المبحث الأول: تعريف الشرك الأكبر وبيان خطورته
الشرك الأكبر: هو أن يجعل العبد لله شريكًا وندا في ربوبيته وإلهيته، وأغلب شرك المشركين وقع في توحيد الإلهية كدعاء غير الله، أو صرف أي لون من ألوان العبادة لغير الله كالذبح والنذر والخوف والرجاء والمحبة وما إلى ذلك٠
والشرك بالله أعظم ذنب عصى الله به، فهو أظلم الظلم، وأكبر الكبائر، وما هلكت الأمم الغابرة وأعدت لهم النيران في الآخرة إلا بالشرك، وما أرسل الله الأنبياء والمرسلين وأنزل عليهم الكتب بالحق المبين إلا للتحذير منه وبيان قبحه وشؤمه، ودعوة الناس إلى ضده ألا وهو تحقيق التوحيد لله رب العالمين٠
والشرك خطره عظيم وضرره على العبد كبير، وذلك للأسباب التالية:
١- لأنه تشبيه للمخلوق العاجز الضعيف بالواحد الأحد المتفرد بالجلال والكمال، ومن أشرك مع الله أحدا فقد شبهه به، وهذا أعظم الظلم كما في الصحيحين ١٠ من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ – قال: سألت رسول الله ﷺ: أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قال النووى: "الند: الضد والشبه، وفلان ند فلان ونديده ونديدته أي: مثله.. أما أحكام هذا الحديث: ففيه أن أكبر المعاصي الشرك، وهذا ظاهر لا خفاء فيه"٢٠
٢- أن الله لا يغفر لمشرك مات على الشرك دون توبة٠ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ٣٠
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في مواضع منها كتاب التفسير باب ٣ جـ٨ /١٦٣، وكتاب التوحيد باب ٤٦ جـ١٣/٥٠٣، ومسلم كتاب الإيمان٠ باب كون الشرك أقبح الذنوب جـ١ /٩٠. ٢ شرح النووي على مسلم جـ٢ /٨٠،٨١. ٣ النساء / آية: ٤٨،١١٧.
[ ١٨٣ ]
١- أن الله حرم الجنة على كل مشرك ٠ قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ ١٠
٢- أن الشرك يحبط جميع الأعمال التي يعملها العبد، وتصير هباءً منثورًا في يوم الدين ٠قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢٠
_________________
(١) ١ المائدة / آية: ٧٢. ٢ الزمر / آية: ٦٥، ٦٦.
[ ١٨٤ ]
المبحث الثاني: بعض الآيات والأمثلة المتعلقة بسد الذرائع إلى الشرك الأكبر٠
بعد الوقوف على خطورة الشرك الأكبر ومفاسده وأضراره أتعرض لذكر نماذج يسيرة من القرآن والسنة جاء بها الشرع الحكيم لقطع علائق الشرك كله وما يؤدى إليه، حتى يتبين لنا كيف أن الإسلام سدَّ الذرائع المؤدية إلى الشرك، وأحكم الحديث في هذا الباب أيما إحكام ليحذر العباد من الشرك ومن الوسائل المفضية إلى حصوله ووقوعه، فمن ذلك:
١- الآيات الدالة على عبودية عيسى – ﵇ – وأنه بشر رسول مخلوق، ليس بإله، أو فيه جزء من الإله، أو أنه ابن الله - تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا-، وذلك سدَّا لذريعة الشرك، واتخاذه إلها من دون الله أو مع الله، ودفعا لأي شبهة ترد على الطريقة التي خلق بها ٠ قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١٠
قال ابن تيمية:" فأعنى بقوله ﴿مَثَلَ عِيسَى﴾ إشارة إلى البشرية المأخوذة من مريم الطاهرة، لأنه لم يذكر هنا اسم المسيح، إنما ذكر عيسى فقط، فإنه سبحانه خلق هذا النوع البشرى على الأقسام الممكنة ليبين عموم قدرته، فخلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، وخلق زوجته حواء من ذكر بلا أنثى، كما قال: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، وخلق المسيح من أنثى بلا ذكر، وخلق سائر الخلق من ذكر وأنثى، وكان خلق آدم وحواء أعجب من خلق المسيح، فإن حواء خلقت من ضلع آدم، وهذا أعجب من خلق المسيح في بطن مريم، وخلق آدم أعجب من هذا وهذا، وهو أصل خلق حواء فلهذا شبهه الله بخلق آدم الذي هو أعجب من خلق المسيح، وهذا كله يبين به أن المسيح عبدُ ليس بإله، وأنه مخلوق كما خلق آدم"٢٠
_________________
(١) ١ آل عمران / آية: ٥٩. ٢ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح جـ٢ / ٢٩٣ – ٢٩٥.
[ ١٨٥ ]
وقال ابن كثير:"يقول تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾ فإنه الله تعالى خلقه من غير أب ولا أم، بل ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقًا من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريقة الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل فدعواها في عيسى أشد بطلانا وأظهر فسادا، ولكن الرب ﷿ أراد أن يظهر قدرته حين خلق آدم لا من ذكر ولا من أنثى، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، كما خلق البرية من ذكر وأنثى" ١٠
ويقرر ربنا في آيات أخرى بشرية عيسى وأمه – ﵉- وأنهما من جنس البشر، ويسلكان في الطبيعة البشرية ما يسلكه غيرهم٠ قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٢٠
يعنى أن عيسى رسول من رسل الله تعالى الذين أرسلوا لهداية البشرية ودعوتها إلى توحيد الله وعبادته، وأمه صديقة من فضليات النساء، وحقيقتهما مساوية لحقيقة غيرهما من أفراد نوعهما وجنسهما بدليل أنهما كان يأكلان الطعام، وكل من يأكل الطعام فهو مفتقر إلى ما يقيم بنيته ويمد حياته، إلى جانب أن أكل الطعام يستلزم الحاجة إلى دفع الفضلات، وعليه فلا يمكن أن يكون ربا خالقا، ولا ينبغي أن يكون ربا معبودا٠
قال الشوكاني في تفسيره للآية: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، أي: هو مقصور على الرسالة لا يجاوزها كما زعمتم، وجملة ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ صفة لرسول، أي ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين
_________________
(١) ١تفسير القرآن العظيم لابن كثير جـ١/٤٠. ٢ المائدة / آية: ٧٩.
[ ١٨٦ ]
خلوا من قبله، وما وقع منه من المعجزات لا يوجب كونه إلها، فقد كان لمن قبله من الرسل مثلها، فإن الله أحيا العصا في يد موسى، وخلق آدم من غير أب، فكيف جعلتم إحياء عيسى للموتى ووجوده من غير أب يوجبان كونه إلها، فإن كان كما تزعمون إلها لذلك، فمن قبله من الرسل الذين جاءوا بمثل ما جاء به آلهة، وأنتم لا تقولون بذلك ٠ قوله: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ عطف على المسيح، أي: وما أمه إلا صديقة، وذلك لا يستلزم الإلهية لها، بل هي كسائر من يتصف بهذا الوصف من النساء٠ قوله: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ استئناف يتضمن التقرير لما أشير إليه من أنهما كسائر أفراد البشر: أي من كان يأكل الطعام كسائر المخلوقين فليس برب، بل هو عبد مربوب ولدته النساء، فمتى يصلح لأن يكون ربا" ١٠
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره:"أي: هذا غاتيه ومنتهى أمره، أنه من عباد الله المرسلين، الذين ليس لهم من الأمر، ولا من التشريع إلا ما أرسلهم به الله، وهو من جنس الرسل قبله، لا مزية له عليهم تخرجه عن البشرية إلى مرتبة الربوبية، ﴿وَأُمُّهُ﴾ مريم ﴿صِدِّيقَةٌ﴾ أي: هذا أيضا غايتها، أن كانت من الصديقين الذين هم أعلى الخلق رتبة بعد الأنبياء، فإذا كان عيسى –﵇ – من جنس الأنبياء والرسل من قبله، وأمه صديقة، فلأي شيئا تخذهما النصارى إلهين مع الله؟، وقوله: ﴿كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ دليل ظاهر على أنهما عبدان فقيران محتاجان كما يحتاج بنو آدم إلى الطعام والشراب، فلو كانا إلهين لاستغنيا عن الطعام والشراب ولم يحتاجا إلى شيء، فإن الإله هو الغنى الحميد" ٢٠
_________________
(١) ١ فتح القدير جـ٢ /٦٤. ٢ تيسير الكريم الرحمن جـ٢/ ٣٢٦،٣٢٧.
[ ١٨٧ ]
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ ١ وأن مريم ولدت إلها، ولذلك رد الله عليهم هذا البهتان وعليه فكيف يدَّعون الإلهية لمن يعترف على نفسه بأنه عبد مثلهم كما أن دلائل الحدوث ظاهرة عليه ٢٠
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ ٣٠
قال القاسمي في تفسيره:" لا ذكر تعالى أنه يعدد نعمه على عيسى بحضرة الرسل واحدة فواحدة إشعارًا بعبوديته، فإن كل واحد من تلك النعم المعدودة عليه، تدل على أنه عبد وليس بإله ثم أتبع ذلك باستفهامه لينطق بإقراره – ﵇ – على رؤوس الأشهاد بالعبودية، وأمره لهم بعبادة الله ﷿ إكذابا لهم في افترائهم عليه، وتثبيتا للحجة على قومه، فهذا سر سؤاله تعالى له، مع علمه بأنه لم يقل ذلك، وكل ذلك لتنبيه النصارى الذين كانوا في وقت نزول الآية ومن تأثر بهم على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم"٤٠
ومثل ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٥٠
_________________
(١) ١ المائدة /آية:٧٢. ٢ انظر الدين الخالص لصديق حسن خان جـ١ /٢٥. ٣ المائدة /آية:١١٦، ١١٧ ٤ محاسن التأويل جـ٦ /٢٢١٩. ٥ مريم الآيات من ٣٠ – ٣٦.
[ ١٨٨ ]
قال ابن كثير في تفسيره:"ومما أمر عيسى به قومه وهو في مهده: أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربهم وربه وأمرهم بعبادته فقال: ﴿فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي جئتكم به عن الله صراط مستقيم، أي: قويم٠ من اتبعه رشد وهدى، ومن خالفه ضل وغوى"١٠
وعن عبادة بن الصامت – ﵁ – عن النبي ﷺ قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد لله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" ٢٠
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير جـ٤ /٢٢٥. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب ٤٧ جـ٦ /٤٧٤، ومسلم كتاب الإيمان جـ١ /٥٨،٥٩، وأحمد في مسنده جـ٥ /٣١٣،٣١٤.
[ ١٨٩ ]
١- الآيات الدالة على عبودية النبي ﷺ
جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل وترشد إلى حقيقة هامة ألا وهى أن النبي ﷺ بشر كسائر البشر، ولكنه فضل عليهم بالنبوة والرسالة التي توجب محبته وطاعته والانقياد لأمره ﷺ، كما نهى ﷺ عن الغلو والإطراء في شخصه، وذلك سدَّا لذريعة اتخاذه شريكا مع الله، أو صرف أي لون من ألوان العبادة له ﷺ قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ ١٠ ولهذا كانت العبودية هي أشرف مقام للنبي ﷺ وقد خاطبه ربه بها في أشرف المناسبات وأعظم المقامات قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا﴾ ٣٠ وقال سبحانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا﴾ ٥٠
وإذا كان رسول رب العالمين الذي هو أكمل الخلق وأقربهم إلى الله ﷿ لا يملك ضرا ولا رشدا بنص كتاب الله الكريم فغيره من سائر الخلق ممن هم دونه ﷺ من باب أولى وأحرى، بل إنه ﷺ ما سبق غيره إلا بكمال عبوديته لربه٠
قال ابن القيم: "أكمل الخلق أكملهم عبودية وأعظمهم شهودا لفقره وضرورته وحاجته إلى ربه وعدم استغنائه عنه طرفة عين، ولهذا كان من
_________________
(١) ١ الأعراف / آية: ١٨٨. ٢ الإسراء / آية: ١. ٣ الكهف / آية: ١. ٤ الفرقان / آية: ١. ٥ الجن / الآيات من ١٩ – ٢١.
[ ١٩٠ ]
دعائه ﷺ "أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك" ١، وكان يدعو: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك" ٢، يعلم ﷺ أن قلبه بيد الرحمن ﷿ لا يملك منه شيئًا، وأن الله سبحانه يصرفه كما يشاء، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾ ٣، فضرورته ﷺ إلى ربه وفاقته إليه بحسب معرفته به، وحسب قربه منه ومنزلته عنده..، ولهذا كان أقرب الخلق إلى الله وسيلة وأعظمهم جاها وأرفعهم عنده منزلة لتكميله مقام العبودية والفقر إلى ربه ، وذكره الله سبحانه بسمة العبودية في أشرف مقاماته، مقام الإسراء، ومقام الدعوة، ومقام التحدي فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ٤٠وقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ ٥٠ وفى حديث الشفاعة:"أن المسيح يقول لهم: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر"٦، فنال ذلك المقام بكمال عبوديته لله وبكمال مغفرة الله له"٧٠ وللعلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي – ﵀ – كلام جميل على هذا الموضوع يحسن إيراد شيئا منه هنا لتتم الفائدة٠ قال وهو يفسر أوائل سورة الحجرات: "مسألتان: الأولى: اعلم أن عدم احترام النبي ﷺ المشعر بالغض منه، أو تنقيصه ﷺ والاستخفاف به، أو الاستهزاء به ردة عن الإسلام وكفر بالله، وقد قال تعالى في الذين استهزءوا بالنبي ﷺ وسخروا منه في غزوة
_________________
(١) ١ أخرجه أبوداود في كتاب الأدب باب ١١ جـ٥ /٣٢٦، وأحمد في مسنده جـ٥ /٤٢. ٢ أخرجه الترمذي في أبواب الدعوات جـ٩ /٥٠٤، ومسند أحمد جـ٣ /٢٥٧،والسنة لابن ابى عاصم جـ١ /١٠١، والآجرى في الشريعة /٣١٧. ٣ الإسراء / آية: ٧٤. ٤ الإسراء / آية:١. ٥ الجن / آية: ١٩. ٦ أخرجه البخاري في كتاب التوحيد باب ١٩ جـ١٣/ ٣٩٢، ومسلم كتاب الإيمان باب ٨٤ جـ١ /١٨٠، ١٨١. ٧ طريق الهجرتين وباب السعادتين ص ١٠،١١.
[ ١٩١ ]
تبوك لما ضلت راحلته: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ١٠
المسألة الثانية: وهى من أهم المسائل، اعلم أنه يجب على كل إنسان أن يميز بين حقوق الله تعالى التي هي من خصائص ربوبيته التي لا يجوز صرفها لغيره، وبين حقوق خلقه كحق النبي ﷺ ليضع كل شيئ في موضعه على ضوء ما جاء به النبي ﷺ في هذا القرآن العظيم والسنة الصحيحة٠
وإذا عرفت ذلك فاعلم: أن من الحقوق الخاصة بالله التي هي من خصائص ربوبيته التجاء عبده إليه إذا دهمته الكروب التي لا يقدر على كشفها إلا الله، فالتجاء المضطر الذي أحاطت به الكروب ودهمته الدواهي لا يجوز إلا لله وحده، لأنه من خصائص الربوبية، فصرف ذلك الحق لله وإخلاصه له هو عين طاعة الله ومرضاته، وطاعة رسوله ﷺ ومرضاته، وهو عين التوقير والتعظيم للنبي ﷺ لأن أعظم أنواع توقيره وتعظيمه هو اتباعه والاقتداء به في إخلاص التوحيد والعبادة له وحده جل وعلا، وقد بين جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه أن التجاء المضطر من عباده إليه وحده في أوقات الشدة والكرب من خصائص ربوبيته تعالى قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ٢، ثم بين من خصائص ربوبيته الدالة على أنه المعبود وحده فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ فهذه المذكورات التي هي خلق السماوات والأرض وإنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق ذات البهجة التي لا يقدر على إنبات شجرها إلا الله من خصائص ربوبيه الله، ولذا قال تعالى بعدها ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يقدر على خلق
_________________
(١) ١ التوبة / آية:٦٥، ٦٦. ٢ النمل / آية: ٥٩، ٦٠.
[ ١٩٢ ]
السماوات والأرض وإنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق به، والجواب "لا" لأنه لا إله إلا الله وحده"١٠
٣- الآيات الدالة على أن دعاء غير الله واللجوء إليه شرك٠
جاء آيات كثيرة في القرآن الكريم تبين أن الدعاء والاستعاذة والاستغاثة لا تكون إلا بالله وحده لا شريك له، وأن الآلهة الباطلة التي عبدت من دونه لا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرا، فكيف يرجو العبد منها شيئا لا تملكه، وذلك سدَّا لذريعة التعلق بها، أو اعتقاد نفع فيها، ويسلك القرآن الكريم في ذلك مسلكا عظيما يضيق المقام عن استقصائه، ولكن تكفى الإشارة إلى بعض من ذلك ٢٠
بيان عجز هذه الآلهة المزعومة وإبراز فقرها وضعفها كقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ ٣٠ وكقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٤ ٠ فقد بينت هذه الآيات بيانا شافيا قاطعا للعذر أن غير الله لا يدعى لأنه إلى جانب أنه لا ينفع ولا يضر لم يخلق شيئا بالاستقلال، كما لم يخلق شيئا بالشركة، وليس عند المشركين أي دليل على ما يفعلون ثم بينت الآيات ضلال من يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة، بل نصَّت على أن المدعو غافل عن دعاء الداعي مما يبين عجزه وضعفه وشدة
_________________
(١) ١ أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن جـ٧ /٦١٧ – ٦٢١. ٢ باختصار وتصرف من كتاب دعوة التوحيد للدكتور /محمد خليل هراس ص ٣٥ - ٤٠. ٣ الإسراء آية: ٥٦ – ٥٧. ٤ الأحقاف الآيات من ٤ – ٦.
[ ١٩٣ ]
أ - احتياجه إلى خالقه وربه، وقد ذكر القاسمي –﵀ – في الآيات الأخيرة لطيفة جميلة نقلها عن من يعرف بالناصر وإليك نصها:"لطيفة: قال الناصر: في قوله ﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ نكتة حسنة، وذلك أنه جعل يوم القيامة غاية لعدم الاستجابة، ومن شأن الغاية انتهاء المُغيَّا عندها لكن عدم الاستجابة مستمر بعد هذه الغاية، لأنهم في يوم القيامة أيضا لا يستجيبون لهم، فالوجه – والله أعلم – أنها من الغايات المشعرة بأن ما بعدها، وإن وافق ما قبلها، إلا أنه أزيد منه زيادة بينة تلحقه بالثاني، حتى كأن الحالتين وإن كانتا نوعا واحدا لتفاوت ما بينهما كال شيئ وضده، وذلك أن الحالة الأولى التي جعلت غايتها القيامة، لا تزيد على عدم الاستجابة، والحالة الثانية التي في القيامة زادت على عدم الاستجابة بالعداوة والكفر بعبادتهم إياهم، فهو من وادي ما تقدم آنفا في سورة الزخرف في قوله: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾ ١٠
ومثل هذه الآيات ما جاء في قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ٢٠
فقد أخبر الله فيها عن حال المدعويين من دونه من الملائكة والأنبياء وغيرهم بما يدل على عجزهم وضعفهم، وأنهم قد انتفت عنهم الأسباب التي تكون في المدعو، وهى الملك، وسماع الدعاء، والقدرة على استجابته، فمتى لم توجد هذه الشروط تامة بطلت دعوته، فكيف إذا عدمت بالكلية؟ ٣٠
_________________
(١) ١ محاسن التأويل جـ١٥ /٥٣٣٨، ٥٣٣٩، والآيتين من سورة الزخرف ٢٩،٣٠. ٢ فاطر / آية: ١٣، ١٤. ٣ انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد / ١٨٨.
[ ١٩٤ ]
أ - التشنيع بحال العابدين لهذه الآلهة الباطلة ورميهم بالضلال والسفه وعدم التعقل والتفكر، حيث رضوا لأنفسهم أن يعبدوا من لا يستحق العبادة ممن لا يملك لهم ولا لغيرهم نفعا ولا ضرا ولا يسمع ولا يبصر، ولا يملك من أمر نفسه شيئا، وذلك لأن الإله يجب أن يكون متصفا بصفات الجلال والكمال منزها عن صفات العجز والنقص والحدوث والاحتياج، لأن كل ذلك مناف للإلهية ٠ قال تعالى على لسان إبراهيم – ﵇ – في خطابه لقومه: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١٠ وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ ٢٠
جـ- تصوير ما سيكون وسيقع يوم القيامة بين العابدين والمعبودين، وبين الأتباع
والمتبوعين من التبرؤ والمعاداة وتنصل المعبودين من جناية هؤلاء العابدين، وإنكارهم أن يكون لهم يد في إضلالهم وشركهم، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ٣٠
يقول ابن كثير في هذه الآيات:"وفى هذا تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع الله غيره، ممن لا يسمع ولا يبصر، ولا يغنى عنهم شيئا، ولم يأمرهم بذلك ولا رضي به ولا أراده، بل تبرأ منهم في وقت أحوج ما يكونون إليه،
_________________
(١) ١ الأنبياء / آية: ٦٧. ٢ الرعد / آية: ١٤. ٣ يونس الآيات من ٢٨ – ٣٠.
[ ١٩٥ ]
وقد تركوا عبادة الحي القيوم السميع البصير، القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، وقد أرسل رسله وأنزل كتبه آمرا بعبادته وحده لا شريك له ناهيا عن عبادة ما سواه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٢، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ٣٠
والمشركون أنواع وأقسام كثيرون قد ذكرهم الله في كتابه، وبين أحوالهم وأقوالهم ورد عليهم فيما هم فيه أتم رد"٤٠
_________________
(١) ١ النحل / آية:٣٦. ٢ الأنبياء / آية: ٢٥. ٣ الزخرف / آية: ٤٥. ٤ تفسير ابن كثير جـ٣ /٢٠١، ٢٠٢، وراجع ما بعدها من صفحات فإنه كلام جيد ونفيس٠
[ ١٩٦ ]
المبحث الثالث: بعض أحاديث سد الذرائع المتعلقة بالشرك الأكبر٠
بعث رسول الهدى ﷺ رحمة للعالمين وهداية للناس أجمعين، وكان ﷺ حريصا كل الحرص على رجوع العباد إلى ربهم وعبادتهم له وحده، وكان توحيد العبادة على رأس المهمات التي ركز عليها ﷺ، بل هو لُبَّ دعوته ودعوة إخوانه من الأنبياء والمرسلين، ولذلك لا نجد عجبا حينما نجد كتب السنة قد امتلأت بكثير من الأحاديث التي حذر فيها النبي ﷺ أمته من الشرك، واحتاط ﷺ لهذا الأمر احتياطا عظيما بالغا، فسد الذرائع وأغلق أي باب يؤدى إلى الشرك، وأكَّد وكرر ونهى وحذر في مواقف مختلفة متعددة، حتى وقع ذلك منه ﷺ وهو على فراش الموت٠
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:"وقد كان النبي ﷺ يحقق هذا التوحيد لأمته، ويحسم عنهم مواد الشرك، إذ هذا تحقيق قولنا "لا إله إلا الله"، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب لكمال المحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والرجاء والخوف" ١٠
وهذه نبذة يسيرة مما قاله ﷺ في ذلك٠
١- نهى عن الغلو فيه حتى لا يكون ذلك ذريعة إلى عبادته من دون الله، أو مع الله٠
فعن عمر بن الخطاب – ﵁ – قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده فقولوا: عبد الله ورسوله" ٢ والإطراء هو مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه ٣، ولذلك نهى عنه النبي ﷺ حتى لا تقع أمته فيه، وتفعل كما فعلت النصارى بعيسى بن مريم٠
_________________
(١) ١ مجموع الفتاوى جـ١ /١٣٦. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء باب ٤٨ جـ٦ / ٤٧٨، والدرامي في كتاب الرقائق جـ٢ /٣٢٠، وأحمد في مسنده جـ١/٢٣، ٢٤، ٤٧، ٥٥. ٣ النهاية في غريب الحديث والأثر جـ٣/١٢٣.
[ ١٩٧ ]
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في شرحه للحديث:"أي لا تمدحوني فتغلوا في مدحي كما غلت النصارى في عيسى – ﵇- فادَّعوا فيه الإلهية، وإنما أنا عبد الله ورسوله فصفوني بذلك كما وصفني ربى فقولوا عبد الله ورسوله"١٠
وقد بين النبي ﷺ أن الغلو بصفة عامة أهلك الأمم السابقة، وكان سببا في القضاء عليها، ومن هنا حذر أمته منه حتى لا تهلك كهلاكهم، فعن ابن عباس – ﵁ – قال:"قال لي رسول الله ﷺ غداه جمع ٢ "هلَّم القط لي"، فلقطت له حصيات من حصى الخذف ٣، فلما وضعهن في يده قال: "نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين" ٤٠
ولمسلم عن ابن مسعود – ﵁ – قال: قال رسول الله ﷺ "هلك المتنطعون" قالها ثلاثا ٥٠ والمتنطعون: هم المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم ٦٠
وكرر النبي ﷺ هذه الكلمة ثلاث مرات مبالغة في التعليم والإبلاغ، وتحذيرا من الوقوع فيه لخطره وضرره على العقيدة وحماية لجناب التوحيد٠
قال ابن القيم:"فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، وخير الناس النمط الأوسط، وقد جعل الله سبحانه هذه الأمة وسطا، وهى الخيار العدل لتوسطها
_________________
(١) ١ فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص ٢٠٣، ٢٣١. ٢ يعنى مزدلفة٠ ٣ أي حصى صغارا. انظر لسان العرب جـ٩ / ٦١. ٤ أخرجه أحمد في مسنده جـ١/٢١٥، ٣٤٧، والنسائي في كتاب مناسك الحج جـ٥ /٢١٨، وابن ماجة كتاب المناسك باب ٦٣ جـ٢/١٠٠٨، وابن أبى عاصم في السنة جـ١/٤٦، والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. ٥ صحيح مسلم كتاب العلم باب ٤ جـ٤ / ٢٠٥٥. ٦ شرح النووي على مسلم جـ١٦ / ٢٢٠.
[ ١٩٨ ]
بين الطرفين المذمومين، والعدل: هو بين طرفي الجور والتفريط، والآفات إنما تتطرق إلى الأطراف والأوساط محمية بأطرافها، فخيار الأمور أوساطها٠
قال الشاعر:
كانت هي الوسط المحمى فاكتنفت بها الحوادث حتى أصبحت طرفا١٠
وقد كان الغلو هو سبب عبادة الأصنام وحدوث الشرك في الأرض كما جاء في البخارى عن ابن عباس – ﵁- في قول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ ٢ قال: "أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتنسخ ٣ العلم عبدت"٤٠
فهؤلاء كما جاء في الحديث غلوا في هؤلاء الصالحين لماَّ صوروا صورهم ونصبوها في مجالسهم، وكان الدافع لهم إلى ذلك – في زعمهم- أن ينشطوا ويجتهدوا في الطاعة والعبادة ويسلكوا سبيلهم ولكن آل الأمر بعد طول الأمد وغلبة الجهل ووسوسة الشيطان إلى عبادتهم من دون الله ﷿، وقد ساق ابن جرير الطبري بإسناده إلى محمد بن قيس أنه قال:"كانوا قوما صالحين من بنى آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال:"إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم"٥٠
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان جـ١ / ١٨٢. ٢ نوح / آية: ٢٣. ٣ يعنى تحول وتغير ونسى بسبب ذهاب العلماء٠ ٤ البخاري كتاب التفسير جـ٨ /٦٦٧. ٥ جامع البيان في تفسير القرآن جـ٢٩ / ٦٢.
[ ١٩٩ ]
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن:"فصارت هذه الأصنام بهذا التصوير على صور الصالحين سُلَّما إلى عبادتها، وكل ما عبد من دون الله من قبر، أو مشهد، أو صنم، أوطاغوت فالأصل في عبادته هو الغلو كما لا يخفى على ذوى البصائر"١٠
وقال الشيخ حافظ الحكمي بعد ذكره لحديث ابن عباس:"فلو جاءهم اللعين وأمرهم من أول مرة بعبادتهم لم يقبلوا ولم يطيعوه، بل أمر الأولين بنصب الصور لتكون ذريعة للصلاة عندها ممن بعدهم، ثم تكون عبادة الله عندها ذريعة إلى عبادتها ممن يخلفهم"٢٠
وقال الشيخ صديق حسن خان:"ومن أسباب عبادة الأصنام الغلو في المخلوق وإعطاؤه فوق منزلته"٣٠
١- بيان النبي ﷺ أن الاستغاثة بالله وحده٠
الاستغاثة: هي طلب الغوث وهو إزالة الشدة٠يقال: استغاثني فلان فأغثته، ولا تجوز بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله٠ قال تعالى مبينا استغاثة الرسول ﷺ وصحبه الكرام بربهم وحده: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ٤٠
وعن عمر بن الخطاب﵁ – قال:"لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا، فاستقبل نبي الله ﷺ القبلة، ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: "اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض"، فمازال يهتف بربه، مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن
_________________
(١) ١ فتح المجيد الهامش ص ٢٢٥. ٢ معارج القبول جـ١ / ٤٢٢. ٣ الدين الخالص جـ٢/ ٤٤٥. ٤ الأنفال / آية: ٩.
[ ٢٠٠ ]
منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه، ثم التزمه من ورائه، وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، فأمده الله بالملائكة"١٠
وروى الطبراني عن عبادة بن الصامت – ﵁ – قال: قال أبو بكر: قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله ﷿" ٢٠
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بعد ذكره للحديث:"فيه النص على أنه لا يستغاث بالنبي ﷺ ولا بمن دونه٠ كره النبي ﷺ أن يستعمل هذا اللفظ في حقه، وإن كان مما يقدر عليه في حياته، حماية لجناب التوحيد وسدا لذرائع الشرك وأدبا وتواضعا لربه وتحذيرا للأمة من وسائل الشرك في الأقوال والأفعال، فإذا كان هذا فيما يقدر عليه ﷺ في حياته، فكيف يجوز أن يستغاث به بعد وفاته"٠
وقال في قرة العيون: "وقيل إن النبي ﷺ كان يقدر أن يغيثهم من ذلك المنافق فيكون نهيه ﷺ عن الاستغاثة به حماية لجناب التوحيد، وسدا لذرائع الشرك كنظائره مما للمستغاث به قدرة عليه مما كان يستعمل لغة وشرعا مخافة أن يقع من أمته استغاثة بمن لا يضر ولا ينفع"٣٠قلت: ويظهر بذلك أن الاستغاثة نوعان:
_________________
(١) ١ مسلم كتاب الجهاد باب ١٨ جـ٣ /١٣٨٤، وأحمد في مسنده جـ١ / ٣٠، ٣٢. ٢ قال الهيثمي في مجمع الزوائد جـ١٠ / ١٥٩: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث٠ قلت: ابن لهيعة ضعيف مختلط إلا في رواية العبادلة عنه، وهذه ليست منها، وقد ذكر بعض العلماء هذا الحديث في كتبهم كابن تيمية وغيره وسقته هناك كشاهد على موضوع سد الذرائع التي أنا بصدد الحديث عنها٠ ٣ فتح المجيد / ١٨٤، ١٨٥، وبها مشه كلامه في قرة العيون٠
[ ٢٠١ ]
أ-استغاثة لا يقدر عليها إلا الله ولا تطلب إلا منه وحده، وطلبها من غيره شرك، وهى التي تقدم الحديث عنها٠
ب-استغاثة بالمخلوق فيما يقدر عليه ويتمكن من فعله والقيام به، فهذه ليست شركا، وذلك كاستغاثة الغريق مثلا بمن ينقذه ومنه استغاثة الاسرائيلي بموسى – ﵇ – كما جاء في قوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ ١٠
٣- النهى عن اتخاذ القبور مساجد وعبادة الله عندها٠
قبل بيان ما ورد في الشرع من ذلك أرى من الضروري أن أبين أولًا صفة القبور الشرعية، حتى يتبين لنا المخالفات التي وقع فيها من اتخذوا القبور مساجد، ونفهم أيضا أهمية التحذيرات المتكررة من النبي ﷺ ونهيه الشديد عن اتخاذ القبور مساجد٠
قال ابن فارس في مادة "قبر":"القاف والباء والراء أصل صحيح يدل على غموض في شيئ وتطامن٢، ومن ذلك القبر قبر الميت، ويقال في اللغة: أطمأنت الأرض وتطأمنت: انخفضت ٣٠
وهذا يحدد مفهوم كلمة "قبر" في اللغة، وهو ما كان من المواضع منخفضا غير شارع ولا بارز٠
_________________
(١) ١ القصص / آية: ١٥. ٢ أي انخفاض. ٣ انظر معجم مقاييس اللغة ج٥/٤٧ولسان العرب جـ١٣ / ٢٦٨.
[ ٢٠٢ ]
وقد بين النبي ﷺ في سنته صفة القبور، وما يجب أن تكون عليه، ومن ذلك ما رواه جابر بن عبد الله – ﵄- قال:" نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر أو يقعد عليه أو يبنى عليه" ١٠
وعن أبى الهياج الأسدي قال: قال لي على بن أبى طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ:"أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته"٢٠
وقد وردت أحاديث كثيرة بهذا المعنى، وكلها تدل على تحريم البناء على القبور أو الكتابة عليها وتجصيصها، وإيقاد السرج عليها٣٠
والآن إلى ذكر بعض الأحاديث الواردة في النهى عن اتخاذ القبور مساجد والصلاة عندها، وبيان ما في ذلك من سد لذرائع الشرك٠
١-عن عائشة وعبد الله بن عباس – ﵄ – قالا: لما نزل ٤ برسول الله ﷺ طفق٥ ﷺ يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتنم بها كشفها عن وجهه فقال وهو كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا٦٠
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم في كتاب الجنائز باب ٣٢ جـ٢ /٦٦٧، وأحمد في مسنده جـ٣/ ٣٣٩، والترمذي في أبواب الجنائز باب ٥٧ جـ٤ / ١٥٥، وأبو داود في كتاب الجنائز باب ٧٦ جـ٣ /٥٥٢. ٢ أخرجه مسلم في كتاب الجنائز باب ٣١ جـ٢ /٦٦٦، والترمذي في أبواب الجنائز باب ٥٥ جـ٤/١٥٠، وأبو داود في كتاب الجنائز باب ٧٢ جـ٣ / ٥٤٨. ٣ يراجع في ذلك المبحث الثالث من الفصل الثاني من كتابي "أصول الاعتقاد عند الإمام البغوي"٠ ٤ نُزل ونزل، والمعنى: لما نزل ملك الموت، أو حضرت المنية، والوفاة رسول الله ﷺ ٥ طفق: بكسر الفاء وفتحها، أي: جعل، والكسر أفصح وأشهر٠ ٦ الحديث أخرجه البخاري في مواضع منها كتاب الصلاة باب ٥٥ جـ١/٥٣٢، وكتاب الجنائز باب ٦١ جـ٣ /٢٠٠، وباب ٩٦ جـ٣/٢٥٥، وكتاب أحاديث الأنبياء باب ٥٠ جـ٦/٤٩٤، ومسلم في كتاب المساجد باب ٣ جـ١/ ٣٧٧، والنسائي في كتاب المساجد باب النهى عن اتخاذ القبور مساجد جـ٢/٣٣ وأحمد في مسنده جـ٦ /٢٢٨، ٢٧٥
[ ٢٠٣ ]
قال القرطبي في معنى الحديث:"وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها، كما كان السبب في عبادة الأصنام"، وقال أيضًا:"ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي ﷺ فأعلوا حيطان تربته وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره ﷺ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال، حتى لا يمكنوا أحدا من استقبال قبره ١٠
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فحرم ﷺ أن تتخذ قبورهم مساجد بقصد الصلوات فيها، كما تقصد المساجد، وإن كان القاصد لذلك إنما يقصد عبادة الله وحده، لأن ذلك ذريعة إلى أن يقصدوا المسجد لأجل صاحب القبر ودعائه، والدعاء به، والدعاء عنده، فنهى رسول الله ﷺ عن اتخاذ هذا المكان لعبادة الله وحده لئلا يتخذ ذريعة إلى الشرك بالله، والفعل إذا كان يفضى إلى مفسدة وليس فيه مصلحة راجحة ينهى عنه، كما نهى عن الصلاة في الأوقات الثلاثة لما في ذلك من المفسدة الراجحة، وهو التشبه بالمشركين الذي يفضى إلى الشرك"٢٠
وقال في موطن آخر:"إنه نهى عن بناء المساجد على القبور ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تكبير القبور وتشريفها وأمر بتسويتها، ونهى عن الصلاة إليها
_________________
(١) ١ فتح المجيد /٢٣٩. ٢ مجموع الفتاوى جـ٣ / ١٦٣، ١٦٤.
[ ٢٠٤ ]
وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانا، وحرم ذلك على من قصد هذا ومن لم يقصده بل قصد خلافه سدا للذريعة"١٠
٢-وفى الصحيحين وغيرهما ٢ أن أم حبيبة وأم سلمة – ﵄ – ذكرتا كنيسة رأينها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال ﷺ: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله" ٠
قال ابن حجر:"وإنما فعل ذلك أوائلهم ليتأسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم، ثم خلف من بعدهم خلوف جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها فعبدوها، فحذر النبي ﷺ عن مثل ذلك سدا للذريعة المؤدية إلى ذلك ٣٠
وقال ابن القيم بعد ذكره لهذا الحديث وغيره من الأحاديث الناهية عن اتخاذ القبور مساجد:"إن فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر، فإذا نهى عن ذلك، أي عن الصلاة بعد هذين الوقتين سدا لذريعة التشبه التي لا تكاد تخطر ببال المصلى، فكيف بهذه الذريعة القريبة التي كثيرا ما تدعو صاحبها إلى الشرك ودعاء الموتى
_________________
(١) ١ مجموعة الفتاوى الكبرى جـ٣ / ١٤١. ٢ أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب ٤٨ جـ١/٥٢٣، وباب ٥٤ جـ١/٥٣١، وكتاب الجنائز باب ٧٠ جـ٣ / ٢٠٨، وكتاب مناقب الأنصار باب ٣٧ جـ٧ / ١٨٧،١٨٨، ومسلم في كتاب المساجد باب ٣ جـ١ / ٣٧٥، والنسائي في كتاب المساجد جـ٢ /٣٣. ٣ فتح الباري جـ١/٥٢٥.
[ ٢٠٥ ]
واستغاثتهم، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة عند قبورهم أفضل منها في المساجد مما هو محادة لله ورسوله ﷺ "١٠
٣- وعن جندب بن عبد الله البجلي أنه سمع النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ ابراهيم خليلًا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلا٠ ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد٠ ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" ٢٠
قال النووي:"قال العلماء: إنما نهى النبي ﷺ عن اتخاذ قبره وقبر غيره مسجدًا خوفًا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به، فربما أدى ذلك إلى الكفر، كما جرى لكثير من الأمم الخالية "٣٠
وقال ابن القيم:"إن النبي ﷺ نهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن من فعل ذلك، ونهى عن تجصيص القبور وتشريفها واتخاذها مساجد، وعن الصلاة إليها وعندها، وعن إيقاد المصابيح عليها، وأمر بتسويتها ونهى عن اتخاذها عيدا، وعن شد الرحال إليها، لئلا يكون ذلك ذريعة إلى اتخاذها أوثانا والإشراك بها، وحرم ذلك على من قصده ومن لم يقصده، بل قصد خلافه سدَّا للذريعة"٤٠
وقد ذكر الصنعاني بعد سياقه لبعض الأحاديث المبينة لصفات القبور الشرعية:"وهذه الأخبار المعبر فيها باللعن والتشبيه بقوله:"لا تجعلوا قبري وثنا يعبد من دون الله"، تفيذ التحريم للعمارة والتزيين والتجصيص، ووضع
_________________
(١) ١ إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان جـ١/ ١٨٨. ٢ أخرجه مسلم في صحيحة كتاب المساجد باب ٣ جـ١ / ٣٧٧، ٣٧٨. ٣ شرح النووي على مسلم جـ ٥ / ١٣. ٤ إعلام الموقعين عن رب العالمين جـ٣ /١٥١.
[ ٢٠٦ ]
الصندوق المزخرف، ووضع الستائر على القبر وعلى سمائه، والتمسح بجدار القبر، وأن ذلك قد يفضى مع بعد العهد وفشو الجهل إلى ما كان عليه الأمم السابقة من عبادة الأوثان، فكان في المنع عن ذلك بالكلية قطع لهذه الذريعة المفضية إلى الفساد، وهو المناسب للحكمة المعتبرة في شرع الأحكام من جلب المصالح ودفع المفاسد سواء كانت بأنفسها أو باعتبار ما تفضي إليه"١٠
٤-وعن ثابت بن الضحاك – ﵁ – قال:"نذر رجل على عهد النبي ﷺ أن ينحر إبلا ببوانة، فقال النبي ﷺ "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ " قالوا: لا، قال: " هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قالو: لا ٠ قال رسول الله ﷺ " أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" ٢٠
_________________
(١) ١ سبل السلام شرح أدلة الأحكام جـ٢/٥٧٤. ١ بوانة: هضبة وراء ينبع قريبة من ساحل البحر. انظر معجم البلدان جـ ١/٥٠٥ ٢ أخرجه أبو داود في سننه كتاب الأيمان والتذور باب ٢٣ جـ٩ / ١٤٠.وقال الشيخ الألبانى٠ صحيح٠ انظر صحيح سند أبى داود جـ٢ /٦٣٧.
[ ٢٠٧ ]