أهل السنة والجماعة هم الوسط بين الفرق في أسماء الله وصفاته، فإنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف، ويؤمنون بأن الله سبحانه ليس كمثله شيء، لا في ذاته ولا في أفعاله ولا في صفاته.
[ ٨ / ١ ]
مذهب السلف في صفات الله ﷿
قال المصنف ﵀: [فصل: ثم القول الشامل في جميع هذا الباب: أن يوصف الله بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون لا يتجاوز القرآن والحديث.
قال الإمام أحمد ﵁: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ لا يتجاوز القرآن والحديث.
ومذهب السلف: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويعلم أن ما وصف الله به من ذلك فهو حق ليس فيه لغز ولا أحاجي، بل معناه يعرف من حيث يعرف مقصود المتكلم بكلامه، لا سيما إذا كان المتكلم أعلم الخلق بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف بما يقول، وأفصح الخلق في بيان العلم، وأفصح الخلق في البيان والتعريف والدلالة والإرشاد].
بعد أن ذكر المصنف ﵀ المقدمة التي ذكر فيها أوجهًا يستدل بها على صحة مذهب السلف وبطلان مذاهب المخالفين، وذلك بأنه صوب مذهب السلف بالدلائل السمعية والعقلية فعُلم بذلك أن المذهب المخالف مذهب باطل، وهذا ليس من باب طريقة السبر والتقسيم التي تقدم ذمها من بعض الأوجه، فإن المصنف لما ذكر مذهب السلف وذكر المخالفين -سواءً كان المخالف يضاف إلى مذهب الكلاميين أو غيره- لم يستعمل الطريقة التي يستعملونها، بل استعمل الأدلة الشرعية والعقلية الدالة على صحة مذهب السلف، وهذا استدلال مفصل، ومعلوم أن هذه المذاهب تضاد هذا المذهب الذي دل الدليل على صوابه، فإذا كانت مضادةً له فإن الدليل العقلي القاطع يقضي بأن الضدين لا يجتمعان.
وهذه الطريقة طريقة محكمة في العقل: وهي الاستدلال على القول الحق بالدلائل الشرعية والدلائل العقلية المناسبة له، فإذا تحققت الدلائل الشرعية والعقلية على صحة مذهب السلف، ومعلوم أن المذاهب المخالفة في هذا الباب هي من باب الأضداد لهذا المذهب فإنه بإجماع العقلاء لا يمكن الجمع بين الضدين.
بعد هذا التقعيد، وبيان إسناد السلف وإسناد المخالفين، وبيان اتصال متأخري المتكلمين كالأشعرية وغيرهم بمتقدميهم، والاتصال بين متأخري المعتزلة كـ أبي الحسين البصري وأمثاله وبين قدماء أصحابه، وإن كان المتأخرون -كما يشير المصنف- لهم بعض الصوابات التي يفارقون بها قول الغلاة من المتكلمين.
بعد ذلك دخل المصنف في هذا الفصل ليقرر جملة قول السلف ﵏ في باب الأسماء والصفات بشيء من التقعيد والتفصيل، فذكر القاعدة التي التزمها سائر أئمة السلف، وهي أن الله ﷾ موصوف بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﵌ لا يتجاوز القرآن والحديث.
وهذا يقع في باب الإثبات، ويمكن أن نقول: أنه يقع في باب النفي باعتبار الدلائل التي أقرها الدليل الشرعي؛ ذلك أن الطريقة القرآنية النبوية التي عليها السلف ﵏ أنهم في ذكر صفات الله -في الغالب- يذكرون الصفات المثبتة على التفصيل، وأما باب النفي فإنه يذكر مجملًا ..
هذا هو الغالب على الطريقة القرآنية النبوية: التفصيل في الإثبات والإجمال في النفي.
ولكن مع ذلك فإنه يقع في الطريقة القرآنية والنبوية إجمال في الإثبات وتفصيل في النفي.
أما الإجمال في الإثبات في الأسماء فهو في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠] فهذا إثبات مجمل للأسماء.
وأما الإجمال المثبت في الصفات فهو في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ [النحل:٦٠] والمثل الأعلى هو الوصف الأكمل، أي: صفات الكمال، وهذا هو الذي يسميه من يسميه من متأخري أهل السنة بقياس الأولى، وتراهم يقولون: أنه يستعمل في حق الله قياس الأولى على هذا المعنى من القرآن، ولكن التسمية الأولى الشرعية أن يقال: أنه ﷾ له المثل الأعلى، أما تسميته قياسًا فالأصل عدمها، ولكن إذا ذكرت من باب بيان قول أهل السنة في مسألة القياس أو من باب استعمال اصطلاح للمصطلحين فإن هذا -في الجملة- ليس به بأس.
وأما النفي المفصل فهو المذكور في مثل قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] فهذا نفي مفصل، ولكن كل نفي مفصل في القرآن فإنه يتضمن ثبوت كمال الضد، والظلم ضده العدل، فهو لا يظلم أحدًا سبحانه لكمال عدله ..
وهلم جرا.
ومثله: قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] فهو لا تأخذه سنة ولا نوم لكمال حياته وقيوميته.
والكمال المقصود يقارن النفي المفصل عند ذكره أحيانًا، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة:٢٥٥] أي: لكمال حياته وقيوميته، أو لا يقارنه بالتصريح ولكن السياق والقواعد والأصول تدل عليه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف:٤٩] أي: لكمال عدله.
إذًا: القاعدة تقول: كل نفي مفصل في القرآن أو في السنة فإنه يتضمن أمرًا ثبوتيًا، وهو ما يقابله من الصفة التي هي صفة الكمال، وهي الصفة الثبوتية.
فهذه القاعدة هي المستعملة من حيث الأصل في مذهب أهل السنة والجماعة، بخلاف طريقة المخالفين، فإنهم في الجملة يجملون في الإثبات ويفصلون في النفي، والنفي الذي يستعملونه لا يتضمن أمرًا ثبوتيًا من الصفات، بل يكون نفيًا محضًا.
وهنا يستعمل المصنف في تقرير مذهب السلف أنهم يصفون الله ﷾ من غير تكييف ومن غير تمثيل، ويقصد بهذا رد مذهب المشبهة والمجسمة.
وهذا المذهب -مذهب التشبيه والتجسيم- لم يكن فيه إشكال عند جماهير طوائف المسلمين لظهور فساده، ولهذا تقلده في مبدأ الأمر قوم من غلاة الشيعة الإمامية الرافضة كـ هشام بن الحكم وغيره، ثم إن الشيعة فيما بعد -في الجملة- تركوا هذا المذهب، وأصبحوا وجمهور الزيدية على مذهب المعتزلة.
وقد تأثر بهذا المذهب -أعني: مذهب التشبيه- محمد بن كرام وأتباعه.
لكن المذهب الذي أشكل هو مذهب النفي، ولا سيما بعد تقلد أبي الحسن الأشعري وجماعة من متكلمة الصفاتية له.
[ ٨ / ٢ ]
من طرق استدلال أهل السنة: الاستدلال بالمتفق على المختلف
[وهو سبحانه مع ذلك ليس كمثله شيء، لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة، وهو ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله].
يذكر المصنف أن الله سبحانه مع اتصافه بصفات الكمال المفصلة في القرآن والحديث ليس كمثله شيء لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته ولا في أفعاله، ثم ذكر هذا الدليل، وهو من أخص القواعد التي يذكرها المصنف في كتبه، قال: فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة فلذلك له صفات حقيقة.
وهذا استدلال بالمسلمات، وهذه من طرق القرآن في الاستدلال، وهي: الاستدلال على المختلف بالمؤتلف، أو الاستدلال على ما كان متشابهًا بالمحكم.
وقد يقول قائل: هل باب الصفات من المتشابه؟
نقول: لا، ليس هو من المتشابه، لكن لما زعم المخالفون كالمعتزلة وغيرهم أن آيات الصفات من المتشابه.
قيل: هب أنها من المتشابه؛ فإنه يستدل بالمحكم في هذا الباب -باب المعرفة الإلهية- على ما زعموا أنه متشابه وهو آيات الصفات، وإلا فإن الحق أن آيات الصفات من المحكمات وليست من المتشابهات، لكن القاعدة المستعملة كثيرًا في القرآن، وهي قاعدة عقلية مستعملة عند العقلاء وذكرها حتى غير الإسلاميين من الفلاسفة، هي الاستدلال بالمؤتلف على المختلف أو على المتشابه بالمحكم.
[ ٨ / ٣ ]
القول في الصفات كالقول في الذات
يكون الاستدلال بهذه القاعدة على ثبوت الصفات بهذه الطريقة: اتفق أهل القبلة على أن الله ﷾ له ذات حقيقة لا تشابه الذوات، وأنه موجود ﷾ قائم بنفسه غني عن خلقه ..
فكما أن له ذاتًا حقيقة فكذلك له صفات حقيقة، والقول في الصفات فرع عن القول في الذات.
فمن قال: إن إثبات الصفات يستلزم أن تكون كصفات المخلوقين.
قيل له: إن الصفات تابعة للذات، فكما أن الذات لا تشابه ذوات المخلوقين والمحدثات فإن الصفات كذلك؛ ولهذا اتفق المسلمون بل وجماهير بني آدم -إلا من غلا وألحد في الربوبية إلحادًا يختص به- على أن الله موجود، وهذا حكم بدهي، وببداهة العقول فإن المخلوقات موجودة؛ وقد عني شيخ الإسلام بتقرير مسألة الوجود في كتبه الكبار؛ لأنها أصل في هذا الباب في الرد على المخالف، وهي ترجع إلى قاعدة: أن الاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص.
وتطبيق هذه القاعدة -وهي قاعدة فاضلة- هو: أنه ببداهة العقول أن الباري ﷾ موجود، وأن المخلوقات موجودة.
فترى أنه صار اشتراك في الاسم المطلق بين الخالق والمخلوق، وهو اسم الوجود المجرد عن الإضافة والتخصيص، فإذا قيل وجود الله فهم منه لائق به سبحانه ليس كوجود خلقه، وإذا قيل وجود المخلوقات فهم منه وجود ناقص قاصر ليس كوجود الخالق؛ ولهذا كان وجوده ﷾ باتفاق المسلمين -بل وعامة بني آدم- واجبًا، وسائر المخلوقات ممكنًا.
فهل أوجب الاتفاق في الاسم المطلق في الوجود أن يكون الوجود كالوجود؟
الجواب بالبداهة العقلية: لا.
فإذا كان كذلك فما الغرض هنا؟ هل المخالف يناقش في مسألة الوجود؟
الجواب: لا، ولكنا نستدل بالمؤتلف أو المتفق على ما زعموه مختلفًا أو متشابهًا، فيقال: القول في السمع والبصر مع المعتزلة كالقول في الوجود، فكما أن له وجودًا يليق به وللمخلوق وجودًا يليق به فله سمع وبصر يليق به وحياة وعلم وقدرة وكلام
وهلم جرًا من صفات الكمال تليق به، وللمخلوق من هذه الصفات ما يليق به، والاشتراك في الاسم المطلق لا يستلزم التماثل في الحقيقة عند الإضافة والتخصيص، فإن زعموه مستلزمًا قيل: يلزمكم هذا في اسم الوجود.
ولهم على هذا بعض الجوابات المتكلفة التي -كما قال المصنف- لا تزيد الأمر إلا سوءًا، فمنهم من قال: إن الوجود مقول بالاشتراك اللفظي ..
وهذا ليس بجواب؛ لأنه لو صح هذا الجواب -والذي زعم الرازي أنه قول لـ أبي الحسن وهو غلط عليه، فإنه ليس من أقواله- للزم أن وجود الله لا يعرف؛ لأن المشترك اشتراكًا لفظيًا لا يفقه معنىً بنسبة أخرى من المعنى المقابل كما تقول: المشتري -المقابل للبائع- وتقول المشتري الكوكب، وتقول سهيل بن عمرو وسهيل الكوكب ..
وهلم جرًا.
ففي الحقيقة ليس لهم للتخلص من هذا الاستدلال إلا مقالات تزيد الأمر شدة وضلالًا عندهم.
[ ٨ / ٤ ]
قاعدة الاستدلال بالمتفق على المختلف
ومن أمثلة الاستدلال بهذه القاعدة في القرآن: الاستدلال بمسألة الربوبية على مسألة الألوهية؛ وذلك لأن المشركين كانوا يقرون بالربوبية في الجملة ويخالفون في الألوهية، والقاعدة: أن المخالف يخاطب بأصول يقر بها تستلزم التسليم بما ينازع فيه.
ولهذا لو قيل: هل هذه القاعدة تطرد؟
قيل: نعم، فما من طائفة من طوائف أهل البدع سواء كان ذلك في مسائل النظر أو في مسائل الإرادات والأحوال والتصوف، بل ولا طائفة من طوائف المشركين من أهل الكتاب أو غيرهم إلا ويقرون بما هو من المقدمات التي تستلزم الإقرار بما جاء في القرآن والسنة.
ولهذا لما كتب النبي ﵌ إلى هرقل استدل في كتابته بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران:٦٤] وهكذا كل قوم في مناظرتهم أو مخاطبتهم يخاطبون بأصل يسلمون به، وهذا الأصل تجده يستلزم التسليم بما يخالفون فيه.
وهذه قاعدة فاضلة مطردة مع سائر المخالفين من أهل البدع أو حتى من طوائف الكفار، قد يقول قائل: قد يكون الخطاب مع المجوس أو مع المشركين ..
وهلم جرا.
فيقال: وهكذا يكون؛ فإن الإقرار بوجود الله يستلزم الإقرار بالربوبية والأفعال، والإقرار بالربوبية والأفعال يستلزم الإقرار بالألوهية، والإقرار بالألوهية يستلزم الإقرار بالشرائع والنبوات ..
وهلم جرا.
وهذا هو المشهور كثيرًا في القرآن في مسألة الاستدلال، مثله قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس:٧٨ - ٧٩] بمعنى أن الذي قال من الكفار: من يحيي العظام وهي رميم؟ يقر بأن الله هو الذي أنشأها أول مرة، فإذا كان يقر بأنها أنشئت من العدم على غير مثال سابق لها فكذلك من باب الأولى أن تعاد إذا كانت رميمًا وقد بقي أصل مادتها.
إذًا: الاستدلال بالمؤتلف على المختلف عند المخالف -وإن كان في نفس الشريعة ليس مختلفًا- يحصل هذا التحصيل، بل هو في كثير من الموارد يحصله بطريقة الأولى، أي: أن الذي خالف فيه عند التحقيق أولى في الثبوت مما وافق فيه، أي: أن الذي خالف فيه كمخالفة الكفار الذين قالوا: من يحيي العظام وهي رميم.
فإن إثبات الإعادة لهذه العظام أولى في الظهور العقلي من إثبات النشأة الأولى، وهم يقرون بالنشأة الأولى.
فهذا الاستدلال أحيانًا يحصل الحكم بطريق الأولى وأحيانًا بطريق التساوي، ولا يكون قاصرًا في حال من الأحوال.
هذه القاعدة الفاضلة يستعملها المصنف كثيرًا، وقد استعمل في الرسالة التدمرية هذه القاعدة بأصلين، فقال: الأصل الأول أن القول في الصفات كالقول في الذات، وهو يخاطب به الجهمية والمعتزلة الذين ينفون سائر الصفات؛ لأن الجهمية والمعتزلة يثبتون لله ذاتًا تليق به لا تشابه ذوات المخلوقين.
فقال: يلزم أن تثبت له صفات تليق به لا تشابه صفات المخلوقين.
الأصل الثاني قوله: إن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر وهو يخاطب بهذا من يسلم ببعض الصفات كالأشاعرة الذين سلموا بالحياة والكلام والبصر والسمع والإرادة والعلم والقدرة، وسلم قدماؤهم وأئمتهم بغير ذلك من الصفات الخبرية وأمثالها، فهذا الذي اتفق الأشعرية فيه مع أهل السنة يدل بنفسه على ثبوت ما نازعوا فيه.
فقوله: القول في بعض الصفات أي: القول فيما أثبتم كالقول فيما نفيتم.
إن قلتم: أن هذه الصفات السبع التي اتفق عليها الأشاعرة وقررها المتأخرون قد ثبتت بالسمع، فقد أثبت السمع غيرها، وإن قلتم ثبتت بالعقل قيل: العقل دليل، وعدم الدليل المعين ليس دليلًا على العدم، فعندنا دليل آخر وهو السمع.
إلا إن قالوا: إن القرآن ليس دليلًا.
فهذا مقام آخر يدل على زيغ وزندقة.
وأيضًا: فإن العقل يدل على غير هذه الصفات السبع، فقد كان الأشعري -وهو إمام المذهب- يثبت العلو بالعقل، وأثبت الرؤية بالعقل ..
وهلم جرا، فالعقل لا يقتصر على هذه الصفات السبع، بل إن دلالة العقل على بعض الصفات أظهر من دلالته على بعض هذه الصفات السبع.
فغالب القواعد عند شيخ الإسلام ترجع إلى هذه القاعدة، وهي قاعدة عقلية مقررة عند العقلاء: وهي الاستدلال بالمؤتلف أو المتفق على المختلف.
وهي قاعدة مطردة في دين الإسلام من مسائل أصول الدين: أن كل من نازع في أصل من أصول الدين من الكفار أو غلط فيه من طوائف أهل القبلة، وإن كان الكافر يكفر بالإسلام جملة، لكن قد يكون اختصاصه بتعيين شيء ما، فإن مشركي العرب وهم كفار آمنوا بأصل الربوبية لكنهم قالوا كما قال الله عنهم: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن:٧] وقال سهيل بن عمرو: (أما الرحمن فلا أدري ما هو ..) وهلم جرا.
فيقال: كل من نازع فيما جاءت به الرسل من أصول الديانة فإن في المسلمات الضرورية والفطرية والعقلية ما يدل على ثبوت هذا الذي نازع فيه، وهكذا من غلط في شيء من ذلك من طوائف أهل البدع.
[وكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا فإن الله منزه عنه حقيقة، فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم عليه].
قوله: ويمتنع عليه الحدوث لامتناع العدم هذا أخص درجات الاستدلال العقلي، وهو أنه ﷾ منزه عن الحدوث؛ لأن الحدوث يستلزم سابقة العدم، والرب ﷾ يمتنع عليه العدم.
[ ٨ / ٥ ]
ضرورة التزام الألفاظ الشرعية في مقام تقرير اعتقاد أهل السنة
[واستلزام الحدوث سابقة العدم، ولافتقار المحدَث إلى محدِث، ولوجب وجوده بنفسه ﷾].
التعبير بوجوب الوجود في الأصل ليس تعبيرًا شرعيًا، وإنما استعمله الفلاسفة الذين انتسبوا للإسلام كـ ابن سينا وأمثاله، فإنهم إذا قسموا الأشياء قالوا: الشيء إما أن يكون واجب الوجود، أو ممكن الوجود، أو ممتنع الوجود.
والله سبحانه واجب الوجود من جهة أنه ﷾ هو الأول؛ ولهذا لا يعبر بهذا الاصطلاح كتقرير لاعتقاد أهل السنة، وإن كان إذا عرض في باب الرد على المخالف يكون صوابًا، لكن في تقرير قول أهل السنة يقال: إن الله هو الأول ليس قبله شيء كما جاء في القرآن: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد:٣] وثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول في دعائه: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء).
[ ٨ / ٦ ]
كل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل جامع بين التعطيل والتمثيل
[ومذهب السلف بين التعطيل والتمثيل، فلا يمثلون صفات الله بصفات خلقه، كما لا يمثلون ذاته بذات خلقه، ولا ينفون عنه ما وصف به نفسه أو وصف به رسوله؛ فيعطلوا أسماءه الحسنى وصفاته العلى، ويحرفوا الكلم عن مواضعه، ويلحدوا في أسماء الله وآياته].
ويلحدوا في أسماء الله وآياته أي: يميلوا بها عن الحق الذي قصد بها.
[وكل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل: فهو جامع بين التعطيل والتمثيل].
هذه قاعدة عند المصنف: أن كل واحد من فريقي التعطيل والتمثيل جامع بين التعطيل والتمثيل؛ وذلك لأن نفاة الصفات الذين هم المعطلة سواء كانوا نفاة للصفات نفيًا محضًا كالجهمية وأئمة المعتزلة أو نفوا ما هو من الصفات كالصفات الفعلية عند الأشاعرة، يقال: إنهم لم ينفوا هذا النوع من الصفات بتقريرهم هم إلا لأنهم ظنوا -بل أوجبوا- أن إثباتها يستلزم التشبيه، أي: امتنع عندهم ثبوت هذه الصفات إلا مشابهةً للمخلوقين، فهم شبهوا أولًا وعطلوا آخرًا، وإلا لو فقهوا أن هذه الصفات اتصف الرب ﷾ بها، وببداهة العقول يعلم امتناع أن يكون الباري ﷾ مشابهًا لشيء من المحدثات، فإن من عرف الله حق معرفته، وعرف أنه ليس كمثله شيء، وأنه لا يحاط به علمًا عرف أن هذه الصفات لا يمكن لأحد أن يدرك كيفيتها.
ويمكن أن توضح هذه القاعدة عند المصنف بتقرير آخر، وهي أن يقال: إن المخالفين ظنوا أن العلم بالصفة من جهة معناها يستلزم العلم بها من جهة كيفيتها، أي: أنهم رأوا أن بين العلمين تلازمًا في هذا الباب، وهذا التلازم الذي ظنوه هو محل الوهم عندهم، وإلا لو حققوا الفرق بين العلم بالمعنى والعلم بالكيفية -كما عليه السلف ﵏- لما تحصل لهم هذا الإشكال.
إذًا: دعوى أن هذا الإثبات تشبيه يدل على أن الكيفية معلومة، فمن قال: إن إثبات الصفة يدل على التشبيه أو يستلزم التشبيه، قيل: هذا الحكم فرع عن إمكان العلم بالكيفية، والعلم بالكيفية علم ممتنع، فلا بد من التفريق بين العلم بالمعنى والعلم بالكيفية، ولهذا ترى أن مالكًا ﵀ صار قوله قاعدةً في هذا لما قال: الاستواء معلوم فهذا علم بالمعنى، قال: والكيف مجهول هذا نفي للعلم بالكيفية، فهذا التفريق هو الذي التزمه أئمة السلف وهو مما يظهر حذقهم العقلي والشرعي في هذا التقرير، أما أنه حذق شرعي فلأن الله أخبرنا بهذه الصفات ولم يخبرنا بكيفيتها، وكيفيته ﷾ لا يحاط بها ولا يعلمها أحد من الخلق لا ملك مقرب ولا نبي مرسل.
فإن قال قائل: وهل أخبرنا الله بمعانيها؟
الجواب: نعم؛ لأنه لو لم يكن ذكرها في القرآن مضافةً إلى الله يقصد به المعاني المعروفة من جهة الإشراك العام لما كان لهذا الخطاب في القرآن معنى؛ ومما يدل على هذا أن كل صفة جاءت في القرآن إنما جاءت في سياق يناسبها، فإذا ذكر الله من كفر به وقتل الأنبياء قال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:٦] وإذا ذكر توبة المؤمنين قال: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١١٧] فيذكر سبحانه من أسمائه وصفاته ما يناسب المقام؛ مما يدل على أن هذه الصفات على معانيها الظاهرة في القرآن، وإذا قيل: على معانيها الظاهرة فلا يعنى بذلك المعاني التي تضاف إلى المخلوقين، فإن هذه المعاني تليق بالمخلوق.
إذًا هذه القاعدة قاعدة شريفة: أن المعطل مثّل أولًا، أي: لم يفهم من الصفات إلا اللائق بالمخلوق فذهب ينفيه.
أما الممثل فهو معطل؛ لأنه لما مثل صفات الخالق بصفات المخلوق عطلها عن معناها اللائق بها.
[ ٨ / ٧ ]
استلزام مقالة التعطيل للتعطيل والتمثيل
[أما المعطلون فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات؛ فقد جمعوا بين التعطيل والتمثيل، مثلوا أولًا وعطلوا آخرًا، وهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، وتعطيل لما يستحقه هو سبحانه من الأسماء والصفات اللائقة بالله ﷾].
فلهذا وجدت نزعة التشبيه عند المعتزلة في باب الصفات من جهة أنهم لم يفهموا من الصفات إلا التشبيه، ولهذا كان من قواعد المعتزلة الكلامية: أن الأجسام متماثلة، وأن كل من اتصف بصفة فإنه يكون جسمًا والأجسام متماثلة.
وهذه قاعدة ليس لها اعتبار، والإشكال أنهم لم يعتبروا الأشياء إلا بما عرفوه في قانونهم الأرضي، ومن المعلوم أن هذا القانون الذي يشاهدونه ليس لازمًا في عالم الممكنات، ومن باب أولى ألا يكون لازمًا بين الخالق والمخلوق، كما ذكر شيخ الإسلام في التدمرية المثلين لما قال: نعيم الجنة ونعيم الدنيا، فقد اشتركت في الأسماء ولم يلزم من ذلك الاشتراك في الحقائق أو الماهيات في نفس الأمر.
فهذا القانون الذي وعوه هو قانون انحداد ما يعرفونه من الممكنات، ومن هنا جاءوا
اللوازم التي ادعوا أنها تلزم من إثبات الصفات، ومثال ذلك أنهم يقولون: إن الغضب غليان دم القلب -كما ذكر المصنف عن طائفة من الأشاعرة- فهذه اللوازم والتفسيرات للغضب أو لغيره من الصفات مبنية على مشاهدة المخلوقات، وهذا اللازم هو لازم لما يناسبه من المخلوقات، وإلا ليس هو قانونًا عقليًا.
فإنه إذا قيل: العقل يستلزم أن يكون الغضب غليان دم القلب ..
إلخ، وهذا لا يليق بالله، قيل: اللازم ليس عقليًا، إنما لازم حسي مشاهد.
ولهذا لو أخذنا الجسم وقيل: إن هذا الجسم إذا أطلق يستقر، ولا يسقط إلى أسفل.
لقال قائل: إن هذا مخالف للعقل.
وهو -في حقيقته- ليس مخالفًا للعقل، لأن الضابط العقلي عند الناس الآن أن هذا الجسم إذا أطلق سقط إلى الأسفل، لكن هذا ليس لازمًا عقليًا، إنما هو لازم حسي مشاهد، ولهذا إذا تجاوز هذا الجسم بعض المحيطات الأرضية التي يثبت فيها هذا النوع من الحركة ثم أطلق فإنه قد يصعد أو قد يذهب يمينًا أو شمالًا أو قد يثبت في مكانه.
وهذه من القواعد التي عني بها شيخ الإسلام ﵀، وهو: أن العقل لا يعارض النقل، وأن الشبهات التي رأوها لوازم هي لوازم حسية، ومن هنا يقول: إن المعطلة ممثلة؛ لأن اللوازم التي يدعون أنها لوازم عقلية إنما هي لوازم مثالية حسية مشاهدة.
إذًا: فرق بين الضرورة العقلية والضرورة الحسية، فإن الضرورية الحسية لا قيمة لها؛ لأنها عبارة عن قانون داخل محيط الحس، وقد يكون هناك محيط حسي آخر لا يثبت فيه ما يراه الإنسان ضرورةً.
ومن الأمثلة التي توضح هذا أكثر: أنه لو أخذت إنسانًا وغمرته في الماء؛ فإنه يموت، وسبب موته هو انقطاع النفس، لكن لو أخرجت سمكًا من الماء وتركته ساعة لمات، وسبب موته انقطاع النفس، فالإنسان داخل الماء ينقطع نفسه والسمك العكس.
وبهذا يتبين أن الإنسان قد يتصور بعض الاطرادات التي يظنها عقلية وهي -في حقيقتها- حسية.
وكفائدة عامة هنا: حتى الشبهات التي يذكرها الملاحدة تجاه دين الإسلام ككون الإنسان في قبره يعذب، فيقولون: كيف يعذب وهو مطمور بالطين والتراب ..
إلخ؟ كيف يكون حيًا يعذب ..
إلخ؟ هذا كله راجع إلى قانون حسي شاهدوه، وهو أن الإنسان لابد أن يأكل ويشرب حتى لا يموت، لكن هذا ليس لازمًا عقليًا؛ بل هو قانون حسي مشاهد، ولهذا الملائكة -كما يقول شيخ الإسلام ﵀ -: صمط لا يأكلون ولا يشربون.
فهذا المعنى ينبغي لطالب العلم أن ينتبه له في الرد على أصناف المخالفين حتى الكفار، وهو: أن الضرورة العقلية ليست هي الضرورة الحسية، فإن الضرورة الحسية يمكن أن تتغير في محيط حسي آخر، فضلًا عن غير ذلك.
[فإنه إذا قال القائل: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام، فإنه لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم].
أي: إلا ما يعرفه مما يسميه ضرورة عقلية، وهو في نفس الأمر ضرورة حسية، فهو يقول: لو كان فوق العرش لكان مساويًا، أو لكان محتاجًا ..
إلخ؛ لأنه يشاهد حال الإنسان وهو على السرير أو الدابة أو السفينة أو غير ذلك، فهو يعتبر الشواهد الحسية ويريد أن يمثل صفات الله بها، هذا هو معنى قول شيخ الإسلام أن المعطل ممثل.
[كان على أي جسم كان.
وهذا اللازم تابع لهذا المفهوم].
وهذا اللازم -أي: هذا اللازم الحسي- الذي زعم المخالفون أنه لازم عقلي، هو لازم حسي وليس لازمًا عقليًا.
[أما استواء يليق بجلال الله تعالى ويختص به؛ فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي يجب نفيها كما يلزم من سائر الأجسام، وصار هذا مثل قول الممثل: إذا كان للعالم صانع.
فإما أن يكون جوهرًا أو عرضًا ..
وكلاهما محال، إذ لا يعقل موجود إلا هذان.
أو قوله: إذا كان مستويًا على العرش فهو مماثل لاستواء الإنسان على السرير أو الفلك، إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فإن كليهما مثَّل، وكليهما عطل حقيقة ما وصف الله به نفسه، وامتاز الأول بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي، وامتاز الثاني بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين].
وهذه فائدة، وهي: أن ما صح من اللوازم التي يزعمون أنها لوازم فهو لازم حسي، وهذا معنى قول شيخ الإسلام ﵀: إن كل معطل ممثل؛ لأنه استدعى لوازم حسية مثالية جسمانية محدثة، وأوجب أن تكون مطردة في الصفات التي أثبتها.
[ ٨ / ٨ ]