مذهب السلف والأئمة ﵏ هو إثبات الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه، وقد وردت عنهم روايات كثيرة تدل على ذلك، وممن روي عنهم ذلك من أقوالهم -على سبيل المثال لا الحصر-: الإمام ابن الماجشون، والإمام أبو حنيفة، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي، وهشام بن عبد الله الرازي، ويحيى بن معاذ الرازي، وابن المديني، والترمذي، وأبو زرعة الرازي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وأبو عبيد القاسم بن سلام .. وغيرهم رحمهم الله تعالى.
[ ١٣ / ١ ]
قول ابن الماجشون في إثبات صفات الله ﷿
قال المصنف ﵀: [وروى الأثرم في السنة وأبو عبد الله ابن بطة في الإبانة وأبو عمر الطلمنكي وغيرهم بإسناد صحيح، عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون وهو أحد أئمة المدينة الذين هم مالك بن أنس، وابن الماجشون، وابن أبي ذئب.
وقد سئل عما جحدت به الجهمية:
أما بعد: فقد فهمت ما سألت في ما تتابعت الجهمية ومن خالفها في صفة الرب العظيم الذي فاقت عظمته الوصف والتدبر وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحصرت العقول دون معرفة قدرته وردت عظمته العقول فلم تجد مساغًا فرجعت خاسئة وهي حسيرة.
وإنما أمروا بالنظر والتفكر فيما خلق بالتقدير وإنما يقال كيف لمن لم يكن مرة ثم كان.
فأما الذي لا يحول ولا يزول ولم يزل وليس له مثل فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو.
وكيف يعرف قدر من لم يبدأ ومن لا يموت ولا يبلى؟ وكيف يكون لصفة شيء منه حد أو منتهى -يعرفه عارف أو يحد قدره واصف؟ - على أنه الحق المبين لا حق أحق منه ولا شيء أبين منه.
الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه لا تكاد تراه صغرا يجول ويزول ولا يرى له سمع ولا بصر; لما يتقلب به ويحتال من عقله أعضل بك وأخفى عليك مما ظهر من سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين وخالقهم وسيد السادة وربهم ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] اعرف -رحمك الله- غناك عن تكلف صفة ما لم يصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها; إذا لم تعرف قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف؟ هل تستدل بذلك على شيء من طاعته أو تزدجر به عن شيء من معصيته؟ فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا فقد ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [الأنعام:٧١] فصار يستدل -بزعمه- على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا فعمى عن البين بالخفي فجحد ما سمى الرب من نفسه لصمت الرب عما لم يسم منها فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله ﷿: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣] فقال: لا يراه أحد يوم القيامة فجحد والله أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر إلى وجهه ونضرته إياهم ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر:٥٥] قد قضى أنهم لا يموتون فهم بالنظر إليه ينضرون.
إلى أن قال: - وإنما جحد رؤية الله يوم القيامة إقامة للحجة الضالة المضلة; لأنه قد عرف أنه إذا تجلى لهم يوم القيامة رأوا منه ما كانوا به قبل ذلك مؤمنين وكان له جاحدا.
وقال المسلمون: (يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله ﷺ: هل تضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب.
قالوا: لا.
قال: فهل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب؟ قالوا: لا.
قال: فإنكم ترون ربكم يومئذ كذلك) وقال رسول الله ﷺ: (لا تمتلئ النار حتى يضع الجبار فيها قدمه فتقول: قط قط وينزوي بعضها إلى بعض) وقال لـ ثابت بن قيس: (لقد ضحك الله مما فعلت بضيفك البارحة) وقال فيما بلغنا: (إن الله تعالى ليضحك من أزلكم وقنوطكم وسرعة إجابتكم فقال له رجل من العرب: إن ربنا ليضحك؟ قال: نعم.
قال: لا نعدم من رب يضحك خيرا) إلى أشباه لهذا مما لا نحصيه.
وقال تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور:٤٨] وقال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩] وقال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥] وقال تعالى: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] فوالله ما دلهم على عظم ما وصفه من نفسه وما تحيط به قبضته: إلا صغر نظيرها منهم عندهم إن ذلك الذي ألقي في روعهم وخلق على معرفة قلوبهم فما وصف الله من نفسه وسماه على لسان رسوله ﷺ سميناه كما سماه ولم نتكلف منه صفة ما سواه -لا هذا ولا هذا- لا نجحد ما وصف ولا نتكلف معرفة ما لم يصف.
اعلم -رحمك الله- أن العصمة في الدين أن تنتهي في الدين حيث انتهى بك ولا تجاوز ما قد حد لك فإن من قوام الدين معرفة المعروف وإنكار المنكر فما بسطت عليه المعرفة وسكنت إليه الأفئدة وذكر أصله في الكتاب والسنة وتوارثت علمه الأمة: فلا تخافن في ذكره وصفته من ربك ما وصف من نفسه عيبا; ولا تتكلفن بما وصف لك من ذلك قدرا.
وما أنكرته نفسك ولم تجد ذكره في كتاب ربك ولا في حديث عن نبيك -من ذكر صفة ربك- فلا تكلفن علمه بعقلك; ولا تصفه بلسانك; واصمت عنه كما صمت الرب عنه من نفسه فإن تكلفك معرفة ما لم يصف من نفسه مثل إنكار ما وصف منها; فكما أعظمت ما جحده الجاحدون مما وصف من نفسه: فكذلك أعظم تكلف ما وصف الواصفون مما لم يصف منها.
فقد -والله- عز المسلمون; الذين يعرفون المعروف وبهم يعرف; وينكرون المنكر وبإنكارهم ينكر; يسمعون ما وصف الله به نفسه من هذا في كتابه وما بلغهم مثله عن نبيه فما مرض من ذكر هذا وتسميته قلب مسلم ولا تكلف صفة قدره ولا تسمية غيره من الرب مؤمن.
وما ذكر عن النبي ﷺ أنه سماه من صفة ربه فهو بمنزلة ما سمي وما وصف الرب تعالى من نفسه.
والراسخون في العلم -الواقفون حيث انتهى علمهم الواصفون لربهم بما وصف من نفسه التاركون لما ترك من ذكرها- لا ينكرون صفة ما سمي منها جحدا ولا يتكلفون وصفه بما لم يسم تعمقا; لأن الحق ترك ما ترك وتسمية ما سمى ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا وهب الله لنا ولكم حكما وألحقنا بالصالحين].
هذا النقل عن ابن الماجشون، وهو من كبار أئمة المدينة الذي يبين به أن طريقة أئمة المدينة وغيره من الأئمة مخالفة لطريقة المعتزلة والجهمية التي انتحلوها، وهو مصرح على التفصيل بإثبات صفات الله سبحانه تعالى والبراءة من طريقة التفويض، ومن باب أولى طريقة التشبيه والتعطيل التي يسمونها طريقة التأويل.
[ ١٣ / ٢ ]
قول الإمام أبي حنيفة في إثبات صفات الله ﷿
[وفي كتاب الفقه الأكبر المشهور عند أصحاب أبي حنيفة ; الذي رووه بالإسناد عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي قال: سألت أبا حنيفة عن الفقه الأكبر فقال: لا تكفرن أحدا بذنب ولا تنف أحدا به من الإيمان; وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر; وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولا تتبرأ من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ; ولا توالي أحدا دون أحد; وأن ترد أمر عثمان وعلي إلى الله ﷿.
قال أبو حنيفة: الفقه الأكبر في الدين خير من الفقه في العلم; ولأن يفقه الرجل كيف يعبد ربه خير له من أن يجمع العلم الكثير.
قال أبو مطيع الحكم بن عبد الله: قلت: أخبرني عن أفضل الفقه.
قال: تعلم الرجل الإيمان والشرائع والسنن والحدود واختلاف الأئمة.
وذكر مسائل الإيمان ثم ذكر مسائل القدر والرد على القدرية بكلام حسن ليس هذا موضعه.
ثم قال:
قلت: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيتبعه على ذلك أناس فيخرج على الجماعة هل ترى ذلك؟ قال لا.
قلت: ولم وقد أمر الله ورسوله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو فريضة واجبة؟ قال هو كذلك; لكن ما يفسدون أكثر مما يصلحون من سفك الدماء واستحلال الحرام.
قال: وذكر الكلام في قتل الخوارج والبغاة.
إلى أن قال:
قال أبو حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض: فقد كفر لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سموات.
قلت: فإن قال إنه على العرش استوى ولكنه يقول لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر; لأنه أنكر أن يكون في السماء; لأنه تعالى في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل.
-وفي لفظ-: سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض.
قال: قد كفر.
قال: لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] وعرشه فوق سبع سموات قال: فإنه يقول على العرش استوى ولكن لا يدري العرش في الأرض أو في السماء قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.
ففي هذا الكلام المشهور عن أبي حنيفة عند أصحابه: أنه كفر الواقف الذي يقول: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض; فكيف يكون الجاحد النافي الذي يقول ليس في السماء; أو ليس في السماء ولا في الأرض؟ واحتج على كفره بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] قال: وعرشه فوق سبع سموات.
وبين بهذا أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] يبين أن الله فوق السموات فوق العرش وأن الاستواء على العرش دل على أن الله بنفسه فوق العرش.
ثم إنه أردف ذلك بتكفير من قال إنه على العرش استوى ولكن توقف في كون العرش في السماء أم في الأرض قال: لأنه أنكر أنه في السماء; لأن الله في أعلى عليين; وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل.
وهذا تصريح من أبي حنيفة بتكفير من أنكر أن يكون الله في السماء; واحتج على ذلك بأن الله في أعلى عليين وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل وكل من هاتين الحجتين فطرية عقلية فإن القلوب مفطورة على الإقرار بأن الله في العلو وعلى أنه يدعى من أعلى لا من أسفل وقد جاء اللفظ الآخر صريحا عنه بذلك.
فقال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر.].
[ ١٣ / ٣ ]
الخلاف في صحة نسبة كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة
هذا الكتاب مشهور لـ أبي حنيفة، وإذا قيل: مشهور لـ أبي حنيفة؛ فلا يعني أنه يجزم بأنه صحيح إليه، فهو كتاب مشهور في أصول الدين، وهو يضاف إلى أبي حنيفة على أنه من تصنيفه، أو على أقل تقدير على أنه من إملائه.
وقد شرح هذا الكتاب كثير من علماء الحنفية، فشرحه بعض أهل السنة من الحنفية كما يشير إلى ذلك بعض المحققين من الباحثين، وشرحه -وهي الشروح المشهورة أكثر- بعض أعيان الماتريدية، ويذكر أن لـ أبي منصور الماتريدي الحنفي مؤسس المذهب الماتريدي شرحًا على هذا الكتاب.
وفي نسبة هذا الكتاب لـ أبي حنيفة خلاف بين أهل العلم، فإن أبا حنيفة ﵀ لم يصح له كتاب بالجزم في مسائل أصول الدين، لا هذا الكتاب، وهو أشهر الكتب المضافة إليه، ولا غيره من الرسائل: كالوصية، والرسالة الجامعة وغيرهما.
[ ١٣ / ٤ ]
قول الإمام أبي حنيفة في الإيمان
هناك قدر محفوظ مما يتعلق بالعقائد عن أبي حنيفة، وهو مشتهر بين أهل العلم، وهو قوله ﵀ في مسألة الإيمان، فإن المشهور عن أبي حنيفة أنه يقول بقول حماد بن أبي سليمان في مسمى الإيمان، فيجعل الأعمال الظاهرة ليست داخلةً في مسمى الإيمان.
وهذا القول يذكره الأحناف في كتبهم، وكذلك يذكره غيرهم من الطوائف، سواء الفقهية أو الكلامية، والأظهر أنه متحقق عنه، وإن كان بعض أعيان المتكلمين -كـ البغدادي وغيره- يشيرون تارةً إلى التردد في ثبوت هذا عن أبي حنيفة، لكن الأظهر أن هذا معروف عنه.
فإن إثبات هذا الأمر عنه عليه جمهور أهل المقالات والمتكلمين والفقهاء من الحنفية وغيرهم، وإن لم يكن هذا الإثبات عن تصنيف معروف لـ أبي حنيفة وإنما بالنقل عنه، وهذا ليس غريبًا؛ لأن حماد بن أبي سليمان هو الذي قرر هذه المقالة في مسألة الإيمان.
وبعض أهل العلم ينزع إلى أن حماد بن أبي سليمان يميل إلى هذه المقالة في الرد على مقالات الوعيدية، وبخاصة مقالات الخوارج والمعتزلة، فكان من باب الرد على الوعيدية أن قرر هذه المقالة، وهذا ليس غريبًا؛ لأن كثيرًا من مقالات الإرجاء وقعت ردًا على طوائف الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم من الوعيدية.
فهؤلاء يقولون: إن الإيمان قول واعتقاد.
أو يقولون: إن الإيمان يكون بالقول والقلب.
ولا يجعلون أعمال الجوارح داخلة في مسمى الإيمان وإن كانوا يوجبونها، حتى إن حماد بن أبي سليمان وأبا حنيفة ومن وافقهم -في الجملة- في مسألة الأحكام -أي: حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة- على مذهب جمهور أهل السنة.
والتحقيق في شأن حماد بن أبي سليمان هو أنه من علماء السنة والجماعة، ولا يصح أن يضاف إلى البدع المطلقة، وإن كان قوله بدعة، لكنه إذا ذكر يضاف إلى أهل السنة والجماعة من حيث الإطلاق.
وهذا القول هو -باعتبار ما تقدم في كلام أهل العلم- هو أخف المقالات التي نسبت للمرجئة، وهو ما يعرف بمقالة مرجئة الفقهاء، وهؤلاء يتفقون مع جمهور السلف في الحكم وإن كانوا يقولون: العمل لا يدخل في مسمى الإيمان، ولا يقرون بأن الإيمان يتفاضل، بل الإيمان عندهم واحد، حتى إن الطحاوي ﵀ مع تحقيقه ذكر هذا فقال: والإيمان واحد، وأهله في أصله سواء.
ويجعلون التفاضل بالبر والتقوى.
[ ١٣ / ٥ ]
حقيقة الخلاف بين جمهور أئمة أهل السنة وبين مرجئة الفقهاء
إذا قيل: هل الخلاف بين حماد بن أبي سليمان والجمهور خلاف لفظي أو ليس لفظيًا؟
قيل: هذا الحرف -وهو قولك: خلاف لفظي- صار فيه إجمال، فإن معنى هذا الحرف في كتب أهل أصول الفقه أي: الخلاف الذي ليس له ثمرة، فإن قصد أنه خلاف لا ثمرة له، وأنه نزاع لفظي محض فهذا ليس صحيحًا؛ لأن حمادًا وأبا حنيفة ومن وافقهم مخالفون للكتاب والسنة في أنهم لم يجعلوا العمل إيمانًا، وهذه مخالفة شرعية؛ ولهذا بدَّع السلف ﵏ من قال بهذه المقالة، وهم مخالفون كذلك للكتاب والسنة من جهة أنهم لم يروا تفاضل الإيمان، والدلائل متواترة في القرآن والحديث على أن الإيمان يتفاضل، وأنه يزيد وينقص، وإن كان لفظ النقص لم يصرح به في القرآن، ولم يصرح به في السنة في الجملة إلا في مثل قوله ﷺ كما في الصحيح: (وما رأيت من ناقصات عقل ودين).
ولهذا كان السلف يستدلون على نقص الإيمان بطريق إثبات الزيادة، فإن كل ما يزيد فإنه ينقص، قال الإمام أحمد لما سئل عن نقص الإيمان: ألم يقل الله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦] قالوا: بلى.
قال: فكل ما يزيد ينقص.
وأما الاستدلال بحديث: (وما رأيت من ناقصات عقل ودين) فبعضهم لا يسلم به، معللًا ذلك بأن هذا ليس نقصًا من جهة تقصير العبد حتى يقال: الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وإنما هو أمر قضي على النساء، وهو ما يتعلق بتركها الصوم والصلاة في مسألة الحيض.
ولكن التحقيق: أن هذا الحديث دليل على نقص الإيمان؛ لأنه إذا وصف الدين بالنقص -والدين هو الإيمان- بما لا مقصد للعبد ولا أثر له فيه، فمن باب أولى إذا كان بأثره وتفريطه؛ أي: إذا كان الشارع سماه نقصًا مع أنه ليس من جهة العبد وأثره فلأن يكون نقصًا إذا كان من تفريط العبد من باب أولى.
[ ١٣ / ٦ ]
مرجئة الفقهاء لا يكفرون تارك العمل مطلقًا
هنا بعض المسائل أيضًا منها: أن حماد بن أبي سليمان ومن معه التزموا أن تارك العمل لا يكفر وبخاصة في مسألة الصلاة، وهم لم يلتزموا هذا من جهة تفصيل الأدلة، كما هي طريقة مالك والشافعي وابن شهاب وأبي ثور ومكحول الشامي وأمثالهم من السلف الذين لا يكفرون تارك الصلاة، فإن هؤلاء لا يكفرونه باعتبار الدلائل التي يستعملونها على التفصيل، بخلاف طريقة حماد وأبي حنيفة؛ فإنهم لا يكفرون تارك الصلاة؛ لأن الصلاة عمل، والعمل لا يدخل في مسمى الإيمان.
[ ١٣ / ٧ ]
ليس كل من قال بعدم تكفير تارك الصلاة يعتبر من المرجئة
لو قيل: هل الذي لا يكفر تارك الصلاة وقع في قول المرجئة؟
نقول: فيه تفصيل، فإن كان معتبره في عدم تكفيره أن الصلاة عمل والعمل لا يدخل في مسمى الإيمان كما هي طريقة أبي حنيفة وأصحابه، فلا شك أن هذا من مقالات المرجئة، وقد عرف حماد ومن معه بأن قولهم من مقالات المرجئة، وذمهم السلف عليه، وذم السلف لمقالة حماد متواترة، وليس هو قول سائر أهل الكوفة؛ فقد ذكر أبو عبيد القاسم بن سلام أعيان الناس من الأئمة الكبار الذين صرحوا أن الإيمان قول وعمل، ونقل عن أعيان الكوفيين أكثر مما نقله عن غيرهم؛ لأن القول بالإرجاء عن حماد شاع في بعض الكوفيين، فحتى لا يظن أن علماء الكوفة قد أطبقوا عليه بيّن أبو عبيد وأمثاله من الأئمة الكبار -كالإمام أحمد في كتاب الإيمان - أن هذا قول شائع في الكوفيين، وأن قول حماد ليس قولًا لسائر الكوفيين.
أما من يقول: إن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، أو يزيد وينقص، ولا يكفر تارك الصلاة؛ لأنه لم يظهر له أنه كافر بدلائل معينة مفصلة من الدلائل الشرعية، فهذا القول وإن كان مرجوحًا فيما يظهر -والله أعلم- إلا أنه ليس قولًا بدعيًا وليس قولًا منكرًا ولا قولًا من أقوال المرجئة ولا أثرًا من آثارهم.
فإنه كيف يقال: إنه قول من أقوال المرجئة، وأثر من آثارهم، أو هم الذين أحدثوه وقد قال به ابن شهاب ومكحول الشامي ومالك بن أنس والشافعي في الصحيح عنه وأبو ثور وجماعة من الكبار؟!
وقد كان ابن شهاب ﵀ من أعلم الناس بالسنن والآثار، ومن أشد الناس على المرجئة، فلا يمكن أن يكون قد تأثر بمقالات المرجئة.
وإن كان يشكل على هذا بعض الشيء ما ذكره إسحاق بن إبراهيم من أن الإجماع قد انعقد على كفر تارك الصلاة، لكن نقول: إن الإجماع الذي ذكره إسحاق فيه بعض التردد، إلا إن قيل: إنه إجماع سكوتي، فهذا قد يسلم به، أما أنه إجماع قطعي كإجماع السلف على أن الإيمان قول وعمل ..
فليس كذلك.
أما إن كان إجماعًا سكوتيًا فهذا قد يسلم، ولا إشكال فيه في الجملة باعتبار أن طائفة من الصحابة حفظ عنهم أن ترك الصلاة كفر، ولم يحفظ عن أحد من الصحابة خلاف هذا.
إذًا: من أقوى الأدلة بعد الاستدلال بظاهر قوله تعالى في آية براءة: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:١١] والاستدلال بحديث بريدة وجابر بن عبد الله، بعد هذا يقال: أخص دليل بعد ذلك إطباق الصحابة، حيث شاع هذا القول فيهم -أي: أن ترك الصلاة كفر- ولم ينقل عن أحد منهم منازعة في هذا.
كذلك يقال في أثر عبد الله بن شقيق: كان أصحاب محمد لا يرون شيئًا من العمل تركه كفرًا غير الصلاة.
فهو في الجملة على ظاهره، لكن ترى أنه إجماع سكوتي.
وكلمة إجماع سكوتي كلمة مصطلحة، قد يناظر أو ينازع في ثبوتها أو في تقريرها من جهة الاصطلاح، لكن من حيث المدلول هي متحققة، أي: أنه يفرق بها بين الإجماع الذي انضبط انضباطًا تامًا وبين الإجماع الذي نقل عن بعض الأعيان ولم يذكر عن غيره خلافه.
ونلاحظ من هذا أن الأئمة الكبار ﵏ في استدلالهم أحيانًا ينزعون إلى بعض الدلائل من الكتاب أو السنة مع أنه يحفظ لبعض الصحابة قول لم يعرف له مخالف، وإن بعض الأئمة الكبار كذلك -ولا سيما الإمام أحمد وبعض أئمة الحديث- يصيرون إلى الأقوال التي للصحابة ولم يحفظ لهم فيها مخالف.
إذًا: المنقول عن الصحابة سواء سمي إجماعًا أو لم يسم إجماعًا هو عند التحقيق دليل قوي على أن تارك الصلاة كافر؛ ولهذا يقال: إنه كافر بظاهر الكتاب والسنة، وظاهر مذهب الصحابة، وهو الذي عليه الجمهور من السلف.
وننبه هنا إلى أن الترجيح شيء، والقول بأن تارك الصلاة كافر بالإجماع، وأن المخالفة فيه -أي: القول بأنه ليس كافرًا- قول من أقوال المرجئة شيء آخر، بل هو مرتقىً صعب، فإن من يقول: إن الذي لا يكفر تارك الصلاة متأثر بالمرجئة أو دخلت عليه شيء من أقوالهم؛ يلزمه أن يجعل مالكًا وابن شهاب والشافعي ومكحول الشامي، بل الإمام أحمد -كما جاء في رواية عنه قدمها بعض كبار الحنابلة المحققين المعروفين في التحقيق في مذهب السلف، وإن كانت رواية مرجوحة عند التحقيق، والجمهور من الأصحاب ﵏ على أنه كافر- يلزمه أن يجعل هذا مطردًا عليهم.
إذًا: إذا كان الإجماع انعقد وتم لزم أن مخالفه يكون ممن ضل سبيل المؤمنين، وأنه مبتدع بمخالفته، سواء أضيف إلى المرجئة أو جعل مبتدعًا بمقالته، وإذا كان كذلك -أي: فرضنا صحة الإجماع- حرم الاجتهاد بخلاف الإجماع، بمعنى أنه لا يجوز تقليد مالك ولا تقليد الشافعي ولا تقليد ابن شهاب ..
إلخ، أي: حرم تقليد المخالف ولو كان إمامًا، وحرم الاجتهاد في المسألة ولو كان المجتهد له إمام من الكبار ..
وهذه كلها مرتقيات صعبة.
ولا يمكن الاعتماد على نقل ذكره إسحاق بن إبراهيم ﵀، وإن كان إمامًا مجمعًا على إمامته، فإنك إن استدللت بالإجماع الذي يذكره إسحاق بن إبراهيم ﵀ فماذا تفعل بمخالفة ابن شهاب ومالك؟ وابن شهاب بإجماع أهل العلم أوثق وأضبط للسنن والآثار، وأدرى بآثار الصحابة من إسحاق بن إبراهيم، ولو كان الصحابة ﵃ قد انضبط لهم إجماع تام قطعي كإجماعهم في مسألة أن الإيمان قول وعمل وأمثالها لما تجشم ابن شهاب ومالك والشافعي مخالفة الصحابة، خاصة وأن لهم اختصاصًا في ذلك، فإن لـ ابن شهاب اختصاصًا بإجماعات الصحابة وآثارهم، وكذلك الشافعي يعرف مقامه في الإجماع أيضًا وعنايته به ..
وهلم جرا.
إذًا: هذه مسألة ينبغي العدل فيها، فيقال بأن تارك الصلاة كافر بظاهر الكتاب والسنة وهو مذهب الصحابة، ويقال عن المخالف فيه: إنه خالف الصواب وخالف الراجح، وأن قوله غلط، ولكنه لم يصل إلى أن يكون من أهل الإرجاء أو من أهل البدع أو نحو ذلك.
وشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو من هو في التحقيق يرى أن هذه مسألة فيها نزاع بين الأئمة، وقد ذكر عن الإمام أحمد فيها الرواية المشهورة، وهي أنه كافر، والرواية الأخرى وأثبتها عن أحمد أنه ليس كافرًا.
إذًا: ينبغي العدل والاعتدال في مسألة تارك الصلاة، وإن كانت حجج المخالفين الذين لا يكفرون تارك الصلاة ضعيفة، وكما قال شيخ الإسلام: ما من دليل يستدلون به إلا وهو يتناول الجاحد كما يتناول التارك.
[ ١٣ / ٨ ]
حكم تارك الزكاة
أما مسألة الزكاة ففيها تفصيل:
فإن ترك الزكاة جحدًا لوجوبها فهذا بالإجماع كافر، وهذا لا يختص بالزكاة بل كل ما ظهر وجوبه وجحد وجوبه كفر الجاحد.
وإن تركها ولم يقاتل عليها كإذا كان شخصًا بمفرده تركها ولم يحتسب عليه أصلًا -يعني: لم يُعلم به أصلًا- فهذا التارك في كفره نزاع بين السلف.
أما إن تركها وقاتل عليها كأهل الشوكة والمنعة كما وقع في زمن الصديق ﵁ فهؤلاء كفار مرتدون على الصحيح من قولي العلماء، وهو الذي عليه الجمهور من السلف، بل جزم بعض المحققين من الكبار كـ أبي عبيد وغيره أنه إجماع للصحابة، وشيخ الإسلام يميل إلى هذا، وإنما قلت: في أصح قولي العلماء؛ باعتبار ما ذكره المتأخرون، ومعلوم أن إجماع المتقدمين إذا انعقد لا يلتفت إلى قول المتأخرين.
أما جمهور المتأخرين من أصحاب الأئمة الثلاثة فإنهم يرون أن هؤلاء بغاة، وأنهم ليسوا من أهل الكفر والردة، ولكن هذا قول باطل، بل الصواب: أن الذين منعوا الزكاة وقاتلوا على منعها كفار، وهو ظاهر مذهب السلف، ولم ينضبط عن أحد من أعيان السلف التصريح بأنهم ليسوا كفارًا، وقد حكاه أبو عبيد إجماعًا للصحابة.
وقد كان مالك بن أنس وبعض الكبار من أئمة المدينة والعراق والشام لعظم فقههم يفرقون بين تارك الزكاة المقاتل عليها والذي تركها باختصاصه ولم يقاتل، فإن مالكًا ﵀ لا يكفر تارك الزكاة، ولكنه إن قاتل عليها كفره ..
وهذه النتيجة تفيد أنه لا يسوى بين المسألتين: مسألة الترك وحده، ومسألة الترك مع المقاتلة.
إذًا: من ترك وقاتل فهذا كافر في ظاهر مذهب الصحابة والسلف، ولم ينضبط خلاف صحيح فيه.
أما إن تركها ولم يقاتل فهذا فيه نزاع مشهور، وعن أحمد ﵀ فيها روايتان محفوظتان، بل قال الإمام أحمد في رواية: ليس شيء من العمل تركه كفر إلا الصلاة وهذا يدل على أنه يميل إلى أن تارك الزكاة ليس كافرًا.
كذلك أثر عبد الله بن شقيق الذي رواه الترمذي وغيره، وهو العمدة في هذا يدل على هذا؛ لأنه قال: ما كان أصحاب محمد يرون شيئًا من العمل تركه كفر إلا الصلاة مما يدل على أن الزكاة لا إجماع فيها عند الصحابة من جهة تركها، أما إن تركها وقاتل فهذه مسألة أخرى، ومن رام التسوية بينهما فقد خالف طريقة السلف، فإن السلف كانوا يفرقون.
وقد كان طائفة من كبار أئمة السلف يكفرون تارك الزكاة مطلقًا، قاتل ولم يقاتل، وهذا قول لا ينكر، وهو رواية معروفة في مذهب أحمد ﵀، ولكن فرق بين أن يقال: إن في المسألة خلافًا، وبين أن يقال: إن في المسألة إجماعًا.
إذًا: من يكفر تارك الصوم حتى ولو صلى وزكى، ويكفر تارك الحج حتى ولو صلى وصام وزكى، أي: يرى كفر تارك أي واحد من المباني الأربعة، فقوله هذا قول لا ينكر، فإن عليه طائفة من السلف كما نص عليه شيخ الإسلام، وهو رواية عن أحمد ﵀، وقال به من الكبار الحكم بن عتيبة وأمثاله من أصحاب مالك، ويحكى قولًا لـ سعيد بن جبير، بل روي عن ابن عباس أنه يقول بهذا المذهب، وإن كان تحقيق القول في الصحابة يحتاج إلى تأمل، لكن المتحقق أنه قول مأثور عن طائفة من السلف فلا ينكر، وإن كان من حيث الرجحان ليس راجحًا.
فينبغي لطالب العلم: أن يحقق الفرق بين القول الذي يقول: إنه راجح، وبين القول الذي يقول: إنه إجماع.
إذًا: الراجح أن تارك الصلاة كافر، وأن تارك الزكاة المقاتل عليها كافر، وهاتان المسألتان عليهما عامة السلف، بل مسألة الزكاة لم يذكر عن كبار أئمة السلف فيها خلاف كمسألة ترك الصلاة، وإن كانت الصلاة بلا خلاف أعظم من الزكاة، لكن بالمقاتلة يختلف الأمر؛ ولهذا إن قتل على ترك الصلاة فإنه يقتل ردةً بالإجماع، وإن كان بعض الشافعية والمالكية حكوا أنه يقتل فاسقًا، بل وذكر هذا بعض الأصحاب من الحنابلة ﵏، لكن لا شك أن هذا غلط، بل هذا ممتنع كما قال شيخ الإسلام؛ ولهذا كان مالك والشافعي -مع أنهم لا يكفرون تارك الصلاة- يرون قتله.
فالمقصود: أن تارك الصلاة كافر عند الجماهير من السلف، وهو ظاهر الكتاب والسنة وظاهر مذهب الصحابة، وتارك الزكاة المقاتل عليها كافر في ظاهر مذهب الصحابة أيضًا، وحكاه طائفة من الكبار إجماعًا خلافًا لجمهور المتأخرين، أما تارك الزكاة الذي لم يقاتل عليها ففيه نزاع مشهور بين أعيان أئمة السلف كـ أحمد وغيره، كذلك تارك الصوم والحج فيه نزاع بين السلف، والجمهور على عدم كفره.
فهذا هو أخص ما يقال في هذه المسألة التي تارة يقع فيها خفض أو رفع، فترى من يجزم بأن تارك الصلاة لا يكفر، ويقول: إن هذا هو المتحقق من دلائل الكتاب والسنة، أو من يقول: إن تارك الصلاة يكفر، وهذا إجماع قطعي ضروري ..
فكلا هذين القولين فيه بعض التقدم.
فهذا مما يتعلق بمسألة أبي حنيفة ﵀.
وفي تاريخ بغداد وفي السنة لـ عبد الله بن أحمد بعض الكلام في أبي حنيفة، فهذا ينبغي أن نعرض عنه، فإنه لم ينضبط له مذهب مخالف للسلف إلا في مسألة الإيمان، أما ما نقل عنه في مسألة القدر والصفات ..
وما نقل عنه في مسألة القرآن ففي الجملة لم ينضبط عنه، وقد صرح شيخ الإسلام ﵀ في بعض المواضع بأن أبا حنيفة في مسألتي الصفات والقدر على المعروف عن السلف.
[وفي النقل عن أبي حنيفة تصريح أن من وقف في مسألة العلو فإنه كافر].
وهذا دليل على أن أبا حنيفة ﵀ من كبار الأئمة المحققين في مسائل الصفات.
[ ١٣ / ٩ ]
الكلام عن أبي إسماعيل الهروي
[وروى هذا اللفظ بإسناد عنه شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري الهروي في كتاب الفاروق].
أبو إسماعيل الأنصاري الهروي المعروف بشيخ الإسلام حنبلي متصوف، من أشد المائلين عن علم الكلام الذامين له، والمكفرين للجهمية، وله تصنيف في هذا مشهور، من كتبه الفاروق كما يشير المصنف هنا، كذلك كتاب ذم الكلام وهو كتاب فاضل، فيه آثار متواترة عن كبار أعيان الأئمة سواء الأئمة الأربعة أو غيرهم في ذم العلم الكلامي.
ولكنه -أعني: أبا إسماعيل الأنصاري الهروي ﵀ - ممن يزيدون في إثبات بعض الصفات تارة، يقول شيخ الإسلام ﵀ في غير ما موضع من منهاج السنة وغيره: وأبو إسماعيل الأنصاري الهروي من المبالغين في ذم الجهمية وتكفيرهم.
ولهذا لما ذكر الهروي الأشعري في كتابه ذم الكلام قال: وقد شاع في المسلمين أن رأسهم علي بن الحسن الأشعري لا يصلي ولا يتوضأ.
وهذه زيادة، وإنما أذكرها حتى ينتبه إليها طالب العلم، فإن أبا الحسن الأشعري قد أثني عليه فيما وافق فيه الحق كثير، حتى من علماء الحنابلة، ولم ينضبط عن أحد من أهل العلم، بل ولا حتى من أهل التاريخ والأخبار أن الأشعري لم يكن يصلي ولا يتوضأ.
فينبغي لطالب العلم دائمًا ألا يجعل من الحق طريقًا للاستطالة على الخلق -وهذا ليس من باب الوقوف على أخطاء الهروي فالرجل اجتهد، وربما بلغه هذا بإسناد ظنه صحيحًا فقاله، أو بلغه عن بعض من أهل العلم أو شيء من ذلك-.
ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مع أنه حنبلي، وممن يثنون على أبي إسماعيل الأنصاري كثيرًا، حتى إنه يصفه بشيخ الإسلام -وهو وصف مشهور له عند الحنابلة قبل شيخ الإسلام - إلا أنه تعقب الهروي كثيرًا، ووهمه في قوله في الأشعري، بل قال: إن أبا الحسن الأشعري في بعض المسائل أقرب إلى السلف والأئمة من أبي إسماعيل الأنصاري الهروي ولا سيما في مسألة تعليل الأفعال، فإن أبا إسماعيل الأنصاري الهروي يميل إلى الجبر ولا يميل إلى تعليل الأفعال، على طريقة بعض المتصوفة، والأشعري يقرر قريبًا من هذا المذهب بالطريقة الكلامية، فهذا الأشعري يقررها تقريرًا كلاميًا، والهروي يقررها تقريرًا صوفيًا، والنتيجة في الجملة واحدة، لكن شيخ الإسلام يقول: وأبو الحسن الأشعري في هذا المقام أقرب إلى قول السلف من أبي إسماعيل الأنصاري الهروي.
فالمقصود: أن الهروي نفسه له بعض المسائل التي غلط فيها، بل غلطه فيها أشد من غلط أبي الحسن الأشعري، وإن كان قول الأشعري في الصفات لا شك أنه دون قول أبي إسماعيل الأنصاري، فإن قول أبي إسماعيل الأنصاري الهروي فاضل في الجملة، وإن كان أحيانًا قد يزيد، لكنه على كل حال أفضل من قول أبي الحسن الذي عرف عنه عدم إثبات الصفات الفعلية بطريقة محققة.
كذلك عنده تصوف، وقد غلط في بعض المسائل غلطًا شديدًا، وقد وقع هذا في كتابه منازل السائرين، وإن كان ابن القيم ﵀ يعتذر له كثيرًا، لكن عند أغلاط محققة، حتى إن ابن القيم قد صرح بأن في الكتاب بعض الأغلاط المتحققة.
فالقصد: أن له بعض الغلط وبعض الصواب، فما كان من صوابه فإنه يقبل، وما كان من خطأه فهو اجتهاد، والله يغفر له.
[ ١٣ / ١٠ ]
أقوال بعض أئمة أهل السنة في إثبات صفات الله وإثبات صفة العلو له سبحانه
[وروى أيضا ابن أبي حاتم: أن هشام بن عبيد الله الرازي - صاحب محمد بن الحسن - قاضي الري حبس رجلا في التجهم فتاب; فجيء به إلى هشام ليطلقه فقال: الحمد لله على التوبة; فامتحنه هشام ; فقال: أتشهد أن الله على عرشه بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه; ولا أدري ما بائن من خلقه.
فقال: ردوه إلى الحبس؛ فإنه لم يتب.
وروي أيضًا عن يحيى بن معاذ الرازي أنه قال: إن الله على العرش بائن من الخلق وقد أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا; لا يشك في هذه المقالة إلا جهمي رديء ضليل وهالك مرتاب يمزج الله بخلقه ويخلط منه الذات بالأقذار والأنتان.
وروي أيضا عن ابن المديني لما سئل: ما قول أهل الجماعة؟ قال: يؤمنون بالرؤية والكلام وأن الله فوق السموات على العرش استوى; فسئل عن قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] فقال: اقرأ ما قبلها: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [المجادلة:٧].
وروي أيضا عن أبي عيسى الترمذي قال: هو على العرش كما وصف في كتابه; وعلمه وقدرته وسلطانه في كل مكان.
وروي عن أبي زرعة الرازي أنه لما سئل عن تفسير قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] فقال: تفسيره كما يقرأ هو على العرش وعلمه في كل مكان; ومن قال غير هذا فعليه لعنة الله].
ذكر شيخ الإسلام ﵀ بعض النقولات عن بعض أئمة السلف الكبار، فروى عن ابن المديني، وعن أبي زرعة الرازي، وعن أبي عيسى الترمذي ..
وهذه النقولات عن أعيان أئمة السلف وأهل الحديث الكبار موجودة في كتب السنة المسندة مفصلةً.
[ ١٣ / ١١ ]
قول محمد بن الحسن الشيباني في إثبات صفات الله ﷿
ثم قال: [وروى أبو القاسم اللالكائي الحافظ الطبري ; صاحب أبي حامد الإسفرائيني في كتابه المشهور في أصول السنة بإسناده عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قال: اتفق الفقهاء كلهم -من المشرق إلى المغرب- على الإيمان بالقرآن والأحاديث; التي جاء بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب ﷿: من غير تفسير; ولا وصف ولا تشبيه; فمن فسر اليوم شيئا منها فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ وفارق الجماعة; فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا; ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا; فمن قال: بقول جهم فقد فارق الجماعة لأنه قد وصفه بصفة لا شيء.
محمد بن الحسن أخذ عن أبي حنيفة ومالك وطبقتهما من العلماء.
وقد حكى هذا الإجماع وأخبر أن الجهمية تصفه بالأمور السلبية غالبًا أو دائمًا.
وقوله من غير تفسير: أراد به تفسير الجهمية المعطلة الذين ابتدعوا تفسير الصفات بخلاف ما كان عليه الصحابة والتابعون من الأثبات].
الإمام اللالكائي هو صاحب كتاب: شرح أصول اعتقاد أهل السنة، وهو من أخص كتب أهل السنة الموجودة اليوم، وينبغي لطالب العلم ألا يغفل عن النظر فيه، فإنه كتاب فاضل جامع لآثار السلف بطريقة محققة.
[ ١٣ / ١٢ ]
قول الإمام أبي عبيد القاسم بن سلام في إثبات صفات الله ﷿
[وروى البيهقي وغيره بإسناد صحيح عن أبي عبيد القاسم بن سلام قال: هذه الأحاديث التي يقول فيها: (ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره) ..
(وإن جهنم لا تمتلئ حتى يضع ربك فيها قدمه) ..
(والكرسي موضع القدمين) وهذه الأحاديث في الرؤية هي عندنا حق حملها الثقات بعضهم عن بعض; غير أنا إذا سئلنا عن تفسيرها لا نفسرها وما أدركنا أحدا يفسرها.
أبو عبيد أحد الأئمة الأربعة: الذين هم الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد ; وله من المعرفة بالفقه واللغة والتأويل ما هو أشهر من أن يوصف وقد كان في الزمان الذي ظهرت فيه الفتن والأهواء وقد أخبر أنه ما أدرك أحدا من العلماء يفسرها: أي تفسير الجهمية.].
أبو عبيد القاسم بن سلام من أعيان الأئمة الكبار، له تصنيف في أصول الدين، وهو كتاب الإيمان، وله غيره، وهو من المحققين ولا سيما في مسألة الإيمان، ورسالته في الإيمان من أجمع الرسائل في تقرير مذهب السلف والرد على المرجئة.
[ ١٣ / ١٣ ]