صفة القدم ثابتة لله تعالى في السنة، وهي قدم تليق بالله سبحانه لا تشبه أقدام المخلوقين، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في جميع الصفات، إذ يجب إمرارها كما جاءت من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تكييف ولا تأويل، وقدم الله سبحانه لا يعلم كيفيتها إلا هو ﷾.
[ ٢٤ / ١ ]
إثبات أهل السنة والجماعة صفة القدم لله تعالى
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
فمع صفة أخرى لله ﷿، وهي من الصفات الخيرية اللازمة لذاته سبحانه، وهي صفة الرجل أو القدم، وكلاهما بمعنى واحد، وهذه الصفة ثبتت لله ﷿ بالسنة لا بالكتاب ولا بالإجماع إلا أن يكون إجماع أهل السنة والجماعة، أما إجماع الأمة فلا، لأن الفرق الضالة خالفت أهل السنة والجماعة في هذه الصفة.
وإذا قلنا: إن هذه الصفة ثبتت في سنة النبي ﵊ فيلزمنا سوق الأدلة على ذلك.
قال أبو هريرة في المحاجة التي دارت بين الجنة والنار: قال النبي ﵊: (تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين.
وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم.
فقال الله ﵎ للجنة حينئذ: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي.
وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها).
أي: على الله تعالى أن يملأ الجنة وأن يملأ النار.
(فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الجبار رجله فيها، فتقول: قط قط قط).
أي: اكتفيت اكتفيت اكتفيت، أو حسبي حسبي حسبي.
(فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض، ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ﷿ ينشئ لها خلقًا)، أي: يخلق لها خلقًا حتى يملأها.
الشاهد من الحديث: أن النار لا تمتلئ حتى يضع الجبار فيها قدمه، فهذا المقطع من الحديث يفيد ثبوت صفة القدم لله ﷿.
وروى البخاري هذا الحديث من حديث أنس ﵁ بنحو هذه الرواية.
وابن عباس ﵁ قال: الكرسي موضع القدمين، والكرسي هو أحد مخلوقات الله ﷿ العظيمة، قال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة:٢٥٥].
ومعنى: وسع.
أي: شمل وأحاط.
فهذه السماوات السبع وهذه الأرضين السبع ما هي في الكرسي إلا كحلقة في فلاة.
والعرش أعظم من الكرسي؛ ولذلك قال النبي ﵊: (ما السماوات السبع والأرضون السبع بالنسبة للكرسي إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة).
هذا حديث عظيم جدًا يدل على أن الكرسي بالنسبة إلى العرش لا شيء، كما أن السماوات والأرض بالنسبة إلى الكرسي لا شيء، ومثل النبي ﵊ لهذا بمثل عظيم جدًا ليقرب الأذهان، فقال: هب أن السماوات والأرض حلقة بين يديك ألقيتها في صحراء هل تظهر لك هذه الحلقة؟
الجواب
لا.
بل تختفي؛ لأنها ليست شيئًا بالنسبة إلى هذه الفلاة.
قال: إذا كانت السماوات والأرض في الكرسي على هذا النحو فالكرسي نفسه لا يمثل شيئًا بالنسبة إلى العرش، فكيف يكون حجم العرش حينئذ؟ إنه عظيم جدًا، والله ﵎ من فوق العرش.
وتصور أن الكرسي الذي هذا وصفه وأن السماوات والأرض بالنسبة له لا شيء هو موضع قدمي الله ﷿، فكيف تكون هاتان القدمان لله ﷿؟ أمر لا يمكن أبدًا أن يدخله قياس ولا أن يحيط به عقل، فسبحان الله الكبير المتعال، أثبت لنفسه العلو وأثبت لنفسه اسم الكبير وصفة الكبر، بل العظمة رداؤه والكبر إزاره ﷾، فلابد أن كل صفة من صفاته تليق بكبريائه ﵎ وعظمته وعلوه فوق عرشه.
فإذا كنا لا نستطيع تكييف مخلوق لله ﷿ وهو الكرسي فعجزنا عن تصور ذات الله أولى.
وهذه الأرض بين أيدينا ونحن نعيش عليها، لكنها ليست أرضًا واحدة، وكانوا قديمًا يقولون: ليس بعد بلاد مغرب العرب بلاد أخرى، وكانوا يقولون: بحر الظلمات الذي ليس بعده شيء، ثم اكتشفوا منذ حوالي (٤٠٠) عام دولة أمريكا، اكتشفوها بعد أن أيقنوا أنه ليس بعد بلاد المغرب العربي بلاد أخرى؛ اكتشفوا أعظم دولة، والآن رجعوا إلى نفس الكرة مرة أخرى وقالوا: ليس بعد أمريكا إلا بحر الظلمات، والمسافة من أول أمريكا إلى آخرها عشر ساعات بالطائرة متواصلة.
يعني: كما بين مصر إلى أمريكا.
لكن هل أمريكا آخر بلدان العالم؟ لابد أن يتصل الغرب بالشرق؛ ولذلك هذا كلام أثاره أهل العلم بمناسبة ذكر المسيح الدجال وحديث الجساسة الذي رواه مسلم في آخر كتاب الصحيح.
قالوا: المسيح الدجال موجود من زمن النبي ﵊، وحديث تميم الداري في ذكر الدجال في صحيح مسلم، يثبت أن تميمًا الداري رأى المسيح الدجال ورأى الجساسة.
وهل هو ابن صياد
[ ٢٤ / ٢ ]
مذاهب الفرق الضالة في صفة القدم
[ ٢٤ / ٣ ]
إنكار المعطلة لصفة القدم لله ﷿
قال الخطابي: ونحن أحرى ألا نتقدم فيما تأخر عنه من هو أكثر منا علمًا وأقدم زمانًا وسنًا، ولكن الزمان الذي نحن فيه قد صار أهله حزبين: منكر لما يروى من هذه الأحاديث، وهؤلاء هم الجهمية الذين أنكروا صفات الباري ﵎، ومكذب به أصلًا.
فإما أنه يرد الأحاديث ويثبت أنها ضعيفة أو مكذوبة بعقله لا بالأدلة والقواعد التي وضعها أهل العلم لإثبات النص ورده، وإما إذا غلبناهم وقلنا: إنها صحيحة وأنها قد وردت في الصحيحين وغيرهما لجئوا إلى حيلة أخرى وهي تأويل هذه النصوص وصرفها عن ظاهرها.
قال: منكر لما يروى من هذه الأحاديث ومكذب به أصلًا، وفي ذلك تكذيب العلماء الذين رووا هذه الأحاديث، وهم أئمة الدين وثقة السنن، والواسطة بيننا وبين النبي ﵊.
فلماذا ترد هذه الأحاديث؟ يعني: هذا الحديث الذي بين يدينا رواه البخاري ومسلم، وهو يثبت أن لله ﵎ رجلًا أو قدمًا والأمة اتفقت على قبول الصحيحين وأنهما أصح الكتب بعد كتاب الله ﷿، فهل سترد حديثًا اتفقت الأمة على قبوله؟ سيجد المبتدع حرجًا، فيقول: لا.
إذًا: لابد أن نذهب مذهبًا آخر، ولو رده سأقول له: ولم رددته؟ أفيه انقطاع؟ سيقول: لا.
أرواته عدول؟ فسيقول: نعم.
عدول.
بمعنى: أنهم ثقات ضابطون؟ سيقول: نعم.
أهناك شذوذ؟ يقول: لا.
فيه علة؟ يقول: لا.
إذًا: لم رددته؟ يقول: لأنه يستحيل عقلًا أن يثبت هذا لله ﷿؛ لأنه يلزم من ثبوت هذا ثبوت الجارحة لله ﷿، واليد الجارحة كأيدينا تمامًا، وكأرجلنا تمامًا، إذا كنتم تؤمنون بأن لله رجلًا.
وأنه سبحانه يضعها في النار حتى تقول: قط قط، وينزوي بعضها إلى بعض، فيلزمكم أن تقولوا: إن لله رجلًا كأرجلنا.
وأهل السنة يقولون: لا.
لا يلزم من إثبات الصفة لله ﷿ مشابهتها لصفات المخلوقين، لكننا نثبتها لله ﷿ على المعنى اللائق بالله ﷿، ولا نتعرض لها بتكييف ولا تحريف ولا نصرفها عن ظاهرها، وإنما نؤمن بها ونمر أدلتها كما جاءت بعد الإيمان والتسليم بهذه الأدلة على مراد الله ﷿ في إثبات صفاته وكماله.
[ ٢٤ / ٤ ]
ضلال المشبهة بتشبيه صفة القدم لله بصفات خلقه
الطائفة الأخرى: مسلمة للرواة فيها -قالوا: لا نستطيع أن نقول: إن هذا الحديث ضعيف أو مكذوب أو مردود، فنسلم للرواة فيها- ذاهبة في تحقيق الظاهر منها مذهبًا يكاد يفضي إلى القول بالتشبيه.
يعني: الأولون كأنهم أرادوا أن يثبتوا تنزيه المولى ﷿ عن مشابهته للمخلوقين، فقالوا: لا يوجد شيء اسمه الصفات أبدًا، لا يوجد شيء اسمه يد ولا رجل ولا ساق ولا شيء أبدًا؛ لأننا ننزه المولى ﷿ من أن يكون مثل المخلوقين، وهذا الفريق ذهب مذهبًا مناقضًا، وهو إثبات هذه الصفات لله ﷿، ولكنهم قالوا: يد كأيدينا ورجل كأرجلنا، ونفس كأنفسنا، فشبهوا الخالق بالمخلوق.
يعني: قوم أرادوا أن ينزهوا فوقعوا في التعطيل، وقوم أرادوا أن يثبتوا فوقعوا في التمثيل والتشبيه، أما أهل السنة فوسط بين الاثنين، قالوا: نحن ننزه المولى ﷿ على مذهب الفريق الأول ولكننا نخالفهم في إثبات الصفات، ونوافق الفريق الثاني في إثبات الصفات ولكن دون تمثيل أو تشبيه.
هذا معتقد أهل السنة في صفات الله ﷿.
[ ٢٤ / ٥ ]
ضلال المؤولة لصفات الله تعالى
ونحن نرغب عن الأمرين معًا، ولا نرضى بواحد منهما.
أي: لا نرضى بمذهب التعطيل ولا بمذهب التمثيل والتشبيه.
وقال آخرون: يجب علينا أن نطلب لما يرد من هذه الأحاديث إذا صحت من طريق النقل والسند تأويلًا.
قال أهل التأويل: القدم هاهنا يحتمل أن يكون المراد به: من قدمهم الله للنار من أهلها.
وهذا كلام سخيف وبارد.
قالوا: (حتى يضع الرب قدمه فيها) هذه اللفظة تعني: أن من علم الله سلفًا أنه من أهل النار فقدمهم إليها، فيقال لكل من قدمه الله قدم.
أنت نفسك لست مستفيدًا من هذا التأويل ولن يدخل في ذهنك هذا، ولكن احذر ألا تفهمه، بل افهم أن هذا التأويل تأويل سامج وبارد، فيقولون: أن هذا القدم في هذا الحديث تعني من قدمه الله تعالى إلى النار.
يعني: من قذفه فيها.
قالوا: ولغة العرب تطلق القدم على السابقة من الأمر.
فنقول لهم: ماذا تقولون في الضمير؟ (حتى يضع الجبار فيها قدمه).
فالهاء تعود على الجبار.
وفي رواية: (حتى يضع الله ﷿ فيها رجله)؟ وقال النضر بن شميل في معنى قوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه).
أي: من سبق في علمه أنه من أهل النار، وهذا تأويل باطل.
قال الخطابي: وقد تأول بعضهم الرجل على نحو من هذا، والمراد به: عدد استيفاء الجماعة الذين استوجبوا دخول النار.
هذا في تأويل الرجل، قالوا: هذه الرجل بمعنى الجماعة، والعرب تسمي جماعة الجراد رجلًا، كما تسمي جماعة الظباء سربًا، واستعير ذلك لجماعة الناس.
أيتصور هذا الكلام؟! اعلم أن هذه الصفة قد عاد الضمير إليها، قال: (رجله) لم يقل: رجلًا، وقال: (قدمه) ولم يقل: قدمًا، وأنتم تعلمون أن الضمير إذا أضيف إلى صفة مخصوصة يلزمها ولا يتعدى إلى غيرها بخلاف إطلاقه وعدم إضافته، كما لو قلت: قدم، يصح أن تقول قدم الله ﷿ وقدم المخلوقين، لكن إذا قلت: قدمي فإنه لا يفهم منها أنها قدم الله ﷿، وإذا قال النبي ﷺ: حتى يضع الله قدمه.
يدل على أنها قدم الله ﷿، لأنها مضافة إلى الله ﷿، فلا يصح صرفها عن هذا التخصيص مطلقًا.
وإن الإمام القرطبي من أعظم المتأولة، مع أن تفسيره في غاية الإمتاع، إلا أنه في صفات المولى ﷿ يجب التحذير منه، فله كتاب اسمه (الأسنى في أسماء الله الحسنى) قد بلغ في أسماء الله وصفاته مبلغًا عظيمًا لم يسبق ولم يلحق به؛ فأثبت لله ﷿ أسماء وصفات لم يثبتها له رسوله ولم يثبتها لنفسه المولى ﷿، وأنتم تعلمون أن الأسماء والصفات أمر توقيفي.
قال القرطبي: وقيل: إن هؤلاء قوم تأخر دخولهم في النار وهم جماعات؛ لأن أهلها يلقون فيها فوجًا فوجًا، كما قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ [الملك:٨]، فالخزنة تنتظر أولئك المتأخرين الذين لم يدخلوا بعد في النار، إذ قد علموهم بأسمائهم وأوصافهم، فإذا استوفى كل واحد منهم ما أمر به ولم يبق أحد قالت الخزنة: قط قط.
لفظ الحديث أن الذي قال: قط قط هي النار.
قال: وحينئذ تنزوي جهنم على من فيها، وتنطبق إذ لم يبق أحد ينتظر، فعبر عن ذلك الجمع المنتظر بالرجل والقدم لا أن الله تعالى جسم من الأجسام تعالى الله عن ذلك.
نقول: أنت تنزه الله ﵎ عن ذلك مع أن الله لم ينزه نفسه ولم ينزهه رسوله الكريم ﵊ عن هذا، كما أن إثبات القدم والرجل لله ﷿ لا يستلزم إثبات الجسم والجارحة.
وقال بعضهم: القدم: خلق من خلق الله تعالى، فمادام أن هناك مكانًا في الجنة فارغًا، وربنا ﵎ سينشئ خلقًا جديدًا فيسكنهم الجنة حتى تكتفي الجنة فكذلك القدم والرجل إنما هما علم واسم على مخلوق جديد لله ﷿ يخلقه في ذلك الوقت فيلقيه في النار حتى تقول: قط قط.
وهذا تأويل آخر.
يعني: هذه القدم والرجل أسماء لمخلوقات جديدة سيخلقها الله ﷿ في حينها، حينما تقول جهنم هل من مزيد؟ فيخلق الله ﷿ لها خلقًا جديد قد استوجبوا النار، هذا الخلق يسمى الرجل تارة ويسمى القدم تارة أخرى! قال: القدم بخلق من خلق الله تعالى يخلقه يوم القيامة، فيسميه قدمًا ويضعه في النار فتمتلئ منه.
قال ابن فورك: قال بعضهم: القدم: خلق من خلق الله يخلقه يوم القيامة فيسميه قدمًا، ويضيفه إليه من طريق الفعل.
فقوله: (حتى يضع الجبار فيها قدمه) إضافة الضمير للفعل، وكذلك قوله: (حتى يضع الجبار فيها رجله) قالوا: إن هذا خلق جديد اسمه قدم واسمه رجل، والله ﵎ يأمر به فيلقى في جهنم، فإذا ألقي قالت النار: قط قط.
وقال بعضهم: المراد بالقدم هنا: قدم خلقه.
وهذا كذلك لا يصح أبدًا، ولا يمكن أن يستقيم مع لغة العجم وليس العرب فقط؛ لأن من استوجب دخول النار دخلها كل بدنه، فهل تتصور أن رجليك كمخلوق تدخل النار، وأنت تدخل الجنة من غير رجليك؟! ومعلوم أن الناس في الجنة على أحسن منظر وأحسن هيئة، فلا يتصور أن النبي ﵊ يقول: (فيضع الجبار فيها قدمه).
[ ٢٤ / ٦ ]
الاستدلال بحديث تحاجج الجنة والنار لإثبات صفة القدم لله تعالى وكلام أهل العلم في ذلك
قال النبي ﷺ: (تحاجت الجنة والنار، فقالت الجنة وقالت النار)، نحن نثبت أن الجنة تتكلم على الحقيقة ولكن ليست لها جارحة؛ لأن الله ﷾ لم يخبرنا أن هذه الجنة عبارة عن ذات مكونة من صفات وجوارح، وكذلك النار تتكلم بقدرة الله ﷿، والله تعالى يخلق لها الكلام فتتكلم به، والذي يسمع هذا الكلام هو الله ﷿، وتسمعه النار وتسمعه الجنة، بدليل الحديث: فقالت النار وقالت الجنة يعني: ردًا عليها.
فالجنة تسمع النار، والنار تسمع الجنة، والله تعالى يسمع الجميع.
ولذلك قالت النار: (أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين.
وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم.
فقال الله للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي.
وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فلا تمتلئ فيضع قدمه عليها، فتقول: قط قط.
فهنالك تمتلئ ويزوى بعضها إلى بعض).
وهذا الحديث رواه غير واحد من الصحابة، منهم أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك خادم النبي ﵊.
وفي بعض رواياته: (حتى يضع الله ﵎ رجله فتقول: قط قط قط ثلاثًا).
وفي بعضها: (حتى يضع فيها رب العزة ﵎ قدمه فتقول: قط قط، وعزتك).
فموقف السلف من معنى الحديث: أن هذا الحديث من أحاديث الصفات، وأن القدم صفة من الصفات الخبرية التي تمر كما جاءت دون تأويل أو تحريف في النص، ودون تشبيه أو تمثيل لصفات الله بصفات خلقه، فلا تقاس القدم بأقدام خلقه، ورجله بأرجل مخلوقاته، بل يكتفى بالمعنى الوضعي للكلمة دون محاولة لإدراك حقيقة قدمه، وقد عجزنا عن إدراك حقيقة ذاته سبحانه، فآمنا وسلمنا لله ورسوله، وهذا موقف لا يتغير ولا يتبدل بالنسبة لأتباع السلف، فهو موقف ثابت، وهو اتباع النصوص في جميع الصفات الخبرية أو غيرها، كما قال ابن مسعود ﵁: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم.
والحديث بجميع رواياته يدل على أن الله سوف يخلق في الجنة والنار تمييزًا وقدرة على الكلام دون أن يكون لهما آلات التكلم من الفم والأسنان واللسان وغيرها، وهو المعتاد بالنسبة لنا.
وأما الخلف فقد تكلفوا في تأويل هذا الحديث أكثر من تكلفهم في تأويل أي نص آخر من نصوص الصفات، وذكرنا من قبل تأويل الخلف في المراد بالقدم ورددنا عليه.
وابن الجوزي عليه رحمة الله في كتابه دفع (شبه التشبيه) شن غارة شعواء على بعض علماء السلف.
قال ابن الجوزي: وقد ذهب القاضي أبو يعلى إلى أن الساق صفة ذاتية وقال مثله في: (يضع قدمه في النار).
قال ابن الجوزي: وذكر الساق مع القدم تشبيه محض.
وقد اتفقنا من قبل أن ابن الجوزي كان مضطربًا جدًا في مسائل الاعتقاد، فهو يريد أن يقول: إن القاضي أبا يعلى أثبت الساق وأثبت معها القدم، وأن إثباتهما يستلزم التشبيه.
وهذا لا يصح عنده.
وليس القاضي أبو يعلى فقط الذي أثبت هذا، بل كل علماء السنة أثبتوا لله ﷿ ما أثبته لنفسه، ومنها الساق والقدم ولم يقولوا بالتشبيه، بل نزهوا المولى ﵎ عن التعطيل ونزهوه عن التشبيه، وكلام ابن الجوزي ليس فيه شيء من الهداية، بل هو ظلمات بعضها فوق بعض، فإن الأدلة كتابًا وسنة تدل على إثبات ذلك لله، فمن أنكره فإنما ينكر على النبي ﵊ وعلى الصحابة الذين نقلوا إلينا ذلك.
وقال ابن الجوزي: وقال أبو يعلى مثله في: (يضع قدمه في النار).
وهذا أيضًا من الحق الذي يجب الاعتقاد والتسليم له، فإن القدم صفة من صفات الله تعالى الذاتية التي يجب الإيمان بها دون تحريف أو تعطيل، ودون تكييف أو تشبيه.
ثم ذكر حديث الاحتجاج بين الجنة والنار، وقوله: (قدمه) وأن الهاء تعود على الرب جل وعلا، وهو قول واحد عند أهل السنة والجماعة، والحديث صحيح صريح في إثبات صفة القدم لله ﷿.
وذكر بعد ذلك أثر ابن عباس وأثر أبي موسى الأشعري في إثبات أن الكرسي موضع القدمين لله ﷿؛ لأنه أمر غيبي له حكم الرفع، فلا يقال فيه من قبل الرأي ولا مجال للاجتهاد فيه، فيؤخذ منه إثبات قدمين لله ﷿، فنثبت ذلك لله تعالى، ونؤمن بأن الله جل ذكره: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١].
قال أحمد بن حنبل: أحاديث الصفات تمر كما جاءت.
أي: الأحاديث التي فيها إثبات صفة لله ﷿ تؤمن بها على حقيقتها، وتفوض كيفية هذه الصفة لله ﷿، مع كونك تعلم علمًا يقينيًا أن هذه الصفة ثابتة لله ﷿.
قال الإمام الثقة الجبل حماد بن سلمة البصري وكان من أشد الناس في زمانه على أهل البدع: من رأيتموه ينكر
[ ٢٤ / ٧ ]
الأسئلة
[ ٢٤ / ٨ ]
الثبات على عقيدة الفرقة الناجية
السؤال
نرجو إعلامنا بمشاهير التأويل الذين نقرأ لهم كـ القرطبي وابن الجوزي؟ وكذلك أي الجماعات الحالية التي هي على الساحة متأولة وذلك للحيطة؟
الجواب
على أية حال نحن بينا أن القرطبي كان متأولًا، وبينا أن ابن الجوزي كان متأولًا، فتارة ينافح عن مذهب السلف ويهجم على الخلف، وتارة يهجم على السلف، وتارة ينسب للسلف قولًا ليس من أقوالهم قط، لذلك الذهبي عليه رحمة الله قال في السير: وابن الجوزي لم تثبت قدمه على وتيرة واحدة، فكان أحيانًا ينصر مذهب السلف وأحيانًا ينصر الخلف، ولا يصح أيها الإخوة! أن عقل المرء وإيمانه يكون عبارة عن قص ولصق، فالجملة التي تعجبه من عند المعتزلة يأخذها ويعتقدها، والتي تعجبه من عند الجهمية يعتقدها، والتي تعجبه من عند الأشعرية يعتقدها، والتي تعجبه من عند الشيعة يعتقدها، يعني: عقيدته عبارة عن مجموع عقائد الفرق الضالة مع الفرقة الناجية وهي أهل السنة والجماعة، بل لابد للمرء أن تكون عقيدته لا تزيد ولا تنقص عن معتقد السلف رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
[ ٢٤ / ٩ ]
أخطاء سيد قطب ﵀ لا تعني بغضه وعدم الترحم عليه
السؤال
هل سيد قطب من المتأولة؟
الجواب
إذا أردنا الكلام عن الأديب البارع السيد قطب فلا شك أن هذا الرجل كانت له ظروف علمها من علمها وجهلها من جلها، فـ سيد قطب عليه رحمة الله ظهر في فترة كان الناس فيها هم للكفر أقرب منهم للإيمان، ولم يكن هذا العلم السلفي منتشرًا في ذلك الوقت، قضى سيد قطب معظم حياته في سجون عبد الناصر الهالك عليه من الله تعالى اللعنة، فلم يتأهل اعتقاديًا قبل أن يدخل السجن، كـ النووي عليه رحمة الله لم يتمكن من دراسة العقيدة، واكتفى بالنقول من المازري والقاضي عياض وكلاهما أشعري، ولكنه ينقل عنهما التأويل دون تقعيد وأحيانًا يقعد، وأحيانًا ينقل ويستحسن، واعتذر عنه بعض تلاميذه أنه لم يكن قد تمكن من دراسة علم الاعتقاد على يد مشايخ زمانه، فوقع فيما وقع فيه، فإن قيل: الإمام النووي هل هو أشعري جملة؟
الجواب
لا.
ليس كل من وقع في بدعة ينسب إليها، كما أنه ليس كل من وقع في الكفر يصير كافرًا، فأحيانًا يقع المسلم في قول كفري أو فعل كفري لكن لا يلزم من وقوع هذا الكفر الكفر، كما أن الرجل يقع في البدعة ولما يعلم بعد أنها بدعة.
يذكر أن رجلًا من المحدثين عمل بحديث ضعيف عشرين عامًا، فقال أحد تلامذته: إن هذا الحديث فيه فلان وفلان وهما ضعيفان، فوجد المحدث أن الطالب صادق فبكى.
قيل له: خير يا إمام! يعني: هون عليك.
قال: خير؟! والله ما في عملنا منذ عشرين عامًا بهذا النص خير قط.
فلا يلزم من وقوع الرجل في بدعة أنه مبتدع، كما لا يلزم من وقوعه في الكفر أنه كافر، بل ولا يلزم من إطلاق الكفر على الجماعة كفر كل معين فيها، فلو قلنا: إن بلدًا من البلدان كافرة، هل يلزم من هذا أن كل من بهذه البلد يكون كافرًا؟ فهاهي أمريكا بلد كفر، ومع ذلك نجد كثيرًا من إخواننا يعيشون في تلك البلاد، فلا يلزم من إطلاق الحكم العام بالكفر على مجموعة لزوم هذا الكفر على كل فرد من أفراد المجموعة، ولذلك لما نقول: لعنة الله على الظالمين، هل كل ظالم ملعون بعينه؟ الجواب: لا، فهناك ظلم لم يرد النص بلعن صاحبه في القرآن ولا في السنة، ومع هذا فهو ظلم، لكن لا يلزم منه إثبات اللعن في شخصه.
نرجع إلى كلامنا: سيد قطب عليه رحمة الله وقع في تأويل بعض الصفات، وهو كغيره من أهل العلم نحب فيه الصلاح والخير والطاعة وموافقة السنة.
أليس هذا منهج أهل السنة والجماعة؟ ونكره كل ما يخالف الحق ويخالف الكتاب والسنة.
وكوننا نكره ما يأتي من قبل عالم أو مجتهد في مسألة من المسائل خالف فيها الحق لا يعني ذلك بالضرورة أننا نبغضه هو، بل نحن نحب سيد قطب عليه رحمة الله، ونتولاه وندعو له بالرحمة، وندعو له بالخير، وندعو له بأن يبيض الله ﵎ وجهه مع وجوه المؤمنين يوم القيامة، وفي نفس الوقت نرد عليه ما خالف فيه الكتاب؛ لأن الكتاب أحب إلينا من سيد قطب وغيره، والسنة أحب إلينا من أنفسنا وليس من سيد قطب فحسب.
فالشيخ سيد قطب عليه رحمة الله خالف منهج السلف في كثير من الصفات كما هو في كتاب (الظلال) وغيره من كتبه.
فأغلب الظن أن سيد قطب لم يتأهل في هذا الباب، وليس في هذا عيب؛ لأن معظم حياة سيد قطب قضاها في السجون، وأنت تعجب إذا علمت أنه ألف (الظلال) وهو في السجن.
وأنت لو كلفت أن تحفظ جزء عم في السجن قد تعجز.
كان عبد الناصر وزبانيته من كلاب الأرض في ذلك الزمان يحبسون سيد قطب في داخل سجونهم وزنازينهم، ولو كنت مكانه لأيقنت أنك لن تستطيع أن تفسر لحظة واحدة تفسيرًا هادئًا، فكيف برجل يخرج هذا التفسير العظيم من بين جدران السجون؟ فإذا نظرت إلى خطئه في الاعتقاد فانظر إلى إصابته الحق في كثير من المسائل التي تكلم فيها في كتابه الظلال.
فالشاهد من هذا الكلام: أن السيد قطب له حسناته الكثيرة، وله أخطاؤه كذلك، فما أخطأ فيه نرده على سيد قطب وعلى غيره، وكذلك وجب علينا أن نقبل ما أصاب فيه ووافق الكتاب والسنة؛ لأن الحق ضالة المؤمن يلتمسه ويأخذه حيث وجده.
[ ٢٤ / ١٠ ]