ثم قال الشيخ: «الأصل الثاني» من الأصول الثلاثة التي تجب على العبد معرفتها: «معرفة دين الإسلام بالأدلة»، والإسلام: هو دين الله الذي بعث به رسله من لدن نوح ﷺ إلى محمد ﷺ.
قال تعالى عن نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين (٧٢)﴾ [يونس]، وقال تعالى في إبراهيم ويعقوب ﵈: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِين (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُون (١٣٢)﴾ [البقرة]، وقال الحواريون أتباع عيسى ﵇: ﴿وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُون (٥٢)﴾ [آل عمران].
«وهو»: أي الإسلام «الاستسلام لله بالتوحيد»؛ أي بعبادته وحده لا شريك له بالتوحيد، «والانقياد له بالطاعة»، «و» هذا الاستسلام والانقياد لا بد معه من «البراءة من الشرك وأهله» وهذه هي حقيقة الإسلام، الذي هو دين الرسل كلهم.
قال الشيخ: «وهو» أي دين الإسلام «ثلاث مراتب» أي: درجات، وبعضها أكمل من بعض وأعلى من بعض.
المرتبة الأولى: «الإسلام».
«و» الثانية: «الإيمان».
[ ٢٩ ]
«و» الثالثة: «الإحسان». وهذه المراتب مستفادة من حديث جبريل ﵇ كما سيأتي.
قال الشيخ: «وكل مرتبة لها أركان».
«فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام».
فهذه هي أصول الدين الظاهرة، ثم ذكر الدليل على كل ركن من هذه الأركان، فقال: «فدليل الشهادة»؛ أي: فدليل شهادة أن لا إله إلا الله، «قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيم (١٨)﴾ [آل عمران]»، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، وقال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين (٥)﴾، والأدلة على هذا كثيرة.
قال الشيخ: «ومعناها»؛ أي: شهادة أن لا إله إلا الله: «لا معبود بحق إلا الله»؛ أي أن كل معبود سوى الله باطل.
فآلهة المشركين معبودة بغير حق، فهي باطلة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج: ٦٢]، ولما قال لهم النبي ﷺ: «قولوا: لا إله إلا الله»، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] (^١).
_________________
(١) رواه أحمد (١/ ٢٢٧)، وصححه الترمذي (٣٢٣٢)، وابن حبان (٦٦٨٦)، والحاكم (٢/ ٤٣٢) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٣٠ ]
ثم بيَّن الشيخ أن «لا إله إلا الله» مركبة من نفي وإثبات، وهما ركنا شهادة أن «لا إله إلا الله»، فقوله: «لا إله» نفي استحقاق العبادة عن كل ما سوى الله، «(لا إله) نافيًا جميع ما يعبد من دون الله»، وإثبات في قوله: «(إلا الله) مثبتًا العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه»، فإذا كان هو الذي له الملك كله، وهو خالق كل شيء؛ فيجب أن يكون هو المعبود وحده.
قال الشيخ: «وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُون (٢٦)﴾ ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِين (٢٧)﴾ ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون (٢٨)﴾ [الزخرف]» هذه الآية دلت على أن كلمة التوحيد تتضمن البراءة من المشركين وشركهم، ومثلها قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِين (٧٧)﴾ [الشعراء]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤]، فكلمة التوحيد تتضمن البراءة من المشركين وشركهم، وما يعبدون من دون الله.
«و» مما يُفسرها «قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون (٦٤)﴾ [آل عمران]»، فعُلم أن كلمة التوحيد تتضمن إفراده تعالى بالربوبية والألوهية، فلا يتخذ الناس بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، ولا يعبد الناس أحدًا غير الله، فإذا أعرض الكفار والمكذبون عن هذا الأمر: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون (٦٤)﴾، مستسلمون لله عابدون له لا نشرك به شيئًا.
[ ٣١ ]
قال الشيخ ﵀: «ودليل شهادة أن محمدًا رسول الله، قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٢٨)﴾ [التوبة]»، يخبر الله ﷾ ممتنًا على عباده بإرسال محمد ﷺ، وهو رجل منهم يعرفون نسبه وسيرته، ويشق عليه الذي يشق عليهم، وهو حريص على هدايتهم حتى أنه كان يتحسر إذا لم يستجيبوا، ولهذا قال الله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِين (٣)﴾ [الشعراء].
وقوله تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (١٢٨)﴾؛ أي: رحيم بالمؤمنين، والله تعالى قد خصهم بقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِين (٨٨)﴾ [الحجر].
«ومعنى شهادة أن محمدًا رسول الله»، أي حقيقة الإقرار والتصديق واليقين بأنه رسول من عند الله إلى جميع الناس، ومقتضى هذه الشهادة: «طاعته فيما أمر»، قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن: ١٢] في مواضع كثيرة، ويقول تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون (١٣٢)﴾ [آل عمران]، ويقول تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون (١٥٨)﴾ [الأعراف].
«وتصديقه فيما أخبر»، فهو أصدق الناس. «واجتناب ما عنه نهى وزجر».
«وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع»، فعبادة الله لا بد فيها من شرطين:
- الإخلاص لوجه الله.
[ ٣٢ ]
- وموافقة أمر الله ورسوله، وهو المقصود بقوله: «وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع»، فمن عبد الله بغير ما جاء به الرسول ﷺ فعمله باطل؛ لأنه عمل مبتدع.
قال الشيخ: «ودليل الصلاة والزكاة وتفسير التوحيد قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَة (٥)﴾ [البينة]»، فهذه الثلاثة هي أعظم أركان الإسلام، والكتاب والسنة تجمع بينها في مواضع متعددة؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾؛ أي: من الشرك ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُون (١١)﴾ [التوبة]، فأعظم هذه الأصول عبادة الله وحده لا شريك له وإخلاص الدين لله، وبعد ذلك إقام الصلاة، فالصلوات الخمس هي عمود الإسلام، وهي أوجب الواجبات بعد التوحيد، والزكاة قرينتها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
فالصلاة هي حق الله على عباده في كل يوم وليلة، والزكاة حق الله على عباده في أموالهم، قال النبي ﷺ في حديث معاذ: «فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» (^١).
قال الشيخ: «ودليل الصيام قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (١٨٣)﴾ [البقرة]».
_________________
(١) رواه البخاري (١٣٩٥)، ومسلم (١٩) من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٣٣ ]
أي: فرض عليكم الصيام، والمراد: «صيام شهر رمضان» كما بين ذلك في الآية التي بعدها ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وقال ﷺ: «بني الإسلام على خمس» (^١)، وذكر: صيام رمضان، فصيام شهر رمضان هو أحد مباني الإسلام.
قال الشيخ: «ودليل الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين (٩٧)﴾ [آل عمران]».
هذا هو الركن الخامس من أركان الإسلام ومبانيه العظام؛ فرضه الله على المستطيع من عباده مرة في العمر.
يقول الشيخ ﵀: «المرتبة الثانية»: من مراتب الدين، «الإيمان»، وهي أعلى من التي قبلها؛ لأنها تتعلق باعتقاد القلب.
قال الشيخ: «وهو» أي؛ الإيمان: «بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان (^٢)».
فالإيمان له شعب كثيرة ظاهرة وباطنة، أفضلها كلمة التوحيد «لا إله إلا الله»، وهي أصل دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، وهي مع شهادة «أن محمدًا رسول الله»، أصل هذا الدين الذي بعث الله به محمدًا ﷺ، فهما جميعًا أصل واحد وبناء واحد، وأدنى هذه الشعب
_________________
(١) رواه البخاري (٨)، ومسلم (١٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) رواه مسلم (٣٥) بنحوه من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٣٤ ]
الإيمان بأصول الإيمان الستة إجمالا فرض عين
الإيمان بالملائكة يشمل: أسماءهم وصفاتهم وأعمالهم
إزالة الأذى عن طريق الناس، وهذا يدل على أن الإيمان قول وعمل، وهو مذهب أهل السنة والجماعة.
قال الشيخ: «وأركانه»؛ أي: الإيمان «ستة»، وهي: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره».
هذا طرف من حديث جبريل، كما سيذكره الشيخ، والمراد من الإيمان هنا: الاعتقاد، والإيمان بهذه الأصول الستة إجمالًا فرض عين على كل مكلف، وأما معرفتها والإيمان بها تفصيلًا، فهو فرض كفاية، ولكن من علم شيئًا من ذلك التفصيل وجب عليه الإيمان به عينًا.
الأصل الأول: الإيمان بالله: ويشمل:
- الإيمان بوجوده.
- والإيمان بربوبيته.
- والإيمان بإلهيته.
- والإيمان بأسمائه وصفاته.
الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة: ويشمل:
- الإيمان بكل ما أخبر الله به ورسوله عن الملائكة من أسمائهم وصفاتهم وأعمالهم.
وهذا في القرآن كثير، فمنهم الحفظة الكاتبون؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِين (١٠) كِرَامًا كَاتِبِين (١١)﴾ [الانفطار]، ومنهم الحفظة للعبد من بين يديه ومن خلفه؛ كما قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ
[ ٣٥ ]
الإيمان بالكتب يتناول الإيمان بكل ما أنزل الله من كتب
الإيمان بالرسل قسمان: مجمل ومفصل
الإيمان باليوم الآخر يشمل كل ما يكون بعد الموت
خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ﴾ [الرعد: ١١]، ومنهم الموكلون بقبض أرواح العالمين؛ كما قال تعالى: ﴿حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُون (٦١)﴾ [الأنعام]، ومنهم الموكل بإبلاغ الوحي إلى الرسل، كجبريل ﵇، كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين (١٩٤)﴾ [الشعراء].
الأصل الثالث: الإيمان بالكتب: ويتناول الإيمان بكل ما أنزل الله من كتب ما علمنا منها، وما لم نعلم، وقد علمنا أن من كتب الله المنزلة: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن، وهو: أفضلها، والمصدق لها، والمهيمن عليها.
الأصل الرابع: الإيمان بالرسل: وهو قسمان:
- إيمان مجمل بجميع رسل الله؛ من قص علينا منهم ومن لم يقصص ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء]، فنؤمن بأن الله أرسل رسلًا إلى العباد ليأمروهم بعبادته وحده لا شريك له، وينهوهم عن الشرك به.
- إيمان مفصل بالرسل الذين قصّ الله علينا شيئًا من أخبارهم.
الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر: وهو يوم القيامة، والإيمان باليوم الآخر يشمل كل ما يكون بعد الموت؛ من عذاب القبر ونعيمه، وما بعد ذلك من البعث والنشور والحشر والعرض والميزان، وآخر ذلك الجنة والنار.
[ ٣٦ ]
الإيمان بالقدر ومراتبه الأربع
المرتبة الثالثة من مراتب الدين: الإحسان، وهي أعلاها
الأصل السادس: الإيمان بالقدر: وهو الإيمان بأن الله قدّر مقادير الخلق، وكتب كل ما سيكون.
والإيمان بالقدر أربع مراتب:
١ - الإيمان بعلم الله السابق لكل شيء، ومن ذلك علمه بأفعال العباد وطاعتهم ومعاصيهم.
٢ - الإيمان بكتابته للمقادير.
٣ - الإيمان بعموم مشيئته وأنه لا يخرج عن مشيئته شيء، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
٤ - الإيمان بأنه تعالى خالق كل شيء.
ولا يكون الإنسان مؤمنًا بالقدر حتى يؤمن بهذه المراتب.
«والدليل على هذه الأركان الستة قوله تعالى: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]، ودليل القدر قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر (٤٩)﴾ [القمر]».
يقول الشيخ ﵀: «المرتبة الثالثة» من مراتب الدين «الإحسان»، وهو «ركن واحد».
والإحسان أعلى مرتبة من مراتب الدين، ويشمل الإيمان والإسلام، ولهذا يقول العلماء: كل مؤمن مسلم، ولا عكس، وكل محسن مؤمن، ولا عكس.
[ ٣٧ ]
والإحسان فسره الشيخ بما فسره به النبي ﷺ في حديث جبريل، والإحسان الذي أمر الله به عباده وأثنى على أهله في كتابه نوعان:
الإحسان إلى الخلق بأنواع الإحسان: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء].
الإحسان في العمل: وهذا هو المقصود هنا، والمراد إتقانه وإيقاعه على أكمل الوجوه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥].
قال: «وهو»: أي الإحسان «أن تعبد الله كأنك تراه»، والمعنى: أن تقبل على عبادة الله كأنك تراه.
والعباد لا يرون ربهم في الدنيا، وإنما يرونه يوم القيامة، كما دلت على ذلك الآيات والأحاديث، ولكن المؤمن الصادق يحسن في عبادته لربه، فيعبده كأنه يراه خائفًا راجيًا مقبلًا خاضعًا لربه متذللًا، ومن كان على هذه الحال؛ فمعلوم أنه سيكون في غاية من الإقبال والصدق في العبادة.
قال: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» والعبد لا يرى ربه، ولكن الله يراه، فينبغي للمسلم أن يستحضر إطلاع الله عليه وشهوده له، فيوجب له ذلك تحقيق العبودية، وكمال الإقبال.
[ ٣٨ ]
قال: «والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُمْ مُّحْسِنُون (١٢٨)﴾ [النحل]»؛ اتقوا ربهم وأحسنوا في تقواهم، وهذه هي: معية الله الخاصة قيدها بالمتقين، ونظير ذلك قوله سبحانه عن نبيه ﷺ: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، وقوله تعالى لموسى وهارون ﵉: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ [طه]، وهذه المعية تقتضي: التأييد والحفظ والنصر.
«وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيم (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُوم (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِين (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيم (٢٢٠)﴾ [الشعراء]» والمعنى: اعتمد بقلبك وفوض جميع أمورك إلى من يراك وأنت قائم في عبادته، وأنت بين الساجدين ومعهم؛ فإن توكلت عليه فإنه كافيك، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، وهذا ظاهر الدلالة على معنى قوله ﷺ: «فإن لم تكن تراه فإنه يراك» (^١).
«وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]»، ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾؛ أي: حال من أحوالك الدينية والدنيوية ﴿وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾؛ أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك، وهذا أخص من قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾، وخصها بالذكر؛ لأن تلاوته للقرآن من أعظم شؤونه ﷺ، ﴿إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ هذا هو الشاهد؛ والمعنى: إلا كنا حاضرين وقت شروعكم فيه واستمراركم على العمل به، فراقبوا الله في أعمالكم
_________________
(١) سيأتي في ص ٤٠ مطولًا.
[ ٣٩ ]
وأدوها على وجه النصيحة والاجتهاد فيها، وإياكم وما يكرهه الله تعالى، فإنه مطلع عليكم عالم بظواهركم وبواطنكم.
وكل هذه الآيات تدل على مقام الإحسان، وأن الله ﷾ يرى عبده في جميع أموره، وفي جميع أحواله، فهو حاضر يسمع كلام العبد ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُون (٦٩)﴾ [القصص]، فإذا استحضر العبد ذلك كان من أسباب إقباله على ربه، وصدقه في عبادته، وتكميله لها، ولكن بسبب الغفلة والذهول عن هذا الأمر يؤدي الإنسان العبادة بفتور، والمؤمن يؤمن بأن الله يراه، ولكن فرْقٌ بين الإيمان بهذا الأمر، وبين الشعور به واستحضاره.
وكثير من الناس لا يستحضر هذا الأمر، فهذا مقام عظيم، إنما يحققه الكُمَّل من المؤمنين.
وتقدم أن دين الإسلام ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وقد ذكرها الشيخ، وذكر أركانها ومعناها، وأدلتها من القرآن، ثم قال: «والدليل من السنة حديث جبرائيل المشهور عن عمر ﵁»؛ أي: الدليل على ما تقدم كله من السنة النبوية، وإذا أطلق حديث جبريل يراد به هذا الحديث، وقد روى هذا الحديث مسلم عن عمر ﵁ (^١)، ورواه أيضًا هو والبخاري بلفظ مختلف قليلًا عن أبي هريرة ﵁ (^٢) «قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ؛ إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد»
_________________
(١) رواه مسلم (٨).
(٢) رواه البخاري (٥٠)، ومسلم (٩).
[ ٤٠ ]
ظهر علينا من طريق أو من باب بهيئة طيبة وجميلة، ولكنه غير معروف، يقول: «حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه»؛ يعني: جلس قريبًا منه، فأسند السائل ركبتيه إلى ركبتي النبي ﷺ، ويديه على فخذي النبي ﷺ مبالغة في القرب، ومبالغة في السؤال، «وقال: يا محمد» خاطبه باسمه؛ لإظهار أنه جاهل لا يعرف حسن الخطاب؛ لأن عادة الأعراب إذا جاءوا إلى الرسول ﷺ يقولون: يا محمد! أما الصحابة الذين حسن إسلامهم لا يقولون للرسول: يا محمد، وإنما يقولون: يا رسول الله! أو يا نبي الله! وهذا أشرف ما يدعى به ﷺ، كما خاطبه الله بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ [الأنفال: ٦٤]، ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ [المائدة: ٤١].
«أخبرني عن الإسلام»؛ أي: ما هو الإسلام؟ «فقال رسول الله ﷺ: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله ﷺ، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا».
«قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه» العادة أن السائل لا يقول: صدقت، بل يقول: جزاك الله خيرًا، أحسن الله إليك، ونحوها، ولكن قوله: «صدقت» يدل على أن عنده خبرًا، وهذا هو محل العجب.
ثم «قال: فأخبرني عن الإيمان» هذا هو السؤال الثاني، ما هو الإيمان؟
[ ٤١ ]
«قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره»؛ فسر الإيمان بهذه الأصول الستة، وهذه كما تقدم هي أصول الاعتقاد، فجميع مسائل الاعتقاد ترجع إلى هذه الأصول؛ كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «العقيدة الواسطية»: «اعتقاد الفرقة الناجية المنصورة إلى قيام الساعة - أهل السنة والجماعة -: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله …» (^١).
«قال: صدقت» مثل ما قال في الأول «قال: فأخبرني عن الإحسان»، ما هو الإحسان؟
«قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، والمراد إحسان العمل وإتقانه بتحقيق المراقبة، وكمال الإخلاص.
«قال فأخبرني عن الساعة؟» متى الساعة؟ أي: القيامة، «قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»؛ أي: علمي وعلمك بها سواء، فإذا كنتَ لا تعلمها، فأنا كذلك لا أعلمها.
«قال: فأخبرني عن أمارتها»؛ أي: علامات قيامها «قال: أن تلد الأمة ربتها» وفي لفظ «ربها»، الأمة: هي الأنثى المملوكة تلد ربها أو تلد ربتها، اختلف في معنى ذلك، وأحسن ما قيل: إنه إذا كثر الرقيق فربما ولدت المرأة ابنًا ثم فارقته بسبب الرق، ثم اشتراها ولدها وهو لا يدري أنها أُمُّه، فيصير سيدًا لها، وقيل: إن الأَمَة إذا وطئها سيدها فولدتْ، فولدُ سيدِها سيدٌ لها.
_________________
(١) الواسطية ص ٢١.
[ ٤٢ ]
«وأن ترى الحفاة العراة العالة» الحفاة: غير المنتعلين، والعراة: غير المكتسين، والعالة: الفقراء «رِعَاء الشَّاء» الذين من عادتهم رعي الغنم «يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيَانِ»، والمراد: إذا رأيت سكان الصحراء يهبطون إلى القرى، ويبنون فيها المساكن ويتنافسون في طول البنيان، فهذا من علاماتها. وعلامات قيام الساعة كثيرة، كما جاءت الأدلة بذكرها.
«قال: فمضى»؛ أي: خرج الرجل ومشى قال: «فلبثنا مليًا»؛ أي: زمنًا، وفي رواية: «فلبثت ثلاثًا» (^١)، «فقال: يا عمر! أتدري من السائل؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: هذا جبرائيل أتاكم يعلمكم أمر دينكم».
فهذا الحديث العظيم اشتمل على فوائد كثيرة، فقد اشتمل على ذِكر أصول الدين الاعتقادية والعملية، وذكر مقامات الدين ومراتبه، وفيه الدلالة على أن الساعة مما استأثر الله بعلمه، وفيه دليل على بعض علاماتها: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاء أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] أي: علاماتها.
_________________
(١) رواه الترمذي (٢٦١٠) وصححه، والنسائي (٨/ ٩٧).
[ ٤٣ ]