[والثاني: فلا يخلو: إما أن يتحافظا، أو لا يتحافظا.
فإن تحافظا: فهما المتقابلان بالتضايف: وهما اللذان لا تعقل لكل واحد منهما إلا مع تعقل الآخر كقولنا: زيد أب، زيد ابن. وخاصيته توقف كل واحد من طرفيه على الآخر في الفهم.
وإن لم يتحافظا: فإما أن يسد كل واحد منهما الآخر، أو لا يسد.
فإن كان الأول: فهما المتقابلان بالتضاد.
والمتضادان كل أمرين يتصور اجتماعهما في الكذب دون الصدق، وسد كل واحد منهما الآخر. وسواء كانا وجودين: كالسواد، والبياض. أو وجود، وعدم: كالزوجية، والفردية.
ومن خواصه جواز استحالة كل واحد من طرفيه إلى الآخر في بعض صوره، وجواز وجود واسطة بين الطرفين تمر عليه الاستحالة من أحد الطرفين إلى الآخر: كالصفرة، والحمرة بين السواد، والبياض.
وإن كان لا يسد كل واحد منهما الآخر: فهو تقابل العدم والملكة.
أما الملكة بالمعنى الخاص: فهو معني وجودي أمكن أن يكون ثابتا للشيء. إما بحق جنسه: كالبصر للإنسان، أو بحق نوعه: ككتابة زيد، أو بحق شخصه: كاللحية للرجل.
وأما العدم المقابل لها: فهو ارتفاع هذه الملكة. وسواء كان ذلك في وقت الإمكان: كالأمية بعد البلوغ، أو قبله: كعدم الكتابة في حال الصغر.
وسواء كان مما يزول: كالمرودة، أو لا يزول: كالعمى
[ ٢ / ١٠٠٩ ]
ولما لم تكن ملكة البصر بالتفسير المذكور ثابتة للحجر، لا يقال له أعمى ولا بصير. ومن خواص هذا التقابل: جواز انقلاب الملكة إلى العدم، ولا عكس.
وعلى هذا إن أريد التقابل ههنا تقابل التناقض بالسلب والإيجاب: وهو أنه لا يخلو من كونه سميعا، وبصيرا، ومتكلما، أو ليس؛ فهو ما يقوله الخصم، ولا يقبل نفيه من غير دليل.
وإن أريد بالتقابل تقابل المتضايفين: فهو غير متحقق بين البصر، والعمي، والسمع، والطرش، ونحوه.
ثم وإن كان من قبيل تقابل التضايف؛ فلا يلزم من نفي أحد المتضايفين؛ ثبوت الآخر؛ بل ربما انتفيا معا.
وإن أريد بالتقابل تقابل الضدين: فإنما يلزم أن لو كان واجب الوجود قابلا لتوارد الأضداد عليه؛ وهو غير مسلم. وإن كان قابلا فلا يلزم من نفي أحد الضدين وجود الآخر؛ لجواز اجتماعهما في العدم، ووجود واسطة بينهما. ولهذا يصح أن يقال: الباري - تعالى - ليس بأسود، ولا أبيض.
وإن أريد بالتقابل تقابل العدم، والملكة: فلا يلزم أيضا من نفي الملكة تحقق العدم، ولا بالعكس؛ إلا في محل يكون قابلا لهما؛ ولهذا يصح أن يقال: الحجر لا أعمى، ولا بصير. والقول بكون الباري تعالي قابلا للبصر والعمي؛ دعوى محل النزاع، والمصادرة على المطلوب.
وعلى هذا: فقد امتنع لزوم العمي، والخرس، والطرش في حق الله تعالى، من ضرورة نفي البصر، والسمع، والكلام عنه (^١).
_________________
(١) نقلًا من كتاب أبكار الأفكار ١/ ١٩٠ - ١٩٢.
[ ٢ / ١٠١٠ ]