الصلاة عند أهل السنة والجماعة جائزة خلف كل بر وفاجر، وكذا الصلاة عليهم، ومحل الصلاة هي المساجد التي بنيت لعبادة الله، ولا يجوز لمسلم أن يهجر المساجد ويترك الجمعة والجماعة بغير عذر، فإن فعل ذلك فقد ابتدع، وقد ابتلي الإسلام في عصرنا ببعض المنتسبين إليه الذين جعلوا مساجد الله مساجد ضرار، وتقربوا إلى الله بترك الجمعة والجماعة مشترطين في ذلك شروطًا أملتها عليهم أهواؤهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ٢٧ / ١ ]
الصلاة خلف أئمة المسلمين
فحديثنا سيكون -بإذن الله تعالى- عن قضية من القضايا المهمة التي نتطرق إليها، والتي هي ثمرة من ثمرات الفكر الخبيث الذي ينحرف عن منهج أهل السنة والجماعة، ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف:٥٨]، فهذه الجماعة الخبيثة أعادت فكر الخوارج -وهي المسماة بجماعة التكفير والهجرة- ومن سار على دربها اجترأ المنتسبون إليها على حدود الله ﵎ كثيرًا، ومن هذه الجرأة موقفهم من المساجد التي هي بيوت الله عز جل، وقضية الصلاة خلف عموم المسلمين في مساجدهم في بلاد المسلمين.
فنبدأ أولًا بدراسة شرح ما يتعلق بهذه القضية من متن العقيدة الطحاوية، حيث يقول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: (ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى من مات منهم).
يقول الشارح رحمه الله تعالى: قال ﷺ: (صلوا خلف كل بر وفاجر)، وقد استعمل الشارح عبارة الحديث مع أنه ضعف الحديث، فقال: رواه مكحول عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه الدارقطني وقال: مكحول لم يلق أبا هريرة.
وفي إسناده معاوية بن صالح متكلم فيه، وقد احتج به مسلم في صحيحه، وخرج له الدارقطني أيضًا، وأبو داود عن مكحول عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم بر أو فاجر، وإن هو عمل بالكبائر، والجهاد واجب مع كل أمير بر أو فاجر وإن عمل الكبائر)، وفي هذا الحديث -أيضًا- ضعف، وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، وكذا أنس بن مالك ﵁، وكان الحجاج فاسقًا ظالمًا.
ومعروف فسق الحجاج وجرأته على إراقة دماء المسلمين، بل خيار المسلمين ﵃.
وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه بسنده إلى عمير بن هانئ قال: شهدت ابن عمر والحجاج محاصر ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء وربما حضر الصلاة مع هؤلاء.
وهذا سند صحيح، وأخرجه البيهقي -أيضًا- بلفظ: عن عمير بن هانئ قال: بعثني عبد الملك بن مروان بكتب إلى الحجاج، فأتيته وقد نصب على البيت أربعين منجنيقًا -حيث ضرب الكعبة بالمنجنيق- فرأيت ابن عمر إذا حضر في الصلاة مع الحجاج صلى معه، وإذا حضر ابن الزبير صلى معه، فقلت له: يا أبا عبد الرحمن! أتصلي مع هؤلاء وهذه أعمالهم؟! فقال: يا أخا أهل الشام! ما أنا لهم بحامد، ولا نطيع مخلوقًا في معصية الخالق.
يعني: أنا لا أثني على ما يفعلونه من الشر، ولا نطيع مخلوقًا في معصية الخالق.
وروى الشافعي بسنده عن نافع أن ابن عمر اعتزل بمنى في قتال ابن الزبير والحجاج، فصلى مع الحجاج، وروى ابن سعد في الطبقات عن زيد بن أسلم أن ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أميرًا إلا صلى خلفه وأدى إليه زكاة ماله.
وسنده صحيح.
وأيضًا عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: كان الحسن والحسين يصليان خلف مروان، قال: فقيل له: أما كان أبوك يصلي إذا رجع إلى البيت؟! قال: فيقول: لا والله، ما كانوا يزيدون على صلاة الأئمة.
يعني أن صلاة الأئمة في المساجد يعتدون بها حتى ولو كانوا من الظلمة أو الفاسقين ما داموا على أصل الإسلام.
وفي المجموع قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قال أصحابنا: الصلاة وراء الفاسق صحيحة ليست محرمة، لكنها مكروهة، وكذا تكره وراء المبتدع الذي لا يكفر ببدعته وتصح، ونص الشافعي في المختصر على كراهة الصلاة خلف الفاسق والمبتدع، فإن فعلها صحت، وقال مالك: لا تصح وراء فاسق بغير تأويل، كشارب الخمر والزاني، وذهب جمهور العلماء إلى صحتها.
يقول شارح الطحاوية: وفي صحيح البخاري أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، وكذا أنس بن مالك، وكان الحجاج فاسقًا ظالمًا.
وفي صحيحه -أيضًا- أن النبي ﷺ قال: (يصلون لكم)، يعني الأئمة في عهود الإسلام الأولى، حيث كان -كما هو في حكم الإسلام- الذي يلي الإمامة والجماعة الجامعة للمسلمين الخليفة أو الحاكم أو الوالي، وكالمحافظ اليوم مثلًا، وهذا هو شأن الصلاة، حيث ينبغي أن يكون أول من يتولاها ويحاسب من يتخلف عنها هو الإمام، فكان الذي يلي إمامة الصلاة من الأئمة قد يكون ظالمًا أو فاسقًا.
وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطئوا فلكم وعليهم).
وعن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﵌ قال: (صلوا خلف من قال: (لا إله إلا الله)، وصلوا على من مات من أهل (لا إله إلا الله»، أخرجه الدارقطني من طرق وضعفها.
يقول الشارح ﵀: اعلم -رحمك الله وإيانا- أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقًا باتفاق الأئمة.
إذًا: هذا اتفاق بين أئمة الإسلام، وهو أنه يجوز لك أن تصلي خلف الشخص الذي لا تعرف عنه بدعة ولا فسقًا.
يقول: وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه فيقول له: ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف المستور الحال.
ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه -أي: حيث لا يوجد سوى هذا المسجد، ولا يوجد إمام إلا هذا الإمام المعين الذي هو الإمام الراتب بالمسجد- كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة ونحو ذلك، فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف، ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند أكثر العلماء.
يعني: لو كان الإمام مرتكبًا بدعة لا تكفره، ولا مناص من الصلاة خلفه، فمن صلى في البيت لأجل بدعة الإمام صار هو المبتدع، أو صار حريًا بأن يوصف بأنه مبتدع.
يقول: ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر فهو مبتدع عند أكثر العلماء، والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها؛ فإن الصحابة ﵃ كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون، كما كان عبد الله بن عمر ﵄ يصلي خلف الحجاج بن يوسف، وكذلك أنس ﵁ كما تقدم، وكذلك كان عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان يشرب الخمر.
وفي صحيح مسلم عن طريق حصين بن المنذر قال: شهدت عثمان وأتي بـ الوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم.
فشهد عليه رجلان أحدهما حمران أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال: عثمان: إنه لم يتقيأ حتى شربها.
فقال: يا علي! قم فاجلده.
فقال علي: قم -يا حسن - فاجلده.
فقال الحسن: ول حارها من تولى قارها.
فكأنه وجد عليه، فقال: يا عبد الله بن جعفر! قم فاجلده.
فجلده علي بعد حتى بلغ أربعين، فقال: أمسك.
ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وعمر ثمانين وكلٌ سنة، وهذا أحب إلي.
والشاهد أن هذا رجل فاسق كان يشرب الخمر، ومع ذلك صلى خلفه عبد الله بن مسعود ﵁.
وفي الصحيح أن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أمير البررة وقتيل الفجرة لما حصر صلى بالناس شخص آخر غير الإمام الذي هو عثمان ﵁، فسأل سائل عثمان وهو في الدار قد حاصره الثوار الفجرة فقال: إنك إمام عامة، وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة.
فقال: يا ابن أخي! إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإن أحسنوا فأحسن معهم، وإن أساءوا فاجتنب إساءتهم.
أخرجه البخاري من حديث عبيد الله بن عدي بن خيار أنه دخل على عثمان بن عفان ﵁ وهو محصور فقال: إنك إمام عامة، ونزل بك ما ترى، ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج.
فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا تجنب إساءتهم.
فهذا هو المقياس المنضبط في الحكم على مثل هذه الأمور، فهذه العبارة عن أمير المؤمنين عثمان ﵁ مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب، وأن يحفظها كل منا حتى يلقمها كل من يشخط الكلام ويتشدق بهذه البدع الإبليسية ويقوم بطرد الناس عن بيوت الله ﵎ وتخريبها، فماذا يبقى إذا خربت هذه القلاع المتبقية التي منها تنطلق الدعوة إلى الإسلام، ويحفظ على الناس دينهم؟! فما من شك في أن في هذا مضادة لمقاصد الشريعة الإسلامية العليا، فينبغي أن يحفظ الناس هذا الأثر عن عثمان ﵁، وهو يا ابن أخي! إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم.
يقول الشارح: والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحي
[ ٢٧ / ٢ ]
قاعدة أهل السنة في رحمة أهل البدع والمعاصي والصلاة معهم
هذه رسالة من الرسائل المهمة جدًا، وإن كان أغلب شرح الطحاوية مقتبس من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، وهذه الرسالة من الرسائل المباركة التي ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى نصيحة للمسلمين، وسنذكرها -إن شاء الله- لأهميتها، وتسمى (قاعدة أهل السنة والجماعة في رحمة أهل البدع والمعاصي ومشاركتهم في صلاة الجماعة).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: قال الله تعالى وتقدس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران:١٠٢ - ١٠٦].
يقول ابن عباس في تفسير هذه الآية: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدع والفرقة.
يقول: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٦ - ١٠٧].
وفي الترمذي عن أبي أمامة الباهلي عن النبي ﷺ في الخوارج: (أنهم كلاب أهل النار.
وقرأ هذه الآية ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران:١٠٦]).
قال الإمام أحمد: صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه.
وقد أخرجها مسلم في صحيحه، وخرج البخاري طائفة منها.
قال النبي ﷺ عنهم: (يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم -يعني: لا يرفع ولا يتقبل منهم- يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية)، وفي رواية: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان).
وفي بعض الأحاديث الأخرى: (طوبى لمن قتلهم أو قتلوه).
يقول شيخ الإسلام: والخوارج هم أول من كفر المسلمين بالذنوب، ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، ويستحلون دمه وماله، وهذه حال أهل البدع، يبتدعون بدعة ويكفرون من خالفهم في بدعتهم، وأهل السنة والجماعة يتبعون الكتاب والسنة، ويطيعون الله ورسوله، فيتبعون الحق ويرحمون الخلق.
وأول بدعة حدثت في الإسلام بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في أثناء خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فعاقب الطائفتين، أما الخوارج فقاتلوه فقتلهم، وأما الشيعة فحرق غالبيتهم بالنار.
وذلك لأن بعض هؤلاء الشيعة -وهم أشد الشيعة غلوًا- زعموًا أن عليًا ﵁ هو الله، وعبدوه وألهوه، والعياذ بالله، فدعا بنار وأحرقهم، فلما أدخلهم النار قالوا: ألم نقل لك: إنك إله؛ فإنه لا يعذب بالنار إلا الله.
والعياذ بالله، فقال علي ﵁ قال: لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا أججت ناري ودعوت قنبرا يعني: قلت له: أوقد هذه النار.
يقول: وأما الشيعة فحرق غالبيتهم بالنار، وطلب قتل عبد الله بن سبأ فهرب منه.
وهو عبد الله بن سبأ اليهودي ابن السوداء، هكذا كان لقبه، وهو الذي أشعل نيران الفتنة، وهو الذي أسس للشيعة دينهم.
وأمر علي ﵁ بجلد من يفضله على أبي بكر وعمر، وهم فرقة أخرى من فرق الشيعة، وهي فرقة المفضلة الذين كانوا يفضلون عليًا على أبي بكر وعمر، وكان أمير المؤمنين علي ﵁فيما قد تواتر عنه- يقول: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر، والله لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري.
أي: حد الكذاب.
يقول شيخ الإسلام: ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يصلون الجمع والأعياد والجماعات، لا يدعون الجمعة والجماعة كما فعل أهل البدع من الرافضة وغيرهم، فإن كان الإمام مستورًا لم تظهر منه بدعة ولا فجور صلى خلفه الجمعة والجماعة باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم من أئمة المسلمين، ولم يقل أحد من الأئمة: إنه لا تجوز الصلاة إلا خلف من علم باطن أمره.
بل ما زال المسلمون من بعد نبيهم ﷺ يصلون خلف المسلم المستور.
ولكن إذا ظهر من المصلي بدعة أو فجور وأمكن الصلاة خلف من يعلم أنه مبتدع أو فاسق مع إمكان الصلاة خلف غيره فأكثر أهل العلم يصححون صلاة المأموم، كما أشرنا من قبل إلى هذا الخلاف، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة أن الإنسان لو صلى خلف مبتدع أو فاسق مع إمكان أن يصلي خلف عدل فصلاته صحيحة، وأكثر العلماء يصححون هذه الصلاة، وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد، وأما إذا لم يتمكن من الصلاة إلا خلف المبتدع أو الفاجر، كالجمعة التي إمامها مبتدع أو فاجر وليس هناك جمعة أخرى فإنه يصلي خلف المبتدع والفاجر عند عامة أهل السنة والجماعة، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة أهل السنة بلا خلاف عندهم.
وكان بعض الناس إذا كثرت الأهواء يحب أن لا يصلي إلا خلف من يعرفه على سبيل الاستحباب، كما نقل عن أحمد أنه ذكر ذلك لمن سأله، ولم يقل أحد: إنه لا تصح إلا خلق من عرف حاله.
ومعنى هذا أنه استحب بعضهم أن يصلي خلف من يعرف حاله نظرًا لشيوع البدع والانحرافات والضلالات، لكن ليس النقاش في صحة الصلاة.
وقد حصل أن قدم أبو عمرو عثمان بن مرزوق إلى ديار مصر، وكان ملوكها في ذلك الزمان مظهرين للتشيع، وكانوا باطنية ملاحدة؛ لأن الدولة الفاطمية الخبيثة أفسدت الحياة في مصر، وأرست كل البدع التي تختص بها مصر دون سائر الشعوب الإسلامية، كالمقابر التي وضعت في المساجد، والمولد، ونحو ذلك من الضلالات، بل تركت -أيضًا- آثارًا من التعصب لأهل البيت رضي الله تعالى عنهم والغلو فيهم، وتركت بصماتها إلى عهد قريب، وكان العلماء يعدون مصر في ذلك الوقت دار حرب، حتى ألف الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى في ذلك الوقت كتابًا سماه (النصر على مصر)، وأكثر الناس حينما يُذكَر صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى تلتفت أذهانهم إلى سيرة هذا الملك الصالح الذي حرر بيت المقدس من أيدي الصليبيين، ونحن -معشر المصريين- ينبغي أن نشكر لـ صلاح الدين رحمه الله تعالى جميله، فقد طهر مصر من الدولة الفاطمية، وهو الذي أحدث هذا التغيير في الدولة الفاطمية في مصر، وقضى عليها، وأعاد مكانها مذهب من هو أقرب إلى مذهب أهل السنة بلا شك.
يقول شيخ الإسلام: ولما قدم أبو عمرو عثمان بن مرزوق إلى ديار مصر، وكان ملوكها في ذلك الزمان مظهرين للتشيع، وكانوا باطنية ملاحدة، وكان بسبب ذلك قد كثرت البدع وظهرت بالديار المصرية أمر أصحابه أن لا يصلوا إلا خلف من يعرفونه؛ لأن عامة الناس كان قد حصل فيهم هذا التغيير في العقيدة، ثم بعد موته فتحها ملوك السنة قبل صلاح الدين، وظهرت فيها كلمة السنة المخالفة للرافضة، ثم صار العلم والسنة يكثر بها ويظهر.
يقول شيخ الإسلام: فالصلاة خلف المستور جائزة باتفاق المسلمين، ومن قال: إن الصلاة محرمة أو باطلة خلف من لا يعرف حاله فقد خالف إجماع أهل السنة والجماعة، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يصلون خلف من يعرفون فجوره، كما صلى عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة ﵃ خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقد كان يشرب الخمر، وصلى مرة الصبح أربعًا، وجلده عثمان بن عفان على ذلك، كما في صحيح مسلم.
وكذلك عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة كانوا يصلون خلف الحجاج بن يوسف، وكان الصحابة والتابعون يصلون خلف المختار ابن أبي عبيد معروف أن المختار بن أبي عبيد ادعى النبوة، والأخبار تثبت أنه كان يزعم أن الوحي يأتيه على يد جبريل، وقد قيل لـ ابن عمر ﵄: إن المختار يزعم أن الوحي يأتيه! فقال: صدق، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٢١].
يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله، ولا بخطأ أخطأ فيه، كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة، فإن الله تعالى قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَر
[ ٢٧ / ٣ ]
الصلاة خلف أهل الفجور والبدع
يقول شيخ الإسلام: فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسلمين أن يصلي معهم الجمعة والجماعة، ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم، وإن رأى بعضهم ضالًا أو غاويًا وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك، وإلا ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، وإذا كان قادرًا على أن يولي في إمامة المسلمين الأفضل ولاه، وإن قدر أن يمنع من يظهر البدع والفجور منعه، وإن لم يقدر على ذلك فالصلاة خلف الأعلم بكتاب الله وسنة نبيه والأسبق إلى طاعة الله ورسوله أفضل، كما قال النبي ﷺ في الصحيح: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنًا) فهنا ترتيب النبي ﷺ خلاف الترتيب المتعارف عليه الآن بين عموم الناس إذا حضرت الجماعة، فإنهم لا يعملون بهذا الحديث، وربما صدروا الأكبر سنًا لأول وهلة، وهذا في حالة إذا لم يكن هناك إمام راتب، فعليهم أن يقدموا الأولى.
ويقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ [البقرة:١١٤] يعني: لا أحد أظلم ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة:١١٤]، فهؤلاء ممن يسعون في خراب ببيوت الله ﷿، والمفروض هو أن الدعوة الإسلامية تحرص كل الحرص على أن توجد لها مواقع جديدة في المجتمع توثر بها على القطاع الأعظم من المسلمين، فالقلاع المتبقية الآن هي هذه المساجد، فماذا يبقى بعد أن نهدم بأيدينا هذه القلاع وهذه الحصون؟! ماذا يبقى بعد ذلك للإسلام والمسلمين في هذه البلاد؟! فهل نستجلب نحن وصف الغربة الذي هو إضعاف الدين بأيدينا؟! فهل عند قائل هذا عقل فضلًا عن الدين.
يقول شيخ الإسلام: وأما إذا ولي رجل بغير إذنه، وليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية كان تفويت هذا الجمعة والجماعة جهلًا وضلالًا، وكان رد بدعة ببدعة.
يقول: حتى إن المصلي الجمعة خلف الفاجر اختلف الناس في إعادته الصلاة، وكرهها أكثرهم.
فأكثر العلماء كرهوا إعادة صلاة الجمعة إذا صليتها خلف فاجر، حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس: من أعادها فهو مبتدع.
وهذا أظهر القولين؛ لأن الصحابة ﵃ لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع، ونحن نعلم الحديث الذي فيه أن النبي ﷺ تنبأ ببعض الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، فسأله الصحابة: ماذا نفعل إذا أدركنا هؤلاء الأمراء؟ قال: (صلوا الصلاة لقوتها، واجعلوها معهم نافلة) فكل واحد يصلي الصلاة لوقتها لحاله وحده، فإذا أقام الصلاة في غير وقتها هؤلاء الأمراء فصلوها معهم نافلة إظهارًا لطاعة أولي الأمر.
والشاهد في هذا أن هؤلاء الأمراء فساق، فإذا كان أمير يؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها ويداوم على ذلك فهذا فسق منه، فلو كانوا يصلون في أول الوقت لأمرهم أن يصلوا معهم، ولكونهم سوف يؤخرونها عن وقتها أمرهم أن يصلوا الصلاة لوقتها مراعاة لحرمة الصلاة، ثم يصلوا خلفهم نافلة، فما دامت النافلة تصح خلفهم فكذلك الفريضة خلفهم مع فسقهم.
يقول شيخ الإسلام: حتى قال أحمد بن حنبل في رواية عبدوس: من أعادها فهو مبتدع.
وهذا أظهر القولين؛ لأن الصحابة ﵃ لم يكونوا يعيدون الصلاة إذا صلوا خلف أهل الفجور والبدع، ولم يأمر الله تعالى قط أحدًا إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة، ولهذا كان أصح قولي العلماء أن من صلى بحسب استطاعته أن لا يعيد.
فما دمت قد بذلت وسعك لصحة الصلاة فلا تعد، حتى المتيمم لخشية البرد ومن عدم الماء والتراب إذا صلى بحسب حاله، والمحبوس، وذوو الأعذار النادرة والمعتادة والمتصلة والمنقطعة لا يجب على أحد منهم أن يعيد الصلاة إذا صلى الأولى بحسب استطاعته.
يقول شيخ الإسلام: وقد ثبت في الصحيح أن الصحابة ﵃ صلوا بغير ماء ولا تيمم لما فقدت عائشة عقدها، ولم يأمرهم النبي ﷺ بالإعادة، بل أبلغ من ذلك أن من كان يترك الصلاة جهلًا بوجوبها لم يأمره بالقضاء، فـ عمر وعمار لما أجنبا وعمر لم يصل وعمار تمرغ كما تمرغ الدابة لم يأمرهما بالقضاء؛ لأن هذا الذي كان يستطيعه ساعة دخوله في الصلاة، وأبو ذر لما كان يجنب وبدأ يصلي لم يأمره بالقضاء، والمستحاضة لما استحاضت حيضة شديدة منعتها الصلاة والصيام لم يأمرها بالقضاء.
والذين أكلوا في رمضان حتى يتبين لأحدهم الحبل الأبيض من الحبل الأسود لم يأمرهم بالقضاء، وكانوا قد غلطوا في معنى الآية، فظنوا أن معنى قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ [البقرة:١٨٧] هو الحبل، فقال النبي ﷺ: (إنما هو سواد الليل وبياض النهار) ولم يأمرهم بالقضاء، والمسيئ في صلاته لم يأمره بإعادة ما تقدم من الصلوات.
والمسيئ هو خلاد بن رافع، صحابي أنصاري شهد بدرًا وأحدًا وسائر المشاهد مع رسول الله ﷺ، وشهد مع علي الجمل وصفين، وتوفي أول إمارة معاوية، وهذا الحديث رواه السبعة.
والذين صلوا إلى بيت المقدس بمكة والحبشة وغيرها بعد أن نسخت بالأمر بالصلاة إلى الكعبة وصلوا إلى الصخرة حتى بلغهم النسخ لم يأمرهم بإعادة ما صلوا، وإن كان هؤلاء أعذر من غيرهم لتمسكهم بشرع منسوخ.
وقد اختلف العلماء في خطاب الله ورسوله ﷺ هل يثبت حكمه في حق العبيد قبل البلاغ على ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره: قيل: يثبت.
وقيل: لا يثبت.
وقيل: يثبت المبتدأ دون الناسخ.
والصحيح ما دل عليه القرآن في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، وفي الصحيحين: (ما أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل رسله مبشرين ومنذرين) فالمتأول والجاهل المعذور ليس حكمه حكم المعاند والفاجر، بل قد جعل الله لكل شيء قدرًا.
ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بعض الكلام في حكم من يسب الصحابة ﵃.
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن حكم الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع فقال ﵀: وأما الصلاة خلف أهل الأهواء والبدع وخلف أهل الفجور ففيه نزاع مشهور وتفصيل ليس هذا موقع بسطه، لكن أوسط الأقوال في هؤلاء أن تقديم الواحد من هؤلاء للإمامة لا يجوز مع القدرة على غيره، فإن من كان مظهرًا للفجور والبدع يجب الإنكار عليه ونهيه عن ذلك، وأقل مراتب الإنكار هجره لينتهي عن فجوره وبدعته، ولهذا فرق جمهور الأئمة بين الداعية -يعني الداعية إلى البدعة- وغير الداعية؛ لأن الداعية أظهر المنكر فاستحق الإنكار عليه، بخلاف الساكت؛ فإنه بمنزلة من أسر بالذنب، فهذا لا ينكر عليه في الظاهر، فإن الخطيئة إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة.
ولهذا كان المنافقون تقبل منهم علانيتهم وتوكل سرائرهم إلى الله تعالى، بخلاف من أظهر الكفر، فإن كان داعية -أي: إن كان المبتدع داعية- إلى البدعة غير ساكت وغير مستتر بها منع من ولايته وإمامته وشهادته وروايته، لما في ذلك من النهي عن المنكر، لا لأجل فساد صلاته أو إتهامه في شهادته وروايته، فإذا أمكن لإنسان أن لا يقدم مظهرًا للمنكر في الإمامة وجب ذلك.
ويعني بالمظهر للمنكر من لا يبالي بالجهر بالمعصية، ولو كان مستترًا بالمعصية لكان ذلك أهون، لكنه يجهر بها، كحلق اللحية -مثلًا- وقد علم أنه حرام، وكالتدخين ولباس خاتم الذهب وغير ذلك من المعاصي الظاهرة التي يتلبس بها كثير من الناس.
يقول: فإذا أمكن لإنسان أن لا يقدم مظهرًا للمنكر في الإمامة وجب ذلك، لكن إذا ولاه غيره ولم يمكنه صرفه عن الإمامة، أو كان هو لا يتمكن من صرفه إلا بشر أعظم ضررًا من ضرر ما أظهره من المنكر فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير، ولا دفع أخف الضررين لتحصيل أعظم الضررين؛ فإن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان، ومطلوبها ترجيح خير الخيرين إذا لم يمكن أن يجتمعا جميعًا، ودفع شر الشرين إذا لم يندفعا جميعًا، فإذا لم يمكن منع المظهر للبدعة والفجور إلا بضرر زائد على ضرر إمامته لم يجز ذلك، بل يصلى خلفه ما لا يمكن فعلها إلا خلفه، كالجمعة والأعياد والجماعات إذا لم يكن هناك إمام غيره، ولهذا كان الصحابة يصلون خلف الحجاج والمختار بن أبي عبيد الثقفي وغيرهما الجمعة والجماعة، فإن تفويت الجمعة والجماعة أعظم إفسادًا من الاقتداء فيهما بإمام فاجر، لاسيما إذا كان التخلف عنهما لا يدفع فجوره، فيبقى ترك المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة.
ولهذا كان التاركون للجمع والجماعات خلف أئمة الجور مطلقًا معدودين عند السلف والأئمة من أهل البدع، وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهو أولى من فعلها خلف الفاجر، وحينئذ إذا صلى خلف الفاجر من غير عذر فهو موضع اجتهاد بين العلماء، منهم من قال: إنه يعيد؛ لأنه فعل ما لا يشرع، بحيث ترك ما يجب عليه من الإنكار بصلاته خلف هذا، فكانت صلاته خلفه منهيًا عنها، فيعيدها، ومنهم من قال: لا يعيد؛ لأن الصلاة في نفسها صحيحة، وما ذكر من ترك الإنكار هو أمر منفصل عن الصلاة، وهو يشبه البيع عند نداء الجمعة، وأما إذا لم يمكن الصلاة إلا خلفه كالجمعة فهنا لا تعاد الصلاة، وإعادتها من فعل أهل البدع.
وكثير من الم
[ ٢٧ / ٤ ]
شروط المساجد من وجهة نظر جماعة التكفير والهجرة
بالنسبة لموضوع المساجد فإن فرقة التكفير والهجرة كما تسمى -وكانوا هم يسمون أنفسهم جماعة المسلمين- لها نظرة شاذة فيما يتعلق بموضوع المساجد نتجت من الشذوذ في قضية معرفة المسلم من الكافر، كما أشرنا من قبل إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف:٥٨].
يقول الأستاذ رجب مذكور في كتاب له يسمى: (التكفير والهجرة وجهًا لوجه)، في صفحة مائة وثلاث وتسعين: وتقوم وجهة نظرهم على أساس أن كل المساجد القائمة في الأرض منذ عدة قرون مضت وحتى الآن مساجد ضرار.
أي أن ذلك قد يكون من الدولة الأموية بعد الخلافة الراشدة، وهذا من جرأة هؤلاء الناس على الله ﷿ وعلى دين الله، وليسوا وحدهم في ذلك، بل كثيرًا ما نسمع من كثير يذكرون أن هذه الأمة ما كان فيها خير، وبمجرد ما انقضت القرون الخيرية انتهى كل شيء وانهار، حتى ظهرت جماعاتهم هذه التي ظهرت قريبًا وأعادت الإسلام من جديد، وكأن كل هذا التاريخ مبتور، والأمة كانت تعمى في ضلال، ولو انتقينا أسوأ واحد من خلفاء الدولة الأموية نسبيًا لوجدناه بالنسبة لحكامنا اليوم كالخلفاء الراشدين؛ لأنهم كانوا يحكمون بما أنزل الله، وكانوا يقومون الليل، ويقيمون في الناس شرع الله ﵎، مع أنه قد يكون هناك سفك لبعض الدماء في أي نوع من الأشياء التي غايتها أن تكون معاصي أو كبائر، لكن لم يمس انحرافهم أصل دين الإسلام.
فهؤلاء بالنسبة لحكامنا اليوم عباد متبتلين، وأئمة هدى على أصل الإسلام، كانوا يقيمون علم الجهاد، ويفتحون البلاد في سبيل الله إلى عهد الدولة العثمانية التي تغلغلت في أحشاء سويسرا وأخذت أجزاء من فرنسا، فهؤلاء كانوا يجاهدون في سبيل الله، وكانوا يقيمون حكم الله ﵎، فهذه النظرة ليست صائبة، أعني اعتبار أن هذه أمة لا خير فيها، وبمجرد أن انتهت الخلافة الراشدة انتهى معها كل شيء، فهذا من الضلال المبين.
يقول الأستاذ رجب مذكور: تقوم وجهة نظرهم على أساس أن كل المساجد القائمة في الأرض منذ عدة قرون مضت وحتى الآن مساجد ضرار، باستثناء أربعة مساجد فقط: المسجد الحرام بمكة المكرمة، والمسجد الأقصى بيت المقدس، ومسجدي قباء والنبوي بالمدينة المنورة، وبناءً على وجهة نظرهم هذه فإنهم يحكمون بتحريم الصلاة في كل المساجد على الأرجح، وما زال يوجد الآن من أهل البدع والضلال في قضية التكفير من يكفرون من يصلي في معابد المشركين التي هي المساجد في زعمهم.
يكفرونك لأن تصلي في المساجد، وكأنك تذهب إلى سينما أو خمارة أو نحوهما من أماكن الفسق والفجور، ولست ذاهبًا إلى بيت من بيوت الله التي يذكر فيها اسم الله ﷿، وبناء على وجهة نظرهم هذه فإنهم يحكمون بتحريم الصلاة في كل المساجد على الأرجح، وقالوا: إنه لا يجوز من حيث التسمية ابتداءً أن نسمي أي مسجد مسجدًا لله، إلا بعد أن نتحرى فيه شروطًا ثلاثة هي:
[ ٢٧ / ٥ ]
إخلاص الدعوة لله
أولا: الدعوة التي تعلن فيه، حيث اشترطوا بتسميته مسجدًا لله أن تكون الدعوة فيه خالصة لله وحده، وهل المسلمون الذين يصلون في المساجد يعبدون المسيح بن مريم، أو يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، أو يعبدون بوذا؟! إنهم يعبدون الله وقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨].
فإذا وقع في بعض المساجد دعاء غير الله وعبادة غير الله -كما يحصل في المساجد المبنية على القبور التي تعبد فيها الموتى من دون الله، وتذبح لهم الذبائح، ويطاف بقبورهم، ويتمسح بأعتابهم- فهذا منكر، ونقول كما قال العلماء: إن هذه المساجد مبنية على لعنة رسول الله ﵊.
فدين الإسلام لا يجتمع فيه مسجد وقبر أبدًا، والحكم يكون للسابق، فإذا كان الأصل المسجد وبني عليه قبر فإنه ينبش القبر وينقل إلى قبور المسلمين، وإن كان العكس فالعكس، هذا إذا كان مجرد قبر، فما بالك إذا كان يتخذ لعبادة غير الله؟! فهذا شيء حقيقي وواقع، فلا بأس بتطبيق هذا على مثل ذلك، أما أصل المساجد الموجودة في بلاد المسلمين فإنه -لله الحمد- لا يعبد فيها إلا الله ﷿، ويرتفع فيها الأذان بشهادة الحق وشهادة التوحيد.
فهذا هو أول شرط عندهم، وهو أن تكون الدعوة خالصة لله وحده، وما معنى أن تكون الدعوة خالصة لله وحده؟! معناه أنها لن تكون كذلك إلا إذا كانت على دعوتهم، فهي الوحيدة التي تستحق هذا الوصف العظيم.
ودليلهم على هذا الشرط قول الله ﷿: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن:١٨]، فيقولون: إن المسجد لا يصح أن نسميه مسجدًا لله حتى ننظر في الدعوة التي يدعى إليها فيه، فهل هي لله خالصة أم لا؟ ونقول: إن التسمية قد لحقت بالمسجد قبل أن يدعى المسجد، فسمي مسجدًا رغم أنوفهم أجمعين منذ وقفه صاحب الأرض وقال: هذه أرض لله موقوفة ليبنى عليها مسجد.
فيصير مسجدًا منذ هذه اللحظة، وقبل أن يقوم أحد فيه بالدعاء لله ﷿.
ومن زعم أن تسميته مسجدًا لله لا تجوز من هذه اللحظة، وإنما يفرض إرجاء التسمية مدة من الزمن فقد ضل.
فهم يقولون: إننا لا نحكم على مثل هذا المسجد بأنه مسجد حتى تمر مدة فترة امتحان واختبار، فننظر في خطيب المسجد يوم الجمعة، ثم نقوم وندرس خطبته، وفي ضوء نتيجة هذا التقييم تكون التسمية من عدمها.
يقول: أقول: من زعم ذلك فليأتنا ببرهان ذلك من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وإلا فاشتراطه باطل، كما قال ﵊: (كل شرط ليس في كتاب الله فهو رد وإن كان مائة شرط).
يقول: وتظل تسميته مسجدًا لله مصاحبة له ما بقي مخصصًا لهذا الغرض ما دام بناؤه شرعيًا منذ اللحظة الأولى، أعني: لم يبن على قبر -مثلًا- لوجود نهي عن ذلك، فإذا افترضنا أن مسجدًا من مساجد الله بناه رجل من المسلمين الصالحين لوجه الله، ثم اعتلى منبره خطيب جاهل أو منافق فكانت خطبته تحتوي على خلط في أحكام الله، أو تملقًا لحاكم أو كبير فإن وزر هذا الخطيب يقع على نفسه، وعلى من لم ينكر عليه بأي صورة من صور الإنكار المعروفة، ولا يمس البناء شيء تمامًا، كما لو حدث أن اعتلى المنبر أحد رجال فرقة التكفير ودعا إلى هذه الافتراءات التي يفترونها على دين الله، فإننا حينئذ لن نقول له: إن هذا المسجد قد أصبح مسجد ضرار، وإنما كل الذي يمكن أن يحدث أن المصلين يقومون فيضربونه ويطردونه من المسجد، ولكن المصلين قد لا يفعلون ذلك إذا كان الخطيب يتملق لحاكم على حساب دين الله إيثارًا منهم للسلامة وخوفًا مما لا يحمد عقباه، ويكتفون -مثلًا- بالإنكار القلبي، وقد يكون بعضهم منافقًا مثل الخطيب تمامًا فتتلاقى الأرواح، ويفتقد حتى الإنكار القلبي الذي هو أضعف الإيمان.
يقول: والذي أريد أن أقوله أن هذا التغيير باليد أو اللسان أو القلب، أو حتى في حالة النفاق الذي يفتقد الإنكار القلبي أيضًا، فإنه لا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا يتحمل المسجد منه شيئًا، فإذا نهى رسول الله ﷺ المسلم أن ينشد المسلم ضالته في المسجد فيقول: من يدلني على هذا الشيء الذي ضاع مني؟ فلو قام رجل أو رجال ففعلوا ذلك الأمر المنهي عنه فإن وزرهم على أنفسهم، كما أن الخطيب منهي عن أن يتملق لمنافق، وهذا لا يؤثر في المسجد بشيء تمامًا، كما لا يؤثر لو أن رجلًا قام فنشد الضالة أو باع وابتاع في المسجد، وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك، فهل معنى ذلك أن المسجد صار سوقًا؟! هل هذا يغير صفة المسجد من حيث كونه مسجدًا؟! يقول: ولا يصح أن يقال: إن المسجد أصبح ضرارًا لوجود هذه المخالفة أو تلك، فلقد كان المشركون يزحمون المسجد الحرام بالأصنام، فما تحول المسجد عن كونه مسجدًا لله، وكان رسول الله ﷺ يصلي فيه رغم وجود هذه الأصنام المعبودة من دون الله، وكل الذي حدث أن المسلمين قد كلفوا حين القدرة بإزالة تلك المنكرات من بيوت الله وتحطيمها بعد أن جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقًا.
[ ٢٧ / ٦ ]
تحقق صفات عمار المسجد
واشترطوا لتسمية المسجد مسجدًا لله أن يستوفي عماره الأوصاف التي ذكرها الله ﷾ في قوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة:١٨].
وقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ * رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾ [النور:٣٦ - ٣٧]، وفي قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨].
فقالوا: إنه لا يجوز لنا أن نسمي مسجدًا ما مسجدًا لله حتى يستوفي عماره هذه الأوصاف المذكورة في الآيات السابقة.
يقول: وعن الشرط الثاني الذي اشترطته فرقة التكفير هو استيفاء أوصاف من يعمرون بيوت الله كما ذكرت في الآيات القرآنية، فنقول: إن الله ﷾ قد ذكر لنا ما يجب أن يتصف به عمار بيوته من صفات قلبية وظاهرية لنتحرى هذه الصفات في ذات أنفسنا، وندعو إليها، ونذكر بها، ولكنه ﷾ لم يذكر لنا هذه الصفات من أجل أن نتعقبها في الناس، ونؤسس عليها حكمًا شرعيًا بأن هذا المسجد لله أم لا.
ذلك أن بعض هذه الصفات قلبية، وذلك مثل ما ورد في قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا﴾ [النور:٣٧]، فكيف تحكم على شخص بأنه يخاف يوم القيامة أو لا يخاف؟! فهذا عمل قلبي ولا سلطان لك على قلب هذا الإنسان، بل المنافق يصلي مع المسلمين في جماعة، ويحضر معهم الجماعة.
يقول: ذلك أن بعض هذه الصفات قلبية لا يمكن استيفاؤها من أصحابها، ولم نكلف بذلك، وأيضا ًفإن المسجد قد لحقت به التسمية -كما قلنا- منذ اللحظة الأولى التي بني فيها بناءً شرعيًا وخصص للصلاة، ولم نكلف أبدًا أن نؤجل التسمية حتى يعمره الناس، ثم يقوم المسلم بفحص أحوالهم الظاهرة والباطنة، ثم على أساس نتيجة الفحص يطلق التسمية أو يحرمها.
إن هذا التنطع لم يعرفه السلف، ولا أقره النبي ﷺ وشرعه، ولا الذين آمنوا معه، وما عرفته الأرض كلها إلا بعد أن منيت بهذه الفرقة الشاذة التي تزين هذا التنطع بزعم الغيرة على دين الله، أو بادعاء أن البشرية كلها لن تهتدي إلا على أيديهم.
وخلاصة القول أن من زعم أن الصفات التي وصف الله بها عمار بيوته هي شروط لابد من وجودها حتى يسمى المسجد مسجدًا لله فليأتنا بهذا الشرط، وإلا فهو شرط باطل ومردود على أصحابه، كما قال الله ﷿ في هذه الآيات في سورة التوبة: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]، نعم أخذ بعض العلماء من هذا أن الإنسان يتحرى المسجد الذي يصلي فيه أن يكون أهله من أهل الخير والاستقامة والصلاح إرضاء لله ﷿.
وأفضل للإنسان أن يصلي مع قوم هم أتقى لله، وأقرب إلى سنة رسول الله ﵊، لكن كلامنا هنا عن الشروط، فهم يعتبرون أن المسجد لا يسمى مسجدًا إلا بذلك، فهناك فرق.
[ ٢٧ / ٧ ]
التأسيس على التقوى
حيث اشترطوا -أيضًا- لتسمية المسجد مسجدًا لله استيفاء التقوى ممن أسسه، لقوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة:١٠٨].
وشققوا في موضوع التقوى كلامًا طويلًا، وقالوا على سبيل الفلسفة إن هناك مساجد بنيت على التقوى يقينًا، وثانية بنيت على التقوى راجحًا، وثالثة على التقوى مرجوحًا، ورابعة على غير التقوى يقينًا.
إلى آخر هذا الضرب من التفلسف واصطناع الأسلوب العلمي في الكلام.
يقول الأستاذ رجب مذكور في رد هذا الشرط: أما عن الشرط الثالث -هو أننا لم نسم المسجد مسجدًا لله حتى نعرف أنه قد أسس على التقوى-فإذا كانت التقوى كما قال ﵊: (التقوى هاهنا) فالتقوى في القلب، ومهما ادعاها أحد الناس فإننا نكل أمره إلى الله، ولا نجزم بوجودها فيه، ولا بانتفائها عنه؛ لأن الله وحده هو الذي يعلم ذلك، فلست أدري كيف يمكن أن نتحراها في أحد من الأحياء فضلًا عن الأموات، فضلًا عمن لا نعرفه أصلًا، إذ إن كثيرًا من المساجد قد مات من بناها منذ قرون.
أي: ولابد من أن يكون المؤسس تقيًا، هذا هو الشرط، فمن مات من عدة قرون كيف لنا أن نتحقق من كونه أسس المسجد على التقوى أو لم يوسسه على ذلك، ولو كان موجودًا فكيف نعرف التقوى وهي في قلبه؟! يقول: لست أدري كيف يمكن أن نتحراها في أحد من الأحياء فضلًا عن الأموات، فضلًا عمن لا نعرفه أصلًا؟! إذ إن كثيرًا من المساجد قد مات من بناها منذ قرون، وفي كثير من الأحيان لا نعلم من الذي أسسها، ولم يكلفني الله إذا رأيت يافطة -ويقصد بها كلمة (لافتة) على حد تعبير فرقة التكفير والهجرة- مكتوبًا عليها (مسجد الله)، لم يكلفني الله أن أسأل: من الذي أسس هذا المسجد؟ وهل أسسه من أول يوم على التقوى أم على غيرها؟! إن ذلك إعنات وحرج لا يعرفه الإسلام، وإنما يعرفه المتشنجون من أصحاب البدع والأهواء التي تلبس مسوح الدين.
أما قوله تعالى لرسوله ﷺ بعد أن نهاه عن الصلاة في مسجد بعينه يعلم الله وحده الغرض الذي أسس من أجله، ولولا إخبار الله لرسوله به لصلى فيه ﷺ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] فلا تحمل هذه الآية تكليفًا عامًا للمسلمين إذا رأوا مسجدًا أن لا يعتبروه مسجدًا لله حتى يعرفوا نية مؤسسه، وإنما كل ما فيها توجيه للرسول ﷺ والمسلمين من ورائه إلى أحقية القيام.
أي أن القيام أحق وأفضل في مسجد وصفه الله تعالى بأنه أسس على التقوى من أول يوم، حيث قد أسسه رسول الله ﷺ.
يقول: ولو شئت لتعقبت تفاصيلهم الباطلة فيما يقتصر بهذا الشرط، وبينت خطأهم في مسألة التقوى، والراجح والمرجوح فيها، بل إنه حسب تحليلاتهم العقلية السخيفة كان ينبغي لرسول الله ﷺ أن لا يصلي في المسجد الحرام قبل تطهيره من الأصنام، لتساوي أدلة الإثبات مع أدلة النفي كما يزعمون؛ إذ إنهم يقولون: إنه مؤسس على التقوى يقينًا، ودخله الضرار يقينًا بوجود الأصنام المعبودة من دون الله فيه.
فحسب مفهومهم للتوقف يجب أن يتوقف الرسول ﵊ عن الصلاة فيه، أليس كذلك؟! فانظر -هداك الله- كيف يمكن أن تذهب التحليلات البشرية بأصحابها حتى تصل بهم إلى الاستدراك على رسل الله صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.
[ ٢٧ / ٨ ]
آثار دعوة التكفير
يقول: ولكن لا يفوتني هنا أن أذكر أن إمام فرقة التكفير ومؤسسها الراحل قد جعل إشراف الشيخ محمد حسين الذهبي ﵀ على المساجد في مصر هو أحد دليلين -بل أول دليلين- على كفر الرجل، وهو ما بنى عليه خطته الآثمة في خطف ذلك الشيخ الطاعن في السن وقتله غيلة وغدرًا، فقد سئل في غرفة المداولة أثناء محاكمته: وما رأيك في المرحوم الشيخ الذهبي أمسلم هو أم كافر؟ فأجاب: هو عندي كافر.
السؤال
وما دليلك؟ قال: دليلي أنه كان يعمل في هيئة الأوقاف، وكان وزيرًا لها، ومديرًا للإشراف على مساجد الضرار، جريمته أنه مدير إشراف على مساجد الضرار، وقد أقسم اليمين على الحكم بغير ما أنزل الله في قسم الوزراء، وهو ما لا يمكن أن يعتبر جهلًا منه بوجوب الحكم بما أنزل الله.
فاعتبر أن قسمه على الدستور في حقه إنكار لوجوب الحكم بما أنزل الله، واعتبره -أيضًا- قسمًا على الحكم بغير ما أنزل الله، أي: كأنه قال: أقسم بالله أن أحكم بغير ما أنزل الله.
يقول: وكلا الاتهامين الخطيرين كفر لا شك فيه، لكن لا يمكن إثباتهما عليه بمثل هذا التساهل والتجرؤ في استصدار الأحكام؛ لأن هناك أوجه تأول كثيرة، وأعذارًا لابد من انتفائها حتى يحكم على الشخص المعين بالكفر ليس هذا مقام تفصيلها.
يقول: وأنا أعرف أن أسلوب التكفير والهجرة هذا في استصدار الأحكام يروق للكثيرين، خاصة المتعالمين وبعض الشباب ذوي الفهم المتسر والعلم الضئيل بأصول الأحكام وضوابطها، ولكن أحكام الإسلام العتيدة ليست بأماني أحد، وإنما هي شريعة محكمة بضوابطها، ثابتة في أصولها هيهات أن تتبدل أو تتحول وفقًا لرغبة أحد أو اتجاه طائفة.
أما الإشراف على المساجد وتعميرها فهو إن ابتغي به وجه الله خالصًا فهو عمل صالح وقربة إلى الله، ولكن الموازين المختلة تجعله دليلًا على الكفر يوجب استحلال الدماء والأموال والأعراض، ثم الاستعلاء على عباد الله، والتطاول عليهم بالدعاوى العريضة والمزاعم الفارغة، أين هؤلاء جميعًا ومن يتبعهم في الدعوة إلى تخريب المساجد والعدوان بوصفها بمساجد الضرار ومعابد الجاهلية؟! أين هم من قول رسول الله ﷺ: (من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتًا في الجنة)، وفي رواية: (بنا الله له في الجنة مثله)؟! وعن عمرو بن عبسة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من بنى لله مسجدًا ليذكر الله فيه بنى الله له بيتًا في الجنة).
وعن أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من بنى مسجدًا صغيرًا كان أو كبيرًا بنى الله له بيتًا في الجنة).
[ ٢٧ / ٩ ]
الجمعة وموقف فرقة التكفير منها
أما بالنسبة لفريضة الجمعة فقد ذكرنا أنهم أراحوا أنفسهم، بل أتعبوها -بلا شك- حق التعب حينما أخذوا موقفًا خطيرًا وجريئًا من فريضة الجمعة، فهم يسقطون فريضة الجمعة إلى الأبد؛ لأنهم يوقفون إقامتها أن إلى أن يمكنهم الله في الأرض ويقيموا دولتهم.
وهذا التمكين إنما هو حلم وهمي في رءوسهم فحسب؛ لأن الله ﷾ إنما يمكن في الأرض الصالحين من عباده الذين آمنوا وعلموا الصالحات، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥].
ونريد من الإخوة دائمًا أن يستحضروا خطر البدع بالنسبة للمعصية، كالوقوع في بدع العقيدة، مثل تأويل صفات الله ﷿، ومثل هذه بدع الخوارج أو غيرها التي هي أخطر بكثير من الوقوع في معصية من المعاصي، فينبغي استحضار هذا؛ لأن من الولاء والبراء أن تعادي من يشذ عن منهج أهل السنة والجماعة من الفرق النارية التي ذمها الله وذمها رسول الله ﷺ.
ويقول الله ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور:٥٥].
يقول: لما كان هذا التمكين لا وجود له مطلقًا فقد قلت: إنهم يسقطونها إلى الأبد.
ويقول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة:٩].
فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم فليكونن من الغافلين)، رواه مسلم.
فترك صلاة الجمعة بدون عذر من الذنوب العظيمة، ومن كبائر الذنوب، والعقوبة المترتبة عليه شديدة جدًا، يقول ﵊: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات -والودع هو الترك- أو ليختمن الله على قلوبهم فليكونن من الغافلين).
ويعاقبهم الله بأن يسلط الغفلة على قلوبهم ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر:١٩].
وعن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: (الجمعة حق على كل مسلم في جماعة، إلا عبدًا أو صبيًا أو امرأة أو ضريرًا)، وهناك خلاف في تصحيح هذا الحديث.
والمهم أنه قد يقينًا أن الجمعة فرض عين على كل مسلم، فيحرم على أحد من الناس أن يسقط وجوبها والعمل بها، ولو لخير من الزمان إلا بدليل قطعي يقيني.
وقالت فرقة الهجرة: إن فريضة الجمعة لها شروط إذا توافرت أقيمت الفريضة، وإلا توقفنا عنها حتى تستوفي شروطها، وشرط في إقامة الجمعة التمكين، فلا جمعة مع هذه الصراعات.
يقول: ويبدوا أن أئمة هذه الفرقة قد شعروا بسخافة هذا الكلام، فحاولوا أن يضيفوا إليها سندًا آخر، فطبقوا عليها قاعدة: تعارض الفرائض، وهذه من الطامات الكبرى التي ابتليت بها هذه الفرقة الضالة، زينوا لأنفسهم وأتباعهم الكثير من المعاصي بسبب هذه القاعدة المشئومة، فاستباحوا بها المحرمات بلا استثناء، بادعاء أن هذا المحرم أو ذاك يتعارض مع ما هو أهم منه، وأقرب بزعمهم، ومقياس الفريضة، والأقرب عندهم هو التكتيك الحركي للجماعة، أو -حسب تعديلهم- هو مدى قرب أو بعد هذه الفريضة بالنسبة للغاية التي يسعون إليها، فدخلت -أيضًا- قضية الحركية والتكتكة ونحو هذه الأشياء، فوصل بهم الأمر إلى أنهم ارتكبوا بعض هذه الكبائر بحجة أن هذا يتعارض مع الفريضة التي نسعى إليها، وهي التمكين، فمن أجل ذلك التمكين استباحوا كثيرًا من المحرمات، ولا شك في أنه قد حصلت قصص ومآسٍ عن استحلال أو فعل المحرمات من هؤلاء المبتدعين بسبب هذه القاعدة الإبليسية، أعني قاعدة تعارض الفرائض، حيث زين لهم الشيطان ارتكاب الموبقات بحجة أن قاعدة تعارض الفرائض.
فقالوا: إن الضرورة الأمنية لحركة الجماعة تستدعي التوقف عن العمل بفريضة الجمعة.
وما أشأم هذه الضرورات الأمنية التي بها الناس يتنازلون عن دينهم، ويترخصون في ارتكاب كثير من المعاصي بسبب الضرورة الأمنية لحركة الجماعة التي تستدعي التوقف عن العمل بفريضة الجمعة.
والذي يهمنا الآن هو الدليل الشرعي لفرقة التكفير والهجرة على شرط التمكين، فاستدلوا ببعض الأحاديث على أن التمكين هو شرط إقامة الجمعة، والرد -باختصار- على ما استدلوا به من هذه الأدلة وهو أن الله ﷿ أثبت في كتابه أن اليقين لا يزول بالظن والتخرص، وأن الظن لا يغني من الحق شيئًا، فمن أراد أن يسقط فرضًا ثابتًا بيقين -كفرض الجمعة- فعليه أن يأتينا بدليل يقيني يثبت دعواه، وأما هؤلاء فعامة الآثار التي استدلوا بها حكايات وغرائب لا تثبت، فهي مردودة عليه.
يقول في نهاية البحث: وعمومًا فإن كل ما بني على الباطل فهو باطل، إذ إن عدم حكمهم على غيرهم بالإسلام وتوقفهم فهيم جعلهم حتى لو أرادوا أن يقيموا هذه الفريضة فلن يجدوا المسجد الذي يصلون فيه، ولا الإمام الذي يصلون خلفه، فهي إذًا متاهة بدءوها وزينها الشيطان لهم، ولابد أن تحكمهم بالسير في دروبها، ولن يخلصوا منها إلا إذا أراد الله لهم الهداية: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد:٣٣]، فهذا باختصار ما يتعلق بقضية المساجد، وقضية الصلاة خلف الأئمة برهم وفاجرهم.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، سبحانك -اللهم ربنا- وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.
[ ٢٧ / ١٠ ]