لقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على أن الصراط حق يمر عليه المؤمنون والكافرون، وهو مضروب على متن جهنم، وعلى أن رؤية الله تعالى يوم القيامة حق، كما أثبتت الأدلة أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، والجنة رحمة الله يرحم بها من يشاء، والنار عذابه يعذب بها من يشاء، فيجب الإيمان بذلك، ومن اعتقد خلافه فهو على شفا هلكة والعياذ بالله.
[ ٦٠ / ١ ]
ما روي في أن الإيمان بالصراط واجب
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما روي في أن الإيمان بالصراط واجب].
ذكرنا من قبل: أن بعض علماء الأزهر للأسف الشديد قال: الصراط شيء معنوي لا حقيقة له، وإنما خوف الله ﷿ بذكره عباده حتى يستقيموا على الطاعة.
وهذا كلام في غاية الفساد، فالصراط حق والإيمان به واجب، والصراط كما ذكر سلفنا ﵃ من أمور الغيب التي لا يمكن أن يقع لآحاد الناس الإخبار بها إلا الصادق المصدوق.
فنقول: إن هذه النصوص التي وردت عن سلفنا ﵃ وإن كانت موقوفة إلا أن لها حكم الرفع، لأن هذا من أمور الغيب التي لا يعلم خبرها إلا الله ﷿ وأخبر بذلك أنبياءه ورسله.
[ ٦٠ / ٢ ]
شرح حديث: (يضرب الصراط بين ظهري جهنم)
قال: [عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يضرب الصراط بين ظهري جهنم -أي: ينصب ويقام- فأكون أنا وأمتي في أول من يجوز -أي: من يتعداه ويعبره- ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعاؤهم يومئذ: اللهم سلم سلم -أي: دعاء الرسل من الوجل والخوف والشفقة على أممهم أنهم يقولون: اللهم سلم سلم- وفي جهنم كلاليب - والكلاليب: هي كالخطاطيف، أي: كالعصا المعكوفة إما من خشب أو حديد- كشوك السعدان.
قال رسول الله ﷺ: هل رأيتم شوك السعدان؟ -والسعدان ينبت في بلاد نجد، وشوكة السعدان معكوفة من أعلاها- قالوا: نعم.
قال: فإنه مثل شوك السعدان، غير أنه ما يدري ما قدر عظمها إلا الله تعالى، تخطف الناس بأعمالهم)].
إذًا: وقوع الناس في جهنم وهم يعبرون الصراط على قدر أعمالهم تخطفهم هذه الكلاليب، والحديث في الصحيحين.
[ ٦٠ / ٣ ]
شرح حديث أبي سعيد في رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة، وإثبات ضرب الصراط على متن جهنم
قال: [وعن أبي سعيد الخدري -وهو سعد بن مالك بن سنان ﵁- قال: (قلنا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟)]؛ لأنهم يوقنون أنهم لا يرونه في حياتهم الدنيا لا يقظة ولا منامًا، ولم ير الله ﵎ منامًا إلا نبينا ﵊، وأنتم تعلمون الحديث الطويل حديث أنس المعروف باختصام الملأ الأعلى، قال: (بينما أنا نائم إذ رأيت ربي في أحسن صورة) والحديث عند أحمد بسند طويل وقد شرحناه.
قال: [(قلنا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال ﵊: اعلموا أنكم لن تروا ربكم إلا أن تموتوا فتبعثوا)]، وهذا للتحذير من اتباع الدجال الذي إذا ظهر زعم أنه الله، أو أنه الرب.
قال: [(اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا فتبعثوا، فلما سألوه ﵊: هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: هل تضارون في رؤية الشمس بالظهيرة صحوًا ليس معها سحاب -أي: هل يحصل لكم ضير أو ضيم أو شك؟ - وهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قال: قلنا: لا يا رسول الله! قال: ما تضارون في رؤيته يوم القيامة إلا كما تضارون في رؤية أحدهما)]، أي: في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب.
النبي ﵊ لم يمثل الله تعالى بمخلوقاته الشمس والقمر، وإنما مثل الرؤية بالرؤية، فهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي، فكما أنكم ترون الشمس في رابعة النهار صحوًا ليس دونها سحاب لا تضامون ولا تشكون أن هذه هي الشمس؛ فإنكم سترون الله ﷿ يوم القيامة لا تشكون أن هذا هو الله ﷿، فهذا تشبيه للرؤية بالرؤية لا للمرئي بالمرئي.
قال: [(إذا كان يوم القيامة نادى مناد: لتلحق كل أمة بما كانت تعبد -أي: لتذهب كل أمة إلى معبودها فتكون تبعًا له- فلا يبقى أحد كان يعبد صنمًا ولا وثنًا ولا صورة إلا ذهبوا -أي: ذهبوا إلى متبوعيهم- فأخذوهم بأيديهم ثم يتساقطون في النار، ويبقى من كان يعبد الله وحده من بر وفاجر)]، أي: ما دام موحدًا، وبعضهم قال: الفاجر هو المنافق، فلما كان في مجموع المؤمنين في الدنيا فيكون في مجموعهم في الآخرة، لكنهم إذا كانوا في وسط الصراط ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويذهب عنهم نور المؤمنين فيكونون في ظلمة ثم يسقطون في جهنم.
قال: [(ويبقى من كان يعبد الله وحده من بر وفاجر وغبرات أهل الكتاب)]، أي: القلة من أهل الكتاب الذين آمنوا بموسى والذين آمنوا بعيسى قبل بعثة محمد ﵊؛ لأن من آمن بموسى ولم يؤمن بمحمد ﵊ فهو كافر، وكذلك من آمن بعيسى.
قال: [(ثم تعرض جهنم -أي: تنصب- كأنها سراب يحطم بعضها بعضًا، ثم يضرب الجسر -أي: الصراط- قلنا: يا رسول الله! وما الجسر؟ قال: دحض مزلة، له كلاليب وخطاطيف وحسك كشوك السعدان، فيمر المؤمنون كلمح البرق وكالطرف وكالريح وكالطير وكأجود الخيل والراكب -أي: المسرع- فناج مسلم -أي: هؤلاء المؤمنون في عبورهم على الجسر منهم من ينجو ويسلم من العذاب- ومخدوش مرسل -أي: مخدوش منهوش في بدنه بكلاليب السعدان، ولكنه في نهاية أمره يعبر هذا الجسر- ومنهم المكدوس أو المكردس في نار جهنم، فوالذي نفسي بيده! ما أحد بأشد مناشدة في الحق من المؤمنين إخوانهم)]، يعني: حينئذ تكون شفاعة المؤمنين في إخوانهم الذين سقطوا في النار من الموحدين.
والشاهد من هذا الحديث: (ثم يضرب الجسر) والجسر هو الصراط، وهذا فيه إثبات أن الصراط أو الجسر شيء حقيقي لا معنوي، ولا أنه من آيات الله التي يخوف بها عباده.
[ ٦٠ / ٤ ]
شرح حديث أبي هريرة في إيقاف الموت على الصراط
قال: [وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (يؤتى بالموت فيوقف على الصراط)،فلا يوقف الموت على شيء معنوي لا حقيقة له.
قال: [(فيقال: يا أهل الجنة! فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه)]، أي: خائفون أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه؛ لأنه لا يأمن أحد مكر الله ﷿، مع أن العقيدة قد استقرت في قلوبهم أن من دخل الجنة لا يخرج منها أبدًا، بخلاف النار فإن من دخلها من الموحدين فلا بد ولا محالة أنه خارج منها يومًا ما.
قال: [(فيشار إلى الموت ويقال لأهل الجنة: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم ربنا، هو الموت -أي: نعم يا ربنا نعرفه، إنه الموت- فيؤمر به فيذبح على الصراط، ثم يقول للفريقين: خلودًا خلودًا)]، فهذا النداء وجه مرة لأهل الجنة ومرة لأهل النار.
ومعنى (خلودًا خلودًا) أي: فيها تخلدون فلا موت في النار ولا موت في الجنة.
والموت الذي يلحق الناس في النار إنما يعادون من بعده ليذوقوا العذاب.
وقال الإمام أحمد: نؤمن بالصراط والميزان والجنة والنار والحساب لا ندفع ذلك ولا نرتاب.
أي: ولا نشك فيه.
[ ٦٠ / ٥ ]
ما روي عن النبي ﷺ في صفة القيامة
وأما ما روي عن النبي ﷺ في صفة القيامة فعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: [(يقول الله ﷿ لآدم ﵇ يوم القيامة: يا آدم! قم ابعث من ذريتك بعثًا إلى النار، فيقول: يا رب! وما بعث النار؟ قال: فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فعند ذلك يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذب الله شديد.
قال: فشق ذلك على الناس، فقام رسول الله ﷺ ثم خرج، ثم رجع، فقال: أبشروا؛ فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا ومنكم واحد)]، ويأجوج ومأجوج هم من ولد يافث بن نوح.
وقيل: هم جيل من الترك.
ولعل هذه الآراء مقبولة، ولكن الذي ليس مقبولًا هو الرأي القائل بأن بعث النار هم من أثر احتلام لآدم ﵇ خالط منيه التراب فنبتت الذرية من هذا الخليط بين المني وبين التراب.
وهذا كلام بعيد جدًا، خاصة أن هؤلاء لا يسمون ولا حتى في اللغة أبناء، والحديث يقول: (يا آدم! قم فابعث من ذريتك بعثًا إلى النار) وهؤلاء لا يمكن أن يصدق عليهم أنهم ذرية.
قال: [(والله إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، قال: فكبروا وحمدوا -أي: فرح الصحابة بذلك- ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة، قال: فكبروا وحمدوا.
ثم قال: إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة، فكبروا وحمدوا الله، قال: ما أنتم في الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود)]، يعني: ما أنتم في الأمم قبلكم إلا شيئًا يسيرًا نزرًا، كأنه يبشرهم أنهم أكثر أهل الجنة، كما ثبت أيضًا في الصحيح أن النبي ﵊ قال: (إن أهل الجنة مائة وعشرون صفًا، أنتم منهم ثمانون) أي: أن هذه الأمة المحمدية ثلث أهل الجنة.
قال: [وقال ابن عمر: (قال النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] قال: يقومون في رشحهم -أي: في عرقهم- إلى أنصاف آذانهم)]، والحديث في الصحيحين.
قال: [وقال المقداد صاحب النبي ﷺ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد قدر ميل.
قال الراوي: لا أدري هذا الميل أهو ميل الأرض -يعني: المساحة المعروفة بالميل- أو أنه ذاك المرود الذي تكتحل به المرأة؟)]، فالعرب تسميه ميلًا، فتصور أن الشمس تدنو من رأسك قدر ميل، ولنعتبره على أحسن الأقوال ميل مساحة الأرض، وانظر إلى هذه الملايين من الأميال بين الشمس وبين رءوس العباد ومع هذا إذا اقتربنا من خط الاستواء قتل الناس حرًا وزهقًا من شدة الحر، فما بالك والشمس فوق رأسك مباشرة؟ نسأل الله السلامة والعافية.
قال: [(فتصهرهم الشمس -يعني: تذيبهم أو تكاد- فيكون العرق على قدر أعمالهم، منهم من يأخذه إلى عقبه، ومنهم من يأخذه إلى ركبته، ومنهم من يأخذه إلى حقوه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا)].
بعض الملاحدة لا يعجبه هذا الحديث، ويقول: الناس في موقف واحد ومحشر واحد وأرض واحدة فكيف يختلفون في عرقهم على قدر أعمالهم مع أن الماء سيال؟ والرد عليه: أن الله تعالى على كل شيء قدير، كما أن الله تعالى قادر على أن يبعث هذا الملحد ويلجمه إلجامًا، أو يلقيه في النار ولا يبالي، فكما أننا نؤمن بهذا نؤمن بذاك، وليس هذا ببعيد، فإننا نعتقد أن القبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مع أن القبر الواحد يدفن فيه البر والفاجر، الصالح والطالح، ومثال ذلك في حياة الناس: الرجل مع امرأته ينامان في موضع واحد وفي سرير واحد، فهذا يرى رؤيا طيبة وذاك يحلم حلمًا سيئًا مفجعًا، فهذا يعذب بما رأى في حلمه، وذاك ينعم بما رأى في رؤياه، وكلاهما في موطن واحد.
والنبي ﵊ كان ينزل عليه الوحي في الليلة الباردة حتى يتصبب عرقًا وبجواره أصحابه لا يشعرون بشيء من ذلك، لا يشعرون بآلام الوحي وشدته التي كانت تنزل على النبي ﵊ وهو معهم في موطن واحد، فإذا كان هذا في حياة الناس فكيف لا نؤمن به في يوم القيامة؟ فالله تعالى على كل شيء قدير.
قال: [وقال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﵊: (لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)]، أي: التي نطحتها.
[ ٦٠ / ٦ ]
ما روي عن النبي في أن الجنة والنار مخلوقتان الآن
قال: [باب ما روي عن النبي ﷺ في أن الجنة والنار مخلوقتان الآن]، وهما موجودتان مخلوقتان لا تفنيان ولا تبيدان، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة لا خلاف في ذلك، خلافًا لما ذهبت إليه المعتزلة والجهمية وبعض المرجئة، من أن الجنة والنار غير مخلوقتين الآن.
والأدلة متظاهرة متضافرة على أنهما مخلوقتان الآن، وقد دخل النبي ﵊ الجنة فرأى فيها بعض النعيم، كما أنه اطلع على النار ورأى فيها بعض أهلها.
أما مكان وجود الجنة والنار فقد كثرت فيه الأقوال، وأعظم الأقوال هو الإيمان به والسكوت وعدم الخوض.
ومنهم من يقول: هي في الأرضين السبع، ومنهم من يقول: هي مكة وما حولها، ومنهم من يقول: بل هي في السماوات.
وهذه أقوال تحتاج إلى أدلة خاصة وأن هذا من أمور الغيب، وليس عندنا نص صريح في أن بقعة من الأرض هي من بقاع الجنة إلا ما بين بيت النبي ﵊ ومنبره؛ لحديث: (ما بين منبري وبيتي روضة من رياض الجنة).
[ ٦٠ / ٧ ]
شرح الأحاديث في إثبات وجود الجنة والنار الآن
قال: [وعن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل)]، يعني: لا يدخل الجنة من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وعيسى رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه إلا أن يعمل بمقتضى هذا الإيمان، وإلا كان لزامًا علينا أن نقول: إن إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل، وهذا مذهب المرجئة كما هو مذهب الجهمية من باب أولى؛ لأن المرجئة يقولون: الإيمان هو التصديق بالقول.
أما الجهمية فيقولون: الإيمان هو المعرفة القلبية بغير قول، وعلى مذهبهم ففرعون وإبليس مؤمنان، وإذا كان إبليس مؤمنًا عند الجهمية فما بالك بمن دونه؟ فليس عندهم أحد يكفر بالله إلا من أنكر الله تعالى بقلبه ولم يعرفه.
أما أهل السنة والجماعة فإن الإيمان عندهم قول باللسان وعمل بالقلب والجوارح، ومن الأعمال ما هو شرط في صحة الإيمان، وهو الإيمان الواجب كما سماه ابن تيمية كما في الجزء السابع من مجموع الفتاوى فقال: الإيمان الواجب المتعلق بالواجبات والحلال والحرام، ومنه الإيمان المستحب، وهذا الذي ينفى في كثير من النصوص، نحو: (لا يؤمن أحدكم)، (ليس منا)، (أنا بريء)، (غضب الله)، (لعن الله) وكل هذه النصوص ظاهرها تدل على ترك الملة، ولكن معنى هذه النصوص -إن لم يستحل صاحبها مع قيام الحجة عليه- أنه نفي الإيمان المستحب الذي هو الإيمان الكامل.
فالنفي في هذه النصوص كما في قوله ﵊: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)، والخوارج يحملون هذا النص على ظاهره وكذلك المعتزلة أن الزاني حين يزني كافر؛ لأن الأمر عندهم إيمان وكفر، وهذا الكلام قد شرحناه مرارًا.
قال عبادة بن الصامت ﵁: قال النبي ﵊: (من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأن عيسى رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) أي: أدخله من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء.
قال: [وعن ابن عباس قال: قال النبي ﵊: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فإذا أكثر أهلها النساء)]، عندما تسمع هذا الحديث وأنت فقير لا تملك ما تتبلغ به إلى درس العلم فإنك لا تحزن حينئذ، لو أنك أتيت على قدميك إلى هذه المجالس المباركة الطيبة التي تتنزل فيها الرحمات، وتنزل فيها السكينة، وتغشاكم الرحمة من كل جانب، وتحضرها الملائكة، إذا كنت فقيرًا لا تملك شيئًا وتعلم أن أكثر أهل الجنة الفقراء، وأن الفقراء يدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم أي: بخمسائة عام، فلن تحزن أبدًا.
قال: [وعن عمران بن حصين ﵁ قال: قال النبي ﵊: (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء)، والحديث في الصحيحين.
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (رأيت عمرو بن لحي بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب)]، والقصب: الأمعاء، أي: يجر أمعاءه في النار، وهو أول من أشار على أهل مكة بعبادة الأصنام، فهو السبب الأول في عبادة الأصنام في مكة.
قال: [وعن ابن عمر قال: قال النبي ﵊: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي)].
فقوله: إذا مات، أي: سواء دخل القبر أو لم يدخله.
(إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده من الجنة والنار) ومن قبل ذكرنا حديث: (ما من آدمي مؤمن أو كافر إلا جعل الله تعالى له مقعدًا في الجنة ومقعدًا في النار، فيفتح له أولًا باب في قبره إلى مقعده من النار، فإذا فزع قيل له: هذا مقعدك من النار لولا أنك آمنت بالله ورسوله، ثم يفتح له باب إلى الجنة ويفرش قبره بفرش من فرش الجنة) كما في حديث البراء ﵁.
قال: (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي) الغداة أي: الصبح.
والعشي أي: المساء.
قال: [(إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، حتى يبعثه الله يوم القيامة، يقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة).
وعن ابن عمر أيضًا قال: قال النبي ﵊: (إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي)]، وهذا فيه إثبات عذاب القبر ونعيمه.
قال: [(إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة)،
[ ٦٠ / ٨ ]
شرح الأحاديث في وصف الجنة والنار واختصامهما إلى ربهما
قال: [وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (اختصمت الجنة والنار -أي: تحاجت الجنة والنار- فقالت النار: يدخلني الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: يدخلني ضعفاء الناس وسقاطهم، فقال الله ﷿ للنار: أنتِ عذابي أصيب بكِ من أشاء، وقال للجنة: أنتِ رحمتي أصيب بكِ من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها -يعني: علي أن أملأ كل واحدة منكما- فإذا كان يوم القيامة لم يظلم الله ﷿ أحدًا من خلقه شيئًا، ويلقي في النار فتقول: هل من مزيد، حتى يضع الله ﷿ قدمه فهناك تملأ وينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط)] أي: كفى، كفى.
وفي هذا إثبات أن لله ﵎ قدمًا، وقد بينا قبل ذلك إثبات الساق لله ﷿، وأن الساق أو القدم لله ﷿ ثابتة حقيقة بغير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه، فهي ثابتة لله ﷿ كصفة من صفات ذاته، ولا تنفك عنه على المعنى اللائق بالله ﷿، ليست كأقدام المخلوقين ولا كسوق المخلوقين.
قال: [وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال النبي ﵊: (احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم.
قال: فقضى بينهما، إنكِ الجنة رحمتي أرحم بكِ من أشاء، وإنكِ النار عذابي أعذب بكِ من أشاء، ولكليكما علي ملؤها).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﵊: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا رب! أكل بعضي بعضًا، فأذن لها بنفسين: نفس في الشتاء ونفس في الصيف، وهو أشد ما تجدون من الزمهرير)]، يعني: إذا رأينا حرًا شديدًا جدًا لا يطاق فلنعرف أن هذا هو نفس النار في الصيف، وإذا رأينا بردًا شديدًا لا يكاد يحتمل فلنعلم أن هذا هو النفس الثاني للنار في الشتاء.
قال: [وعن أبي ذر ﵁ قال: قال النبي ﷺ: (أبردوا بالصلاة -أي: انتظروا بصلاة الظهر حتى يبرد الجو- فإن شدة الحر من فيح جهنم)] أمر النبي ﵊ بالإبراد بالصلاة في شدة الحر؛ لأن شدة الحر من فيح جهنم، فلا يخرج أحدنا للصلاة فيصيبه لفح فيح جهنم ونارها وحرها وسمومها، فمن رحمة الله ﷿ ومن إشفاق النبي ﵊ بهذه الأمة أن أذن لنا في الإبراد.
وفي كتاب الطب النبوي: (الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء).
قال: [وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (إن شدة الحر من فيح جهنم، فأبردوها بالماء)].
والشاهد من هذه الأحاديث كلها: إثبات أن الله تعالى خلق الجنة والنار، وأنهما موجودتان الآن، فقوله ﵊: (إن شدة الحر من فيح جهنم فأبردوها بالماء) لا يمكن أن يكون هذا الحر الشديد من فيح جهنم وهي لم تخلق بعد.
[ ٦٠ / ٩ ]
شرح حديث كسوف الشمس على عهد رسول الله ﷺ وبيان دلالته على أن الجنة والنار مخلوقتان
قال: [وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (كسفت الشمس على عهد النبي ﵊، فصلى رسول الله ﷺ والناس معه، فقام قيامًا طويلًا فقرأ نحوًا من سورة البقرة، ثم ركع ركوعًا طويلًا ثم رفع، فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول يقرأ فيه أيضًا، ثم ركع ركوعًا طويلًا دون الركوع الأول، ثم سجد)]، أي: أن الركعة الأولى من صلاة كسوف الشمس عبارة عن قيامين وركوعين، وهي ركعتان، كل ركعة بقيامين يقرأ فيهما الفاتحة وما تيسر له من القرآن، والتطويل مستحب، ثم يركع ثم يقوم فيفعل في القيام الثاني كما فعل في القيام الأول أو أقل قليلًا، يقرأ بعد الفاتحة أربع مرات، وتكون القراءة جهرًا، لأن صلاة الكسوف تؤدى نهارًا.
قال: [(ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعًا طويلًا -يعني الركعة الثانية- ثم سجد، ثم انصرف وقد تجلت الشمس -يعني: ذهب كسوفها- ثم سألهم النبي ﵊: ماذا تعدون هذا فيكم؟ -أي: ماذا تعدون كسوف الشمس في الجاهلية؟ - قالوا: يا رسول الله! لا يكون ذلك إلا لموت عظيم أو ميلاد عظيم -أي: الشمس لا تنكسف والقمر لا ينخسف إلا لميلاد عظيم أو لوفاة عظيم، وكانوا يتطيرون بذلك في الجاهلية- فقال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله.
قالوا: يا رسول الله! رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك تكعكعت -أي: رجعت- قال: إني رأيت الجنة -أي: المخلوقة- أو أريت الجنة فتناولت منها عنقودًا، لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، وأريت النار، فلم أر كاليوم منظرًا قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء.
قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: يكفرن.
قيل: يكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير)] يعني: تكفر المرأة عشرة زوجها، وقد بين النبي ﵊ كيفية هذا الكفر فقال: (يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا -أي: ولو يسيرًا- لقالت: ما رأيت منك خيرًا قط) فهذا هو كفران العشير، وهو كبيرة من الكبائر، لا يخلد صاحبه في النار، وصاحب الكبيرة لا يكفر إلا عند الخوارج، وهو عند المعتزلة في منزلة بين المنزلتين، أما عند أهل السنة والجماعة فإنه إن أقيم عليه الحد فالحد يدرأ عنه العذاب في الآخرة، والحدود كفارات لأهلها.
وإذا تاب إلى الله ﷿ من ذلك حتى قبل قيام الحد فالتوبة كفارة لأصحابها، وإذا مات مصرًا على كبيرته فهو في مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.
فهذه هي التي تكفر الإحسان، وما أكثرهن في هذا الباب وهذا الضرب! قال: [وعن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: أتيت عائشة حين خسفت الشمس فإذا الناس قيامًا يصلون، فإذا هي قائمة -أي: تصلي- فقلت: ما للناس؟].
أسماء تسأل عائشة ﵂ وهي في داخل الصلاة، تقول: لماذا يصلي الناس؟ لأن هذه صلاة ليست في العادة، لأن أسماء دخلت في غير وقت صلاة الفرض فرأت الناس يصلون، وأيضًا لأنها صلاة نهارية جهرية، فسألت عائشة تقول لها: ما للناس؟ ماذا يعمل الناس؟ وهذا كما حدث من معاوية بن الحكم السلمي ﵁، حين كان الكلام في داخل الصلاة في أول الأمر مباحًا، لما جاء من السفر ونظر إلى الناس سأل من بجواره، قال: (فضرب الناس أفخاذهم بأيديهم كأنهم يصمتونني).
وفي الرواية الأخرى أنه عطس فحمد الله، قال: (فنظر الناس إلي أو رماني الناس بأبصارهم، فقلت: ما لكم؟ كأنهم يسكتونني فسكت، فلما فرغت من الصلاة دعاني النبي ﵊ وقال: يا معاوية! إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس -يعني: الكلام الذي ليس في مصلحة الصلاة- إنما هي لذكر الله ولقراءة القرآن).
قالت أسماء: [(أتيت عائشة حين خسفت الشمس فإذا الناس قيامًا يصلون فإذا هي قائمة، فقلت: ما للناس؟ فأشارت بيدها إلى السماء، وقالت: سبحان الله)] يعني: انظري للشمس وستعرفين السبب.
وقول عائشة ﵂: سبحان الله، هذا نوع من أنواع الذكر.
قالت: (فقلت: آية؟) أسماء لا تزال تجادل عائشة، وعائشة تستجيب لها، مرة تشير بيدها ومرة تسبح الله.
قالت: [(فقلت: آية؟ فأشارت إلي أن نعم -أي: آية من آيات الله- قالت: فقمت حتى تجلاني الغشي -أي: فقمت حتى علاني الإرهاق الشديد حتى كاد يغشى علي من طول ما قام النبي ﵊- فجعلت أصب فوق رأسي الماء -أي: وهي في الصلاة- فحمد الله رسول الله ﷺ وأثنى عليه ثم قال: ما من شيء كنت لم أره إلا قد رأيته في مقامي هذا حتى الجنة والنار)]، وهذا الشاهد، أنه ﵊ رأى ال
[ ٦٠ / ١٠ ]
ما روي في أن الرحمة مخلوقة وكذلك الموت والحياة
سياق ما روي عن النبي ﷺ في أن الرحمة التي يتراحم بها الخلق فيما بينهم وإن كانت شيئًا معنويًا إلا أنها مخلوقة، والموت كذلك شيء معنوي وهو مخلوق، والحياة شيء معنوي وهي مخلوقة، فالله ﵎ خلق الأعراض والأجسام وخلق المعنويات وخلق كل شيء.
قال: [قال أبو هريرة ﵁: سمعت النبي ﷺ يقول: (جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه)]، هذا الحديث هو من أعظم أحاديث الرجاء، والتي تدل على سعة رحمة رب العالمين ﵎، وأنه اختزن تسعًا وتسعين رحمة يرحم بها الخلائق في عرصات القيامة، فإذا كانت هذه الرحمات التي يراها المرء على هذه البسيطة من جراء رحمة واحدة من رحمة الله ﷿ فما بالك بتسع وتسعين رحمة؟! وقد ذكرنا من قبل في الموازنة بين الخوف والرجاء: أن الخوف والرجاء هما بمثابة جناحي الطائر، ولا يمكن لأحد أن ينجو قط بين يدي الله ﷿ يوم القيامة إلا إذا حقق الخوف والرجاء، ولا بأس في حال الصحة أن يغلب شيئًا يسيرًا من الخوف ليدفعه إلى العمل الصالح، وإذا كان في مرض أو كبر سن أو غير ذلك فليغلب جانب الرجاء حتى لا يقنط من رحمة ربه، وأن يحسن الظن بربه قبل أن يغادر هذه الحياة، قال النبي ﵊: (قال الله ﷿: أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء).
وفي رواية: (فلا يظن بي إلا خيرًا).
وقال ﵊: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله).
وهذا لا يكون إلا بتغليب جانب الرجاء على جانب الخوف، فإذا قرأت آية في الخوف فاقرأ مقابلًا لها في الرجاء، والعكس بالعكس.
وكذلك أحاديث الرجاء لا بد أن تضمها إلى أحاديث الخوف والعكس بالعكس، لأن الأمة -الآن- فرطت اتكالًا على رحمة الله ﷿، ولو أنها علمت عذاب الله كما علمه السلف ﵃ لقل كلامهم وكثر عملهم، ولكن الأمة فرطت فكثر كلامها وقل عملها، فهذا نهج مخالف لما كان عليه من سلفنا رضي الله ﵎ عنهم.
وبهذا الدرس ينتهي هذا المجلد وهو المجلد السادس من كتاب أصول الاعتقاد للإمام اللالكائي، وموعدنا إن شاء الله تعالى مع المجلد السابع.
[ ٦٠ / ١١ ]