أصحاب محمد ﷺ هم خير الناس بعد الأنبياء، وقرنهم هو خير القرون، وأدناهم صحبة أفضل من الذين لم يروه، ثم يليهم في الفضل التابعون الذين حملوا لواء الدفاع عن الكتاب والسنة، ووقفوا أمام البدع والشبهات، وعلى هذا سار من بعدهم من أئمة الدين وحفاظ الحديث، يثبتون لله ما أثبته لنفسه في كتابه وفي سنة رسوله ﵊، ويؤمنون بالغيب.
[ ١٢ / ١ ]
اعتقاد علي بن المديني
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله وعليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
ثم أما بعد: فلا زال الكلام موصولًا عن مجمل اعتقاد السلف رضي الله تعالى عنهم، وقد ذكرنا في اعتقادهم عدة مسائل، ووعدنا ألا نعيد هذه المسائل في عقيدة كل من نذكر، وسردنا عقيدة سفيان الثوري، والأوزاعي، وأحمد بن حنبل، وابن عيينة وغيرهم.
وهنا سنذكر عقيدة الإمام الكبير العلم الجبل إمام النقد علي بن عبد الله بن جعفر المديني، وهو من أئمة الجرح والتعديل العظام، بل هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو شيخ الإمام البخاري، وقرين أحمد بن حنبل.
[ ١٢ / ٢ ]
عقيدة علي بن المديني في الصحابة الكرام
سئل علي بن المديني عن عقيدته، فقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن بسطام: [سمعت سهل بن محمد قرأها على علي بن المديني -أي هذه العقيدة- فقال له: قلت: أعزك الله: السنة اللازمة التي من ترك منها خصلة لم يأخذها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها].
ثم ذكر أشياء كثيرة قد ذكرناها ولكنه زادها هنا إيضاحًا.
ومن هذه الخصال: الإيمان بأن النبي ﵊ سيشفع عند ربه يوم القيامة لعصاة هذه الأمة الذين استحقوا دخول النار، أو دخلوا النار بالفعل.
ثم ذكر بعد ذلك موقف هذه الأمة من الصحابة ﵃ من حيث تبجيلهم وتوقيرهم واحترامهم وحبهم، وبغض من أبغضهم، والذب عنهم بكل سبيل.
ثم قال: [وأفضل الناس بعد أصحاب رسول الله ﷺ القرن الذي بعث فيهم كلهم].
يعني: أصحاب النبي ﵊، فقد كانوا في القرن الذي بعث فيه النبي ﵊.
قد اختلف أهل العلم في معنى (القرن): هل هو مائة عام أو خمسون عامًا أو أقل من ذلك أو أكثر أو طبقة من الطبقات؟ ففي علم المصطلح: الطبقة هم قوم تقاربوا في السن وتشابهوا في الصفات.
يعني: لا يمكن أبدًا أن آتي برجل من كبار علماء الأمة وطالب علم، ثم أقول: إنهما من طبقة واحدة؛ لأن ذاك الرجل الكبير العالم أدرك من أهل العلم ما لم يدركه ذلك الصغير، وهذا الصغير لم يشترك مع ذاك الكبير في شيوخه، ولم يعاصر أحداث الدولة الإسلامية كما عاصرها الكبير، فلا يمكن أبدًا أن أضع ذلك الصغير مع هذا الكبير في مرتبة واحدة، ولا في منزلة واحدة، وإنما يصح هذا إذا كان أحدهما يبلغ من العمر ستين عامًا، والآخر سبعون عامًا، وهذا الأخير طلب العلم مع الأول، فكلاهما أدركا طبقة معينة من الشيوخ، وحينها أقول: إن هذين قد اجتمعا في طبقة واحدة.
فهنا قوله ﵊: (خير الناس قرني).
(القرن) إن كان الطبقة فلاشك أن أصغر الصحابة طبقة، والصحابة (١٢) طبقة وليسوا طبقة واحدة، فليس البدري كمن شهد أحدًا، وأصحاب البيعة يأتون بعد من شهد بدرًا، ويتقدمون على من شهد أحدًا.
ثم كبار الصحابة والذين لازموه ﷺ ليسوا كمن أتى من البادية فرآه مرة ثم انصرف، وليس هذا الذي أتى من البادية فسأل فسمع جواب مسألته فعقل عن النبي ﵊ ذلك فأخذه وانصرف، كمن ولد فجيء به إلى النبي ﵊، فهذا الطفل المولود حديثًا جيء به ونظر إلى النبي ﵊ فثبتت له بذلك الصحبة، حتى وإن كان أعمى العين لم يره، المهم أنه وضع في حجر النبي ﵊ ودعا له بخير وسماه، فلا يعد كبير الأعراب وصاحب البادية كذلك الطفل الرضيع الذي أتي به إلى النبي ﵊.
فالصحابة أنفسهم وإن اشتركوا في وصف الصحبة إلا أنهم يتفاوتون في المرتبة، ويتفاوتون في الطبقة، ولذلك قوله ﵊: (خير الناس قرني).
هذا القرن إن كان المقصود به مائة عام، فلا شك أن هذه المائة عام قد ولد فيها من التابعين الكثير.
وعند إطلاق هذا الكلام أنت تتصور أن هذا المقطع من الحديث المقصود به الصحابة على جهة الخصوص.
يعني: لا يشاركهم فيه غيرهم، وهذا خطأ، لأنه إذا كان المقصود من القرن مائة عام فلا شك في دخول بعض التابعين بل جل التابعين، فيكونوا ضمن أخير القرون.
وإن كان المقصود بالقرن الأول: الطبقة.
فإذًا يطلق هذا على طبقة الصحابة، ثم طبقة التابعين، ثم طبقة أتباع التابعين وإن كان كل واحد منهم يتفرق إلى طبقات متعددة، ولكنه كلام على سبيل الجملة دون التفصيل.
فقال النبي ﵊: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).
وفي رواية أنه قال: (ثم الذين يلونهم لا أدري أهي الثالثة أم الرابعة؟).
فقول علي بن المديني: [أفضل الناس بعد أصحاب رسول ﵊ القرن الذي بعث فيهم كلهم، من صحبه سنة أو شهرًا أو ساعة أو رآه أو وفد إليه فهو من أصحابه له من الصحبة على قدر ما صحبه، فأدناهم صحبة هو أفضل من الذين لم يروه، ولو لقوا الله ﷿ بجميع الأعمال].
يعني: أن أدنى صحابي رؤية وصحبة للنبي ﵊ هو من جهة الفضل والبر أولى من كل التابعين، حتى وإن لم يبق من أعمال الخير شيء إلا وقد أتوه، فإن الصحابي أفضل من ذلك كله.
فإذا كان الصحابي الواحد أفضل من بقية الأمة إن كان عاملًا بالبر والطاعة -وهو كذلك- فكيف بمن يتجرأ على أصحاب النبي ﵊ ويسبهم ويشتمهم ويلعنهم، بل ويكفرهم؟ لا شك أن الذي يفعل ذلك قد خرج بكليته عن الهدي والاستقامة والجادة، بل والملة.
والنبي ﵊ قد بين لهذه الأمة أنها مهما عملت من خير فإنها لن توفي حق الصحابة ﵃، فما بالكم بحق النبي ﵊؟ فقال ﷺ: (لو أنفق أحدكم مثل أحد
[ ١٢ / ٣ ]
عقيدة علي بن المديني في محبة أبي هريرة
ثم تكلم علي بن المديني عليه رحمة الله عن مسائل كثيرة قد تكلمنا عنها، ولكنه تكلم عن مسائل وفصل فيها تفصيلًا قال: [وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة ويدعو له، ويترحم عليه، فارجو خيره، واعلم أنه بريء من البدع].
ويكفي أن النبي ﵊ قال: (يا أبا هريرة! والله لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق).
انظروا إلى هذا الحديث! ففيه منقبةٌ عظيمة لـ أبي هريرة، فقد جعل النبي ﵊ محبته رمزًا وآية وعلامة على إيمان صاحب ذلك الحب، فإن أبا هريرة قد أبغضه الكثير، وتكلموا عليه قديمًا وحديثًا، وإنما حملهم على ذلك بغضهم وحقدهم على الإسلام وأهله.
أبو هريرة أعظم راوية في الإسلام، وهو الذي روى عن النبي ﵊ جملة مستكثرة بلغت الآلاف المؤلفة، حتى قيل: إننا لو رددنا أحاديث أبي هريرة كان لزامًا علينا أن نرد نصف الدين أو ثلثاه.
واحد من الصحابة ﵃ يروي نصف الدين، فهل يتصور أن يطعن أحد في هذا الراوي؟ لأن الطعن لا يتوقف عند حد الطعن في شخص أبي هريرة، ولكن المقصود منه فقدان الثقة بـ أبي هريرة، فإن فقدنا الثقة فيه فلابد أن نفقد الثقة في روايته، وبالتالي: من طعن في أبي هريرة لابد وأن يكون منافقًا بشهادة النبي ﵊.
ثم الغرض من الطعن في أبي هريرة: رد دين الله ﷿؛ لأنه لم يكن هناك عداوة شخصية بين الطاعن وبين أبي هريرة لأنه لم يره، ولم يعاصره ولم يجالسه، إنما أتى من بعده، وإنما الحقد على الدين، وهذا هو الذي حملهم على أن يطعنوا فيه بكل سبيل وطريق وحيلة، فما كان أمامهم إلا أن يطعنوا في أبي هريرة، وأنتم تعلمون أنه ما من ساقطة في الأرض إلا ولها لاقطة، فالذي طعن في أبي هريرة وجد له أنصارًا أخذوا عنه هذا الطعن، ومدرسة الاستشراق لما أتت إلى بلاد المسلمين وترجمت كتب العلم الشرعية علموا خطورة أبي هريرة، وعلموا أهمية أبي هريرة في دين الله ﷿؛ لكثرة رواياته، ولتفرده برواية أحكام هي من الثبات واليقين عند المسلمين بمكان، فأرادوا أن يزعزوا الثقة في أبي هريرة، وتبعهم على ذلك كثير ممن انتسبوا إلى العلم، وانتسبوا إلى الأزهر كصاحب الحسين وأبي رية وغيرهم من المعاصرين الذين تبعوا أجيال المستشرقين ونهجوا نهجهم، وساروا خلفهم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع حتى دخلوا في جحر الضب وفي بؤرة النفاق والفساد والشك في دين الله ﷿ تبعًا لأسيادهم ولعلمائهم ومشايخهم من أهل الكفر والإلحاد والزندقة.
فهنا قال: [وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة، ويدعو له، ويترحم عليه؛ فارجُ خيره، واعلم أنه بريء من البدع].
إذًا: لا يمكن أبدًا لمحب أبي هريرة أن يكون من أهل البدع.
[ ١٢ / ٤ ]
عقيدة علي بن المديني في حب عمر بن عبد العزيز
قال: [وإذا رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز ويذكر محاسنه وينشرها، فاعلم أن وراء ذلك خيرًا إن شاء الله].
وعمر بن عبد العزيز عليه رحمة الله بلغ من الفضل والعلم مبلغًا عظيمًا، وكان من جلة علماء المسلمين، ومن كبار المحدثين، ولكنه بعد أن تولى الولاية شغلته السلطة وشغله الحكم عن الحديث، وليس معنى ذلك أنه ترك الحديث وانصرف عنه كلية، وإنما كان يحدث ويتحرى الحديث، وينظر في أحوال الرجال بعد إمامته، ولكنه لم يكن بذاك القدر الذي كان عليه قبل الخلافة، فـ عمر بن عبد العزيز قبل أن يكون واليًا وسلطانًا كان من أهل العلم الثقات الأثبات، فهو جبل من جبال الحفظ، وتزهد بعد أن تولى الرئاسة، على عكس ما كانت عليه الدولة الأموية من الغنى والثراء، بل كانوا يحملون عمر بن عبد العزيز على الكبر ويدربونه كيف يكون متكبرًا.
وبعد أن تولى الخلافة تأسف على كل ذلك، وعاد إلى أصله الفطري، وقال سبحان الله: ما أسوأ قومًا يعلمون أبناءهم كيف يتكبرون! وعمر هو الذي حمل أهل بيته وحمل أولاده على أن يكونوا آخر الأمة تنعمًا ورفاهية، وما أظن أنهم ترفهوا قط.
مع أن الأمة الإسلامية اتسعت أكثر في عهد عمر بن عبد العزيز، ولكنه قام على حراسة هذه الدولة خير حراسة رغم انشغاله بالسلطة والخلافة، ولكنه ما تشاغل عن متابعة أطراف الدولة شرقًا وغربًا، فكانت تبلغه الأخبار كل يوم، وكان يأتيه البريد في كل ساعة؛ لشدة حرصه على أحوال رعيته؛ لأنه يعلم أنه مسئول عنها بين يدي الله ﷿ مسئول عن الدابة فكيف بالإنسان الذي صار دمه في هذا الزمان أرخص من دم الكلب؟!
[ ١٢ / ٥ ]
عقيدة علي بن المديني في محبة التابعين والتأسي بهم
قال: [وإذا رأيت الرجل يحب عمر بن عبد العزيز ويذكر محاسنه وينشرها فاعلم أن وراء ذلك خيرًا إن شاء الله.
وإذا رأيت الرجل يعتمد من أهل البصرة على أيوب السختياني، وعبد الله بن عون، ويونس، والتيمي ويحبهم ويكثر ذكرهم والاقتداء بهم فارجُ خيره].
لأن هؤلاء هم الذين نشروا السنة وحثوا عليها وذبوا عنها في البصرة.
قال: [ثم من بعد هؤلاء حماد بن سلمة ومعاذ بن معاذ، ووهب بن جرير، فإن هؤلاء محنة أهل البدع].
يعني: أهل البدع في بلاء وشدة وكرب بسبب هؤلاء الأحياء، فإذا ماتوا فرحوا فرحة عظيمة، كما حدث عندما مات كثير من أهل العلم في الأزمنة المتأخرة، فقد ضربت طبول الفرح في بلاد الكفر شرقًا وغربًا لقتلهم والتمثيل بهم والتنكيل بهم في بلاد المسلمين هنا وهناك؛ لأن هؤلاء غصة في حلوق الكافرين في الداخل والخارج، فلما ماتوا ولما حبسوا، وشردت أسرهم كان في ذلك قرة عين الكافرين، وهذه سنة الله ﵎ في أهل التوحيد منذ خلق الله تبارك تعالى آدم ﵊.
قال: [وإذا رأيت رجلًا من أهل الكوفة يعتمد على طلحة بن مطرف، وابن أبجر وابن حيان التيمي، ومالك بن مغول، وسفيان بن سعيد الثوري، وزائدة بن قدامة فارجه].
يعني: فارج خيره، واعلم أنه على خير عظيم؛ لأن هؤلاء هم أهل السنة.
قال: [ومن بعدهم عبد الله بن إدريس، ومحمد بن عبيد، وابن أبي عتبة، والمحاربي فارج] أي: فارج خيره كذلك.
قال: [وإذا رأيت الرجل يحب أبا حنيفة ورأيه والنظر فيه، فلا تطمئن إليه وإلى من يذهب مذهبه ممن يغلو في أمره ويتخذه إمامًا].
الذي ينظر إلى هذا النص لأول وهلة ربما يفهم منه استحباب ذم أبي حنيفة، ولكن لابد أن تعلم أولًا أن علي بن المديني الذي نحن بصدد سرد عقيدته كانت بينه وبين أبي حنيفة مشاحنة ومباغضة؛ لأن علي بن المديني كان إمام مدرسة الأثر.
يعني: لا يلبس ثوبه إلا بدليل، ولا يخلعه إلا بدليل، بينما أبو حنيفة ﵀ كان يميل إلى الرأي كثيرًا، ويعمل عقله في النص.
يعني: يجتهد في مقابل النص، والاجتهاد نوعان: اجتهاد مع النص، واجتهاد في النص، وبينهما فرق كما بين السماء والأرض، فلا يحل لواحد أن يجتهد بخلاف دليل قد ورد في كتاب الله وفي سنة النبي ﵊، لا يحل لعالم أن يخالف دليلًا قد بلغه وصح عنده ولم يكن مؤولًا، وغير ذلك من أعذار أهل العلم في تخلفهم عن العمل بالدليل الذي بلغهم.
فهنا نقول: الدليل لا يمكن لأحد أن يخالفه.
أي: لا يحل له أن يخالفه إذا بلغ أو صح عنده.
ثم الاجتهاد في النص بمعنى: إعمال العقل في فهم النص على مراد الله إن كان آية، وعلى مراد رسول الله ﷺ إن كان حديثًا.
والاجتهاد مع النص.
أي: أن يأمرك النص بأمر وأنت تذهب إلى أمر آخر مع وجود الدليل وصراحته، فهذا اجتهاد غير سائغ، ولذلك أنتم تعلمون هذا القول المشهور: (لا قياس مع النص).
أو: (لا اجتهاد مع النص).
يعني: لا يحل لك أن تجتهد في مسألة النص فيها واضح، ولك أن تجتهد في فهم الدليل وفهم النص، فمثلًا: الحديث الفلاني أنا أسرد لك معناه والمراد منه على مراد النبي ﵊، وفهمًا ومسايرة لفهم أهل العلم من السلف لهذا الدليل.
بخلاف قولي: (أنا لا أرى هذا الدليل).
لأن هذا الدليل غير معقول.
يعني: فوق حد عقلي لذا أنا لا أتصوره، ولذلك أنا سأرد هذا الدليل وأقول في المسألة المطروحة برأيي.
فهذا الرأي وهذا الاجتهاد والإعمال العقلي مردود؛ لأنه اجتهاد مع النص، أما اجتهادك أنت في فهم النص فهو مقيد بفهم السلف، وهذا هو العقل الممدوح الذي مدحه الله ﵎ في كتابه، ومدحه الرسول ﷺ في سنته وحث الله ﵎ عليه.
[ ١٢ / ٦ ]
عقيدة علي بن المديني في الأخذ بالرأي
قال: [وإذا رأيت رجلًا يحب أبا حنيفة، ويحب رأيه وينظر فيه، فلا تطمئن إليه].
لأنه يميل أيضًا إلى إعمال الرأي في وجود النص، وأبو حنيفة ﵀ وقع في شيء من هذا، ولكن أبا حنيفة عليه رحمة الله لم يكن محدثًا بالقدر الكافي، ولم يبلغ في التحديث مبلغ أحمد، ولا مالك، ولا الشافعي، ولا الأوزاعي، ولا الثوري، ولا ابن المديني، ولا البخاري.
ولاشك أن البخاري متأخر عنه، ولكني ذكرته حتى أبين أن هؤلاء العلماء قد بلغوا مرتبة عظيمة في علم الأثر لم يبلغها أبو حنيفة، خاصة أن أبا حنيفة لم يرحل في طلب العلم، ولم يثبت له انتقال من الكوفة إلا إلى مكة والمدينة في موسم الحج.
وقيل: إنه رأى أنس بن مالك ولكنه لم يرو عنه.
ولا يعني ذلك أن أبا حنيفة رجل سوء، وينبغي طيه وإلقاؤه في الطرقات أو على المزابل؛ لأن بعض الناس إذا قرأ هذا يفهم ذلك، وهذا بلا شك خطأ، ولذلك أنا أحب عند ذكر أبي حنيفة أن ألفت الأنظار إلى قراءة رسالة في غاية الأهمية لشيخ الإسلام ابن تيمية اسمها: (رفع الملام عن الأئمة الأعلام).
[ ١٢ / ٧ ]
اعتقاد أبي ثور
يقول أبو الحسن إدريس بن عبد الكريم: [أرسل رجل من أهل خراسان إلى أبي ثور بكتاب يسأل عن الإيمان ما هو؟] تصور أن واحدًا يبعث من آخر الدنيا برسالة يسأل فيها إمامًا عن الإيمان ما هو؟ هذا يعني أن الأمر عظيم.
قال: [وهل هو يزيد وينقص؟ وهل هو قول أو قول وعمل، أو قول وتصديق وعمل؟].
فأجابه بأجوبة عظيمة جدًا قد ذكرناها في عقائد من تقدموا، فلا داعي لنذكرها، ولكنه على سبيل الاختصار قال: [فأجابه: إنه التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، وعمل الجوارح.
وسأله عن القدرية من هم؟ فقال: إن القدرية من قال: إن الله لم يخلق أفاعيل العباد -يعني: أفعال العباد- وأن المعاصي لم يقدرها الله على العباد ولم يخلقها.
فهؤلاء قدرية لا يصلى خلفهم، ولا يعاد مريضهم، ولا يشهد جنائزهم، ويستتابون من هذه المقالة، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم.
قال: وسألت عن الصلاة خلف من يقول: القرآن مخلوق؟ فهذا كافر بقوله -أي: بقول الذي يقول لا يصلى خلفه- وذلك أن القرآن كلام الله جل ثناؤه، ولا اختلاف فيه بين أهل العلم.
ومن قال: كلام الله مخلوق فقد كفر وزعم أن الله ﷿ حدث فيه شيء لم يكن] يعني: خلق فيه شيء لم يكن.
قال: [وسألت: يخلد في النار أحد من أهل التوحيد؟ والذي عندنا أن نقول: لا يخلد موحد في النار].
هذا مجمل اعتقاد أبي ثور ﵀.
[ ١٢ / ٨ ]
اعتقاد الإمام البخاري
أما اعتقاد الإمام البخاري عليه رحمة الله فإنه كثير جدًا، ولذلك قال: [لقيت أكثر من ألف رجل من أهل العلم من أهل الحجاز ومكة والمدينة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد والشام ومضر، لقيتهم كرات قرنًا بعد قرن، ثم قرنًا بعد قرن]، وكرات يعني مرات أي: التقى بالواحد منهم مرات متعددة، وقد بلغ عدد شيوخ البخاري أكثر من ألف.
قال: [فلقيت بالشام] أي: فلان، ومضر فلان، ومكة فلان، والمدينة فلان وعدد أقوامًا.
ثم قال: [واكتفينا بتسمية هؤلاء كي يكون مختصرًا، وأن لا يطول ذلك، فما رأيت واحدًا منهم يختلف في هذه الأشياء: أن الدين قول وعمل].
فإذا نطق بالشهادتين ولم يعمل بمقتضى هاتين الشهادتين يكون في الغالب، أو في أرجح أقوال أهل العلم: كافرًا بهذه الكلمة.
[أن الدين قول وعمل، وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥]].
فبعد أن وحدوا الله ﵎أي: نطقوا بشهادة التوحيد- لابد وأن يأتوا بالأعمال، وذكر الله ﵎ من الأعمال عملان هما: الصلاة والزكاة لأهميتهما.
ولا يعني ذلك: أن من أراد أن يتخلف عن الحج أو يجحده فلا حرج عليه، بل إنما ذكر الله ﵎ أهم فرضين ليدل على الباقي.
قال: [وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ [الأعراف:٥٤].
قال أبو عبد الله محمد بن إسماعيل: قال ابن عيينة: فبين الله الخلق من الأمر]، يعني: فرق بين الخلق وبين الأمر.
[لقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:٥٤]].
قال: [وما رأيت فيهم أحدًا يتناول أصحاب محمد ﷺ].
يعني: ما رأيت أحدًا من هؤلاء العلماء الذين بلغوا ألفًا من أهل العلم ومن أئمة السلف يتعرض لأصحاب النبي ﵊.
[قالت عائشة: أمروا أن يستغفروا لهم، وذلك في قوله: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]].
أمروا أن يستغفروا لهم فسبوهم ولعنوهم، خاصة الخوارج والشيعة والمعتزلة فهم الذين نالوا من الصحابة كثيرًا.
قال: [وكانوا ينهون عن البدع]، أي: هؤلاء الألف.
والبدع [هي ما لم يكن عليه النبي ﵊ وأصحابه، لقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].
ولقوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور:٥٤].
ويحثون على ما كان عليه النبي ﵊ وأتباعه، لقول الله ﷿: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام:١٥٣].
وأن لا ننازع الأمر أهله -وأن لا ننازع أصحاب السلطان سلطانهم- لقول النبي ﵊: (ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم)].
أي: ذلك المسلم صاحب القلب الطيب النظيف النقي إذا اتصف بهذه الصفات.
وهي: [إخلاص العمل لله ﷿، وطاعة ولاة الأمر، ولزوم جماعتهم.
فإن دعوتهم تحيط من وراءهم].
الذي يتصف بهذه الصفات، لا يكون في قلبه غل ولا حسد ولا حقد على أحد من المسلمين.
قال: [ثم أكد ذلك في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩].
وأن لا يرى السيف على أمة محمد ﷺ].
يعني: أن لا يرى جواز الخروج بالسيف على أمة النبي ﵊، كما خرجت الخوارج ومن بعدهم خرجوا الشيعة.
قال: [وقال الفضيل: لو كانت لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في إمام؛ لأنه إذا صلح الإمام أمن البلاد والعباد.
قال ابن المبارك: يا معلم الخير من يجترئ على هذا غيرك!] يعني: من يفهم هذا الكلام غيرك؟!
[ ١٢ / ٩ ]
اعتقاد أبي زرعة وأبي حاتم الرازي
وأما عقيدة أبي زرعة الرازي، وأبي حاتم الرازي فقد ورد عن ابن أبي حاتم أنه قال: [سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؟].
وأبو حاتم، وأبو زرعة كانا كفرسي رهان، كاد الناظر في علمهما أن يقول: إنهما نسخة واحدة أو شخص واحد، ولكن أبا زرعة يزيد قليلًا في التوثيق والإمامة عن أبي حاتم، وكلاهما ثقة.
قال: [فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأنصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق، والقدر خيره وشره من الله ﷿، وخير هذه الأمة بعد نبيها ﵊: أبو بكر الصديق ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان ثم علي بن أبي طالب ﵈ وهم الخلفاء الراشدون المهديون.
وأن العشرة الذين سماهم رسول الله ﷺ وشهد لهم بالجنة على ما شهد به رسول الله ﷺ، وقوله الحق.
والترحم على جميع أصحاب محمد والكف عما شجر بينهم].
أي: حق وعقيدة.
قال: [وأن الله ﷿ على عرشه بائن من خلقه] ومعية الله تعالى لهم إنما هي معية سمع وبصر وإحاطة وعلم).
فالله ﵎ إذا كان معك فإن ذلك لا يتنافى قط مع العلو والفوقية، فإذا قرأت قول الله ﵎: ﴿أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٩٤]، ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد:٤]، فهذه المعية المذكورة في الآية إنما هي معية علم وسمع وبصر وإحاطة، فهذا لا يتنافى مع علو الله ﷿ وارتفاعه وفوقيته، كما قال النبي ﵊: (إن الله خلق السموات والأرض، وجعل بين كل سماء وأخرى مسيرة خمسمائة عام، وجعل فوق السماء السابعة بحرًا، وفوق البحر العرش، وفوق العرش الكرسي).
والله تعالى مستوٍ على الكرسي استواءً يليق بجلاله وعظمته.
واستواء الله ﵎ معلوم لدينا، فالاستواء في لغة العرب لا يعني الاستيلاء، وإنما يعني العلو والفوقية، فإذا قلت أنت: إن فلانًا استوى على سقف البيت، فهذا يعني أنه علا وارتفع على سقف البيت، ومع هذا أنت تقول: إن فلانًا معنا، كما أن القمر في السماء والشمس في السماء، ومع هذا فأنت تقول: الشمس معنا والقمر معنا باعتبار النظر إليه، فأنت لا تنظر إلى الله ﵎ في حياتك الدنيا، وإنما النظر هذا في الآخرة، والله ﵎ هو الذي يراك ويرى جميع خلقه، ولا يخفى عليه شيء من أمرهم أبدًا، فالغيب والشهادة شهادة لله ﷿.
قال: [وأن الله ﷿ على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله بلا كيف].
يعني كيف استوى؟ لا ندري.
فإذا كنت أنت لا تدري عن ذات الله ﵎ شيئًا، فأنت لا تدري عن كيفية ذات الله ﵎، فكيف يتسنى لك أن تعلم صفاتها، فإذا كنت لا تعلم كيف الذات، فمن باب أولى أن تخفى عليك الصفات، ولا يتصور ذات بلا صفات.
تصور أنك تقول: إن هذا كأس، ولكن لا صفة له.
فهذا لا يتصور؛ لأن هذا الكأس أولًا له اسم وهو الكأس، ومن صفاته أنه برتقالي، وأنه مستدير، وأن له يدًا يتحكم فيه من خلالها، فلا يتصور قط أن هناك ذات لا صفة لها، فإذا قلت: إن إبراهيم رجل كريم فكرم إبراهيم محدود، لأنه كرم بشري، وإبراهيم كريم في حدود طاقته واستطاعته.
ولذلك الكرم الذي وصف الله ﵎ به عباده كرم محدود، أما كرم المولى ﷿ فغير محدود وغير مكيف؛ لأن كرم الله تعالى يتناسب مع ذاته العلية، فإن الله ﵎ موصوف بكمال الكرم، فليس هناك كرم يضاهيه أو يوازيه، ولذلك نحن لا نخوض في كيفية معرفة صفة الله ﷿، وإنما نؤمن بها ونمرها كما أمرها السلف، وكما مروا عليها بلا تأويل ولا تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل بصفات المخلوقين؛ لأن ذات الخالق تختلف عن ذات المخلوق، فلابد أن صفات الخالق كذلك تختلف عن صفات المخلوق.
قال: [وأنه ﵎ يرى في الآخرة، يراه أهل الجنة بأبصارهم، ويسمعون كلامه كيف شاء وكما شاء].
يعني: أنت عندما تقرأ في أوصاف الجنة تجد أنها من أعظم النعم، وأعظم ما فيها على الإطلاق: النظر إلى وجه الله ﷿ في يوم المزيد الذي هو يوم الجمعة، يتجلى ربنا ﵎ لخلقه فيرونه.
فتقول: أنا أريد أتصور كيف يتجلى ربنا؟ وما هذه الحجب التي إذا كشفها الله ﷿ رأيناه؟ وتدور بمخيلتك لتصل إلى صورة مرضية ومقنعة لك.
أنت غير مطالب بهذا، بل أنت منهي عن هذا؛ لأنك مهما تصورت فإن الحقيقة أعظم من ذلك، وهو نعيم ليس بعده نعيم.
إذا كان الله ﵎ والنبي ﵊ قد بينا أن في الجنة نعيم من ثمارها وطيبها ورائحتها ما لا يمكن أبدًا لعين أن تكون قد رأ
[ ١٢ / ١٠ ]