المتن
قال المصنف ﵀: "ولكثرة الاشتباه في هذا المقام وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته، أو زائد على ماهيته؛ وهل لفظ «الوجود» مقول بالاشتراك اللفظي، أو بالتواطئ، أو التشكيك، كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟، وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟.
وقد كثر من أئمة النُظَّار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات، فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين، ويحكى عن الناس مقالات ما قالوها، وتارة يبقى في الشك والتحير، وقد بسطنا من الكلام في هذه المقامات، وما وقع من الاشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة، ما لا تتسع له هذه الجمل المختصرة.
وبيَّنا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة في الخارج، بخلاف الماهية التي في الذهن فإنها مغايرة للموجود في الخارج، وأن لفظ «الوجود» كلفظ «الذات» و«الشيء» و«الماهية» و«الحقيقة» ونحو ذلك، وهذه الألفاظ كلها متواطئة، وإذا قيل: إنها مشكِّكة، لتفاضل معانيها، فالمشكِّك نوع من المتواطئ العام الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك، سواء كان المعنى متفاضلا في موارده، أو متماثلًا.
وبيَّنا أن المعدوم شيء أيضًا في العلم والذهن، لا في الخارج، فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به.
[ ٢ / ٩٠٨ ]
وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، لها وجود في الأذهان، وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة، وصفاتها القائمة بها المعيَّنة، فتتشابه بذلك وتختلف به.
وأما هذه الجمل المختصرة فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة، من فهمها عَلِمَ قدر نفعها، وانفتح له باب الهدى، وإمكان إغلاق باب الضلال، ثم بسطها وشرحها له مقام آخر، إذ لكل مقام مقال.
والمقصود هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما يُنفى عن الرب، وينزَّه عنه- كما يفعله كثير من المصنفين- خطأ لمن تدبَّر ذلك، وهذا من طرق النفي الباطلة".
الشرح
تحدث المصنف عن عدد من المصطلحات المستعملة في هذه المسألة والتي ترتبط بالنقاش الدائر فيها، وكان حديثه فيه شيء من الإجمال لأنه قد تناول هذه المسائل في مواطن أخرى في غير هذه الرسالة، وإنما أراد هنا الإشارة للخلاف الحاصل فيها، وقد سبق شرح مسألة القدر والمشترك من جوانبها الاصطلاحية واللغوية والشرعية
المتن
قال المصنف ﵀: "فصل: وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها، إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، والذين يقولون بإلهية بعض البشر، وأنه الله.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
فإن كثيرًا من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم أو التحيز ونحو ذلك، ويقولون: لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسمًا أو متحيزًا، وذلك ممتنع.
وبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم الملاحدة، نفاة الأسماء والصفات، فإن هذه الطريق لا يحصل بها المقصود لوجوه:
أحدها- أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فسادًا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم، فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام، والدليل معرِّف للمدلول، ومبين له، فلا يجوز أن يُستدل على الأظهر الأبين بالأخفى، كما لا يُفعل مثل ذلك في الحدود.
الوجه الثاني- أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الآفات يمكنهم أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز، كما يقوله من يثبت الصفات وينفي التجسيم، فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة صفات الكمال، فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال وصفات النقص واحدًا، ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد، وهذا في غاية الفساد.
الثالث- أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافه بصفات الكمال واجب، ثابت بالعقل والسمع، فيكون ذلك دليلا على فساد هذه الطريقة.
الرابع- أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفى شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي، فمثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم، لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، فإنا لا نعرف موصوفًا بالصفات إلا جسمًا- قالت لهم المثبتة: وأنتم قد
[ ٢ / ٩١٠ ]
قلتم: إنه حي عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجودًا حيًا عالما قادرًا إلا جسمًا، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن، وقالوا لهم: أنتم أثبتم حيًّا عالما قادرًا، بلا حياة ولا علم ولا قدرة، وهذا تناقض يُعلم بضرورة العقل".
الشرح
بين المصنف فساد الطريق الذي سلكه أهل الكلام باستخدامهم ما يسمى حجة التركيب أو حجة عدم قيام الحوادث.
وبين المصنف فساد هذا الاحتجاج من وجوه:
الوجه الأول: أن أهل التعطيل يحتجون على ما هو واضح بما هو خفي، ومن المعلوم أن الدليل معرف للمدلول ومبين له فلا يعقل أن يكون الدليل خفيًا والمدلول واضح.
وهنا رام أهل الكلام تنزيه الله عن النقائص كالمرض والحزن والبكاء ونحوها وهو المدلول بدليل نفي التجسيم، ونفي التجسيم أخفي عند عامة العقلاء من نفي هذه النقائص. وكما قال المصنف: "فلا يجوز أن يُستدل على الأظهر الأبين بالأخفى".
وكذلك في الحدود والتعريفات يجب أن يكون التعريف أو حد الشيء واضحا لكي يدل على الشيء المعرف، فلا يحسن تعريف الخمر بالعقار (^١)، باعتبار أن إطلاق لفظ العقار لا يعرفه كل أحد كما يعرف الناس الخمر باسمها الذي هو أشهر وأظهر وأعرف. فكذلك الحال لا يحسن إثبات تنزيه الله عن النقائص ببرهان نفي
_________________
(١) العقار بالضم الخمر، انظر القاموس المحيط: ص ٠٧٠
[ ٢ / ٩١١ ]
التجسيم.
والوجه الثاني: أن هؤلاء المستدلين بنفي الصفات بحجة نفي التجسيم هم أمام فريقين:
الفريق الأول: القائلين بوصف الله بتلك النقائص، وهؤلاء قد يحتجون على هؤلاء بقولهم نحن لا نقول بما نصفه من النقائص بالتجسيم والتحيز.
والفريق الثاني: أهل السنة المثبتة الكمال لله فإنهم يقولون ببطلان الملازمة وأن إثبات صفات الكمال لايقتضي تجسيما.
فيصبح نزاع الفريق الأول الذين يصفونه بالنقص مثل نزاع مع مثبتة الكمال من أهل السنة، والأولون مبطلون وأهل السنة محقون
وكون رد من سلك مسلك نفي التجسيم في إثبات التنزيه على كلا الطائفتين المحقة والمبطلة واحد هذا في غاية الفساد أن يكون طريق الاستدلال على التنزيه يستوي فيه النقض على الحق وعلى الباطل. فهذا من أفسد مسالك الرد على المخالف.
الوجه الثالث: أن هؤلاء الذين سلكوا مسلك التنزيه بدليل نفي التجسيم، قاموا في ذات الوقت بنفي صفات الكمال لله ﷿ بنفس هذا الدليل، ومعلوم أن صفات الكمال لله ﷿ واجبة لله بالأدلة العقلية والسمعية.
فهذه النتيجة التي توصلوا إليها بنفي صفات الكمال هي دليل واضح على فساد استدلالهم بدليل حدوث الأجسام.
والوجه الرابع: أن هذا الدليل يستدل به كل من نفاة الصفات من المعتزلة ومن وافقهم، ويستدل به كذلك نفاة بعض الصفات من متكلمة الصفاتية، وهؤلاء متناقضون فيما بينهم، والفرق بين الاثنين من حيث موقف كل واحد منهم في
[ ٢ / ٩١٢ ]
الصفات. وشرح هذا الوجه يتبين بثلاثة أمور:
الأمر الأول: موقف الفريقين من الصفات عمومًا.
وأما موقف المعتزلة ومن وافقهم:
فالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه، فردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به (^١) لأنهم يقولون إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف، وينفون أن يكون لله وصف قائم به علم أو قدرة أو إرادة أو كلام (^٢)
وأما موقف الكلابية ومن اتبعهم من الصفاتية: فيفرقون بين الوصف والصفة
فيجعلون الوصف: هو القول
ويجعلون الصفة: المعنى القائم بالموصوف (^٣)
فقالوا: إن الوصف الذي هو القول يراد به الأفعال، وزعموا أنها لا تقوم به، والصفة: هي الصفات اللازمة القائمة بالذات
فظنوا أن هناك نوعين مختلفين من الصفات:
أحدهما: قائم بالذات لازم لها، كصفات المعاني السبعة التي هي العلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام
والثاني: صفات أفعال لا تقوم عندهم بالذات، بل هي نسب إضافية عدمية تنشأ من إضافة المفعول لفاعله، ولا يعقل لها وجود إلا بتلك الإضافة، فوجودها أمر
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٧، ١٤٨
(٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٥
(٣) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٥.
[ ٢ / ٩١٣ ]
سلبي، وليس لها وجود في نفسها، فليس ثمت عندهم موجود إلا المفعولات، وأما الأفعال فنسب وإضافات (^١).
الأمر الثاني: أن كلا الفريقين يستدل بنفس الدليل ولكن لكل واحد منهما فهمه الخاص.
والفرق بينهما
أن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث- بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.
ولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: "لا تقوم به الأعراض" وقالوا: "تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضًا".
ووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته (^٢).
ففرقوا بين الأعراض -أي الصفات- والحوادث -أي الأمور المتعلقة بالمشيئة (^٣) (^٤).
_________________
(١) - شرح القصيدة النونية للهراس ٢/ ١٢٠.
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٠، ٥٢١).
(٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٥).
(٤) تتميمًا للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:
(٥) قول المعتزلة ومن وافقهم: إن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).
(٦) قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.
(٧) قول الكرامية، ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا: لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها، فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.
(٨) قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح. مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٠، ٥٢٥).
[ ٢ / ٩١٤ ]
فالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله (^١)، ويقولون: "لو قامت به لكان محلًا للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالًا لم يجز وصفه به (^٢).
الأمر الثالث: شرح كلام المصنف.
كل واحد من الفريقين عنده قدر من الإثبات وقدر من النفي، أما الإثبات فالمعتزلة يثبتون الأسماء، وأما الصفاتية فيثبتون بعض الصفات كصفة الحياة والسمع والبصر.
وأما النفي فإن المعتزلة ومن وافقهم ينفون جميع الصفات، وأما متكلمة الصفاتية فينفون الصفات الاختيارية كما هو قول قدمائهم، أو ينفون جميع الصفات ما عدا الصفات السبع أو الثمان وهذا قول المتأخرين منهم.
فكل واحد من الفريقين يحتج بنفس هذا الدليل على القدر الذي يثبته أو ينفيه
_________________
(١) الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، أو التي تنفك عن الذات: كالاستواء، والنزول، والضحك، والإتيان، والمجيء، والغضب والفرح. مجموع الفتاوى (٦/ ٦٨، ٥/ ٤١٠).
(٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٦٩)، وانظر الرد على هذه الشبهة (٦/ ١٠٥).
[ ٢ / ٩١٥ ]
الآخر وهذا معنى قول المصنف: "فكل من أثبت شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفى شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي"
وأعطى المصنف مثالًا لذلك بكون متكلمة الصفاتية قد أثبتوا بعض الصفات فقال المصنف: "فمثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر"
فيحتج عليهم المعتزلة بما ذكره المصنف بقوله: "إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم، لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، فإنا لا نعرف موصوفًا بالصفات إلا جسمًا"
فيجيب متكلمة الصفاتية على هذا الاعتراض بأن المعتزلة كذلك يثبتون الأسماء كالحي والعليم والقدير وتقولون إن إثباتها لا يستلزم الجسمية فكذلك نحن نقول بنفس قولكم أن إثبات تلك الصفات لا يستلزم أن يكون جسمًا وهذا ما أشار إليه المصنف بقوله: "قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: إنه حي عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجودًا حيًا عالما قادرًا إلا جسمًا، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن، وقالوا لهم: أنتم أثبتم حيًّا عالما قادرًا، بلا حياة ولا علم ولا قدرة، وهذا تناقض يُعلم بضرورة العقل".
فإن كل من أثبت صفة ونفي أخرى مخالفا غيره فيما أثبت ونفى الزم كل منهما صاحبه فيما نفاه بعين ما يلزمه الآخر فيما يثبته لأن كليهما اعتمد على مسلك نفي التجسيم وهذا يكشف بطلان هذا المسلك إذ أصحابه متناقضون. إذ كل يعترض على صاحبه بما هو معارض به من قبل غيره.
المتن
قال المصنف ﵀: "ثم هؤلاء المثبتة إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء، أو بالوجه واليد
[ ٢ / ٩١٦ ]
ونحو ذلك- إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم، لأنَّا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم، قالت لهم المثبتة: فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، وهذا هكذا، فإن كان هذا لا يوصف به إلا الجسم فالآخر كذلك، وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك، فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين.
الشرح
انتقل المصنف من اعتراض كل من المعتزلة ومتكلمة الصفاتية على بعضهم البعض على اعتبار أن كل واحد منهما يحمل قدرًا من النفي إلى شأن أخر وهو اعتراض أصحاب منهج السلف مع المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية الذين ينفون ما عدا الصفات السبعة، على اعتبار أن كل واحد منهما يحمل قدرًا من الإثبات فأطلق على الفريقين مسمى (المثبتة).
فمن المعلوم أن منهج السلف هو إثبات جميع الصفات بما فيها الصفات الاختيارية كصفة الرضا، والغضب، والحب، والبغض، والاستواء، والنزول، والإتيان، والمجيء.
كما أنهم يثبتون الصفات الذاتية كالوجه، واليد، ونحو ذلك.
فبدأ باعتراض المتأخرين من الأشاعرة ومعهم الماتريدية على أتباع منهج السلف فقال: "ثم هؤلاء المثبتة" ويعني بهم المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية "إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء، أو بالوجه واليد ونحو ذلك- إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم".
فهذا وجه اعتراضهم أن إثبات هذه الصفات يلزم منه التجسيم لأنهم على-حد
[ ٢ / ٩١٧ ]
زعمهم-يقولون: "لأنَّا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم".
وقول المصنف: "قالت لهم المثبتة" ويعني بهم أتباع منهج السلف. فقد قالوا جوابًا على هذا الاعتراض بجنس ما ذكره هؤلاء وهو أنكم "فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام" أي أن المتأخرين من الأشاعرة ومعهم الماتريدية وصفوه بالصفات السبع وذكر ستة منها والصفة السابعة هي صفة الإرادة.
وقوله: "وهذا هكذا، فإن كان هذا لا يوصف به إلا الجسم فالآخر كذلك، وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك".
أي إذا كانت تلك الصفات التي نفيتموها مثل النزول والاستواء والمجيء ونحوها لا يوصف بها إلا الجسم، فالواجب أن تقولوا في الصفات التي أثبتموها مثل ذلك أنها لا يوصف بها إلا الجسم.
وقوله: "فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين". أي كل واحد منهما تسمى صفات وكذلك أطلقت على الله ﷿ فالتفريق بينهما تفريق بين متماثلين.
المتن
قال المصنف ﵀: "ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقًا فاسدًا- لم يسلكه أحد من السلف والأئمة، فلم ينطق أحد منهم في حق الله تعالى بالجسم لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مجملة لا تحق حقًا ولا تبطل باطلًا، ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار، ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتَدَع، الذي أنكره السلف والأئمة".
[ ٢ / ٩١٨ ]
الشرح
تقدم ذكر موقف السلف من إطلاق لفظ الجسم نفيًا وإثباتًا فيما تقدم من الشرح، والمصنف هنا يعيد تأكيد الموقف العام للسلف من كل من لفظ الجسم والجوهر والتحيز ونحو ذلك من الألفاظ.
وقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و(الجسم) و(العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحًا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره.
وليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعًا. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك
وأيضًا: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئًا، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله
فإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة (^١).
قال ابن القيم: "فلفط الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا فتكون له حرمة الإثبات،
_________________
(١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨ - ٢٣٣).
[ ٢ / ٩١٩ ]
ولا نفيا فيكون له إلغاء النفي" (^١)
وقول المصنف: "ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار".
واستدل المصنف لذلك بأن مسألة وصف الله بالنقائص ليست مسألة جديدة بل هي مذكورة في القرآن.
• أما اليهود فقد قال الله تعالى عن اليهود الذين "كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التي يجب تنزيهه عنها، وهي من صفات خلقه" (^٢)
فقد حكي الله عنهم ذلك في كتابه، كقوله -تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله ردًا على وصفه سبحانه بالتعب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
• وأما الكفار فقد قال تعالى عن الكفار (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الحشر ٢٣].
فسبح نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده، واستحالة إثبات شريك له (^٣).
وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى
_________________
(١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٣/ ٣٣٩.
(٢) مجموع الفتاوي ١٠/ ٥٥.
(٣) جلاء الأفهام ص ١٤٧.
[ ٢ / ٩٢٠ ]
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل الآيات ٥٧ - ٦٠].
فإن الله تعالى احتج على المشركين وأهل الكتاب، فيما يثبتون له من الشريك والبنات، بأنهم يُنزهون أنفسهم عن ذلك؛ لأنهم يعتبرون ذلك نقصًا وعيبًا في حقهم؛ فإذا كانوا لا يرضون بهذا الوصف والمثل السوء لأنفسهم؛ فكيف يصفون به ربهم، ويجعلون له مثل السوء، والرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منهم؟!.
قال المصنف: "ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتَدَع، الذي أنكره السلف والأئمة".
أي مع كون هذه دعوى وصف الله بالنقائص قديمة، فإنه لم يرد في النصوص أو في كلام السلف استعمال هذه الألفاظ لا نفيًا ولا إثباتًا.
يجب أن يعلم أن القول بتنزيه الله ﷿ عن النقائص قد يحتمل وجهًا حقًا وقد يحتمل وجهًا باطلًا.
أما الوجه الحق: إذا قال القائل: الله يجب تنزيهه عن سمات الحدث، أو علامات الحدث، أو كل ما أوجب نقصًا وحدوثًا فالرب منزه عنه، فهذه كلمة حق معلومة متفق عليه.
أما الوجه الباطل:
قول الجهمية: إن قيام الصفات به، أو قول متكلمة الصفاتية أن قيام الصفات الاختيارية، هو من سمات الحدث.
وهذا باطل عند السلف والإئمة، بل وجمهور العقلاء، بل ما ذكروه يقتضي حدوث كل شيء، فإنه ما من موجود إلا وله صفات تقوم به، وتقوم به أحوال تحصل
[ ٢ / ٩٢١ ]
بالمشيئة والقدرة.
فإن كان هذا مسلزمًا للحدوث لزم حدوث كل شيء، وأن لا يكون في العالم شيء قديم (^١).
ومن المعلوم أن طريقة المخالفين لأهل السنة والجماعة وصف الله -﷿- بالنفي المحض.
فالمخالفون لأهل السنة والجماعة في هذا الباب وهم المعطلة، فقد عكسوا هذه الطريقة الصحيحة ووصفوا الله -﷿- بالنفي المحض الذي لا يتضمن إثباتًا، فيقولون مثلًا: ليس بكذا، ولا بكذا … يقولون: ليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا لحم، ولا دم، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، ولا بذي لون، ولا طعم، ولا رائحة، ولا طول، ولا عرض، ولا عمق، ولا اجتماع، ولا افتراق، ولا يتبعض، ولا يتجزأ، ولا يقرُب من شيء، ولا يقرُب منه شيء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ونحو ذلك، ولا يُشار إليه، ولا هو مباين للعالم، ولا داخله، ولا خارجه، … إلى أمثال هذه العبارات السلبية التي لا تتضمن إثباتًا.
وإذا أرادوا الإثبات: أثبتوا شيئًا مجملًا يجمعون فيه بين النقيضين، ويُقدرون وجودًا مطلقًا لا حقيقة له إلا في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان، فبعضهم يصفونه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وبعضهم يثبت له الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات، وبعضهم يثبت له الأسماء وعددًا محدودًا من الصفات (^٢).
_________________
(١) انظر دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦.
(٢) انظر: مقالات الإسلاميين ص (١٥٥ - ١٥٦)، منهاج السنة النبوية (٢/ ١٨٧، ٥٦٢)، الصفدية (١/ ١١٦)، مجموع الفتاوى (٦/ ٦٦، ٥١٦، ١١/ ٤٨٣ - ٤٨٤، ٢٠/ ١١١ - ١١٢، ١٢٦)، درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٦٣)، النبوات (٢/ ٦٤٣)، الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٦٣)، التدمرية ص (١٢ - ١٩)، التسعينية (١/ ١٧٢ - ١٧٤)، الكيلانية، ضمن مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٣٢)، الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية، ضمن مجموع الفتاوى (٢/ ١٩٨)، الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٠٩)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٦٩ - ٧٠)، توضيح المقاصد (١/ ١٤٨، ٢/ ٤٣٦)، التحفة المهدية ص (١٥٠ - ١٥١)، شرح القصيدة النونية (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨).
[ ٢ / ٩٢٢ ]
وهذه الطريقة أدتهم إلى عكس مرادهم، فشبهوا الله -﷿- بالمعدومات، وبالممتنعات، في حين أنهم أرداوا التنزيه فرارًا من التشبيه، فوقعوا في شر من الذي فروا منه، وهذا شأن كل من خالف القرآن الكريم والسنة النبوية فإن مصيره إلى الانحراف والبدعة والعياذ بالله.
[ ٢ / ٩٢٣ ]