معتقد أهل السنة والجماعة في القدر أن الله ﷿ يكتب أعمال العباد وأعمارهم وآجالهم وهم لا يزالون في الأرحام، فما من عبد إلا وقد حدد له مصيره إما أنه من أهل السعادة أو من أهل الشقاوة، إلا أن ذلك لا يمنع صاحب العقيدة السليمة من العمل والسعي فكل ميسر لما خلق له.
[ ٣٩ / ١ ]
بعض الأحاديث الواردة في القدر
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد: فقد تكلمنا عن القدر في الدروس الماضية، وقلنا: إن القدر ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، وسردنا الآيات التي تدل على إثبات القدر، ومنها قول الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠].
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] وغير ذلك من الآيات.
كما ذكرنا بعض النصوص الثابتة في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﵊ الدالة على إثبات القدر، بل وعن السلف كذلك، ويبقى أن نسرد شيئًا منها في هذه المحاضرة والمحاضرات التي تليها، مع بيان مخالفة القدرية والجهمية وبعض المعتزلة وغيرهم لأهل السنة في ذلك.
[ ٣٩ / ٢ ]
حديث أبي هريرة في احتجاج آدم وموسى وذكر بعض رواياته
أخرج الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: [(احتج آدم وموسى -أي: صارت بينهما محاجة، فصار أحدهما يقيم الحجة على صاحبه- فحج آدم موسى -أي: فغلب آدم بحجته موسى ﵇- فقال موسى: أنت خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك في جنته، ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض)].
يعدد نعم الله ﷿، ثم يقول: وبسبب خطيئتك أهبطت الناس من الجنة، أو من السماء إلى الأرض.
قال: [(قال آدم لموسى: أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء، وقربك نجيا، فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أُخلق؟ -أي: بكم سنة وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟ - قال موسى: بأربعين عامًا)].
أي: أنه موجود في التوراة التي بيد موسى ﵇ والتي خطها الله ﷿ وكتبها بيمينه أن آدم سيفعل ذلك، وهذا مكتوب على آدم قبل أن يُخلق بأربعين عامًا.
قال: [(قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى؟).
أي: هل هذا مكتوب في التوراة التي بين يديك؟ (قال: نعم.
قال: فتلومني على أن عملت عملًا كتبه الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة)].
أي: أنت تلومني على عمل مقدر ومكتوب عليَّ قبل أن يخلقني الله بأربعين عامًا.
[قال رسول الله ﷺ: (فحج آدم موسى)].
أي: أقام عليه الحجة وغلبه، فكانت الحجة لآدم، وهو أول من أثبت من البشر حجية القدر، وأن كل شيء بقدر قبل أن يُخلق المرء.
وليس في هذا الحديث حُجة لأهل المعاصي؛ لأن آدم تاب وأناب ورجع إلى ربه، وإلا لكان لإبليس حُجة كذلك.
أجمع أهل السنة والجماعة على أنه لا يجوز الاحتجاج بالقدر على المعاصي، ومن قبل ضربنا عدة أمثلة على ذلك، منها: ذلك الرجل الذي زنا وجيء به إلى عمر بن الخطاب ﵁ ليقيم عليه الحد.
قال: يا أمير المؤمنين! أتحدني في أمر قد قدره الله ﷿ علي؟! قال: نعم.
نحدك بقدر الله ﷿.
أي نقيم عليك الحد بقدر الله، فالذي قدر عليك المعصية هو الذي قدر عليك إقامة الحد.
إذًا: ذاك بقدر، وهذا أيضًا بقدر، وغير ذلك من النصوص التي تثبت هذا المعنى.
ومنها: امتناع عمر بن الخطاب ﵁ عن الدخول إلى القرية التي سمع أن بها طاعونًا، فلقيه رجل وهو قافل، فقال: يا عمر أتفر من قدر الله؟ قال: نعم.
نفر من قدر الله إلى قدر الله.
فالدخول بقدر، والخروج أيضًا بقدر، الإقدام بقدر، والإحجام كذلك بقدر؛ لأن المرء لا يخطو خطوة واحدة إلا إذا أذن الله ﵎ له بها.
فهنا آدم يختلف عن إبليس، فإبليس عصى وغوى واستمر في غوايته وأضل غيره ولم يتب، فكان جزاؤه النار، وأما آدم ﵇ فعصى وغوى، لكن بعد أن عصى وغوى وأهبط إلى الأرض تاب إلى الله ﷿، وعليه فالاحتجاج بالقدر على المعصية سبيل الشيطان، وليس في هذا الحديث حجة لذلك؛ لأن آدم قد تاب، فمن وقع في معصية وتاب منها إلى الله ﷿ وتفطر قلبه حسرة وندمًا على ما بدر منه وفرط، فله بعد ذلك أن يحتج.
ومعنى ذلك أنه لا يُعاقب في الآخرة، بل هو تحت مشيئة الله ﷿، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه، لكن الله تعالى بفضله ورحمته وكرمه ومنه وعدنا أن من تاب توبة نصوحًا من ذنبه أنه ﷿ يتوب عليه، بل ربما كافأه بحسن توبته أنه يبدل سيئاته حسنات، لكن بشرط: إحسان التوبة.
أي: أن يتوب توبة نصوحًا بحيث يتفطر قلبه، ويندم ندمًا شديدًا جدًا على ما بدر منه، ثم يعزم على عدم العودة إلى ما وقع منه من معاص وآثام، وكذلك آدم عصى ثم تاب، واحتج بالقدر بعد التوبة.
ولك أن تحتج بالقدر كما احتج آدم على المعصية، لكن هذا لا يكون إلا بعد التوبة.
فلا تكن جريئًا على الله ﷿، فإذا زنى رجل تقول: الزنا بقدر، ومثلها السرقة، فتقول: لو لم يكن الله مقدرًا علي أن أسرق لما سرقت.
فهذه الصورة لا تجوز في الشرع؛ لأنك الآن تحتج مطلقًا بالقدر على المعاصي، وهذا ليس مسلكًا لأهل الإيمان، وإنما هو مسلك أهل الجحود والنكران.
قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (تحاج آدم وموسى: فقال موسى: أنت آدم الذي أغويت الناس، وأخرجتهم من الجنة إلى الأرض؟! فقال له آدم: أنت موسى الذي أعطاك الله ﷿ كل شيء، واصطفاك على الناس برسالته؟ قال: نعم.
قال: تلومني على أمر قد كان كتب علي قبل أن أفعله من قبل أن أُخلق؟ فحج آدم موسى)].
وقال النبي ﵊: [(حج آدم موسى: قال: أنت آدم أبو البشر الذي أشقيت الناس، وأخرجتهم من الجنة؟)].
وانظر كيف أن موسى كانت فيه حدة خاصة على أبيه آدم ﵇؟! قال: [(فقال: نعم)].
أي: اعترف بذلك.
قال: [(فقال: أنت موسى الذي اصطفاك الله على الناس برسالاته وبكلامه؟ قال: بلى.
قال: ألست تجد فيما
[ ٣٩ / ٣ ]
حديث جندب بن جنادة في احتجاج آدم وموسى
قال: [عن جندب أو غيره أن رسول الله ﷺ قال: (لقي آدم موسى: فقال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، وأسكنك جنته، وأسجد لك ملائكته، ثم فعلت ما فعلت، وأخرجت ذريتك من الجنة؟ قال: وأنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته، وكلمك وقرأك التوراة، فأنا أقدم أم الذكر؟ -أي: في الإيجاد- فقال: بل الذكر)].
أي: الذكر الذي نزل على موسى، رغم أن موسى بعد آدم، بل بعد نوح، وبين نوح وآدم عشرة قرون، أي: ألف عام، وبين نوح وموسى ﵇ مسافة عظيمة جدًا كذلك من الزمن.
[فقال رسول الله ﷺ: (فحج آدم موسى)].
على اعتبار أن هذا مكتوب في التوراة.
[ ٣٩ / ٤ ]
إجماع الصحابة على إثبات القدر وإنكارهم على من ينكر ذلك
[ ٣٩ / ٥ ]
رواية يحيى بن يعمر لحديث ابن عمر في إنكاره على القدرية
قال: [وعن يحيى بن يعمر -البصري- قال: كان رجل من جهينة وفيه رهق -أي: فيه مراهقة وشغب- وكان يتوثب على جيرانه].
أي: يبغى عليهم ويظلمهم ويسرقهم، وهكذا أهل البدع دائمًا يكون تاريخهم أسود، فعندما تبحث عن تاريخه تجد تاريخًا لا تطمئن إليه أبدًا.
قال: [ثم إنه قرأ القرآن، وفرض الفرائض، وقص على الناس -أي: أنه كان أيضًا قصاصًا- ثم إنه صار من أمره أنه زعم: أن العمل أنف، من شاء عمل خيرًا ومن شاء عمل شرًا].
أي: أن الذي يريد أن يعمل خيرًا يعمل، والذي يريد أن يعمل شرًا يعمل، فالله لا يعرف شيئًا إلا بعد أن يقع! قال يحيى بن يعمر: [فلقيت أبا الأسود الدؤلي فذكرت ذلك له.
فقال: كذب ما راينا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ لا يُثبت القدر].
وهذا يدل على إجماع الصحابة على إثبات القدر؛ لأن الله تعالى عليم بكل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض.
قال: [ثم إني حججت وحميد بن عبد الرحمن الحميري، فلما قضينا حجنا وكنا -أي: بالمسجد الحرام- قلنا: نأتي المدينة فنلقى أصحاب رسول الله ﷺ فنسألهم عن القدر -وهذا الكلام كان بالبصرة؛ لأن أول ما نشأت وانتشرت هذه البدعة في البصرة- فلما أتينا المدينة لقينا أناسًا من الأنصار، فلم نسألهم، قلنا حتى نلقى ابن عمر أو أبا سعيد الخدري] وهذا يدلك على أن هذه الفتنة كانت في أوائل عهد الصحابة؛ لأن ابن عمر وأبا سعيد الخدري كانوا من صغار الصحابة، وكون يحيى بن يعمر وحميد يبحثان عنهما يدل ذلك على أنهما يبحثان عن كبار الصحابة في ذلك الوقت، وإلا لو كانت هذه الفتنة في أول عهد الصحابة بعد موت النبي ﵊ مباشرة لكانوا بحثوا عن أبي بكر أو عمر أو أبي بن كعب أو زيد بن ثابت، لكن حينما نأتي لننظر إلى ابن عمر أو أبي سعيد الخدري ثم ننظر إلى الصحابة الآخرين نجد أن هؤلاء كانوا صغارًا، فمثلًا ابن عمر في غزوة بدر وأحد كان عمره أربع عشرة سنة، وقد ذهب إلى النبي ﵊ ليجيزه للقتال، ولم يجزه؛ لأنه ما كان يجيز أحدًا إلا إذا بلغ خمسة عشر عامًا.
ومعنى هذا أنه كان من صغار الصحابة، ولذا فعندما يأتي واحد من البصرة يريد ابن عمر بالذات فلا بد أن يكون ابن عمر في ذلك الوقت كبيرًا في السن والشأن، ولا يكون هذا إلا في أواخر عهد الصحابة.
قال: [فلقينا ابن عمر فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله.
قال: قلت: تسأله أو أسأله؟ قال: لا.
بل أسأله؛ لأني كنت أبسط لسانًا منه -وفي رواية: وكنت أحد منه لسانًا- قال: قلت يا أبا عبد الرحمن -وهذه كنية عبد الله بن عمر - إن ناسًا عندنا بالعراق قد قرءوا القرآن، وفرضوا الفرائض -أي: التزموا بالفرائض- وقصوا على الناس، يزعمون أن العمل أنف، من شاء عمل خيرًا ومن شاء عمل شرًا.
قال ابن عمر: فإذا لقيتم ذلك فقولوا: يقول ابن عمر: هو منكم بريء، وأنتم منه براء، فوالله لو جاء أحدهم من العمل بمثل أحد ما تُقبل منه حتى يؤمن بالقدر.
وفي الحديث الصحيح: (لا يؤمن أحدكم حتى يؤمن بالقدر).
ثم قال: [لقد حدثني عمر -وهو أبوه- عن رسول الله ﷺ: (أن موسى لقي آدم فقال: يا آدم أنت خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك الجنة، فوالله لولا ما فعلت ما دخل أحد من ذريتك النار)] أي: لولا الخطيئة التي فعلتها ما دخل أحد من ذريتك النار، وإنما كلهم كانوا سيدخلون الجنة.
قال: [(فقال: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالاته وبكلامه، تلومني بما قد كان كُتب علي قبل أن أُخلق؟ فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى، فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى، فاحتجا إلى الله فحج آدم موسى)].
قال: قال -أي: ابن عمر - لقد حدثني عمر أن رجلًا في آخر عمر النبي ﵊ جاء إلى رسول الله ﵊ فقال: (يا رسول الله أدنو منك؟ -وانظروا إلى هذا الأدب الشديد، أدب المتعلم بين يدي المعلم- قال: نعم.
قال: فجاء حتى وضع يده على ركبته -أي: حتى وضع هذا السائل يده على ركبته هو، لا على ركبة النبي ﵊؛ لأن هذا يتنافى مع أدب العالم والمتعلم- فقال: ما الإسلام؟ قال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت.
قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: نعم.
قال: صدقت)].
ومن شأن السائل أنه جاهل، فلا يصدق المجيب ولا المفتي ولا المسئول، ولذلك قال عمر: [(قال: فجعل الناس يتعجبون منه يقولون: ا
[ ٣٩ / ٦ ]
رواية ابن بريدة لحديث ابن عمر في إنكاره على القدرية
قال: [عن ابن بريدة قال: قدمنا المدينة فأتينا عبد الله بن عمر فقلنا: يا أبا عبد الرحمن إنا بأرض قوم يزعمون أن لا قدر.
فقال: من المسلمين هم؟ ممن يصلي إلى القبلة؟ قلنا: نعم ممن يصلي إلى القبلة.
قال: فغضب حتى وددت أني لم أكن سألته.
ثم قال: إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن عبد الله بن عمر منهم بريء وأنهم منه براء].
أي: أنهم ليسوا مني ولست منهم، ومعنى هذا أنهم ليسوا من المسلمين، ولا المسلمين يمتون لهم بصلة، فالحبل الذي بينهم قد انقطع، ولذلك إجمع الصحابة على أن من تكلم في القدر كافر خارج عن ملة الإسلام وخاصة هؤلاء الغلاة.
[ثم قال: إن شئت حدثناك عن النبي ﵊.
فقلت: أجل.
قال: (كنا عند النبي ﵊ فأتاه رجل حسن الثياب طيب الريح حسن الوجه.
فقال: السلام عليكم يا رسول الله.
قال: وعليك.
قال: يا رسول الله أدن منك؟ قال: ادن.
فقلنا: ما رأينا كاليوم رجلًا أحسن ثوبًا ولا أطيب ريحًا ولا أحسن وجهًا ولا أشد توقيرًا للنبي ﵊.
ثم قال: يا رسول الله أدن منك؟ قال: نعم.
فدنا منه نبذة)].
أي: اقترب منه اقترابًا، وكلمة (نبذة) تفيدنا فائدة وهي: أنه لم يقترب منه حتى لزق ركبته إلى ركبته، ولذا إذا قال بعد ذلك: حتى وضع كفيه على فخذيه، فيكون الذي وضع كفيه على فخذيه هو جبريل؛ لأنه لم يلزق فيه لزوقًا، وإنما دنا منه نبذة.
أي: اقترب منه شيئًا يسيرًا.
قال: [(فقلنا مثل مقالتنا.
ثم قال الثالثة: أدن منك يا رسول الله؟ قال: نعم.
فدنا حتى ألزق ركبته بركبة النبي ﵊.
فقال: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، وتغتسل من الجناية.
قال: صدقت.
قال عمر: (فقلنا ما رأينا كاليوم رجلًا كأنه يعلم رسول الله، -أي: كأنه هو الذي يعلم النبي ﷺ، فإنه ليس جاهلًا، ثم تبين بعد ذلك أنه فعلًا معلم- ثم قال: وما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر والملائكة، والكتاب، والنبيين، والقدر كله خيره وشره، حلوه ومره)].
إذًا: كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس والمعاصي، لكن الذي قدر المعاصي على العبد قدر لها عقوبة وحدًا، فتكون المعصية بقدر الله، ويكون الحد أو العقوبة بقدر الله.
[قال: (صدقت.
فقلنا: والله ما رأينا كاليوم قط فوالله كأنه يعلم رسول الله ﷺ، ثم قال: يا رسول الله متى الساعة؟ قال: ما المسئول بأعلم بها من السائل.
ثم انصرف فقال رسول الله ﷺ: علي بالرجل -أي: اتبعوا هذا الرجل- قال عمر: فقمنا بأجمعنا نطلب الرجل فطلبناه فلم نقدر عليه)].
لأنه بمجرد ما إن خرج من المسجد وغاب عن أعين الناس رجع إلى طبيعته التي خلقه الله عليها، وحجب عن الصحابة، فهو يراهم لكنهم لا يرونه.
وتأمل حينما قال لهم: علي بالرجل.
لم يعتذر أحد منهم؛ لأنه أمر.
[فقال النبي ﵊: (هذا جبريل جاء ليعلمكم دينكم، وما أتاني في صورة إلا عرفته قبل مرتي هذه)].
أي: أن النبي ﷺ ما عرف أنه جبريل إلا بعد أن ولى.
وهناك أمارة أيضًا في صدر الحديث تقول: إن هذا الرجل ليس عاديًا، حيث أن عمر يقول: (بينما نحن جلوس عند النبي ﵊ إذ طلع علينا رجل).
ولم يقل إذ خرج علينا رجل، وهذا لا تنطبق على الرجال العاديين.
قال: (شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر).
أي: لا غبار عليه ولا تراب، فهو غريب عن المدينة، والمدينة كلها إنما هي عدة البيوت بين جبلين (لا يعرفه منا أحد، ولا يُرى عليه أثر السفر)، أي: أن هذا الرجل إما أنه أتى من الأرض أو أنه أتى من السماء؛ لأنه لو كان من المدينة لعرفناه، وهذا لم يعرفه منا أحد، ولو كان جاء من سفر لكان عليه أثر السفر، فليس في هذا الرجل أي علامة تدل على أنه أتى من سفر، إذًا فلا بد أن يكون رجلًا غير عادي.
وفي هذا أيضًا: جواز أن يرى المسلم أو المؤمن الملائكة، لكن على غير صورتهم التي خلقهم الله ﷿ عليها، فقد خلق الله جبريل له ستمائة جناح، والجناح الواحد يسد الأفق.
أي: أنك حين ترى جهة السماء لن ترى الشمس ولا النجوم ولا القمر، بل لن ترى شيئًا أبدًا؛ بسبب جناح جبريل.
مع أنه لا يمكن أن تتصور مخلوقًا له ستمائة جناح، فإذا كان هذا جبريل فما بالك برب جبريل؟! لا يمكن لأحد أبدًا، ولا يسمح له ولا يجاز له في أن يطلق خياله لأن يتصور الذات العلية ﷾.
[ ٣٩ / ٧ ]
الروايات الواردة في إثبات كتابة مصير العبد قبل ولادته
[ ٣٩ / ٨ ]
حديث ابن مسعود: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه)
قال: [عن زيد بن وهب قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: ثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق].
وانظروا إلى هذا الكلام الجميل، فهو ﵊ الصادق المصدوق، حتى وإن كان الأمر لا تستوعبه عقولنا، لكن ما دام أن الذي حدثنا به هو النبي ﵊ فهو صحيح.
ثم أرأيت إلى إيمان الصحابة؟ فإنه ليس كإيماننا، تجد الواحد منا قد يقول: الشفاعة هذه ليست معقولة، والجنة والنار ليستا بمخلوقتين، وربما قال: لا أؤمن بالجنة أو النار حتى أرى رجلًا من أهل النار يخرج علينا، لطلع لنا واحد من أصحاب النار بعد أن رأى النار بعينيه فيقول: كان أبوك فيقول لنا: آمنوا بالنار والجنة؛ لأنني أنا رأيتها رأي العين.
لكن من رحمة الله ﷿ أنه لا يبعث الموتى إلا يوم البعث، وترك الناس بعد أن أنزل لهم الكتب، وأرسل لهم الرسل، ورزقهم العقل الراجح الذي يميزون به بين الحق والباطل بين الصواب والخطأ.
إذًا: فكل يعمل على شاكلته، فالذي يعمل خيرًا يجد خيرًا، والذي يعمل شرًا يجد شرًا، حتى وإن كان هذا الكلام لا تستوعبه عقولنا؛ لأنه يخفى الشيء الكثير عنها -أي: عن عقولنا- فأمور الغيب كلها لا تستوعبها عقولنا.
أي: حينما نقيسها بالعقل فإننا لا يمكن أن نستوعبها، فمثلًا إذا كان القبر قطعة من الأرض متر في مترين، والكافر يُضرب فيها بمزربة عظيمة حتى يغوص في الأرض سبعين ذراعًا، فكيف هذا؟! إن هذه الأمور تريد قلوبًا مؤمنة مسلمة تقول: يا رب سمعنا وأطعنا، وهذا هو الابتلاء في الإيمان.
وأما بالنسبة للابتلاء في البدن فهذه مسألة سهلة جدًا، بل لا يوجد أسهل منها، فتُضرب وتتألم وتعلق وتكهرب، كل هذه أشياء بسيطة؛ لأنك في النهاية تخرج، ولا سلطان لأحد على قلبك، إنما لو كان هناك سلطان على قلبك فهذه هي المصيبة السوداء، فيتحول قلبك من الإيمان إلى الكفر، أو من الطاعة إلى المعصية، أو من الثبات إلى الزعزعة والشك، فتدخل بها النار والعياذ بالله.
إنما السلطان على البدن إذا أرادوا أخذه فليأخذوه، أما القلب فلا يفرط فيه المسلم، ولذلك النبي ﷺوهو النبي ﵊- كان دائمًا يدعو ربه بقوله: (اللهم ثبتني على الإيمان).
لأنه يعلم أن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ولذلك يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل.
فيأتي له واحد ويقول له: نريد منك أن تفتي في المسألة الفلانية بأنها حلال -وهي حرام- فيأتي بأدلة ونصوص ويلويها ليحلل هذه المسألة، أو يأتي بمسألة حلال فيحرمها.
مع أنه يتهيأ لي أن الشيطان لا يستطيع أن يفكر بهذه الطريقة، فيعجز أن يلوي نصوص الرحمن، وإلا حينما خاطب الله ﷿ إبليس كان إبليس صريحًا في جحوده ونكرانه وكفره، بينما هؤلاء ليس عندهم صراحة، والمنافقين لم يبلغوا هذا المبلغ أيضًا.
قال: [(إن خلق أحدكم يُجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك)].
كل هذا الكلام غيب، ولهذا ابن مسعود قال: أنا مصدق للنبي ﷺ وإن لم يكن عندي علم بهذا وما يجري داخل رحم المرأة؛ لأنه ﵊ لا يتكلم إلا بالصدق، فهو صادق مصدق ﵊.
قال: [(ثم يبعث إليه الملك، ويؤمر بكتب أربع كلمات: رزقه)].
ما الذي سيأخذه؟ وما هو الشيء الذي هو من نصيبه أو ليس من نصيبه [(وعمله)].
ماذا يعمل؟ حلال أم حرام؟ قد يعمل في الشركة الفلانية، ثم ينتهي عمله فيها، ثم يعمل في شركة أخرى.
[(وأجله)].
متى يموت؟ وكم يعيش؟ بالثانية الواحدة.
[(وشقي أو سعيد)].
ولذلك الذين يقولون: نحن الآن بالتكنولوجيا قد توصلنا إلى معرفة الجنين: أذكر أم أنثى؟ نقول لهم: لا بأس بهذا الكلام، والشرع لم يمنع منه، وإنما الإسلام تحدى أن تعرف كل شيء عن الجنين.
وأيضًا: مسألة الأجهزة التي تثبت الذكورة أو الأنوثة للجنين ليست صادقة في كل ما تقول، فربما تكون صادقة في معظم ما تقول، لكن قد تخطئ أحيانًا، والذي لا يخطئ قط هو الله ﷿.
ثم إذا علموا أنه ذكر أو أنثى فهل هذه الأجهزة تعلم شقاوته أو سعادته؟ هل تعرف أن هذا الجنين سيكون من أهل النار أم من أهل الجنة؟ لا تعرف.
وهل تعرف رزقه؟ أيضًا لا تعرف؛ لأن الأرزاق بيد الله ﷿ لا يعرفها إلا هو، كما أنهم لا يعرفون ماذا يعمل في المستقبل؟ لكن أحيانًا الطبيبة تقول: أنا أعرف البنت هذه أو الابن هذا ماذا سيعمل؟ تقول لك: إنه طبيب مثلي، فهل جرت العادة على أن أبناء الأطباء مثل آبائهم؟ من الممكن أن يعمل عملًا آخر ممتهن وحقير، ويمكن أن يفقد عقله بشرب المخدرات وغير ذلك من البلايا التي تجعل أذكى الناس أغباهم، والمخدرات تدمر خلايا المخ تمامًا، فلا يحصل على الإعدادية؛ لأن شرب هذه المادة يبدأ من سنة أولى ابتدائي، ويم
[ ٣٩ / ٩ ]
رؤيا محمد بن يزيد الأسفاطي في حديث ابن مسعود
قال: [حدثنا محمد بن يزيد الأسفاطي قال: رأيت النبي ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله حدثت عن عبد الله بن مسعود حيث يقول: حدثني الصادق المصدوق -أعني حديث القدر- فقال: نعم إي والله الذي لا إله إلا هو حدثت به، رحم الله عبد الله بن مسعود حيث حدث به، ورحم الله زيد بن وهب حيث حدث به، ورحم الله الأعمش حيث حدث به، ورحم الله من حدث به قبل الأعمش، ورحم الله من حدث به بعد الأعمش].
فهذه رؤيا منامية يدعو فيها النبي ﵊ لكل من حدث بهذا الحديث ابتداء من عبد الله بن مسعود -أول السند- إلى الأعمش، ثم دعا دعوة عامة لمن حدث به بعد الأعمش وقبل الأعمش.
ومعلوم أن هذه الرؤى إنما هي مبشرات لأصحابها، ولا يؤخذ منها أحكام عند أهل السنة والجماعة.
قال: [قال ابن قتيبة في كتاب (مختلف الحديث): حُكي عن أبي الهذيل العلاف].
وهو من مجرمي المبتدعة وليس مبتدعًا فحسب، بل من كبار الضُلال ورأس من رءوس المعتزلة، قد كذَّب بكل شيء، وشكك في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊، وعمل ليله ونهاره على محاربة أهل السنة في زمانه والتشكيك في المبادئ والمسلمات لديهم.
حكى عنه ابن قتيبة: [أنه لما روي له عن عبد الله بن مسعود هذا الحديث فقال: كذب عبد الله بن مسعود على رسول الله ﷺ].
وهل لك أنت أن تكذب أحد الصحابة؟ وما هي القيمة أن تقول: رسول الله؟ إن الذي يحترم الرسول لا بد أن يحترم أصحابه، والذي يؤمن بالرسول لا بد وأن يؤمن بأصحابه، ولذا فلو أنفق أحدنا مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، فالصحابة لهم قدسية أخذوها من قدسية النبي ﵊، وما أخذوا هذه القدسية إلا لشرف الصحبة.
إذًا كيف يأتي هذا ويقول: كذب عبد الله بن مسعود! بل هو الكذاب المجرم الجاحد الكافر.
ولذلك قال ابن قتيبة: [وكذب أبو الهذيل الكافر الجاحد لعنه الله].
[ ٣٩ / ١٠ ]
حديث حذيفة بن أسيد: (إذا مضت على النطفة خمسة وأربعون)
قال: [عن عمرو سمع أبا الطفيل يقول: قال حذيفة بن أسيد: سمعت رسول الله صلى عليه وسلم يقول: (إذا مضت على النطفة خمس وأربعون ليلة يقول الملك: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقول الله ﷿أي: فيقول الله: شقي أو سعيد- فيكتبانه فيقول الملك: ذكر أو أنثى؟ فيقضي الله ويكتب الملك.
ويقول: عمله وأجله؟ فيقضي الله ويكتب الملك ثم يطوي الصحيفة فلا يزاد فيها ولا يُنقص منها)، أخرجه مسلم].
وقد اختلف أهل العلم في السن التي يؤمر فيها الملك بكتب الرزق والأجل والعمل والشقاوة والسعادة، وهي اللحظة التي يؤمر الملك فيها بنفخ الروح، والراجح من أقوال أهل العلم: أن الروح لا تنفخ بعد مائة وعشرين يومًا، وإنما تنفخ بعد أربعين ليلة.
وقيل: بعد خمس وأربعين ليلة.
وينبني على هذا الكلام: أن الإجهاض حرام بعد الأربعين ليلة، وقبلها جائز، لكن قد تأتيك امرأة تستفتيك وتقول: والله أنا صحتي تعبانة، وعندي كثير من الأولاد، ولا أستطيع تربيتهم، فهل يجوز لي الإجهاض؟
الجواب
لا.
لأن هذه ليست أعذارًا، والطبيبة أو الطبيب الحاذق المسلم الورع هو الذي يقرر أن هذا الحمل يضر بهذه المرأة، أو يقتلها، أو غير ذلك من الأضرار الجسيمة التي لا قِبل للمرأة بها، وعند ذلك يجوز للمرأة أن تسقط جنينها، أما بعد الأربعين فقد سمعت شيخنا الإمام العلم المبجل الشيخ ابن عثيمين يقول: لو ماتت المرأة لا تُسقِط جنينها وإن كانت صاحبة عذر بعد الأربعين.
أي: أنها وإن كانت صاحبة عذر فلا يجوز لها؛ لأن من يقول بهذا الرأي -وهو الصواب- يأخذ المسألة من جانبين: الأول: أن الأربعين حد بين الحلال والحرام، والعذر في الإجهاض، وهو كذلك حد بين جواز الإجهاض وعدمه، فإذا بلغ الجنين في بطن المرأة أربعين يومًا، وكانت صاحبة عذر فلا يحل لها الإجهاض، أما إذا لم يبلغ وكانت صاحبة عذر فيحل لها الإجهاض، وإذا لم تبلغ الأربعين ولم يكن لديها عذر فلا يحل لها ولو كان الجنين ابن يوم واحد.
[ ٣٩ / ١١ ]
حديث ابن مسعود: (الشقي من شقي في بطن أمه)
قال: [عن ابن جريج قال: حدثني أبو الزبير عن أبي الطفيل: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره].
وانظر إلى هذا الكلام الجميل! إذ هو فهم للقدر، وهل هذا ظلم أم عدل؟ أنت تشك في أن هذا عدل؛ لأنه لو كان عدلًا مستقرًا عندكم لقلتم: عدل.
وليس هناك شيء اسمه ظلم؛ لأن الله تعالى لا يظلم الناس مثقال ذرة.
إذًا: فلماذا قلنا: إنه عدل؟
الجواب
لأنه سبحانه علِم ما سيعملون وما إليه يصيرون فكتبه عليهم.
وعلة أخرى: الميثاق الذي أخذه الله على العباد وهم في عالم الذر، فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى.
أي: أنهم شهدوا الله بالربوبية والوحدانية، ولذا عندما أدخلهم الله صلب آدم مرة أخرى، وكانوا بعد ذلك على هيئة البشر، نسوا ذلك؛ لأن الميثاق قد أُخذ عليهم من يوم أن خلق الله تعالى آدم وأخرجنا من صلبه كالذر، فنحن لا نذكر هذا الميثاق، وحجتنا أننا لا نذكر هذا الميثاق، فهل هذه الحجة تنفع بين يدي الله؟ لا.
لأن الله أرسل لنا الرسل ليذكرونا بهذا الميثاق، وأنزل الكتب أيضًا لتذكرنا بالميثاق الأول، وعليه فليس لنا حجة بعد ذلك.
لكن قد يقول قائل: إذا كان الإنسان مجنونًا فما ذنبه؟ نقول: هذا لا يحاسبه الله؛ لأنه غير مكلف، والقلم مرفوع عنه.
[قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: الشقي من شقي في بطن أمه].
أي: أن الشقاوة والسعادة معلومة أزلًا لله ﷿، وأن هذا العبد بعد استنفاد الحجج معه سيختار طريق الشقاء، فالله تعالى يكتبه شقيًا قبل أن يخلقه.
قال: [والسعيد من وعظ بغيره].
ولذلك حينما يفكر أحدنا بالسرقة ثم يفكر أن الحد يقام على سارق أمام الجميع، وأن هذا المشهد سيأتي على التلفزيون، والأمة كلها تراه، فإن مليونًا من السرق سيفكر في هذا الموقف قبل السرقة، وعليه فسيكون سعيدًا؛ لأنه قد وعظ بغيره، حيث أنه كان يفكر في الشقاء، فحينما رأى نتيجة الشقاء قال: كيف أسرق ربع دينار وأفقد ذراعي؟! فأنا سأذهب لأشتغل وآتي بهذا الربع الدينار، بل وآتي بألف دينار، وهنا يكون قد وعظ بغيره، وهذا باب من أبواب السعادة.
إذًا علم الله ﷿ أزلًا أنه سيتعظ بغيره، فكتب أنه من أهل السعادة.
[قال: قلت: خزيًا للشيطان أيسعد ويشقى قبل أن يعمل؟ قال: فأتى حذيفة بن أسيد فأخبره بما قال ابن مسعود.
قال: أفلا أخبرك بما سمعت من النبي ﵊؟ قال: بلى.
قال: سمعته يقول: (إذا استقرت النطفة في الرحم اثنين وأربعين صباحًا نزل ملك الأرحام فخلق عظمها ولحمها وسمعها وبصرها، ثم قال: أي رب أشقي أم سعيد؟ فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك بالصحيفة، وما زاد ولا نقص)].
أي: دون زيادة ولا نقصان.
[ ٣٩ / ١٢ ]
حديث أبي هريرة: (السعيد من سعد في بطن أمه)
قال: [عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه)].
وهذا الحديث ضعيف، لكن النصوص الأخرى تشهد بصحته.
[ ٣٩ / ١٣ ]
روايات في إثبات أن العباد ميسرون لما خلقوا له
[ ٣٩ / ١٤ ]
حديث علي: (ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار)
قال: [عن علي ﵁ قال: (كان رسول الله ﵊ في جنازة فأخذ شيئًا فجعل ينكت به في الأرض -أي: أنه أخذ عصا أو شيئًا فظل يضرب به الأرض- ما منكم من أحد إلا كتب مقعده من النار ومقعده من الجنة -أي: أن هذه المسألة محسومة قديمًا- فقالوا: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ -أي: لماذا العمل؟ لا بد أن تعمل؛ لأنك لا تدري أمن أهل الشقاوة أنت أم من أهل السعادة؟ - فقال: لا اعملوا فكل ميسر لما خُلق له -أي: من خلق من أهل السعادة فبعمل أهل السعادة يعمل، ومن خُلق للشقاء فبعمل أهل الشقاء يعمل- قال: أما ما كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما ما كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠])، أخرجه البخاري عن آدم ومسلم من حديث شعبة].
قال: [عن علي بن أبي طالب ﵁: (خرجنا مع النبي ﵊ فانتهينا إلى بقيع الغرقد -أي: حتى وصلنا إلى البقيع- فقعد النبي ﵊، ثم قعدنا حوله، وأخذ عودًا فنكت به في الأرض، ثم رفع رأسه فقال: ما منكم من أحد من نفس منفوسة إلا وقد عُلم مكانها من الجنة أو النار، شقية أو سعيدة.
فقال رجل: يا رسول الله ألا ندع العمل ونقبل على كتابنا، فمن كان منا من أهل السعادة صار إليها، ومن كان منا من أهل الشقاوة صار إلى الشقوة؟ فقال ﵊: اعملوا فكل ميسر، فمن كان من أهل الشقوة يُسر لعملها، ومن كان من أهل السعادة يُسر لعملها، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل:٥])] إلى آخر السورة.
[ ٣٩ / ١٥ ]
حديث ابن عمر: (علام نعمل؟)
قال: [عن عبد الله بن عمر قال: نزل: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ [هود:١٠٥]-فقال عمر: (يا نبي الله! علام نعمل على أمر قد فُرغ منه أم لم يُفرغ منه؟ -أي: هل نحن نعمل شيئًاَ جديدًا الآن الله يعلمه وكتبه علينا قبل ذلك، أم شيئًا في المستقبل؟ - قال: لا.
على أمر قد فُرغ منه وجرى به القلم -أي: شيء مكتوب قديمًا- ولكن كل امرئ ميسر، ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ [الليل:٥])].
[ ٣٩ / ١٦ ]
حديث عمران بن حصين في معرفة أهل الجنة من أهل النار
قال: [عن عمران بن الحصين أن النبي ﵊ سُئل أو قيل: (أيُعرف أهل الجنة من أهل النار؟ فقال: نعم.
قال: ففيم يعمل العاملون؟ قال: نعم كل ميسر لما خُلق له).
أخرجه البخاري ومسلم].
[ ٣٩ / ١٧ ]
حديث: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)
قال: [عن سراقة قال: قلت: (يا نبي الله! خبرنا عن ديننا كأننا ننظر إليه.
قال: فيما جرت به الأقلام وثبتت به المقادير يعملون؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له) أخرجه مسلم].
[ ٣٩ / ١٨ ]
حديث: (إن الله تعالى خلق للجنة أهلًا)
قال: [عن عائشة أم المؤمنين قالت: (دُعي رسول الله ﵊ إلى جنازة غلام من الأنصار.
فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة لم يدركه السوء ولم يعمله -لأنه غلام صغير لم يبلغ الحلم، ولم يجري عليه القلم- قال: أوغير ذلك؟)].
لأنها قالت: طوبى لهذا عصفور من عصافير الجنة، ولذلك حينما سُئل النبي ﵊ عن الأطفال؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).
وفي رواية أنه سئل عن أطفال المشركين فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين).
ومذهب جماهير أهل السنة: أن أطفال المشركين في الجنة، وإجماعهم على أن أطفال المسلمين في الجنة.
وقال بعض أهل العلم: إن الله تعالى يختبر ويبتلي أطفال المشركين يوم القيامة، فإذا عملوا صالحًا وقالوا صوابًا أدخلهم الجنة، وإذا قالوا غير ذلك أدخلهم النار.
والفريق الثالث توقف في أطفال المشركين، ولم يقل فيهم خيرًا ولا شرًا.
فـ عائشة ﵂ حينما شهدت بأن هذا الغلام من عصافير الجنة فطوبى له قال النبي ﷺ: [(أوغير ذلك؟ إن الله تعالى خلق للجنة أهلًا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا وهم في أصلاب آبائهم)] ولذلك حينما يسمع أحدنا هذا الحديث فإنه لا يطمئن أبدًا.
فهذا أبو بكر الصديق أحد المبشرين بالجنة يقول: لو أن إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها ما أمنت مكر الله.
وهذا عمر بن الخطاب يقول: لو نودي في المحشر: كل الناس يدخلون الجنة إلا واحدًا لظننت أنني هو.
فلا يأمن أحد من مكر الله ﷿.
[ ٣٩ / ١٩ ]
حديث كفر الغلام الذي قتله الخضر ﵇
قال: [عن ابن عباس، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ: (الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافرًا، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفرًا)].
ألم ينكر عليه موسى حينما قتل الخضر الغلام فقال: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤]؟ أي: أمرًا منكرًا الذي أتيت به.
وفي هذا الحديث سلوى لمن كان عنده أو عند امرأته عقم، فيشقى بالليل والنهار لأجل الولد، ويقول: إن الأطباء جميعًا قد قرروا أنه ليس هناك إنجاب، وأيضًا عنده أمل ويسعى، وإن كان يذهب ليشحت ويسرق ويستدين ليعمل عمليات هو يعلم أنه لا فائدة من ورائها، لكنه يعمل هذا كله رجاء في الإنجاب، وفي النهاية تنجب الزوجة ولد طاغية وعاص لله، فيقول: يا ليتني لم أسع، يا ليتني لم أذهب ولم أرجع، ويكره الأولاد ويكره الذرية والحياة بسبب هذا الولد، لذا كانت تربية الأولاد من أصعب الصعوبات، فهي مهمة الأنبياء.
أي: أن التربية مهمة الأنبياء جميعًا، فعندما يكون لديك ولد من حُفاظ القرآن وحفاظ السنة وحريص على الصلوات في جماعة، ومؤدب معك ومع أمه وجيرانه والناس أجمعين، فما أسعدك به، لكن حينما يكون عندك ولد كل خطوة بمشكلة ومصيبة فأنت ستكره الأولاد وتكره عيشتهم السوداء، والواحد دائمًا يتمنى الولد الصالح الذي يسعد به في الدنيا والآخرة، ولا يتمنى الولد العاصي.
[ ٣٩ / ٢٠ ]
حديث اعتذار الهالك في الفترة والمعتوه والمولود
قال: [عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: (الهالك في الفترة والمعتوه والمولود يقول الهالك في الفترة: لم يأتني كتاب ولا رسول، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [طه:١٣٤]).
ويقول المعتوه: لم يجعل لي عقلًا أعقل به خيرًا ولا شرًا.
ويقول المولود: لم أدرك الحلم -أي: أن كلًا منهم عنده عذره وعلته، وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا، لكن الشواهد في الشرع تشهد به- فترفع لهم نار فيقال: اوردوها أو ادخلوها.
قال: فيردها أو يدخلها من كان في علم الله سعيدًا لو أدرك العمل.
قال: ويمسك عنها من كان في علمه شقيًا لو أدرك العلم.
قال: فيقول: إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب أتتكم؟)].
وهذا الحديث ضعيف.
نتوقف هنا؛ لأن هذا الباب فيه أدلة كثيرة، وأدلة إثبات الإيمان بالقدر أدلة ممتعة جدًا، وهي مئات الأدلة من كتاب الله وسنة النبي ﵊.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، وصلى الله على النبي محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٣٩ / ٢١ ]