السحر من الأمور المحرمة التي قد تؤدي بصاحبها إلى الكفر؛ لأنه يشتمل على ممارسة بعض الأمور الكفرية كالسجود للشيطان ونحو ذلك، والسحر له حقيقة وله تأثير على المسحور، وهو يختلف عن المعجزة والكرامة، فالسحر من لدن الشيطان، والمعجزة والكرامة من لدن الرحمن، مع وجود فوارق أخرى بين المعجزة والكرامة.
[ ٦١ / ١ ]
تعريف السحر لغة
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
الكلام عن السحر في باب واحد موجود في أصول الاعتقاد، وقد فرغنا منه، وإن كنت قد وعدت بشيء من التعريج على بعض المسائل المتعلقة بالسحر، وعلقت هناك على الواقع المر الأليم الذي تمر به الصحوة من تصدي كثير من الجهال لما يتعلق بهذا العالم الغيبي، كنت قد وعدت من قبل الكلام عن ذلك، فلما تكلمت كأني خرجت من وعدي في الكلام، ولكني فوجئت برجل يسلم لي في مسجد العزيز بالله ورقة فيها إعلان عن السحر، قال فيه: الشيخ أبو الأشبال أرسل إلي بهذه الورقة لتعلن عنها.
قلت: أنت تعرف أبو الأشبال؟ قال: نعم.
أنا أعرفه وهو الذي سلمني هذه الورقة، وهو يرجوك أن تعلن عنها.
قلت له: يا أخي أنا أبو الأشبال.
وأنا والله! لأول مرة آخذ خبرًا بهذه الورقة، فضلًا أني سلمتك إياها.
وسأذكر لك قصة يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، فإنه يروى عن أحد الوضاعين -أي: الكذابين في الحديث- أنه ظل يحدث الناس ليلة كاملة، وهو يقول في حديثه: حدثني أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وكان أحمد ويحيى في المسجد، فلما فرغ الرجل القاص من قصصه، استدعاه أحمد ويحيى فقالا له: أتعرف أحمد ويحيى؟ قال: نعم.
أعرفهما، ومن لا يعرفهما؟! قال ابن معين: أما أنا فـ يحيى بن معين وأما هذا فـ أحمد بن حنبل، وأما أنا فلم أحدثك بهذا، أحدثته بهذا يا أحمد؟ قال: لا.
فقال الرجل متعجبًا ومندهشًا من كلامهما: ما رأيت أحمق منكما، أتظنان أنه ليس في الدنيا إلا أنتما أحمد بن حنبل ويحيى بن معين؟! لقد حدثت عن مائة أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.
فهذا يزعم أني سلمته الورقة، فاستوثقت منه، وهو الذي سلمني الورقة، وأنا لم أسلمه الورقة، لكني أجد نفسي مضطرًا للرجوع إلى وعدي الأول للتعليق على بعض المسائل المتعلقة بالسحر: فنبدأ بتعريف السحر لغة، واللغة إنما وضعت تعريفًا محددًا، إما في لغة العرب، وإما معنى لمعنى السحر، هذا التعريف يدور حول أن السحر في لغة العرب يطلق على كل شيء خفي سببه، ولطف، ودق.
يعني: شيء خفي، غامض، لكنه قائم على السبب، ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السحر، وتصف ملاحة العينين بالسحر، يقال: فلان عيناه كالسحر، أو لما نظر إلي سحرني، أبهرني ببريق عينيه، أو بنظرته إلي؛ لأنها تصيب القلوب بسهامها في خفاء، كما يوصف البيان بالسحر، ومنه قوله ﷺ: (إن من البيان لسحرًا)، وإنما كان بعض البيان سحرًا؛ لأنه يروق للسامعين، ويحلو لهم، ويستميل قلوبهم، ويغلب على نفوسهم، ويحول الشيء عن حقيقته، ويصرفه عن وجهته.
والسحور وهو الطعام آخر الليل، سمي سحورًا لأنه يقع خفيًا آخر الليل، بعيدًا عن أعين الناس.
والرئة وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن.
وتطلق العرب السحر على الخديعة، والمكر، والتمويه؛ لأنه يخفى سببها ويدق، ومنه قول لبيد: فإن تسألينا فيم نحن فإننا عصافير في هذا الأنام المسحر فمعنى السحر في لغة العرب: هو الشيء الذي دق سببه وخفي ولطف، بحيث لا يدرك.
امرأة نظرت إليك فسحرتك، بحيث إن قلبك يكاد أن ينخلع من مكانه؛ لمجرد أنها نظرت إليك.
فتقول: هذه المرأة سحرتني، في حين أنها ليست ساحرة ولكن نظرتها إليك فيها معان خفية جعلت قلبك ينخلع من مكانه، فأنت تعبر عن هذا الشيء الخفي بالسحر في حين أنها ليست ساحرة على الحقيقة.
وكذلك الأداء أو البيان، البيان في أصل الكلمة، أو في كيفية إخراج الألفاظ والجمل، فالذي يسمع الشيخ محمد صديق المنشاوي ليس كالذي يسمع غيره، وأظن أن من ألف وأدمن سماع الشيخ المنشاوي لا يمكن أبدًا أن يستغني عنه، ولا يمكن كذلك أن يشبع منه، فالقرآن كذلك له سحر في القلوب، ولذلك الأمر يختلف تمامًا بين أن تسمع آية من كلام الله وأن تسمع معنى هذه الآية، فمعنى الآية ربما يمر عليك بغير تأثير، بخلاف أن تسمع كلام الله ﷿ فله تأثير خفي في القلب ربما جاز لك أن تعبر عن هذا المعنى بالسحر، وليس سحرًا لكنك لا تملك إلا أن تعبر أن القرآن له تأثير عظيم في القلب، هذا التأثير تعبر عنه مرة بالتأثير، ومرة بالسحر (إن من البيان لسحرًا)، وكلام الله ﷿ في قمة البيان وا
[ ٦١ / ٢ ]
تعريف السحر اصطلاحًا
أما تعريف السحر في اصطلاح العلماء: فقد عرفنا من قبل أن لكل مصطلح تعريفًا لغويًا، وتعريفًا اصطلاحيًا، فإذا أردنا مثلًا أن نعرف السنة قلنا: السنة في اللغة هي الطريقة سواء كانت هذه الطريقة محمودة أو مذمومة، ولذلك النبي ﵊ يقول: (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا)، فالسنة في اللغة تختلف عن السنة في الاصطلاح؛ لأن السنة عند الأصوليين لها معنى، وعند الفقهاء لها معنى، وعند المحدثين لها معنى، وغير ذلك.
فإذا قلنا: السحر في لغة العرب: هو كل شيء خفي سببه، ودق، ولطف، فلا بد أن يشترك المعنى اللغوي مع المعنى الاصطلاحي الذي وضعه العلماء، وهو الذي يعرف عند أهل الاصطلاح بالحد، والحد هو التعريف، وربما يكون بين كلمة الحد والتعريف فروق لكن اصطلح أهل العلم على أن حد الشيء هو تعريفه، والعلماء يشترطون في كل حد شرطين: الأول: أن يكون جامعًا، والشرط الثاني: أن يكون مانعًا، أما الجامع فهو: الجامع لأوصاف، وأركان، وشروط التعريف، وسمي جامعًا لأنه جمع جميع الأوصاف والشروط والأركان المتعلقة بهذا المصطلح، واشترط أن يكون مانعًا حتى لا يدخل غير المعرف أو المحدود في هذا الحد، فمثلًا: الصاحب في اللغة: هو من طالت ملازمته لصاحبه، وفلان صاحبي يختلف عن فلان رفيقي، والرفيق يطلق على رفيق الطريق، أما الصاحب ففيه معنى الملازمة وطول الصحبة، لكن لشرف النبي ﷺ فإن من نظر إليه ورآه ولو للحظة تثبت له الصحبة، هذا خاص بالنبي ﵊، ولذلك إثبات الصحبة لـ أبي بكر كإثباتها لرجل أتى من البادية فنظر إلى النبي ﵊ حتى وإن لم يكلمه، أو لرجل عمي أو كان أعمى فحضر مجلس النبي ﵊، ثم انطلق أو مات عنه النبي ﵊، فتثبت له الصحبة.
فحينئذ إذا أردت أن أضع تعريفًا جامعًا مانعًا -أي: جامعًا للأوصاف، مانعًا من دخول الغير فيه- لمعنى كلمة صاحب، فأقول: الصاحب هو من رأى النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، وهذا لا يصح أن يكون هو معنى الصاحب، لأنني قلت: الصاحب هو من رأى، وهذا مصطلح لا يطلق إلا على من رأى النبي ﷺ، فلا شك أننا سنخرج من الصحبة من كان أعمى؛ لأننا قلنا: الصاحب هو من رأى، والأعمى لا يرى، ولو أني قلت: الصاحب هو من لقي فاللقاء يثبت للأعمى والمبصر، فحينئذ يكون هذا التعريف من التعاريف الجامعة المانعة.
ولذلك إذا نظرنا إلى أقوال أهل العلم في تحديد معنى دقيق للسحر نجد أنهم يختلفون اختلافًا بينًا في تحديد معنى السحر، وكل تعريف لا يخلو من نقص؛ إما أنه جامع غير مانع، أو مانع غير جامع، ولن يستقر الأمر على تعريف محدد دقيق مانع جامع لأوصاف السحر وأركانه وشروطه، ومرد ذلك إلى خفاء السحر، وتعلقه بالغيب، وقوة التأثير النفسية له، فلما كان هذا من الأمور الغيبية الدقيقة اختلفت أقوال أهل العلم في وضع تعريف جامع مانع لمعنى السحر، لكنهم على أية حال ذكروا أوصافًا وشروطًا، هذه الأوصاف والشروط، وتلك العلامات والأمارات لو عرفناها لكان ذلك مغنيًا لنا عن هذه الطاحونة في التعاريف التي ذكرها العلماء.
فمثلًا: الجصاص ﵀ يقول: السحر اسم لكل أمر خفي سببه، وتخيل على غير حقيقته، وجرى مجرى التمويه والخداع.
وبلا شك أن هذا التعريف يحتاج إلى نقد؛ لأننا لو أنزلنا هذا التعريف على قوله ﵊: (إن من البيان لسحرًا) فلن يستقيم هذا، وغير ذلك من التعاريف، كـ الفخر الرازي، وكذلك ابن خلدون، وغير واحد ممن عرف السحر.
ويقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀: سحر الأدوية والتدخين ونحوه ليس بسحر، إن سمي سحرًا فعلى سبيل المجاز، كتسمية القول البليغ والنميمة سحرًا، ولكنه حرام لمضرته، يعزر من يفعله تعزيرًا بليغًا.
وهذا أيضًا لا يستقيم أن يكون تعريفًا لمعنى السحر.
وكذلك يقول سيد قطب ﵀ في تعريفه للسحر: إن السحر خداع الحواس، قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦]، أي: لما نظر موسى ﵇ إلى عصي السحرة لما ألقوها فخيل إليه أنها حيات تسعى، وهذا بلا شك تخيل، وتمويه، وخداع للعين، والعين حاسة، فقال: إن السحر خداع الحواس، وخداع الأعصاب، والإيحاء إلى النفوس والمشاعر، وهو لا يغير من طبيعة الأشياء، وقد قلنا في الدرس الماضي: من السحر ما يغير طبيعة الأشياء، ومنه ما لا يغير طبيعة الأشياء.
قال: ولا ينشأ حقيقة جديدة لها، ولكنه يخيل للحواس والمشاعر بما يريده الساحر.
أما الذين ذهبوا إلى أن للسحر حقيقة فقد عرفوه بمثل ما عرفه به ابن خلدون، فقال: السحر علوم بكيفية
[ ٦١ / ٣ ]
الفروق بين السحر والمعجزة والكرامة
[ ٦١ / ٤ ]
السحر مكتسب والمعجزة والكرامة هبة ومنحة من الله لأوليائه
ومن الفروق الدقيقة بين السحر، والمعجزة، والكرامة: أن السحر علم مكتسب يحصل بالتعلم والصناعة، والعلوم منها ما هو مكتسب، ومنها ما هو جبلي، كما أن من الحسد ما يكون جبليًا ومن الحسد ما يكون علمًا، شخص يعرف أصول الحسد، ويحرص عليه، ويتابع أخبار الحساد أولًا بأول، وآخر ما وصل إليه الحاسد أو الحسود، ولذلك سنتعرض للحسد عند الكلام عن السحر، وسنذكر التفريق بينه وبين السحر لما بينهما من مفارقات واشتراكات، فالسحر علم مكتسب تمامًا، كما أنك تتعلم العلم الشرعي، تجلس لتتعلم العلم الشرعي هذا اكتساب، فالعلم الشرعي لم يأتك من السماء وإنما أنت سعيت له لتتعلمه فهذا كسب منك في طلب العلم، وكذلك السحر، والدليل على ذلك حديث صهيب عند الإمام مسلم في كتاب الفتن أو كتاب القدر: (أنه كان ملك ممن كان قبلكم له ساحر يسحر له، فلما كبر الساحر قال للملك: لقد رق عظمي، وحضر أجلي، وكبر سني، فأرسل إلي بغلام أعلمه السحر) أي: حتى يكون خليفة له، والشاهد من الحديث: (أعلمه السحر)، فالسحر علم مكتسب.
وقال الله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢]، يعني: يتعلمون من هاروت وماروت علم السحر الذي به يستطيعون أن يفرقوا بين المرء وزوجه.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه:٦٩]، وقال موسى لسحرة فرعون: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:٨١]، فهذه الآيات وهذا الحديث تدل دلالة واضحة على أن السحر علم ويأتي عن طريق التعلم، وهو يتم بمعاناة أقوال وأفعال، وتعلم السحر حرام، وسيأتي معنا هذا الحكم بأدلته، لكن لا بد لمن تعلم السحر أن يتعلمه عن طريق القول والفعل.
أما الكرامة فلا تحتاج إلى شيء من المعاناة؛ لأنها هبة ومنحة من الله تعالى لولي من أوليائه، وعبد من عباده الصالحين، كالغلام الذي جاءت قصته في حديث صهيب: (لما كان يذهب إلى الساحر كان يمر براهب في الطريق فيقعد إليه ويسمع منه حتى إن كلامه أعجبه، فذات يوم وهو ذاهب إلى الساحر وجد دابة عظيمة قد حبست الناس، ومنعتهم من السير، فأخذ حجرًا وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة، ثم ألقى بالحجر فقتله).
قال العلماء في شرح هذا الحديث: وفي هذا إثبات كرامات الأولياء، كما أنه في نهاية الأمر قال للملك الجبار الطاغية: (إنك لا تستطيع أن تقتلني إلا إذا فعلت ما آمرك به، قال: وما هو؟ -أي: وماذا تأمرني به؟ - قال: أن تأخذ سهمًا من كنانتي، فتضعه في كبد القوس، وتصلبني على جذع نخلة وتجمع الناس في صعيد واحد ثم تقول: باسم الله رب الغلام، فإذا فعلت قتلتني وإلا فلا، فلما فعل الملك قتله، فقال الناس جميعًا: آمنا بالله رب الغلام، آمنا بالله رب الغلام، آمنا بالله رب الغلام).
والإمام ابن تيمية عليه رحمة الله لما كان يقال له: فلان مصروع أو فيه مس أو شيء من هذا، كان يرسل نعله، وكان أحمد بن حنبل يرسل نعله، فإذا رأى الجن نعل أحمد قال: والله لو أمرني أحمد بن حنبل أن أخرج من بغداد لخرجت، وليس من بدن المصروع فحسب، فهذه المسألة متعلقة بتقوى الله ﷿، وبقوة الإيمان، ورسوخ اليقين في قلب العبد، فما بالنا نجد الشاب في هذه الأيام لا يحفظ شيئًا من القرآن، ولا يحسن الصلاة ولا الصيام، ولا شيئًا من العبادة ثم هو يذهب بنفسه إلى المصروع فيضربه، ويحرقه بالنار أحيانًا، ويشتمه، ويبصق في وجهه ويفعل الأفاعيل، ولا زال الجني يتلاعب به، وهذه المسألة ليست صناعة بل هي من كرامات الأولياء، وهبة من هبات الله ﷿، ومنحة من منحه لعباده الصالحين.
وهذا بخلاف المعجزة، فالمعجزة تعطى لأنبياء الله ورسله، كما أن الكرامة لعباد الله الصالحين من أوليائه دون الأنبياء والمرسلين، أما المعجزة فهي للأنبياء والمرسلين، فلا يقال لأمر خارق للعادة على يد ولي من أولياء الله: هذه معجزة؛ لأن المعجزة لا تكون إلا مع نبي خلافًا للكرامة فإنها مع الولي.
يقول ابن خلدون: المعجزة قوة إلهية تبعث في النفس ذلك التأثير، فهو مؤيد بروح الله على فعله ذلك، والساحر إنما يفعل ذلك من عند نفسه، وبقوته النفسانية الشريرة، وبإمداد من الشياطين في بعض الأحيان.
إذًا: السحر علم مكتسب، والكرامة هبة ومنحة من الله تعالى، وكذلك المعجزة، لكن المعجزة تكون على يد أنبياء الله ورسله، هذا هو الفارق الأول بين السحر والكرامة والمعجزة.
[ ٦١ / ٥ ]
المعجزة والكرامة من خصائص الأنبياء الصالحين
الفارق الثاني: المعجزة والكرامة لا تظهر على فاسق قط، والفسق هو الخروج، وسمي الفاسق فاسقًا؛ لأنه خارج عن طاعة الله ﷿، منتهك لحرمات الله تعالى، غير منقاد للأمر، مرتكب للنهي، والكرامة والمعجزة لا يمكن أن تكونا على يد فاسق، وأعدل الخلق هم الأنبياء والمرسلون، ولذلك خصهم الله تعالى بالمعجزات التي هي كرامات وزيادة، فالمعجزة والكرامة يستحيل أن تظهر على يد فاسق، والسحر لا يظهر إلا من فاسق، هذا فارق جوهري بين الكرامة والمعجزة من ناحية وبين السحر من ناحية، فالسحر لا يتعاطاه إلا الفساق، وربما الكفار، أما المعجزة والكرامة فيختلفان عن ذلك تمامًا، فلا يظهران على فاسق، فالنبي الذي تظهر المعجزات على يديه أفضل الناس نشأةً، ومولدًا، ومزية، وخلقًا، وخلقًا، وصدقًا، وأدبًا، وأمانة، وإشفاقًا، ورفقًا، وبعدًا عن الدناءات، والكذب، والتمويه، أما الساحر فعلى العكس من ذلك كله لا تجده في موضع إلا ممقوتًا، حقيرًا بين الناس، وأصحابه وأتباعه ومن كانوا على شاكلته لا تجدهم أبدًا إلا مبطلين، ملعونين، مشتومين على ألسنة الخلق، ولذلك فإن الحافظ ابن حجر يبين كما بين شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله أنه هناك أمارات وعلامات يعرف بها الأمر الخارق للعادة؛ لأنه يلتبس على العامة، فإذا مشى رجل على الماء قلنا لأول وهله: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، هذا رجل من أولياء الله الصالحين، وإذا طار رجل في الهواء قلنا: ما شاء الله لا قوة إلا بالله هذا رجل من الأولياء، ولا يلزم من ذلك أن يكون من أولياء الله، بل ربما يكون الذي طار في الهواء من أفسق الناس وأكفرهم، وربما يكون الذي مشى على الماء من أفجر الناس وأفسقهم، إذًا فما هو الضابط الذي يعرف به ما إذا كان هذا الأمر الخارق للعادة كرامة أو سحرًا؟ يقول ابن تيمية عليه رحمة الله: إذا رأيت الرجل يمشي على الماء أو يطير في الهواء فلا تغتر بذلك حتى تنظر إلى موقعه من الشرع، فإذا كان من أهل الطاعة والانقياد والاستسلام لله رب العالمين فإن الذي يجري على يديه كرامة، وإذا كان غير ذلك فاعلم أنه من أعمال السحر.
فالأول من أولياء الرحمن والثاني من أولياء الشيطان، وإن كان الفعل واحدًا، ولا يزال أهل ريف مصر وبالذات في هذه القرى والنجوع البعيدة عن حضارة العلم، وعن انتشار العلم وذيوعه، وانتشار عقيدة التوحيد إذا دفنوا ماجنًا، أو فاسقًا، ممن يسمى بشيخ التصوف، أو القطبي، أو الغوثي، نجد في جنائزهم صيحات وويلات، وتهليلات، كما أننا لا نسمع شيئًا، وإنما هي حكايات يلبسون بها، ويفسدون بها عقائد العامة، يقولون: القطب الفلاني أثر في حامليه حتى دكهم في الأرض دكًا، ونسمع أنه طار بنعشه في الهواء وما رأينا شيئًا من ذلك، وهذا كله كذب، هب أنه صدق وهب أن هذا حدث بالفعل لا يلزم منه أن الفاعل لذلك ولي، ولمَ لا نقول: إن الشيطان هو الذي فعل ذلك، حمل النعش وطار به في الهواء؟ كذلك يمتنع إساءة الظن حتى ننظر في عمل هذا الميت، أو في عمل الحي، فإذا كان صالحًا من أهل الصلاح والتقوى والالتزام الشرعي فهذه كرامة أجريت له بعد موته على يد ملائكة صالحين، وإذا كان عكس ذلك فهذه خارقة من خوارق العادة ومن باب السحر والشعوذة جرت على يد إبليس وأعوانه، فلا يجوز لنا أن نحكم لفلان أو على فلان حتى ننظر أين موقعه من الشرع، هذا ما نبه عليه الحافظ ابن حجر وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية.
قال ابن حجر ﵀: ينبغي أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه؛ فإن كان متمسكًا بالشريعة متجنبًا للموبقات المهلكات، والمعاصي الكبائر، فالذي يظهر على يده من الخوارق كرامة وإلا فهو سحر؛ لأنه ينشأ عن أحد أعوان الشياطين.
ويقول ابن تيمية عليه رحمة الله في السحرة والعرافين والكهان والمجتهدين في العلم والزهد والعبادة، أنهم لا علاقة لهم بالعلم، ولذلك علي بن أبي طالب ﵁ كان يدخل صوامع العباد ويضربهم على ذلك حتى يتعلموا كيف يعبدون الله تعالى، أما أن يدخل رجل لا علاقة له بالعلم الشرعي، ولا يدري متى تصح الصلاة ومتى لا تصح؟ متى يصح الصيام ومتى يفسد؟ وإذا سها في الصلاة ماذا يفعل؟ وهو لا يعرف شيئًا من ذلك، كان علي بن أبي طالب يضربه ويقول: تعلم أولًا ثم تزهد، ولذلك كثير من الزهاد والعباد بينهم وبين العلم بون شاسع.
وقد ذكر ابن الجوزي عليه رحمة الله في كتاب تلبيس إبليس في باب التلبيس على العباد والزهاد مخازي وفضائح، أذكر منها: أن عالمًا زار عابدًا وفي حين زيارته أتى العابد سائل -ولا علم للسائل بهذا العالم، فالناس اعتادوا أن يتوجهوا في قضاياهم إلى ذاك العابد- فقال: أيها العابد! إن الدجاجة وقعت في البئر، فماذا أصنع؟ هل هو باق على طهوريته أم قد تنجس؟ فقال العابد: ولم وقعت؟ قال: لأن البئر لم يكن مغطى.
قال: هلا غطيته، وقام العابد إلى السائل يضربه.
تصور أن يكون هذا جو
[ ٦١ / ٦ ]
المعجزات حقيقية وليست تخيلية
الفارق الثالث: أن معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على حقائقها، يعني: لا يمكن أن يقال في المعجزة أنها من باب التخيل والتمويه والخداع، فلا يقول أحد: إن هذا القرآن ليس قرآنًا حقيقيًا، وليس كلام الله تعالى حقيقة، بل هو تمويه وخداع، ولو قال ذلك أحد لكفر.
إذًا: المعجزات حقيقية وليست من باب التخيل ولا الأوهام، وبواطنها كظواهرها، وكلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها، والذي يقرأ كلام الله ﵎ مرة يستفيد فائدة، فإذا أعاد قراءة نفس الآيات ازداد فائدة ثانية، وثالثة، ورابعة، ولا يزال هذا القرآن كنوزه وفوائده دائمة إلى قيام الساعة، حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، وكلما تأملتها ازددت بصيرة في صحتها، ولو جهد الخلق كلهم على مضاهاتها ومقابلتها بأمثالها ظهر عجزهم عنها.
والمعجزة فيها نوع التحدي، ولذلك فإن الله تعالى تحدى العرب وهم أبلغ الخلق على الإطلاق أن يأتوا بعشر سور، أو بسورة، أو بعشر آيات، فعجزوا مع بلاغتهم وفصاحتهم، والنبي صاحب معجزات كثيرة لكن أعظم معجزة أتى بها النبي ﵊ هي معجزة القرآن الكريم، الذي هو كلام الله تعالى، ومخاريق السحرة وتخيلاتهم إنما هي ضرب من الحيل والتلطف لإظهار أمور لا حقيقة لها، يلقي العصا على الأرض فيراها الناظر إليها حية تسعى، فهذا تخيل وأوهام.
[ ٦١ / ٧ ]
السحر ليس فيه شيء خارق للعادة
وما يظهر منها على غير حقيقتها يعرف ذلك بالتأمل والبحث ومتى شاء أن يتعلم ذلك بلغ فيه مبلغ غيره، ولذلك قال الراهب للغلام لما قال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتلها، فلما رماها بحجر قتلها، ولما ذهب إلى الراهب وقص عليه ما كان منه قال الراهب: إنك اليوم أفضل مني، أي: بلغت مبلغي وزيادة، ولو أن شخصًا لا علاقة له بالسحر يذهب ليتعلم السحر على يد فلان من الناس قد يتفوق عليه، أما الكرامة فلا يمكن أن نتعلمها؛ لأن الكرامة والمعجزة منحة من الله، الأولى على يد ولي، والثانية على يد نبي أو رسول، بخلاف السحر فإنه علم يتعلمه صاحبه، ومصدره الشيطان، وإذا أراد أحد أن يتعلم السحر ربما فاق المعلم، أو ضاهاه، أو قاربه، حتى ولو بذكائه، لكن المعجزة ليست من هذا الباب، لا تخضع لتعليم، وكذا الكرامة لا تخضع لتعليم.
وقد تناول الإمام القرافي هذا المعنى في الفرق بين السحر والمعجزة، حيث قال: الفرق بينهما أن السحر والطلسمات والسيمياء ليس فيها شيء خارق للعادة؛ بل هي عادة جرت من الله بترتيب مسبباتها على أسبابها، غير أن تلك الأسباب لم تحصل لكثير من الناس بل للقليل، ولذلك ليس كل الناس سحرة، وهناك بقاع من الأرض يغلب عليها السحر، فمثلًا: بلاد المغرب العربي وبالذات دولة المغرب فإن السحر فيها مثل (السلام عليكم)، وضع طبيعي جدًا، وأنا يحزنني جدًا أن أقول: إن العلماء السلفيين وطلاب العلم السلفيين متأثرون بالسحر، وهم منتشرون في أمريكا بالذات؛ لأن بلاد المغرب أقرب البلاد العربية لأمريكا، فبينهما المحيط، ومع هذا لا يزال عندهم لوث السحر، وإذا راجعتهم غضبوا غضبًا شديدًا جدًا، مع صحة اعتقادهم في العموم، فهذا الباب كأنهم مسحورون فيه أيضًا، حتى إن أحد الإخوة الطيارين من بلاد السعودية كان استنصحني ذات مرة أن يغير طريقه من القاهرة جدة إلى جدة المغرب، فقلت له: احذر السحر، وما سمع الكلام حتى ذهب إلى هناك فسحرته امرأة في مطار المغرب؛ لأن السحر عندهم في وضع طبيعي جدًا، حتى إن الساحر يسحر الساحر، فالسحر في المغرب أعظم انتشارًا من أمريكا وأوروبا، مع اشتهار السحر في تلك البلاد، لكنه في المغرب أكثر من ذلك بكثير.
قال: بل هي عادة جرت من الله بترتيب مسبباتها على أسبابها، غير أن تلك الأسباب لم تحصل لكثير من الناس، بل للقليل منهم كالعقاقير التي تعمل منها الكيمياء، والحشائش التي يعمل منها النفط الذي يحرق الحصون والصخور، والدهن الذي من ادهن به لم يقطع فيه الحديد.
وقد جرت مناظرة بين ابن تيمية وبين الرفاعية، فقالوا له: ندخل النار وأنت معنا؛ والذي يحرق منا دليل على فساده، والذي لا يحرق دليل على صلاحه، فوافق ابن تيمية على ذلك نصرًا للدين، وتوكلًا على الله، ويقينًا في الله، وقال: ولكن لي شرط، أن يغتسل الجميع قبل دخول النار، لأنه يعرف أنهم سوف يتدهنون بنوع من الدهن لا يتأثر بالنار، ولا تؤثر فيه النار، فرفضوا على الفور، فعلم أنه صاحب الحق.
وكذلك إذا وجدت أسباب السحر الذي أجرى الله به العادة حصل، فالسحر مترتب على درجات وأسباب، إذا أتى الساحر بهذه الدرجات وتلك الأسباب حصل السحر، وكذلك السيمياء، وغيرها.
فالمعجزة في نهاية الأمر لا يمكن مضاهاتها، ولا يعلم البشر لها سببًا، أما السحر فله أسباب خفية، هذا فارق بين المعجزة وبين السحر، لا يمكن لشخص أن يأتي بمعجزة، والنبي ﵊ لما أتى بهذه المعجزة تحداه بلغاء العرب الذين لم يؤمنوا بالله، وقالوا: نحن باستطاعتنا أن نأتي بقرآن مثل قرآنك وأحسن منه، فأتوا بفضائح ومخازي حتى إن بعضهم قال لبعض: إنكم لتعلمون أننا نعلم أنكم كاذبون، يعني: نحن كتبناه مع بعض وفهمنا أن هذا سحر، ودجل، وشعوذة، وكلام فارغ، لا يصلح أن يكون من عند العقلاء فضلًا أن يكون من رب العالمين.
وقد استطاع البشر في هذا العصر أن يصلوا إلى هذا الذي وصل إليه الجن، فقد دار الحوار بين سليمان ﵇ وبين الطير والدواب والهوام والحشرات وغير ذلك، قال تعالى: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل:٣٨]، فقال له أحدهم: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل:٣٩]، فالعالم كله مسخر لسليمان ﵇، وهذا ملك خاص به ﵊، هذا ليس معجزة للطير، ولا للهدهد، وإنما معجزة لسليمان ﵇؛ لأنه صاحب السلطان في هذا البلد، ولا أدل على حصول ذلك للأنبياء ما قد وقع وتم في هذا الزمان من الاتصالات الهاتفية، واللاسلكية، وسرعة الضوء، وسرعة الكهرباء، فإن ملايين الأميال في الثانية الواحدة لسريان التيار الكهربائي في الأسلاك.
فكذلك الشياطين يضلون بهذا العباد ولا يمكنون العباد من الاستفادة منها إلا إذا عبدوهم من دون الله، والانتقال من مكان إلى مكان بسرعة فائقة أصبح اليوم يتم في وقت قصير، والمسافر من المدينة إلى الشام أو من المدينة إلى مصر كان يستغرق عشرين يومًا وأحيانًا ش
[ ٦١ / ٨ ]
المعجزة لا يمكن إبطالها ولا يجوز
الفارق الرابع: أن المعجزة لا يمكن إبطالها، ويحرم تعرضها للبطلان، أي: يحرم علينا أن نقول: نحن جربنا القانون الفرنسي، والإيطالي، والإنجليزي، والأمريكي، ولم تنفع هذه القوانين، ما رأيك في أن نجرب الشرع؟ الشرع لا يخضع للتجربة؛ لأن الذي يخضع للتجربة إما أن تثبت صحته أو بطلانه، أما الشرع فصحيح كله، لا يرد منه شيء، ولا يتبدل ولا يتغير، هذه قوانين أرضية لا يمر عليك عام إلا وتسمع أن القول الفلاني تغير، وتبدل، وزودوا فيه، ونقصوا منه، وثبت فشله، أما القرآن الكريم والسنة النبوية فهما وحي الله، كلام اللطيف الخبير، الذي خلق الخلق وهو أعلم بما ينفعهم ويضرهم، فشرع لهم أمرًا ما ينفعهم، وشرع لهم نهيًا ما يضرهم، وأمرهم بائتمار الأمر واجتناب النهي، وهذا هو دين الله، فالمعجزة لا يمكن إبطالها.
ولذلك تكلم بعض أهل العلم من المعاصرين فقالوا: هذه النظريات العلمية الحديثة التي يأتي بها علماء الطبيعة والفيزياء أو الكيمياء أو علماء الأرض والبيولوجيا والسيلوجيا، هذه نظريات صحيحة لتعلقها بالآية الفلانية، أو الآية الفلانية تشهد لها، ثم يأتي من بعدهم أقوام يثبتون بطلان النظرية، فاللازم لبطلان النظرية يستلزم بطلان الآية؛ لأنه لما أثبت صحة النظرية ربطها بالآية، فهذا باب خطير جدًا ومزلق شر عظيم، هذه النظريات العلمية كثر الله خيرهم الذين بذلوا جهدهم المضني المشكور في إثبات ما قد اعتقدوا أنه صحيح، لكن لا يلزم من ذلك ربطه بالكتاب والسنة؛ لأنه يلزم في بطلان النظرية عند هؤلاء بطلان الدليل.
فالمعجزة لا يمكن إبطالها، أما السحر فإنه يمكن إبطاله، ولذلك من الطبيعي جدًا فك السحر، وإبطال مفعوله، وتأثيره، لكن لم نسمع شخصًا يقول: نريد إبطال هذا القرآن، فهذا مستحيل! المعجزة لا يمكن إبطالها بينما السحر يمكن إبطاله، إما أن يبطله ساحر مثله أو أعلم منه، ولذلك تقوم صراعات وحروب بين السحرة وشياطينهم، وإما أن يبطله أهل التقى والإيمان بما أعطاهم الله من اليقين، وبما يتلونه من آيات الكتاب، والأدعية، والأذكار، وقد حدث أن حضر بعض الأتقياء عند بعض هؤلاء المنحرفين فقرأ آية الكرسي في أثناء إتيانه بأسباب السحر، وهذا يتم كثيرًا وكثيرًا بين إخواننا أصحاب العقيدة السليمة وبين السحرة بالذات في القرى، وهذا قد حدث من قبل، وأذكر أن حدادًا في قريتي ما ترك عريسًا في عرسه إلا وربطه، كان بالنهار يعمل حدادًا وفي الليل يسحر، فلما تقابلنا في الشارع قال: يا شيخ حسن أنت لا تريد أن تتزوج أم ماذا؟ قلت: والله ما دامت الكلمة أتت منك فأنا إن شاء الله زواجي في الخميس القادم، قال: إن شاء الله في الصبيحة تأتي إلينا ومعك المعلوم، قلت: لن يكون بإذن الله، وأتحداك، والله لن تقدر على ذلك، وأعطاني الله تعالى في ذلك الوقت من اليقين ما تحديت به هذا الأفاك الفاسق، مع كبر سنه فإنه قد بلغ من العمر ثمانين عامًا، وفي الحديث: (شر الناس من طال عمره وساء عمله)، فلما أتيت بزوجتي من بلدها والله ما قدر أن يفعل شيئًا، وهذا من فضل الله ﷿، ونعمته، وهبته، ولست وليًا من أوليائه، فعندي من المعاصي أكثر من الطاعات، لكن الله تعالى نصرني في هذا الموقف تثبيتًا لإيمان الموحدين في هذه القرية، حتى يعلم هذا المبطل أنه لا يصدر إلا عن أمر الشيطان، وأنه والشيطان في قبضة الله ﷿، فما استطاع أن يفعل شيئًا، وما كنت أريد أن أذكر ذلك لكني ذكرته لتثبيت اليقين والإيمان في قلوب كثير من السامعين.
قال: وقد حدث أن حضر بعض الأتقياء عند بعض هؤلاء المنحرفين فقرأ آية الكرسي فلم يستطع أن يفعل الساحر شيئًا، وطار بعض هؤلاء في الهواء فلما هلل الموحدون سقط المحمول ووقع، أي: فر الشيطان وتركه، وهذا في الحقيقة حاصل في قرى كثيرة جدًا، وهناك أخ وصديق من قريتي ذهب إلى ساحر في القرية المجاورة، فلما استدعاه المسحور وقال له: أنا ذاهب إلى فلان، قال: هو لا ينفعك، والذهاب إليه معصية وكبيرة من الكبائر، ورد للأعمال الصالحة وغير ذلك، فقال له: لقد كشف الضر عن فلان، وفلان، وفلان، وشيء من هذا، قال: فإنه إن شاء الله لا يكشف عنك شيئًا إنما يكشفه الله، وذهب معه إلى الساحر، ووضع رأسه بين يديه عند الساحر وظل يتلو كتاب الله ﷿ حتى جن جنون الساحر وغضب واحمر وجهه ثم اسود، وقال: أخرجوا هذا من عندي، أنت ماذا تصنع؟ قال: أنا لا أصنع شيئًا غير أني أقرأ الإخلاص والمعوذتين، فهذا القرآن أبطل سحره.
ولذلك العصمة دائمًا في كتاب الله، وفي سنة النبي ﵊، أما اعتقاد أن هذا الساحر ينفع ويضر فهذا ضرب عظيم من ضروب الشرك بالله ﷿، وكثير من الناس العامة وبعض الإخوة الذين لم ترسخ العقيدة في قلوبهم إذا أصيب بمس، أو صرع، أو جن، أو شيء من هذا، أو سحر، ذهب فورًا إلى الساحر، وربما ذهب إلى الكنيسة ليعالجه ويدفع عنه الضر قسيس مجرم من المجرمين، هو يعتقد أن العلاج في الكنيسة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، فهذا باب عظيم جدًا من أبواب الشر.
ويذكر
[ ٦١ / ٩ ]
السحر يحصل من الساحر وغيره بخلاف المعجزة
الفارق الخامس: السحر يوجد من الساحر وغيره، أخت من أخواتنا تريد أن تتعلم إخراج السحر من البدن، وتعالج المصروع، فحدث أنها ذهبت إلى أخت لتعالجها من الصرع، فشعرت بشيء يدخل في دبرها ولم تتمكن من طرده، فخرجت وهي امرأة منتقبة عارية الرأس حافية القدمين تبكي وتولول في الشارع، ثم أصابها من الذعر والخوف ما الله به عليم، حتى إن زوجها إذا أتى من صلاة الفجر كانت تنتظره خلف باب العمارة من جهة الشارع، تنزل من شقتها وتنتظر خلف باب العمارة في الشارع، فقد أصابها من الرعب والذعر الشيء العظيم؛ لأنها دخلت في باب لا تحسنه، فالسحر يوجد من الساحر وغيره، وقد يوجد جماعة يعرفونه ويمكنهم الإتيان به في وقت واحد، والمعجزة لا يمكن أن يأتي أحد بمثلها، أي: السحر قد يأتي به واحد أو اثنان، أو جماعة، لكن المعجزة لا يأتي بها إلا واحد.
[ ٦١ / ١٠ ]
المعجزة فيها تحد بخلاف الكرامة
الفارق السادس: أن المعجزة فيها شيء من التحدي، خلافًا للكرامة، فالولي لا يتحدى لأنه لا يزكي نفسه، والنبي تحدى قومه بالمعجزة دلالة على صدق نبوته ورسالته، وهذا للمصلحة العامة، ولمصلحة الخلق، كما أنه مأمور بأن يتحدى ولم يصدر عن نفسه أو هواه؛ لأن الأنبياء أبعد الناس عن الهوى، وألزم الناس للشرع، خلافًا للكرامة فإنه لا ينفع فيها التحدي، لأنها هبة من الله، قد يسلبها منك، ومنحة قد يأخذها، فهي حقه ﷾، فالمعجزة فيها نوع تحدي وهو دعوى وقوعها على وفق ما ادعاه الرسول، فالنبي ﵊ قال للأعرابي لما كذبه في نبوته ورسالته: (أرأيت لو أني قلت لهذه الشجرة وأمرتها أن تأتي أمامي هنا، ثم أمرتها أن تذهب إلى مكانها أكنت تؤمن أني نبي؟ قال: نعم) ففعل النبي ﵊ ذلك.
ومرة قال لأصحابه: (أجمعوا خبزكم وطعامكم) وهو يسير وقليل لو جمعوه ربما لا يكفي واحدًا منهم أو اثنين، (فلما جمعوه برك عليه النبي ﵊أي: دعا فيه بالبركة- فأكلوا جميعًا، وشبعوا وملئوا مزاداتهم).
(ولما جيء بإناء فيه ماء، وضع النبي يده في الماء فصار الماء يفور من بين أصابعه) فلا أحد يستطيع أن يعملها، ولو تحدى بها النبي لكان محقًا في تحديه؛ لأنها معجزة مادية أتى بها ﵊، والمعجزات المادية للنبي ﵊ لا نهاية لها، فقد جمعها بعض العلماء في مجلدات، ولا تزال هذه المجلدات تفتقر إلى بعض المعجزات.
هذه بعض الفروق بين السحر، والكرامة، والمعجزة.
[ ٦١ / ١١ ]
الفروق بين السحر والحسد
وهناك فروق يسيرة بين السحر والحسد: فالحاسد تتكيف نفسه بالخبث؛ أي: تتصف نفسه بالخبث فتصبح نفسًا غضبية خبيثة حاسدة تؤثر في المحسود بطريقين: الطريقة الأولى: قوة النفس الذاتية، بحيث يتمكن الخبث من النفس، فلا تكاد تجد في نفس الحاسد طيبًا، وهي في هذه الحال تؤثر في المحسود غاب أم حضر، يعني: هو جالس في مصر يحسد واحدًا في قطر، فهي نفس خبيثة امتلأت شرًا.
أما الطريقة الثانية: فهي طريقة العائن، والعائن هو الذي ينظر بعينه، لا يستطيع أن يحسد شخصًا بعيدًا عنه، لا بد أن يراه، وقد كان في بلادي رجل عائن يحسد، وكان ساكنًا في آخر الشارع، وكان يحسد رجلًا، فذهب المحسود وأتى بشخص حاسد آخر من أجل أن يحسد له الحاسد، فلما رأى الحاسد قد خرج من البيت قال له: هذا هو في آخر الشارع فاحسده إذًا، فقال له: أنا لا أرى شيئًا وأنت تراه؟ قال له: نعم، قال له: أنت نظرك حاد، وغير ذلك من هذه البلايا، فوقع المحسود في الحسد، فالعائن لا يستطيع أن يحسد من غاب عنه، فإن نفسه خبيثة لكن لم تبلغ في الخبث مبلغ الأول، والعائن الذي يمرض ويؤذي غيره بسبب تلك النظرة الخبيثة المنبعثة من أعماق نفسه يضر غيره لأمرين: أولًا: لشدة العداوة والحسد، فإذا قابل العائن عدوه ورآه بعينه وتوجهت نفسه الخبيثة إلى المنظور إليه أضر به، وكل ذلك لا يقع إلا بإذن الله وقدره.
الثاني: الإعجاب، فهو يضره عن طريق الإعجاب، كأن يقول: يا سلام! أنت تراه وأنا لا أراه، فهذا إعجاب بحدة النظر، ولذلك فإن الحسد يقع من الحاسد قصده أو لم يقصده، والصحابة الذين هم أشرف مني ومنك وقع بينهم الحسد ولم يقصدوه، وهذا اسمه حسد الإعجاب، ففي السنة: (أن رجلًا من أصحاب النبي ﵊ كان يغتسل، وكان بدنه أبيض، فلما نظر إليه صاحبه سر ببدنه فقال: ما أبيض بدنه! وأجمل لحمه! -أو شيء من هذا- فأصابته هذه العين فورًا، فاحمر بدنه، فأمر النبي ﷺ الحاسد أن يغتسل من الماء ويؤتى بهذا الماء ليغتسل منه المحسود، فشفى الله تعالى المحسود).
فالحسد يقع من الرجل بالإعجاب قصده أو لم يقصده، فإذا قصد الحسد فهو خبيث النفس، وإذا لم يقصده فهو ما يسمى عند العلماء بحسد الإعجاب، وحسد الإعجاب هو أن الناظر يرى الشيء رؤية إعجاب أو استعظام فتتكيف روحه بكيفية خاصة تؤثر في ذلك المتعجب منه.
والشياطين تعين الحاسد والساحر، ولكن الحاسد تعينه بلا استدعاء منه لهم، وهذا فارق بين الحسد والسحر، والساحر يستدعي الشياطين، ويطلب منهم أن يعينوه، وربما طلب الشيطان من الساحر أن يعبده أولًا قبل أن يقضي له حاجته، وينفذ الساحر للشيطان طلبته، وقد قرن الحق ﵎ في سورة الفلق بين الاستعاذة من شر الحسد وشر الساحر في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:١ - ٥]، والاستعاذة من هذين الشرين تعم كل شر يأتي من شياطين الإنس والجن، فالحسد يكون من شياطين الإنس والجن وكذلك السحر.
وقد دل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:٥]، على أن للحاسد شرًا يؤذي المحسود، فلا يجوز أن يدعي مدع أن الحاسد لا يؤثر في المحسود ولا يضره، وقد رأينا في هذا العصر حيوانات برية وبحرية تقتل غيرها عن طريق أشعة تنبعث من عينها أو جسدها، فلم لا يكون في بعض الناس قوة خاصة تؤذي الآخرين وتضر بهم؟
[ ٦١ / ١٢ ]
حكم الشرع في السحر والسحرة
والشرع له موقف ثابت لا يتزعزع من السحر والسحرة، ومن الحسد والحاسدين، وقد جاء الإسلام وشن حربًا لا هوادة فيها على السحرة، والكهان، والعرافين، وعد الرسول ﷺ السحر واحدًا من الجرائم المهلكات، وفي حديث آخر قال عن مصدق الكهان: (فقد كفر بما أنزل على محمد) وعد الذي يقتبس شعبة من النجوم أنه قد اقتبس شعبة من السحر، وذهب كثير من العلماء إلى وجوب قتل الساحر، وعدم صحة توبته، وصح عن عمر بن الخطاب أنه أمر ولاته في شتى أنحاء الدولة الإسلامية بقتل كل ساحر وساحرة، وفعلًا نفذ بعض الولاة أوامر الخليفة الراشد، ولذا فإن السحرة لم توجد لهم سوق رائجة في ديار الإسلام، وكان المسلمون المستقيمون ينظرون إلى السحرة نظرة ازدراء واحتقار، ومع ذلك فإن ديار الإسلام لم تخل على مر التاريخ من السحر والسحرة، ولكن المسلمين كانوا ينظرون إليهم نظرة مقت، وكانت سيوف الحكام تلاحقهم بالقتل، والطرد، والإيذاء، وألسنة العلماء تبين خبثهم ودجلهم، وضلالهم.
يذكر ابن كثير في البداية والنهاية في حوادث سنة أربع وثمانين ومائتين: أن الخليفة المعتضد أمر بأن ينادى في جميع أنحاء البلاد بألا يجتمع العامة على قاص، ولا منجم، ولا جدلي، والقاص هو الذي يقص الإسرائيليات والخرافات وغير ذلك، والمنجم هو ساحر عن طريق استعمال النجوم، والجدلي هو الذي يجادل في الدين بغير علم.
وقد تحدث ابن خلدون عن تاريخ السحر عند المسلمين فقال: علوم السحر والطلسمات مهجورة عند الشرائع لما فيها من الضرر، ولما يشترط فيها من الوجهة إلى غير الله من الكواكب والنجوم وغير ذلك، ولذلك فإن كتبها -أي: الكتب المؤلفة في السحر- كالمفقودة بين الناس، إلا ما وجد من كتب الأقدمين فيما قبل نبوة موسى ﵇، ولم يترجم لنا من كتبهم إلا القليل، مثل كتاب الفلاحة النبطية لـ ابن وحشية من أوضاع أهل بابل، فأخذ الناس منها هذا العلم وتفننوا فيه، ووضعت بعد ذلك الأوضاع مثل مصاحف الكواكب السبعة، وكتاب طمطم الهندي في صور الدرج والكواكب وغيرها.
ثم ظهر بالمشرق جابر بن حيان كبير السحرة في هذه الملة، فتصفح كتب القوم، واستخرج الصناعة، وغاص في زبدتها، واستخرجها ووضع فيها عدة من التآليف، وأكثر من الكلام فيها، وفي صناعة السيمياء؛ لأنها من توابعها؛ ولأن إحالة الأجسام النوعية وتبدلها من صورة إلى صورة ومن هيئة إلى هيئة، إنما تكون بالقوة النفسية الخبيثة لا بالصناعة العملية، فهو من قبيل السحر، وسيأتي معنا ذلك بإذن الله تعالى.
وغير ذلك من الكتب المصنفة في هذا ككتاب غاية الحكيم الذي صنفه مسلمة بن محمد المجريطي إمام أهل الأندلس في السحر، وكتاب آخر اسمه: الغاية لنفس المؤلف، وهو مدونة وموسوعة في هذه الصناعة، وكتاب لـ صخر بن الخطيب اسمه: السر المكتوم، وذكر ابن خلدون أن بالمغرب صنفًا من هؤلاء المنتحلين لهذه الأعمال السحرية يعرفون بالبعاجين، يشير الواحد منهم إلى الكساء أو الجلد فيتخرق، ويشير بإصبعه إلى الجدار فينخرم الجدار، ويشيرون إلى بطون الغنم بالبعج -يعني: بالخرم- فتنخرم بطن النعجة، ويسمى أحدهم لهذا العهد باسم البعاج؛ لأن أكثر من ينتحله من السحر متخصصون في البهائم، ويرهب بذلك أهلها ليعطوه من فضلها، خوفًا على أنفسهم من الحكام، فإن الحكام في المغرب كانوا يتعلمون السحر ويعانونه كذلك.
وقال ابن خلدون: سألت بعضهم فأخبرني فقال: وأما أفعالهم فظاهرة موجودة وقفت على الكثير منها، وعاينتها من غير ريبة في ذلك.
[ ٦١ / ١٣ ]
موقف الشرع من علم أسرار الحروف
ذكر ابن خلدون: أن بعض المتصوفة خاضوا في نوع من السحر هو علم أسرار الحروف، وهذا نوع من أنواع السحر، يظل الشخص يفسر لك (بسم الله الرحمن الرحيم) في شهر، يقول لك: الباء تعني كذا وتفيد كذا، والباء من كذا، وأصلها كذا، ومردها إلى كذا، والمحاضرة التي بعدها عن السين وهي تفيد كذا، وأصلها كذا، وذاهبة إلى أين، وأتت من أين، وهذا ما يعرف بالتفسير العددي للقرآن الكريم، وعبد الرزاق نوفل هو إمام أئمة هؤلاء الدجالين السحرة.
وفي أحداث سبتمبر رأينا أناسًا يستشهدون بالآية رقم مائة وعشرة من سورة التوبة على أن البرج مائة وعشرة، مع أن البرجين كانا مائتين وعشرين، وهذا ما يدل على كذبهم، فيستخدمون أسرار الحروف، وهذا النوع هو المسمى بالسيمياء، نقل وضعه من الطلسمات في اصطلاح أهل التصوف من المتصوفة استعمل هذا الاستعمال الخاص.
ويذكر ابن خلدون: أن هذا العلم حدث في الملة بعد صدر منها، يعني: خلف الأمة لم يكونوا يعرفون علم السيمياء هذا، ولا علم تفسير القرآن بالأعداد، ولا علم التفسير بالحروف، وعند ظهور غلاة من المتصوفة وجنوحهم إلى كشف حجاب الحفظ، وظهور الخوارق على أيديهم، والتصرفات على عالم العناصر، وتدوين الكتب والاصطلاحات، ومزاعمهم في تنزل الوجود على الواحد وترتيبه، وزعموا أن الكمال الأسمائي مظاهره أرواح الأفلاك والكواكب، وأن طبائع الحروف وأسرارها سارية في الأسماء فهي سارية في الأكوان على هذا النظام، والأكوان من لدن الإبداع الأول تنتقل في طوره، وتعرب عن أسراره، فحدث لذلك علم أسرار الحروف، وهو من تفاريع علم السيمياء لا يوقف على موضوع، ولا تحاط بالعدد مسائله، وتعددت فيه تآليف البوني وابن عربي وغيرهما ممن اتبع آثارهما، وحاصله عندهم وثمرته تصرف النفوس الربانية في عالم الطبيعة في الأسماء الحسنى والكلمات الإلهية الناشئة عن الحروف المحيطة بالأسرار السارية في الأكوان.
وفي الشهر الماضي رأينا بعض الأوراق التي فيها معالجة بعض الأمراض بالأسماء الحسنى، وهذا الباب من أبواب السحر، يقولون: الذي عنده جذام يكون علاجه في اسم الله كذا، يقرؤه ألف مرة، أو مائة مرة، أو ثلاثمائة وسبعين مرة، أو مائة واثنين وخمسين مرة، فمن أتيتم بهذه الأعداد؟ وما يدريكم بأن هذا الاسم هو الذي يوافق هذا المرض؟ ألستم تعرفون أن الدواء إذا وافق الداء كمًا، وقدرًا وكيفًا أصابه بإذن الله تعالى، وممكن أن شخصًا يأخذ علاجًا لكن لا يبرأ؛ لأن العلاج هذا لا يناسب الداء، أو أنه مناسب للداء لكن الجرعة التي يأخذها ليست كافية، ومما يدل على ذلك: (أن رجلًا أتى إلى النبي ﵊ وقال: يا رسول الله! إن أخي استطلق بطنه، - يعني: بطنه توجعه - فقال: مره فليشرب عسلًا، فشرب عسلًا فلم يبرأ، فأتى أليه مرة أخرى وقال: يا رسول الله! لم يحصل أي شيء إنه مريض، قال: مره فليشرب عسلًا، ثم مره فليشرب عسلًا، حتى برأ).
يقول ابن القيم عليه رحمة الله: لم يبرأ أولًا لأنه لم يأخذ القدر الكافي من الدواء، فلو قال لك: أنت علاجك بإذن الله تعالى في هذا الدواء، فتقول: من أجل أن أخلص نفسي أشربه كاملًا من أجل أن أرى صدق هذا الطبيب من كذبه، ثم تفاجأ بأن الطبيب صار كذابًا؛ لأنك تصاب بتسمم، وفي الحقيقة الطبيب ليس كاذبًا، الطبيب محق في صرف هذا الدواء وهو المناسب للداء، لكن المناسب له بالكيفية المعينة، وأنت خالفت الكيفية، فربما تصاب بداء أعظم من دائك الذي تريد التطبب والعلاج منه.
نتوقف عند هذا الحد، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله.
[ ٦١ / ١٤ ]