شرح الاقتصاد في الاعتقاد للمقدسي [٩]
الإيمان بالقدر خيره وشره واجب بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة، وقد ضلت طوائف في الإيمان بالقدر، فمنهم من يعتقد أنه لا قدر وأن الأمر أنف، وأن الله لا يعلم بالشيء إلا بعد وقوعه، ومنهم من اعتقد أن الإنسان هو الذي يخلق فعله، ومنهم من اعتقد أن العبد مجبور على فعله وأنه لا اختيار له ولا مشيئة.
وهؤلاء كلهم على خطر عظيم وعلى شفا جرف هار.
[ ٩ / ١ ]
إجماع السلف على الإيمان بالقدر بمراتبه الأربعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وأجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، قليله وكثيرة، بقضاء الله وقدره، لا يكون شيء إلا بإرادته، ولا يجري خير وشر إلا بمشيئته، خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلًا، وخلق من أراد للشقاء واستعمله به عدلًا، فهو سر استأثر به، وعلم حجبه عن خلقه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، قال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ﴾ [الأعراف:١٧٩].
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣].
وقال ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩]].
انتقل المؤلف ﵀ إلى مبحث القضاء والقدر وقال: وأجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشره، وأمر الله تعالى به في كتابه، فالإيمان بالقدر واجب بالكتاب والسنة والإجماع، قال الله تعالى في كتابه العظيم: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
وقال سبحانه: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢].
وفي السنة المطهرة في حديث جبرائيل المشهور: لما سأل النبي ﷺ عن الإيمان؟ فقال: (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره).
والإجماع: أجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر.
فإذًا الإيمان بالقدر واجب بالكتاب والسنة والإجماع.
[ ٩ / ٢ ]
مراتب القدر
الإيمان بالقدر له أربع مراتب لا بد من الإيمان بها، ومن لم يؤمن بهذه المراتب لم يؤمن بالقدر.
المرتبة الأولى: العلم الشامل لكل شيء، للماضي والحاضر والمستقبل، والمستحيل أيضًا، فالله تعالى يعلم بما كان في الماضي، ويعلم ما يكون في المستقبل والحاضر، ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، قال الله تعالى عن الكفار: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] فدل على أن الله ما أسمعهم الآن، لكن أخبر عن علم فقال: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣].
وقال سبحانه عن الكفار لما طلبوا الإعادة إلى دار الدنيا: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام:٢٨] وهم لا يمكن أن يردوا.
وقال عن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ﴾ [التوبة:٤٦] أي: المنافقون.
﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ * لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [التوبة:٤٦ - ٤٧] فمع أنهم لم يخرجوا ولكن علم الله حالهم فقال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [التوبة:٤٧] فهذه المرتبة الأولى وهي: العلم.
المرتبة الثانية: الكتابة، وهو الإيمان بأن الله كتب كل شيء في اللوح المحفوظ، فكل ما يكون من الذوات، والصفات، والأقوال، والأفعال، والحركات، والسكنات، والرطب، واليابس مكتوب، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩].
وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد:٢٢].
وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠] وهو اللوح المحفوظ، وهذه الآية فيها إثبات العلم وإثبات الكتابة.
وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:١٢] وهو اللوح المحفوظ.
وقال سبحانه: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩].
وثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: (كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء).
وهذا يدل على أن كتابة المقادير سابقة لخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
وقال ﵊: (أول ما خلق الله القلم قال له: اكتب، قال: يا رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة)، وفي لفظ: (فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة).
فهاتان مرتبتان لا بد من الإيمان بها.
المرتبة الثالثة: الإرادة والمشيئة، وهو: أن كل شيء يقع في هذا الوجود لا بد أن تسبق وجوده مشيئة الله وإرادته؛ إذ لا يمكن أن يقع في الكون إلا ما شاءه الله وأراده ﷾.
المرتبة الرابعة: الخلق والإيجاد، وهو الإيمان بأن الله تعالى خلق وأوجد كل شيء في هذا الكون، وكل شيء في هذا الكون خلقه الله وأوجده قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩].
﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان:٢].
﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الرعد:١٦].
فهذه مراتب القدر الأربع، ومن لم يؤمن بها لم يؤمن بالقدر، وأهل السنة والجماعة آمنوا بهذه المراتب الأربع.
[ ٩ / ٣ ]
الطوائف المنكرة للقدر
والقدرية طائفتان: الطائفة الأولى: القدرية الأولى الذين أنكروا المرتبتين الأوليين: العلم، والكتابة، وهؤلاء كفار؛ لأن من أنكر العلم نسب الله للجهل وهذا كفر، فمن أنكر علم الله السابق وكتابته للمقادير فهو كافر، وهؤلاء وجدوا في أواخر عهد الصحابة، وهم الذين خرجوا في البصرة وقالوا: إن الأمر مستأنف وجديد، فأنكر عليهم التابعين من علماء البصرة، ومنهم حميد بن عبد الرحمن الحميري، فخرج مرة ومعه صاحب له في حج أو عمرة وقالوا: لو وفق لنا بعض أصحاب النبي ﷺ نسأله، قالوا: فوفق لنا عبد الله بن عمر فسألناه وقلنا: يا أبا عبد الرحمن! إنه ظهر قبلنا قوم يتقفرون العلم -أي: يعرفونه- ويزعمون أن الأمر أنف، يعني: مستأنف وجديد وما سبق به تقدير الله، فقال: أخبر هؤلاء أني منهم بريء وأنهم براء مني، والله لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.
ثم روى عن أبيه عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ سأله جبرائيل عن الإيمان؟ فقال: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).
فهؤلاء القدرية الذين أنكروا العلم والكتابة كفار؛ لأنهم نسبوا الله للجهل، وقد انقرضوا، وهؤلاء هم الذين قال فيهم الإمام الشافعي ﵀ وغيره: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا.
الطائفة الثانية: عامة القدرية المتأخرين الذين أثبتوا العلم والكتابة، ولكنهم أنكروا عموم المشيئة وعموم الخلق، فلم ينكروا المشيئة والخلق بالكلية، وإنما أنكروا عموم المشيئة وعموم الخلق، فقالوا: إن الله علم الأشياء وكتبها، وشاء كل شيء إلا أفعال العباد فلم يشأها من خير أو شر، من طاعة أو معصية، فالله خلق كل شيء إلا أفعال العباد فلم يخلقها خيرًا أو شرًا؛ لشبهة حصلت لهم، ولهذا يدرأ عنهم التكفير، وشبهتهم أنهم قالوا: لو قلنا: إن الله قدر المعاصي، وخلقها وعذب عليها لكان ظالمًا، ففرارًا من ذلك قالوا: إن العباد هم الذين خلقوا أفعالهم استقلالًا من دون الله ﷿، وهم الذين شاءوا أفعالهم، فهم الذين خلقوا الطاعات والمعاصي حتى يستحقوا الثواب على الطاعات، ويستحقوا العقوبة على المعاصي، لكن يقال لهم: أنتم فررتم من شيء ووقعتم في شر مما فررتم إليه، أنتم فررتم إلى القول بأن الله خلق المعاصي وعذب عليها، لكن وقعتم في شر مما فررتم منه، فيلزم على مذهبكم أنه يقع في ملكه ما لا يريد، ومعناه: وقوع المعاصي والطاعات بدون إرادة الله، وهذا أمر عظيم، وكذلك أيضًا: يلزم على مذهبكم أن مشيئة العاصي والكافر تغلب مشيئة الله؛ لأن على مذهبكم أن الله شاء الطاعة من العبد، والعبد شاء المعصية، فوقعت مشيئة العبد ولم تقع مشيئة الله، وهذا أمر عظيم.
أما القول بأن الله خلق المعصية وعذب عليها، فليس فيه نسبة الظلم إلى الله؛ لأن الذي ينسب إلى الله الخلق والإيجاد، والخلق والإيجاد مبني على الحكمة، والذي ينسب إلى العبد المباشرة والتسبق والفعل فيعذب على الفعل، وأما كون الله خلقها، فإنه خلقها لحكمة، ولهذا فإنك إذا نسبتها إلى الله لا تكون شرًا؛ لأنه خلقها لحكمة، وإذا نسبتها إلى العبد فهي شر؛ لأنه باشرها وكسبها فساءته وضرته وعذب عليها، وهذا هو معنى قول النبي ﷺ: (والشر ليس إليك).
يعني: الشر المحض الذي لا حكمة في إيجاده وتقديره ليس إليك، وهذا لا وجود له في الكون، إذ لا يوجد شر محض، فكل الشرور الموجودة شرور نسبية، فهي شر بالنسبة للعبد، وخير بالنسبة إلى الله؛ لأنه خلقها لحكم وأسرار.
وأهل السنة والجماعة آمنوا بمراتب القدر كلها وقالوا: إن الله تعالى خلق كل شيء، وشاء كل شيء، وله الحكمة البالغة، وهو يهدي من يشاء فضلًا منه وإحسانًا، ويضل من يشاء عدلًا وحكمة.
والمعتزلة قالوا: إن الله لا يهدي من يشاء، ولا يضل من يشاء، فالعبد هو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه.
وأما قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل:٩٣] فتأولها المعتزلة والقدرية بأن قوله: يهدي يعني: يسميه مهتديًا، ويضل: أي: يسميه ضالًا، وإلا فالعبد هو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه، وقالوا: إن الله ليس على كل شيء قدير، بل هو على ما يشاء قدير، ولهذا تجد في أواخر بعض الكتب والله على ما يشاء قدير، وهذا يتماشى مع مذهب المعتزلة، وقصدهم من هذا إنكار دخول أفعال العباد في قدرة الله، وهذا غلط، والواجب أن يقول: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤].
وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩] فهذا مقيد بالجمع، ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩].
ولهذا بين المؤلف ﵀ معتقد أهل السنة والجماعة فقال: وأجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، يعني: أهل السنة أجمعوا على وجوب الإيمان بالقدر سواء كان خيرًا أو شرًا، فيأكل الإنسان مما يعطيه الله من النعم والفضل والمال والصحة والولد، وتصيبه المصائب التي تكون شرًا بالنسبة إليه، والمعاصي التي تقدر عليه، فسواء كان حلوًا كالخير، أو مرًا كالمصائب التي تحصل، فهذا كله بقضاء الله وقدره، ولا يكون شيء إلا بإرادته، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة.
والمعتزلة وافقوا القدرية، فهم معتزلة في الصفات قدرية في الأفعال، ويقولون: يجري الخير والشر بدون مشيئة العبد.
وقول المؤلف: خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلًا، يعني: أن الله تعالى تفضل عليهم، وخلق من أراد للشقاء واستعمله به عدلًا منه فله الحكمة البالغة، ولا يكون ظالمًا؛ لأن الهداية ملك لله وليست ملكًا للعبد، فمن أعطاه الهداية فهذا من فضله، ومن منعه الهداية فهذا من عدله وحكمته، فلا يكون ظالمًا ﷾، ولهذا قال المؤلف: خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلًا، وخلق من أراد للشقاء واستعمله به عدلًا، فهو سر استأثر به، وعلم حجبه عن خلقه.
يقول الطحاوي ﵀: القدر سر الله في خلقه، طواه عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، فمن سأل: لمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، ولهذا قال المؤلف ﵀: هو سر استأثر به، وعلم حجبه عن خلقه، فلا أحد يعلم سر الله في خلقه، يعني: سر الله في خلقه أن جعل هذا شقيًا، وجعل هذا سعيدًا، وجعل هذا عالمًا، وجعل هذا جاهلًا، وجعل هذا عاقلًا، وجعل هذا مسلوب العقل، وهذا طويل، وهذا قصير، وهذا فقير، وهذا غني، وهذا يعمر وهذا لا يعمر، وهذا يموت طفلًا، وهذا يموت شيخًا، وهذا يموت كهلًا، وهذا يموت في بطن أمه، فله الحكمة البالغة، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] لا يسأل عما يفعل: لكمال حكمته، لا لأنه طعن بالمشيئة كما يقوله من أنكر الحكم والتعليل من المعتزلة وغيرهم، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣] لكمال حكمته ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] وقال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] فله الحكمة البالغة.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣].
ولو شاء لفعل ذلك لكن له الحكمة البالغة، وقال ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] وكل من صيغ العموم، سواء كان خيرًا أو شرًا، خلافًا للمعتزلة الذين يقولون: المعاصي والطاعات ليست بقدر.
[ ٩ / ٤ ]
الكتابة في اللوح المحفوظ لا تستلزم ترك العمل
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتانا رسول الله ﷺ فقعد وقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس وجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار، فقالوا: يا رسول الله! أفلا نتكل على كتابنا؟ فقال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاء، ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ٧]) الآية].
هذا الحديث متفق عليه رواه الشيخان: البخاري ومسلم رحمهما الله، رواه البخاري في مواضع، ومسلم في كتاب القدر، ورواه أيضًا أبو داود في سننه، والترمذي وابن ماجة، وأحمد في المسند، وهو حديث صحيح عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (كنا في جنازة في بقيع الغرقد) الغرقد: نوع من شجر الشوك، وهو من شجر اليهود، يكون في آخر الزمان، وقد بين النبي ﷺ أنه إذا نزل عيسى بن مريم يسلط المؤمنون على اليهود، فيقتلونهم قتلًا ذريعًا حتى يختبئ اليهود وراء الشجر والحجر، فيتكلم الشجر والحجر، وهذه من آيات الله، (فيقول الشجر والحجر: يا مسلم! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله، إلا شجر الغرقد فلا يتكلم فإنه من شجر اليهود).
يقول علي ﵁ (إن النبي ﷺ خرج في جنازة فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة - يعني: عصا- فنكس وجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار) وهذا هو الشاهد، إذ فيه إثبات الكتابة، وأن المقادير كلها مكتوبة (فقالوا: يا رسول الله، أفلا نتكل على كتابنا- وفي اللفظ الآخر- وندع العمل) أي: ما دام كل أحد مكتوب عليه الآن شقي أو سعيد، في الجنة أو في النار، فلماذا لا نكتفي بالكتاب ولا نعمل؟ وقالوا: (أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ فقال النبي ﷺ: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فسييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فسييسر لعمل أهل الشقاوة ثم قرأ الآية: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل:٥ - ١٠]).
[ ٩ / ٥ ]
ذكر بعض ما ورد في السنة في إثبات القدر
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وروى عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: (أن خلق أحدكم يجتمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله إليه ملكًا بأربع كلمات، يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها)].
هذا الحديث حديث صحيح متفق عليه.
رواه البخاري ﵀ في صحيحه في مواضع.
ورواه الإمام مسلم في كتاب القدر، ورواه أبو داود وابن ماجة وغيرهم، وهو من أحاديث الأربعين النووية التي يحفظها صغار الطلبة، يقول عبد الله بن مسعود: حدثنا رسول الله ﷺ وهو الصادق المصدوق، هو الصادق يعني: في قوله وفي كلامه، المصدوق: من ربه: (أن خلق أحدكم يجتمع - وفي اللفظ الآخر: يجمع- في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك).
أربعين وأربعين وأربعين مائة وعشرين وهي تساوي الأربعة أشهر، وإذا مضت الأربعة الأشهر بعث الله له ملكًا بأربع كلمات: (بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد)، وفي اللفظ الآخر: (أن الملك يقول: يا رب ما الرزق؟ ما الأجل؟ ما العمل؟ ما الشقاوة؟ ما السعادة؟ فيكتب ما قيل له).
جاء في بعض الأحاديث أن الملك يدخل على النطفة بعد مضي اثنين وثمانين يومًا وهذا هو الشاهد، إذ فيه إثبات القدر وأن الإنسان يقدر عليه وهو في بطن أمه، يقال: يكتب ما يجري عليه من الرزق، والأجل، والعمل، والشقاوة والسعادة، وهذا القدر مأخوذ من القدر السابق في اللوح المحفوظ، فهو يوافقه ولا يخالفه، وهو مأخوذ منه، يعني: أن هذا مكتوب في اللوح المحفوظ، ثم هذه كتابة ثانية خاصة بالإنس، لا تخالف القدر السابق، ثم بين النبي وقال: (فوالذي لا إله غيره) فهنا أقسم وقال: لا إله غيره، يعني: لا معبود بحق غيره ﷾، (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب)، أي: الكتاب الذي كتب عليه وهو في بطن أمه وما كتب في اللوح المحفوظ: (فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).
أي: لا بد أن يصير إلى ما كتب عليه، (وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب) أي: الذي كتب عليه في بطن أمه وفي اللوح المحفوظ: (فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).
وجاء في الحديث الآخر أن هذا شق على الصحابة، فقال النبي ﷺ: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدوا للناس وإنه من أهل النار، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس).
وكأنه -والله أعلم- يكون بعض الناس هكذا فيما يبدو للناس، وبعضهم: لا يكون هكذا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وفي حديث عمر بن الخطاب ﵁ الذي رواه مسلم في الصحيح وأبو داود في السنن وغيرهما من الأئمة أن جبريل ﵇ قال للنبي ﷺ: (ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: نعم).
وفيه من الأدلة ما لو استقصيناه لأدى إلى الإملال].
حديث عمر بن الخطاب مشهور، فقد رواه مسلم في صحيحه بطوله، ورواه أبو داود في السنن وغيره من الأئمة، وأخرجه البخاري من حديث أبي هريرة مختصرًا وفيه: أن النبي ﷺ لما سأله جبريل عن الإيمان فذكر أركان الإيمان الستة، وجعل الركن السادس الإيمان بالقدر، قال: (أن تؤمن بالله) هذا الركن الأول، (وملائكته) الركن الثاني، (وكتبه) هذا الثالث، (ورسله) هذا الرابع (واليوم الآخر) هذا الخامس (والقدر) هذا هو السادس، وهذا هو الشاهد أن النبي ﷺ جعل الإيمان بالقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، فمن لم يؤمن بالقدر فليس بمؤمن؛ لأنه أنكر أصلًا من أصول الإيمان فيكون كافرًا، ولأن هذه الأصول الستة وهي: الإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والإيمان باليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، هذه الأصول الستة أثبتها القرآن العظيم ووضحها وبينها النبي ﷺ في سنته، وأجمع المسلمون عليها، ولم يخالف في شيء منها إلا من خرج عن دائرة الإسلام وصار من الكافرين.
نسأل الله السلامة والعافية.
وقوله: (فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: نعم) يعني: جبرائيل، وهذا حديث عظيم، فيه بيان مراتب الدين وأن الدين له مراتب ثلاث؛ لأن النبي ﷺ قال في آخر الحديث: (آتاكم جبريل يعلمكم دينكم).
فجعل الدين ثلاثة مراتب، فقد سأل عن الإسلام والإيمان والإحسان، وجاء في بعضها أن النبي ﷺ قال لهم في بعض الروايات: (سلوني سلوني) فهابوا أن يسألوه، فأرسل الله جبرائيل في صورة رجل يسأل حتى يتعلم الناس كيف يسألون.
والمؤلف يقول: وفيه من الأدلة ما لو استقصيناه لأدى إلى الإملال يعني: في إثبات القدر من الأدلة ما لو استقصيناها لأدى إلى التعب وإلى الإملال؛ لأن الأدلة كثيرة فلا يمكن حصرها فيؤدي إلى الملل والسآمة.
والقدرية كما سبق أنها طائفتان: الطائفة الأولى: الذين أنكروا العلم والكتابة.
والطائفة الثانية: وهم عامة القدرية الذين أنكروا عموم المشيئة والإرادة، وهؤلاء كلهم أنكروا شيئًا من القدر، ويقابلهم طائفة أخرى تسمى: الجبرية الذين يقولون: إن العبد مجبور على أفعاله، وليس له اختيار، فالإنسان كالريشة في الهواء لا يقدر على أن يفعل شيئًا، فهو مجبور على أفعاله، وهؤلاء يعذرون الإنسان بشركه ومعاصيه، ويقولون: إنه مجبور على أفعاله، ما دام أنه قدر عليه كل شيء، فإذًا ليس عليه حرام؛ إذ ليس له اختيار ولا قدرة، بله هو مجبور، فالمصلي والصائم، ليس هو في الحقيقة الذي يفعل، وإنما هو الله تعالى الذي يفعل.
ويقولون: إن العبد كالكوز الذي يصب فيه الماء، والله صب الماء فيه، فيصب فيه الأفعال صبًا، وأفعاله كلها اضطرارية مثل حركة المرتعش، والنائم، وحركة الأشجار.
ويقولون: كيف يعذب الله العبد على ما خلقه فيه؟ وكيف يقدر عليه ثم يعذبه؟ وهو ليس له قدرة، ولا اختيار، ولا امتناع عن القدر، فيقولون: فمثل الله كمثل من قيد شخصًا وأوثقه وأمسك يديه ورجليه ثم ألقاه في الماء وقال: لا يصيبك البلل.
ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء وهم يحتجون على شركهم وأفعالهم بالقدر، ولهذا يسمونها المشركية، وهؤلاء كما قال الله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل:٣٥].
فهم يحتجون بالقدر ويرونه حجة، ويقولون: الزاني معذور، والسارق معذور، والمشرك معذور والعياذ بالله.
فهؤلاء آمنوا بالقدر وأنكروا الأوامر الشرعية، وهذا مذهب خبيث وباطل؛ لأن معناه: إنكار الشرائع وإنكار الرسل؛ لأنهم يعذرون أنفسهم ويحتجون بالقدر، فهم آمنوا بالقدر وأنكروا الأوامر والنواهي.
وأما القدرية الأولى الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه خيرًا أو شرًا فيسمون بالقدرية المجوسية نسبة إلى المجوس؛ لأن المجوس يقولون: العالم له خالقان: ً النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر، فقالوا: بوجود خالقين.
والقدرية قالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه فجعلوه خالقًا مع الله، فقالوا بتعدد الخالق فسموا مجوسية لمشابهتهم للمجوس في القول بتعدد الخالق، إلا أن المجوس أثبتوا خالقين اثنين، والقدرية أثبتوا خالقِين كل واحد يخلق فعله، فهؤلاء يسمون المجوسية؛ لأنهم كذبوا بالقدر وآمنوا بالشرع أو الأوامر والنواهي، وأولئك يسمون المشركية، ويسمون الجبرية، وهؤلاء يسمون القدرية النفاة وهم القدرية المجوسية، وأولئك يسمون القدرية المثبتة أو القدرية المجبرة وهم القدرية المشركية، والقدرية المشركية أشد فسادًا وضلالًا؛ لأن القدرية المجوسية أثبتوا الشرع والأوامر والنواهي، فهم يعظمون الشرائع والأوامر والنواهي.
أما القدرية المشركية فقد أبطلوا الشرائع والأوامر والنواهي، وعلى قولهم تكون الشرائع عبث والعياذ بالله، والأوامر والنواهي عبث، والرسل عبث، فيكون قوم نوح معذورون في شركهم على مذهبهم، وكذلك قوم هود، وقوم صالح، نسأل الله السلامة والعافية.
وهناك طائفة ثالثة أيضًا يسمون الإبليسية: وهؤلاء آمنوا بالأمر والنهي، وبالقدر والشرع، لكن جعلوا هذا تناقضًا من الرب قالوا: الرب متناقض -نعوذ بالله- إذ كيف يأمر وينهى ويقدر خلاف ذلك.
فتكون الطوائف ثلاث: المشركية، والمجوسية، والإبليسية.
المجوسية أثبتوا الأمر والنهي وأنكروا القدر، والمشركية بالعكس أثبتوا القدر وأنكروا الأمر والنهي.
والإبليسية: أثبتوا القدر والأمر والنهي إلا أنهم جعلوا الرب متناقض، وقالوا: الشرع يبطل القدر، والقدر يبطل الشرع، وهؤلاء سموا إبليسية؛ لأنهم منسوبون إلى إبليس الذي اعترض على الله لما قال الله: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [البقرة:٣٤] فإبليس امتنع وقال: كيف أسجد وأنا خير منه؟ فعنصري أحسن من عنصره، إذ عنصر آدم الطين، وعنصر إبليس النار، والنار أفضل من الطين، ولا يخضع الفاضل للمفضول حيث قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢] فأول من قاس قياسًا فاسدًا هو إبلي
[ ٩ / ٦ ]
الأسئلة
[ ٩ / ٧ ]
حال الأحباش في جنوب المملكة
السؤال
ذكرتم حفظكم الله أن الأحباش من فرقة النصارى وأنهم في جنوب المملكة، وبمراجعة الموسوعة الميسرة تبين أن الأحباش طائفة ضالة تنسب إلى عبد الله الحبشي وهي تحيي مناهج أهل الكلام والصوفية والباطنية، يئولون صفات الله تعالى بلا ضابط شرعي، فيئولون الاستواء بالاستيلاء، ويزعمون أن جبريل هو الذي أنشأ ألفاظ القرآن، والأحباش في مسألة الإمامة من المرجئة الجهمية، وفي القدر جبرية يستغيثون بالأموات، ويسبون الصحابة وخاصة معاوية وعائشة ﵄، ويكفرون ابن تيمية وابن عبد الوهاب، وينتشرون في لبنان بصورة كبيرة، وفي أوربا وأمريكا، وكندا، واستراليا، والسويد، والدنمرك، ولا يعلم أنهم في جنوب المملكة، وذكر فتوى لسماحة الشيخ ابن باز ﵀، فما توجيهكم؟
الجواب
الأحباش الذي ذكرت غير الذي ذكرت في الموسوعة، فهؤلاء شاهدتهم يجيئون من الحبشة، وهم موجودون الآن، ويتسللون إلى المملكة من جهة الجنوب وهم نصارى، وهؤلاء يسمونهم الأحباش باللغة العامية، يقولون: هؤلاء أحباش وهم نصارى معروفون.
[ ٩ / ٨ ]
حكم من حلف بحرف من القرآن أو بسورة أو بالقرآن كله
السؤال
من حلف بحرف، أو حلف بسورة البقرة، أرجو الإيضاح: فهل عليه بكل حرف من سورة البقرة يمين؟ وشخص آخر يحلف كثيرًا بالقرآن فهل عليه كفارة بكل حرف من القرآن؟
الجواب
هذا ظاهر كلام المؤلف ﵀ حيث قال: فعليه أيمان، لكن الذي يظهر والله أعلم أنه إذا حلف بالقرآن فهي يمين واحدة، وإذا حلف بكلام الله فهي يمين واحدة، هذا الذي أقره أهل العلم، لكن ظاهر كلام المؤلف يقول: فعليه أيمان بكل حرف، وهذا فيه نظر ويحتاج إلى دليل.
فمن حلف بسورة البقرة ليس معنى ذلك أنه بكل حرف عليه يمين؛ إذ هذا يحتاج إلى دليل.
[ ٩ / ٩ ]
خطأ من يفسر الشهادة بأنها إخراج اليقين الفاسد
السؤال
البعض يفسر معنى لا إله إلا الله بأنها إخراج اليقين الفاسد، فهل هذا التفسير صحيح؟
الجواب
هؤلاء هم جماعة التبليغ حيث يقولون: تخرج اليقين الفاسد وتدخل اليقين الصحيح، وهذا ليس على إطلاقه، بل قد يكون عنده يقين فاسد فيخرجه، وقد يكون عنده شك فقط فيخرجه أيضًا، فبعض الكفار يكون عنده شك، فإذا وحد الله وقال: لا إله الله زال الشك عنه، وبعض الكفرة عنده يقين في شركه ومعبوداته، فإذا وحد الله خرج اليقين الفاسد، وتيقن التوحيد الحق، فهذا الكلام ليس بصحيح على الإطلاق.
[ ٩ / ١٠ ]
ثبوت لفظ (على ما تشاء قدير) في السنة وتوجيهه
السؤال
ثبت في حديث آخر من يدخل الجنة قوله ﷺ: (إنك على ما تشاء قدير) فما توجيهكم؟
الجواب
إذا ثبت هذا فهو معناه مثل الآية: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩]؛ لأن الله تعالى وعده بالثواب، ولا ينفي هذا قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠].
[ ٩ / ١١ ]
بيان معنى قوله: (ما منكم أحد إلا سيكلمه الله)
السؤال
في قوله ﷺ: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله) هل الكلام عام للمؤمنين والكفار أم هو خاص بالمؤمنين؟
الجواب
هذا ظاهره العموم ويلزم من ذلك الرؤية، والرؤية كما سبق في موقف القيامة فيها ثلاثة أقوال لأهل العلم، فمن العلماء من قال: إن الرؤية تكون لهم جميعًا ثم يحتجب عن الكفرة، ومنهم من قال: الرؤية خاصة بالمؤمنين والمنافقين، ومنهم: من قال: خاصة بالمؤمنين، والله تعالى أخبر أنهم: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون:١٠٦] حال الكفار ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] فالظاهر أن الله يكلمهم، وهذا الكلام فيه تعذيب لهم والعياذ بالله، نسأل الله السلامة والعافية.
[ ٩ / ١٢ ]
بيان الزمان الذي ينطق فيه الحجر
السؤال
هل نطق الحجر والشجر فعلًا كما سمعنا في بعض الأخبار ونقل عن بعضهم أنه نطق، ومتى يكون نطق الحجر، هل قبل نزول عيسى ﵊؟
الجواب
نطق الحجر والشجر معجزة للنبي ﷺ، فقد سلمت عليه الشجرة، وسلم عليه الحجر، وأما الذي في آخر الزمان هذا بعد نزول عيسى، إذ ينزل عيسى ﵇ ويقتل الدجال، وبعد ذلك يقاتل المسلمون اليهود، ويسلطون عليهم فيقتلونهم قتلًا ذريعًا، فيختبئ اليهود وراء الشجر والحجر فيتكلم الشجر والحجر في ذلك الوقت، ويقول: يا مسلم! هذا يهودي خلفي تعال فاقتله.
[ ٩ / ١٣ ]
أقسام الناس في الإيمان والرضا بالقضاء والقدر
السؤال
ما الفرق بين القضاء والقدر؟ وهل يلزم الإيمان والرضا بالقضاء والقدر؟
الجواب
القضاء والقدر إذا اجتمعا صار لكل واحد منهما معنى، وإذا أطلق أحدهم دخل فيه الآخر، فالقضاء له معان متعددة فقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ﴾ [فصلت:١٢] بمعنى: خلقهن، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء:٢٣] بمعنى: الأمر، فيأتي بمعان متعددة، والقدر كذلك له معان متعددة.
والإيمان بالقضاء والقدر واجب، والصبر على القدر واجب، أما الرضا بما قدره الله فهذا فيه تفصيل، فالصبر على المصائب وعلى ما قدره الله واجب، ولا يجوز للإنسان أن يتسخط أو يجزع، بل يجب عليه أن يصبر وأن يحبس نفسه عن الشكوى، ولسانه عن التشكي، وجوارحه عما يغضب الله، أما كونه يرضى فهذا مستحب عند المحققين من أهل العلم، وهناك مرتبة أعلى من هذه وهي أن يصبر على المصيبة ويرضى، وهناك من يشكر الله، فالناس أقسام تجاه المصائب وما يقدره الله، القسم الأول: من يجزع ولا يصبر، فتجده مثلًا يشكو ويتكلم لماذا قدر علي هذا؟ ولماذا حصل بي كذا؟ وتجده يلطم خده، وينتف شعره، ويشق ثوبه، وهؤلاء حرموا الأجر وعليهم الوزر.
القسم الثاني: الذين يصبرون ولا يجزعون، ولا يتسخطون، ولا يتشكون، وليس في نفوسهم هلع، ولا يعملون بجوارحهم ما يغضب الله، وهؤلاء أتوا بالواجب.
القسم الثالث: يصبرون ويرضون بقضاء الله وقدره، فعندهم رضًا وطمأنينة؛ لأنهم يعلمون أن الخيرة فيما اختاره الله، ويعلم أن الله أعد للصابرين الثواب العظيم والأجر الكبير، أن الله يكفر سيئاتهم ويرفع درجاتهم بهذه المصيبة.
القسم الرابع: وهو من يجعل المصيبة نعمة يشكر الله عليها؛ لأنه يوافق ربه فيما أراده وقضاه، وفيما أحبه في محابه ومراضيه؛ ولأنه كفر بها السيئات، ورفع بها الدرجات، فاعتبرها من النعم، فالمحن في حق هؤلاء تكون منحًا ونعمًا يشكرون الله عليها، وهذا لا يقدر عليه إلا عباد الله الخلص، وخواص المؤمنين.
[ ٩ / ١٤ ]
حكم قول بعض الناس: (فلان لا يستحق هذا)
السؤال
بعض الناس إذا أصيب شخص بمصيبة قال: فلان لا يستحق هذا فهل في ذلك شيء؟
الجواب
هذه كلمة خطيرة ينبغي الحذر منها، فقوله: (لا يستحق) معناه: اعتراض على الله، فلا يصلح هذا، وينبغي التنبيه عليه.
[ ٩ / ١٥ ]