من عقيدة أهل السنة والجماعة أن من عصى الله وتجاوز حدوده وهو يعلم أن فعله حرام أنه لا يكفر، وأما من استحل ما حرم الله من العاصي فإنه يكفر وإن لم يفعلها، لكن من تاب في زمن التوبة فإنها تقبل منه ولو كانت من الكفر والشرك.
[ ١٢ / ١ ]
تقرير كفر من ارتكب المعصية إذا استحلها
يقول الشيخ حافظ حكمي ﵀: ولا نكفر بالمعاصي مؤمنا إلا مع استحلاله لما جنى أي: لا نكفر من ارتكب المعصية إلا إذا استحلها، وأشرنا إلى عمل القلب في أمر المعاصي، وفي التفريق بين الكفر والإيمان، فهناك عمل القلب وهناك عمل الجوارح، سواء في الطاعات أو المعاصي، فالشخص الذي يسرق ويشرب الخمر ويفعل الفواحش له شقان: شق هو اعتقاد قلبه تجاه هذه الأشياء، وشق يتعلق بالناحية العملية، وإذا ارتكب شخص شيئًا من هذه المحرمات فهنا يعد عاصيًا فاسقًا؛ لأنه ارتكب كبيرة أو ذنبًا من الذنوب، ولا يكفي هذا لتكفيره؛ لأنه ما زال في قلبه التصديق بأن هذا الشيء حرام، إنما غلبه هواه أو زين له شيطانه أو حرضه رفقاء السوء، أو أي عامل من العوامل التي مهدت له الوقوع في هذه المخالفة، لكنه بقلبه يعتقد أن الخمر حرام وأن السرقة حرام، فهذا نوع من الجريان مع الهوى والميل مع الشيطان، فلا يكفي ذلك لتكفيره، بل هذا ينقص إيمانه.
رجل آخر لا يشرب الخمر ويقول: إنها تضر بالصحة، لكنه يعتقد بقلبه أنها حلال، فهذا كافر كفرًا أكبر، حتى ولو لم يذق قطرة من الخمر، وخارج من الملة مثل: فرعون وهامان وأبي لهب؛ لأن هذا استحل بقلبه وإن لم يفعل بجوارحه هذه المعصية.
إن اعتقاد المسلم هو وجود عمل القلب بالتصديق بحكم الله في هذه المسائل حتى في حالة المعصية، ولذلك يفرق بين المسلم مرتكب المعصية الذي يفسق بفعلها، أو ينقص إيمانه بفعلها، وبين الشخص الذي لم يفعل المعصية لكنه كافر لاستحلاله إياها بقلبه.
وأشرنا من قبل إلى الأدلة التي تثبت أن فاعل المعصية لا يخرج من الملة، وذكرنا بعض هذه الأدلة سواء من القرآن الكريم أو من سنة النبي ﵌، فمن قتل النفس التي حرم الله هذا من الكبائر، واقتتال طائفتين من المسلمين هو من أكبر الكبائر، ورغم ذلك أثبت لهم القرآن أخوة الإسلام، فقال ﵎: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] قوله: «مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» أثبت لهم صفة الإيمان.
﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩].
هذا قتال بغاة، وفرق كبير في الأحكام الفقهية بين قتال البغاة وقتال الكفار، مثلًا في قتال الكفار الأسير الجريح تجهز عليه؛ لأنك تستحل دمه، وإذا فر تتبعه حتى تقضي عليه، وتسبى نساؤهم وتغنم أموالهم.
وقتال البغاة هذا لم يقع أبدًا في عهد النبي ﵌، وإنما الأمر كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁: (أنا الذي علمت الناس قتال أهل القبلة).
يعني: أنه أول من طبق فقه قتال أهل القبلة، ولذلك كان الصحابة ﵃ في الفتنة الكبرى حينما اقتتل جيش علي وجيش معاوية ﵄، كانوا إذا أتى وقت الصلاة يوقفون القتال ويصلون، وكان إذا قتل أي واحد من القتلى أي فريق من الاثنين يأخذه ويصلي عليه ويكفنه ويؤدي حق المسلم معه، ولم يسبوا نساءهم ولم يستحلوا أموالهم، وما كانوا يجهزون على الجريح؛ لأن المقصود كما قال الإمام الشافعي: ليس القتال من القتل بسبيل؛ قد يحل قتال الرجل ولا يحل قتله، والبغاة عبارة عن طائفة من المسلمين تخرج بتأويل سائغ على الخليفة، تكون لها قوة ومنعة وزعيم ومطالب محددة أو تأويل لبعض النصوص؛ فيخرجون على الخليفة الحق، فهؤلاء تطبق عليهم أحكام قتال البغاة، ولم يحصل هذا في عهد النبي ﵊؛ لأن وجود الرسول ﵊ كان رحمة للأمة من أن يصطرعوا أو يتقاتلوا، لكن وقعت الفتنة كما قدر الله ﵎ فحصل ما حصل، فلذلك كان أول مجال عملي طبق فيه فقه مقاتلة البغاة هو الحرب بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، فلذلك لم يحصل سبي للنساء؛ لأن هذا فرق بين قتال المسلمين وقتال الكافرين، ولذلك الخوارج كفروا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وخرجوا عليه، قالوا: لماذا لا تسبي نساءهم؟ فقال لهم: أتسبون أمكم عائشة ﵂؟ فلم يحصل أي شيء.
إذًا: المقصود من قتال البغاة هو إضعاف شوكتهم وليس المقصود استحلال دمائهم، فلذلك إذا فر من المعركة وهرب لا يتبعه أحد، وإذا جرح وعجز عن مواصلة القتال لا يجهز عليه، ولا تسبى النساء، ولا تغنم الأموال، ولكن الكافر يباح دمه ويقتل ويجهز عليه كما هو معلوم.
الشاهد أن التطبيق العملي لهذه الآية التي تتحدث عن قتال البغاة تؤكد أن المعاملة كانت بين جيشين متقاتلين معاملة البغاة، وليست معاملة المرتدين أو الكافرين.
أيضًا الذي يقتل أخاه لأي هوى دافع من العصبية أو الصراع على دنيا أو أي شيء، قال ﵎ عنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] القصاص لا يحصل إلا بعد أن يكون هناك قاتل ومقتول، ومع ذلك خاطبهم بلفظ الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾، أي: إذا عفا ولي الدم عن القاتل؛ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة:١٧٨]، فأثبت لهم الأخوة مع وجود هذه المقاتلة.
﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة:١٧٨].
لوكان هذا القاتل مرتدًا لما سماه الله أخًا؛ لأنه لا أخوة البتة بين مؤمن وكافر.
كذلك حاطب بن أبي بلتعة، مع أنه من البدريين ﵁ فقد ارتكب معصية كبيرة من الكبائر، حينما أرسل كتابًا إلى أهل مكة من المشركين يخبرهم فيه: أن رسول الله ﷺ يريدهم ويقصد مقاتلتهم وغزوهم، وأنه جهز جيشًا لفتح مكة، ونزل جبريل ﵇ فأخبر النبي ﵌ بما فعل حاطب بن أبي بلتعة ﵁، وأرسل النبي ﷺ نفرًا من أصحابه فتتبعوا المرأة التي كانت تحمل هذه الرسالة، وفعلًا هددوها إما أن تخرج الكتاب، وإما أن يرفعوا الثياب ويكشفوها حتى يفتشوا عن ذلك، فأخرجت المرأة هذا الكتاب وأحضروه إلى النبي ﵌، وحينئذ نزل قوله ﵎: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا» خاطبه بوصف الإيمان مع ارتكابه لهذه المعصية الكبيرة.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الممتحنة:١].
حينئذ اعتذر حاطب رضي الله تعالى عنه بأن كل واحد من الصحابة له عصبة ورجال يحمون ذويهم في قريش من الكفار، فهو أراد أن يبذل بعض الجميل للكفار؛ لأنه ليس له ولا لذويه في قريش هذه المنعة، فأراد أن يصنع لهم يدًا بحيث يكفوا شرهم عن أهله في مكة، فمن أجل هذا التأويل تجاوز له الله عن هذا الفعل؛ لأنه لم يقصد خيانة الله ورسوله، فحينما استأذن عمر رضي الله تعالى عنه النبي ﵌ في ضرب عنق حاطب، قال: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فحينئذ قال له النبي ﵌: (وما يدريك يا عمر لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، مع أن عمر ﵁ وصف حاطبًا بالنفاق، مع ذلك امتنع النبي ﵌ عن قتله بهذا الفعل؛ لأنه باق على أصل الإسلام مع ارتكاب هذه المعصية، والمقصود من قوله: (لعل الله اطلع على أهل بدر)، يعني: علم ما خواتيم جميع من شاركوا في غزوة بدر، وأن كلًا منهم إذا أذنب رجع إلى الله ﷿، وليس معناه أن بدريًا يستحل المعاصي، ويقول: أنا بدري وسيغفر الله لي، لكن معناه أن الله اطلع على خواتيمهم، وعلم من شأنهم وأحوالهم أنه لا يوجد بدري إلا إذا أذنب ذنبًا يتوب منه، ولا يصر عليه فيتوب الله عليه.
كذلك ليس كل من خاض في حديث الإفك من المنافقين، بل فيهم مؤمنون كما هو معلوم، ومع ذلك أنزل الله ﵎ قوله: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور:٢٢]، المقصود منها أبو بكر ﵁؛ لأنه كان له قريب يدعى: مسطحًا، وكان أبو بكر ينفق عليه ويتصدق عليه، فحينما وقع في أم المؤمنين أقسم أبو بكر ﵁ أن يقطع عنه هذا الرزق، فنزلت هذه الآية تعاتب أبا بكر رضي الله ﵎ عنه: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٢٢]، فحينئذ قال أبو بكر ﵁: (بلى يا رب والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرد على مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها عنه أبدًا).
وإنما كان ذلك لما أظهر مسطح الندامة.
والإنس
[ ١٢ / ٢ ]
وجوب معاملة الناس بظاهرهم لا بما في قلوبهم
عن أسامة بن زيد ﵄ قال: (بعثنا رسول الله ﵌ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة -يعني: هجمنا في الصباح على هذه القبيلة من جهينة- فأدركت رجلًا من الكفار، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته! مع أنه قال: لا إله إلا الله؛ فوقع في نفسي من ذلك! فذكرته للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟! قال: قلت: يا رسول الله! إنما قالها خوفًا من السلاح! قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ!) قال: فقال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطين يعني: أسامة ﵁، قيل: لأنه كان له بطن عظيم، فقال رجل: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]؟ فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة.
هذا الحديث يجب أن يوضع نصب عين كل من لا يقتنع بأن يحاسب الناس على ما يظهرون، شأن العبيد مع العبيد فبعض الناس يريد أن يحاسب الناس على ما في قلوبهم لا يكتفي بما يظهرونه، ويظل يتتبع ويتحرى حتى ظهرت هذه البدعة الضالة: التوقف والتبين! يقول لك: يتبين، ولسان حالهم يقول: أريد أن أعاملك على أساس ما في قلبك لا على أساس ما تظهره؛ ويتعنت ويتعسف في بذل الجهد في إنقاص عدد أمة محمد ﷺ، هذه هي المهمة التي يعيش من أجلها: كيف يخرج الناس من الإسلام؟! كيف يحكم عليهم بالكفر؟! فمعاملة العبد لعبد لا تنبني إلا على ما يظهر هذا الإنسان، أما الذي يعامل الناس على ما في قلوبهم فهو الله سبحانه؛ لأنه وحده الذي يطلع على ذلك، معلوم قول النبي ﵊ في مناسبة أخرى: (إني لم أؤمر أن أنقب عما في قلوب الناس أو أن أشق بطونهم) أو كما قال ﵌.
وفي بعض الآثار كما في الموطأ عن عيسى بن مريم ﵇ قال: (لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله ﷿ فتقسو قلوبكم، وإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب ولكن انظروا فيها كأنكم عبيد، إنما الناس رجلان: مبتلىً، ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية).
فالإنسان الذي يعامل الناس على ما في قلوبهم تجد أنه ينازع الله في ربوبيته.
أما في حالة أسامة هذه فإن الظاهر أن هذا الرجل لما لاذ بالشجرة أو اختبأ، وقال: لا إله إلا الله، ولنفرض جدلًا أنه قال هذه الكلمة لكي تعصم دمه في الحال، فلا ينبغي حينها أبدًا أن يلتمس مثل هذه المعاذير.
إن قلة الفقه بهذه القضايا هي التي أوجدت مثل هذه الأمور التي نسمع بها من بعض إخواننا في أفغانستان؛ لعدم وجود الفقه والبصيرة والعلم الشرعي، كان بعض الإخوة إذا لاقوا الجنود من حكومة أفغانستان الشيوعية تجد جرأة على إراقة الدماء، فيقولون: لا إله إلا الله ومع ذلك يقتلونهم، هذا انحراف عن هدي النبي ﵌؛ لماذا؟ يقول: هو ما قال ذلك إلا بعد ما قدرت عليه وكدت أن أقتله؛ هذا نفس ما حدث مع أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، ومع ذلك زجره النبي ﵌.
قد يطرأ
السؤال
لماذا لم يؤاخذ النبي ﵊ أسامة بقتله ذلك الرجل الذي قال: لا إله إلا الله؟
الجواب
لم يؤاخذه لوجود الشبهة في هذا الأمر، وأنه ظن أنه إنما قالها تعوذًا؛ فلو قال إنسان هذه الكلمة حتى لو كان الظاهر أنه يتعوذ بها فإنها تحميه، وفي قصة بني جذيمة حينما عرض عليهم خالد الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا، صبأنا.
فصبأنا من حيث اللغة تعني تغيير الدين، أما هو فقد فهمها بخلاف ذلك؛ لأن فيها نوعًا من عدم الصراحة في إثبات أنهم مسلمون أو غير مسلمين، وكان ينبغي أن يتحرى خالد ﵁ لكنه عرضهم على السيف وقتلهم؛ فحينما بلغ ذلك النبي ﵊ رفع يديه إلى السماء وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، وأرسل دية هؤلاء القوم حتى ميلغة الكلب)؛ أي: حتى الإناء الذي يلغ فيه الكلب دفع النبي ﵊ تعويضًا عنه.
الشاهد أن الإنسان ينبغي أن يحترز في مثل هذه الأشياء، وألا يجترئ على إراقة الدماء، وللأسف نسمع الكثير من الناس يسمون قتل المسلمين جهادًا في سبيل الله، هذه مصيبة من المصائب، وهي تنم عن الجهل الفاحش والجرأة على اقتحام حرمات الله ﵎.
يظن الإنسان أنه إذا خاض في قتال الفتنة أنها ما هي إلا لحظات ثم يقفز ويطرح حيث يشاء، ويظن أن ذلك شهادة، ولا يدري لعله قد يلج نار جهنم بإراقة هذه الدماء أو إذا قُتِل في مثل هذه الفتن، فينبغي أن تسمى الأشياء بأسمائها، فالجهاد: هو قتال المشركين لإعلاء كلمة الله، هذا عند الإطلاق صحيح، وتوجد صور أخرى من الجهاد؛ كجهاد النفس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نوع من الجهاد، طلب العلم جهاد، السعي في طلب الرزق جهاد، الخروج على الحاكم إذا جاز الخروج عليه هذا نوع من الجهاد.
لقد شوه الجهاد الآن حتى صار إذا ذكرت كلمة: (جهاد)، تنصرف إلى أحد هذه الأنواع، وإن كان تعريف الجهاد في أي كتاب من كتب الفقه ينصرف عند الإطلاق إلى قتال المشركين لإعلاء كلمة الله ﵎.
الشاهد من حديث أسامة ﵁ أنه قال: (بعثنا رسول الله ﵌ في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلًا، فقال: لا إله إلا الله، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: أقال: لا إله إلا الله وقتلته؟! قال: قلت: يا رسول الله! إنما قالها خوفًا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟! فما زال يكررها حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ!)، يقول: تمنيت أني قبل هذه اللحظة ما كنت مسلمًا، وأن هذه بداية إسلامي؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، وبالتالي تكون صفحته بيضاء، ثم قال رجل أثناء رواية سعد ﵁ للحديث، وذلك حينما دعي إلى الخوض في فتنة القتال بين المسلمين، قال سعد: وأنا والله لا أقتل مسلمًا حتى يقتله ذو البطين- يعني: أسامة - فقال رجل يعاتب سعدًا ﵁ على عدم خوضه في هذا القتال فقال: ألم يقل الله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال:٣٩]؟ فقال سعد: لقد قاتلنا، يعني: قاتلنا لما كانت الراية واضحة لإعلاء كلمة الله وفي سبيل الله.
لقد قاتلنا حتى لا تكون فتنة، وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة! وفي رواية أخرى لـ مسلم في صحيحه: أن رسول الله ﷺ قال: (أقتلته؟ قال -أي: أسامة -: نعم، قال: فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟! قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟! كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟! كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟!).
[ ١٢ / ٣ ]
الأدلة على عدم تكفير العصاة
عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير، ويخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير).
وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال النبي ﵊: (بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف! فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، فبايعناه على ذلك)، الشاهد هو: دخول بعض أهل المعاصي تحت المشيئة، هذا لا يكون إلا للمسلم.
وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: (كنت رديف النبي ﷺ ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل، فقال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديك! ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديك! قال: هل تدري ما حق الله على العباد؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم! قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا؛ ثم سار ساعة ثم قال: يا معاذ بن جبل! قلت: لبيك رسول الله وسعديك! قال: هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم! قال: ألا يعذبهم).
في رواية أخرى لـ مسلم فيها هذه الزيادة، قال: (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا، قال: قلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا)، يعني: يعتمدوا على ذلك ويتركوا التنافس في الأعمال الصالحة.
ولو أن معاذًا ﵁ فهم أن هذا النهي للتحريم لما أخبر بهذا الحديث، لكنه فهم أن هذا النهي عن التبشير ليس للتحريم، ولذا أخبر به عند موته تأثمًا وخوفًا من كتمان العلم.
أيضًا من الأدلة على عدم تكفير العصاة: إقامة الحدود، فالله ﵎ شرع كثيرًا من الحدود في بعض المخالفات، والأدلة متواترة على ذلك في القرآن والسنة والإجماع.
ومن أهم هذه الحدود: حد الزنا: فالمحصن يرجم، والبكر يجلد مائة جلدة ويغرب عامًا أو الجلد فقط على خلاف، شارب الخمر يجلد من أربعين إلى ثمانين جلدة، وغير ذلك مما فيه حد.
وهذه هي حدود الله ﵎ التي يعطلها الناس في هذا الزمان، وربما خرجت منهم عبارات تخرجهم تمامًا من الملة من وصف الحدود الشرعية بأنها عقوبات وحشية، أو نحو ذلك من هذه العبارات الفظة المكفرة لمن يقولها ويعتقدها.
وهؤلاء الذين يقننون القوانين يخدعون الناس بمثل هذه العبارة: الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، وهي كما قال بعض العلماء في مناسبة من المناسبات: إن كلمة: الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، تعني بالضبط كما لو قال قائل: إن الله ﵎ هو الخالق الرئيسي لهذا الكون.
والمعنى: أن هناك خالقين آخرين مع الله، وهناك شركاء مع الله ﵎ عن ذلك علوًا كبيرًا، يحلون ويحرمون ويعطلون حكم الله ﵎؛ فالتشريع حق لله ﷿ وحده.
والشرك في العبادة تمامًا نفس الشرك في الحاكمية أو في الأحكام، قال الله ﵎ في العبادة: ﴿وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:١١٠]، وقال ﷿ في الحكم: ﴿وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف:٢٦]، كما لا يقبل أن يشرك به في العبادة كذلك لا يقبل أن يشرك به في الحكم، قال ﷿: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف:٤٠].
السارق تقطع يده، القاتل يقتل، السن بالسن، العين بالعين، الإصبع بالإصبع، وكذلك سائر الجروح، المحاربون تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، والمرتدون يقتلون: (من بدل دينه فاقتلوه) التعزير هو عقوبة من الإمام فيما لا حد فيه.
فإذًا: لو كان هؤلاء كفارًا لماذا تفاوتت الحدود في النوعية والمقادير؟ إن تفاوت الحدود واختلاف أنواعها له دلالة، حتى القتل هل يقتل ردة أم يقتل حدًا؟ فإن كان مسلمًا قتل حدًا، وبالتالي تجري عليه سائر أحكام المسلمين بعد قتله، من كونه يغسل ويصلى عليه ويورث ويدفن مع المسلمين، أما إذا قتل ردة فيعامل بعد قتله معاملة الكافر والمرتد.
هذا أحد الأدلة أيضًا التي يستدل بها أبو عبيد في رده على الخوارج في كتاب الإيمان: ثم قد وجدنا الله ﵎ يكذب مقالتهم -أي: الخوارج- وذلك أنه حكم في السارق بقطع اليد، وفي الزاني والقاذف بالجلد، ولو كان الذنب يكفر صاحبه ما كان الحكم على هؤلاء إلا بالقتل؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (من بدل دينه فاقتلوه)، أفلا ترى أنهم لو كانوا كفارًا لما كانت عقوبتهم القطع والجلد، وكذلك قول الله فيمن قتل مظلومًا: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ [الإسراء:٣٣]، فلو كان القتل كفرًا ما كان للولي عفو وأخذ دية ولكنه القتل، لو أن القاتل كفر بالقتل لما وجب في حقه إلا حد الردة؛ لقوله: (من بدل دينه فاقتلوه)، لكن الله ﷿ وسع في الأمر، وجعل لولي المقتول سلطانًا: إما أن يعفو ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة:١٧٨]، وإما أن يقبل الدية، وإما أن يصر على أن يقتل كما قتل قريبه.
[ ١٢ / ٤ ]
قبول التوبة إذا استكملت شروطها
هناك قضية أيضًا مر أجزاء منها في الكلام لكن نخصها مرة أخرى بالكلام، إذ كل الكلام السابق متعلق بمن مات مصرًا على الكبيرة ولم يتب، أما من تاب فما من شك أن التوبة التي استوفت شروطها الشرعية أن الله ﵎ يقبلها.
يقول الشيخ حافظ حكمي في سلم الوصول: وتقبل التوبة قبل الغرغرة كما أتى في الشرعة المطهرة وهذه هي المسألة السادسة وهي: أن التوبة إذا استكملت شروطها فهي مقبولة من كل ذنب، سواء كان هذا الذنب كفرًا أو دون الكفر.
[ ١٢ / ٥ ]
دعوة الله الناس جميعًا إلى التوبة وأمره بالرفق في ذلك
لقد دعا الله ﷿ جميع عباده إلى التوبة، حتى من قال: إن المسيح هو الله، حتى من قال: إن الله ثالث ثلاثة، وحتى اليهود الذين قالوا: يد الله مغلولة؛ فما من أحد إلا ودعاه الله ﷿ إلى التوبة، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨].
فالتوبة من أي ذنب سواء كان كفرًا أو دون الكفر إذا استوفت شروطها فهي مقبولة.
أيضًا دعا الله إليها من قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١] ومن ادعى له الصاحبة والولد قال لهم جميعًا بعدما ذكر جميع هذه الأقسام، قال: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٧٤].
بل دعا إليها من هو أعظم محادة لله ﷿ من هؤلاء جميعًا، هل هناك أعظم عنادًا وكفرًا من فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، فقال الله ﵎: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات:١٧ - ١٨]، فانظر إلى التلطف في العبارة: «هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى»، وانظر أيضًا إلى دقة موسى ﵇ ما قال: هل لك إلى أن أزكيك؟ أو ائت حتى أربيك وأنظف قلبك من الشرك والنجس والدنس، لم يضف التزكية إلى نفسه ﵇ وإنما أضافها إلى فرعون: «هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى»، أي: تتزكى أنت، وهذا من التلطف في العبارة، واستجابة لتوصية الله ﷿ لموسى ﵇ وهارون ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
فإذًا: القول اللين الذي لا مداهنة فيه لا ينافي أبدًا التمسك بالدين، بعض الناس يظن أن الغلظة والجفاء والقسوة وخشونة العبارة أسلوب ينم عن عزة المسلم وتمسكه بدينه، فربما خاطب بعض الناس في مقام الدعوة والنصيحة بمثل هذه الأساليب، ويظن أنه إذا ألان له القول فهو مداهن، أو أن هذا ضعف وذل، كلا! لا يوجد أحد أشر في عصره من فرعون، ومع ذلك أمر الله نبيين من صفوة أنبيائه فقال لهما: «فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا»؛ لأن الهدف هو أن يستجيب للحق؛ فأي شيء قد يقف عائقًا دون هذه الاستجابة فينبغي اطراحه: (ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه)، فالرفق والتلطف في العبارة أمر مطلوب وليس من الضعف.
يقول الله ﷿ فيما أوصى به بني إسرائيل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة:٨٣]، كلمة الناس هذه تعم اليهودي والنصراني فكيف بالحنيفي المسلم إذا أردت أن تنصحه؟! لاشك أنه أولى بذلك، وهو حث على الخلق الحسن مع كل من على وجه الأرض، والمسلم مطالب بحسن الخلق في جميع أحواله ومع كل الناس بلا استثناء، والدليل قوله ﵎: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا).
وقال ﷾ لموسى ﵇ في آية أخرى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾ [الشعراء:١٠ - ١١]، وفي الآية الأخرى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه:٤٤].
ودعا إلى التوبة من عمل أكبر الكبائر الشرك بالله ﷿، وقتل النفس بغير حق، والزنا؛ فقال ﵎ بعد ما ذكر كل هذه المعاصي في آخر سورة الفرقان: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان:٦٨ - ٧٠]، حسب قوة التوبة؛ فمن رحمة الله ﷿ أنه يكافئ هذا العبد لشدة إخلاصه في التوبة بأن يبدل سيئاته حسنات في ميزانه.
يقول النبي ﵊ في بعض الأحاديث: (ليتمنين أناس يوم القيامة أن لو أكثروا من السيئات)، في لحظة معينة يوم القيامة بعض الناس يتمنون أن لو كانوا أكثروا من المعاصي والسيئات، هؤلاء هم الذين بدل الله سيئاتهم حسنات.
أما البطالون إذا سمعوا هذا الحديث يقولون: نكثر من السيئات ونتوب فيما بعد حتى تكثر حسناتنا، نقول لهم: هذا غرور وتسويل من الشيطان، لكن المقصود أن الشخص الذي تاب توبة صادقة نصوحًا لا معصية بعدها ووفق بعدها إلى أن مات، فهذا من شدة إخلاصه في التوبة يكافئه الله على ذلك بأن هذه السيئات يبدلها في ميزانه حسنات كرمًا ومنة من الله ﵎.
كما دعا الله ﵎ إلى التوبة من ارتكب كبيرة كتمان ما أنزل الله من البينات والهدى، فقال ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة:١٥٩ - ١٦٠].
ودعا إليها المشركين قاطبة، فقال بعدما أمر بقتلهم حيث وجدوا: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا﴾ [التوبة:٥]، يعني: أسلموا ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:٥].
ودعا أيضًا المنافقين نفاقًا أكبر إلى التوبة، فقال ﷿: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤٥ - ١٤٦].
ودعا إليها جميع المسرفين بكل ذنب، فقال ﵎: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٤] وغير ذلك مما لا يحصى من الآيات.
ومن رحمة الله ﷿ بالعاصي بل بالكافر والمشرك الذي يسب الله ويشرك بالله ﵎ أنه يسد عليه كل الأبواب ما عدا باب التوبة، حتى باب القنوط من رحمة الله يسده الله عليه فانظر إلى الكرم!
[ ١٢ / ٦ ]
وجوب التوبة من الذنوب على الفور
إن تأخير التوبة في حد ذاته ذنب، يقول بعض العلماء: تسويف التوبة ذنب يجب التوبة منه؛ فيجب عليك أيها المسكين التوبة على الفور لا على التراخي، قال ﷿: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣] وقال ﷿: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١] وقال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء:٩٠] وهكذا يجب أن يبادر الإنسان إلى التوبة، فالتوبة في كل وقت يحتاجها الإنسان من كل ذنب، فالله ﷿ حينما زكى وامتدح المؤمنين في أواخر سورة آل عمران، لم يمتدحهم لأنهم معصومون من الذنوب، لكن ذكر من ضمن صفاتهم: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥]، يقول النبي ﵊: (ويل لأقماع القوم الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون)، أو كما قال ﵊، القمع هو الذي إذا وضعت فيه شيء يخرج ولا يثبت فيه؛ لأنهم يصرون على ما يفعلون وهم يعلمون، لذلك وصفوا بالأقماع.
ولذلك سن النبي ﷺ لمن وقع في أي معصية من المعاصي صلاة ركعتين تسميان صلاة التوبة؛ فإذا أذنب العبد ذنبًا فقام فتطهر وأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يستغفر الله ﵎ فيهما من هذا الذنب؛ فإن الله يمحو عنه هذا الذنب، فهذه صلاة التوبة والحديث فيها صحيح.
[ ١٢ / ٧ ]
فرح الله بتوبة عبده
من رحمة الله إرسال الرسل حتى يدلونا على هذه الأبواب، يقول النبي ﵌: (لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه -أي: هربت منه الراحلة -وعليها طعامه وشرابه فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته- يعني: جلس ينتظر الموت فبينا هو كذلك فإذا بها قائمة عنده فأخذ بخطامها) كم تكون فرحة هذا الرجل؟! ليس هناك شك أنها فرحة عظيمة جدًا، فالله ﷿ أشد فرحًا بالعبد إذا تاب من هذا الرجل الذي أشرف على الهلاك، ثم وجد راحلته وعاد له الأمل في الحياة، فانظر كيف تكون رحمته؟ ثم تأمل قوله: (أشد فرحًا)؛ فانظر كيف يحبك الله؟! كيف يريد بك الخير؟! كيف يفرح بك إذا أقبلت عليه ﵎؟! ثم إن هذا الرجل لما استيقظ ورأى راحلته أخطأ من شدة الفرح، فقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك، يقول النبي ﵊: أخطأ من شدة الفرح)، فانظر إلى شدة فرحه التي أذهبت ضبطه لنفسه حتى نطق بهذه العبارة الشديدة.
أيضًا يحكي النبي ﵊ عن ربه ﷿ قال: (أذنب عبدي ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال ﵎: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك!)، قوله: (اعمل ما شئت) ليس المقصود: افعل ما شئت من المعاصي فقد غفرت لك، كلا! هذا من الاغترار بالله، لكن المقصود أن الله علم من هذا العبد أنه رجاع تواب، كلما أذنب تاب واستغفر ولا يصر على المعاصي، فلذلك غفر الله ﵎ له.
[ ١٢ / ٨ ]
أجل التوبة
قال النبي ﵌: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)، فهذا عمر التوبة في حق عمر الدنيا كلها، إذ التوبة لها أجلان مثل القيامة، فكل إنسان له قيامة يبدأ بها في المراحل الأولى منها من اليوم الآخر بانكشاف الحجب عند خروج الروح، ثم ينتقل من دار التكليف إلى دار الجزاء، من دار الامتحان إلى دار ظهور النتيجة، فبمجرد أن يعاين الإنسان الملائكة وهي تأتي لتقبض روحه من هنا بدأت أول خطوة في رحلته إلى اليوم الآخر الخاص به.
فهناك خروج الروح، والصعود بها إلى الملأ الأعلى على تفصيل في ذلك، ثم هناك أيضًا الرجوع إلى ما يحصل عند القبر وسؤاله وامتحانه، ويفتح له باب إلى الجنة أو إلى النار إلى آخر هذه الأحداث.
لما سألوا النبي ﵊ عن الساعة: (متى الساعة؟ فنظر إلى أصغر صبي أو غلام في القوم فقال: إن يعش هذا حتى يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم)، معنى الحديث: أنه بعد مرور مائة سنة فإن هذا الغلام الصغير يكبر ويشيب حتى يبلغ عمره الهرم والشيب، ويكون كل هذا الجيل الموجود ممن حضر أو ممن كان على وجه الأرض في هذا الوقت تكون قامت عليهم ساعتهم، أو يكون كل الحاضرين في ذلك الوقت قد ماتوا، فهذه الإضافة تقتضي أن كل إنسان له يوم قيامة خاص به.
وبعد ذلك تنشغل: هل يوم القيامة على وشك الحدوث، كما قال الله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ [طه:١٥] ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف:١٨٧] وهكذا.
هذا بالنسبة لعمر الدنيا كلها قليل، لكن بالنسبة لأعمارنا وحتى الآن هناك علامات كثيرة من العلامات الكبرى لم تحدث حتى الآن، فأنت لا تشغل نفسك بالساعة الكبرى وساعة انتهاء عمر الدنيا، بل بساعتك أنت؛ لأن الموت سيأتيك قريبًا في أي وقت.
والساعة ستقوم يوم الجمعة، وهناك أدلة قبلها من نزول المسيح ﵇ وخروج المهدي، فلا بأس بالجزم بأن الساعة لا تقوم غدًا في حق عمر الدنيا، أما الذي يخصك أنت في عمرك؛ فلا.
مثلًا: لو أن هناك لوحة مضيئة فيها آلاف المصابيح، لا يخلو وقت ما من أن بعض هذه المصابيح ينفد عمرها وتحترق ويحصل تبديل أحد هذه المصابيح لكن اللوحة في كل الأحوال مضيئة.
أيضًا: جريان النهر عبارة عن دفعات من الماء يجري بعضها وراء بعض، لكن ذهاب بعض هذه الدفعات لا يعني أن النهر كله يتوقف.
كذلك الحياة هناك من يموت من الناس بين وقت وآخر، لكن هناك من يولدون، فالحياة مستمرة، أجيال تعقب أجيالًا، لكن سيأتي وقت وكل هذه المصابيح ستنطفئ، سيأتي وقت تتوقف فيه تمامًا دفقات النهر، سيأتي وقت تتوقف فيه تمامًا الحياة على وجه الأرض بالقيامة الكبرى.
كذلك بالنسبة للتوبة لها أجل في حق كل إنسان وذلك قبل الغرغرة، (تقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، يعني: انتقاله من الغيب إلى الشهادة، بعدما كان يسمع عن الملائكة تأتي تقبض الروح فينكشف الحجاب ويرى ما لا يراه حتى الحاضرين معه، كما قال الله ﷿: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة:٨٥]، وهذا مشاهد فيمن يحضر الذين يموتون، قد يتكلم الميت ويقول: أهلًا، حضرتم، وعليكم السلام، وهكذا يتحدث نتيجة انفعاله بما يراه، والحاضرون لا يرونهم، ومعلومة في ذلك القصص وهي كثيرة جدًا ولا نطيل بذكرها.
أما بالنسبة لأجل التوبة في حق الدنيا فإن التوبة تقبل ما لم تطلع الشمس من مغربها، كما جاء في القرآن والسنة.
يقول النبي ﷺ: (إن الله ﷿ يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها)، فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق باب التوبة، ويختم على عمل كل إنسان، والمؤمن لا يستطيع أن يستزيد من الأعمال الصالحة، والكافر إذا أسلم بعد طلوع الشمس لا ينفعه ذلك ولا تقبل توبته وكأنه مات.
[ ١٢ / ٩ ]
فتح باب التوبة للتائبين
عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا، فسأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على راهب، -متعبد- فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فقال: لا، فقتله فكمل به مائة؛ ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسًا يعبدون الله تعالى فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء)، هذه من الأساليب التربوية الناجحة؛ إذ مما يعين الإنسان على الاستقامة أن يبعد عن أهل السوء وصحبتهم، والأماكن التي تذكره بمعاصيه وتعينه على الشر.
لذلك ذكر بعض العلماء في حكمة تشريع التغريب في حد الزاني غير المحصن: (والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام) قوله: (وتغريب عام) وذلك لأنه ربما يكون في هذه البلد التي يعيش فيها صحبة سوء هم الذين يحرضونه على المعاصي ويزينونه له، أو غير ذلك من العوامل التي تعيق التوبة في حقه، فإذا نفي سنة من بلده استطاع أن يستأنف حياة جديدة ويتوب ويستقيم.
أسلوب تغيير البيئة له أثر عظيم جدًا في التوبة، وتجد إخواننا في جماعة التبليغ يستعملون هذا الأسلوب لتغيير صفات من يأوون إليهم، يهتم جدًا بنقله من المكان الذي هو فيه إلى مجتمع آخر يغلب عليه الذكر والخير والعبادة، بحيث أنه فعلًا يأتي بثمار طيبة، لولا ما عليهم من بعض المؤاخذات.
يقول: (فانطلق حتى إذا أتى نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم حكمًا، فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة)، قال قتادة والحسن: ذكر لنا أنه لما أتاه الموت نأى بصدره.
يعني: لم يستسلم لكن أراد أن يقرب نفسه بقدر الاستطاعة من أهل الخير.
فوا حسرتاه على الذين يتركون بلاد المسلمين بأرجلهم ويذهبون ليعيشوا في عمق بلاد الكفار! الذين يضعفون منهم الإيمان والدين.
فهذا الرجل في اللحظات الأخيرة من شدة حرصه على التوبة وعلى الاقتراب من أرض الخير والعبادة لما عجزت رجلاه ولم تحملاه زحف بصدره حتى يقترب بقدر استطاعته من أرض العبادة وأرض الخير.
وفي بعض الروايات: (فلما كان في بعض الطريق أدركه الموت فنأى بصدره، ثم مات، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها شبرًا فجعل من أهلها)، وفي بعض الروايات: (أن الله ﷿ أمر الأرض بأن تمتد حتى إذا قاسوا المسافة وجدوه أقرب إلى القرية الصالحة).
أيضًا روى ابن عباس ﵄: (أن أناسًا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا، فأتوا محمدًا ﵌، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا هل لما عملنا كفارة؟ فنزل: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان:٦٨]، ونزل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٥٣]).
وقال محمد بن إسحاق: قال نافع عن عبد الله بن عمر ﵄ في حديثه: (وكنا نقول: ما الله بقابل ممن افتتن صرفًا ولا عدلًا ولا توبة، عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم! قال: وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم، قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنزل الله فيهم وفي قولنا وقولهم في أنفسهم: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الزمر:٥٣ - ٥٥]).
وكما قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧] قوله: (من قريب)، يعني: قبل الموت! قال عمر ﵁: (فكتبتها بيدي في صحيفة) وبعثت بها إلى هشام بن العاص ﵁، قال: فقال هشام: لما أتتني جعلت أقرأها بذي طوى -مكان- أصعد بها فيه وأصوب ولا أفهمها، حتى قلت: اللهم أفهمنيها! قال: فألقى الله ﷿ في قلبي: أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا، فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة.
[ ١٢ / ١٠ ]
شروط التوبة النصوح
ما هي الشروط حتى تصح بها التوبة؟! إن الشخص الذي أذنب أي ذنب حتى لو كان الشرك ثم تاب، فإنه إذا استوفى هذه الشروط فهي مقبولة، لكن نختلف مع الخوارج في أنهم يقولون: إنه بالمعصية كفر وبالتوبة عاد إلى الإسلام، نحن نقول: لا، بالمعصية استحق عقاب الله إذا كان موحدًا، وإذا تاب تاب الله عليه في الدنيا؛ لكن المشكلة فيمن مات قبل أن يتوب، أو مات مصرًا عليها ولم يتب منها.
أما كل من تاب من أي ذنب سواء الشرك وما دونه إذا استوفى هذه الشروط؛ فإن التوبة مقبولة، وأي توبة يقال عنها: إنها مقبولة فلابد أن نستحضر دائمًا أن المقصود بها التوبة النصوح، وليست أي توبة أخرى، كما قال ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨]، والتوبة النصوح هي التي فيها ثلاثة شروط: الأول: الإقلاع عن الذنب.
الثاني: الندم على فعله.
الثالث: العزم على ألا يعود إليه.
إذا كان يفعل الذنب فينبغي أن يبادر فورًا بالإقلاع عنه، ثم يندم بقلبه على فعله، ويعزم في المستقبل على ألا يعود إليه.
أما إذا كان ذلك الذنب في حق متعلق بالآدميين، كأن سرق مالًا مثلًا من شخص ويريد أن يتوب فلا بد من هذه الثلاثة وأن يعيد الحق إلى صاحبه أو يستحله منه إذا لم يتمكن من إعادته، يقول النبي ﵊: (من كان عنده لأخيه مظلمة فليتحلل منها اليوم؛ فإنه ليس ثم دينار ولا درهم)، يوم القيامة العملة المستعملة ليست الدينار والدرهم ولكنها الحسنات والسيئات.
[ ١٢ / ١١ ]
زمن التوبة
أما زمان التوبة ففي حق عمر كل إنسان قبل الغرغرة، وهي حشرجة الروح وترددها في الصدر عند الاحتضار، عندما يرى الإنسان الملائكة، قال الله ﵎: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء:١٧]، وليس معنى ذلك: أن التوبة فقط للشخص الذي كان يجهل أنها معصية، لا! الجهالة هنا جهالة عملية، إذ كل من عصى الله جاهل، فالشخص الذي يعرف ويعلم أن الخمر حرام ويشرب الخمر في حد ذاته يسمى جهلًا عمليًا، فهناك جهالة السلوك وجهالة العلم، ومن ذلك أن الرسول ﵊: كان إذا خرج من بيته يقول: (اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أزل أو أزل، أو أظلم أو أظلم، أو أجهل أو يجهل علي) أي: جهالة السلوك وسوء الخلق.
ويقول بعض الشعراء: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا فهي جهالة عملية، وهي المقصودة هنا في قوله تعالى.
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء:١٧ - ١٨]، هذا لا تقبل توبته ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٨]، يفهم من هذه الآية أن الذي مات ولم يتب ليس بكافر؛ لأنه فصل بين الذين يموتون وهم كفار وبين الذين يموتون دون أن يتوبوا من المسلمين؛ فدل أن هذا فريق غير هذا الفريق، صحيح أن هذا يستحق وعيد وهذا يستحق وعيد، لكن لم يسمهم كفارًا حتى وإن ماتوا مصرين.
وعن أبي العالية: أنه كان يحدث: أن أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم كانوا يقولون: (كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة).
وعن قتادة قال: اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ فرأوا أن كل شيء عصي الله به فهو جهالة عمدًا كان أو غيره.
وقال مجاهد: كل عامل بمعصية الله فهو جاهل حين عملها.
وقال ابن عباس ﵄: من جهالته عمل السوء.
وعنه ﵁ قال: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧]، قال: بينه وبين أن ينظر إلى ملك الموت.
وقال الضحاك: ما كان دون الموت فهو قريب.
وقال قتادة والسدي: يعني ما دام في صحته.
وقال الحسن البصري: ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء:١٧]، يعني: ما لم يغرغر.
وقال عكرمة: الدنيا كلها قريب.
يعني: يتوب وهو ما زال حيًا في الدنيا.
وفي الحديث: (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، فهذا توقيت زمان التوبة في حق كل فرد من العباد، وأما في حق عمر الدنيا فقد تقدم في الآيات والأحاديث أنها تنقطع بطلوع الشمس من مغربها؛ لأنها أول آيات القيامة العظام، وحين الإياس من الدنيا: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨]، هذه الآيات المقصود بها طلوع الشمس من المغرب.
كما أن رؤية ملك الموت آية الانتقال من الدنيا وحين الإياس من الحياة، كذلك الأمم المخسوف بها انقطعت التوبة عنهم برؤيتهم العذاب، يقول ﵎: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون * فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر:٨٢ - ٨٥].
فلا تنفع التوبة إذا نزل العذاب أو إذا حضر ملك الموت أو إذا غرغر العبد؛ إنما التوبة في وقت الإمكان وفي وقت الإصلاح.
لكن نفرض أن إنسانًا تاب قبل أن تأتيه الغرغرة وقبل أن يرى ملك الموت بثانية واحدة، فهل تقبل توبته أم لا تقبل؟ تقبل؛ لأنه لا يعرف مدى أجله، هو يتوب وينوي الاستقامة ما دام حيًا، فإذا أتاه ملك الموت بعد توبته النصوح بدقيقة واحدة فيعفى له عن كل ما سلف من الذنوب والخطايا في حقه.
[ ١٢ / ١٢ ]