من ضرورات الإيمان: التصديق بالشفاعة الثابتة يوم القيامة للنبي ﷺ وغيره، واختصاص الشفاعة الكبرى لنبينا محمد ﷺ، وذلك حين يبعثه الله المقام المحمود، والشفاعة أنواع منها شفاعة المؤمنين لإخوانهم، وشفاعة الأطفال لآبائهم، وشفاعة الملائكة، وشفاعة رب العالمين، التي يعتق بها أقوامًا برحمته ويخرجهم من النار.
[ ٥٥ / ١ ]
باب الشفاعة لأهل الكبائر
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [(باب الشفاعة لأهل الكبائر)].
أي: باب إثبات أن الشفاعة ينتفع بها أصحاب الكبائر.
هذا الباب معقود للرد على المعتزلة الذين يقولون بأن من دخل النار لا يخرج منها، ونحن نعلم أن صاحب الكبيرة في مشيئة الله ﷿ إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وإن عذبه فمآله الخروج من النار ودخول الجنة.
والخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة كما عرفنا مرارًا، والمعتزلة يقولون: لو دخل النار لا يخرج منها قط، ثم يأتون بالآيات والأحاديث التي تدل على دخول النار والأبدية والخلود فيها الواردة في حق الكفار فيحملونها على من دخل النار عمومًا أو مطلقًا، وأنتم تعلمون أن أصحاب الكبائر أو أصحاب الذنوب والمعاصي إذا أراد الله ﷿ أن يعذبهم أدخلهم النار ثم يخرجون منها، والأدلة على ذلك كثيرة ومتواترة، وستأتي معنا بإذن الله تعالى.
قال: [سياق ما روى عن النبي ﷺ في الشفاعة لأمته، وأن أهل الكبائر إذا ماتوا عن غير توبة يدخلهم الله ﷿ إن شاء النار، ثم يخرجهم منها بفضل رحمته ويدخلهم الجنة، وقد مضى في حديث جابر وغيره في فضائل النبي ﷺ: (أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي) وذكر منها الشفاعة].
قال: (وأوتيت الشفاعة).
[ ٥٥ / ٢ ]
رواية أبي هريرة في الشفاعة
قال: [عن أبي هريرة ﵁: أن رسول ﷺ قال: (إن لكل نبي دعوة مستجابة، وإني أحب أن أدخر دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة) ولفظ الحديث لـ عبد الرزاق أخرجه مسلم].
قال ابن حزم: اختلف الناس في الشفاعة، فأنكرها قوم وهم المعتزلة والخوارج.
إذًا: الذي ينكر الشفاعة يركب مركب الخوارج ومركب المعتزلة، أما أهل السنة فيثبتون الشفاعة الواردة بقيودها، وشروطها في الكتاب والسنة، وذهب معهم الأشعرية والكرامية وبعض الرافضة.
واحتج المانعون بقول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨].
ولعلكم تذكرون أن هذه الآيات كانت حجة ذلك الغبي الذي أنكر الشفاعة منذ أشهر قلائل، احتج بقول الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وبقوله ﷿: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:١٩].
قال الآجري: قال محمد بن الحسين ﵀ اعلموا رحمكم الله أن المنكر للشفاعة يزعم أن من دخل النار فليس بخارج منها.
وهذا مذهب المعتزلة، يكذبون بها -أي: بالشفاعة- وبأشياء سنذكرها إن شاء الله مما لها أصل في كتاب الله ﷿، وسنة رسوله ﵊، وسنن الصحابة ﵃، وقول فقهاء المسلمين.
ويعتقد أهل السنة والجماعة بأن عصاة الموحدين الذين استحقوا دخول النار -بسبب معاصيهم وجزاء ذنوبهم التي ارتكبوها- أنهم يخرجون منها ولا يخلدون فيها، وأن نبينا ﷺ يشفع فيهم يوم القيامة، كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ:٢٣]].
وقد تواترت الأحاديث بوقوع الشفاعة يوم القيامة، وسيذكر المؤلف معنا شيئًا منها، ومنها هذا الحديث [عن أبي هريرة قال: قال النبي ﵊: (لكل نبي دعوة مستجابة)].
أي: لا محالة؛ لأن هذا وعد من الله ﷿، ووعده سبحانه لا يتخلف بخلاف الوعيد [(فتعجل كل نبي دعوته)].
يعني: كل نبي تعجل دعوته العظمى.
أنتم تعلمون أن النبي ﷺ كان يدعو دائمًا في ليله ونهاره، ودعوته هذه ليست الدعوات المقصودة في هذه الروايات، فلكل نبي دعوة عظمى عامة تنفع الأمة بأسرها، أما نبينا ﵊ فإنه اختبأ دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة: [(وإني اختبأت دعوتي لأمتي يوم القيامة)].
[عن أبي هريرة ﵁ قال: (قلت: يا رسول الله! من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: لقد ظننت ألا يسألني عن ذلك أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث إن أسعد الناس بشفاعتي من قال: لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه)].
أي: من كان موحدًا لله ﷿، وذكر شرطًا من شروط (لا إله إلا الله) وهو الإخلاص.
قال: (مخلصًا من قلبه)؛ لأن لا إله إلا الله مجردة بغير شروطها ومقتضياتها لا تنفع صاحبها، فقول الإنسان: (لا إله إلا الله) وهو يبغض هذه الكلمة ولا يعلم حقيقتها وغير ذلك من شروطها لا تنفعه، فقال: (إن أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه).
[ ٥٥ / ٣ ]
رواية جابر بن عبد الله ﵁ في الشفاعة
قال: [عن سفيان بن عيينة قال: قلت لـ عمرو بن دينار: سمعت جابر بن عبد الله يحدث عن النبي ﷺ: (إن الله يدخل قومًا النار ثم يخرجهم منها)].
يعني: هل سمعته يقول ذلك وينقله عن النبي ﵊؟ [قال -أي: عمرو - نعم] والحديث في الصحيحين.
[عن حماد بن زيد قال: قلت لـ عمرو بن دينار: يا أبا محمد! سمعت جابر بن عبد الله يحدث عن النبي ﵊ أنه قال: (إن الله يخرج قومًا من النار بالشفاعة؟ فقال: نعم)].
(إن الله يخرج قومًا من النار) أي: بعد أن استحقوا دخول النار ودخلوها حقًا، فإنهم يخرجون بشفاعة النبي ﵊.
والحديث في الصحيحين.
[عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: (يخرج الله قومًا من النار بعدما امتحشوا فيدخلون الجنة)] أي: بعدما احترقوا في النار، فالله تعالى يخرجهم ويدخلهم الجنة.
[قال عمرو بن دينار: قال عبيد بن عمير.
قال رسول الله ﷺ: (يخرج قوم من النار فيدخلون الجنة).
قال: فقال رجل: يا أبا عاصم! ما هذا الحديث الذي تحدث به؟ فقال عبيد بن عمير: إليك عني يا علج -أي: يا قبيح- فلولا سمعه من يتبين من أصحاب رسول الله ﷺ لما حدثته.
قال سفيان: وقدم علينا عمرو بن عبيد ومعه رجل تابع له على هواه فدخل عمرو بن عبيد الحجر فصلى فيه وخرج صاحبه، وقام على عمرو بن دينار وهو يحدث هذا عن جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ].
يعني: هذا الذي أتى إلى مكة مع عمرو بن عبيد صاحب هوى من أهل الاعتزال، سمع عمرو بن دينار يحدث عن جابر عن النبي ﵊: (أن الله ﷿ يخرج قومًا من النار بعد ما امتحشوا فيدخلهم الجنة)، فلما سمع هذا من عمرو بن دينار قال: ما هذا الذي تحدث به يا عمرو؟! قال: سمعت جابر بن عبد الله يرفعه إلى النبي ﷺ، فلما كان السند قويًا ما استطاع هذا المبتدع أن يرد هذا الكلام، قال: إن لهذا الكلام معنى آخر؛ لأنه لم يستطع أن يرد أصل الكلام، فتكلم في معناه.
قال: هذا الكلام ليس على ظاهره، بل له معنى آخر لا يعرفه كثير من الناس.
قال: فقال الرجل لـ عمرو بن عبيد: وأي معنى لهذا الكلام، وفك ثوبه من يديه وفارقه.
[عن يزيد الفقير قال: كان قد شغفني رأي الخوارج -ومعنى شغفني: شغلني- ودخلت فيه، وكنت أعتقد صحة ما عليه الخوارج أن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار.
قال: فكنت رجلًا شابًا، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج، فإذا جابر بن عبد الله يحدث القوم عن رسول الله ﷺ جالسًا إلى سارية وإذا هو يذكر الجهنميين].
قصة الجهنميين أنهم يدخلون جهنم ويخرجون منها بشفاعة الشفاعين، ويدخلون في نهر يقال له: نهر الحياة، ينبتهم الله ﷿ فيه، ثم يسكنهم الجنة، فأهل الجنة يدعون هؤلاء بالجهنميين، أي: لمن استحقوا العذاب في جهنم، وقد خرجوا منها بشفاعة الشافعين.
قال: [فلما سمعت جابرًا يحدث عن الجهنميين فقلت له: يا صاحب رسول الله ﷺ! ما هذا الذي تحدثون وقال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢]؟] يعني: أنت تقول يا جابر! أن من دخل النار يخرج منها من أصحاب الكبائر، والله تعالى قد حكم عليه بالخلود في قوله: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران:١٩٢].
قال: [ولم يذكر بعد الخزي شيء آخر] أي: من النجاة.
[قال: فقال جابر: أي بني! أتقرأ القرآن؟ قلت: نعم.
قال: فهل سمعت بالمقام المحمود الذي يخرج الله به من يخرج.
قال: ثم نعت وضع الصراط وممر الناس عليه.
قال: فأخاف ألا أكون حفظت، غير أنه قد زعم أن قومًا يخرجون من النار بعد إذ كانوا فيها.
قال: فيخرجون كأنهم عيدان السماسم فيدخلون نهرًا من أنهار الجنة، فيغتسلون فيه، ويخرجون كأنهم القراطيس البيض.
قال: فرجعنا، وما خرج منا غير واحد].
أي: رجعنا كلنا عن رأي الخوارج، لم يبق مع الخوارج منا إلا واحد فقط.
هذا هو الإشعاع النوراني الذي يصلح الله ﷿ به العباد على يد رجل واحد من أهل العلم، كما وقع من جابر بن عبد الله ﵁، وهذا الحديث [أخرجه مسلم].
[ ٥٥ / ٤ ]
الخلود نوعان في كتاب الله أبدي ومؤقت
وقال طلق بن حبيب: [كنت أشد الناس تكذيبًا بالشفاعة، حتى لقيت جابر بن عبد الله الأنصاري، فقرأت عليه كل آية أقدر عليها فيها ذكر خلود أهل النار].
قال النبي ﵊: (من تحسى سمًا فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها) حديث كهذا عند الخوارج يقولون: هاهو الحديث يقول: (خالدًا مخلدًا فيها)، ونحن نعلم أن من قتل نفسه ارتكب معصية، والمعصية ليست كفرًا، فإن كان الذي قتل نفسه كافرًا فإنه يحمل الخلود في هذا الحديث على الأبدية، وإن كان عاصيًا صاحب كبيرة فلابد أن تصيبه الشفاعة، ويحمل الخلود هنا على المكث الطويل، وهذا معروف في كلام العرب، أن الخلود بمعنى: المكث الطويل.
قال: [فقرأت عليه كل آية أقدر عليها فيها ذكر الخلود في النار، فقال لي: أتراك يا طلق بن حبيب! أقرأ لكتاب الله، وأعلم بسنة نبيه مني؟] يعني: أنت يا طلق بن حبيب! ترى أنك أقرأ لكتاب الله مني، وأعلم بسنة الرسول مني؟ قال: [قلت: لا.
قال: فإن الذي قرأت إنما نزلت في المشركين].
وهذه بلية الخوارج في هذا الزمان التي يطلق عليها جماعة التكفير والهجرة، إذ يأتون بأحاديث الوعيد كلها التي وردت في حق الكفار والمشركين فينزلونها على أصحاب المعاصي من الموحدين، وهذا بلاء عظيم جدًا.
قال: [ولكن هؤلاء -أي أصحاب الكبائر- أصابوا ذنبًا فعذبوا ثم أخرجوا من النار، وأومأ بيده إلى أذنيه -يعني: أشار بيده إلى أذنيه- فقال: صمتا إن لم أكن سمعته من رسول الله ﷺ ونحن نقرأ الذي تقرأ].
يعني: ونحن نقرأ القرآن على النبي ﵊ كان يفسر لنا بأن الخلود الوارد في هذه الآيات إنما ذلك في حق المشركين والكفار، أما في حق عصاة الموحدين فلا؛ لأنهم إن دخلوا النار ولم يعصوا الله ابتداء فمآلهم الخروج من النار ودخول الجنة.
[ ٥٥ / ٥ ]
رواية أبي سعيد الخدري ﵁ في الشفاعة
قال: [عن أبي سعيد قال: (تخرج ضبارة من النار حتى كانوا فحمًا -يعني: بعد أن كانوا فحمًا يخرجون من النار- فيقال: بثوهم في الجنة -أي: أدخلوهم الجنة- وصبوا عليهم من الماء -أي: من نهر الحياة- فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل -أي: فيما يحمله السيل وما يتجمع على سطح الماء، لو أنك ألقيت حبة فيها نبتت- قال: قال رجل من القوم: كأنما كنت من أهل البادية يا رسول الله!)].
أي: رجلًا تفهم كأهل البوادي.
ثم قال ﵊: [(إن للنار أهلًا لا يموتون فيها ولا يحيون)] لا يموتون فيها؛ لأنهم يعذبون فيها أبد الآبدين، ولا يحيون فيها يعني: حياة كريمة.
قال: [(فأما ناس يريد الله بهم الرحمة فإن النار تصيبهم، فتدخل عليهم الشفعاء، فتحمل الشفيع للشفعاء منهم الضبار، فيبثهم الله على نهر في الجنة، فينبتون نبات الحبة في حمالة السيل.
قال: قال رسول الله ﷺ: ألا ترون إلى الشجرة تكون خضراء تكون حمراء؟ فقال بعض الناس: كأن رسول الله ﷺ كان بالبادية)].
ثم قال ﵊: [(ثم يدخلون الجنة فيمكثون فيها فيسمون الجهنميين، ثم يطلبون إلى الرحمن، فيذهب ذلك الاسم عنهم فيلحقون بأهل الجنة) أي: يسمون عتقاء الرحمن، فالله ﷿ أعتقهم من النار بشفاعته.
[عن أبي سعيد عن النبي ﷺ قال: (إذا خلص المؤمنون من النار)] أي إذا خرج المؤمنون من النار.
والمعاصي لا تنفي اسم الإيمان؛ وذلك لأن مرتكب الكبيرة مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ليس كافرًا بكبيرته، ولا يحمل فسقه على نفي الإيمان عنه، بل يبقى فيه شعب إيمان كما عنده شعب فسق.
[قال: (إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، حتى إذا نقوا وهذبوا أمر بهم إلى الجنة -نقوا وهذبوا، أي: أدخلوا نهرًا على باب الجنة يسمى نهر الحياة- فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم بمنزله في الجنة أدل منه في الدنيا)].
يعني: هؤلاء إذا دخلوا الجنة كل واحد منهم ينطلق إلى مكانه في الجنة؛ لأنه أعرف به من منزله الذي كان يسكنه في الدنيا.
[ ٥٥ / ٦ ]
رواية أنس بن مالك ﵁ في الشفاعة
قال: [عن أنس عن النبي ﷺ قال: (يخرج قوم من النار بعد ما تصيبهم فيها -أي: بعدما تحرقهم النار- فيدخلون الجنة فيسميهم أهل الجنة الجهنميين)].
[عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: (يجتمع المؤمنون يوم القيامة يلهمون لذلك)] أي: الله ﷿ يلهم أهل الإيمان أن يتعرف كل منهم على صاحبه، فيجتمعون ويقولون: لو استشفعنا إلى ربنا حتى يريحنا من مكاننا هذا.
يعني: أن المؤمنين في هذا الموطن يعلمون أن لهم شفاعة عند الله ﷿.
قال: [(فيأتون لآدم فيقولون: أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء فاشفع لنا إلى ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا.
فيقول: لست هناكم -يعني: لست أهلًا لهذه الشفاعة- وذكر لهم خطيئته التي أصاب -أي: أكله من الشجرة- ولكن ائتوا نوحًا.
فيقول: لست هناكم، وذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا خليل الرحمن إبراهيم.
فيأتون فيقول: لست هناكم، ويذكر خطايا أصابها، ولكن ائتوا موسى عبدًا آتاه الله التوراة وكلمه تكليمًا، فيأتون موسى ﵇، فيقول لهم: لست هناكم، ويذكر لهم خطيئته التي أصاب، ولكن ائتوا عيسى رسول الله وكلمته وروحه، فيأتون عيسى ﵇ فيقول: لست هناكم، ولكن ائتوا محمدًا عبدًا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال: فيأتوني، فأنطلق إلى ربي -يعني: المؤمنون لهم شفاعة، ورب العزة له شفاعة، والنبي ﵊ في هذا الحديث له شفاعة- فأستأذن على ربي، فيؤذن لي عليه، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا، فيدعني ﷿ ما شاء الله أن يدعني -يعني: يتركني ساجدًا على هذه الحال، فألهم دعاء لم أدع به من قبل- ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع.
قال: فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة -الله ﷿ يجعل له قسمًا ممن دخل النار، ويقول: هؤلاء نصيب شفاعتك خذهم وأدخلهم الجنة- ثم أرجع، فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقال لي: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأحمد ربي بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدًا فأدخلهم الجنة، ثم أرجع فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدًا -للمرة الثالثة- قال ثم أرجع فإذا رأيت ربي -للمرة الرابعة- قال: ثم أشفع فيحد لي خمس مرات، قال: ثم أرجع فأقول: يا رب! ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن)].
أي: إلا من حكم عليه القرآن بالخلود الأبدي في النار.
يعني: لم يبق في النار إلا الكفار.
وهذا الحديث [أخرجه البخاري ومسلم من حديث هشام].
[عن أنس أن النبي ﷺ قال: (يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله)].
انظر إلى هذا الترتيب الذي نستفيد منه كذلك أن الإيمان يزيد وينقص.
قال: [(يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، ثم من كان في قلبه من الخير ما يزن برة -أي: من الإيمان والدين- ثم يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله ثم من كان في قلبه ما يزن ذرة)].
والمعلوم أن الذرة أقل من حبة القمح، فهذا يدل على أن الإيمان في القلب نفسه يتجزأ ويتبعض ويزيد وينقص.
[عن أنس: قال: قال رسول الله ﷺ: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)].
وقال أنس مرفوعًا: [(يقول الله ﷿: أخرجوا من النار من وحدني -أي: من كان موحدًا، وأصحاب المعاصي موحدون- ومن خافني في مقامي)].
لأنه لا يخاف الله ﷿ إلا المؤمن وإن وقع في المعاصي.
[ ٥٥ / ٧ ]
رواية ابن مسعود ﵁ في الشفاعة
قال: [عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار)] يحكي لنا عن رجل هو آخر أهل النار خروجًا منها، فيكون آخر واحد يدخل الجنة.
قال: [(إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار، رجل يخرج منها زحفًا يقال له: انطلق.
ادخل الجنة.
فيذهب يدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل -يعني: كل واحد جلس في مكان في الجنة- فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت؟ فيقول: نعم)].
فالرجل لما رأى كل واحد من الناس قد جلس في مكانه أيس أن يكون له مكان.
قال: كل واحد أخذ نصيبه، ولم يبق لي مكان في الجنة، فلما وجد الله ﷿ منه ذلك قال له: (أتذكر الزمن الذي كنت؟ فيقول: نعم.
فيقال له: تمن قال: فيتمنى.
فيقال له: إن لك الذي تمنيت.
وعشرة أضعاف الدنيا.
فيقول: أتسخر بي وأنت الملك؟! -أي: لك ما تمنيت في الزمان الذي كنت تعيش فيه وعشرة أضعاف الدنيا، فيقول: يا رب أتسخر بي وأنت الملك- فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه)].
هذا الرجل أقل حظًا في الجنة، فالجنة بطولها وعرضها لا يمكن لأحد أن يتصورها.
هذا الحديث [أخرجه مسلم من حديث الأعمش والبخاري من حديث منصور].
[ ٥٥ / ٨ ]
رواية أبي ذر الغفاري في الشفاعة
قال: [عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: (لقد علمت آخر الناس خروجًا من النار، وآخر أهل الجنة دخولًا الجنة، رجل يؤتى فتعرض عليه سيئاته وتخبأ عنه كبائره فيقال: أتذكر يوم عملت كذا وكذا؟ فيقول: نعم.
وهو يشفق من الكبائر أن تعرض عليه -يعني: يخاف من أن تعرض الكبائر فيستوجب النار- فإذا فرغ من عرض السيئات قيل له: اذهب.
فإن لك بكل سيئة حسنة، فيقول: قد كانت لي ذنوبًا لا أراها -سترها الله عليه في الدنيا وغفرها له في الآخرة- فكان رسول الله ﷺ إذا ذكر هذا الحديث ضحك حتى بدت نواجذه).
أخرجه مسلم].
[ ٥٥ / ٩ ]
رواية عبد الله بن عمر ﵁ في الشفاعة
قال: [وعن ابن عمر: قال رسول الله ﷺ: (خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة فاخترت الشفاعة.
قال: لأنها أعم وأكفى)].
فالشفاعة مضمونة؛ لأنها دعوة مستجابة قد خبأها النبي ﵊ لأمته يوم القيامة.
[(أترونها للمؤمنين المتقين؟)]، يقول لهم: أنا خبأت دعوتي شفاعة لأمتي، ولما خيرت بين أن يدخل نصف الأمة الجنة والشفاعة اخترت الشفاعة؛ لأنها أعم وسيدخل بها أكثر من نصف أهل الجنة، قال النبي ﵊: [(أترونها للمؤمنين المتقين؟ لا.
ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين)].
[ ٥٥ / ١٠ ]
رواية أبي موسى الأشعري في الشفاعة
قال: [عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة فإنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين؟ لا ولكنها للمذنبين والخطائين والمتلوثين)].
[ ٥٥ / ١١ ]
رواية عوف بن مالك في الشفاعة
الحديث كذلك جاء من رواية عوف بن مالك ﵁.
وفي رواية: أن عوف بن مالك سمع رسول الله ﷺ يقول بعدما ذكر ما أعطاه الله من الشفاعة يوم القيامة: [قلت له: (ناشدتك الله يا رسول الله! لما سألت الله أن يجعلني من أهلها فقال النبي ﷺ: يا عوف! إن شفاعتي يوم القيامة للكل)].
[ ٥٥ / ١٢ ]
رواية حذيفة بن اليمان في الشفاعة
[عن حذيفة بن اليمان قال: سمع رجلًا يقول: اللهم اجعلني ممن تصيبه شفاعة محمد].
وقال حذيفة: [(إذا كان يوم القيامة جمع الناس في صعيد واحد، فيقال: يا محمد! فيقول: لبيك وسعديك، والخير بين يديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، والمهدي من هديت، منك وإليك، ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحان رب البيت.
قال: عند ذلك يشفعني)].
أي: يشفعه بهذه الدعوات والمحامد التي يفتح عليه بها في ذلك الوقت.
قوله: (والشر ليس إليك).
أي: والشر المحض ليس من أفعال الله ﷿.
[ ٥٥ / ١٣ ]
حكم المكذب بالشفاعة
عن أيوب قال: [(من كذب بالشفاعة فلا نصيب له فيها)].
وكذلك من قول أيوب بن أبي تميمة السختياني: [(من كذب الشفاعة فلا ينالها)].
أي: لا تصيبه، ولا يدخل تحتها.
[ ٥٥ / ١٤ ]
وجوب الإيمان بأحاديث الشفاعة وإمرارها كما جاءت
قال: [قال حنبل: قلت لـ أبي عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل -: ما يروى عن النبي ﵊ في الشفاعة؟ قال أحمد بن حنبل: هذه أحاديث صحاح، نؤمن بها ونقر -لأنه إذا صح الحديث لابد من الإيمان به والعمل- قال: وكل ما روي عن النبي ﵊ بأسانيد جيدة -يعني: حسنة- نؤمن بها ونقر -أي: ليس الشفاعة فحسب، بل كل ما ثبت في سنة النبي ﵊- قال حنبل: قلت له: وقوم يخرجون من النار؟ -يعني: حتى من دخل النار يخرج منها؟ - قال: نعم.
إذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه -أي: ورددناه- رددنا على الله أمره، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر:٧].
قلت: والشفاعة؟ قال: كم حديث يروى عن النبي ﷺ في الشفاعة والحوض -يريد أن يقول له: هذه أحاديث كثيرة ليست واردة في أسانيد جيدة فحسب، بل صحيحة قد بلغت حد التواتر والزيادة في الشفاعة والحوض- فهؤلاء يكذبون بها ويتكلون -أي: على رحمة الله ﷿- وهي قول صنف من الخوارج، وإن الله تعالى لا يخرج أحدًا من النار بعد إذ أدخله، والحمد لله الذي عدل عنا ما ابتلاهم به].
يعني: قول الخوارج: أن من دخل النار لا يخرج منها، أما قولنا نحن فإننا نقول: بأن من دخل النار من عصاة الموحدين لا محالة سيخرج منها، إما بتوحيده، وإما بإيمانه، وإما بشفاعة الملائكة، أو بشفاعة النبيين، أو بشفاعة المؤمنين أو بشفاعة الأطفال البرآء قبل البلوغ، وقبل أن يجري عليهم القلم ويبلغوا الحلم، فإذا انتهى هؤلاء من شفاعتهم لم يبق إلا شفاعة أرحم الراحمين، وهؤلاء الذين يسمون بعتقاء الرحمن أو بالجهنميين.
وشفاعة الله ﷿ تفضل على عباده الموحدين العصاة بأن يخرجهم من النار.
والشفاعة تستلزم مشفوعًا ومشفوعًا عنده ومشفوعًا فيه.
هذه أركان الشفاعة، فأما شفاعة الملائكة فالشافع هو الملك، والمشفوع عنده هو الله ﷿، والمشفوع فيه هو المذنب.
أما شفاعة رب العالمين فهي من أفعال الله ﷿، وليس لأفعال الله مثيل ولا شبيه، فهذا الذي تعودناه وعرفناه يقينًا من خلال توحيد الله ﷿ في أسمائه وصفاته وأفعاله، فالله تعالى يشفع عند نفسه بأن يخرج من بقي من عباده الموحدين بشفاعته ﷾.
أي: يتمنن على عباده الموحدين بأنه يخرجهم من النار، فيقال: هؤلاء عتقاء الرحمن.
وقال علي بن المديني: [الإيمان والتصديق بالشفاعة وبأقوام يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحمًا نقول به كما جاء الأثر والتصديق به والتسليم].
[ ٥٥ / ١٥ ]
سياق ما روي في أن المقام المحمود هو الشفاعة
قال: قال ابن عمر: [إن الناس يوم القيامة يصيرون جُثىً، كل أمة تتبع نبيها].
(جثىً) أي: يجثون على ركبهم، كل أمة تأتي إلى نبيها، فيخرون على أقدامهم وأيديهم، يجلسون كما يجلس الطفل الرضيع ويلهث خلف أمه، فهؤلاء يلهثون خلف أنبيائهم.
قال: [(يقولون: يا فلان! اشفع لنا حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود)].
إذًا: المقام المحمود: هو مقام الشفاعة، والحديث عند البخاري.
[عن كعب بن مالك: أن الرسول ﷺ قال: (يبعث الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل -أي: على مكان مرتفع- ويكسوني ربي حلة خضراء، ثم يؤذن -أي: يؤذن لي- فأقول ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود)].
[عن حذيفة: أن رسول الله ﷺ قال: (يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي فيقول: يا محمد! يا محمد! فأقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، تباركت وتعاليت.
قال: فهذا هو المقام المحمود)].
وقد ورد موقوفًا عن حذيفة: [يجمع الله الناس في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر حفاة عراة سكوتًا كما خلقهم، لا تكلم نفس إلا بإذنه -أي: لا يشفع أحد إلا بإذن الله تعالى- قال: فينادى: يا محمد! فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والمهدي من هديت، عبدك بين يديك، ولك وإليك، لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت.
وذلك المقام المحمود الذي ذكر الله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩]].
و[عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: (﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩].
قال: هو المقام الذي أشفع فيه لأمتي)] والحديث ضعيف، لكن يشهد له ما قبله.
وعند البخاري وكذا مسلم من حديث عبد الله بن عمر: أن النبي ﵊ قال: [(لا يزال الرجل يسأل حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة من لحم)] لا يزال العبد يتسول ويسأل الناس في الشوارع والطرقات حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم.
أي: قطعة لحم.
وقال: [(إن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن)].
وفي رواية: (قدر ميل).
قيل: هو ميل المسافة.
وقيل: هو المرود التي تكتحل به المرأة.
يسمى ميلًا.
قال: [(وإن الشمس تدنو حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينما كذلك -أي: بينما الناس كذلك- استغاثوا: يا نوح! فيقول: لست صاحب ذلك، ثم موسى فيقول كذلك، ثم بمحمد ﵊ فيشفع، يقفز بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة، فيومئذ يبعثه الله مقامًا محمودًا)].
وعند مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص [: (أن النبي ﷺ تلا قوله تعالى في إبراهيم: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم:٣٦]، وقال عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة:١١٨]، فرفع يديه فقال: اللهم! أمتي، أمتي، أمتي وبكى ﵊، وقال الله تعالى: يا جبريل! اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فاسأله ما يبكيك، فأتاه جبريل فسأله فأخبره رسول الله ﷺ.
قال -وهو أعلم- فقال الله ﷿: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك)].
فمقام الشفاعة مقام عظيم جدًا، وهذا الحديث [أخرجه مسلم].
وبعد أن عرفنا أن المقام المحمود هو مقام الشفاعة، نتوقف عند الحوض؛ لأن الحوض فيه كلام كثير واختلاف لأهل العلم، فيفضل أن يكون له بإذن الله تعالى درس خاص.
[ ٥٥ / ١٦ ]
الأسئلة
[ ٥٥ / ١٧ ]
حكم صيام التسعة الأيام الأول من ذي الحجة
السؤال
هل صيام التسعة الأيام الأول من ذي الحجة سنة عن النبي ﵊؟
الجواب
في الحقيقة هناك حديث في سنن أبي داود من طريق هنيدة بن خالد محل نزاع بين أهل العلم، والراجح أنه حديث ضعيف.
هذا الحديث يقضي باستحباب الصيام، لكن على أية حال لو صام المرء من باب مطلق الطاعة والعمل الصالح فلا ينكر عليه، وأفضل ألا يصوم التسع كلها، بل يصوم بعضها ويترك بعضها، ويترك صوم يوم السبت، وأفتى شيخنا الألباني عليه رحمة الله فيما يتعلق بحرمة يوم السبت إلا الفريضة وهو رمضان، وهذا المذهب خالف إجماع الأمة؛ لأن الحديث محمول على كراهة الإفراد كما أنه ﵊ نهى عن إفراد الجمعة، وأمرنا ألا نصومه إلا أن نصوم يومًا قبله أو يومًا بعده.
فأقول: لسنا مخيرين في رمضان أن نصوم الجمعة ونصوم يومًا قبله أو يومًا بعده، ولم يرد في تخصيص هذه التسع بالصيام شيء صحيح، لكن إن صامها المرء من باب مطلق العمل الصالح فلا بأس، فالذي ورد في حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه العشر.
قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله يا رسول الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء) فإذا كنت تصوم من باب مطلق العمل الصالح في هذه الأيام فهو حسن، والذي أتحرج منه أن يداوم المرء على صيامها أو يصومها كلها، فلا بأس أن تصوم بعضها وتترك البعض الآخر، أو أن تصوم عامًا وتترك آخر؛ حتى لا يتصور الناظر أو من سمع هذا أن ذلك أمر مسنون على جهة الخصوص، ثم ليست الطاعة الوحيدة التي يتقرب بها المرء في هذه الأيام هي الصيام بل مطلق العمل الصالح، وتكثر من الذكر والاستغفار وقراءة القرآن وغير ذلك.
[ ٥٥ / ١٨ ]
كيفية صلاة الفجر لمن نام عنها
السؤال
شخص نام عن صلاة الفجر، فهل عندما يصليها ينوي صلاتها قضاء أم أداء، وهل يصلي لها سنة؟
الجواب
النية بالأداء والقضاء ليست مطلوبة منك، إنما أنت تصليها، فإذا كانت أداءً وقعت أداء، وإذا كانت قضاء وقعت قضاء، أما أنك تقول: نويت أصلي الصبح ركعتين خلف الإمام الفلاني جماعة في الساعة الفلانية في المسجد الفلاني يوم كذا قضاءً وأداءً على طهر مني مثلًا.
هذا كله ليس من السنة، بل هذا من البدع، والمطلوب قوله ﵊: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها)، فذلك وقتها سواء كان أداء أو قضاء.
[ ٥٥ / ١٩ ]
منزلة الخوارج والمعتزلة في الدين واعتقادهم في عصاة الموحدين
السؤال
الخوارج والمعتزلة مسلمون، فما قولهم في كل هذه الأحاديث الصحيحة التي تثبت الشفاعة؟ وهل يفسرونها بطريقة أخرى؟
الجواب
هم في الحقيقة يفسرونها بطريقة أخرى، والآيات التي وردت في الخلود أو في الأبدية حملوها على عصاة المسلمين وليس هذا بصواب، أما قولك: الخوارج والمعتزلة مسلمون فهذا السؤال يحتاج إلى تفصيل طويل جدًا، والراجح: أن غلاة الفرق كفار، بخلاف عامة الفرق جميعًا.
[ ٥٥ / ٢٠ ]
معنى قوله ﵊: (البيعان بالخيار)
السؤال
قال ﵊: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
هل معنى هذا الحديث: أنه إذا باع البائع سلعة ما فإن المشتري لا يردها، وإذا ردها المشتري ولم يأخذها البائع هل في ذلك شيء، نريد تبيين ذلك الحديث والمقصود منه؟
الجواب
قول ﵊: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا).
والحديث في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر وغيره، وهذا الكلام يجرنا إلى عدة خيارات عند الفقهاء، فهناك شيء يسمى: خيار المجلس، وخيار المجلس هو أني دخلت عليك في متجرك، فاشتريت منك سلعة ما، وأعطيتك ثمنها، ولا زلت أصوب بصري إلى بقية أنواع السلع، ثم قبل أن أغادر المكان - أي: المتجر- رجعت عن هذه البيعة، فليس من حق البائع أن يمتنع عن أخذ هذه السلعة ورد الثمن إليه مرة أخرى؛ وذلك لتمام الحديث: (فإذا تفرقا فقد وجب البيع).
وجب بمعنى: تم.
وكان عبد الله بن عمر ﵄وأنتم تعلمون أنه من أفقه الصحابة- إذا اشترى شيئًا انصرف بعيدًا ثم رجع، وانصرافه هذا لإتمام البيع، فإذا أراد البائع أن يرجع في بيعه اعتذر عبد الله بن عمر.
وهناك خيار الشرط: كأن أكون اشتريت منك كتابًا، وأنا رجل ليس لي خبرة في الكتب، ولا أعرف أن هذا الكتاب جيد أم لا، وهل هو كتاب سليم من جهة المعتقد أم غير سليم، فاشترطت أن آخذ هذا الكتاب وأعرضه على أهل الخبرة وفي خلال ثلاثة أيام أعطيك الخبر، فأنا سأحتفظ بهذا الكتاب، وإذا لم أرد الكتاب بعد ثلاثة أيام أعتبر البيع قد تم، ولو خرجت بالكتاب ووقفت بالشارع أنتظر سيارة مواصلات فإن البيع لم يتم، ولا يتم البيع إلا بتمام الشرط.
هذا اسمه خيار الشرط.
واختلفوا في الشرط، والراجح: أن ذلك راجع إلى البائع والمشتري حسبما اتفقا.
وهناك خيار العيب.
والعيب نوعان: عيب ظاهر، وعيب خفي، فلو أن واحدًا ذهب يشتري طماطم من السوق، وهذه الطماطم يراها أمامه رديئة لا تخفى على أحد، لكنه ذهب بها إلى البيت، فطلبت منه زوجته إرجاعها، فعاد بها إلى السوق، ففي هذه الحالة ليس واجبًا على البائع أن يرد البيعة؛ وذلك لأنه كان يرى العيب، وعيبها ظاهر للناس.
مثال آخر: شخص ذهب ليشتري سيارة منمقة وجميلة، فيها عيب خفي، وهذا العيب ربما يخفى في أول وهلة على أصحاب الفن، فاشتراها هذا الشخص، وبعد أن بدأ باستخدامها حصل لها أعطال داخلية، ولا يعرف الأعطال الداخلية إلا صاحب الميزان الذي يكشف بالكمبيوتر فيعرف عطلها الداخلي، فالبائع سكت وهذا اشترى، ولم يظهر البائع عيبها الخفي فمن حق المشتري بعد ما ركب السيارة ستة شهور أن يرجعها؛ لأن فيها عيبًا يخفى على المشتري، ولو أنه عرف العيب لكن لم يذهب لمراجعة البائع واستمرت معه السيارة شهرين فليس من حقه أن يرجعها.
والعلماء حددوا ثلاثة أيام للرجوع؛ قياسًا على حديث المصراة.
والمصراة: بقرة أو جاموس أو شاة أو أنثى الجمل، يجوعها صاحبها عدة أيام ويعطشها، وفي اليوم الذي يريد أن يبيعها فيه يطعمها، فيكون ضرع البقرة كبيرًا، وبطنها منتفخ جدًا، فالذي سيشتري هذه البقرة لابد أنه سيقع في نوع عظيم من أنواع الغرر، حيث يظن أنها سمينة بانتفاخ بطنها، فالنبي ﵊ يقول: (من اشترى مصراة فليمسكها ثلاثًا فإن رضي وإلا ردها ومعها صاع من تمر).
يعني: يجعلها عنده ثلاثة أيام ويحلبها، وينتفع بلبنها ويطعمها، فإن رضيها ولم يسخطها كانت له، وإن كرهها ردها ومعها صاع من تمر مقابل اللبن الذي أخذه.
فالعلماء قالوا: إن خيار العيب بعد معرفة العيب قياسًا على المصراة تكون ثلاثة أيام، فلو رضي المشتري بهذا العيب، ومر على ذلك ثلاثة أيام فليس من حقه إرجاع الشيء المعيب.
[ ٥٥ / ٢١ ]
وجوب ستر المذنب على نفسه مع التوبة إلى الله
السؤال
شخص يريد أن يخبر عن نفسه أنه أذنب ذنوبًا عظيمة، ويريد أن يتوب إلى الله ﷿؟
الجواب
باب التوبة مفتوح، أما كونك تريد مقابلتي فنصيحتي لك أن تستر على نفسك وتتوب إلى الله ﷿.
[ ٥٥ / ٢٢ ]
حكم صلاة السنة القبلية للظهر أربعًا مجتمعة
السؤال
هل صلاة السنة القبلية في الظهر تصلى أربعًا مجتمعة؟
الجواب
هذا أو ذاك، تصلى اثنتين اثنتين أو تصلي أربعًا، ولا بأس في ذلك، والتشهد الأوسط يكون كاملًا إلى قوله: إنك حميد مجيد.
[ ٥٥ / ٢٣ ]
حكم الإفرازات الخارجة من قبل المرأة
السؤال
هل الإفرازات التي تنزل من المرأة بصورة مستمرة توجب الوضوء لكل صلاة، أم أن هذا مستحب؟
الجواب
لا توجب الوضوء لكل صلاة.
[ ٥٥ / ٢٤ ]
حكم صلاة التسبيح
السؤال
هل صلاة التسبيح سنة وما صحة حديث العباس الوارد فيها؟
الجواب
صلاة التسبيح سنة، والذي أعتقده أن هذا الحديث حديث حسن.
[ ٥٥ / ٢٥ ]
حكم ذبح المعز مكان الخروف في الأضحية
السؤال
هل يجوز في العقيقة والأضحية ذبح المعز مكان الخروف؟
الجواب
نعم؛ لأن لفظ الشاة يطلق على المعز ويطلق على البقر كذلك.
[ ٥٥ / ٢٦ ]
معنى (شرع من قبلنا هو شرع لنا)
السؤال
ما معنى (شرع من قبلنا هو شرع لنا)، وقد نال شرع من قبلنا التبديل والتحريف؟
الجواب
يقصد به الذي لم يبدل ولم يحرف، أو الذي يوافق في شرعهم ما عندنا، فهذا دليل على أنه غير محرف.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ٥٥ / ٢٧ ]