تكلم أهل البدع وطعنوا في أهل السنة قديمًا وحديثًا، وأطلقوا عليهم الألقاب الشنيعة، فوصفوهم بأنهم نواصب، وبأنهم مجبرة، وشكاك، ومشبهة، وحشوية ونوابت، وكل هذه الألقاب إنما أطلقوها كذبًا وافتراءً وزورًا وبهتانًا؛ فإن أهل السنة هم أصحاب الحق، المتبعون للكتاب والسنة، وهم برآء مما يطعن به فيهم أهل البدع والمحدثات.
[ ١٩ / ١ ]
إطلاق أهل البدع الألقاب الشنيعة على أهل السنة
قال المصنف ﵀: [فإن الجهمية والمعتزلة إلى اليوم يسمون من أثبت شيئًا من الصفات مشبهًا -كذبًا منهم وافتراءً- حتى إن منهم من غلا ورمى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك، حتى قال ثمامة بن الأشرس -من رؤساء الجهمية-: ثلاثة من الأنبياء مشبهة: موسى حيث قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ﴾ [الأعراف:١٥٥] وعيسى حيث قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] ومحمد ﷺ حيث قال: (ينزل ربنا)].
ثمامة بن الأشرس النميري من علماء المعتزلة وأعيانهم المعروفين، كان من أصحاب أبي الهذيل العلاف، وقول المصنف هنا: من رؤساء الجهمية أي: باعتبار نفيه للصفات، فقد كان السلف ﵏ يسمون كل معطل للصفات جهميًا، وإن كان مذهبه في كثير من الأصول كالقدر والإيمان وأمثالها يفارق مذهب جهم بن صفوان من حيث الحقيقة العلمية.
[وحتى إن جل المعتزلة تدخل عامة الأئمة: مثل مالك وأصحابه، والثوري وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد وغيرهم في قسم المشبهة.
وقد صنف أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان بن درباس الشافعي جزءًا سماه تنزيه أئمة الشريعة عن الألقاب الشنيعة ذكر فيه كلام السلف وغيرهم في معاني هذا الباب، وذكر أن أهل البدع كل صنف منهم يُلقِّب أهل السنة بلقب افتراه -يزعم أنه صحيح على رأيه الفاسد- كما أن المشركين كانوا يلقبون النبي ﷺ بألقاب افتروها].
[ ١٩ / ٢ ]
تسمية الروافض لأهل السنة نواصب
[فالروافض تسميهم نواصب].
تسميهم نواصب أي: قد نصبوا العداء لآل بيت النبي ﷺ.
[ ١٩ / ٣ ]
تسمية القدرية لأهل السنة مجبرة
[والقدرية يسمونهم مجبرة].
يسمونهم مُجْبِرة باعتبار قول أهل السنة في أفعال العباد، وقد كانت القدرية تقول: إن الله لم يخلق أفعال العباد -وهذا متفق عليه بين القدرية من المعتزلة وغيرهم- ثم تنازعوا أيقال: إن العبد يخلق فعله أم يسكت في هذه المسألة؟
وهذا في الحقيقة نزاع لفظي بين القوم، لأن الحقيقة العلمية للفريقين واحدة، وهي أن العبد يخلق فعل نفسه، لكن بعض أئمة المعتزلة تلكأ عن إطلاق هذا الحرف.
وقد ذكر الأشعري في مقالاته الخلاف بينهم، وذكر القاضي عبد الجبار بن أحمد في كتبه الخلاف بين أصحابه في هذا.
فصاروا يسمون السلف الذين أثبتوا أن الله هو الخالق لأفعال العباد جبريةً، وهذا فرع عن كون المخالفين للسلف في باب القدر قد ضلوا من جهة أنهم ظنوا أن الحق في هذا الباب لا يصح إلا في فرضين فقط: إما أن يكون العبد هو الخالق لفعله، وإما أن يكون مجبورًا على فعله ..
فهذا الظن في مسألة القدر هو الذي أوجب أن يقع الجمهور من أهل الكلام وأمثالهم في أحد هذين القولين، فترى أن المعتزلة قدرية في هذا الباب، ووافقهم على ذلك جمهور الشيعة الإمامية بعد المائة الثالثة.
وترى أن الجهم بن صفوان ومن تبعه على هذا القول، ومن تقلد هذا القول بنوع تخفيف كما وقع فيه الأشعري في آخر أمره، فإن الأشعري لما ترك المعتزلة، وأعلن توبته من الاعتزال كان قول المعتزلة من حيث القواعد العقلية متحققًا في نفس أبي الحسن، ولكنه رجع عن هذا القول من حيث الصورة العلمية التامة؛ بمعنى: أن القول الذي كان عليه أيام اعتزاله: أن الله لم يخلق أفعال العباد -كما تقوله المعتزلة- وأن العبد هو الخالق لفعله.
فلما رجع عن اعتزاله رجع عن هذا القول، لكن كانت الحقيقة العلمية -التي انبنى عليها هذا القول عند أبي الحسن - ثابتةً لم تتزلزل.
وهذه الحقيقة تنبني على القول في مسألة الإرادة، وهي تنبني على مسألة -أصلها نظرية فلسفية- صدور الأثر عن مؤثرين، فإن جمهور هؤلاء -جبريةً كانوا أو قدرية- نقلوا المقالة الفلسفية المشهورة: أن الأثر الواحد لا يصدر عن مؤثرين.
ومن هنا قال جبريتهم: إن الأثر من جهة الله، وأن العبد مجبور.
وقال قدريتهم: إن الأثر من جهة العبد.
وإذا كان الأثر من جهة العبد لم يكن الله قد شاء أفعال العباد وأرادها .. !
وبهذا يتبين أن غلط الطوائف في مسألة القدر ليس غلطًا من جهة النصوص، وهذه القضية ينبغي أن تؤكد، ولربما ينبغي أن تشاع في أوقاتها المناسبة حتى مع غير طلبة العلم المتخصصين، وهي أن الطوائف المنحرفة عن مذهب السلف -عن مذهب أهل السنة والجماعة- لم يكن موجب انحرافهم وخطأهم الذي وقعوا فيه: أنه اشتبهت عليهم دلالات من النصوص ففهموها فهمًا -أي: من نصوص القرآن والسنة- وفهمها السلف فهمًا آخر، فإن هذا تقرير ينبني على الجهل بحقيقة هذه المذاهب.
أي: أن هناك فرقًا بين الخلاف الفقهي، كاختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد والزهري والثوري ..
إلخ، والذي يقع فرعًا عن النظر في دلائل الشريعة؛ ولهذا لا ينكر على أحد من المسلمين اتخذ مذهبًا من المذاهب الأربعة أو غيرها وقلده لكونه ليس من أهل الاجتهاد، وليس من أهل إمكان النظر كعوام المسلمين الذين يقلدون الشافعي لكونهم من أهل الأمية العلمية، حيث لا يستطيعون النظر في الأدلة وتحصيل المسائل، أو من يقلد من أهل الإسلام أبا حنيفة ﵀، أو أحمد بن حنبل ..
إلخ، وإن كان طالب العلم الذي لديه قدر من النظر والإمكان ينبغي له أن يلاحظ الراجح من الأقوال، سواء كان الراجح قولًا للشافعية أو قولًا الحنفية أو قولًا المالكية ..
إلخ.
وإنما صح اعتبار كل مذهب في الجملة، وإن كان بعض الأقوال يعلم أنها مخالفة للنصوص، وذلك بسبب عدم ثبوت الدليل عليها عند إمام ما، كأن يكون أبو حنيفة لم يثبت عنده دليل في مسألة ما، وثبت هذا الدليل عند مالك ..
وهلم جرا في أسباب خلاف الفقهاء.
لكن في مسائل أصول الدين: فإن دلائلها الشرعية متواترة يمتنع عليها الخلاف، ويمتنع فيها الخلاف.
ففي مسألة الصفات -مثلًا- الدلائل الشرعية متواترة على إثبات الصفات، وليس في شيء من النصوص ذكر لمبدأ التشبيه الذي اتخذه هشام بن الحكم وأمثاله، ولا لمبدأ النفي والتعطيل الذي اتخذه من اتخذه من المعتزلة والأشعرية
وكذلك في مسألة القدر الدلائل الشرعية صريحة في أن العباد فاعلون لأفعالهم حقيقة، بل إن الضرورة الحسية القاطعة تقود إلى أن العبد ليس مجبورًا، فإن كل من فعل فعلًا يرى من نفسه القدرة على هذا الفعل والقدرة على تركه؛ ولهذا من حكمة الشريعة: أنه إذا لم يصل الأمر إلى حد الجبر لكن تخلف تمام القدرة البشرية سقط التكليف؛ ولهذا لم يكلف الصبي في دين الإسلام إلا إذا بلغ، مع أنه قبل البلوغ لديه قدرة أن يصلي أو لا يصلي، ومع ذلك إن صلى قبل بلوغه فهذا من أدب الإسلام الذي يؤمر به، ويضرب عليه لعشر كما جاء في حديث عمرو بن شعيب، لكن لا يمكن أن يقال: إن الصبي إن ترك الصلاة قبل بلوغه يكون آثمًا، ولهذا إذا مات الصبي قبل البلوغ فهو من أهل الجنة؛ لأنه اتفق أهل السنة على أن صبيان المسلمين في الجنة.
إذًا: الشريعة لم تكلف الصبي إلا بعد بلوغه؛ لنقص تمام القدرة والإرادة والانضباط فيها عندهم.
كذلك النائم رفع عنه التكليف، وفي حديث عمران: (صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب).
إذًا: التكليف في الشريعة مرتبط بثبوت القدرة على وجه صحيح، لا يدخله النقص والكلفة التي تؤثر في إمكان العمل، أو يكون فيه مشقة متناهية في تحقيقه؛ مما يدل على أن مسألة الجبر مسألة ممتنعة، أي: أنه من الممتنع أن يكون الله قد جبر العباد على أفعالهم ويعاقبهم على معاصيهم؛ لأن هذا ليس من عدل الله، والعبد بالحس والفطرة يدرك أنه مختار، وأنه يستطيع أن يفعل هذا ويستطيع أن يترك هذا ..
وهلم جرا سواء، كان الفعل خيرًا أو شرًا.
فمذهب الجبر: مذهب يعلم بطلانه بالضرورة الحسية والعقلية والفطرية، فضلًا عن الحكم الشرعي.
كذلك المذهب القدري -الذي يقول: إن العبد هو الخالق لأفعاله- مذهب يدل على فساده العقل والفطرة والشريعة، من جهة أن الله ﷾ هو الخالق للعبد، وهو الخالق لإرادة العبد ولقدرته، فإذا كان هو الخالق ﷾ للعبد وما فيه من القوى التي يتحصل بها الفعل؛ فمن تمام ذلك أن يقال: إنه هو الخالق لأفعال العباد.
وكونه سبحانه هو الخالق لأفعال العباد، وأنها بمشيئته وإرادته لا يعني القول بأن العبد ليس فاعلًا حقيقة، بل العبد فاعل على الحقيقة، ولا تعارض بين المقامين لا في العقل ولا في الشرع.
إذًا: مخالفة هذين المذهبين -المذهب القدري والمذهب الجبري- ليست فرعًا عن إشكال من النصوص، بل لقد جاءت تحت بعض القواعد الفلسفية التي دخلت على المسلمين أيام الترجمة، كقاعدة: إن الأثر الواحد لا يصدر عن مؤثرين، أي: إما أن يكون الأثر من الله أو من العبد ..
وعن هذه الشبهة الفلسفية التي دخلت على الجهمية والجبرية ومن بعدهم من الأشاعرة، ودخلت على المعتزلة والقدرية المتكلمة، رجح هؤلاء أثر العبد، ورجح هؤلاء الأثر من جهة الخالق.
أما قول أهل السنة والجماعة فليس هذا القول ولا هذا القول، بل هو على قوله تعالى:
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] فمشيئة العبد تابعة لمشيئة الله ﷾، فقد وصف الله العباد بالإرادة، ووصفهم بالمشيئة: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ [آل عمران:١٥٢] فأثبت لهم إرادةً ومشيئةً، ووصف سبحانه أن إرادتهم ومشيئتهم تابعة لمشيئته وقضائه وقدره.
فالمقصود: أن هذه المذاهب المخالفة للسلف في أصول الدين إنما يفرق القول فيها عن القول في الخلاف الفقهي؛ لأن الخلاف الفقهي كالخلاف بين الحنابلة والمالكية والحنفية ..
إلخ نشأ عن نظر في دلائل الشريعة، بخلاف الخلاف في أصول الدين كالصفات والقدر؛ فإن المخالف للسلف وأهل السنة ليس خلافه معتبرًا بالنصوص، وإنما معتبر ببعض القواعد التي زعموها قواعد عقلية، وهي قواعد ملخصة من الفلسفة: كدليل الأعراض، والتركيب، والتخصيص في مسائل الصفات، وكدليل التأثير في مسائل القدر ..
وهلم جرا؛ وقد حظيت نظرية التأثير بدراسة مستفيضة في كتب المعتزلة والأشاعرة؛ لأنها هي المحك عندهم في هذا الباب.
[ ١٩ / ٤ ]
تسمية المرجئة لأهل السنة شكاكًا
[والمرجئة تسميهم شكاكًا].
تسميهم شكاكًا؛ لأن جمهور السلف جوزوا الاستثناء في الإيمان، فتقول: فلان مؤمن إن شاء الله، أو تقول: أنت مؤمن إن شاء الله ..
وهلم جرا، وكان المرجئة يمنعونه ويرونه شكًا.
وموجب هذا: أن المرجئة يرون أن الإيمان واحد لا يزيد ولا ينقص، ومن هنا امتنع الشك فيه ..
وهذا صحيح إن كانت المقدمة صحيحة، ومن هنا امتنع الاستثناء فيه ..
وهذا ليس بصحيح.
أما امتناع الشك فإن الشيء الواحد لا يجوز أن يتردد فيه، ولكنه من حيث المقدمة خطأ، فإن قول المرجئة: بأن الإيمان واحد.
غلط؛ فإن الإيمان وهو مركب من قول وعمل واعتقاد، وهو يزيد وينقص كما تواترت بذلك النصوص واتفق عليه السلف، على صريح القرآن في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] وكقوله: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم:٧٦] إلى غير ذلك، فالتصريح بزيادة الإيمان جاء في آيات كثيرة في القرآن.
ثم لو فرض جدلًا أن الإيمان واحد فهل الاستثناء فيه هو الشك؟
الجواب: لا؛ لأنه يجوز حتى في الأمور المقطوع بها ذكر مشيئة الله -أي: تعليقها بمشيئة الله- كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح:٢٧] فقوله: إن شاء الله مع أن هذا الوعد متحقق الوقوع.
والسلف ﵏ يستثنون في الإيمان لغرضين:
الأول: من جهة أن الإيمان قول وعمل واعتقاد، والإيمان المطلق هو الإتيان بالواجبات والانتهاء عن المعاصي، فهذا الإيمان المطلق الذي هو امتثال الأمر والانتهاء عن النهي لا يجزم به أحد لنفسه؛ ومن هنا صار الاستثناء مناسبًا في هذا المقام.
الثاني: أن الخاتمة لا يعلمها إلا الله ﷾.
فلهذين الغرضين صار الاستثناء مناسبًا.
والأشعري وكثير من أصحابه يستثنون في الإيمان على طريقة ابن كلاب، لكنهم وإن وافقوا السلف في الاستثناء إلا أن تعليل الاستثناء عند ابن كلاب والأشعري ليس هو التعليل الذي كان عليه السلف، فإن ابن كلاب والأشعري يستثنون في الإيمان باعتبار الموافاة، والموافاة ليست هي مسألة ختم الأعمال التي كان بعض السلف يقصدها باستثنائه.
فإن ختم الأعمال من جهة أن العبد لا يدري بما يختم له، أما مسألة الموافاة -وهي من مقالات عبد الله بن سعيد بن كلاب، وأخذها عنه الأشعري - فمقصودهم بها: أن إيمان العبد الصحيح هو الذي يوافي به الله، أي: إن كان في قدر الله وعلمه أنه يموت كافرًا فإن إيمانه الأول ليس إيمانًا صحيحًا، وإن كان في علم الله أنه يموت مؤمنًا فكفره الأول ليس كفرًا، فالكفر هو ما وافى العبد به ربه، والإيمان هو ما وافى العبد به ربه.
وهذا التفسير للكفر والإيمان لا شك أنه مخالف للسلف؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: وما علمت أحدًا من السلف علل الاستثناء في الإيمان بمثل ما ذكره عبد الله بن سعيد وتبعه عليه الأشعري ومن وافقه من أصحابه.
[ ١٩ / ٥ ]
تسمية الجهمية لأهل السنة مشبهة
[والجهمية تسميهم مشبهة].
والجهمية تسميهم مشبهة لأن الجهمية نفاة للصفات، وأهل السنة مثبتة للصفات، والجهمية هم أتباع جهم بن صفوان الترمذي المقتول، والذي كان من أئمة الكلام، وهو الذي أظهر مقالة التعطيل.
[ ١٩ / ٦ ]
تسمية أهل الكلام لأهل السنة حشوية ونوابت ..
[وأهل الكلام يسمونهم حشوية ونوابت وغثاء وغثرا
إلى أمثال ذلك، كما كانت قريش تسمي النبي ﷺ تارة مجنونًا، وتارةً شاعرًا، وتارةً كاهنًا، وتارةً مفتريًا.].
هذا ليس حكمًا في سائر أهل الكلام، وإنما هو قول غلاة المتكلمين، وإلا فمن المتكلمة من لا يسمي أهل السنة كذلك، كفضلاء متكلمة الأشعرية كـ أبي الحسن وفضلاء أصحابه.
فالمقصود بأهل الكلام هنا: أي غلاتهم، كمتكلمة الجهمية، والمعتزلة، وغلاة متكلمة الماتريدية، وغلاة متكلمة الأشعرية.
وأهل الكلام: ليسوا طائفة مختصة كما أن المعتزلة مدرسة مختصة، والأشاعرة مدرسة مختصة.
بل هي إضافة إلى هذا العلم -علم الكلام-.
وهم أصناف في الناس: فمنهم الجهمي، ومنهم المعتزلي، ومنهم الماتريدي ..
إلخ.
وهذا العلم علم مولد في المسلمين، بمعنى أنه لم يعرف قبل الإسلام كالفلسفة، ومن هنا صار ابن سينا وأمثاله لا يعدون في المتكلمين، بل يعدون في المتفلسفة؛ لأنهم نقلة للفلسفة ولم يشتغلوا بالرد عليها.
أما المتكلمون فإنهم في الجملة ممن رد على المتفلسفة من الإسلاميين -أو من انتسب للإسلام- أو من قبلهم، فمن أغراض المتكلمين التي قصدوها في علمهم هذا: الرد على كثير من مقالات الفلاسفة كالقول بقدم العالم وغيره؛ ولهذا صنف كثير من المتكلمة في هذا، فكان لـ واصل بن عطاء بعض التصانيف في هذا، ولـ أبي الهذيل العلاف، وإبراهيم بن سيار النظام، ولـ أبي علي الجبائي ..
وأمثال هؤلاء من أئمة المعتزلة تصانيف في هذا الباب، وكذلك أئمة الأشعرية صنفوا في الرد على المتفلسفة، كالمصارعة للشهرستاني، وتهافت الفلاسفة لـ أبي حامد الغزالي، وكذلك تصنيف القاضي أبي بكر بن الطيب ..
وأمثالهم في هذا الباب.
ولربما صح أن يقال: إن ردهم في الجملة مما يحمدون عليه من جهة أنهم قصدوا إبطال الكفر المحض، وإن كان كثير من ردهم قاصرًا عن التحقيق، بل إنهم في كثير من ردهم التزموا كثيرًا من التعطيل لمسائل الصفات وغيرها بسبب ما ادعوه من الرد؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ﵀: وهم يحمدون في الجملة فيما قصدوا إبطاله من مقالات الفلاسفة الكفرية المناقضة لدين المسلمين كالقول بقدم العالم ونحوه، قال: وإن كان يقع في ردهم ما هو من التقصير والقصور، بل والتزام بعض الحقائق المناقضة لما علم مجيء الرسل به ضرورة، كالقول في إثبات صفات الرب وأمثال ذلك ..
فهذا مما يعتدل القدر فيه في هؤلاء المتكلمين.
وينبه إلى أن هذا العلم المشهور في تعريفه -كما هو في كتب المتكلمين أنفسهم، أو فيمن صنف في المعارف وحال التاريخ كـ ابن خلدون في مقدمته- أنه الاستدلال على العقائد الإيمانية بالدلائل العقلية، بل إن ابن خلدون وهم وهمًا أشد من هذا، حيث قال: إن علم الكلام هو علم يقصد به الاستدلال على عقائد أهل السنة بالدلائل العقلية ..
وهذا كحقيقة علمية مجردة غلط أساسي عند ابن خلدون؛ لأن المؤسس لهذا العلم لم ينتسب أصلًا للسنة والجماعة، وهم علماء الجهمية والمعتزلة، والأشاعرة تبع لهم، سواء من حيث الحقيقة العلمية أو من حيث التاريخ، فإن إمام الأشعرية -وهو أبو الحسن الأشعري - متأخر عن جمهور متكلمة المعتزلة والجهمية.
فهذا العلم أصلًا لم ينشأ في قوم ينتسبون للسنة، فضلًا عن كونهم يحققونها ويصيبونها.
وهو علم -أعني: علم الكلام- مذموم عند أئمة السلف، وهذا متواتر عنهم، والذي ذمه ليس هم علماء الحديث فقط، بل ذمه غيرهم من أئمة الفقهاء كذلك، حتى إن كل إمام من الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - نقل عنهم أحرف كثيرة في ذم هذا العلم، بل حتى عن أصحابهم كـ محمد بن الحسن وأبي يوسف واللذان هما أخص أصحاب أبي حنيفة.
ولهذا: تأول المتكلمون الذين انتسبوا لهؤلاء الأئمة في الفقه هذا الذم لما عرفوه، كما هو واضح في كلام أبي حامد الغزالي، حيث قال: وأما ما جاء عن الشافعي -وهو لابد أن يلاحظ كلام الشافعي، أي: لا يتجاوزه، بحكم أنه ينتسب إليه، فهو شافعي في الفقه وأصوله، بل إنه يزعم أن طريقته في أصول الدين لا تناقض طريقة الشافعي - من ذم علم الكلام فإنما لما فيه إذ ذاك من الألفاظ المجملة الحادثة كلفظ الجوهر والعرض وأمثالها، وكان هذا مناسبًا لما هم عليه من ظهور السنة.
أما في من بعدهم فلما اختلط الحق مع كثير من مقالات المناقضين لدين الإسلام أوجب أن يكون هذا العلم مما يقصد إلى بيانه وضبط الاعتقاد به، وإن كان فيه مفسدة استعمال الألفاظ الحادثة المبتدعة كلفظ الجوهر والعرض.
ثم ذكر الغزالي مثالًا يستدل به على تحصيله، فقال: كما إن لبس ثياب الكفار منهي عنها، وهي من التشبه المنهي عنه في الشريعة.
لكن إذا صال الكفار على مصر من أمصار المسلمين، ولم يكن دفع شوكتهم إلا بالغدر بهم بلبس ثيابهم -حتى يستطيع بعض العين من المسلمين أن يدخل في صفهم أو يعرف أخبارهم- فلبس ثيابهم هنا هو مصلحة شرعية يقصد إليها من قبل الشارع.
هذا التقرير من أبي حامد لو صح مبناه لكان دقيقًا وصحيحًا علميًا، لكن مبناه على أن السلف -كـ الشافعي وغيره- إنما ذموا علم الكلام لما فيه من الألفاظ الحادثة فقط، وهذا خطأ، فإن السلف ذموا هذا العلم لما اشتمل عليه من المعاني الباطلة، وإن كان هذا الذم متضمنًا ذم الألفاظ، ولهذا قال شيخ الإسلام في درء التعارض: وذم السلف لعلم الكلام إنما كان لما اشتمل عليه من المعاني الفاسدة، وإن كان يدخل في هذا الذم ما فيه من الألفاظ الحادثة.
وقال في موضع آخر: وذم السلف لعلم الكلام لما فيه من المعاني أعظم من ذمهم لما فيه من حدوث الألفاظ.
إذًا: ذم السلف هذا العلم الكلامي لغرضين:
الأول: لما اشتمل عليه من المعاني الباطلة.
الثاني: لما فيه من الألفاظ المبتدعة.
ومن هنا كان جواب الغزالي عن أحد الغرضين فقط، وهو غرض الألفاظ، أما غرض المعاني فإن الغزالي لم يستطع الجواب عنه ولا يستطيع أن يجيب عنه؛ لأن قضية المعاني قضية لزومية لا يمكن الانفكاك عنها ولا التعليل بخلافها.
وإنما قرر شيخ الإسلام ﵀ أن السلف ذموا علم الكلام لما اشتمل عليه من المعاني الباطلة؛ لأنك ترى هذا حقيقةً، فإنه لو لم يكن في هذا العلم إشكال إلا من جهة الألفاظ لما تضمن حقائق علمية تعارض الحقائق القرآنية، ولكانت النتيجة العقلية أن يتضمن أحرفًا وألفاظًا ليست هي الألفاظ الشرعية القرآنية النبوية فقط، لكن هذا العلم أوجب نفي الصفات، والقرآن -كما قرره أئمة السنة والجماعة- جاء بإثبات الصفات، بل كما نص عليه أئمة الكلام أنفسهم من المعتزلة وغيرهم لما قالوا: تعارض العقل والنقل ..
فإنهم قصدوا بالعقل الدلائل الكلامية.
وبهذا يتبين أن هذا العلم معارض لما جاء في الكتاب والسنة، حتى بشهادة أصحابه الذين قرروا قانون التعارض بين العقل والنقل، وكان جواب علماء السنة: أن العقل ليس معارضًا للنقل؛ وهذه قاعدة مطردة: أنه ليس هناك حكم شرعي في أي رسالة نبوية -وبخاصة في أكمل الشرائع وهي الشريعة المحمدية- يعارض شيئًا من الحقائق أو القوانين العقلية، ومن ظن التعارض فقد وقع له وهم يناسب عقله المعين، ولهذا لا يمكن أن يتفق العقلاء في أمة من الأمم أو طائفة من الطوائف على دلائل عقلية -زعموها- معارضة لأخبار أو تشريعات نبوية.
وترى أن الكفار الذين كفروا بما جاء به النبي ﵌ في منتهى حالهم يقولون: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١٠] فقولهم: لو كنا نسمع أي: الحكم الشرعي أو النبوة الشرعية والاستجابة للنبي ﷺ الذي كان يدعوهم إلى التوحيد والإيمان، أو نعقل أي: لو استعملنا حتى العقول لانقدنا إليه؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف:١٧٩] فقدم العقل على السمع والبصر، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج:٤٦].
فترى دائمًا أنه في القرآن عند ذكر المعتبرات في التحصيل يقدم العقل على غيره من الحواس؛ لأنه أقوى القوى الإدراكية وأنظمها، ولهذا تميز به الإنسان عن بقية الحيوان، فإن البهائم تسمع وتبصر لكنها لا تعقل، وهذه تقرر ولا سيما في هذا العصر كثيرًا؛ لكثرة من يتكلم بدعوى أن العقل يعارض النقل، التعارض بين الإسلام في كذا والقضية العقلية ..
ليس هناك أي مسألة خبرية أو تشريعية يتعارض فيها الخبر الشرعي مع العقل أو الحكم الشرعي مع العقل، إلا أن يكون هذا الشيء الذي قيل إنه شرعي؛ ليس شرعيًا في الحقيقة، كأن يكون حديثًا موضوعًا على النبي ﷺ، فيظن من يظن أنه حديث وهو يعارض قوانين عقلية منضبطة.
أما ما علم أنه شرعي من جهة ثبوته ودلالته فإنه لا يمكن أن يعارض شيئًا مما انضبط في العقل، بل يكون العقل هنا وهمًا وليس عقلًا صحيحًا.
[ ١٩ / ٧ ]
الكلام عن القتال الذي وقع بين الصحابة
[قالوا: فهذه علامة الإرث الصحيح والمتابعة التامة، فإن السنة هي ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، اعتقادًا واقتصادًا وقولًا وعملًا؛ فكما أن المنحرفين عنه يسمونهم بأسماء مذمومة مكذوبة -وإن اعتقدوا صدقها بناءً على عقيدتهم الفاسدة- فكذلك التابعون له على بصيرة الذين هم أولى الناس به في المحيا والممات باطنًا وظاهرًا.
وأما الذين وافقوه ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر، والذين وافقوه بظواهرهم وعجزوا عن تحقيق البواطن، والذين وافقوه ظاهرًا وباطنًا بحسب الإمكان، فلابد للمنحرفين عن سنته أن يعتقدوا فيهم نقصًا يذمونهم به، ويسمونهم بأسماء مكذوبة -وإن اعتقدوا صدقها- كقول الرافضي: من لم يبغض أبا بكر وعمر فقد أبغض عليًا؛ لأنه لا ولاية لـ علي إلا بالبراءة منهما.
ثم يجعل من أحب أبا بكر وعمر ناصبيًا بناءً على هذه الملازمة الباطلة التي اعتقدها صحيحة أو عاند فيها وهو الغالب].
أي: أن تحصيل إضافة أهل السنة إلى النصب هو من هذا الوجه: أنه من لم يبغض أبا بكر وعمر فإنه لم يوال عليًا ﵃ ..
وهذا التلازم ليس صحيحًا، فإن الموالاة ليس من شرطها بغض أبي بكر وعمر ﵄.
وننبه هنا إلى أن ما وقع بين الصحابة ﵃ في مسألة القتال، ينبغي أن يؤخذ كما أخذه السلف ﵏، وهو أن الصحابة في اقتتالهم في مسألة الجمل وصفين -وفي صفين على الوجه الخصوص لظهور الفتنة فيه أكثر- كانوا مجتهدين، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عمرو بن العاص أن النبي ﵌ قال: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) وباتفاق أهل السنة أن عليًا ﵁ كان أولى بالحق من غيره، وأنه خليفة من الخلفاء الراشدين، وأن خلافته خلافة شرعية.
ولكن من عارضه من الصحابة -كـ معاوية وغيره- كانوا مجتهدين أيضًا، واجتهاد هؤلاء لا يقدح في خلافة علي ﵁، كما أن فاطمة ﵂ عندما حصل لها تخلف عن بيعة أبي بكر لم يشكل ذلك على صحة خلافة أبي بكر ﵁ ..
وهلم جرا.
والواجب: الكف عن الطعن في مقاصدهم، بل يحسن الظن بسائر الصحابة لأنهم عدول خيار، بل هم خير هذه الأمة وأفضلها بعد نبيها، وإذا دخل الطعن فيهم دخل الطعن في دين الإسلام ضرورة؛ لأنهم هم الذين رووا الشريعة، وهم الذين حدثوا بأحاديث الرسول ﵌؛ ولهذا كان من أصول أهل السنة والجماعة كما يذكر المصنف في الرسالة الواسطية: ومن أصولهم سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب النبي ﷺ.
ومسألة الترجيح بينهم ليست هي مسألة الطعن، ولهذا كان السلف يقولون بما دلت عليه الدلائل من أن عليًا ﵁ أولى بالحق من غيره.
ثم إنه مما يعلم: أن القتال الذي وقع بين الصحابة في صفين جمهور العسكرين -عسكر الشاميين والعسكر الذي كان مع علي - ليسوا من الصحابة، بل كما قال ابن سيرين بإسناد يقول شيخ الإسلام عنه: إنه من أصح الأسانيد على وجه الأرض: أنه لم يدخل في القتال في يوم صفين إلا بضع وثلاثين صحابيًا.
فكان جمهور العسكرين من مسلمة الفتوح العمرية من أهل العراق وغيره.
وهذا الذي يقرر هنا ينبغي أن يضبط بكلام أهل السنة، ولا يلتفت إلى كثير مما ذكره الإخباريون وأهل التاريخ في كتبهم، وإن كان منهم من عرف بالعلم كـ ابن جرير الطبري مثلًا، فإنه في تاريخه لم يلتزم أن لا يذكر إلا ما صح، بل ذكر ذكرًا مطلقًا ولم يلتزم صحة ما ذكره في سائر كتابه.
[ ١٩ / ٨ ]
وجوب العدل في نقل المقالات وأخذهم بالشريعة لا بحظ النفس
[وكقول القدري: من اعتقد أن الله أراد الكائنات، وخلق أفعال العباد فقد سلب من العباد الاختيار والقدرة، وجعلهم مجبورين كالجمادات التي لا إرادة لها ولا قدرة.
وكقول الجهمي: من قال إن الله فوق العرش فقد زعم أنه محصور، وأنه جسم مركب محدود، وأنه مشابه لخلقه].
هذه كلها ليست لزومات عقلية، بل لزومات حسية، ولهذا قال أهل السنة: إن كل معطل ممثل.
فهذه اللزومات لزومات على ما يعرفونه من حال المخلوقين، والله منزه عن حال المخلوقين.
[وكقول الجهمية المعتزلة: من قال إن الله علمًا وقدرةً فقد زعم أنه جسم مركب].
هذا مبني على التشبيه، وإلا من عرف الله حق معرفته، وعرف أن الله ليس كمثله شيء لم يلزم عنده في إثبات صفات الباري سبحانه هذه اللوزام التي هي لوازم لما عرفه من المحدثات المخلوقات.
[وأنه مشبَّه؛ لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بجوهر متحيز، وكل متحيز جسم مركب أو جوهر فرد].
هذا هو دليل الأعراض المشهور عند المعتزلة.
والجوهر الفرد هو الجزء من المادة الذي لا يقبل الانقسام.
[ومن قال ذلك فهو مشبه لأن الأجسام متماثلة.
ومن حكى عن الناس المقالات وسماهم بهذه الأسماء المكذوبة -بناءً على عقيدته التي هم مخالفون له فيها- فهو وربه والله من ورائه بالمرصاد، ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله].
قوله: ومن حكى عن الناس.
أي: أن من يحكي المقالات في هذا المقام فإنه لابد له من العدل؛ لأن ذكر العقيدة هنا أيًا كان معتقدها هو من باب الشهادة، والله ﷾ يقول: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦] وقد جاء في حديث بريدة في السنن: (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاض في الجنة) قال شيخ الإسلام ﵀: فإذا كان هذا يقع في من يقضي بين الناس في أموالهم ودمائهم، فهو من باب أولى يقع في من يقضي بين الناس في مقاصدهم وعقائدهم التي يدينون الله بها.
ولهذا يجب على طالب العلم أن يعتدل في ذكر أقوال الناس، حتى لو كان القائل من أهل البدع، فإنه لا يزاد في قوله، بل يذكر قوله كما ذكره هو، ولا يفترى على أحد من خلق الله ولو كان من أهل البدع المخالفين لأهل السنة والجماعة.
ولهذا لم يكن من طريقة أهل السنة والجماعة أنهم يؤاخذون غيرهم بالمثل في مسائل الأحكام التي هي من أحكام الجور كما هي طريقة بعض المتكلمين الذين لما ذكروا مسألة التكفير قالوا -كما ذكره بعض الأشاعرة-: نكفر من كفرنا، أما من لم يكفرنا فلا نكفره فإن هذا ليس من باب العدل.
وترى أن الصحابة ﵃ قد كفرتهم الخوارج كما في زمن علي بن أبي طالب ﵁، ومع ذلك لم يذهب الصحابة إلى تكفير الخوارج من باب المقابلة.
فهذا الباب لا يؤخذ بحظ النفس وإنما يؤخذ بالشريعة.
ولا يجوز أن يضاف إلى أحد من عباد الله ما هو من الأقوال المخالفة لصريح الكتاب والسنة، إلا إذا علم أنه يقول بهذا القول، وأما أخذُ الناس بالظن فهو كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات:١٢] فهذا من الإثم الذي لا يجوز أن يعتبر في هذا المقام.
وليس من شرط الإنسان -أقصد: أنه ليس من شرط إيمانه وديانته وصحة مذهبه- أنه يعرف تفاصيل عقائد أعيان الخلق، وإذا كان النبي ﵌وهو إمام هذا الدين، وسيد المرسلين- يقول الله تعالى له: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة:١٠١] وكذلك الصحابة ﵃، فقد كان المنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء:١٤٥] ومع ذلك لم يكن جميع الصحابة يعرفون المنافقين بأعيانهم، وهذا معروف في السنة؛ حيث خص النبي ﷺ حذيفة ﵁ بأسماء المنافقين.
والمقصد من هذا: أن طالب العلم لا ينبغي له أن يكون من مقاصده الأساسية أن يتتبع فلانًا وفلانًا ماذا يقول وماذا يعتقد، وماذا يقصد وماذا يريد، بل يأخذ الناس بظاهرهم، كما قال عمر ﵁ كما ثبت عنه في صحيح البخاري: إنه لما كان رسول الله كان الوحي ينزل، وأما اليوم فقد انقطع الوحي، وإنَّا آخذوكم بظاهركم.
فهكذا ينبغي لطالب العلم ألا يتقحم ما ليس له به علم.
وبالمقابل: هذا لا يعني أن طالب العلم يعرض عن البدعة أو عن أهلها، فلا يقع له بيان أو رد أو تحذير، فإن هذا مقام آخر، لكن العدل واجب في هذا المقام، وطالب العلم أخص مقاصده أن يشتغل بتحصيل العلم الشرعي من حفظ كلام الله وكلام رسوله والتفقه فيهما، والاشتغال بعباداته الشرعية التي شرعها الله ورسوله ..
هذا هو أخص مقصد لطالب العلم ينبغي أن يلازمه في نفسه وأن يربي عليه غيره.
وأما أن يكون العلم غرضًا للتتبعات فهذا ليس من المقاصد الفاضلة.
[ ١٩ / ٩ ]