلمين أو نزلت في المنافقين؟
الجواب: أنَّ هذه الآية -كما ذكر الحافظ ابن كثير- قد اختلف العلماء في نزولها: هل نزلت في قوم كانوا مسلمين دخلوا في الإسلام أم إنهم كانوا منافقين؟
فذكر ابن كثير ما يثبت بالدلائل أنَّ هؤلاء كانوا مسلمين ولم يكونوا منافقين.
وهذا ما رجحه شيخه: شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية -﵀- وتلميذه شمس الدين ابن القيم -رحمه الله تعالى- (^٣).
يقول ابن القيم -﵀-: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ نفيًا للإيمان المطلق، لا لمطلق الإيمان. (أي: أنهم لم يؤمنوا إيمانًا كاملًا، وإنما عندهم مطلق الإيمان، فهم مسلمون). ثم ذكر الوجوه الدالة على أن الآية لنفي الإيمان المطلق لا لمطلق الإيمان فقال:
منها: أنه أمرهم أو أذِنَ لهم أن يقولوا: ﴿أَسْلَمْنَا﴾ والمنافق لا يقال له ذلك.
ومنها أنه قال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾ ولم يقل قال المنافقون (^٤).
_________________
(١) قال في كتاب الإيمان من صحيحه قبل الحديث (٢٧) (١/ ٧٩/ مع الفتح): بَابٌ: إِذَا لَمْ يَكُنِ الْإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الِاسْتِسْلَامِ أَوِ الْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ ثم ذكر آية الحجرات.
(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٣٨٩).
(٣) انظر الإيمان (ص ١٩١) لابن تيمية. والرسالة التبوكية لابن القيم ط عالم الفوائد (١/ ٧).
(٤) ولذلك ذهب جمع من أهل التفسير إلى أن هذه الآية وردت في قوم من الأعراب، ولا تعمُّهم جميعًا؛ فإن الله -جل وعلا- ذكر الأعراب في سورة التوبة، وذكر أن منهم قومًا يؤمنون بالله ويؤمنون باليوم الآخر، وأنهم يتقربون إلى الله -﷾-: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾ [التوبة] فليس الأعراب جميعًا على صفة واحدة؛ ولذلك نزلت هذه الآية في قوم من الأعراب وأحياء منهم سماهم العلماء. قال قتادة -﵀-: " ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ لم تعُمَّ هذه الآية الأعراب، ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ولكنها في طوائف من الأعراب" انظر: تفسير الطبري (٢/ ٣١٦، ٣١٥). وقال مقاتل بن سليمان في تفسيره: "نزلت في أعراب جهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار، وأشجع، كانت منازلهم بين مكة والمدينة، فكانوا إذا مرَّتْ بهم سرية من سرايا النبي -ﷺ- قالوا: آمنَّا؛ ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، وكان يومئذ من قال: "لا إله إلا الله" يأمن على نفسه وماله … " إلى آخر كلامه -﵀-. انظر: تفسير مقاتل بن سليمان (٤/ ٩٨).
[ ١ / ٧٦ ]
ومنها: أن هؤلاء الجفاة الذين نادوا رسول الله -ﷺ- من وراء الحجرات، ورفعوا أصواتهم فوق صوته غلظةً منهم وجفاءً لا نفاقًا وكفرًا.
ومنها: أنه قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ولم ينفِ دخول الإسلام في قلوبهم ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام كما نفى الإيمان (^١).
ومنها: أنه قال: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ فأثبت لهم إسلامهم، ونهاهم أن يمنُّوا على رسول الله -ﷺ- ولو لم يكن إسلامًا صحيحًا لقال: لم تسلموا بل أنتم كاذبون … إلى آخر كلامه -رحمه الله تعالى- (^٢).
_________________
(١) وهناك فرق عند العلماء بين كلمة "لم" وبين كلمة "لما" فإذا قال إنسان جاء زيد وعمرو لمَّا، يعني لمَّا يأتِ بعدُ وقد يأتي، فيحتمل أنه يأتي، ولكن إذا قال: لم يأتِ زيد فالمراد بذلك: لم يأتِ فيما مضى ولا يرجى أن يأتي فيما بعد؛ ولهذا لما قال: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ لم ينفِ أنه قد يدخل الإيمان في قلوبهم في المستقبل، ويصبحوا مؤمنين أقوياء في إيمانهم؛ ولذلك في تمام الآية يقول سبحانه: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لا يلتكم يعني لا ينقصكم، والمنافق لا طاعة له، فدلَّ هذا على أن هذه الآية وردت في أهل الإسلام.
(٢) انظر: بدائع الفوائد (٤/ ١٧).
[ ١ / ٧٧ ]
من فوائد الآية
إذًا ماذا يستفاد من هذه الآية المباركة؟
يستفاد من هذه الآية المباركة -كما ذكر الحافظ ابن كثير وغير واحد من أهل العلم-: أنَّ الإيمان أخصُّ من الإسلام، يعني أنَّ هناك فرقًا بين الإسلام وبين الإيمان، فأنت تقول: "أنا مسلم". وتقول: "أنا مؤمن إن شاء الله". ففرق بين كلمة الإسلام وكلمة الإيمان.
الفرق بين كلمة الإسلام وكلمة الإيمان:
ولهذا تكلم العلماء -﵏- في هذه المسألة، وذكروا الفرق بين الإسلام والإيمان. وحاصل ما ذكره العلماء في التفريق أنَّ لكلمة الإسلام وكلمة الإيمان قاعدةً تضبطهما، ما هي هذه القاعدة؟ وانتبه معي لهذه القاعدة: قال العلماء: هاتان الكلمتان "إذا اجتمعتا افترقتا، وإذا افترقتا اجتمعتا". ما معنى هذه القاعدة؟
إذا اجتمعتا في سياق واحد:
بأن جاء ذكر الإسلام وذكر الإيمان في دليل واحد، كآية أو حديث، مثل هذه الآية: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ قالوا: إذا اجتمعت الكلمتان في نص واحد كآية أو حديث أو سياق فهناك فرق بينهما. ما هو الفرق؟
الفرق بينهما ما جاء توضيحه في حديث جبرائيل -﵍- وهو الحديث المشهور أنه جاء إلى النبي -ﷺ- فسأله: مَا الإِيمَانُ؟ قَال: «الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَبِلِقَائِهِ، وَرُسُلِهِ وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ». قَالَ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: «الإِسْلَامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ» (^١). ففسَّر له الإسلام بالأعمال الظاهرة. وفسَّر له الإيمان بالأعمال الباطنة.
فإذا ذُكِر الإسلام والإيمان في نصٍّ واحد كآية أو حديث أو سياق، كان تفسير الإسلام بالأعمال الظاهرة وتفسير الإيمان بالأعمال الباطنة.
لهذا يدخل الإنسان في الإسلام بقوله: "أشهد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأشهد أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ" فإن قال ذلك فهو من المسلمين، له ما للمسلمين، وعليه ما على المسلمين. ثم
_________________
(١) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (١٠) عن أبي هريرة -﵁-، ورواه مسلم (٨) بنحوه عن عمر -﵁-.
[ ١ / ٧٨ ]
بعد ذلك يطالب بالأعمال؛ فالأعمال من الإيمان، فكأنه قال: الإسلام هو القول، والإيمان قول وعمل، كما قرَّر ذلك العلماء.
ومن الأدلة التي ورد فيها ذلك: قصةُ نبي الله لوط -﵍- لما ذكر الله قصته في سورة الذاريات قال سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦].
قال ابن القيم -﵀-: ففرَّق بين الإسلام والإيمان هنا لسر اقتضاه الكلام، فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة فهو إخراج نجاة من العذاب ولا ريب أن هذا مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطنًا. وقوله تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ لما كان الموجودون من المخرجين أوقع اسم الإسلام عليهم لأن امرأة لوط -﵍- كانت من أهل هذا البيت وهي مسلمة في الظاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجين، وقد أخبر سبحانه عن خيانة امرأة لوط -﵍-، وخيانتها أنها كانت تدل قومها على أضيافه وقلبها معهم، وليست خيانة فاحشة فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرًا وليست من المؤمنين الناجين ا. هـ (^١)
إذا لم يجتمعا في سياق واحد:
أما إذا لم يجتمعا في سياق واحد: وجاء ذكر الإسلام في دليل أو ذكر الإيمان في دليل منفردًا أحدهما عن الآخر فيدخل الإسلام في الإيمان، والإيمان في الإسلام، مثل قول الله-تعالى-: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] فالمراد بالإسلام هنا شرائع الدين الظاهرة والباطنة. وهكذا في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦)﴾ [الأحزاب] فقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أراد بالإيمان من دخل في الإسلام وشرائعه الظاهرة والباطنة، أي: كل من قال: "لا إله إلا الله".
إذًا هذا هو التفريق عند العلماء بين الإسلام والإيمان فيما إذا ما اجتمعا أو افترقا، وهذا القول هو الذي أشار إليه الحافظ ابن كثير بقوله الذي تقدم معنا: "الإيمان أخصُّ من الإسلام".
_________________
(١) الرسالة التبوكية = زاد المهاجر إلى ربه ط عالم الفوائد (١/ ٨٢).
[ ١ / ٧٩ ]
ويُقرِّبُ العلماء هذا المعنى، فيقولون: الإسلام دائرة كبيرة، مَنْ دخلها فهو مسلم، وداخل هذه الدائرة دائرةٌ أصغر، يعني أنَّ هناك دائرةً داخلَ دائرة الإسلام، فمَن دخلها فهو مؤمن؛ ولهذا قالوا: كلُّ مؤمنٍ مسلمٌ، وليس العكس. فكلُّ مؤمن مسلم؛ لأنَّ الإيمان أخصُّ من الإسلام، فإذا قال: لا إله إلا الله فهو مسلم، ثم إذا اجتهد في الأعمال الصالحة بلغ مرتبة الإيمان. ثم داخلُ مرتبة الإيمان دائرةٌ أصغر، وهي دائرة الإحسان. فمن دخلها فهو محسن، مؤمن، مسلم. ولهذا قال ابن كثير كما تقدم: ويدل عليه حديث جبريل -﵍- حين سأل عن الإسلام ثم عن الإيمان ثم عن الإحسان فترقى من الأعم (وهو الإسلام) إلى الأخص (وهو الإيمان) ثم للأخص منه (وهو الإحسان؛ فمرتبة الإحسان أعلى مرتبة، وهذا من الأدلة على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن أهله متفاضلون فيه)
مسألة الاستثناء في الإسلام والإيمان:
وهنا مسألة يذكرها العلماء في هذا الباب وهي: هل يقول: "أنا مسلم إن شاء الله؟ " "أنا مؤمن إن شاء الله؟ "، أو: مؤمن أرجو، أو: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.
والمأثور عن عامة أهل السنة هو أنه يجوز الاستثناء في الإيمان.
ومنهم من أوجبه ومنهم من منعه باعتبار معين.
ولا خلاف بين هذه الأقوال، فالاستثناء يصح باعتبار ويمتنع باعتبار آخر كما سيأتي.
قال الإمام ابن القيم -﵀- - حاكيا إجماع السلف-: ونحن نحكي إجماعهم كما حكاه حرب صاحب الإمام أحمد عنهم بلفظه قال … وكان من قولهم أن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالسنة والإيمان يزيد وينقص ويستثنى منه في الإيمان غير ألا يكون الاستثناء شكا إنما هي سنة ماضية عند العلماء فإذا سئل الرجل أمؤمن أنت فانه يقول "أنا مؤمن إن شاء الله"، أو "مؤمن أرجو" ويقول: "آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله" … ومن لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل والملائكة فهو مرجئ … إلخ (^١)
_________________
(١) حادي الأرواح (٤٩٣)
[ ١ / ٨٠ ]
وقال شيخ الإسلام -﵀-: النَّاسُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
• قَوْلٌ أَنَّهُ يَجِبُ الِاسْتِثْنَاءُ وَمَنْ لَمْ يَسْتَثْنِ كَانَ مُبْتَدِعًا.
• وَقَوْلٌ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مَحْظُورٌ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي الشَّكَّ فِي الْإِيمَانِ.
• وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَوْسَطُهَا وَأَعْدَلُهَا أَنَّهُ يَجُوزُ الِاسْتِثْنَاءُ بِاعْتِبَارِ وَتَرْكُهُ بِاعْتِبَارِ:
فَإِذَا كَانَ مَقْصُودُهُ: أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَنِّي قَائِمٌ بِكُلِّ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيَّ وَأَنَّهُ يَقْبَلُ أَعْمَالِي لَيْسَ مَقْصُودُهُ الشَّكَّ فِيمَا فِي قَلْبِهِ فَهَذَا: اسْتِثْنَاؤُهُ حَسَنٌ وَقَصْدُهُ أَنْ لَا يُزَكِّيَ نَفْسَهُ وَأَنْ لَا يَقْطَعَ بِأَنَّهُ عَمِلَ عَمَلًا كَمَا أُمِرَ فَقُبِلَ مِنْهُ وَالذُّنُوبُ كَثِيرَةٌ وَالنِّفَاقُ مَخُوفٌ عَلَى عَامَّةِ النَّاسِ قال: وَاَلَّذِينَ اسْتَثْنَوْا مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ لَمْ يَقْصِدُوا فِي الْإِنْشَاءِ وَإِنَّمَا كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُمْ فِي إخْبَارِهِ عَمَّا قَدْ حَصَلَ لَهُ مِنْ الْإِيمَانِ فَاسْتَثْنَوْا: إمَّا أَنَّ الْإِيمَانَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي دُخُولَ الْجَنَّةِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْخَاتِمَةَ كَأَنَّهُ إذَا قِيلَ لِلرَّجُلِ: أَنْتَ مُؤْمِنٌ. قِيلَ لَهُ: أَنْتَ عِنْدَ اللَّهِ مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَنَا كَذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ. أَوْ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ أَتَوْا بِكَمَالِ الْإِيمَانِ الْوَاجِبِ قال: وَأَمَّا الْإِنْشَاءُ فَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهِ أَحَدٌ وَلَا شُرِعَ الِاسْتِثْنَاءُ فِيهِ؛ بَلْ كُلُّ مَنْ آمَنَ وَأَسْلَمَ آمَنَ وَأَسْلَمَ جَزْمًا بِلَا تَعْلِيقٍ … ثم قال: وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُسْتَثْنَى فِي الْإِسْلَامِ. وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَد ا. هـ (^١).
بعض ما ورد عن السلف في ذلك:
ذكر البيهقي -﵀-: أنَّ رجلًا قال عند ابن مسعود -﵁-: أنا مؤمن. فقال له ابن مسعود -﵁- (منكرًا): قل إني في الجنة. ثم قال: " وَلَكِنَّا نَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ" (^٢) (يعني: إن كنت تجزم لنفسك بالإيمان فكأنك جزمت لنفسك بالجنة وأنت لا تعلم بماذا يختم لك)
وثبت عن إبراهيم النخعي وطاووس بن كيسان ومحمد بن سيرين أنهم قالوا: إِذَا قِيلَ لَكَ: «أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟» فَقُلْ: «آمَنْتُ بِاللَّهِ وملائكته وكتبه ورسله» (^٣)
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٠ - ٤٣).
(٢) شعب الإيمان (٧٠) ورواه أبو عبيد في الإيمان (١١) وابن أبي شيبة في الإيمان (٢٢) وسنده صحيح.
(٣) الإيمان لأبي عبيد (ص: ١٥، ٢١) وتهذيب الآثار (مسند ابن عباس) للطبري تهذيب الآثار مسند ابن عباس (٢/ ٦٧٥)، والشريعة للآجري (٢/ ٦٦٩). وأثر إبراهيم في الحلية أيضا (٤/ ٢٢٤) وأثر طاووس في المصنف لعبد الرزاق أيضا (١١/ ١٢٨/ ٢٠١٠٨) والسنة لأبي بكر بن الخلال (١٣٤٨)
[ ١ / ٨١ ]
وعن الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ أنه قال: «لَوْ قَالَ لِي رَجُلٌ: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ مَا كَلَّمْتُهُ أَبَدًا» (^١) وجاء عنه تفسير ذلك أنه قال: قَوْلُكَ أَنَا مُؤْمِنٌ تَكَلُّفٌ لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَقُولَهُ وَلَا بَأْسَ إِنْ قُلْتَهُ عَلَى وَجْهِ الْإِقْرَارِ وَأَكْرَهُهُ عَلَى وَجْهِ التَّزْكِيَةِ " (^٢)
وقال رجلٌ لِعَلْقَمَةَ: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ فَقَالَ: «أَرْجُو إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (^٣)
وعن الإمام أحمد -﵀-، وسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُقَالَ لَهُ: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ قَالَ: «سُؤَالُهُ إِيَّاكَ بِدْعَةٌ، يَقُولُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» (^٤). وروى الإمام أحمد ذلك عن سفيان بن عيينة. (^٥)
وقال لَهُ رَجُلٌ: قِيلَ لِي: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. هَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ؟ هَلْ النَّاسُ إِلاَّ مُؤْمِنٌ وَكَافِرٌ؟! فَغَضِبَ الإمامُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: هَذَا كَلَامُ الإِرْجَاءِ، … ثُمَّ قَالَ الإمام أَحْمَدُ: أَلَيْسَ الإِيمَانُ قَوْلًا وَعَمَلًا؟ قَالَ الرَّجُلُ: بَلَى، قَالَ: فَجِئْنَا بِالْقَوْلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَجِئْنَا بِالْعَمَلِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَكَيْفَ تَعِيبُ أَنْ يَقُولَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَيَسْتَثْنِي؟ (^٦).
وقال أيضا: الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، فَجِئْنَا بِالْقَوْلِ وَلَمْ نَجِئْ بِالْعَمَلِ، فَنَحْنُ مُسْتَثْنُونَ بِالْعَمَلِ. (^٧)
وقال أيضا: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَمَلَ هَذَا عَلَى التَّقَبُّلِ، يَقُولُ: نَحْنُ نَعْمَلُ وَلَا نَدْرِي يُتَقَبَّلُ مِنَّا أَمْ لَا. (^٨)
_________________
(١) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٨/ ١٠١)
(٢) السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ٣٧٧)
(٣) الإيمان للقاسم بن سلام (١٥)
(٤) السنة لأبي بكر بن الخلال (٣/ ٥٩٧) رقم (١٠٥٦)
(٥) السنة لأبي بكر بن الخلال (٣/ ٦٠٢) رقم (١٠٧٠) والشريعة للآجري (٢/ ٦٦٠) وشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥/ ١٠٥٤) رقم (١٧٩٦)
(٦) السنة لأبي بكر بن الخلال (٣/ ٥٩٧) رقم (١٠٥٦)
(٧) المرجع السابق.
(٨) المرجع السابق (١٠٥٦)
[ ١ / ٨٢ ]
وقيل لِلثَّوْرِيِّ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟ قَالَ: «إِنْ شَاءَ اللهُ»، فقال لَهُ الرجل: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، لَا تَفْعَلْ، فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾ [الشعراء]. (^١)
وقال الثوري أيضا: " مِنْ كَرِهَ أَنْ يَقُولَ: أَنَا مُؤْمِنٌ، إِنْ شَاءَ اللهُ، فَهُوَ عِنْدَنَا مُرْجِيءٌ - يَمُدُّ بِهَا صَوْتَهُ - " (^٢). قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَإِنَّمَا كَرَاهَتُهُمْ عِنْدَنَا أَنْ يَبُتُّوا الشَّهَادَةَ بِالْإِيمَانِ مَخَافَةَ … التَّزْكِيَةِ وَالِاسْتِكْمَالِ عِنْدَ اللَّهِ وَأَمَّا عَلَى أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُمْ يُسَمُّونَ أَهْلَ الْمِلَّةِ جَمِيعًا مُؤْمِنِينَ لِأَنَّ وِلَايَتَهُمْ وَذَبَائِحَهُمْ وَشَهَادَاتِهِمْ وُمُنَاكَحَتَهُمْ وَجَمِيعَ سُنَّتِهِمْ إِنَّمَا هِيَ عَلَى الْإِيمَانِ وَلِهَذَا كَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَرَى الِاسْتِثْنَاءَ وَتَرْكَهُ جَمِيعًا وَاسِعَيْنِ ا. هـ (^٣)
وذكر البيهقي -﵀- في شعب الإيمان: عن عطاء بن أبي رباح -﵀- أنه قيل له: "الرجل يقول لا أدري أمؤمن أنا أم لا؟ فقال سبحان الله، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] فهو الغيب، فمن آمن بالغيب فهو مؤمن بالله" (^٤).
يقصد فيما مضى، ويقصد أنه يكون جازمًا في مثل هذه الأمور فلا يشك في ذلك
وفي الطبقات لابن سعد عَنْ مِسْعَرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، أَنَّه قَالَ لِرَجُلٍ فِيهِ عُجْمَةٌ: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ أَوْ مُسْلِمٌ أَنْتَ؟. قَالَ: نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ: لَا تَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فقيل لِمِسْعِرٍ: يَا أَبَا سَلَمَةَ أَقُولُ إِنِّي مُؤْمِنٌ حَقًّا؟ قَالَ: نَعَمْ تَكُونُ مُؤْمِنًا بَاطِلًا أَيَحْسُنُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ هَذِهِ سَمَاءٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ا. هـ (^٥)
وفي مصنف ابن أبي شيبة عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: إذَا سُئِلَ أَحَدُكُمْ: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ، فَلا يَشُكَّنَّ. وفيه أيضا عن عبد الله بن يزيد، قال: إذَا سُئِلَ أَحَدُكُمْ: أَمُؤْمِنٌ أَنْتَ؟
_________________
(١) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (٧/ ٢٩)
(٢) المرجع السابق (٧/ ٣٢)
(٣) الإيمان لأبي عبيد القاسم بن سلام (ص: ٢١)
(٤) شعب الإيمان (٧٤) وهو في تفسير ابن أبي حاتم، (١/ ٣٦) رقم (٧٠) مختصرا.
(٥) الطبقات الكبرى ط دار صادر (٦/ ١٧٣) والشريعة للآجري (٢/ ٦٦٥) رقم (٢٨٥).
[ ١ / ٨٣ ]
فَلا يَشُكُّ فِي إيمَانِهِ. (^١)
فإن كان المقصد: "أنا مؤمن فيما لا يُختلَف فيه"، وقصد بذلك أصل الإيمان، فهنا لا يستثني. وحاصل كلام العلماء -﵏- في هذه المسألة أنهم قالوا: أما الإسلام فيجزم به، ويقول: أنا مسلم. وأما الإيمان فإنه ينظر في مقصده.
قال العلامة ابن باز -﵀-: " أما في العبادات فلا مانع أن يقول: إن شاء الله، صليت إن شاء الله، صمت إن شاء الله؛ لأنه لا يدري هل كملها وقبلت منه أم لا؟ وكان المؤمنون يستثنون في إيمانهم وفي صومهم ونحو ذلك؛ نظرًا لأنه لا يدري هل كمل أم لم يكمل؟ فيقول: إن شاء الله، يعني: إن شاء الله أني صمت صومًا طيبًا سليمًا، ويقول: أنا مؤمن إن شاء الله يعني: إيمانًا صحيحًا وإيمانًا أموت عليه. أما الشيء الذي لا يختلف قال: بعتَ هذا، فيقول: بعتُ إن شاء الله، ما يحتاج (إن شاء الله)، بعت هذا إن شاء الله، أو تغديت أو تعشيت إن شاء الله، ما يحتاج (إن شاء الله) في هذا؛ لأن هذه أمور ما تحتاج إلى المشيئة في الخبر، وإنما هي أمور عادية قد فعلها وانتهى منها، بخلاف أمور العبادات التي لا يدري هل وفَّاها حقها أم بخسها حقها؟ فإذا قال: إن شاء الله فهو للتبرك باسمه-سبحانه-وللتحرز من دعواه شيئًا قد يكون ما أكمله ولا أداه حقه" (^٢).
وجعل العلامة ابن عثيمين -﵀- المسألة على أقسام:
فقال: -وهذا هو القسم الأول:
١ - إن كان الاستثناء صادرًا عن شكٍّ في وجود أصل الإيمان فهذا محرم، بل كفر؛ لأنَّ الإيمان جزم، والشك ينافيه (يعني يقال: له هل آمنت؟ فيقول: إن شاء الله. فإن كان قصدُه بقوله: "آمنت إن شاء الله" الشكَّ فإنَّ ذلك لا يجوز).
٢ - والقسم الثاني: قال -﵀-: وإن كان صادرًا عن خوف تزكية النفس والشهادة لها
_________________
(١) مصنف ابن أبي شيبة ط. السلفية (١١/ ٢٩) وإسناد أثر عبد الله بن يزيد صحيح، وهو الخطمي، صحابي صغير، وانظر تحقيق ذلك في «سلسلة الأحاديث الضعيفة» (٦/ ١٤٨)
(٢) فتاوى نور على الدرب، حكم قول إن شاء الله في الجواب عن أعمال العبادات، الموقع الرسمي للشيخ -﵀-.
[ ١ / ٨٤ ]
بتحقيق الإيمان قولًا، وعملًا، واعتقادًا، فهذا (يعني الاستثناء) واجبٌ خوفًا من هذا المحذور (يعني يقول: أنا مؤمن لكن لا أجزم بأني كامل الإيمان، وبأني متحقق في هذه التزكية فإن الله يقول: فلا تزكوا أنفسكم ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم])
٣ - والقسم الثالث: قال -﵀-: وإن كان المقصود من الاستثناء التبرك بذكر المشيئة أو بيان التعليل وأن ما قام بقلبه من الإيمان بمشيئة الله فهذا جائز (^١).
إذًا يختلف هنا قول: "إن شاء الله" إن قصد به التزكية أم لا. فجزم الإنسان لنفسه بالإيمان مطلقًا لا ينبغي. وإنما الجزم هنا يكون بقوله: "أنا مسلم"، وعلى هذا تتنزل عبارات السلف على هذه المقاصد وليس بينها اختلاف والحمد لله.
وقد ضرب العلماء أمثلة على ذلك، فقالوا: لو قال الإنسان: "أنا صائم غدًا إن شاء الله" نقول: ماذا قصدت بالاستثناء هنا أو ماذا قصدت بالمشيئة؟
هل قصدت بالمشيئة الشك والتردد في العزم والقصد؟
فإن قصد الشك والتردد فإن هذه النية نية فاسدة أي: إذا قصد بقوله: "أنا صائم إن شاء الله" أنه قد يصوم وقد لا يصوم فهذا شك. لكن إذا قال: "لا، أنا لم أقصد الشك، وإنما قصدت العزم على ذلك، وأن يُهيِّئ الله لي هذا الأمر"، فهنا نقول: ليس هذا ترددًا في النية، وإنما قصد أنَّ صومه معلَّق بمشيئة الله وتوفيقه وتيسيره؛ ولهذا يختلف التعليق من مسألة إلى أخرى.
ومن هذا الباب:
حديث زيارة القبور: أنَّ النبي -ﷺ- دعا فقال: «وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ» (^٢). فهذا التعليق هو في أمر متيقن والمقصود به أننا إلى الله سائرون حقيقة.
_________________
(١) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (٣/ ٨٥).
(٢) مسلم (٢٤٩) من حديث أبي هريرة -﵁-.
[ ١ / ٨٥ ]
وكذا في قوله -ﷺ- للمريض: «لا بَأْسَ، طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللهُ» (^١).
لم يقصد بها التردد، وإنما قصد بها التفاؤل.
وهي جملة خبرية لا دعائية (^٢) لأن الدعاء ينبغي للإنسان أن يجزم به؛ ومن قال: اللهم طهره لا يستثني؛ لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-، قَالَ: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» (^٣) (^٤)
_________________
(١) البخاري (٣٦١٦) من حديث ابن عباس -﵄-.
(٢) قال الشيخ صالح آل الشيخ في «شرح الطحاوية» (ص ٣٤٧): قوله -ﷺ- «طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله» هذا من باب الخبر لا من باب الدعاء، فهو قال للأعرابي هذه الحمى طهور لك؛ طهور لك في دينك وطهور لك أيضا في بدنك فتصبح بعدها سالما، فأخبره النبي -ﷺ- بذلك. لأنَّ قوله «طَهُورٌ» مرفوع، والرافع له مبتدأ محذوف أو الابتداء المحذوف بقوله «هي طَهُورٌ إِنْ شَاءَ الله» وليس المراد الدعاء لأنه لو كان دعاءً لصارت منصوبة اللهم اجعلها طهورًا. لو قال: طهورًا إن شاء الله؛ يعني: اجعلها اللهم طهورًا، فيكون دعاء. فالظاهر من السياق من اللغة ومن القصة أنَّ المراد الخبر.
(٣) البخاري (٦٣٣٩) ومسلم (٢٦٧٩) واللفظ له.
(٤) انظر: الحلل الإبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري (٣/ ١٣٧) وشرح رياض الصالحين لابن عثيمين (٤/ ٤٨٤)
[ ١ / ٨٦ ]