المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "فصل: وأما الأصل الثاني، وهو التوحيد في العبادات، المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعًا.
فنقول: إنه لا بدّ من الإيمان بخلق الله وأمره، "
الشرح
لما فرغ المصنف من الكلام عن الأصل الأول في هذا الرسالة وهو (باب التوحيد والصفات) شرع هنا في بيان الأصل الثاني من الكتاب وهو (باب الشرع والقدر).
وقد سبق أن ذكر المصنف في أول الكتاب الهدف من تأليف هذا الكتاب فبين أنه موضوع لبيان أصلين كبيرين:
الأصل الأول: التوحيد والصفات.
الأصل الثاني: الشرع والقدر.
ثم بين أن آيات القرآن الكريم تنقسم إلى قسمين:
- آيات تشتمل على الأخبار.
- آيات تشتمل على الأوامر.
فأما الأصل الأول (وهو التوحيد والصفات) فإنه من باب الأخبار.
[ ٢ / ١٠٤٠ ]
وأما الأصل الثاني (وهو الشرع والقدر) فإنه من باب الأوامر.
قال المصنف رحمه الله تعالى في بداية الرسالة التدمرية: «فَالْكَلَامُ فِي بَابِ (التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ) هُوَ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ الدَّائِرِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْكَلَامُ فِي (الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ) هُوَ مِنْ بَابِ الطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ» (^١).
وقول المصنف: "فنقول: إنه لا بدّ من الإيمان بخلق الله وأمره"
ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أننا مأمورون بالإيمان بشيئين:
١ - الخلق.
٢ - الأمر.
وقد جمع بينهما الله تعالى في سورة الأعراف فقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤].
فالخلق: هو القضاء والقدر.
والأمر: هو الشرع والعبادة.
المتن
قال المصنف ﵀: "فيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وقد علم ما سيكون قبل أن يكون، وقدّر المقادير وكتبها حيث شاء"
الشرح
شرع المصنف في بيان القسم الأول من هذا الأصل وهو ما عبر عنه في الآية
_________________
(١) التدمرية (ص: ٣).
[ ٢ / ١٠٤١ ]
بلفظ (الخلق) والمقصود به هنا القدر.
وأشار المصنف في هذا النص إلى مراتب القدر الأربعة، وهي:
١ - الخلق.
٢ - المشيئة.
٣ - العلم.
٤ - الكتابة.
فقول المصنف: "فيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه" هذه مرتبة الخلق.
وقول المصنف: "وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا حول ولا قوة إلا بالله" هذه مرتبة المشيئة.
وقول المصنف: "وقد علم ما سيكون قبل أن يكون" هذه مرتبة العلم.
وقول المصنف: "وقدّر المقادير وكتبها حيث شاء" هذه مرتبة الكتابة.
وأما تعريف القدر:
فالقدر في اللغة: هو القضاء والحكم ومبلغ الشيء، والتقدير: التروية والتفكر في تسوية الأمر (^١).
والقدر في الاصطلاح: "هو ما سبق به العلم، وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد، وأنه﷿- قدَّر مقادير الخلائق، وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها" (^٢).
_________________
(١) القاموس المحيط للفيروزآبادي (ص ٥٩١).
(٢) عقيدة السفاريني) ١/ ٣٤٨).
[ ٢ / ١٠٤٢ ]
وقال ابن حجر في تعريفه: "المراد أنّ الله- تعالى- علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثمّ أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته" (^١).
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وفي الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال: (إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) ".
الشرح
أشار المصنف-رحمه الله تعالى-هنا إلى بعض أدلة مرتبة العلم ومرتبة الكتابة.
وأما الأدلة على الإيمان بالقدر:
فنصوص القرآن والسنة متواترة في وجوب الإيمان بالقدر، وصريحة في أن كل شيء خلقه الله بقدر.
فأما أدلة القرآن، فمنها ما يلي:
- قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر الآية: ٤٩].
_________________
(١) فتح الباري (١/ ١١٨).
[ ٢ / ١٠٤٣ ]
- وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب الآية: ٣٨].
- وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال الآية: ٤٢].
- وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان الآية: ٢].
- وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى الآيات: ١ - ٣].
وأما أدلة السنة، فمنها ما يلي:
- عن عمر بن الخطاب في سؤال جبريل ﵇ الرسول -ﷺ- عن الإيمان قال: " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال (أي: جبريل ﵇): صدقت " (^١).
- وعن طاووس أنه قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله -ﷺ-، يقولون: كل شيء بقدر، قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس» (^٢).
- وعن أبي هريرة ﵁ قال: "جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله -ﷺ- في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر الآيات: ٤٨: ٤٩] (^٣).
وأما أدلة مراتب الإيمان بالقدر:
فالإيمان بالقدر له أربعة أركان، ويسميها بعض العلماء أيضًا: (مراتب القدر)،
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب معرفة الإيمان، والإسلام، والقدر، وعلامة الساعة (١/ ٣٦ رقم ٨).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب القدر باب كل شيء بقدر (٤/ ٢٠٤٥ رقم ٢٦٥٥).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب القدر باب كل شيء بقدر (٤/ ٢٠٤٦ رقم ٢٦٥٦).
[ ٢ / ١٠٤٤ ]
وهذه الأركان الأربعة هي:
الركن الأول: العلم:
الركن الأول- أو المرتبة الأولى من مراتب الإيمان بالقدر- هو العلم، فيجب الإيمان بأن الله يعلم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون، فالله يعلم القدر قبل وقوعه، ولكن قد أنكر هذا الركن وهذه المرتبة فرقة من الفرق الضالة في باب القدر، وهم القائلون بأنه: (لا قدر، والأمر أُنف) أي: مستأنف، أي أن الله لا يعلم الأمر إلا بعد أن يقع، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا،
والأدلة على علم الله تعالى بالمقادير كثيرة، منها:
- قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر الآية: ٢٢].
- وقال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق الآية: ١٢].
- وقال تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ [سبأ الآية: ٣].
- وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين﴾ [النحل الآية: ١٢٥].
- وقال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم الآية: ٣٢].
وقال الله تعالى- مقررًا علمه بما لم يكن لو كان كيف سيكون -: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام الآية: ٢٨]، فالله يعلم أن هؤلاء المكذبين الذين يتمنون في يوم القيامة الرجعة إلى الدنيا أنهم لو عادوا إليها لرجعوا إلى تكذيبهم وضلالهم.
[ ٢ / ١٠٤٥ ]
وقال في الكفار الذين لا يطيقون سماع الهدى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال الآية: ٢٣].
ومن علمه ﵎ بما هو كائن: علمه بما كان الأطفال الذين توفوا صغارًا عاملين لو أنهم كبروا قبل مماتهم، وبيانه فيما يلي:
- عن ابن عباس ﵄ قال: " سئل النبي -ﷺ- عن أولاد المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين " (^١).
- وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: توفي صبيٌّ، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة. فقال رسول الله -ﷺ-: " أَوَلَا تدرين أن الله خلق الجنة والنار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا؟ " (^٢).
وفي رواية عند مسلم- أيضًا- عن عائشة ﵂ قالت: "دُعي رسول الله -ﷺ- إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبي لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. قال: «أَوَغَير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم" (^٣).
الركن الثاني: الكتابة:
الركن الثاني- أو المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقدر- هو الكتابة، فيجب الإيمان بأن الله تعالى كتب كل المقادير في اللوح المحفوظ وسطر فيها كل ما هو
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب القدر باب الله أعلم بما كانوا عاملين (٨/ ١٢٢ رقم ٦٥٩٧).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٥٠ رقم ٢٦٦٢).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٥٠ رقم ٢٦٦٢).
[ ٢ / ١٠٤٦ ]
كائن إلى يوم القيامة.
واللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير الخلائق سماه القرآن بالكتاب، وبالكتاب المبين، وبالإمام المبين وبأم الكتاب، والكتاب المسطور.
- قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج الآيات: ٢١، ٢٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج الآية: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس الآية: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ [الطور الآية: ١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف الآية: ٤]، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي -ﷺ- أنه قال: «إنَّ الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (^١).
الركن الثالث: المشيئة:
الركن الثالث- أو المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر- المشيئة، أي: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته التامة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حركة ولا سكون في السماوات ولا في الأرض إلا بمشيئته، فلا يكون في ملكه إلا ما يريد.
والنصوص المصرحة بهذا الركن المقررة له كثيرة، منها:
- قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَّشَاءَ اللهُ﴾ [التكوير الآية: ٢٩].
- وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ المْوتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَّشَاءَ اللهُ﴾ [الأنعام الآية: ١١١].
- وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) [الأنعام الآية: ١١٢].
_________________
(١) أخرجه مسلم كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى برقم (٢٦٥٣).
[ ٢ / ١٠٤٧ ]
- وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس الآية: ٣٦].
- وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام الآية: ٣٩].
ومشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة يجتمعان فيما كان وما سيكون، ويفترقان فيما لم يكن ولا هو كائن، فما شاء الله تعالى كونه فهو كائن بقدرته لا محالة، وما لم يشأ الله تعالى إياه لا يكن لعدم مشيئة الله تعالى ليس لعدم قدرته عليه.
- قال تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) [البقرة الآية: ٢٥٣]،
- وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة الآية: ٤٨].
- وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام الآية: ٣٥].
- وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا) [الأنعام الآية: ١٠٧].
- وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ﴾ [يونس الآية: ٩٩].
الركن الرابع: الخلق:
الركن الرابع- أو المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر- الخلق، أي: خلق الله ﵎ لكل موجود، لا شريك لله في خلقه.
وقد قررت النصوص أن الله خالق كل شيء، فهو الذي خلق الخلق وكوَّنهم وأوجدهم، فهو الخالق وما سواه مربوب مخلوق
- قال تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الزمر الآية: ٦٢].
- وقال تعالى: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس الآية: ٨١].
- وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام الآية: ١].
[ ٢ / ١٠٤٨ ]
- وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء الآية: ١].
- وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء الآية: ٣٣].
فهذه مراتب القدر وأركانه الأربعة التي يجب على العبد أن يؤمن بها حتى يكون مؤمنًا بالقدر.
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "ويجب الإيمان بأن الله تعالى أمر بعبادته وحده لا شريك له، كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه".
الشرح
شرع المصنف في بيان القسم الثاني من الأصل الثاني: (الأمر) وهو الشرع
وأعظم الأوامر هو توحيد الله تعالى في أولوهيته ووجوب إفراده بالعبادة، ولذا بدأ المصنف ببيان هذا النوع من التوحيد، وهو توحيد الألوهية.
والجدير ذكره أن القرآن كله دعوة للتوحيد:
قال ابنُ القيم ﵀: «كلُّ سُورة في القرآن هي متضمنة للتوحيد، بل نقول قولًا كليًّا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه.
فإن القرآن:
١ - إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري.
٢ - وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو
[ ٢ / ١٠٤٩ ]
التوحيد الإرادي الطلبي.
٣ - وإمَّا أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته.
٤ - وإمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يُكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده.
٥ - وإمَّا خبر عن أهل الشرك، وما فُعل بهم في الدنيا من النِّكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم توحيده.
فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجَزائهم» (^١).
وأما تعريف توحيد الألوهية
فتوحيد الألوهية: هو إفراد الله بأفعال العباد التعبدية؛ كالصلاة، والصوم، والدعاء (^٢).
المتن
قال المصنف رحمه الله تعالى: "وعبادته تتضمن كمال الذّل له والحب له، وذلك يتضمن كمال طاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ " [آل عمران: ٣١].
الشرح
يندرج تحت هذا النص جملة مسائل؛ نذكر منها:
_________________
(١) «مدارج السَّالكين» (٣/ ٤٤٩، ٤٥٠).
(٢) القول المفيد شرح كتاب التوحيد لابن عثيمين (١/ ١٤).
[ ٢ / ١٠٥٠ ]
المسألة الأولى: تعريف العبادة لغة:
العبادة في اللغة: مَصدر عَبَدَ.
وفي «القاموس»: «العَبْدِيَّةُ والعُبودِيَّةُ والعُبودَةُ والعِبادَةُ: الطَّاعَةُ» (^١).
وفي «الصِّحاح»: «أصلُ العُبودية: الخُضوع والذُّل، والتَّعبيد: التَّذليل.
يقال: طريق مُعَبَّد، والبَعير المُعبد: المَهنوء بالقَطْرَان المُذَلَّل.
والعبادة: الطاعة، والتعبد: التَّنَسُّك».
فتفترق المعاني بحسب الاشتقاق.
«وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر الآية: ٢٩]، أي: في حِزبي» (^٢)، فأضاف إليها معنى جديدًا، وهو الولاء.
وفي «المخصص»: «أصل العبادة: التَّذليل، من قولهم: طريق مُعَبَّد، أي: مُذَلَّل بكثرة الوطءِ عليه … ومنه أُخِذ (العبد) لِذِلَّتِه لمَولاه.
والعبادة والخضوع والتَّذَلُّل والاستكانة قَرائب في المعاني؛ يقال: تعَبَّد فلان لفلان: إذا تذلل له، وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة؛ طاعة كان للمعبود أو غيرَ طاعة، وكل طاعة لله على جهة الخُضوع والتَّذَلُّل فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع، لا يَستحقه إلا الُمنعم بأعلى أجناس النِّعَم؛ كالحياة والفَهم والسَّمع والبَصر» (^٣).
وفي «اللِّسان»: «أصل العبودية: الخضوع والتذلل …، وفي حديث أبي هريرة:
_________________
(١) «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (ص ٢٩٦).
(٢) انظر: «الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية» للجوهري (٢/ ٥٠٣، ٥٠٤).
(٣) انظر: «المخصص»، لابن سيده (٤/ ٦٢).
[ ٢ / ١٠٥١ ]
«لا يَقل أحدكم لمملوكه: عَبدي وأَمَتي، وليقل: فتاي وفتاتي» (^١)؛ هذا على نفي الاستكبار عليهم، وأن يَنسب عبوديتهم إليه، فإنَّ المستحق لذلك الله تعالى، هو رب العباد كلهم والعبيد» (^٢).
وجعل بعضهم العبادة لله، بخلاف العبودية وغيرها فهي تجعل لله وللمخلوقين.
قال الأزهري: «ولا يقال: عبد يَعبد عبادة، إلَّا لمن يعبد الله، ومَن عَبَدَ من دونه إلهًا فهو من الخاسرين، قال: وأمَّا عَبْدٌ خَدَمَ مَولاه، فلا يُقال: عَبَدَه … قال الليث: ويُقال للمشركين: هم عَبَدَة الطاغوت.
ويقال للمسلمين: عباد الله، يَعبدون الله …، والعابد: المُوحِّد» (^٣).
وعلى هذا، فتعريف العبادة في لغة العرب: هو أن العبادة هي الذلُّ والخضوع المُستلزِم طاعة المَعبود أمرًا ونهيًا، ولذا سُمِّي الرقيق «عبدًا»؛ لأنَّه يَذِلُّ ويخضع لسيده أمرًا ونهيًا فيما يَختص بشئون الحياة.
فمدار كلمة (العبادة) - في اللغة- على التذلل والخضوع والاستكانة، وهي معان متقاربة.
الفرق بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي للعبادة:
لكن هذه اللفظة لما استعملت في الشَّرع أُضيف إليها مع الخضوع كمال المحبة، فانتقلت إلى المعنى الشرعي بإضافة المحبة مع الخضوع. ولذلك لما عرَّفها ابنُ كثير ﵀ قال: «العبادة في اللغة: مِنْ الذِّلَّة، يُقال: طريق مُعَبَّد، وبَعير مُعَبَّد، أي:
_________________
(١) أخرجه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩).
(٢) «لسان العرب» لابن منظور (٣/ ٢٧١).
(٣) «تهذيب اللغة» للأزهري (٢/ ١٣٩، ١٤٠).
[ ٢ / ١٠٥٢ ]
مُذَلَّل. وفي الشرع: عِبارة عمَّا يَجمع كمال المحبة والخُضوع والخَوف» (^١)، فعند تعريفها في الشرع زاد فيها معنى آخر، وهو المحبة.
قال شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والعبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذُّلِّ؛ فالعابد محبٌّ خاضع، بخلاف مَنْ يحب مَنْ لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف مَنْ يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم؛ فإنَّ كلًّا مِنْ هذين ليس عبادة محضة» (^٢).
وقال ابن القيم ﵀: «والعبودية مَدَارها على قاعدتين هما أصلها: حُبٌّ كاملٌ وذُلٌّ تامٌّ، ومنشأ هذين الأصلين … هما مُشاهدة المِنَّة التي تُورث المحبة ومطالعة عيب النَّفس والعمل التي تورث الذل التَّام، وإذا كان العبد قد بَنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يَظفر عدوه به إلا على غِرَّة وغِيلة، وما أسرع ما يُنعشه الله ﷿ ويجبره ويتداركه برحمته» (^٣).
المسألة الثانية: استعمالات كلمة (عبد) في الشرع.
استُعملت كلمة (عبد) في الشرع على عِدَّة أقسام:
القسم الأول: عبودية الرِّقِّ، كما جاء في قوله: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل الآية: ٧٥]، فالمراد بالعبد هنا: العَبد الرَّقيق المملوك؛ فتُطلق العبودية ويُراد بها عبودية الرِّقِّ.
القسم الثاني: العبودية العامَّة؛ حيث تُطلق العبودية ويُراد بها العبودية العامَّة؛ أي: عبودية الربوبية، كما في قوله: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾
_________________
(١) «تفسير ابن كثير» (١/ ١٣٤).
(٢) «قاعدة في المحبة» لابن تيمية (ص ٩٨).
(٣) «الوابل الصَّيِّب من الكلم الطيب» لابن القيم (ص ٨).
[ ٢ / ١٠٥٣ ]
[مريم الآية: ٩٣]، فالعبد هنا: عَبد القَهر والمُلك لله ﷾، وكلُّنا عبيدٌ لله ﷿.
وعند جمع كلمة (عبد) يَظهر الفرق بين عبودية الربوبية لله ﷿، وكذلك عبودية الرق، فتقول في جمعها: عَبيد، وأمَّا في عبودية الألوهية فتقول: عِباد، ولذلك قال تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ [الفرقان الآية: ٦٣].
القسم الثالث: العبودية الخاصة، أي: عبودية التَّأَلُّه، كما في قوله تعالى: ﴿واذكر عبدنا داود ذا الأيدي﴾ [ص الآية: ١٧]، ﴿واذكر عبدنا أيوب﴾ [ص الآية: ٤١]، ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء الآية: ١]، فهذه العبودية الخاصة.
القسم الرابع: عبودية الأشياء؛ كعبد الدنيا وشهواتها، وهو المذكور في قوله -ﷺ-: «تَعِس عبدُ الدِّينار والدِّرهم، والقَطيفة، والخَمِيصة؛ إن أُعطي رَضِي، وإن لم يُعط لم يَرْضَ» (^١)، فهذا فِيمَن استعبدته الدنيا وملذَّاتها فأصبح لها عبدًا.
لذا يلزم التفريق في استعمالات هذه الكلمة، حتى يتضح المراد بها.
وهذه المعاني مما يجدر مَعرفتها والعناية بها؛ لأنها سترد خلال سياق هذه الرِّسالة المباركة.
المسألة الثالثة: تعريف العبادة شرعًا:
مع اختلاف عبارات العلماء﵏- في تعريف العِبادة شرعًا إلا أنَّ الجميع يدور حول معنى واحد، والفرق بين تعريفاتهم إنما يقع في الشمول، وسنعرض بعضًا منها:
١ - قال الإمام القرطبيُّ ﵀: «العبادة: عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه،
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٤٣٥). والقطيفة: كساء أو فراش له أهداب. والخميصة: ثَوب أسود أو أحمر له أعلامٌ.
[ ٢ / ١٠٥٤ ]
وأصل العبادة: الخضوع والتَّذَلُّل» (^١).
٢ - وقال الإمام ابن كثير ﵀: «العبادة في الشرع: عِبارة عمَّا يَجمع كمال المحبة والخُضوع والخَوف» (^٢)؛ وعليه فَمن اتصف بذلك فإنه يُطلق عليه أنَّه عابد لله ﷿.
٣ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هنا: «العبادة: هي اسم جامعٌ لكلِّ ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة».
وعلى هذا يتضح أنَّ للعبادة تعريفين.
أحدهما: باعتبار العابد، وهو كمال الذُّلِّ مع كمال الحب لله ﷿.
والآخر: باعتبار المُتَعَبَّد به، وهو ما يُحِبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ لكونه ﷿ شَرَعَه وعُمِل وَفْقَ مُراده.
قال شيخ الإسلام: "العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة.
وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف
_________________
(١) «تفسير القرطبي» (١/ ٢٢٥).
(٢) «تفسير ابن كثير» (١/ ١٣٤).
[ ٢ / ١٠٥٥ ]
من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله (^١).
والعبادة هي الغاية التي خلق الله من أجلها جميع الجن والإنس.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات الآية: ٥٦]، وهي تتضمن كمال الذّل لله مع كمال الحب له ﷾، وذلك يتضمن كمال طاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله.
- قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء الآية: ٦٤]، قال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران الآية: ٣١].
_________________
(١) العبودية لشيخ الإسلام (ص: ٤٤).
[ ٢ / ١٠٥٦ ]