أهل الفترة هم الذين عاشوا في فترة انقطاع الرسالة بين نبيين، فمنهم من بلغته الدعوة فوحد الله، ومنهم من أشرك، ومنهم من لم تبلغه الدعوة بالكلية، وهؤلاء هم الذين اختلف العلماء في حكمهم، والقول الذي تعضده الأدلة هو القول بامتحانهم في عرصات يوم القيامة.
[ ٢٤ / ١ ]
أحكام أهل الفترة
قبل أن ندرس قضية العصر، أو موضة العصر، وهي قضية العذر بالجهل التي تطرح بين وقت وآخر، وتتعرض للخوض الكثير فيها، ونرجو -إن شاء الله- أن نتكلم فيها بمزيد تفصيل، ثم لن نفتحها بعد ذلك، ولا نحتاج إلى ذلك بإذن الله، قبل ذلك علينا أن نعلم أن بعضًا ممن يكتبون أو يتكلمون في قضايا العذر بالجهل يخلطون بين أمرين: بين الكافر الذي لم يدخل أصلًا في الإسلام، وبين المسلم الذي ثبت له عقد الإسلام، فتجد بعض الناس يستدل بأدلة هي في حق المشركين الذين لم يدخلوا أصلًا في الإسلام، كقوله ﵎: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢ - ١٧٣] إلى آخر الآية في سورة الأعراف، فهذه في حق المشركين.
وفي الطرف الآخر يستدل بعض الناس بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فهذه -أيضًا- تحمل على غير معناها.
فالشاهد أن بعض الناس يخلطون بين هذين الطرفين، وفرق بين من استكبر أن يقول لا إله إلا الله، واستكبر عن أن يدخل في دين الإسلام وكفر ولم يؤمن بالله ولا بالرسول ولا بالقرآن، ولا دخل في الإسلام، وبين من دخل في الإسلام، ثم خالف أو وقع في شيء يناقض عقيدة التوحيد ويناقض عقيدة الإسلام دون أن يعرف أن هذا يناقض الإسلام، أو دون أن تبلغه الحجة الرسالية، فرق كبير بين الطرفين، وسنزيد ذلك بيانًاَ إن شاء الله فيما بعد.
ومما يتعلق بقضية العذر بالجهل قضية أهل الفترة، وكثير من المتكلمين يناقشون معرفة الله هل تدرك بالعقل أم تدرك بالشرع؟ واعتقادنا -والله أعلم- أن هذه الأشياء تدرك عن طريق التلقي بالوحي لا عن طريق العقل، بل إن الله ﵎ قد فطرنا على فطرة الإسلام، وأنزل إلينا الكتب، وبث آياته في الآفاق وفي أنفسنا، ومع ذلك فإنه -﵎- تفضل وامتن على عباده بأنه لن يعذب أحدًا منهم حتى تبلغه حجة الرسل.
فإذًا: الحجة تقوم بالأنبياء والمرسلين، وبنصوص الوحي، ولذلك قال ﷿: «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»، وترد هنا بعض الأدلة التي فيها المؤاخذة قبل بعثة الرسل، مثل حديث الرجل الذي سأل رسول الله ﷺ: (أين أبي؟ فقال: في النار فلما قفا دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار).
فنجد أن ناسًا يقولون: إن هذا دليل على أن هؤلاء كانوا في النار رغم أنهم كانوا من أهل الفترة، لكن مع ذلك عذبوا.
وهذا يعني أن النقاش في هذه القضية سيطول قليلًا -إن شاء الله- لنوضحها؛ لأن لها علاقة بما نحن بصدده.
[ ٢٤ / ٢ ]
تعريف الفترة لغة واصطلاحًا
الفترة في اللغة: هي السكون والضعف.
تقول: فتر الشيء: إذا سكن بعد حدة، ولان بعد شدة.
وتقول: أفتره الداء: أي: أضعفه.
والفترة: فعلة من: فتر الأمر يفتر أو يفتر فتورًا، وذلك إذا هدأ أو سكن، وفي الحديث: (ثم فتر الوحي)، أي: انقطع وسكن.
أما اصطلاحًا فهي: ما كان بين كل نبيين، كانقطاع الرسالة بين عيسى ﵇ ومحمد ﵊، وكالفترة بين نوح وإدريس ﵉، وقيل: هي ما كانت بين رسولين، فلم يرسل فيها إلى الناس الرسول الأول، ثم لم يدركوا الرسول الثاني، فهذه فترة.
وقال الألوسي ﵀: أجمع المفسرون على أن الفترة هي الانقطاع ما بين رسولين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ [المائدة:١٩]، وفي الصحيح: (أن الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ستمائة سنة)، وهذا في البخاري، وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أنا أولى الناس بابن مريم -والأنبياء أولاد علات-؛ ليس بيني وبينه نبي)، رواه البخاري، والعلات: الضرائر، كما جاء في الحديث الآخر: (نحن -معشر الأنبياء- إخوة لعلات، ديننا واحد، وأمهاتنا شتى)، فقوله: (ديننا واحد) يعني العقيدة، لكن الشرائع تختلف، فالحلال والحرام، ونظم الطلاق، والزواج، والبيوع، والأمور العامة تتفاوت، والشرائع تتغير وتنسخ، لكن العقيدة واحدة من لدن آدم ﵇ إلى خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ، والأنبياء كلهم جاءوا ليدعوا إلى الإسلام، فقوله: (وأمهاتنا شتى) هي الشرائع والأحكام في الحلال والحرام، والأمور العملية.
وقوله ﵊: (ليس بيني وبينه نبي) لفظ واضح وصريح في أنه لم يكن هناك نبي بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، خلافًا لبعض الأحاديث الضعيفة التي فيها إثبات نبي من الأنبياء ضيعه قومه، فهذا الحديث صريح في ذلك، حيث قال: (ليس بيني وبينه نبي) وهو أصح.
[ ٢٤ / ٣ ]
تعريف أهل الفترة
يأتي بعد تعريف الفترة معرفة أهل الفترة ومعرفة أحكامهم، وهل أهل الفترة يكلفون أم لا؟ إن المكلف في الاصطلاح هو الشخص الذي تعلق حكم الشارع بفعله، وشرط هذا المكلف أن يكون قادرًا على فهم الدليل؛ لأن التكليف خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، وخطاب من لا عقل ولا فهم له محال، والقدرة على الفهم إنما تكون بالعقل؛ لأن العقل هو أداة الفهم والإدراك، وبه يمكن الامتثال، ولما كان العقل من الأمور الخفية، وليس شيئًا محسوسًا نراه، فربط الشرع التكاليف بأمر ظاهر منضبط يدرك بالحس، وهو البلوغ، بأن يكون المرء عاقلًا، ويعرف ذلك بما يصدر عنه من الأقوال والأفعال بحسب المألوف من الناس، فمن بلغ الحلم ولم يظهر خلل في قواه العقلية والفعلية والقولية صار مكلفًا.
ويشترط في المكلف أن يكون أهلًا للتكليف، والأهلية هي الصلاحية لوجوب الحقوق المشروعة له أو عليه، قال الله تعالى: «وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا»، والأهلية تتحقق بالعقل والفهم، فمن هذه الشروط: أن يكون المكلف عالمًا بما كلف به، أو متمكنًا من العلم ليستطيع الفعل والترك؛ لأن التكليف بالمستحيل وبما لا يقدر عليه المكلف محال.
[ ٢٤ / ٤ ]
أقسام أهل الفترة
ينقسم أهل الفترة إلى قسمين: قسم بلغته الدعوة، وقسم لم تبلغه الدعوة، فمن بلغته الدعوة من أهل الفترة قسمان: قسم بلغته الدعوة وأشرك بالله، وقسم وحد ولم يشرك بالله.
وقد قدمنا أن أهل الفترة هم الذين يعيشون في فترة انقطاع الرسالة بين نبيين، فلا أرسل إليهم النبي الأول، ولا أدركوا النبي الثاني، لكن هؤلاء بلغتهم الدعوة بصورة أو بأخرى، كالمشركين الذين سمعوا أو علموا شيئًا من دين إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، فقسم واحد من هؤلاء الذين عاشوا في هذه الفترة لم يشرك، إما بفطرته، وإما بالاطلاع على بقايا من دين السابقين.
والقسم الثاني: قسم لم تبلغه الدعوة ولكنه غَير وأشرك مع الله، وهناك قسم آخر من أهل الفترة لم تبلغه الدعوة، وبقي على حين غفلة، فهؤلاء تنازع العلماء فيهم على أقوال، فبعض العلماء يقول: إن الواحد من هؤلاء يموت ناجيًا.
والقول الثاني أنه يكون في النار، والثالث: يمتحن بنار في عرصات القيامة.
[ ٢٤ / ٥ ]
من بلغته الدعوة ووحد ولم يشرك
أما القسم الأول فهو من بلغته الدعوة ووحد ولم يشرك، كـ قس بن ساعدة الإيادي أحد حكماء العرب، ومن كبار خطبائهم، وكان قس يسكن نجران، ويقال: إنه أول عربي خطب على سيف أو عصا.
وهو أول من قال في كلامه: أما بعد.
أدركه النبي ﷺ قبل البعثة، وسئل عنه بعد البعثة فقال: (يحشر أمة وحده)، توفي سنة ثلاث وعشرين قبل الهجرة، أي أنه لم يدرك بعثة النبي ﷺ، وإذا قرأنا كلام قس بن ساعدة الإيادي كما حكاه ابن كثير في البداية والنهاية في الجزء الثاني نجد توحيدًا كثيرًا جدًا في كلامه، وله خطبة مشهورة، من كلماتها (أقسم قس قسمًا لا ريب فيه أن لله دينًا هو أرضى له من دينكم)، فكان يخطب في المشركين ويقول لهم هكذا.
ومن هؤلاء الذين هم من أهل الفترة الذين بلغتهم الدعوة ووحدوا ولم يشركوا زيد بن عمرو بن نفيل، وهو أحد حكماء العرب، كان يكره عبادة الأوثان، رحل إلى الشام باحثًا عن دين، ثم عاد إلى مكة ليعبد الله على دين إبراهيم ﵇، كان عدوًا لدودًا لوأد البنات، وهو والد سعيد بن زيد الصحابي الجليل ﵁، وكان زيد بن عمرو بن نفيل يقول: اللهم! إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك، ولكني لا أعلم.
ثم يسجد على راحلته، أي: لو أعرف كيف أعبدك والطريقة التي يمكن أن أعبدك بها وهي محبوبة إليك -بل هي أحب الوجوه إليك- لفعلتها.
لكنه كان لا يعرف، لذا فإن العبادات إنما تعرف عن طريق الوحي، ثم إن الشيء الذي كان يستطيع أن يفعله هو أن يسجد على راحلته لله ﵎، وكان يقول أيضًا: أربًا واحدًا أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور وقد أدركه النبي ﷺ قبل مبعثه، وكان يتحنث في غار حراء، وكان لا يأكل مما ذبح على النصب، فذكر عند النبي ﷺ بعد البعثة فقال: (غفر الله له ورحمه، فإنه مات على دين إبراهيم)، فهذا النوع ليس محلًا للنزاع؛ لأن النصوص الواردة تدل على أن هناك من ماتوا على التوحيد.
[ ٢٤ / ٦ ]
من بلغته الدعوة وأشرك ولم يوحد الله تعالى
النوع الثاني من أهل الفترة: من بلغته الدعوة، ولكنه أشرك وغَير ولم يوحد، وأمثلته كثيرة، كـ عمرو بن لحي بن عامر الأسدي، وهو أول من غير في دين إسماعيل ﵇، قدم الشام فوجد أهلها يعبدون الأصنام فأعجب بها، فأخذ منها وأتى مكة، ودعا الناس إلى عبادتها، وكان آنذاك سيد قومه، فـ عمرو بن لحي هو أول من سن عبادة الأصنام، وهو الذي بحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، قال فيه رسول الله ﷺ: (رأيت عمرو بن لحي بن خندف أخا بني كعب هؤلاء يجر قصبه في النار)، أي: يجر أمعاءه في النار.
وفي بعض الأحاديث: (لأنه أول من سيب السوائب)، وهذا محمول على أنه غير وبدل وأشرك بعد أن بلغته الدعوة.
وكذلك عبد الله بن جدعان التيمي القرشي، أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية، أدرك النبي ﷺ قبل البعثة، وكانت له جفنة يأكل منها الطعام القائم والراكب، فعن عائشة ﵂ أنها سألت النبي ﷺ عن ابن جدعان فقالت: (قلت: يا رسول الله! ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ قال: لا؛ إنه لم يقل يومًا: رب! اغفر لي خطيئتي يوم الدين).
ومن ذلك -أيضًا- ما ورد في عبد الله بن عبد المطلب أبي النبي ﷺ، الذي توفي والرسول ﷺ في بطن أمه، ففيما رواه مسلم: (أن رجلًا سأل النبي ﷺ: أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفا دعاه، فقال له: إن أبي وأباك في النار)، أخرجه مسلم.
وكذلك ورد حديث بشأن أم النبي ﷺ، وهي آمنة بنت وهب، وقد توفيت عنه ﷺ وهو ابن ست سنوات، قال ﵊: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)، أخرجه مسلم، فهذا الحديث يحتمل أنها بلغتها الدعوة، ويحتمل أنها لم تبلغها الدعوة، وهذا النص ليس بصريح؛ لأن النبي نهيَّ عن الاستغفار لها حيث إنها لم تمت على التوحيد، سواء بلغتها الدعوة أم لم تبلغها.
فهذا النوع ليس محلًا للنزاع لورود النصوص التي تفيد بأن الدعوة قد بلغتهم، وذكر بعض العلماء أن الله أحيا له أبويه فأسلما على يديه ثم ماتا، وهذا موجود في رسالة للإمام السيوطي، ولا يصح، وقد طبعت هذه الرسالة مؤخرًا محققة، لكن لا يصح ذلك أبدًا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حول هذه الدعوة: لم يصح ذلك عن أهل الحديث، بل أهل العلم متفقون على أن ذلك كذب مختلق، ولو كان صحيحًا لتناقلته كتب الصحاح؛ لأنه من أعظم الأمور خرقًا للعادة، لما فيه من إحياء الموتى والإيمان بعد الموت، وهذا خلاف ما جاء في الكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨] فبين الله ﷾ أنه لا توبة لمن مات كافرًا، وجاء في صحيح مسلم: (أن رجلًا سأل النبي ﷺ: أين أبي؟ فقال: إنه في النار.
فلما قفا دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار).
يقول شيخ الإسلام: وكذلك حديث الاستغفار، فلو كان الاستغفار جائزًا بحقهما لم ينهه عن ذلك، أي: الاستغفار، فإن الأعمال بالخواتيم، ومن مات مؤمنًا فإن الله يغفر له، ولا يكون الاستغفار ممتنعًا، أما زيارة النبي ﷺ لأمه فإنها كانت بطريقه بالحجون بمكة، أما أبوه فقد دفن بالشام، فكيف أحياه له؟! ولو كان أبواه مؤمنين لكانا أحق بالشهرة من عميه الحمزة والعباس، والله تعالى أعلم.
[ ٢٤ / ٧ ]
من لم تبلغه الدعوة وبقي على حين غفلة وجاهلية
أما القسم الثاني من أقسام أهل الفترة فهو من لم تبلغه الدعوة أصلًا، وبقي على حين غفلة وجاهلية، وأكثر أهل الجاهلية هم من هذا النوع، قال الله تعالى: ﴿لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ [يس:٦]، والأصل في أهل الجاهلية أنهم كانوا من هذا النوع، أي: من أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة وبقوا في غفلتهم سادرين، ويقول الله ﵎: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة:٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص:٤٦]، فهذا القسم هو محل نزاع بين العلماء، فمنهم من قال: إن من مات ولم تبلغه الدعوة مات ناجيًا.
ومنهم من قال: من مات ولم تبلغه الدعوة فهو في النار.
ومنهم من قال: من مات ولم تبلغه الدعوة يمتحن بنار في عرصات يوم القيامة.
[ ٢٤ / ٨ ]
أقوال العلماء فيمن لم تبلغه الدعوة من أهل الفترة
[ ٢٤ / ٩ ]
القول بنجاته
وهذا القول قال به الأشاعرة من أهل الكلام والأصول، وبعض الشافعية من الفقهاء، واستدل هؤلاء بالأدلة الآتية: أولًا: قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، فأخذوا من هذا أن هؤلاء كانوا في فترة، ولم تبلغهم الحجة الرسالية، فلن يعذبهم الله بنص هذه الآية «وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا»، وهؤلاء لم يبعث إليهم رسول، أو لم تبلغهم دعوة الرسل.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، يعني: بعد بعثة الرسل.
ووجه الدلالة أن الله ﷾ قطع الحجة على الناس بإرسال الرسل إليهم مبشرين ومنذرين، حتى لا يعتذروا يوم القيامة بأنه لم يأتهم رسول ولا نذير ينذرهم هذا اليوم، وأهل الفترة لم يأتهم نذير ولا بشير، فالحجة قائمة معهم، فدلت الآية على أنهم لا يعذبون، فهم في الجنة.
ثالثًا: قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٩]، فـ (كلما) صيغة عموم، والمعنى أن كل من يدخل النار سوف يوجه إليه هذا الكلام، فالملائكة تبكتهم وتوبخهم بقولها: «أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ» فيجيبون بقولهم: «بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ»، ومعنى ذلك أن كل من دخل النار قد بلغته حجة الرسل ونذارة الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، فهذا يدل على أن الذين يدخلون النار هم ممن بلغتهم الحجة الرسالية؛ لقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ [الملك:٨ - ٩].
رابعًا: قوله ﵎: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الزمر:٧١]، فقوله ﷿ هنا: «وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا» يعم جمع الكافرين الذين يدخلون جهنم والعياذ بالله، وتوبخهم الملائكة، بقولها لهم: «أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا» فيجيبون بقولهم: «بلى» أي: جاءتنا الرسل «وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ».
أما أهل الفترة فلا يدخلون في هؤلاء؛ لأنهم لن يقولوا: «بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ»، فهم غير مؤاخذين، أي: فهم في الجنة.
خامسًا: قوله ﵎: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام:١٣٠]، فهنا يخاطب الله ﵎ خلقه من الجن والإنس بقوله: «أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا» فيجيبون بقولهم: «شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ»، فأشهدهم الله على أنفسهم وأقروا بتلك الشهادة، واعترفوا بأن الرسل قد بلغتهم آيات ربهم وأنذرتهم يوم القيامة، لكن أهل الفترة ليسوا بهذه المثابة، فلا يعذبون، فهم من أهل الجنة.
سادسًا: قوله ﵎: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص:٥٩] ووجه الدلالة أن الله ﷿ لا يظلم أحدًا من خلقه، فلا يمكن أن يعذب أمة دون أن يرسل إليها رسولًا فتكذبه فتكون ظالمة بهذا التكذيب، وعندئذٍ تستحق عقاب الله تعالى لها بالإهلاك والاستئصال، لكن أهل الفترة لم تأتهم رسل، ولم يكذبوا الرسل، فهم معذورون لأجل هذا، ولا يستحقون عقاب الله، فهم في الجنة.
سابعًا: قوله ﷿: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٩] يعني: لم يبق لكم حجة، ويوم القيامة لن تستطيعوا أن تقولوا: «مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ»، فقد جاءكم البشير والنذير، فوجه الدلالة هنا أن الله ﷿ أخبر أهل الكتاب أنه قد أرسل إليهم رسولًا يبين لهم أمور دينهم، ويحذرهم من عقابه إن هم عصوه، وقد قامت الحجة عليهم بذلك، لكن أهل الفترة معذورون حيث لم يأتهم رسول، ولذا فهم غير مؤاخذين، فهم في الجنة.
ثامنًا: جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري أن رسول الله ﵌ قال: (ما من أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل وأنزل الكتب) يعني: لا يوجد أحد يحب الإعذار وإقامة الحجة مثل الله ﵎، وفي رواية أخرى: (ما أحد أحب إليه المدح من الله، من أجل ذلك مدح نفسه، وما من أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن).
فأهل الفترة لم ترسل إليهم الرسل، ولذا فهم في الجنة.
[ ٢٤ / ١٠ ]
القول بدخوله النار
وهذا القول قال به المعتزلة وجماعة من الحنفية الماتريدية، قالوا بأنهم مكلفون وإن لم يرسل إليهم رسول، وعليهم أن يستدلوا بعقولهم، فما استحسنه العقل فهو حسن، وما استقبحه العقل فهو قبيح، وإن الله ﷾ يعذب في النار من لم يؤمن وإن لم يرسل إليه رسولًا لقيام الحجة عليه بالعقل، وهذا يدل على أن هناك ثوابًا وعقابًا قبل بلوغ الدعوة وبعثة الرسل، واستدلوا بقوله ﵎: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٨]، ووجه الدلالة في نظرهم أن من يموت كافرًا فهو في النار، سواء أنذر أم لم ينذر، وأهل الفترة في النار؛ لأنهم ماتوا على الشرك، فقد كان لهم عقول، وكان في الإمكان أن تهديهم عقولهم إلى التوحيد.
ومن الأدلة التي استدلوا بها ما رواه مسلم من الأحاديث التي تدل على أن أهل الفترة لا يعذرون وإن لم يأتهم نذير، فمن هذه الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي)، فكون الله ﷿ لم يأذن للنبي ﷺ في الاستغفار لأمه يدل على أنها في النار، وهي من أهل الفترة، فدل على أن من مات من أهل الفترة على الشرك فهو في النار.
وكذلك استدلوا بحديث أنس ﵁: (أن رجلًا قال: يا رسول الله! أين أبي؟ قال: في النار.
فلما قفا دعاه فقال: إن أبي وأباك في النار)، ووجه الدلالة في ذلك: أن الكافر في النار، وأهل الفترة كفار، فهم في النار.
ثم استدلوا بالعقل، ومعلوم تقديس المعتزلة للعقل، واحتجوا بما أخبر الله ﷾ عن إبراهيم ﵇ في قوله ﷿: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٧٤]، وكذلك استدلاله ﵇ بالنجوم ومعرفة الله بها، كما قال الله تعالى عنه: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:٧٨]، والمعروف أن إبراهيم ﵇ في هذه الآيات كان مناظرًا ولم يكن ناظرًا، فقد كان يتبع أسلوبًا معينًا في الجدل والحوار، ولم يكن باحثًا عن الحق بالفعل؛ لأنه كان قد وصل إليه؛ لقول ﵎: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام:٧٥] والأنبياء معصومون من الذنوب قبل البعثة أو بعدها، فكيف بعصمتهم من الشرك؟! فهذا لا جدال فيه، فإبراهيم ﵇ لم يرتب في الله تعالى لحظة واحدة من الزمن، هو معصوم من ذلك؛ لأنه نبي من أنبياء الله المعصومين، فإبراهيم كان مناظرًا ولم يكن ناظرًا، وإنما كان يسلك سبيلًا معينًا لإقناعهم ومحاجتهم، وكان يريد أن يبصرهم بما هم عليه من عبادة الكواكب والأصنام.
واحتجوا كذلك بمحاجة الرسل لأقوامهم، بما يرشدهم العقل إليه، كما قال تعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم:١٠]، وقوله ﵎: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠]، فأخذوا من ذلك أن العقل كان يمكنه أن يكون وسيلة لإيصالهم إلى الحق، لكنهم عبدوا الأوثان، ولم ينتفعوا بعقولهم.
[ ٢٤ / ١١ ]
القول بامتحان أهل الفترة في عرصات القيامة
فمن دخل النار كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها فقد عصا الله تعالى، فيدخله الله فيها، وهذا القول قال به السلف، وجمهور الأئمة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وتلميذه العلامة ابن القيم ﵀، والحافظ ابن كثير تلميذه، والحافظ ابن حجر العسقلاني، وحكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وقال به الإمام أبو محمد ابن حزم ﵀، واختاره الإمام الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى في (أضواء البيان).
واستدل هؤلاء القائلين بأن أهل الفترة يمتحنون في عرصات القيامة بالأدلة التالية: أولًا: الحديث الذي أورده الإمام أحمد في مسنده عن الأسود بن سريع التميمي أن رسول الله ﷺ قال: (أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل لا يسمع شيئًا، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة، فأما الأصم فيقول: رب! قد جاء الإسلام وما أسمع شيئًا.
وأما الأحمق فيقول: رب! قد جاء الإسلام والصبيان يحذفونني بالبعر.
وأما الهرم فيقول: لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئًا.
وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب! ما أتاني كتاب ولا رسول.
فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه، فيرسل إليهم أن: ادخلوا النار.
فو الذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردًا وسلامًا).
وهذا الحديث رواه الطبراني بنحوه، وفي آخره (فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، ومن لم يدخلها سحب إليها)، ورجال الإمام أحمد رجال الصحيح، كما في (مجمع الزوائد).
واستدلوا -كذلك- بالحديث الذي رواه أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (يؤتى بأربعة يوم القيامة: بالمولود، وبالمعتوه، وبمن مات في الفترة، وبالشيخ الفاني، كلهم يتكلم بحجته، فيقول الرب ﵎ لعنق من النار: ابرزي.
فيقول لهم: إني كنت أبعث إلى عبادي رسلًا من أنفسهم، وإني رسول نفسي إليكم.
قال: ويقول لهم: ادخلوا هذه.
ويقول من كتب عليه الشقاء: أنى ندخلها ومنها كنا نفر؟! فيقول الله: فأنتم لرسلي أشد تكذيبًا) أي: إذا كنتم كذبتموني فكيف لو كنت بعثت إليكم رسلًا في الدنيا؟! سوف تكونون أشد تكذيبًا لرسل الله، قال: (وأما من كتب عليه السعادة فيمضي فيقتحم فيها، فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء إلى النار)، رواه أبو يعلى والبزار بنحوه، وفيه الليث بن أبي سليم، وهو مدلس، وبقية رجال أبي يعلى رجال الصحيح.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالهالك في الفترة والمعتوه والمولود، فيقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول.
ويقول: المعتوه: أي رب! لم تجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًا.
ويقول المولود: لم أدرك العمل قال: فيرفع لهم النار فيقال: ردوها -أو قال: ادخلوها- فيدخلها من كان في علم الله سعيدًا أن لو أدرك العمل، قال: ويمسك عنها من كان في علم الله شقيًا أن لو أدرك العمل، فيقول الله ﵎: إياي عصيتم، فكيف برسولي بالغيب؟!)، رواه البزار، وفيه عطية وهو ضعيف، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وعن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلًا، وبالهالك في الفترة، وبالهالك صغيرًا، فيقول الممسوخ عقلًا: يا رب! لو آتيتني عقلًا ما كان من آتيته عقلًا بأسعد مني.
ويقول الهالك في الفترة: يا رب! لو أتاني منك عهد ما كان من أتاه عهد بأسعد بعهده مني.
ويقول الهالك صغيرًا: لو آتيني عمرًا ما كان من آتيتُه عمرًا بأسعد مني.
فيقول الرب: إني آمركم بأمر فتطيعوني؟ فيقولون: نعم وعزتك.
فيقول: اذهبوا إلى النار.
فلو دخلوها ما ضرتهم، فيخرج عليهم قوابس - جمع قبس، وهي قطع من النار- يظنون أنها أهلكت ما خلق الله من شيء، فيرجعون سراعًا فيقولون: خرجنا -يا رب- نريد دخولها فخرجت علينا قوابس ظننا أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء.
فيأمرهم ثانية، فيرجعون كذلك، فيقولون مثل قولهم، فيقول ﵎: قبل أن تخلقوا علمت ما أنتم عاملون، وإلى علمي تصيرون.
فتأخذهم النار)، رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وفيه عمرو بن واقد، وهو متروك، قال عنه البخاري: رمي بالكذب.
وبقية رجال الحديث رجال الصحيح.
[ ٢٤ / ١٢ ]
ترجيح ابن تيمية القول بالامتحان في عرصات القيامة
بعد سرد أدلة الاتجاهات الثلاثة في حكم من لم تبلغه الدعوة أصلًا وبقي في غفلته سادرًا رجح كثير من المحققين ومن السلف القول الثالث، وهو أنهم يمتحنون في عرصات يوم القيامة، وهذا الاستدلال لا ينافيه ما استدل به الفريق الأول الذي قال: إنهم ناجون، ولا ما استدل به الفريق الثاني الذي قال: إنهم في النار.
أما ما استدل به الفريق الأول بما يفيد نفي العذاب عن أهل الفترة، فتلك الأدلة التي تنفي العذاب عن أهل الفترة لا تدل على أنهم ناجون، ولا تدل على أنهم في الجنة، فيمكن أن تأتلف مع أدلة من قال بالامتحان، أما أهل الفترة فلا تشملهم تلك النصوص؛ لأن هناك نصوصًا أخرى دلت على أنهم يمتحنون في عرصات القيامة، وهي النصوص التي استدل بها الفريق الثالث.
أما ما استدل به الفريق الثاني من نصوص تفيد أنهم في النار فيجاب عنها بأنها نصوص عامة، كقوله تعالى: ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء:١٨]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [البقرة:١٦١]، فهذه نصوص عامة.
أما أهل الفترة الذين لم تبلغهم الدعوة فقد وردت فيهم النصوص التي تخصهم، فيخرجون من هذا العموم، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فمعلوم أن الحجة تقوم بالقرآن على من بلغه، كقوله تعالى: ﴿لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام:١٩]، فمن بلغه بعض القرآن دون بعض قامت عليه الحجة بما بلغه من القرآن دون ما لم يبلغه، فكيف بمن لم يبلغه جميع نصوص الكتاب؟! فهذا من باب أولى.
هذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.
أما حديث: (استأذنت ربي في أن استغفر لأمي) وحديث: (إن أبي وأباك في النار) فهذه نصوص قد تكون في غير محل النزاع، أو تحمل على أن هؤلاء قد بلغتهم الدعوة وما نحن فيه قسم آخر غير هذا القسم، وهو القسم الذي لم تبلغه الدعوة أصلًا.
أما استدلال المعتزلة بالعقل فلا يصح؛ لأن العقل لا يدرك به التكليف على انفراده، وهذا سنبينه إن شاء الله فيما بعد.
وقد أشرنا إلى أن اختيار أهل التحقيق من العلماء أن أهل الفترة يمتحنون، يقول الإمام الحافظ أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى: إن النذارة لا تلزم إلا من بلغته لا من لم تبلغه، وإنه تعالى لا يعذب أحدًا حتى يأتيه رسول من عند الله، فصح بذلك أن من لم يبلغه الإسلام أصلًا فإنه لا عذاب عليه، وهكذا جاء النص من عند رسول الله ﷺ، (فيوقد لهم نارًا يقال لهم: ادخلوها.
فمن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا).
ويقول الإمام ابن القيم ﵀: إن العذاب يستحق بسببين: أحدهما الإعراض عن الحجة، وعدم إرادتها والعمل بموجبها، والثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة العمل بموجبها، فالأول كفر الإعراض، والثاني كفر عناد، أما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التذكر بمعرفتها فهذا الذي نفى الله ﷾ التعذيب عنه حتى تقوم الحجة بإرسال الرسل.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: فقد صحت مسألة الامتحان في حق من مات في الفترة والمجنون.
ويقول الشنقيطي ﵀: والجمع بين الأدلة واجب ما أمكن بلا خلاف، وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ولا وجه للجمع إلا بهذا، وهو القول بالعذر والامتحان.
[ ٢٤ / ١٣ ]
هل الآخرة دار جزاء أم دار تكليف؟
وتنبني على هذه المسألة مسألة أخيرة، وهي إمكان امتحان أهل الفترة في الآخرة؛ إذ هل يصح أن تكون الآخرة دار تكليف، أم أنها دار جزاء فحسب؟ للعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول: إثبات وقوع التكليف في الآخرة.
وهو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، والإمام العلامة المحقق ابن القيم، والحافظ ابن حجر العسقلاني، والحافظ ابن كثير، والإمام ابن حزم وغيرهم من العلماء، ذهبوا إلى إثبات التكليف في الآخرة، وأن كون الآخرة دار جزاء لا يتنافى مع أن يكون التكليف في عرصاتها.
القول الثاني: انتفاء التكليف في الآخرة.
وهو قول الحافظ إمام المغرب ابن عبد البر وجماعة من المالكية، فقد ذهبوا إلى أنه لا تكليف في الآخرة، وأن الآخرة دار جزاء لا دار تكليف، لذلك طعنوا في الأحاديث التي استدل بها على الامتحان في عرصات القيامة، لأن الآخرة ليست دار تكليف، وطعنوا فيها من حيث السند.
وأجاب الفريق الثالث بأن هذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا باجتماع طرقها، فأثبتوا التكليف مستدلين بحديث الأسود بن سريع: (أربعة يحتجون يوم القيامة)، وفي نهاية الحديث: أن الله امتحنهم بأن أمرهم أن يلقوا أنفسهم في هذه النار، فهذا دليل على أن في الآخرة تكليفًا.
واستدلوا بحديث أنس: (يؤتى بأربعة يوم القيامة) وهو مثل الماضي، وكذلك حديث معاذ: (يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلًا) إلى آخره، وحديث أبي سعيد ﵁: في الهالك في الفترة إلى آخره، فهذه الأحاديث في جملتها تثبت أصل وقوع هذا في الآخرة.
ومما استدلوا به قوله ﵎: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٣].
ووجه الدلالة في هذه الآية على المقصود -وهو أن الآخرة يمكن أن يكون فيها تكليف- أنه ﵎ أخبر أنه سوف يدعو أقوامًا إلى السجود يوم القيامة، وهذا تكليف، وجاء الحديث عن الرسول ﷺ مفصلًا ومبينًا شرح هذه الآية، فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رئاءً وسمعة، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقًا واحدًا)، أخرجه البخاري.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: (قال النبي ﷺ: فإنكم ترونه يوم القيامة، كذلك يجمع الله الناس فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه.
فيتبع من كان يعبد الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر، ويتبع من كان يعبد الطاغوت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها)، فالمنافقين كانوا يظهرون أنهم يعبدون الله مع الموحدين، قال: (فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم.
فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه.
فيأتيهم ربهم في الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم.
فيقولون: أنت ربنا.
فيتبعونه، ويضرب جسر جنهم، قال رسول الله ﷺ: فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسل يومئذٍ: اللهم! سلم سلم، وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان؟! قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: فإنها مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله، فتخطف الناس بأعمالهم، منهم الموبق بعمله -يعني: الهالك- ومنهم المخردل -أي: الهاوي- ثم ينجو، حتى إذا فرغ الله من القضاء بين عباده وأراد أن يخرج من النار من أراد أن يخرج ممن كان يشهد أن لا إله إلا الله أمر ملائكته أن يخرجوهم، فيعرفونهم بعلامة آثار السجود، وحرم الله على النار أن تأكل من بني آدم أثر السجود، فيخرجونهم قد امتحشوا -أي: احترقوا- فيصب عليهم ماء يقال له: ماء الحياة، فيبتون نبات الحبة في حميل السيل، ويبقى رجل مقبل بوجهه على النار، فيقول: يا رب! قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها -يعني لهيبيها- فاصرف وجهي عن النار) أي أن هذا الرجل وجهه مصروف إلى النار، فهو يشكو إلى الله ﷿ ويقول: (يا رب! قد قشبني ريحها، وأحرقني ذكاؤها، فاصرف وجهي عن النار) فكل أمنيته أن يتحول وجهه يتحول إلى الجهة الأخرى؛ لأن لهيب النار ولفحها قد آذاه وعذبه، فلا يزال يدعو الله ﷿ - (فيقول: لعلك إن أعطيتك أن تسألني غيره.
فيقول: لا، وعزتك لا أسألك غيره.
فيصرف وجهه عن النار، ثم يقول بعد ذلك: يا رب! قربني إلى باب الجنة.
فيقول: أليس قد زعمت ألا تسألني غيره؟! ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك! فلا يزال يدعو فيقول: لعلي إن أعطيتك ذلك تسألني غيره؟! فيقول: لا، وعزتك لا أسألك غيره.
فيعطي الله ما شاء من عهود ومواثيق أن لا يسأله غيره، فيقربه إلى باب الجنة، فإذا رأى ما فيها سكت ما شاء الله أن يسكت، ثم يقول: رب! أدخلني الجنة.
ثم يقول: أوليس قد زعمت أن لا تسألني غيره؟! ويلك يا ابن آدم، ما أغدرك! فيقول: رب! لا تجعلني أشقى خلقك.
فلا يزال يدعو حتى يضحك، فإذا ضحك منه أذن له بالدخول، فإذا دخل فيها قيل له: تمنى من كذا.
فيتمنى، ثم يقال له: تمنى من كذا.
فيتمنى حتى تنقطع به الأماني، فيقول له: هذا لك ومثله معه)، هذا الحديث أخرجه البخاري.
فوجه الدلالة في هذا الحديث أن الله ﷿ أخذ عليه العهود والمواثيق أن لا يسأله غير الذي أعطاه، فخالف هذه العهود والمواثيق وغدر بها بسؤاله بعد ذلك، فهذا تكليف، فقد الله كلفه أن لا يسأل غيره، وفي كل مرة كان يكلفه، فهذا يدل على وقوع شيء من التكليف في الآخرة.
وكذلك حديث الصراط الذي هو جسر جنهم، والعياذ بالله، وهو أحد من السيف، وأدق من الشعرة، يمر عليه الناس كلٌ على حسب عمله، فمنهم من يمر عليه كالبرق، وكالريح المرسلة، وكأجاويد الخيل، ومنهم الراكب والساعي، ومنهم المخدوش، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوًا.
قال ابن عباس: هو يوم كرب عظيم.
وقال القرطبي: هو مقام هائل يمتحن الله به عباده ليميز الخبيث من الطيب.
ويقول الطيبي: لا يلزم من أن الدنيا دار بلاء والآخرة دار جزاء أن لا يقع في إحداهما ما يختص بالأخرى؛ فإن القبر أول منازل الآخرة، وفيه ابتلاء وفتنة بالسؤال وغيره.
فالإنسان يعتبر قد انتقل إلى يوم الآخر بموته، وكل إنسان له يوم قيامة خاص به هو، وهو ساعة موته، فمنها ينتقل من الدنيا إلى أول منازل الآخرة، وينتقل من الغيب إلى الشهادة، وينقطع عمله، فهو -في الحقيقة- يشرع في قيامته منذ أن يدخل القبر، وأول ما يدخل القبر يجد امتحانًا وفتة بالسؤال والابتلاء.
فهذه أدلة من ذهبوا إلى وقوع التكليف في الدار الآخرة، ووقوع التكليف قبل دخول الجنة أو النار.
أما الفريق الآخر الذي يقول بعدم وقوع التكليف في الآخرة فقد استدلوا بالعقل، وأنه ليس في وسع المكلف الدخول في النار؛ لأن دخول النار من التكليف بالمحال.
وأجابوا عن الأحاديث التي فيها الأمر بدخول النار ابتلاء وامتحانًا لأهل الفترة بأنها ضعيفة ولا يحتج بها.
والجواب على هذا أن هذه الأدلة بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف، ومنها ما يتقوى بعضه ببعض ويشتد به.
قال الحافظ ابن القيم: هذه الأحاديث يشد بعضها بعضًا، وتشهد لها أصول الشرع وقواعده، والقول بمضمونها مذهب السلف.
ويقول الحافظ ابن حجر: قد ثبت بأحاديث صحيحة أن الله ﷾ يكلف عباده يوم القيامة في عرصات الآخرة، وأن التكليف في دار الدنيا، وأما ما يقع في القبر وفي الموقف فهي آثار ذلك التكليف.
وأجاب الفريق الأول على ما استدل به الفريق القائل بعدم التكليف من أنه ليس في وسع المكلف الدخول في النار بأن هذه النار هي رأي العين، وليست نارًا في الحقيقة، فهي في نظر العين نار، ومن دخلها كانت عليه بردًا وسلامًا، كما جاء في الأحاديث.
وأيضًا: إذا كان دخول النار سببًا في النجاة فلا مانع من التكليف بدخولها، فهم قالوا: العقل يحيل أن يدخل نفسه في النار.
و
الجواب
من الذي يأمرهم؟ لو كان الذي يأمرهم من البشر لاختلف الأمر، كما حصل من ذلك الصحابي الذي كان أميرًا على مجموعة من الصحابة، فأغضبوه في السفر فأمرهم أن يجمعوا حطبًا ويوقدوا فيه نارًا، ثم قال: ادخلوا فيها.
فانقسموا إلى فريقين: فريق أراد أن يطيع؛ لأن الرسول ﵇ أوصاهم بطاعته، وقال: (من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) وفريق آخر قال: انتظروا حتى نأتي رسول الله ﷺ فنسأله، فو الله ما أسلمنا إلا لنفر منها.
فلما أتوا وأخبروا رسول الله ﷺ قال لهم النبي ﵊: (أما إنهم لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، أو كما قال ﵌.
فالشاهد في هذا أن المخلوق إذا أمرك بمثل هذا فلا يجوز لك أن تطيعه، لكن هنا من الذي يأمر بولوج النار؟ إنه الله ﷾، إذًا: التكليف من الله، والله ﷿ أخبرهم أولًا أن ذلك امتحان امتحانًا لهم، فإذا كانت طاعة الله ﷿ في دخول النار سوف يترتب عليها النجاة والفوز والسعادة فلا مانع من التكليف بذلك؛ لأنه ثبت مثل ذلك في حديث الدجال في آخر الزمان، وهو أن الدجال يكون معه ماء ونارًا، فناره ماء بارد، وماؤه نار، والرسول ﵊ أمرنا إذا رأينا الدجال ومعه الجنة والنار بأن نقتحم هذه النار، وسوف نجد ما تحتها بردًا وسلامًا، ومن يدخل جنته ويطيعه فسيجدها نارًا تلظى.
فهنا الرسول ﷺ يأمر من يدرك الدجال بأن يقع في النار، وهذا تكليف بدخول النار؛ لأن وقوعهم في النار سبب
[ ٢٤ / ١٤ ]