معرفة الله ﷾ واجبة، إذ لا يتصور أن عابدًا لله ﷿ يعبده وهو لا يعرفه، ومعرفة الله ﷿ لا تثبت ابتداء إلا بالسمع لا بالعقل، والنبي ﷺ أعلم الناس بربه، ومع هذا لم يكلفه الله معرفته بعقله، وإنما خاطبه بالنقل والوحي ليعرفه به ﷾.
[ ١٤ / ١ ]
باب جماع توحيد الله ﷿ وأسمائه وصفاته
إن الحمد لله تعالى، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب جماع توحيد الله ﷿ وصفاته وأسمائه، وأنه حي قادر عالم سميع بصير متكلم مريد باقٍ].
باب له تعلق بذات الله ﷿ وأسمائه وصفاته، ووجوب معرفة الله ﷿.
[ ١٤ / ٢ ]
معرفة الله تعالى ثبتت بالسمع والنقل
معرفة الرسل والأنبياء واجبة كذلك، ومعرفة الله تعالى ومعرفة رسله تثبت بالسمع لا بالعقل، وهو الذي نسميه أحيانًا النقل، فالنقل والسمع والأثر والنصوص كلها بمعنى واحد.
فمعرفة الله ﷿ واجبة، ولا يتصور أن عابدًا لله ﷿ يعبده وهو لا يعرفه، ولا يتصور أن عبدًا يؤمن بالله وهو لا يعرفه، وكذلك لا يتصور أن عبدًا يؤمن برسول الله وهو لا يعرف رسول الله ﷺ، فمعرفة الله تعالى واجبة، وكذلك معرفة الرسول ﵊ واجبة، وذلك لا يثبت إلا بالسمع.
والمصطلح الذي اشتهر على ألسنة الناس: (أننا عرفنا ربنا بالعقل) وهذا يخالف ما كان عليه معتقد سلفنا ﵃ أجمعين من أن معرفة الله تعالى تثبت بالنقل لا بالعقل.
وهذه المسألة لها مدلول لدى العقلانيين والمعتزلة.
إن أهل السنة والجماعة يجري على ألسنة بعضهم أخطاء شائعة في الاعتقاد من حيث لا يدرون، فإذا سئل أحدهم: بماذا عرفنا الله؟ أجاب مباشرة بالعقل، وهذه إجابة خاطئة تمام الخطأ، فالله تعالى يعرف بالسمع لا بالعقل، أو بالنقل لا بالعقل، وكذلك النبي ﵊، وإذا كانت العبادة أو الشرع لا يعرفان إلا بالنقل فمشرع الشرع لا يعرف كذلك ومن باب أولى إلا بالنقل.
قال: [جماع توحيد الله ﷿ وصفاته وأسمائه، وأنه حي قادر عالم سميع بصير متكلم مريد باق.
وسياق ما يدل من كتاب الله ﷿ وما روي عن رسول الله ﷺ على أن وجوب معرفة الله تعالى وصفاته بالسمع لا بالعقل].
[ ١٤ / ٣ ]
الأدلة من القرآن على أن معرفة الله ثبتت بالسمع لا بالعقل
قال: [قال الله تعالى يخاطب نبيه ﷺ بلفظ خاص والمراد به العام]، يعني: إن هذا الخطاب وإن كان موجهًا إلى شخص النبي ﵊ إلا أن المراد به جميع الخلق.
قال: [﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد:١٩]].
أي: فاعلم يا محمد! أنت وجميع الخلق أنه لا إله إلا الله.
فهذه الآية تدل على توحيد الله ﷿، وأنه لا إله بحق إلا هو ﷾.
ولو كان يعرف ذلك بالعقل فإن أرجح العقول وأقواها وأهداها سبيلًا هو عقل نبينا محمد ﵊، وقد خاطبه الله ﷿ بهذا النقل، والأمر ابتداءً لا يعرف إلا من قبل النقل.
والعرب كانوا من أرجح الناس عقلًا وذكاءً وفطنة، وغير ذلك، ومع هذا كانوا يعبدون الأصنام، ويعبدون غير الله ﷿، وقالوا بعقولهم: ما نعبد هذه الآلهة إلا لتقربنا إلى الله زلفًا.
والذي هداهم إلى ذلك عقولهم الفاسدة التي كانت من الذكاء والحفظ والإتقان والتثبت بمكان، وربما لا تبلغ أعظم العقول في هذا الزمان أقل العقول في أيام الجاهلية من جهة الحفظ والإتقان، فقد كان الواحد منهم يحفظ القصيدة أو الألفية المكونة من ألف بيت أو ألفين من المرة الأولى، ومع هذا كان منحرفًا في جهة التوحيد وزائغًا ضالًا؛ لأنه ليس عنده نقل يثبت أن الله تعالى إله واحد.
وقد خاطب الله ﷿ نبيه بهذا الخطاب ليثبت له سمعًا ونقلًا ووحيًا أن الله تعالى هو المتفرد والمستحق للألوهية وحده، وأن هذه الآلهة التي تعبد من دون الله ﷿ إنما هي آلهة مزعومة.
قال: [وقال الله ﵎: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:١٠٦].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥]].
فهو المستحق للعبادة وحده دون سواه، وكان كل نبي يؤمر بهذا عند رسالته، ويكلف بتبليغ هذا الأمر إلى أمته، فأخبر الله نبيه في هذه الآية أنه بالسمع والوحي عرف الأنبياء من قبله التوحيد.
فالأنبياء أنفسهم لم يعرفوا التوحيد إلا من قبل الوحي، ولا شك أن النبي ﵊ كان قبل الرسالة على الحنيفية السمحاء.
وهذا التوحيد الذي جاء به النبي ﵊ بعد الرسالة وبعد التكليف لم يكن يعرفه ﵊ تفصيلًا قبل الوحي، فقد كان النبي ﵊ على الحنيفية السمحاء، والنبي ﵊ كان صاحب عبادة وتهجد واختلاء بالله ﷿ وذكر له، ولكن ليس بهذه المنهجية والتأصيل الذي أرسله الله ﷿ به، وإلا فما فائدة الوحي في حق النبي ﵊ حينئذ؟ قال: [فأخبر الله نبيه] أي: في هذه الآيات المتقدمة [أن بالسمع والوحي عرف الأنبياء قبله التوحيد.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي﴾ [سبأ:٥٠]-أي: قل يا محمد- ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ:٥٠]]، يعني: أن الهداية بوحي، والإيمان بوحي، والتوحيد بوحي، والوحي سمع ونقل، ولا دخل للعقل فيه؛ لأنه كلام الله تعالى، قال: ﴿وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ:٥٠].
[ ١٤ / ٤ ]
استدلال إبراهيم ﵇ على وحدانية الله بالسمع لا بالعقل
قال: [قد استدل إبراهيم بأفعاله سبحانه المحكمة المتقنة على وحدانيته].
يعني: إبراهيم ﵇ إمام الحنيفية السمحاء، وأبو الأنبياء لم يعرف ذلك بعقله، وإنما عرف توحيد الله بالنقل والسمع، فقد استدل بأفعال الله ﷿ المحكمة المتقنة على وحدانية.
قال: [بطلوع الشمس وغروبها، وظهور القمر وغيبته، وظهور الكواكب وأفولها، ثم قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧]].
لأنه كان كلما خرجت له آية يقول: هذا ربي.
ثم يرجع عن ذلك.
ثم في نهاية الأمر سلم لله ﷿ بأنه صاحب الهداية، وأن الهدية لا تأتي إلا من قبله، وأن الدلالة على توحيد الله لا يمكن أن تكون إلا بالنقل عن الله ﷿.
[قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام:٧٧].
فعلم أن الهداية وقعت بالسمع] لا بالعقل.
[ ١٤ / ٥ ]
بيان أن وجوب معرفة الرسل بالسمع لا بالعقل
قال: [وكذلك وجوب معرفة الرسل -ثبت- بالسمع]، يعني: إذا كان الله تعالى لا يعرف إلا بالسمع والنقل فكذلك رسل الله ﷿ لا يعرفون إلا بالسمع، ولذلك لما ادعى المدعون النبوة في زمن النبي ﵊ كان أتباعهم يعرفون أنهم كذبة؛ لأنه لا نقل ولا سمع ولا وحي ينزل عليهم، وكان أتباعهم متأكدين من ذلك وإن تابعوهم، ولكنهم كانوا في حقيقة أمرهم يعرفون أنه لا ينزل عليهم الوحي، وأنهم كذبة، فمعرفة الرسل لابد أن تكون بوحي من السماء.
قال: [قال الله ﵎: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨]].
وهذه الآية تدل على أن معرفة الرسول لا تكون إلا بوحي من السماء.
[ ١٤ / ٦ ]
بيان أن العذاب لا يكون إلا بعد الرسالة
قال: [وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء:١٥]]، أي: أن الله ﵎ لا يعاقب ولا يعاتب إلا بعد بلوغ دعوة الرسل إلى الناس أجمعين.
قال: [وقال ﵎: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]].
فالرسل هم الذين يقيمون حجة الله على الخلق، وهم الواسطة بيننا وبين الله ﷿، وهم المبلغون عن الله ﷿ وحيه ومراده، والذين ينقلون تكاليف الله ﷿ الشرعية إلى الخلق أجمعين.
والله تعالى لا يسأل الجاهل الذي جهل بعد أن بذل الوسع في التعلم وخفي عليه العلم، كما أنه لا يسأل الناسي ولا المجنون، ولا السفيه الذي قد عذره الله تعالى في كتابه وعذره نبيه في سنته.
وكذلك الله ﵎ ما أرسل رسله إلا ليفرغوا الوسع ويبذلوا الجهد في تعليم الخلق؛ حتى تنقطع حجتهم بين يدي الله ﷿ حتى لا تكون لهم حجة يوم القيامة.
قال: [وقال ﵎: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ * وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ [القصص:٤٤ - ٤٧]-يعني: يا رب! لو أنك أرسلت إلينا رسولًا ما وقعنا في هذه الجرائم- ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص:٤٧].
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [طه:١٣٣]-يعني: لو يأتينا بآية ومعجزة من ربه- ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى * وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ [طه:١٣٣ - ١٣٤]].
قال: [فدل] أي: هذه الآيات [على أن معرفة الله والرسل بالسمع كما أخبر الله ﷿، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة].
فمعرفة الله ومعرفة الرسل إنما تكون بالسمع والنقل لا بالعقل.
هذا بعض الأدلة من كتاب الله على قولنا.
[ ١٤ / ٧ ]
الأدلة من السنة على وجوب معرفة الله وصفاته بالسمع لا بالعقل
قال: [أما من السنة: حديث ضمام بن ثعلبة] ﵁ الذي أتى يسأل النبي ﵊ عما قد بلغه رسل رسول الله ﵊.
وفي حديث أنس قال: (نهينا أن نسأل النبي ﵊ عن شيء)، وهذا النهي هو المذكور في قول الله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة:١٠١].
فخافوا بعد نزول هذه الآية أن يسألوا النبي ﵊ خاصة في قوله ﵊: (لعن الله ﷿ من سأل عن مسألة فحرمت لأجل مسألته)، أو نحوًا من هذا الكلام وهذا المعنى، وكانوا يرغبون عن سؤال النبي ﵊، حتى قال أنس بن مالك: (نهينا أن نسأل النبي ﵊ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية).
وأهل البادية فيهم جلافة وغلظة، وقد كان الواحد منهم يدخل على النبي ﵊ كما يدخل على أقرانه وأصدقائه من أهل البادية بجلافة وغلظة وحماقة وبداوة وجفاء، فيسأل النبي ﵊ بطريقة غير لائقة.
وقول أنس: (فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل).
يعني: المهذب المحترم الذي تأدب بأدب أهل المدينة، لا بأدب البادية.
وقد قال النبي ﵊: (من بدا جفا).
يعني: من سكن البادية كان فيه من الجفاء والغلظة ما فيه، وقال تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة:٩٧].
يعني: فيهم غلظة وجلافة وشدة.
وأهل البادية لا يستريحون مع أهل الحضر، فأهل البادية ينظرون إلى أهل الحضر على أنهم قليلوا العيال فارغين لا ينفعون، وأهل الحضر ينظرون إليهم على أنهم في منتهى الغلظة والجفاء، وعقولهم غير متفتحة.
قال أنس: (كان يعجبنا أن يأتي الرجل العاقل من أهل البادية فيسأل النبي ﵊ ونحن نسمع).
وهذا فعل جيد أيضًا؛ لأن أنس لو أراد أن يتفاهم مع هذا الرجل لو سمع وحده فلن يعرف أن ما يأخذه منه حق أو باطل؛ لأنه ربما يستكثر أن يقول له: أنا أرى أن أعمل كيت وكيت، أو ينقله إليه بجلافة وغلظة، ثم إن لسان أهل البادية يختلف عن لسان الحضر.
وقد رأينا أناس في الشام من سكان الجبال كأنهم يتكلون اللغة اللاتينية، وحتى أهل الأردن وأهل سوريا وأهل لبنان لا يعرفون هذه اللهجة.
وأخبرنا أئمة المساجد الذين كلفوا من قبل أوقاف الشام في سوريا والأردن بالذهاب لإمامة الناس في هذه المساجد التي في البادية أنهم لم يجلسوا معهم أسبوعًا واحدًا، وأن البطل فيهم هو الذي جلس أسبوعًا، وكانوا يقولون لهم: نحن لا نفهمكم ولا أنتم تفهموننا، وهذه الكلمة فهمها بعد أسبوع، وكانوا يقولون لهم: اكتبوا ما تريدون منا ونحن نقرأ، فالتعامل صعب جدًا بين أهل البادية وأهل الحضر.
فقال أنس: (نهينا أن نسأل النبي ﵊ عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل العاقل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع).
قال: [عن أنس قال: كنا مع رسول الله ﷺ جلوسًا فجاء رجل على جمل له فأناخه ثم عقله -أي: فأناخه على باب المسجد، ثم ربطه بالعقال- ثم قال: أيكم محمد؟)] وهذا من الجفاء والغلظة.
[(قال: قلنا هذا الرجل الأبيض المتكئ ﵊)].
وهذا فيه وصف النبي ﵊ بالبياض وفيه: جواز الجلوس متكئًا، ولكن إن كان ذلك ولابد فعلى اليد اليمنى لا على اليسرى.
قال: [(ورسول الله ﷺ متكئ بين أظهر أصحابه، قال: فقال: يا محمد!)] ولم يقل: يا رسول الله، والله يقول: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور:٦٣].
يعني تأدبًا مع النبي ﵊، وأهل العلم لهم من الحرمة ما ليس لغيرهم، وحرمة النبي ﵊ أشد.
قال: [(قد جئتك يا ابن عبد المطلب! -وهذا أيضًا جفاء جديد- إني سائلك فمشدد مسألتي)].
يعني: أنا سأسألك أسئلة فيها غلظة وجفاء وحدة؛ لأن هذا طبعي، [(فلا تجد علي في نفسك)]، وهذا اعتذار لطيف في أول الكلام.
يعني: يقول للنبي ﵊: أنا جلف جاف، وسؤالي فيه غلظة وحدة، فلا تغضب مني، والوجد هو الحزن والغضب.
قال: [فقال له النبي ﵊: (سل عما بدا لك)].
وهذه ليست أخلاق المدينة، بل هي أخلاق النبوة ﵊.
قال: [(فقال: يا محمد! أتانا رسولك فزعم لنا)].
والزعم ليس بلازم أن يكون كذبًا، بل هو مجرد القول، وأحيانًا يكون الزعم والظن بمعنى الصدق في الحديث، وقوله: (أتانا
[ ١٤ / ٨ ]
شرح حديث عمر بن الخطاب في بيان مراتب الدين
وفي حديث عبد الله بن عمر قال: [حدثني عمر بن الخطاب قال: (بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه منا أحد)].
والمدينة بين جبلين، وبين لابتين، وهي منقطعة عن البلدان وعن العمران، فالذي يأتيها من غيرها لابد وأن يظهر عليه أثر السفر من الغبار والتراب واتساخ الملبس وتعفير الوجه وشعث الرأس، وغير ذلك، وهذا الرجل الذي دخل عليهم وطلع عليهم لم يكن فيه شيء من ذلك، بل كان رجلًا مرتبًا ومنظمًا ونظيف الملبس، وليس عليه تراب ولا شيء من هذا.
قال: (لا يعرفه منا أحد)، يعني: ليس من أهل المدينة.
[(ولا يرى عليه أثر السفر)].
وهذا عجب.
قال: [(حتى جلس إلى رسول الله ﵊ فأسند ركبتيه إلى ركبته -يعني: أسند ركبتي نفسه إلى ركبتي النبي ﵊- ووضع كفيه على فخذيه)].
أي: ووضع كفيه على فخذي نفسه، وليس على فخذي النبي ﵊؛ لأن هذا لا يتناسب مع أدب طلب العلم، فليس من الأدب أن تجلس إلى المعلم وتضع يديك على كتفه، أو على رجله، أو تأتيه من الخلف، فكل هذا من سوء الأدب مع المعلم والشيخ، وإنما من أراد أن يسأل مسألة فليأت من قبل وجه الشيخ، وليجلس إليه، ثم يسأله في أدب ووقار كما سأل هذا الرجل الذي جلس إلى النبي ﵊، فوضع ركبتيه إلى ركبتيه.
يعني: كان بحذاء النبي ﵊ مباشرة.
ولا يعني ذلك أنه لامس بركبتيه ركبة النبي ﵊، وإنما كانت بمحاذاة ركبة النبي ﵊ ومسندة إلى ركبته ﵊.
[(ثم قال له: يا محمد! أخبرني عن الإسلام؟ -يعني: عن أركان وشرائع الإسلام- فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا)].
وهذه الأركان الخمسة هي أركان الإسلام.
[(قال: صدقت، قال عمر -راوي الحديث- فعجبنا له وهو يسأله ويصدقه)]، يعني: أن هذا الرجل أمره غريب، ومن أول ما دخل وهو يشعر بالغرابة، فهو غريب في منظره وهيئته، وفي مجلسه نوع أدب شديد، وقد أعجب الصحابة منه حتى عمر، ولذلك نقل الهيئة والكيفية، ثم إنه يسأل وهو أيضًا مصدق، وهذا على خلاف عادة السائل، فالسائل يسأل من أجل أن يتعلم، وأما أن يسأل فإذا سمع الجواب قال: هذا حق، وقد صدقت، وهذا لا يكون إلا إذا كان السائل له علم سابق؛ لأنه من العيب أن تقول: أنت صادق أو محق؛ لأن من عادة السائل السؤال حتى يتعلم، ويأخذ الجواب وينصرف، لا أن يقول له: صدقت.
وفي المرة الأخرى يقول له: أخطأت.
وقد يسأل العالم بالجواب حتى تعم الفائدة، ودليل ذلك: هذا الحديث، كما أن النبي ﵊ كان يطرح على الناس المسألة لأجل أن يسمع جوابهم، كما قال النبي ﵊: (إن في الشجر شجرة مثلها كمثل المسلم ما هي؟ فوقع الناس في شجر المدينة)، ووقع في قلب عبد الله بن عمر أن المسلم شبيه بالنخلة، والنخلة تعطينا التمر، وبقية الأشجار شجر، والنبي ﵊ لم يقل: إن مثل المسلم كمثل النخلة؛ لأن النخلة ليس هناك غيرها، فلو قال: ما هي؟ لعرفوها، ولكنه عم عليهم المسألة فقال: إن مثل المسلم كمثل شجرة ما هي؟ فكلمة شجرة هذه جعلتهم يستبعدوا النخلة، فلما قال النبي ﵊: (إنها النخلة، قال عبد الله بن عمر لأبيه عمر بن الخطاب: لقد وقع في قلبي أنها النخلة، وما منعني إلا الحياء)، يعني: استحيا من مشايخ قريش وزعماء الأنصار، فحزن عمر حزنًا شديدًا وقال: لو قلتها لكانت أحب إلي من الدنيا وما فيها.
وهذا من فرحة الأب بذكاء ولده وبتفوقه، وربما ظل عمر ندمان عليه حتى مات.
فـ عبد الله بن عمر عرف ذلك وهو طفل صغير، وقد كان عقله راجحًا من أول الأمر.
[قال: (قال: صدقت، فعجبنا له وهو يسأله ويصدقه.
قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)]، فأركان الإيمان ستة، وأركان الإسلام خمسة.
(قال: صدقت، ثم قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه).
وهذا منتهى المراقبة لله ﷿.
(فإن لم تكن تراه فإنه يراك)، أي: فإنه سبحانه يراك حقيقة.
(قال: صدقت.
فأخبرني عن الساعة؟ قال: قال ما المسئول عنها بأعلم من السائل)، أي: أني مثلك في هذه القضية، فيوم القيامة لا يعرفه أحد؛ لأن هذا من الغيب الذي أستأثر الله تعالى به لنفسه، وأنا لا أستطيع أن أجيبك عن هذا السؤال.
(قال: فأخبرني عن أماراتها وأش
[ ١٤ / ٩ ]
معنى الإسلام وأهمية تعليمه
قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩].
فالإسلام هو الاستسلام والانقياد لله ﷿، فمن أتى بدين غير دين الإسلام فإن الله ﵎ يرده عليه في وجهه ولا يقبله منه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥].
وقد جاء رجل إلى النبي ﵊ وهو يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: (يا محمد! علمني الإسلام) أو قال: (ما الإسلام؟) في رواية البخاري، (فنزل النبي ﵊ من على المنبر، وطلب كرسي فجيء به، فجلس عليه في المسجد أو في صحن المسجد، وعلم الرجل الإسلام، ثم صعد المنبر فأتم الخطبة ﵊).
فإذا سألك أحد أن تعلمه الإسلام فدع ما في يدك مهما كانت أهميته، وعلم ذلك الرجل كيف يدخل في الإسلام، ولذلك ترك النبي ﵊ عملًا عظيمًا جدًا، وهو خطبة الجمعة لأجل هذا، كما قطعها لأجل طفلين صغيرين الحسن والحسين -فلما رآهما النبي ﵊ نزل من على المنبر وقطع الخطبة، وحمل الحسن والحسين وصعد بهما إلى المنبر، وتلا قول الله ﷿: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:٢٨].
[ ١٤ / ١٠ ]
شرح حديث: (الولد مجبنة مبخلة)
قال ﵊: (الولد مبخلة مجبنة مجهلة).
ومعنى مبخلة يعني: أنك تقول مثلًا عند داعي الصدقة: أولادي أولى، فأنا لن أتصدق لأني أريد أن أعمل مستقبل لأولادي، فتبقى معك الأموال، ثم تقصر فيما فرضه الله ﷿ عليك، وإذا نصحت بالذهاب إلى الحج مع الناس وتأدية فرض الله ﷿ قلت: لا، أريد أن أربي الولد والبنت.
وهذه الأشياء لن تنتهي، فلو أنه زوج العيال كلهم وسترهم بستر الله ﷿ فسيطمع بأن يكون لهم بيت، وإذا بنى لهم بيتًا ثم وقعت المشكلات فيما بينهم يقول: سأبني لكل واحد بيتًا.
فالقضية هذه لن تنتهي وليس لها نهاية.
وليس فرضًا عليك أنك تزوج أولادك، وتبني لهم البيوت قبل أن تؤدي فرض الله ﷿ الذي فرضه عليك فرض عين.
قال الحسن البصري: جاء أعرابي إلى عمر فقال: يا أمير المؤمنين! علمني الدين.
فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله -وهذا يعرف بالسمع لا بالعقل- وأن محمدًا رسول الله ﷺ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان.
قال: وعليك بالعلانية -أي: في كل ما يرضي الله ﷿- وإياك والسر -أي: وإياك وما يستحيا منه- كما قال النبي ﵊ (لما وجد رجلًا من الأنصار يعظ أخاه في الحياء).
يعني: يعاتب أخاه في الحياء ويقول له: إن حياءك شديد ويكاد أن يهلكك.
فقال النبي ﵊: (دعه فإن الحياء من الإيمان).
وفي رواية: (فإن الحياء لا يأتي إلا بخير).
وفي رواية: (فإن الحياء كله خير).
وقال ﵊: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت).
وهذا الحديث له معنيان عند أهل العلم: أحدهما: إذا لم تستح من فعلك بين يدي الله ﷿ فاصنعه، فإنه من طاعة الله وفي رضا الله.
يعني: إذا لم يكن فعلك هذا مما تستحي منه بين يدي الله إذا حاسبك عليه فافعله الآن؛ لأنه في مرضاته وفي طاعته.
وهذا المعنى هو الذي قال فيه عمر: وعليك بالعلانية وإياك بالسر.
أي: وإياك أن تعمل عملًا في السر يغضب الله ﷿.
وعليك بالعلانية، أي: وعليك بما لا يستحيا منه بين يدي الله ﷿ في الآخرة، ولا بين الناس في الدنيا، وإن لقيت الله فقل: أمرني بهذا عمر.
والمعنى الثاني لقوله ﵊: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت).
يعني: إذا كان الشخص ليس عنده حياء قط فليصنع ما شاء بعد ذلك، فإنه إذا نزع من المرء الحياء لم يعاتب ولم يلم على فعله القبيح الذي هو فيه؛ لأن الناس اعتادوا منه سوء الخلق، وسيحاسبه الله عليه يوم القيامة.
معنى كون الولد (مجهلة).
أي: أنه هو الذي يسبب الجهل لأبيه، فإذا خرج والده في طلب العلم منعه الولد لحاجته ومتطلباته، وغير ذلك مما يخص الولد.
يعني: أن الولد يشغل أباه عن طلبه للعلم، فيصير جاهلًا.
وقد تكون الزوجة أجهل من ولدها، والولد قد يحتمل، وأما الزوجة فلا تحتمل، فلا يخرج الزوج لدرس العلم إلا خفية من الزوجة، فيقول لها: سأذهب لآتي بكذا وكذا وكذا فتقول له: اذهب وفقك الله، ولو اشترى كتابًا لانتقدته أمه بأنهم ليس معهم مصاريف الأولاد وغير ذلك، حتى أنه يضطر في النهاية إلى شراء الكتاب بغير علمها.
فطالب العلم يحتاج إلى صبر عجيب جدًا، صبر على شراء الكتاب، وصبر في المحافظة عليها، وصبر في الطلب، وصبر على الزوجة، وعلى الأولاد، وصبر من كل ناحية، وإن لم يكن صاحب حكمة وحنكة وفطنة وحسن تصرف في المواقف المتكررة كل ساعة وكل دقيقة فسيضيع مع أولاده ومع امرأته، فلا بد أن يجعل طالب العلم لقلبه ولوقته ولعلمه وقتًا مع كتاب الله ومع سنة رسوله، وحضور مجالس العلم وإلا سيضيع.
والشيخ ابن عثيمين وغيره يشرحون قوله ﷺ: (الولد مجبنة) فيما يتعلق بالجهاد.
أي: إذا نادى منادي الجهاد يقولون له: انتظر إلى أين ستذهب؟ إن لديك أولادًا صغارًا، فمن سيربيهم؟ مع أن هؤلاء الأولاد هم الذين سيدمرونه ويضيعونه، فهو لن يطلب العلم بسبب العيال، ولن يجاهد حتى يجاهد في العيال، فالولد هو سبب كل بلية، والذكي هو من يعطي لكل ذي حظ حظه، ثم يدع الأمر بعد ذلك لله ﷿.
وكم من شخص حرص كل الحرص على تربية أبنائه، ثم ما رباهم في النهاية؛ لأنه لم يتق الله ﵎ فيما تعين عليه هو أولًا، بل جعل كل همه في أولاده، وليست هذه دعوة لترك الأولاد والتفريط في حقهم، أبدًا، بل هذا مما قد تعين عليك، ولكنه تعين بقدر، فينبغي ألا تزيد عليه ولا أن تنقص منه.
والأصل في ذلك: قوله ﵊: (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يعول).
وفي رواية: (أن يضيع من يقوت).
فعليه أن يعولهم ويطعمهم ويسقيهم ويعلمهم ويربيهم، ويعلمهم الإيمان بالله وبالملائكة وبالكتب وبالرسل، وغير ذلك، فكل هذا داخل في عيالة الأولاد، وفي ا
[ ١٤ / ١١ ]
كلام ابن عثيمين في الإيمان بالله
[ ١٤ / ١٢ ]
بيان ما يتضمنه الإيمان
الشيخ ابن عثيمين حفظه الله لما تكلم عن الإيمان بالله ﷿ قال: (الإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده ﷾، والإيمان بربوبيته).
أي: أنه متفرد بالربوبية، والإيمان بأسمائه وصفاته، والإيمان بألوهيته، وأن ذلك لا يتحقق إلا من قبل السمع، والعقل، والحس، والفطرة.
[ ١٤ / ١٣ ]
الأدلة على معرفة الله تعالى
قال: (ومعرفة الله تعالى تتحقق أولًا: بالسمع.
ثانيًا: بالعقل.
ثالثًا: بالحس.
رابعًا: بالفطرة).
[ ١٤ / ١٤ ]
دلالة العقل على معرفة الله ﷾
قال: (فأما دلالة العقل فنقول: هل وجود هذه الكائنات بنفسها؟ يعني: هل وجد هذا الكون وما فيه من سماء وأرض وأجرام ومجرات وآيات عظيمة بنفسها، أو وجدت هكذا صدفة؟ قال: فإن قلت: وجدت بنفسها فمستحيل عقلًا يعني: أن العقل يحيل أن توجد هذه الكائنات بنفسها؛ إذ إنها في أصلها عدم ثم أنشئت، فكيف تكون موجودة وهي معدومة؟ والمعدوم ليس بشيء حتى يوجد فضلًا عن أن يوجد).
فهي لا يمكن أن توجد نفسها؛ لأنها في الأصل معدومة، والمعدوم لا يوجد نفسه، فكيف يوجد غيره؟ وإن قلت: وجدت صدفة فنقول: هذا يستحيل عقلًا أيضًا، فهل ما أنتج من الطائرات والصواريخ والسيارات والآلات بأنواعها وجد صدفة؟ فلابد أن يقول: لا يمكن أن يكون ذلك، وكذلك هذه الجبال والشمس والقمر والنجوم والشجر والرمال والبحار وغير ذلك لا يمكن أن توجد صدفة كذلك، ولا يتصور أن هذا التقدم الحضاري الذي يمر به العالم الآن وجد هكذا صدفة؟ وهل وجدت الطائرة أو الصاروخ أو أي آلة إلكترونية من قبل الصدفة، أم درس ذلك دراسة علمية منضبطة على المنهج التقني والحديث؟ لابد وأن ذلك كان مدروسًا، فهذه الحضارة التي هي موجودة الآن التي عمرت الأرض شرقًا وغربًا لا يمكن أن يقول أحد أنها وجدت صدفة، وإذا كان الأمر كذلك فلابد وأن تكون مخلوقات الله ﷿ لها مدبر.
ويقال: إن طائفة من السمنية -وهم فرقة من أهل الهند- جاءوا إلى أبي حنيفة ﵀، فناظروه في إثبات الخالق ﷿، وهل الخالق لهذا الكون موجود أم غير موجود؟ وكان هذا في القرن الثاني الهجري، وكان أبو حنيفة من أذكى العلماء فوعدهم أن يجيبهم بعد يوم أو يومين، فذهبوا ثم عادوا بعد يوم أو يومين وقالوا: ماذا قلت؟ قال: أنا أفكر في سفينة مملوءة من البضائع والأرزاق جاءت تشق عباب الماء حتى أرست في الميناء ونزلت الحمولة وذهبت وليس فيها قائد ولا حمالون.
قالوا: تفكر بهذا يا أبا حنيفة؟! قال: نعم.
قالوا: إذًا ليس لك عقل، فهل يعقل أن سفينة تأتي بدون قائد وتنزل وتنصرف؟! هذا ليس معقول.
قال: كيف لا تعقلون هذا، وتعقلون أن هذه السماوات والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والناس كلها بدون صانع؟ فعرفوا أن الرجل خاطبهم بعقولهم، وعجزوا عن جوابه.
فهذا حجة عقلية في إثبات وجود الله ﷿، ونحن متفقون أن الله تعالى إنما وجبت معرفته بالسمع، ولا بأس بمعرفته استئناسًا بالعقل، والله ﵎ خاطب العقول الراجحة السليمة في القرآن في غير ما آية في عشرات ومئات الآيات، مثل قوله: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:٤٤]، وقوله: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ﴾ [محمد:٢٤]، وغير ذلك من الآيات التي تخاطب العقل وتأمره بالتدبر والتفكر في آيات الله ﷿ وفي الخلق والكون وغير ذلك.
وقيل لأعرابي من البادية: بم عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير.
يعني: لو أن جملًا مشى في الصحراء لعرف أثر قدمه، والعرب كانوا يعرفون آثار الأقدام، ونحن في هذا الوقت لا نعرف ما يمشي إلا السيارة، وأما الأعراب فكانوا يعرفون أن الذي مشى من هنا معزة فلان، فكانوا يعرفون حتى لمن هي، فهذه حياتهم.
وكان أحدهم يضع أذنيه قريبًا من الأرض، وقد يسمع أصواتًا من بعد فإذا نظر ولم ير أحدًا وإنما سمع دبيب الأرجل على الأرض علم أن هناك أناسًا جاءوا من الشمال أو من اليمين أو من الجنوب.
فهذه حياتهم، وهم أئمة في ذلك.
فهذا الأعرابي لما سئل: بم عرفت ربك؟ قال: الأثر يدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير؟ بلى.
ولهذا قال الله ﷿: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور:٣٥].
يعني: أهم خلقوا من غير شيء فأوجدوا أنفسهم بعد أن لم يكونوا؟ أم هم الخالقون للكون؟ أم أنهم كانوا في الأصل عدمًا؟ فكيف أوجدوا أنفسهم فضلًا عن كيفية إيجادهم لغيرهم؟ فالعقل يدل دلالة قطعية على وجود الله ﷿، ولا بأس بأن نقول: معرفة الله ﵎ واجبة بالسمع، ولا بأس أن نستأنس بالعقل السليم الراشد.
[ ١٤ / ١٥ ]
دلالة الحس على معرفة الله ﷾
الحس يدل على وجود الله ﷿؛ فإن الإنسان يدعو الله ﷿ ويقول: يا رب! ويدعو بالشيء ثم يستجاب له فيه، فهذه دلالة حسية.
فهو نفسه لم يدع إلا الله، وقد استجاب الله له، فهو قد رأى ذلك رأي العين.
وكذلك نحن نسمع عمن سبق وعمن في عصرنا أن الله استجاب له، فهذه دلالة الحس على أن الشافي هو الله ﷿؛ لأنه طلب الشفاء فشفاه ﷾، فهذه دلالة حسية.
والأعرابي الذي دخل المسجد والرسول ﵊ يخطب الناس يوم الجمعة فقال: (هلكت الأموال، وانقطعت السبل، وهلك الضرع والزرع، فادع الله يغيثنا.
قال أنس: والله ما في السماء من سحاب ولا قزعة -يعني: قطعة سحاب- وما بيننا وبين سلع -وهو جبل في المدينة- من بيت ولا دار).
يعني: أن الأرض كلها صحراء جرداء، وهم يرون السماء جيدًا ليس فيها سحاب ولا غمام، ولا شيء ينبئ عن نزول مطر، فلما دعا الرسول ﵊ (خرجت سحابة مثل الترس، وارتفعت في السماء وانتشرت وأرعدت وأبرقت، ونزل المطر، فما نزل الرسول ﵊ إلا والمطر يتحادر من لحيته ﵊).
فهذه دلالة حسية، فقد دعا فاستجيب له.
والله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠].
ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة:١٨٦].
وهذا أمر واقع يدل دلالة حسية على وجود الخالق.
وفي القرآن الكريم كثير من هذا، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [الأنبياء:٨٣ - ٨٤] ومع أن هذه دلالة حسية إلا أنها تشمل معها الدلالة السمعية كذلك، إذ هي آية من كتاب الله ﷿.
[ ١٤ / ١٦ ]
دلالة الفطرة على معرفة الله ﷾
الفطرة تدل على الله ﷾، فقد جاء في حديث النبي ﵊: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة).
يعني: على التوحيد والإسلام، كما ورد في إحدى الروايات، (ما من مولود إلا يولد على فطرة الإسلام).
يعني: على توحيد الله ﷿.
والناس الذين لم تنحرف فطرهم يؤمنون بوجود الله، حتى البهائم العجم تؤمن بوجود الله ﷿، وجاء في قصة سليمان ﵇: (أنه خرج يستسقي فوجد نملة مستلقية على ظهرها رافعة قوائمها نحو السماء تقول: اللهم إنا خلق من خلقك فلا تمنع عنا سقياك، فقال سليمان: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم).
فالحشرات والحيوانات والبهائم والطيور ومنها الغراب والهدهد عرفوا الله ﷿ ووحدوه حق توحيده الذي يجب له وينبغي.
إذًا الفطر مجبولة على معرفة الله ﷿ وتوحيده، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢].
فلما خلق الله تعالى آدم أخرج من صلبه كل نسمة تكون إلى يوم القيمة مثل الذر، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢]، أي: ألست الخالق لكم، المدبر لجميع أمركم؟ ﴿قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢].
فلا تأتوا يوم القيامة وقت الامتحان والاختبار تقولون: كنا يا رب! من الغافلين.
فإن الله ﷿ جبلكم وفطركم وخلقكم على توحيده وعبادته، فلا تنحرفوا عن ذلك وتقولوا غفلنا.
﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الأعراف:١٧٣].
يعني: ليس لنا ذنب، ونحن سمعنا ووجدنا آباءنا مشركين فأشركنا.
وهذا لا ينبغي أن يكون جوابًا يوم القيامة.
فهذه الآية تدل على أن الإنسان مجبول بفطرته على شهادته بوجود الله وربوبيته، وسواء استخرجهم الله من ظهر آدم واستشهدهم، أو إن هذا هو ما ركب الله تعالى في فطرهم من الإقرار به؛ فإن الآية تدل على أن الإنسان يعرف ربه بفطرته.
وأما دلالة الشرع فهو ما جاءت به الرسل من شرائع الله تعالى المتضمنة لجميع ما يُصلح الخلق، وهذا يدل على أن الذي أرسلهم بها رب حكيم رحيم عليم خبير، ولاسيما هذا القرآن المجيد الذي أعجز البشر والجن أن يأتوا بمثله.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله ﵎ لي ولكم.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
[ ١٤ / ١٧ ]