جماع الكلام في الإيمان أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان وتحج البيت، وتؤمن بالملائكة والرسل والكتب واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وتعلم أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، هذا هو مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة، ومن خالف أهل السنة والجماعة في شيء من ذلك فهو من أهل الضلالة والزيغ والغواية.
[ ٤٤ / ١ ]
مسلك اللالكائي في كلامه عن مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: فهذا كتاب (مجمل اعتقاد أهل السنة والجماعة) لإمام كبير من أئمة السنة، وهو أبو القاسم الطبري اللالكائي ﵀، وهو كتاب عظيم جدًا في بابه، فقد جمع شتات مسائل الاعتقاد التي خالفت فيها الفرق الضالة أهل السنة والجماعة.
وهذا الكتاب سلك فيه مؤلفه مسلكًا عظيمًا وإن كان فيه شيء من الخلل، فقد ذكر المسائل التي خرج بها من خرج عن حد الاستقامة من أصحاب الفرق الضالة، والتي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة، وإذا كانت المسألة محل نزاع عند أهل السنة فإنه لا يذكر هذا النزاع ولا يعتني به، وإنما يذكر ما ترجح لديه وأدلته، فمثلًا في مسألة رؤية الله ﷿ للنبي ﵊ لم يسق فيها الخلاف الذي حدث، وإنما ذكر ما ترجح لديه -وهو الراجح حقًا- أن النبي ﵊ لم ير ربه بعيني رأسه، وإنما رآه بفؤاده، فساق الأدلة لإثبات هذا المعتقد، وهو الصحيح.
فهو لا يعنى بالخلاف حتى وإن كان هذا الخلاف بين جماعة أهل السنة والجماعة.
والكتاب قد شرحناه منذ عام يقل قليلًا أو يزيد قليلًا، ولن نرجع نسرد أدلة الكتاب ونقرأ الأبواب من أول الكتاب، وإنما سنبني على ما مضى، وكنا قد وقفنا عند موضوع حيوي جدًا، وهو الكلام في الإيمان وأصوله، والتعليق على عقائد الفرق الضالة.
وهذا الموضوع بدأ في نهاية الجزء الرابع وينتهي في نهاية الجزء التاسع، والكتاب طبع في خمسة مجلدات، الأربعة الأولى كل واحد منها جزءان، وكان الجزء الثاني مفقودًا من المخطوط، ولكن المحقق عثر عليه أخيرًا فطبعه في مجلد مستقل.
وقد عقدنا العزم على دراسة كتب السنة المفردة -أي: كتب الاعتقاد المسندة- ككتاب الإيمان لـ ابن مندة، وكتاب السنة للخلال، وكتاب السنة لـ عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل، وكتاب الشريعة للإمام الآجري، وغيرها من الكتب لمؤلفيها.
[ ٤٤ / ٢ ]
جماع الكلام في الإيمان
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب جماع الكلام في الإيمان.
سياق ما روي عن النبي ﵊ في أن دعائم الإيمان وقواعده: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان].
وسنستغني عن ذكر الأدلة الضعيفة وسردها، وسنذكر الأدلة الصحيحة، ولن نذكر الإسناد وإنما سنذكر المتن مع الصحابي الذي رواه، أو مع الراوي الذي قاله.
قال ابن عباس: [إن وفد عبد القيس لما قدموا على النبي ﵊ أمرهم بالإيمان بالله قال: (أتدرون ما الإيمان؟)].
ووفد عبد القيس كانوا لا يأتون النبي ﵊ إلا في الأشهر الحرم؛ لأن بينهم وبين النبي ﵊ كفار مضر، فقالوا: (يا رسول الله! إن بيننا وبينك هذا الحي من مضر، ولا نستطيع أن نأتيك إلا في الأشهر الحرم، فمرنا بأمر نعمل به ونأمر به من وراءنا، فقال النبي ﵊: آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم).
وهذا من شدة أدبهم ﵃، وإلا فالإيمان بالله معلوم لدى العامة فضلًا عن الخاصة، ووفد عبد القيس أتوا إلى النبي ﵊ ليسألوه عن أصول دينهم، وعما يجب عليهم وما حرم، وعما أحل لهم، فهم لم يكونوا يعملون ذلك، فالنبي ﵊ قال: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم).
ومن أدب الطالب: أن ينسب الجهل إلى نفسه، وأن ينسب العلم إلى شيخه، وإن كان جاهلًا، وهذا من باب حسن الأدب ومكارم الأخلاق، حتى يستفيد مما عند شيخه، ولو أن طالبًا أظهر ما عنده من علم ثم عرج على جهل شيخه فإنه لن يحظى منه بشيء، فالأدب الصادق أن يظهر جهله وإن كان عالمًا، وأن يظهر علم الشيخ وإن كان جاهلًا.
[[(قالوا: الله ورسوله أعلم.
فقال النبي ﵊: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج)].
والصواب أن هذا الحديث ليس فيه الحج؛ لأن الحج لم يكن قد فرض بعد، فهو إنما فرض مؤخرًا، والسؤال كان قبل فرض الحج، فيكون الأمر: (آمركم بالإيمان بالله، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان).
وليس فيه الحج.
ثم قال: [(وأن تؤدوا الخمس من المغنم)].
أي: من المغانم، فقد كانوا أهل جهاد مع كفار مضر، وأهل الجهاد إما أن يخسروا وإما أن يغنموا، فلما غلب النصر على هؤلاء لزم من ذلك حصولهم على الغنائم الكثيرة، فالنبي ﵊ قال لهم: (وأن تؤدوا الخمس من المغنم).
وليس معنى ذلك أن أداء الخمس معطوف على ما أمرهم به ﵊ من أصول الإيمان، بل هو من الإيمان، وقد أفرده البخاري في كتاب الإيمان له فقال: باب قوله: باب أداء الخمس من الإيمان.
وقد ذكره في نهاية كتاب الإيمان من صحيحه، وعد أداء الخمس شعبة من شعب الإيمان.
فهنا قال: (آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قالوا: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان).
وقد كان قال لهم: (آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع).
وقوله: (وأن تؤدوا الخمس من المغنم) تعد خامسة، فهي معطوفة على قوله: (آمركم بأربع).
يعني: ليست داخلة في الأربع، وإنما هي خامسة، فقد كانوا في حاجة إليها لأنهم أهل جهاد، فزادهم ما يخص عملهم وكفاحهم وجهادهم مع كفار مضر، فهم لما كانوا أهل جهاد وغنيمة لزمهم في ذلك أن يؤدوا الخمس، فزادهم هذه من عنده، وليس هذا من الأربع التي أمرهم بها ﵊، بل هذا أمر مستقل يبعد عما أراد النبي ﵊ أولًا أن يأمر به.
قال: (وأنهاكم عن الحنتم والنقير والدباء والمزفت).
وهذه أوان كان يستعملها العرب في الجاهلية في تخمير الخمر، والشيء إذا وضع في هذه الأواني كان سريع التخمر والحموضة، فنهانا النبي ﵊ عن استعمال هذه الأواني.
وهذا الحديث أخرجه البخاري.
قال: [عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت)].
وهذا الحديث كذلك عند الشيخين في الصحيحين.
والشاهد في هذا الحديث قوله: (بني).
وهذا يدل على أن دعائم الإيمان والإسلام تقوم على هذه الأسس؛ لأنها مبانٍ، وليست مكملات ولا فرعيات ولا شكليات، وإنما هي مبانٍ كالقواعد والسواري والأعمدة للبناء العظيم الذي هو الإسلام، وهذا يعني أن من لم يأت بقائمة من هذه القوائم اختل إسلامه، فالخلل لا يقع في الإيمان فحسب
[ ٤٤ / ٣ ]
سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الإسلام أعم من الإيمان والإيمان أخص منه
قال: [سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الإسلام أعم من الإيمان، والإيمان أخص منه].
الإسلام دائرته أوسع من دائرة الإيمان، فدائرة الإيمان خاصة، ودائرة الإسلام عامة، فالإسلام أعم من الإيمان، والإيمان أخص منه.
[قال الله ﵎: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات:١٤]]، أي: ادعوا أنهم قد آمنوا، [﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ [الحجرات:١٤]].
فانظر إلى نفي الله ﷿ ادعاء الأعراب أنهم آمنوا، [﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]].
أي: لم يدخل بعد، ولكنه سيكون في المستقبل، فـ (لما) تفيد عدم التحقق حالًا، وربما يتحقق مآلا في المستقبل، ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات:١٤] فهنا فرق بين الإيمان والإسلام، بأن الإيمان شيء والإسلام شيء آخر.
فالإسلام أصل وهو يثبت لصاحبه ومدعيه بالشهادة وإن كان كاذبًا.
يعني: لو قالها متعوذًا ثبت له الإسلام ظاهرًا في أحكام الدنيا وإن كان عند الله كافرًا، ولو قالها كافر في ساحة الوغى والجهاد فرارًا من القتل لما تمكن منه المسلم فيجب على المسلم الذي تمكن منه وكان على وشك قتله أن ينتهي عن قتله، وإلا صار آثمًا إثمًا عظيمًا، ولا أدل على ذلك مما فعله أسامة بن زيد ﵄، فإنه لما تمكن من رقبة كافر نطق بالشهادتين فقتله أسامة، فلما أخبر النبي ﵊ بذلك قال: (يا أسامة! أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله.
فقال أسامة: إنما قالها متعوذًا).
يعني: يريد أن ينجو بها لما أيقن الهلاك، فقال النبي ﵊: (يا أسامة! أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله.
قال: يا رسول الله! قالها تعوذًا.
قال: يا أسامة! أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله.
ثلاث مرات، حتى قال أسامة: ليتني ما أسلمت إلا الآن).
يعني: يا ليت هذا الجرم لم يقع مني في حال إسلامي، ويا ليتني أسلمت الآن إسلامًا لا خطأ فيه، وحزن أسامة على فعله حزنًا شديدًا حتى مات رضي الله تعالى عنه.
[ ٤٤ / ٤ ]
ما ينقض به الإسلام
الإسلام يثبت بكلمة الشهادة، وإذا ثبت بهذه الكلمة فلا ينتفي إلا بما يضادها، فإذا أتى بنقيضها كأن يصرح بأنه يعبد إلهًا آخر غير الله ﷿ كفر، كهؤلاء الذين ظهروا في مصر مؤخرًا يعبدون الشيطان، وقد صرحوا بأنهم يعبدون الشيطان، فالذي يعبد إلهًا غير الله يكفر، وإن لم يكفر فلا يوجد في الدين أو الدنيا كفر بعد ذلك، فهؤلاء قد كفروا من أوسع الأبواب، وكذلك من رضي بفعلهم والتمس العذر لهم مع إقرارهم الذي لا يحتاج معه إلى إقرار، وهم معلومون بأعيانهم وذواتهم؛ لأنهم من أبناء علية القوم، فهم قد كفروا بالله العظيم، كما كفر ذلك الدعي الذي سماه الناس أو سمى نفسه أو سمته وزارة الثقافة حيدر، وهو صاحب الكتاب المشهور الذي ذكر فيه قبل أسبوعين أن كلام الله (خرى) هكذا -أعوذ بالله- وأن الله تعالى كذاب فاشل.
هكذا قال، وأن الرسول مزواج كما جاء في كتابه.
فهذا الكلام كفر بواح، ومن دافع عنه بأنه ليس كفرًا أو أن كاتبه أو ناشره أو طابعه أو طالبه ليسوا كذلك فهو كذلك كافر، فمسائل الإيمان والكفر لا تحتاج إلى هوادة خاصة في هذا الزمان الذي رفع فيه كل كذاب عقيرته، بل ينبغي في مسائل الإيمان والكفر وضع النقاط على الحروف من أول وهلة؛ حتى يعلم كل عبد أهو مسلم أو كافر.
وإذا كنا أهل السنة ندع هؤلاء بيننا يتكلمون بما شاءوا من طعن في الله ﷿، وفي الرسول والقرآن ثم نذهب نلتمس لهم الأعذار التي لا يتمنونها هم فهذا خبل وجنون.
هو نفسه لا يتمنى ذلك، ولا يريد أن يلتمس أحد له عذرًا، بل إنه أتى برسالة ومهمة يؤديها على أكمل وجه تحت عين ونظر وبصر وزارة الثقافة، وإن شئت فقل: وزارة السفالة والإباحة المصرية.
فهذا كفر ليس بعده كفر، ومن رأى غير ذلك فليهنأ بكفره ذلك، سواءً كان ذلك كبيرًا أو صغيرًا، أو حتى رجل الشارع.
فهذه مسائل لا يعذر بالجهل فيها، فلا يعذر بالجهل من سب الله ﷿؛ لأنه لا يجهل أحد أن سب الله تعالى كفر حتى يسب الله تعالى، ويسب كلام الله القرآن الكريم.
وأما أن يهان الله ﷿ وحاشاه أن يهان، أو يهان كلامه، أو يهان رسله وأنبياؤه ونحن باقون على وجه الحياة فلا قيمة لنا، والموت أهون من كل شيء، وهو خير من أن يحاسبنا الله ﷿ كيف قيل هذا الكلام ولم يكن لكم فيه كلام ولا رد.
[ ٤٤ / ٥ ]
ثبوت أصل الإيمان بالإسلام
قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤]، أي: الإسلام باق لكم، وأما الإيمان الذي تزعمونه وتدعونه فإنه شيء آخر لم تكسبوه بعد.
﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات:١٤]، أي: فهذا غير موجود الآن، وليس معنى ذلك أن الإيمان لم يوجد منه شيء قط في قلوبهم؛ لأن الإيمان قول وعمل، والعمل إما بالقلب وإما باللسان والجوارح، والقول هو إقرار العبد بلا إله إلا الله محمد رسول الله، وإقراره بالله وملائكته وكتبه ورسله، وبالقدر خيره وشره، فإذا آمن العبد بهذا فقد آمن بأصول الإيمان.
أي: تمسك بأصول الإيمان.
وأما كمال الإيمان ونقصانه فهذا محله الطاعات التي فرضها الله ﷿ على العباد من الفرائض والواجبات والسنن والمستحبات وغير ذلك، فكلما اجتهد فيها العبد وأداها على أكمل وجه كلما ازداد إيمانه، وكلما قصر في شيء من ذلك فقد قصر في شيء من تمامه وكماله، وهذا يعني أن المسلم لابد أن يكون عنده شيء من الإيمان، ولذلك أهل العلم يفرقون بين مطلق الإيمان والإيمان المطلق، فالإيمان المطلق: هو الإيمان الكامل الشامل، وهو تمام الإيمان وكماله وزيادته إلى أقصى حد، وأما مطلق الإيمان فهو أصل الإيمان.
والإيمان له قاعدة وجذور، وله فروع، فأصل الإيمان موجود مع من دخل في دين الله -أي: في الإسلام- ولو بمجرد النطق بالشهادتين، واستقرار هذا الأصل الإيماني محله القلب.
فالإيمان الآن له أصل وله فروع، فالأصل موطنه القلب، وهو أنه إذا نطق بالشهادتين صدق هاتين الشهادتين وآمن بهما، وأحبهما وعلم معناهما، وهو على استعداد كامل لأداء ما أوجبته هذه الكلمة، وكل هذا محله القلب، ويسمى إيمانًا، فالمسلم معه أصل الإيمان، ثم يأتي بعد ذلك بالطاعات التي هي عمل الجوارح، فكلما ازداد المرء منها ازداد من الِإيمان بفروعه وجذوره وأصوله، فكلما ازداد العبد من الطاعات ازداد إيمانه ويقينه بالله ﷿، وكلما نقص نقص إيمانه، حتى إذا ترك العمل بالكلية خرج من إيمانه بالكلية إذا خرج من أصل هاتين الكلمتين، وهما: الشهادتان.
[ ٤٤ / ٦ ]
مخالفة المرجئة لأهل السنة في زيادة الإيمان ونقصانه
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤] لا يعني أنهم كفار، بل المسلم معه أصل الإيمان، ولا يتصور إسلام بلا إيمان، وهذه شبهة من قال: الإيمان هو التصديق، والتصديق محله القلب وليس الجوارح، فقالوا: الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه لا يتصور على تعريفنا للإيمان بأنه التصديق أن يكفر بهذا، لأن المصدق للخبر إذا نقص تصديقه نقص إلى العدم، فكأن المصدق للإسلام والإيمان إذا نقص تصديقه فقد ذهب إيمانه، ولذلك الإيمان عند المرجئة لا يزيد، كما أنه غير قابل للنقصان؛ لأنه إذا نقص يكفر صاحبه كما قالوا، فهم يقولون: الإيمان هو التصديق، وأما أهل السنة والجماعة فالإيمان عندهم ليس هو التصديق فحسب؛ لأن التصديق عند أهل السنة يعني أصل الإيمان الذي لا يثبت إسلام العبد إلا به، ولكن كمال الإيمان وتمامه باب آخر عند أهل السنة والجماعة، وله تعليق آخر عند أهل السنة والجماعة.
وليس معنى ذلك أن أهل السنة لا يقولون بأن الإيمان هو التصديق، بل يقولون: بأن الإيمان هو التصديق والزيادة.
فالتصديق عند أهل السنة يعني التصديق بالشهادتين، وهو: استقرار أصل الإيمان في القلب.
والجوارح لها عمل، والقلب له عمل، وعمله: المحبة والرضاء والتصديق والإيمان، وكل هذه أعمال قلبية، فالقلب له عمل كما أن الجوارح لها عمل، ولكن عمل القلب أصل في الإيمان، وأما عمل الجوارح فهو من مكملات ومتممات الإيمان، ومن أسباب كماله وزيادته، وبعض أعمال الجوارح أصل في الإيمان.
[ ٤٤ / ٧ ]
تفريق العلماء بين الإيمان والإسلام
قال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات:١٤].
هذه الآية تدل على أن الإسلام لابد أن يكون معه أصل الإيمان.
قال: [وقال الزهري: الإيمان: العمل].
عرف الإيمان بالعمل، والزهري من أكابر أهل السنة، فقال: الإيمان هو العمل.
أي: عمل القلب وعمل الجوارح.
ولو أن إنسانًا عمل بجوارحه جميع أعمال الطاعات التي تؤدى بالجوارح ولم يستقر الإيمان في قلبه لم يصلح إيمانه، بل لا يصلح إسلامه أيضًا، وإن استقر الإيمان في قلبه ولم ينطق بالشهادتين لم يصح إسلامه، فلو أن أحدًا يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويعمل كل شيء ويجاهد ولكنه يبغض هذا كله فليس بينه فرق وبين عبد الله بن أبي بن سلول، فقد كان يصوم ويصلي ويزكي ويحج، بل كان يجاهد مع النبي ﵊ في ساحة الجهاد، ولكنه لم ينفعه ذلك؛ لأن أعمال الجوارح هذه كلها لم يستقر أساسها وأصلها في قلبه، بل كرهها وأبغضها، وإنما كان يفعلها نفاقًا ورياءً.
[قال الزهري: الإيمان: العمل.
والإسلام: الكلمة]، يعني: الإسلام يثبت بمجرد الكلمة.
والمبحث الذي تدور حوله المشكلة دائمًا ليس في كيفية ثبوت الإسلام، بل الكل يعلم يقينًا أن الإسلام يثبت بالكلمة، بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، ولكن كيف يخرج المرء من الإسلام، فالقضية كلها في أحكام الردة، والمشكلات التي تثار حول الإيمان والإسلام كلها متعلقة بكيف يحكم بالردة على المسلم.
قال: [وعن الحسن البصري ومحمد بن سيرين أنهما كان يهابان مؤمن ويقولان: مسلم].
وهذا من باب كراهة التزكية، وأن الله تعالى أعلم بمن اتقى، وهؤلاء كانوا يقولون: نحن مسلمون، أو أنا مسلم، ولا يزكون أنفسهم بقولهم: أنا مؤمن.
وفي حديث جبريل لما سأل النبي ﵊ عن الإسلام عرفه له وبينه، ثم سأله عن الإيمان فعرفه وبينه، ثم سأله عن الإحسان، وهذا يدل على أن كل محسن مؤمن، وليس كل مؤمن محسن، ويدل على أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن.
وبين هذه الألفاظ والمصطلحات الثلاثة عموم من جهة وخصوص من جهة أخرى.
وأما إذا كان قول أحدهم أنا مؤمن من باب بيان الحال، وكذلك يؤدي إلى نفع المجتمع فإنه لا بأس أن يقول المرء: أنا مؤمن.
قال: [وبه قال من الفقهاء: حماد بن زيد ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب وأحمد بن حنبل] أي: نفس هذا الكلام.
[ ٤٤ / ٨ ]
تفريق النبي ﷺ بين الإيمان والإسلام
قال: [عن عامر بن سعد - وهو ابن سعد بن أبي وقاص ﵁- يروي عن أبيه قال: (أن النبي ﵊ أعطى رجالًا ولم يعط رجالًا)].
يعني: في توزيع الغنائم أعطى النبي ﵊ أناسًا ولم يعط آخرين، [(فقال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله! ما بالك أعطيت أناسًا ولم تعط آخرين، وإني لأراهم مؤمنين -يعني: رأيتك أعطيت فلانًا ولم تعط فلان وهو مؤمن- فقال النبي ﵊: أوهو مسلم.
فقال: يا رسول الله! هذا مؤمن)].
وهذا لما يعلمه سعد بن أبي وقاص من حال ذلك الرجل، وأنه يأتي بجميع الطاعات صغيرها وكبيرها ويحافظ عليها، فهو قدوة ومثل يقتدى به، ومعلوم من صلاحه وتقواه الشيء الكثير، ولذلك أصر سعد بن أبي وقاص على أن هذا الرجل مؤمن، ولكن لما كان الإيمان أصله القلب ثم يظهر ذلك على الجوارح، وربما ظهر على الجوارح ما لا يدل بالضرورة على أصله في القلب كان الحكم بالإيمان لله ﷿ أو للرسول ﵊ إذا أطلعه ربه على إيمان عبد بعينه، ولكن سعد بن أبي وقاص لما أعطى النبي ﵊ أناسًا من الغنائم ولم يعط آخرين قال لرسول الله ﷺ: (إنك أعطيت فلانًا ولم تعط فلانًا، وإني لأراه مؤمنًا، فقال النبي ﷺ ثلاثًا: أو هو مسلم -يعني: يا سعد أو هو مسلم- قال: يا رسول الله! بل مسلم) ثلاث مرات ينازعه سعد في إثبات إيمان من منعه وحرمه النبي ﵊ من قسم الغنائم، ثم بين له النبي ﵊ في هذا الحديث أن الفرق قائم بين المؤمن والمسلم، وهذا يدل على أن الإسلام شيء والإيمان شيء آخر أخص منه، فبين النبي ﵊ عذرًا لإعطائه أناسًا وحرمانه آخرين رغم بيان الأفضلية ولو في الظاهر، فقال: [(إني لأعطي أناسًا وغيرهم أحب إلي منهم؛ مخافة أن يكبهم الله تعالى على وجوههم أو قال: على مناخرهم).
وفي رواية: (على مناخرهم في النار).
فقوله: (إني لأعطي أناسًا وغيرهم أحب إلي) أي: في إيمانهم وإسلامهم أحب، وهم يقدرون القضية أيما تقدير، ولذلك شرع أن يصرف من مال الزكاة على المؤلفة قلوبهم، وهم: حديثو العهد بالإسلام والإيمان؛ لتثبيتهم على الإيمان.
وقد سن النبي ﵊ سننًا عظيمة جدًا وسار عليها الصحابة ﵃ وخاصة الخلفاء الراشدين ﵃ أجمعين في إعطاء كل صاحب منزلة منزلته وزيادة؛ تثبيتًا له على الإيمان والإسلام، ولذلك قال النبي ﵊: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن).
ودار أبي سفيان ليست حرمًا حتى ينعقد الأمن فيها؛ ولكنها منقبة لـ أبي سفيان، لأنه قد ورد في رواية: (إن أبا سفيان رجل يحب الفخر).
فهذا منقبة لـ أبي سفيان يفاخر بها أصحابه بأن من دخل داره كان آمنًا، وهذا بحكم النبي ﵊ وشهادته وإقراره، ولم يجعل النبي ﵊ بيت أحد من أصحابه حتى ولا بيت الخلفاء الراشدين مع بيت أبي سفيان حتى يكون لـ أبي سفيان هذا المنقبة منفرد بها؛ لأنه رجل يحب الفخر.
وسلمة بن الأكوع ﵁ كان في الجاهلية رجلًا عظيمًا شريفًا في قومه، فإذا أسلم فلابد أن ينزل منزلة عظيمة في الإسلام، وهذا يشهد له قوله ﵊: (خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا).
ولما أسلم سلمة بن الأكوع ﵁ وكان من أشراف قومه أمره النبي ﵊ أن ينزل في عوالي المدينة.
يعني: يسكن في القصور التي هي على مشارف المدينة؛ لأنها تتناسب مع مقامه.
وهذا يلزم منه أن يركب البعير فوق الأرض الساخنة والرمال الملتهبة، فأمر النبي ﵊ معاوية بن أبي سفيان أن يأخذ بخطام بعير سلمة، فأخذ معاوية بخطام بعير سلمة بن الأكوع، وسلمة يعرف أي فتى معاوية، فقد كانوا يعرفون بعضهم بعضًا، فلما اشتدت الحرارة في أقدام معاوية قال: يا سلمة! احملني خلفك.
قال سلمة: إنما يكفيك أن تستظل بظل البعير، وسلمة لا يخفى عليه الحال في مثل هذا ولكنه أبى.
فقال: يا سلمة! هل لك أن تسلفني نعلك؟ فقال: لا.
فاستمر معاوية في سوقه البعير حتى وصل إلى عوالي المدنية؛ لأنه أمر الرسول ﵊ وليس أمر سلمة، وهذه المنزلة هي منزلة سلمة، وسلم
[ ٤٤ / ٩ ]
الإسلام والإيمان إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا
اختلف أهل العلم في الإيمان والإسلام، فبعض أهل العلم قالوا: الإيمان هو الإسلام، ولا فرق بينهما، واحتجوا بأدلة، منها قول الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف:٦٩].
قالوا: فهذان وصفان لموصوف واحد وهو المخاطب، فوصفهم بالإيمان والإسلام، وهذا يدل على أنه لا فرق بينهما.
وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات:٣٥ - ٣٦].
وهذا يدل على أن الإيمان والإسلام شيء واحد.
والأصل ألا نضرب آيات الله ﷿ بعضها ببعض، ولا نضرب كلامه بعضه ببعض، فهذه الآية بينت أن الإيمان والإسلام قد اجتمعا في موصوف واحد، ولكن الآيات والأدلة الأخرى بينت الفرق بين الإيمان والإسلام بنفي الإيمان، ولذلك أهل العلم يقولون: الإيمان والإسلام إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
يعني: إذا ذكر الإيمان والإسلام في دليل واحد، فهذا يدل على أن الإسلام له مدلول، والإيمان له مدلول آخر، وإذا افترق الإيمان والإسلام دلا على أن كل منهما بمعنى الآخر، ومثاله: قول النبي ﵊ لما سأله جبريل ما الإسلام؟ قال: (أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت).
فعلمنا أن دعائم وأركان الإسلام هي هذه.
(فقال: صدقت.
ثم سأله عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره).
فعلمنا أن هذا هو مدلول الإيمان.
إذًا: الإيمان إذا اجتمع مع الإسلام كان لكل منهما مدلول يخصه، مثل الفقير والمسكين، وإذا افترقا فهما بمعنى واحد.
يعني: إذا ذكر الفقير شمل المسكين، وإذا ذكر المسكين فقط شمل الفقير، فكذلك الإيمان والإسلام إذا اجتمعا في دليل واحد كان لكل واحد منهما مدلول يخصه، وإذا ذكر واحد منهما في دليل شمل الآخر معه، كما في حديث وفد عبد القيس قال: (وآمركم بالإيمان.
أتدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان).
وهذا نفس تعريف الإسلام في حديث جبريل، ولكنه لم يذكر الإسلام هنا، فدل على أن الإيمان يشمله، كما ذكر الإسلام في قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فشمل معه الإيمان.
فهذا معنى قول أهل العلم: إذا اجتمعا -أي: في دليل- افترقا.
يعني: كان لكل واحد منهم تعريف خاص.
وإذا افترقا اجتمعا، فإذا ذكر الإيمان أو الإسلام في دليل خاص شمل معه الآخر.
قال: [عن أبي برزة الأسلمي قال: قال النبي ﵊: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه! لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه في بيته).
فقال في هذا الحديث: (يا معشر من آمن بلسانه)، واللسان جارحة، ولابد من النطق في إثبات الإسلام، ولا يثبت الإسلام لعبد قادر على الكلام إلا بالنطق بالشهادتين، والنطق بالشهادتين محله اللسان، والنطق بالشهادة شرط في صحة إسلام العبد، أي: الخارج عن الكفر.
فقوله: (يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه)، أي: لم يدخل كمال الإيمان وليس أصل الإيمان، لأنه لو آمن بلسانه فإنه يلزم من هذا الإيمان الظاهري وجود أصل الإيمان في القلب من المحبة والرضا والقبول والاستعانة والاستغاثة وغير ذلك، وأما عمل الجوارح فهو مكمل ومتمم للإيمان.
عن أبي سلمة الخزاعي: [إن حماد بن زيد كان يفرق بين الإيمان والإسلام، ويجعل الإسلام عامًا والإيمان خاصًا].
أي: يضع الإسلام عامًا مع أصل الإيمان.
أي: معه مطلق الإيمان، وأما الإيمان المطلق فهو فوق الإسلام بكثير.
وقال حنبل - وهو ابن أخ الإمام أحمد بن حنبل قال: [سمعت أبا عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - وسئل عن الإيمان والإسلام قال: قال ابن أبي ذئب: الإسلام: القول.
والإيمان: العمل].
وهذا نفس كلام الإمام الزهري الذي تقدم.
وقوله: الإسلام القول.
يعني: يثبت الإسلام بالنطق بالشهادتين، وهو عمل اللسان.
والإيمان: العمل.
إما عمل قلب أو عمل جوارح، فإذا فرط العبد في عمل الجوارح نقص إيمانه على قدر ما فرط من العمل، وإذا انخلع أصل الإيمان من قلب العبد انخلع إسلامه؛ لأن الإيمان نوعان: إيمان القلب، وهو عمل القلب، وإيمان الجوارح، فإيمان القلب هو مطلق الإيمان، وإيمان الجوارح هو الإيمان المطلق.
فلابد أن نفرق بين الإيمان المطلق ومطلق الإيمان، فمطلق الإيمان هو أصل الإيمان المستقر في القلب، فإذا زال هذا الإيمان زال إسلام العبد؛ لأن هذا يشمل التصد
[ ٤٤ / ١٠ ]